كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع/الباب الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

الباب الأول: في أقسام الغناء المحرَّم وغيره[عدل]

القسم الأول: في سماع مجرد الغناء من غير آلة[عدل]

اعلَمْ أنَّ مذهبنا أنَّه يُكرَه الغناء وسماعه إلا إنِ اقتَرَن به ما يأتي، وقال بعض العلماء: إنَّه سنَّة فِي العُرْسِ [ز1/ 4/ب] ونحوه، وقال الغزالي وابن عبدالسلام من أئمَّتنا: إنَّه سنَّة إنْ حرَّك بحال سني مُذكِّر للآخِرة، ا. هـ.

[وبه يُعلَم أنَّ كلَّ شِعر فيه الأمر بالطاعة، أو كان حكمةً] (1)، أو كان فِي مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خِصال البر؛ كحثٍّ على طاعة أو سنة، أو اجتناب معصية يكون كلٌّ من إنشائه وإنشاده وسماعِه سنَّة؛ كما صرَّح به غيرُ واحد من أئمَّتنا، وهو ظاهر؛ إذ وسيلةُ الطاعة طاعةٌ.

قال الأذرعي (2): وما أحسن قول الماوردي: الشعر فِي كلام العرب:

مستحب: إنْ حذَّر من الدُّنْيَا أو رغَّب فِي الآخِرة، أو حثَّ على مكارم الأخلاق.

ومباح: وهو ما سَلِمَ من فُحش وكذب.

ومحظور: وهو ما اقترن بأحدهما (3).

فإنْ قلت: نقل القاضي الحسين عن سيِّد الطائفة أبي القاسم الجنيد (4) وهو من أكابر الشافعيَّة أنَّ السماع على ثلاثة أقسام:

_________________________________________

(1) في (ز2): وبه يعلم أنَّ كلَّ شِعر فيه مدح النبوة والإسلام، أو كان حكمه. (2) الأذرعي: شهاب الدين أحمد بن حمدان الشافعي الدمشقي تُوفِّي سنة 783، من تصانيفه تعليقةٌ على المهمات شرح للأسنوي، والتوسط والفتح بين الروضة والشرح في الفرع (انظر: (1/ 61) "هدية العارفين" للباباني). (3) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 202 - 210) ط دار الفكر، وقد أطنب الماوردي في تفصيل حُكم الشعر وبيان الخلاف فيه، وما كان عليه سلف الأمَّة فيه. (4) سيد الطائفة: جنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي أبو القاسم القواريري الزاهد الحنفي مفتي الثقلين تُوفِّي سنة 298، من تصانيفه: أمثال القرآن، ومعاني الهمم في الفتاوى، والمقصد إلى الله - تعالى - في التصوف، (انظر: (1/ 138) "هدية العارفين"؛ للباباني).


سماع العوام: وهو حرامٌ عليهم؛ لبقاء نفوسهم.

وسماع الزهَّاد: وهو مباح لهم؛ لحصول مجاهدتهم.

وسماع العارفين: فيستحبُّ لهم لحياة قُلوبهم، فجعل من السماع ما هو حرام، وصحَّح ما قاله السهروردي فِي "عوارف المَعارِف" (1) وهو من كبار الشافعية أيضًا، وذكر نحوه أبو طالب المكي وهو خلاف ما مرَّ.

قلت: لم ينفرد الجنيد بذلك بل صرَّح به من كبار أئمَّتنا أقضى القضاة الماوردي وغيره، وليس خلافًا لما ذكر؛ لأنَّ الذي مر مفروضٌ فِي سماعٍ لم يخشَ منه فتنة، ولم يقترنْ به منكرٌ بوجه، ومراد الجنيد - رضِي الله عنه - بهذا الحرام ما خُشِي منه فتنة؛ كأنْ سمعه من امرأةٍ أجنبيَّة، [أو أمرد حسن، أو ما اقترن به منكر؛ كهوًى نشَأ] من عشقٍ محرَّم كما هو الغالب على العامَّة، ثم رأيت بعض الشافعيَّة قال: الظاهر أنَّ الجنيد لم يرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنَّه لا ينبغي، ا. هـ.

وما قرَّرت به كلامه أولى كما لا يخفى على مُتأمِّل، وكأنَّ الغزالي أخَذ من كلام الجنيد هذا قوله في "الإحياء": السماع إمَّا مندوب لِمَن غلب عليه حبُّ الله وحبُّ لقائه، فإنَّه يستخرج منه أحوالاً ومُلاطفات ومُكاشفات، وإمَّا مباحٌ لعاشقٍ عشقًا مباحًا لزوجته أو أمَتِه، أو لعامي لم يغلبْ عليه حبُّ

_________________________________________

(1) "عوارف المعارف في التصوف": للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبدالله السهروردي المتوفَّى سنة 632، وهو مشتملٌ على: ثلاثةٍ وستين بابًا كلها في سير القوم وأحوالهم، ("كشف الظنون"؛ للحاج خليفة (2/ 1177)).


