مجلة الرسالة/العدد 10/في الأدب الشرقي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 10/في الأدب الشرقي

مجلة الرسالة - العدد 10
في الأدب الشرقي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 06 - 1933


من الشعر التركي

للشاعر المرحوم إسماعيل صفا

ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام

(1) الشيخ البائس

احدودبت قامته، وارتعدت رجله ويده، وشحب لونه، وترنحت خطواته، ونمت أسرة وجهه عن فجائع حياته.

أن تنعم النظر في عينيه البارقتين، ومحياه الواضح، ولحيته البيضاء، تتبين انه طوف في الصحارى والبحار، وتهادته المدائن والقفار، وما جبينه المشرق إلا كتاب مفعم بالخطوب.

وقد غشى وجهه اشمئزاز من الحياة، وبرم بها، فالعالم أمامه مقبرة مكررة.

وتقرا في وجهه انه نضو حانات، شرب صفوها وكدرها، وتجرع ألوانا من سمومها.

رأيته لأول مرة، فقلت: ليت شعري من الرجل؟ ولست ادري لماذا زدت على الأيام شغفا بمعرفته، وكلفا بأستكناه أمره، انه يمر بداري كثيرا، فهو لا ريب أحد جيرتي، ولكن من هذا الشيخ البائس المحبوب الطلعة؟

كم لقيته شريدا تتقاذفه الطرقات، وتعثر به الخطوات، قد تأبط زجاجته، وقطب أسرته، فليت شعري من هو، وماذا يضطرب في ضميره؟

ذهبت يوما إلى أيوب، إلى غابة السرو المترعة بالأحجار وغصت في لجج من الفكر ما لها من قرار، ألست أرى الشيخ السكير؟ نعم انه هو. قد استند إلى شجرة من السرو وضرب بيده على لحيته مفكرا حزينا. وأمامه صفائح عتيقة قد استغرقت نظراته، واستبدت بأفكاره.

مشيت إليه على هينة حذراً، وقرأت ما كتب على القبر فعرفت حال الرجل ورثيت له، وجاشت في نفسي ثورة من الحزن والغم، وكان الذي قرأته هذه الأبيات:

(وا حسرتاه! إن صرصر الأجل العاتية، قد ذهبت بشجرة الأمل الناضرة، وقد مشى الموت الجبار على زهرة حياتي، فما الدنيا من بعد إلا مأتم، وما فرحي وعيدي إلا الحزن والغمّ).

إن تاريخ رحلته واحسرتا قد أتفق: (جنت مقرا ولدي محمد فريدمك) (صارت الجنة مقر محمد فريدي) سنة 1299

(2) ليكن لك

ليكن لك ما غاب في العالم من جمال وحضر، وما ظهر من حُسن فيه واستسرّ، والسحائب بألوانها الباهرة، والصحارى بمرائيها الساحرة، وكل ما ترنم به العشق من غناء، وما إفاضه الوجد على ألسن الشعراء، وهذه الحدائق بنفحاتها ونغماتها، وهذه القبة المنيرة بشموسها وسياراتها، ومطلع الشمس في روائه، والقمر في لألائه والأزهار في حلل من الشفق، والأسحار مزدهرة في الغسق.

ليكن لك الجبال والبحار، والفلوات والأشجار، لتكن لك الدنيا دائمة السراء والسعادة والصفاء، ليكن لك في هذه الحياة كل ما تشائين، وليكن طوع أمرك ما تشائين، وليكن تحت طوعك ما تحبين.

ولكن كوني أنتِ لي يا حبيبتي، كوني أنت وحدك لي.

(3) قلت وأقول

قلت: لو إن الليل المظلم صار نهارا!

وقلت: حين أمضّي الشتاء: لو انه انقلب ربيعا معطارا!

قلت: ولو إن طودا تخلله الأشجار، وتزينه الرياحين والأزهار، مشرف على لجج البحار.

قلت: ولو هنالك صحارى ومروجا تمرح فيها الطير والحملان.

قلت: ولو وقعت في الصحراء الظباء، فكلما بصرت بي أجفلت وانطلقت حيث تشاء

قلت: ولو إن على الجبل شجرة دلب عتيقة ولو إني في ظلها وحيد، وعلى غصونها بلبل غريد!

قلت: ولو خلع القمر على الكائنات حلل الضياء، وغشت السكينة الأرجاء.

قلت: ولو إن الأرض كلها والسماوات معطرة الأرجاء مضيئة الجنبات.

قلت: ما كنت لأسعد بهذا كله إلا أن يسعد طالعي فيؤنسني حبيبي.

وأقول الآن: هب كل هذا ميسرا. إنه واحسرتا! ظل زائل، فلو ذهبت إلى عالم لا تحول لذاته، ولا تفنى مسراته!!