مجلة البيان للبرقوقي/العدد 50/حديث المائدة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 50/حديث المائدة

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 50
حديث المائدة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 9 - 1919


قال الأستاذ: فرح أصحاب المائدة بعودتي إليهم حتى قال لي أحدهم على سبيل الإطراء (إنك لتتكلم كالذي يعتقد صحة كلامه) فكأن هذا الرجل كان يرى ذلك فيّ خلقاً نادراً وخلة غير معهودة حتى ذكرها لنا.

قلت (أي الأستاذ): من حاول التحدث بجد وإخلاص عرض نفسه للوقوع في آفتين الأولى: الصراحة المؤلمة. والثانية: الغلظة. ولا يخفى أن الغرض من التحدث إلى رجل أجنبي هو أن يعطي الإنسان ويأخذ من الحياة الحقيقية الخاصة بالاثنين أقصى ما تسمح به الفرصة. ولكن الحياة والحديث كثيراً ما يتضاءلان حتى يستحيلا إلى مجرد ألفاظ فارغة. ولقد روى لنا المستر (هاك) عدة نوادر عن أسلوب المحاورة بين رجلين من أهالي الصين كانا يتحدثان الأحاديث الطويلة المسهبة دون أن يلفظ أحدهما بكلمة ذات معنى: وهذه الأعجوبة ليست مقصورة على القاطنين وراء السد (سد يأجوج ومأجوج - حائط الصين) من الجنس الأصفر ولكنها تصادف كثيراً في النازلين دون السد من الأجناس الأخرى وأبرع المحدثين من الصينيين بضع نساء حسان أعرفهن وألقاهن أحياناً. فإذا رأيتهن فما شئت من ظرف وإيناس ومنطق حلو رخيم الحواشي تتطاير منه شظايا الملق والتقريظ تطاير نتف الوريقات الذهبية في الماء المعطر - وتنسجم ألفاظه انسجام الجدول السلسال - لا ترى فيه طغياناً ولا ركوداً - ولكن كلمات مؤتلفات متناسقات لا يتخللها مجاز بديع ولا استعارة مدهشة - فهن يصغن من الهواء ألفاظاً حلوة الانسجام لا تجد فيها من المعنى إلا مثلما تجد في السحاب من القصور الخيالية أو في جمرات موقد الشتاء من الوجوه الوهمية.

لعلك أيها القارئ، كنت يوماً في قطار ففصلت عنه الآلة البخارية قبل بلوغه المحطة بمسافة بعيدة على أن القطار استمر بالرغم من ذلك في مسيره بسرعة وسكينة كما لو كانت الآلة لم تزل متصلة به وتسحبه. ولو لم تكن قد أبصرت بعينك الآلة تفصل وتنعطف في طريق جانبي لما هجس بظنك أنك تسير بقوة حقيقية ميتة. فهذا كمثل أولئك النسوة الحسان الآنفات الذكر - فلعمري إن فيهن من تفصل ذهنها فصلاً تاماً عن حديثها ـ.

وأعجب من ذلك أننا لا نشعر بما صنعت فلا نرى البتة فرقاً. فشفاههن تساقط الكلم المستعذب كما تساقط أناملهن قطرات النغم المستملح من معازفهن - فالاعتياد المجرد من الإدراك يحول المعنى حروفاً ملفوظة على نحو ما يحول المعنى الموسيقى حروفاً نغ (حروف النوطة) ولكنهن بالرغم من ذلك كله يحكمن العالم ويملكن أعنة الوجود - وما ذلك إلا لأن الجمال هو عنوان حقيقة أجل وأعظم من الحكمة.

هنا سألتني السيدة الأرملة ربة الوقار والجد تفسير جملتي الأخيرة.

قلت لها: سيدتي إن الحكمة خلاصة الماضي. أما الجمال فهو ثمرة المستقبل.

هذه كلمة استطرادية ثم نرجع إلى ما كنا فيه فنقول: هبني جلست على مائدة الإفطار إلى جنب رجل إنكليزي ذي فطنة وذكاء. فأول ما يجري بيننا هو أن كلينا ينظر في وجه صاحبه ثم نتبادل بضع كلمات.، وقد قرر كل منا في نفسه شيئاٍ - وهو تحاشي إساءة جليسه واستعمال الرقة واللطف والمبالغة في المجاملة والاحتفاء إذ كانت العواطف التي يشعر بها كل نحو الآخر ودادية محضة. فإذا تنازعنا الشراب. فنفض من حمرته على وجهينا ومن جمرته في دمائنا ازددنا رقة ودماثة.