الله ولا الهوى، وإمَّا محرَّم لِمَن غلب عليه هوى محرم (1)، وسُئِل العزُّ بن عبدالسلام [ز1/ 5/أ] عن استماع الإنشاد فِي المحبَّة والرقص؟ فقال: الرقص بدعةٌ لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلاَّ للنساء، وأمَّا سماع الإنشاد المحرِّك للأحوال السنيَّة المذكِّر لأمور الآخرة فلا بأس به، بل يُندَب عند الفتور وسآمَة القلب، ولا يحظر [إلا] لِمَن فِي قلبه هوًى خبيث فإنَّه يُحرِّك ما فِي القلب.

وقال أيضا: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم وهم أقسام:

أحدها: العارفون بالله، ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم؛ فمَن غلب عليه الخوف أثَّر فيه سماع المخوفات وظهر أثَرها عليه من البكاء وتغيُّر اللون والحزن، والخوف إمَّا خوف عِقاب أو فَوات ثواب أو فَوات الأنس والقُرب، وهذا من أفضل الخائفين وأفضل السامعين، فمثله لا يتصنَّع بها، ولا يصدر منه إلاَّ ما غلب من آثار الخوف، وهذا إذا سمع القرآن كان تأثيرُه فيه أشدَّ من تأثير الإنشاد والغناء.

الثاني: مَن غلب عليه الوجدُ، فهذا يُؤثِّر فيه ذِكرُ المرجيات، [فإنْ كان رجاه] للأنس والقُرب كان سماعُه أفضل من كلِّ سماع أو للثواب فهو مفضول.

_________________________________________

(1) لم أقف على النصِّ بلفظه، ووقفتُ على معناه، قال الغزالي في "الإحياء" (2/ 306/ط دار المعرفة): السماع قد يكون حرامًا محضًا، وقد يكونُ مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًّا، أمَّا الحرام فهو لأكثر الناس من الشُّبَّان ومَن غلبت عليهم شهوةُ الدنيا، فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة، وأمَّا المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكنَّه يتَّخِذه عادةً له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو، وأمَّا المباح فهو لمن لا حظَّ له منه إلا التلذُّذ بالصوت الحسن، وأمَّا المستحب فهو لمن غلب عليه حبُّ الله - تعالى - ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة.


الثالث: مَن غلب عليه الحبُّ للإنعام عليه فيُؤثِّر فيه [ذكره أو لشرف ذاته فيُؤثِّر فيه ذكر ذلك] (1).

[القسم الرابع] (2) أو للتعظيم والإجلال وهذا أفضل الأقسام: ويختلف هؤلاء فِي المسموع منه، فالسماع من الأولياء أكثر تأثيرًا من السماع من الجهَلَة، ومن الأنبياء أشد تأثيرًا من الأولياء، ومن ربِّ الأرض والسماء أشدُّ تأثيرًا من الأنبياء؛ ولهذا لم يشتغل النبيُّون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء، واقتصروا على سماع كلام ربهم.

[القسم الخامس] (3) وأمَّا مَن يغلب عليه هوًى مُباح كعشق حليلته فهو يُهيجه السماع ويُؤثِّر فيه آثار الشوق وخوف الفراق، فسماعه لا بأس به.

[القسم السادس] (4) وأمَّا مَن يغلب عليه هوى محرَّم كعشق أمرد أو أجنبية، فهذا يهيجه السماع إلى السعي فِي الحرام، وما أدَّى إلى الحرام حرام.

[القسم السابع] (5) ومَن قال لا أجد فِي نفسي شيئًا من الأقسام الستة فالسماع فِي حقِّه مكروه، وخالَفه الغَزاليُّ فقال: إنَّه مباح، قال: وقد يحضر السماع قومٌ من الفجرة فيبكون وينزعجون لأغراضٍ خبيثة أبطَنُوها، ويُراؤون [الحاضرين] (6) بأنَّ سماعهم لأحد الأسباب السابقة، قال: واعلَم أنَّه

_________________________________________

(1) زيادة من (ز2) وفي (ز1): فيؤثر فيه ذلك. (2) ما بين المعقوفين استدرك من كتاب "قواعد الأحكام" ص 218، ط دار الكتب العلمية. (3) ما بين المعقوفين استدرك من كتاب "قواعد الأحكام" ص 218، ط دار الكتب العلمية. (4) ما بين المعقوفين استدرك من كتاب "قواعد الأحكام" ص 218، ط دار الكتب العلمية. (5) ما بين المعقوفين استدرك من كتاب "قواعد الأحكام" ص 218، ط دار الكتب العلمية. (6) في (ز1): الحاضرون، والمثبت من (ز2).


