مجلة البيان للبرقوقي/العدد 61/الجهل وخجلنا منه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 61/الجهل وخجلنا منه

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 61
الجهل وخجلنا منه
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 10 - 1921


وطرق إخفاؤه

ليس في العالم شيء هو أشد ما يبعث الخجل فينا من أنفسنا ويشعرنا بالعار من اعتقادنا بجهلنا، مع أن جميعا جاهلون بأغلب الأشياء التي لا بد من العلم بها وإذا صح هذا أفليس عجيبا أن نخجل من ظهور غلطنا ونستحي من نقيصة هي عامة منطبقة على الجميع على أنا لم نكن لنخجل أو (لننكسف) لولا خوفنا من أن نصغر في أعين الناس ونضؤل في المجتمع، فإذا أظهر أحد الناس جهلنا باللغة الألمانية مثلا أو بقوانين لعبة البليارد أو البر يدج أو بأي موضوع آخر فنحن لا نحفل بكلامه ولا ببراهينه على أنا جهلاء ما دمنا على انفراد معه لا ثالث لنا. لأننا لا نستطيع أن ننكر كل شيء ونستمر على (بلع) جهلنا بلا خوف ولا خشية، وثانيا لأن لا ننعدم كلمة تتفق لنا معرفتها، ولا يعرفها محدثنا، أو كتاب نحبه ولم يكن قرأه، ونستطيع أن (نلخمه) به. ثم يمكن لنا أيضاً أن ندعي أن الموضوع الذي ظهر فيه جهلنا موضوع تافه لا أهمية له - أو موضوع خاص يتشدق بمعرفته الأدعياء، وأنه موضوع مركون في زوايا الإهمال لا يحفل به أحد. ونستطيع كذلك أن نرسل ضحكة طويلة عالية في وجه مخاطبنا ونقول له إنه حافظ له كلمتين وإنه لا يتخير ما يحفظه وإنه يجب أن يظهر معرفته ويخرجها في الهواء الطلق لتجفيفها من الرطوبة التي علقت بها من كثرة خزنها في ذهنه. أو نستطيع أن نهاجمه بالنكت والدعابات والسخريات حتى يغضب ويغلق باب الحديث وهلم جرا ولهذا لا ضرورة إلى الخجل ولا حاجة بنا إلى الإستحاء.

ولكن ما العمل إذا حضر مجلسنا قوم آخرون. وتلك التي تصفر منها الأنامل. هذه مسألة أخرى. لأن الخجل من جهلنا لا يلبث أن يعلونا ويهزمنا هزيمة ملعونة. ولا يترك لنا وسيلة للدفاع عن أنفسنا. يل نصبح تحت رحمة الشخص الذي كشف الغطاء عن جهلنا الفاضح ولا يسعنا إلا الاعتراف بالجهل والرضا بالمعرة والخزي.

ولكن لا تنسى أن كل هذا يتوقف على تقدير الناس الذين في المجلس لمعنى الجهل. ولا شك في أنه أظهر أحدنا جهله بركوب الخيل في نادي السباق مثلا فلا يكون نصيبه إلا الفضيحة. والعار الشنيع. وكذلك إذا كنت في مجلس بعض العمد والأعيان. في أحد البنادر أو أحد القرى. إذا أنتم بعد العشاء في (الدوار) وأظهرت جهلك بالجرائد وما يكتب في الصحف. ومقاصد السياسة المحلية. فلا تصيب منهم إلا الاحتقار، ولا تخرج إلا مفضوحا مسخورا منك وإذا جلست يوما مع الفقراء فلا بد لك من أن تكون في ثوب نظيف. وتتكلم بعظمة وزهو ولطف كأن الثوب النظيف الذي عليك ملكك الخاص وشرائك بفلوسك. ولا بد لك من إظهار معرفتك بالذوات والأغنياء فلا تتكلم كلمة إلا ذكرت صاحبك الباشا الفلاني. وصديقك البك الفلاني. وهلم. واعلم أنك في مجالس الشبان وفتيان العصر. لا ينبغي أن تظهر جهلك بالشرور والشهوات على أنواعها. لأنك لا تصيب من إظهار جهدك إلا احتقارهم وزرايتهم بك، وإنه لخير لك أنك لم تولد ولم تخرج للدنيا من أن تظهر لهم شكك في فائدة الخمور أو جهلك بأساليب التغزل والمنادمة.