قالت الأرملة: ما أحسب الذين يتحادثون على الخوان خلقاء أن ينطقوا بشيء من جوامع الكلم أو نوابغ الحكم ولاسيما إذا خالطت رؤوسهم المدام وصدمتهم حميا الكاس قبل الشروع في هرائهم ورطانتهم.

قالت الأرملة هذه الجملة بحموضة مسكرة كما لو كانت ألفاظها قد غمست في مادة (خلات الرصاص) ومثل هذه الجملة كان يسميها زملاء شبيبتي (الطعنة الخلس).

قلت في نفسي لا بد من القضاء على هذه المرأة.

فنظرت إليها وقلت: سيدتي إن المعلم الأعظم السيد المسيح كان مولعاً بالحديث على الخوان لأن هذه العادة كانت في زمن غابر ومكان قصي نسيت عظم قيمتها وجليل مزيتها؟

نسيت أنها كانت ولائم صادقة التف على موائدها أناس جياع ظماء شتى المذاهب والطبقات. ويحتمل أن القوم كانوا يديرون أحيناً أحاديث الخلاعة والمجون. ولا شك أنهم يديرون أكواب العقار.

إن الخمر مهما تكن منافعها ومضاره الصحية فإنها ولا شك أحسن دواء لعلاج الولائم البليدة المملة. ولا يخفى أنه كلما أقيمت مأدبة حرها طائفة من الناس مختلفوا الحالات النفسية والبدنية فالغرض المقصود والحالة هذه محاولة التسوية بين هؤلاء الجماعة في مسافة ساعة حتى يجمعهم صعيد واحد من الأنس والابتهاج والبشر. فالطعام وحده قد يستطيع أن يصنع ذلك ولكن بفرد واحد من الجماعة. والحديث وحده قد يكفي فرداً آخر. ولكن المسوى الأعظم والموحد الأكبر هو الخمر التي ما زالت اليوم على عهدها يوم (أبصرها الماء فاحمر خجلاً) ويوم استحلت الستة الأوعية المملوءة ماء إلى خمرة صرف عتيقة.

نرجع بعد هذا الاستطراد إلى ما كنا فيه من موضوع المحادثة مع الرجل الإنكليزي ذي الفطنة والذكاء. فنقول:

يبدأ المتحادثان بالمناوشة ببضعة معان خفيفة - تبحث عن الأفكار وتستكشفها كما يفعل الكيماوي الكهربائي عندما يحاول استكشاف تياره، فيستعمل ورقة من عباد الشمس الأزرق للاستدلال على الأحماض وورقة تورموريك للاستدلال على القلويات - طريقة الكيماويين في تعيين ماهية المركبات المجهولة. وتارى ترى المتحادثين يرميان المسبار في الماء ثم ينتزعانه فيفحصان ما جاء به من الرمل والمحار ليعرفا هل سيبقيان طويلاً في الأوشال والطحاطيح (الماء القليل القريب القعر) أو قد أشرفا على الغمار وأوشكا أن يلقيا (حبل الماء العميق).

إن تيار أفكاري منقسم إلى ثلاث طبقات فوق بعض. وبيان ذلك أني إذا جالست إنساناً فطفق يتحدث إلي تبعت أقواله وأحواله بالطبقة العليا من تيار أفكاري ولكن تحت هذه الطبقة العليا يفيض تيار آخر سفلي من انتقاداتي على أقواله وأحواله وتحت هاتين الطبقتين تجري طبقة ثالثة من شعور مستقل لا علاقة له بما فوقه. وهاك بيان هذه النظرية بالكتابة.

(أ) الطبقة العليا - الفكر وهو يتبع امرأة تتكلم.

(ب) الطبقة الوسطى - الخواطر التي تصحب الطبقة العليا.

(ج) الطبقة السفلى - وسوسة فكرة ذاتية مترددة ملحة.

الشرح

(أ) حلة بيضاء ذات أهداب زرقاء محلاة بأزهار حريرية وباقة من زهر التفاح - أساور دمالج وقلادة من اللؤلؤ وقرط من اللؤلؤ وقرط من الذهب - حذاء من القطيفة وجورب من الحرير الأبيض.

(ب) خيبة الله على هذه المرأة! يا للسخف ويا للحماقة! ما أرذل هراءها وما أثقل ثرثرتها (نظرة من النافذة على الشارع - ثلاث صفحات في وصف مستوعبات هذه النظرة لو حاولنا كتابتها - على أن النظرة لم تستغرق أكثر من عشر ثانية) تباً لك أيتها المرأة العجوز وسحقا! (تقع العين على صورة معلقة فوق الموقد) ما أشبه أنفها بأنف أمها وسائر أنوف أسرتها! هذه أنف زنجية لماذا لا تخرمها وتلبس فيها حلقة؟.