لا يحصل السماع المحمود إلا عند [ز1/ 5/ب] ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنيَّة والصفات المرضية، ا. هـ.

قال الأذرعي: ولأبي القاسم القشيري - وهو من أئمَّة الشافعية - مُصنَّفٌ فِي السَّماع ذكَر فيه أنَّ من شرائطه معرفة الأسماء والصِّفات ومدلولاتها وما يَلِيق بالحق - تعالى - منها، هذا على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأمَّا على لسان أهل الحقائق فمن شرائطه [بَقاء النفس] (1) بصِدق المجاهدة ثم حياة القلب بروح المشاهدة، فمَن لم يتقيَّد بالصحَّة معاملته، ولم يحصل بالصدق منازلته، فسماعُه ضَياع له، وتواجُده طباع، والسَّماع فتنةٌ يدعو إليها استيلاء العشق إلا عند سُقوط الشهوة، وحُصول الصفوة ... وأطال بما يطول ذكره.

قال الأذرعي: وبما ذكره تبيَّن تحريمُ السماع والرقص على أكثر مُتصوِّفة الزمان؛ لفقد شروط القيام بآدابه، ا. هـ.

ووقَع لبعض مَن لا تحقيقَ له أنَّه أنكَرَ سماعَ الغناء من غير تفصيلٍ، وليس كما زعم؛ ومن ثَمَّ قال أبو طالب المكي: مَن أنكره أنكر على سبعين صديقًا، وأراد بالسبعين الكثرة، وإلا فالصديقون - وهم العلماء [لا غير - السبعون] (2) له بشرطه الآتي لا ينحصرون، قال الإمام السهروردي: هذا المُنْكِر إمَّا جاهل بالسنن والآثار، وإمَّا جاهل الطبع لا ذوق له، وأشار بالسنن إلى ما صَحَّ عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه كان له شُعَراء يصغي إليهم فِي المسجد وغيره، منهم: حسان، وابن رواحة - رضي اللهُ تعالى

_________________________________________

(1) في (ز2): فناء النفس. (2) في (ز2): لا غير السامحون.


عنهُما - واستنشد [من شعر] أميَّة بن [أبي] (1) الصلت، واستمع إليه كما فِي مسلم (2)، ومن ثم قال العز بن عبدالسلام فِي تفسيره: وأمَّا الأشعار والتشبيهات فمأذون فيها، وقد أنشد كعب [بن زهير]- رضي الله تعالى عنه - رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بانت سعاد القصيدة المشهورة فاستمعها [ولم يُنكِر عليها] (3) شيئًا، وفيها الاستعارات والتشبيهات حتى شبَّه الريقة بالخمرة، وكانت حرمت، ولكنَّ تحريمها لم يمنع عندَهم طيبها، بل تركوها مع الرغبة فيها والاستحسان بها، وكان ذلك أعظم لأجرهم، ا. هـ.

وذكر الروياني فِي "البحر" أنَّ (سعاد) كانت زوجته وبنت عمِّه، وأنَّه إنما أنشد فيها هذه القصيدة لطول غيبته عنها بهربه من النبي - صلَّى الله [ز1/ 6/أ] عليه وسلَّم - وقال ابن عبدالبر: لا ينكر الحسنَ من الشعر أحدٌ من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحدٌ من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثَّل به أو سمعه فرَضِيَهُ، ما كان

_________________________________________

(1) سقط من (ز1) و (ز2) واستدرك من مصادر التحقيق. (2) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (799)، ومسلم (2255)، وابن ماجَهْ (3758)، والطحاوي في "شرح معاني الأثار" (4/ 300)، وابن حبان (5782)، والطبراني في "الأوسط" (2429)، والبيهقي (10/ 226) وغيرهم عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: "ردفت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا فقال: ((هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت شيء؟))، قلت: نعم، قال: ((هيه!)) فأنشدته بيتًا، فقال: ((هيه!)) ثم أنشدته بيتًا، فقال: ((هيه!)) حتى أنشدته مائة بيت، هذا لفظ مسلم. (3) في (ز2): ولم ينكر منها، والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في "الأحاد والمثاني" (2706)، والبيهقي (10/ 243) من حديث عبدالرحمن بن كعب بن زهير بن أبى سلمى المزني، عن أبيه، عن جده، والحاكم (3/ 673)، والبيهقي (10/ 243) من حديث موسى بن عقبة، أنشد كعب بن زهير، والحاكم (3/ 673)، والفاكهي في "أخبار مكة" (1/ 307) من حديث علي بن زيد بن جدعان أنشد كعب بن زهير، وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (2/ 168) قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرقٍ لا يصحُّ منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسندٍ منقطع.


