مجلة الرسالة/العدد 1005/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1005/القصص أنظر أيضا القلب المحطم (إيرفينج)

مجلة الرسالة - العدد 1005
القصص
واشنطن إيرفينج
القلب المحطم The Broken Heart هي قصة قصيرة بقلم واشنطن إيرفينج نشرت في مجموعة دفتر جفري كرايون. نشرت هذه الترجمة في العدد 1005 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 6 أكتوبر 1952


القلب المحطم

للكاتب الإنجليزي واشمحطون ارفنج

اعتاد الذين تقدمت بهم السنون وتخطت بهم حدود الشباب فلم يعودوا يتأثرون بما يأثر به الشباب لم يعودوا يتأثرون بما يتأثر به الشبان من عواطف، والذين درجوا على الخلاعة وشبوا في جوها الزاهي حيث لا مقام لشعور أو قرار لعاطفة، أن يهزءوا بأخبار الحب جملة ظانين أنها لا تعود أن تكون صورا وأقاصيص من نسج خيال القصصيين والشعراء، إلا أن خبرتي بدخيلة النفس الإنسانية تحملني على ألا أرى رأيهم، فقد هدتني التجارب إلى أن المرء قد يبدو فاتراً بارداً لشواغل الدنيا وهمومها، وقد يطالع الناس هاشا باشا مراعاة لمراسم المجتمع وآدابه، إلا أن وراء خذات الظاهر الهادئ نيراناً كامنة ترقد في أعماق أبرد الصدور، وهي نيران إذا أثارها مثير احتدمت احتداما لا يعرف مداه، وقد تسوء عقباه. الحق أني مؤمن قوي الإيمان بذلك السطان الأعمى، ذاهب مع تعاليمه إلى أقصى حدودها. إني مؤمن بالقلوب المحطمة إيماني بأن خيبة المحب في رجائه قد تعجل بفنائه، ولكني لا أرى الحب مرضاً كثير الفتك ببني جنسي، في حين أني أؤمن الإيمان كله بأنه المرض الذي يصيب كثيراً من النساء اللطيفات فيزعجهن ويذهب بهن وما زلن في مقتبل العمر وشرخ الشباب

إذ أن الرجل له مصالح وأطماع، وطبيعته تدفعه إلى ولوج ميدان الحياة، والكفاح في معمعانها الصاخب، والحب عنده ألهية في مقتبل حياته، أو أنشودة ينشدها في أوقات فراغه، وذلك لأنه في شغل عنه بما يطمح إليه من شهرة، وما يسعى وراءه من ثروة، وما يروم تحقيقة من فكرة، فهو لا يفتأ مشوقاً إلى بلوغ ما يصبو غليه من سؤدد بين أنداده من الرجال؛ أما المرأة فكل حياتها نهب العواطف، وما سيرتها إلا التاريخ لنوازع القلب؛ فالقلب دنياها إلى تطمع فيها إلى فرض سلطانها وإقرار مكانها، وفيه تنقب عما تتمناه بكل روحها مع سفين العواطف، فإن غرقت سفينتها فقد خاب الرجاء فيها؛ إذ معنى ذلك إفلاس قلبها ودوال دولتها

قد تسبب خيبة الحب للرجل آلاما ممضة، وقد تجرح بعض مارق من أوتار قلبه، وتعصف ببعض معالم هناءته، إلا أنه مخلوق عامل يستطيع أن يبدد أفكاره ويصرفها بالاندماج في دائرة الأعمال المنوعة، كما أن في وسعه أن ينغمس في الملاهي والمسرات، أو يبدل مقر سكناه إذا رأى أن المسرح الذي مثلت عله فصول مأساته محاط بملابسات لا قبل له بتحمل ما تسببه له من غصص وآلام، فيرحل إلى حيث يشاء متخذ أجنحة الصباح طائراً إلى أقاصي البلاد حيث يخلد إلى الراحة والسكينة

أما حياة المرأة فهي بالنسبة إلى حياة الرجل حياة استقرار وعزلة وتأمل، وهي أكثر اصطحابا لأفكارها وعواطفها؛ فإذا ما استحالت هذه إلى رسل ودواع للألم والحزن فإلى أين النجاء، وأين تلقي العزاء؟ إن حظها من الحياة أن تحب وأن تنال، فإذا ما ساء حظها وخاب فألها في حبها فمثل قلبها في ذلك مثل القلعة تقع في أيدي الأعداء فتنهب وتسلب وتترك خواء