(ج) أخشى أن أتأخر عن ميعاد المحاضرة - أخشى أن أتأخر عن ميعاد المحاضرة - أتأخر عن ميعاد المحاضرة، عن ميعاد المحاضرة - ميعاد المحاضر - ميعاد المحاضرة الخ الخ الخ.

إن الطبقة الفكرية العميقة قد تبرز أحياناً إلى حيز الشعور بالكيفية الآتية: تستمر الطبقة أو الطبقتان الفكريتان العاديتان في الاطراد والجريان ولكن تشوبهما قوة خفية لا تزال تعترضهما وتزعزعهما بكيفية غامضة مبهمة - دأبها ذلك حتى تراني أصيح فجأة قائلاً (ها هي! لا زلت أعرف أن هناك شيئاً يقلقني ويكدر صفوي) وإذا بالفكرة التي ما برحت تتغلغل خلال الطبقتين الآنفتي الذكر قد نفذت فيهما فنجمت منهما وطفت على وجههما واضحة بينة - واجباً ثقيلاً أو ذكرى أليمة.

بدأ الرجل القزم المشوه الوارد ذكره في النبذة السالفة بتقريظه بلده بوستون واسترسل في ذلك مسهباً مستفيضاً كدأبه وديدنه.

فرد عليه الفتى الجميل الجالس بحذائه وهو من أهالي ماريلند قائلاً: لم هذه المقارنات والمفاضلات بين مختلفي المدن والبلدان؟ أليست كلها أمريكية وكل أمريكي منسوب إلى أمريكا بما ضمنت من البلاد والقرى؟ وهب أنكم أهالي بوستون أرجح أحلاماً وأرحب إفهاماً من سائر أهل أميركا فمن ذا يحسدكم على ذلك أو يبغضكم من أجله. نحن أمريكيون جميعاً. وحيثما رفعنا أبصارنا فرأينا الراية الأمريكية تخفق فوقنا وترفرف فذاك مستقرنا وموطننا!

قلت: إن حصر الذهن في أي نقطة محدودة يعوق نموه ويكدي شبابه ويرده قزماً قصيراً دميماً.

قلت ذلك وفاتني أن في هذه الكلمات تعريضاً بقصر الرجل ودمامته ولكنها لم تفته فأسرها في نفسه وتململ لها أسفاً وكمداً وامتقع لونه. ثم اشتد به الكرب فما أطاق استقراراً في مجلسه فهم بالقيام قائلاً:

اسمحوا لي أن أنصرف.

هنا ارتفع صوت حلو رخيم فيه رنة حنان ورقة قائلاً: كلا إنه لا يقصد إلى ما ذهب إليه ظنك. وإنما قال ما قال غير متعمد كلا والله لن تذهب. ورفعت ي بضة عضة بيضاء فاستقرت على عضد الرجل المسكين.

هذه هي الفتاة إيريس العذراء اليتيمة الحسناء - إحدى جلاس المائدة.

هنا ارتفع صوت أناثي آخر بلهجة كأنها محلول حمضي شديد من الجد والوقار والحشمة خال من أدنى أثر من اللطف والرقة فقال: إيريس عزيزتي رويدك انظري ما تصنعين!

ولكن الفتاة لم تبال بتحذيرات الأرملة ذات الوقار وبقيت واضعة يدها على عضد القزم المشوه - فكانت صورة بديعة يعدها المصور غنيمة وفرصة - دامت بضع ثوان ولا عجب. فأي شيء أغرب وأندر من منظر المليحة الحسناء في ريعان الشباب ورونق الصبا والقزم المشوه الدميم عليه وصمات الطبيعة القاسية وآفاتها ولعناتها ينظر أحدهما في عيني الآخر وقد امتزجت نظراتهما واختلطت لحاظهما.

لأكبر ظني أن القزم لم يظفر قط في حياته بمثل هذه النعمة ولم يفز بمثل هذه النظرة من حسناء قبل إيريس ولا شك أن الفتاة لم تنظر قط في عينين كهاتين تغلغلت ألحاظهما إلى أعماق روحها - لا أقول أن عيني القزم كان لهما بريق وإشراق خارق للعادة - ولكن كان فيهما تلك النار الحزينة التي تلتهب في أرواح من ينظرون إلى جمال المرأة بلا أمل - ولكن يأسها لمزيد الأسف مصحوب أبداً بالوجد والهيام والكمد. فخيل إلى القزم أن هاتين العينين كانت كمياه الجدول الشفاف وأنه قد أبصر في أعماقهما المبهمة روضة أنفاً مغلقة الأغلفة والبراعم تنتظر طلوع فجر عاطفة شديدة فتتفتح أزهارها وتينع ثمارها وتدوي خمائلها برنين نغمات الهزار والبلبل.