حكمةً أو مباحًا، ولم يكن فيه فُحش ولا خنا ولا أذًى لمسلم (1)، وقال غيره: وما زال العلماء قديمًا وحديثًا على إيداع أشعارهم تلك التشبيهات والاستعارات فِي [الخمر] (2) وغيرها، حتى حكَى البدر الزركشي عن الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي وناهيك به زهدًا وعلمًا أنه أنشد بعض الرؤساء:

ذَهَبَ الشِّتَا وَتَصَرَّفَ البَرْدُ = وَأَتَى الرَّبِيعُ وَأَقْبَلَ البَرْدُ

فَاشْرَبْ عَلَى وَجْهِ الحَبِيبِ بِهِ = صَهْبَاءَ لَيْسَ لِمِثْلِهَا رَدُّ

فقال [له] (3) ذلك الرئيس: أدام الله أيَّام مولانا الشيخ قد أبحتَ الخَمْر! فقال: إنما أردت خمر الجنَّة، وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي أنَّه ذكر عند رسُول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الشِّعر، فقال: ((هو كلامٌ حسنُه حسنٌ وقبيحُه قبيحٌ)) (4).

وقد جمَع الإمام الطبراني جُزءًا حافِلاً فِي غزل التابعين وتابِعِيهم، وذكَر هو وغيره عن جماعةٍ كثيرين من الصحابة أنهم سمعوه ولم يُنكِروا، وللقاضي شريح والزبير بن بكَّار فِي زوجتَيْهما، وعبدالله بن المبارك فِي سريَّته من

_________________________________________

(1) "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"؛ لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر النمري (22/ 194) ط وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب. (2) في (ز2): في الهمز. (3) في (ز1): لا. (4) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (865)، والطبراني في "الأوسط" (7696)، والدارقطني في "السنن" (4/ 156) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضِي الله عنهما - وقال الهيثمي في "المجمع" (8/ 122): إسناده حسن، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 539): سنده ضعيف، وأخرجه أبو يعلى في "المسند" (4760) والدارقطني في "السنن" (4/ 155)، والبيهقي (10/ 239)، من حديث أم المؤمنين عائشة - رضِي الله عنهما - وقال الهيثمي (8/ 122): فيه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثَّقه دحيم وجماعة، وضعَّفَه ابن معين وغيره، وبقيَّة رجاله رجالُ الصحيح، وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 203): فيه عبدالعظيم بن حبيب، وهو ضعيف.


الغزل الكثير ما يتعجَّب منه، وكذا الشَّافِعِي - رضِي الله عنه - وفي "الإحياء" التشببهُ بوصف الخدود، والأصداغ، وحُسن القدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء فيه نظَر، والصحيح أنَّه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوتٍ ولا بغير صوت، وعلى المستمِع ألاَّ ينزله على امرأةٍ مُعيَّنة، فإن نزَّله على زوجته أو على أمَتِه جاز، وإنْ نزَّلَه على الأجنبيَّة فهو العاصي بالتنزيل، ومَن هذا وصفه فينبغي أنْ يتجنَّب السماع.

وفي التهذيب: إنْ كان التشبيب فِي امرأةٍ مُعيَّنة أو غلام مُعيَّن فسَق، وإلا فلا، وهو [الأصحُّ] (1)، وإنْ قال الروياني: يفسق فِي الغلام وإنْ لم يعيِّنه؛ لأنَّه لا يحلُّ بحالٍ؛ إذ ليس فِي مجرد التشبيب بالمجهول ما يدلُّ على نظَر ولا عِشق، بل الغالب أنَّ القصد به ترقيق الشعر وإظهار الصَّنعة، قال الأذرعي: الذي يجبُ القطعُ به أنَّ تسمية مَن لا يدري مَن هي وذكر محاسنها الظاهرة والشوق [ز1/ 6/ب] والمحبَّة من غير فُحشٍ ولا ريبة لا يقدح فِي قائله، ولا يتحقَّق فيه خلاف، ومن ذلك [تعارُض الشعراء] (2) على ذكر ليلى وسلمى وسُعدى والرباب وهندًا وغير ذلك.

(تَنْبِيه) قال النووي - رحمة الله تعالى عليه - فِي كتاب "شرح المُهَذَّب" الذي هو أعظم مؤلَّفاته، بل أعظم مؤلفات الشافعية: لا بأسَ بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه خيرٌ كما سبق، وإلا كره؛ لما جاء بسندٍ صحيح حسن أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن تناشُد الأشعار في

_________________________________________

(1) في (ز1): إنْ صحَّ. (2) في (ز2): توار الشعراء.