وقد مات في العام الماضي رجل من شدة خجله وفضيحته لأنه لم يعرف اسم رئيس الجمهورية الحالي في فرنسا. وكثيرون نراهم جالسين في ركن القهوة أو زاوية الحان. في مسكنة وضؤولة لأنهم يخشون من الجلوس مع الفتيان فتظهر عورة جهلهم.

ولا ريب في أن كثيرا من المعلومات التافهة الحقيرة الضئيلة التي لا معنى لها ولا قيمة. لا يستطيع الإنسان أن يستغني عن معرفته إذا أراد أن يعيش في المجتمع ويزج بنفسه في وسط الناس. على أنه لا ينبغي لنا أن نحاول تعلم كل شيء يراد معرفته. لأن هذا بالطبع مستحيل، ولا معرفة كل شيء معروف معلوم، لأن هذا يبعث الملل، ويضيق الأنفاس، وأنما علينا أن ندرس الوسائل التي نستطيع بها إخفاء جهلنا في المجالس والهروب بأنفسنا من الوقوع في الفضيحة والعار.

وهذه الوسائل كثيرة ومتعددة وسهلة الإنفاذ، فأقواها بل أشدها خطرا هي إدعاء الغضب والخروج عن الطور والتشنج والصياح والتعجب كيف يكون في الدنيا مجانين مغفلون يحفلون بمعرفة هذه الأشياء التافهة البليدة. أقول - أقواها لأنها تثير في الحضور ذلك الإحساس الذي يجعل الصغار ضعفاء مستكينين ضئالا أمام ما هو أعظم منهم، وهي مع ذلك أشد الوسائل خطرا لأنها إذا لم تحدث تأثيرها المطلوب لا تغنيك عن الألم. وقد تؤدي بك إلى مشاجرة ملعونة وقد لا تصيب منها إلا البهدلة والضرب على أم ناصيتك. وقذف الكراسي في وجهك ولكن كثيرين من الناس يستحسنون هذه الوسيلة ويعمدون إلى اتخاذها وهي في كثير من الأحيان تنتهي إلى النجاح. وتفعل مفعولها.

وهناك وسائل أخرى أحسن من هذه. فواحدة منها أن ترد الهجمة بإظهار معرفة واسعة بموضوع مطلق يخالف الموضوع الذي يحاجك فيه مكلمك أو أن تذكر كتابا أو كتابين عارض صاحبه أو صاحباهما الفكرة التي يشرحها المخاطب وأظهر فسادها وضعفها وسخفها، وتخترع من أسماء الكتب التي لم توجد في العالم ما شئت. ولكن هذه الوسيلة تحتاج إلى المهارة وإلى وجه (تلم) وصدغ صفيق. فإذا تيسر لك كل ذلك فأنت ولا ريب الناجح الموفق.

على أن هناك طريقة أخرى لإخفاء الجهل بلباقة وهي أن تتقهقر أما مخاطبك ببلاهة مدعيا أنك جاهل بكل الأشياء العادية الصرفة وزاعما أنك إنما كنت تعرف ما كان يقال أمامك. ولكنك أغفلت إظهار المعرفة استسخافا واستهزاءا بتفاهة ما قيل ولهذه الطريقة أسلوب هو عندي أبدع ما أتخذ من الطرق في الذود عن فضيحة الجهل وهي أن تظهر جهلا تاما بينا ساطعا بكل ما يذكر أمامك وتظل على إقفال فمك والاعتصام بالسكوت، والنظر في ثبات وهدوء وتحتال بكل الحيل على أن تظهر أن لديك مادة لا تنفذ من العلم الذي هو أرفع مما تسمع وأسمى مما يقال أمامك.

وآخر وسيلة لإخفاء الجهل هي أن تحطم الأطباق التي فوق المائدة والصحاف التي فوق الخوان وتكسر الكرسي الذي كنت جالسا عليه وتشب النار في المنزل وتطلق النار على نفسك. أو أن لم تستطع فما عليك إلا أن تأخذ الفضيحة من جنبك وأنت تنظر.

ولكن هذه طريقة الجبناء فقط ووسيلة الرعاديد والخوافين. وأما الرجل الشهم الشجاع الجريء فيخرج إلى الردهة ويعود وهو رافع هراوته ويصيح بالرجل الذي عرضه للفضيحة (أنت قصدت متعمدا أن تظهر جهلي أمام هؤلاء الجمع ولهذا سأضربك بهذه العصا حتى تشبع أمام هؤلاء جميعا).

فإما أن تنفذ قولك فتنجح أو تأكلها أنت حتى تشبع وهذا كل ما أقوله عن الجهل وفضائحه.