كم من عين متألقة خبا ضياؤها! كم من خد أسيل غداً شاحباً! كم من وجه جميل ذوى وطواه الردى دون أن يدري امرؤ السبب الذي أودى بتلك النضارة! فمن طبيعة المرأة أن تخفي عن العالم آلام عواطفها المجروحة كما تضم الحمامة جناحيها إلى جانبيها تخفي بهما السهم الذي يوغل في مقاتلها. وحب المرآة الحساسة هادئ خجول؛ ومهما أصابت في حبها من توفيق فقلما تهمس به لذات نفسها؛ أما إذا خاب رجاؤها في الحب أودعته طيات صدرها وتركته هناك في هم واصب بين طلول أمسها الذاهب، فقد أخفقت آمال قلبها، وانتهت بهجة الحياة الكبرى عندها، فهي عندئذ تعاف الألعاب البهجة التي تعيش الفؤاد وتسرع النبضات وتدفع تيارات الحياة والصحة في العروق، وهي في حالها تلك تقلقها الأحلام السود وتفرغها في نومها، ويمتص الأسى دماءها حتى ليمسي جسمها من الوهن والهزال ينقص ويتهدم تحت أضعف مؤثر خارجي. فإذا ما سألت عنها بعد قليل وجدت الأصدقاء يبكون على قلبها وقد عاجلتها المنية في وفرة صباها، فتعجب ما شاء لك العجب كيف هبطت إلى عالم الظلام والديدان تلك التي كانت تشع منها إلى عهد قريب ضياء الصحة والجمال! فيقال لك أصابها برد أو مرض شائع فتوفاها، وما يدري أد منهم ذلك المرض الفكري الذي سبق فاستنزف قواها وتركها فريسة لأدنى المؤثرات

مثلها مثل الدوحة الفنانة تزهر الغابة بها وتزدان، تقف رشيقة القد مياسة الأغصان وريفه الأفنان بينا ينهش الدود لبها فيسرع إليها الذبول حين يرجى إشراق نضرتها وازدياد توريقها؛ وعلى غرة نراها وقد مالت بأغصانها إلى الأرض وأخذت تتساقط أوراقها ورقة ورقة إلى أن تضمحل وتموت فتهوي في سكون الغاب. فإذا ما تأملنا هذه الأرواح الجميلة أخفقنا في تعليل ميتتها، محاولين عبثاً أن نذكر تلك العاصفة التي عساها أن تكون قد أطاحتها، أو تلك الصاعقة التي لعلها تكون قد صعقتها

لقد لاحظت بعض النساء وهن منحدرات بخطى سريعة نحو الذبول وقد أهملن شأنهن فاختفين من الوجود على مهل كأنهن تبخرن في الهواء. ولقد ظننت مراراً أني أصبت الحقيقة حين عزوت وفاتهن إلى آلام السل المهلكة تارة، وإلى البرد تارة، وإلى الهزل مرة وإلى الأحزان مرة، ولكني وجدت في النهاية السبب الحق وهو يأس الحب وضيعة الأمل

كل يذكر ولا ريب قصة ذلك البطل الأيرلندي الشاب (ا. .) فهي قصة كان وقعها أليما بحيث لا يمكن أن تنسى سريعا؛ فقد حوكم إبان الاضطرابات الأيرلندية متهماً بالخيانة ونفذ فيه حكم الإعدام بالشنق، وكان لخاتمة حياته الفاجعة صدى عميق في قلوب الجمهور، إذ كان شابا في معية الصبي وزهرة الشباب، متوقد الذهن، كريم النفس، شجاع القلب، كمل فيه كل ما يجب في الفتى من كريم السجايا وحميد الصفات، كما كان سلوكه أثناء المحاكمة سامياً تجلت فيه بسالته وإقدامه؛ وكان لغضبته النبيلة في دفع تهمة الخيانة عن نفسه، ولدفاعه الرائع عن اسمه، ولندائه الحار للأجيال المقبلة وهو في موقف الاتهام وساعة اليأس. . صدى مدو في أعماق كل صدر كريم، حتى أن أعداءه أنفسهم نددوا بتلك السياسة النكراء التي قضت عليه بالقتل

ولكن قلباً واحداً بين هذه القلوب فاقت حسرته ولوعته كل وصف، ذلك هو قلب تلك الفتاة الجميلة ابنة أحد مشاهير المحامين الأيرلنديين التي كان قد نال حبها أيام سعده وتوفيقه، وكانت هي قد أحبته لأول ما أحبت بتلك الحماسة التي تحب بها المرأة حبها الأول في مقتبل أيامها. لقد كانت تحبه أيام محنته، أيام تألبت عليه أقاويل الناس وأحكامهم، أيام عصفت العواصف بماله، وتهدد العار والدمار اسمه، وأحاط به السوء من كل جانب. ولقد كان يزيد حبها له معاناته لتلك الآلام، فكيف بها اليوم وكيف ألمها وهي التي كانت تهيم بطيفه وتشغف بخياله. وقد حرك المصاب نفوس عداته، سل عن ذلك من سدت أبواب القبر بغتة في وجهه، وفرقت بينه وبين من لم يعدل به وبحبه أحداً، وقد جثا على حافة القبر كالمطرود في دنيا باردة موحشة ذهب عنها ما هو محبوب وكل ما هو جميل

يا لهوله من قبر! كم هو مهين! وقد خلت الذاكرة مما عساه أن يخفف غصة الفراق. ولم تستطع تلك الملابسات الوديعة وإن خالطها الغم، أن تذيب ذلك الحزن في تلك الدموع المباركة التي تنزل كالظل من السماء برداً وسلاماً على القلب في ساعة الفراق الممضية