المسجد (1)، نعم؛ إنْ كان فيه مذموم كهجو محرَّم أو صفة خمر أو ذكر نساء أو أمرد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه حرام، ا. هـ (2).

وهو صريحٌ في تحريم كثيرٍ من الأشعار التي فيها ذكر صفات الخَمْر ولو [بالتشبيهات] (3)، وذكر صِفات النساء والمرد، ويُنافِيه ما قالوه فِي الشهادات من أنَّه لا يحرم التشبيب إلاَّ بامرأةٍ أو غلامٍ معيَّن، ويمكن [أنْ يفرق] (4) بأنَّ الحرمة هنا جاءَتْ من حيث المسجد فيحرم فيه ذلك مطلقًا؛ لما فيه من الفحش بخلاف خارجه، وأمَّا ذكر صِفات الخَمْر المقتضية مدحها فالظاهر ما اقتضاه صريحُ كلامه من حُرمته فِي المسجد، وأمَّا خارجه فظاهر ما قدَّمته عدم الحُرمة، وظاهرٌ أنَّ محله إنْ قصد نحو ما مرَّ عن الشيخ أبي إسحاق من خمر الجنَّة أو ريق المحبوب كله أو فواتح الحق على [عباده] (5) أو نحو ذلك، وإلاَّ فالظاهر الحرمة، ومن ثَمَّ أفتيتُ بحرمة مُطالعة "حلبة الكميت"، وقد قال أهل الاستِقراء: ما طالَعها أحد إلا شرب الخَمْر أو كاد، وعلى الشعر المذموم قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن رأيتُموه ينشد في المسجد شعرًا فقولوا له: فضَّ الله فاك، ثلاث مرات))؛ رواه ابن السني (6)،

_________________________________________

(1) أخرجه ابن ماجَهْ (759)، والترمذي (322)، والطحاوي في "شرح معاني الأثار" (4/ 358)، وصحَّحه ابن خزيمة (1306)، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 549): رواه ابن خزيمة في صحيحه، والترمذي وحسَّنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وإسناده صحيح إلى عمرو - فمَن يُصحِّح نسخته يُصحِّحه - وفي المعنى عدَّة أحاديث لكن في أسانيدها مقال. (2) "المجموع شرح المهذب" (2/ 205) الطبعة المنيرية. (3) في (ز1): بالشبهات. (4) في (ز1): الفرق. (5) في (ز1): خلائقه. (6) أخرجه الطبراني في "الكبير" (2/ 103) من حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن جده ثوبان، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 25): رواه الطبراني في "الكبير" من رواية عبدالرحمن بن ثوبان عن أبيه ولم أجدْ مَن ترجمه.


وحمله ابن بطال على ما يتشاغَل به أهلُ المسجد، كما تأوَّل أبو عبيدة حديث: ((لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا خيرٌ له من أنْ يمتلئ شِعرًا)) (1) بأنَّه الذي يغلب على صاحبه.

(تنبيه ثانٍ) يحرم سَماع الغناء من حرَّةٍ أو أمة أجنبيَّة؛ بِناءً على قولٍ عندنا أنَّ صوت المرأة عورة، سواء أخاف فتنة بها أم لا، وكلام الشيخين فِي الروضة وأصلها فِي ثلاث مواضع يقتضي أنَّ هذا هو الراجح فِي المذهب، ونقَل القاضي أبو الطيب إمام أصحابنا [ز1/ 7/أ] عن الأصحاب ولو من وراء حجاب (2)، وصرَّح بالتحريم القاضي الحسين أيضًا وادَّعى أنَّه لا خِلاف فيه مستدلاًّ بالحديث الصحيح: ((مَن استمع إلى قَيْنَةٍ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ)) (3)؛ أي: الرَّصاص المذاب، قال الأذرعي: ولو لم يكن المغني والمغنية محلَّ الفتنة ولكن استماع الغناء منه يبعَثُ على الافتِتان بغيره من الناس، فهو حرامٌ؛ لما فيه من الخبث، وتحريك القلب الخَرِب إلى ما يَهواه، لا