هذه الاستعارة من بنات أفكاري أنا - أستاذ المائدة - لا من بنات أفكار القزم، فإن القزم لم يتخيل مثل هذه الاستعارة في تلك اللحظة وليس في مقدوره ذلك ولا في مقدور أي إنسان آخر في مثل ذلك الموقف الحرج. وإنما كل ما جاش بصدر القزم إذ ذاك هو لوعة حزن وحرقة بث وأسى لا يعبر عنها لسان ولا يصفها بيان - ثم أنين باطن صامت.

قال القزم للفتاة بنوع من التغزل (نحن رهناء أدنى إشارة من السيدات - وطوع بنان الجنس اللطيف) قال ذلك وحدثته نفسه البشرية والطبيعة الغريزية - تلك الطبيعة التي تحنو وتتحدب على جميع أولادها، ولا تترك أشقى المخلوقات وأبأسهم وأشدهم تشويهاً وأكثرهم علة وآفة بلا عزاء طفيف من اعتداد بالنفس واعتقاد بأن لا تخلو من بعض المحاسن والمزايا - تلك الطبيعة حدثته بأنه قد أجاد وأحسن في رده على الفتاة وأن جوابه الخلاب لا بد قد أصاب حبة قلب الغادة - وهنا غرق ذهنه في لجة من الخيالات العذبة والأحلام اللذيذة ثم أن الأوهام الجنونية القديمة والخواطر المتهوسة العتيقة التي ما برحت تحوم على الأبواب التي يحرسها العقل والرأي الصحيح وما فتئت تنتظر غفلة العقل وترقب غرته - إذ كانت تعلم أنها إذا حاولت الدخول طردها العقل رفساً بالقدم مع التحقير والإهانة - هذه الأوهام الجنونية القديمة والخواطر المتهوسة العتيقة هجمت على تلك الأبواب في هذه الفرصة وتهافتت متكاثفة متراكمة يطأ بعضها على أعقاب بعض وهي في حالها هذه مبهمة متقطعة غامضة خجلة ن نفسها ولكنها تتزاحم وتتضاغط في أعماق الفؤاد حتى حمي الفؤاد واستحر من شدة احتكاكها واصطكاكها - وإليك بضعة أمثلة من هذه الأوهام الجنونية والأفكار المتهوسة: ألا تذكر أن جون ويلكيس أقبح الناس خلقة وأبشع أهالي إنكلترا صورة قال لبعض أصحابه أني إذا سبقت أجمل الرجال إلى لقيا أي سيدة بمسافة نصف ساعة فقط ضمنت لكم أن أصيبها وأسبينه فأستحوذ على لبها بما لا يدع فيه محلاً لغيري؟ (2) ألا تذكر كاديناس الشيخ الأشيب الهرم المتوحش الهمجي يقتاد الغانيتين الفتانتين (ستيلا) و (فانيسا) وقد استهواهما وأسر لبهما؟ (3) ثم يهجس بعد ذلك ببيت من الشعر:

وكأن تحت لسانه ... هاروت ينفث فيه سحراً

فكأنما يقول لنفسه أن المعول في استياء قلب المرأة إنما هو على اللسان الخلاب والمنطق الجذاب وليس على الخد الأسيل والطرف الكحيل والمنظر الجميل. أجل إن خلابة المنطق وسحر البيان هو الذي ما زال يفتن ويستهوي حواآتنا من قديم الأزل ألا تذكرون أن أبشع الحيوانات طراً وأقبحها هو الذي فتن أمنا الأولى وبذلاقة لسانه واستهواها حتى أقبلت عليه تصغي لزخرفة أباطيله وتمويه أضاليله - فوق الشر والبلاء.

ويل لنا معشر الرجال، إنا إذا استرسلنا في أمانينا وأحلامنا شرعنا نمثل في عالم الخيال دور هرقل إله القوة وهو يهز صولجانه فيخضع به الرجل والمرأة - يخضع الرجل بقوة الصولجان والمرأة بمهارة هزه وتقليبه - أجل نمثل دور هرقل ونحن جلوس إلى الموقد نتخذ من المحثة الباردة صولجاناً نهزه فنخضع به بني الإنسان وما أسهل ذلك علينا. فإذا نزلنا معترك الحياة الحقيقية وجدنا المحثة في النار فإذا تناولناها فالغالب أننا نجدها أحر من أن نستطيع إمساكها وقد تكون من فرط الحرارة بحيث تسلخ يدنا فنترك عليها جلدنا حين نقذفها أو نلقيها صارخين صرخة عالية أو صامتة.