ترملت، وزاد في وحشة حياتها أن تلك الصلة قد أثارت غضب والدها وسخطه فنفاها من بيته. ولو أن صديقاتها روعت نفوسهن ومنعهن الخوف أن يهبنها عطفهن، لما أعوزها العزاء؛ فالأيرلنديون قوم حساسو النفوس كريمو الشعور. ولقد مدت إليها بيوتات كريمة يد المعونة وأحطنها برقيق الرعاية وقدمنها للمجتمعات، وحاولن الترفيه عنها بشتى الملاهي والمسرات ليزول عنها حزنها ولتبعد عن فكرها ذكرى مأساتها، إلا أن ذلك كان عبثاً في عبث، فإن من النكبات ما يتلف النفس ويذويها وينفذ إلى منبت السعادة فيسحقه سحقاً فلا يعود إلى إنبات. أما هي فلم تأب التردد على منتديات السرور، ولكنها كانت فيها منفردة بنفسها موكولة إلى أساها، فكانت تسير في وجوم يغيب فيه الشعور بالدنيا التي تموج حولها، وكانت تحمل في نفسها على الدوام هما دفيناً يسخر بمداعبات الصديقات، ولا تحفل بسحر الغناء ولا بجمال الرقص

لقد رآها من روى لي قصتها في (كرنفال) وقد أخبرني أنه لم ير منظراً للبؤس أكثر إيلاما للنفس من رؤيتها في هذا الحقل الحافل تمشي كالخيال الضارع وحيدة كئيبة؛ بينما كل ما حولها زاه بهيج، وقال لي أنه رآها تلبس حلل المرح في حين تسير ساهمة الوجه ممتقعة اللون يغمرها الأسى كأنما تحول عشا أن تخدع قلبها لحظة تنسيه فيها حزنه المقيم. وعد أن طافت بالحجرات الفاخرة وجالت بيم ذلك الحشد الصاحب شاردة اللب جلست على درج منصة الموسيقى؛ وبعد أن نظرت إلى الفضاء برهة وهي شاخصة الطرف يبدو عليها عدم الشعور بجمال المناظر من حولها، أخذت تغني، شأن القلب العليل في تقلب أطواره، فكان شدوها باكيا، لقد كان صوتها رخيما إلا أنه في هذه المرة كان مؤثرا بسيطا، فتنفست عن نفس بائسة، والتف حولها الجميع وساد السكون، فأذابت النفوس وأدمعت العيون

لقد أثارت قصتها شغف الناس؛ إذ أن قصة سيدة على ذلك الإخلاص وهذا التفاني لا بد أن تثير إعجاب الناس في بلد عرف أهلوه بالحماسة والوفاء، فأحبها وأغرم بها ضابط باسل خطبها وهو يحدث نفسه بأن من كانت تظهر هذا الإخلاص للميت، تظهر ولا شك مثل هذا الإخلاص للحي، إلا أنها خيبت أمله في ذلك إذ لم يكن في وسعها أن تصرف فكرها عن ذكرى حبيبها الأول! على أنه أصر على طلبه قائلاً: أنه يكفيه منها التقدير بديلاً عن الحب. وساعده عليها اقتناعها بجدارته وعوزها واعتمادها على الغير إذ كانت تعيش على ما تجود به الصديقات، فنجح في النهاية في الحصول على يدها مع تأكيد رهيب بأن قلبها ما زال ملكاً لغيره ولا سبيل إلى صده عن هواه

سافر بها إلى صقلية لعل تبديل المناظر يمحو ذكرياتها القديمة، ولقد كانت رقيقة القلب مثال الزوجة الصالحة؛ فحاولت أن تسعد بزواجها، إلا أن هذا الهم الساكن وذلك الحزن الكامن لم ينجح فيهما علاج

فذبلت رويداً رويداً، وأخذ منها الهزال مأخذه، فسارت وشيكاً إلى انحلال لا أمل في البرء منه وهوت أخيراً إلى قبرها ضحية القلب المحطم

وقد نظم فيها مور الشاعر الأيرلندي الشهير أبياته الآتية:

بعيدة عن الأرض التي بها مثوى بطلها الحبوب،

يلتف حولها المحبون وهم يصعدون الزفرات،

إلا أنها تشيح عنهم بوجهها وتأخذ في النحيب،

فقد علق قلبها بالثرى الذي ضم الحبيب،

تنشد أغني الفطرة عن مواطنيها السذج الأعزاء،

مؤثرة ما كان يحبه من بين تلك الأنغام.

آه ليس يدرس أولئك المعجبون بألحانها

كم يتمزق قلبها وهي تشدو بأنغامها!

عاش لحبه ومات في سبيل بلاده،

وكان هذان كل ما يعنيه من دنياه؛

وسوف لا تجف عاجلاً دموع بلاده عليه.

ولا أمل لمن أحبه أن يعيش طويلاً من بعده ابنوا قبرها حيث تستقر أشعة الشمس،

حين تؤذن بغيابها بدنو غدٍ موموق،

حتى تضيء عليها في ضجعتها كبسمة من المغرب

من جزيرة الأحزان التي أحبتها وعلقت بها

ح. ك