_________________________________________

(1) متفق عليه: البخاري (6155)، ومسلم (5803) من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنه. (2) "روضة الطالبيين" (11/ 228). (3) أخرجه ابن عساكر (51/ 263)، وأورده الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 113) بلفظ: ((مَن قعد إلى قينةٍ يسمع صُبَّ في أذنه الآنُك))، وعَزاه إلى أبي يعقوب محمد بن إسحاق النيسابوري، وأورده ابن حجر في ترجمة "عبيد بن هشام" فقال: قال الآجري: عن أبي داود ثقة، إلا أنَّه تغيَّر في آخِر أمره، لُقِّنَ أحاديث ليس لها أصلٌ، لُقِّنَ عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن أنس حديثًا منكرًا، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحاكم: أبو أحمد حدَّث عن ابن المبارك عن مالك بن أنس أحاديث لا يُتابَع عليها. قلت: وقال صالح جزرة: صدوق، ولكنَّه ربما غلط، حَكاه الحاكم في "تاريخه"، وقال أبو العرب القيرواني في "الضعفاء" قال أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عثمان: "عبيد بن هشام" ضعيفٌ، وقال الخليلي: صالح، وأخرج الدارقطني في "الغرائب" عن ابن المبارك، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أنسٍ رفعه: ((مَن قعَد إلى قينة يستمع منها صُبَّ في أذنَيْه الآنُكُ يوم القيامة))، قال الدارقطني: تفرَّد به أبو نعيم، ولا يثبت هذا عن مالك ولا عن ابن المنكدر.


سيَّما أهل العِشق والشَّغف، ومَن يشتغل بصورةٍ خاصَّة، وهذا واضحٌ لا ينازع فيه مُنصِف، ا. هـ.

وأمَّا على أنَّ صوتها غير عورةٍ [وهو إنْ صحَّ] (1) فلا يحرم إلا إنْ خشي فتنة.

قال الأذرعي: ومحلُّه فِي غير الغناء الملحَّن بالنغمات الموزونة مع التخنُّث والتغنُّج كما هو شأن المغنيات، أمَّا هذا ففيه أمورٌ زائدة على مُطلَق سماع الصوت فيتَّجه التحريم هنا، وإن قلنا: إنَّ صوتها غير عورة، ويجب أنْ يكون محل الخِلاف فِي صَوتٍ غير مشتمِل على ذلك [التحريم] بخلاف المشتمل عليه؛ لأنَّه يحثُّ على الفُسوق كما هو مُشاهَد، ويظهر أنَّ سماعه من الأمرد محرَّم أيضًا إنْ خشى فتنة به كسَماعه من المرأة، ثم رأيت الرَّافِعيَّ صرَّح بذلك، والأذرعي نقَل عن القرطبي أنَّ جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبيَّة على الرجال والنساء، وأنَّه لا فرق بين إسماع الشعر والقُرآن؛ لما فيه من تهييج الشهوة وخوف الفتنة لا سيَّما إذا لحنته، فسماعه كالاطِّلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من المفسدة أسرع من ذلك؛ لأنَّ السماع يُؤثِّر فِي النفس قبل رؤية الشخص، وأمَّا تهيجه للشهوة وإيقاعه فِي الفتنة فلا شكَّ فيه، والحاصل أنَّ سماعهنَّ مظنَّة للشهوة قطعيًّا، وأطال فِي تقريره، وهو كما قال، ا. هـ كلام الأذرعي.

(تنبيه ثالث): الغناء بالمدِّ والكسر هو رفع الصوت بالشعر؛ ومن ثَمَّ قال جمعٌ من الشافعية والمالكيَّة منهم الأذرعي فِي "توسطه"، والقرطبي فِي "شرح مسلم": الغناء إنشادًا واستماعًا على قسمين:

_________________________________________

(1) في (ز2): وهو الأصح.


القسم الأول: ما اعتاد الناس استعماله عند محاولةِ عمَلٍ وحملِ ثقيلٍ، وقطع مفاوز سفر ترويحًا للنُّفوس وتنشيطًا لها؛ كحداء [ز1/ 7/ب] الأعراب بإبلهم (1)، وغناء النساء لتسكين صِغارهن، ولعب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغنِّي به من فحش وذِكر محرَّم كوصف الخمور والقَيْنَات لا شكَّ فِي جَوازه، ولا يختلف فيه، وربما يُندَب إليه إذا نشط على فعل خيرٍ كالحداء فِي الحج والغزو؛ ومن ثَمَّ ارتجز - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فِي بناء المسجد (2)، وحفر الخندق (3)، وغيرهما كما هو مشهورٌ، وقد أمَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نساءَ الأنصار أنْ يقلن فِي عرسٍ لهن:

أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ = فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ (4)

_________________________________________

(1) الحداء: حدا الإبل وحدا بها يحدو حدوًا وحُداء ممدود زجرها خلفها وساقَها وتحادَتْ هي حدا بعضها بعضًا، والحدو سوق الإبل والغناء لها ("لسان العرب"؛ لابن منظور، مادة (حدا)). (2) أورد ابن هشام في " السيرة النبوية " (2/ 104) في قصة بناء مسجد المدينة: فأمر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ يبني مسجدًا ونزل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليُرغِّب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه، فقال قائلٌ من المسلمين: لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ = لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ ا. هـ. (3) أخرج البخاري (3795)، ومسلم (4775) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا عيش إلا عيش الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة)). (4) أخرجه ابن ماجَهْ (1900) من حديث أبى الزبير عن ابن عباسٍ - رضِي الله عنهما - قال: أنكحت عائشة ذات قَرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أهديتم الفتاة)) قالوا: نعم، قال: ((أرسلتم معها مَن يُغنِّي؟)) قالت: لا، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الأنصار قومٌ فيهم غزلٌ، فلو بعثتم معها مَن يقول: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ = فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 107): هذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلا أنَّ الأجلح مختلفٌ فيه، وأبو الزبير قال فيه ابن عيينة: يقولون: إنَّه لم يسمعْ من ابن عباس، وقال أبو حاتم: رأى ابن عباس رؤيةً، انتهى، وأصله في "صحيح البخاري" من حديث ابن عباس بغير هذا السِّياق، وله شاهد من حديث جابرٍ رواه النسائي في "الكبرى"، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من حديث جابر عن عائشة، ورواه مسدَّد في "مسنده" من حديث جابر، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده" من طريق أبي الزبير عن جابرٍ به، ا. هـ. وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (3265) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال نور الدين الهيثمي في "المجمع" (4/ 289): رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه رواد بن الجراح وثَّقه أحمد وابن معين وابن حبان، وفيه ضعفٌ، وأحمد (3/ 391)، والبيهقي (3/ 332) من حديث أبي الزبير عن جابر، وأحمد (4/ 77) من طريق عمرو بن يحيى المازنى عن جدِّه أبي حسن أنَّ النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يكرَهُ نكاحَ السرِّ حتى يضرب بدفٍّ ويُقال: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ = فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ وقال نور الدين الهيثمي في "المجمع" (4/ 289): رواه ابن أحمد، وفيه حسين بن عبدالله بن ضُمَيرة، وهو متروك.


وكالأشعار المزهِّدة فِي الدُّنْيَا المرغِّبة فِي الآخِرة، فهي من أنفع الوعظ، الحاصل عليها أعظم الأجر، ويُؤيِّد ما نقَلَه من نفى الخلاف فِي هذا القسم أنَّ ابن عبدالبر وغيره قالوا: لا خلافَ فِي إباحة الحُداء واستِماعه، [وهو نحو ما يُقال خلف الإبل] (1) من الشعر سوى الرجز وغيره؛ لينشطها على السير، ومَن أوهم كلامه نقل خلافٍ فيه فهو شاذ أو مُؤوَّل على حالةٍ يُخشَى منها شيءٌ غير لائق (2).

القسم الثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن من غزَل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها؛ كحُميَّا الكؤوس، فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال العلماء:

أحدها: أنَّه حَرام: قال القرطبي وهو مذهب مالك، قال أبو إسحاق: سألت مالكًا عمَّا يُرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفُسَّاق، فهو مذهبُ سائرِ أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحدَه فإنه لم يرَ به بأسًا،

_________________________________________

(1) في (ز1): وهو ما يقال خلف نحو الإبل. (2) "التمهيد" (22/ 198).


وهو أيضًا مذهبُ أبي حنيفة - رضِي الله تعالى عنه - وسائر أهل الكوفة [إلا] إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم لا خِلاف بينهم فيه، وهو أحد قولي الشَّافِعِي وأحمد - رضِي الله عنهما - وقال الحارث المحاسبي: الغناء حرامٌ كالميتة، ووقَع لإمام مذهبنا الرَّافِعِيِّ فِي "الشرح الكبير" أنَّه فِي موضعين منه فِي البُيوع والغصب أطلَقَ أنَّ الغناء حَرامٌ وتابَعَه الإمام النووي فِي "الروضة" على الثاني (1)، قال الأذرعي: وظاهر مذهب مالك ما قاله [ز1/ 8/أ] القرطبي؛ أي: لا ما يأتي عن الماوردي، ويستدلُّ لهذا القول بحديث المغنِّي السابق فِي المقدمة [فإنه] استأذن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فِي الغناء من غير فاحشةٍ فقال: ((لا آذَنُ لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت أيْ عدو الله، لقد رزقَكَ الله حلالاً طيِّبًا، واخترتَ ما حرَّم الله عليك من رزقه مكانَ ما أحلَّ الله لك من حَلاله، ولو كنت تقدَّمت إليك - أيْ بالنهي - قبل الآن لفعلتُ بك وفعلتُ، قُمْ عنِّي وتُبْ إلى الله، أمَا إنَّك لو قلت بعد التقدمة شيئًا - أي: لو فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربًا وجيعًا، وحلقت رأسك، ونفيتُك عن أهلك، وأحللت سلبك نهبةً لفتيان المدينة، هؤلاء العصاة - أي: الذين يفعلون مثل فعل عمرو هكذا - مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله - تعالى - يوم القيامة كما كان في الدنيا: مخنثًا عريانًا، لا يستتر من الناس بهدبةٍ كلَّما قام صُرِعَ)) (2).

_________________________________________

(1) "روضة الطالبيين" (11/ 228). (2) أخرجه ابن ماجَهْ (2/ 871 رقم 2613)، وقال البوصيرى (3/ 119): في إسناده بشر بن نمير البصري، قال فيه يحيى القطان: كان ركنًا من أركان الكذب.


ثانيها: أنَّه مكروهٌ: وهو الأظهَرُ عند الشَّافِعِي وأحمد وأكثر أصحابهما، وقول أهل البصرة، وقال غير واحدٍ من العلماء: لا يُعرَف عن أهل البصرة خلاف فِي كراهته، وقال الماوردي: حرَّم الغناء قومٌ وأباحَه آخَرون، وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة فِي أصحِّ ما قِيل عنهم، ومرَّ أنَّ سماعه من أجنبيَّةٍ مع أمن الفتنة مكروهٌ، لكنَّه شديد الكراهة، ومع خوفها حرامٌ بلا خلاف، وكذا من الأمرد الحسن.

ثالثها: الإباحة: وهو المروي عن إبراهيم بن سعد والعنبري، وهما شاذَّان، على أنَّ العنبري مُبَدَّع فِي اعتقاده، غير مَرضِيٍّ عمله، وإبراهيم بن سعد ليس من أهل الاجتهاد.

قال القرطبي: وحكاية أبي طالب المكي لذلك عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين، وأنَّ الحجازيين لم يَزالوا يسمعون السماع فِي أفضل أيَّام السَّنة الأيَّام المعدودات، إنْ صحَّت هذه الحكاية فهي من القسم الأول دون الثاني، قال: وقد حكَى جمعٌ من الشافعيَّة كالقشيري - رحمه الله تعالى - عن مالك - رضِي الله تعالى عنه - الإباحة، ولا يصحُّ عنه بوجهٍ ولا عن أحدٍ من أصحابه بوجهٍ.

رابعها: يحرم كثيره دون قليله، ذكَرَه بعضُ شرَّاح "المنهاج"، وقال ذكره الرَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى - من رواية السرخسي، واقتضى إيراد ابن أبي هريرة أنَّه المذهب، فإنَّه قال: قال الشَّافِعِيُّ لا نبيحه مطلقًا، ونقول: إنْ كان كثيرًا دخَل فِي باب السفه، ا. هـ، ونازَعَه الأذرعي فِي دلالة هذا على التحريم، وإنما يدلُّ على ترك المروءة، ا. هـ[ز1/ 8/ب].

والحق أنَّه ظاهرٌ فِي التحريم؛ إذ سلب الإباحة وعدُّه من السفه إنما يَلِيقان بالتحريم دُون خرم المروءة كما يُعرَف من كلامهم فيها.



خامسها: يحرم فِعله وسماعه إلاَّ إذا كان فِي بيتٍ خالٍ على إحدى وجهين، ذكره بعض تلامذة البغَوِيِّ، ونظَر فيه الأذرعي ثم قال: وأحسبه راجعًا لردِّ الشهادة بالمجاهرة دُون إخفائه، ويُجاب بأنَّ هذا لا يُنافِي الحرمة لتصريحهم بأنَّ [مَن] (1) تحمَّل شهادة يحرم عليه فعل خارم لمروءته، وإنْ أُبِيح فِي نفسه؛ لأنَّ فعله [إبطالٌ لغير الحق] (2).

سادسها: يحرم إنْ كان من امرأةٍ لرجل أو لرجالٍ، أو من رجلٍ لامرأة أو نساء، أو إنِ اقترن به نحو مُسكِر أو أكثر منه أو انقطع إليه، ذكره الحليمي من أكابر أصحابنا.

سابعها: إنْ صحَّت النيَّة فيه لم يكره، وإلا كره، قاله الخوارزمي فِي "كافيه": ونازع الأذرعي فِي عدِّ هذا بأنَّ صاحب "الكافي" ليس من أصحاب الوجوه.

ثامنها: يجوزُ الغناء وسماعه إنْ سلم من تضييع فرْض [أو حُرمة مبيح] (3)، وكان من رجلٍ أو محرم لرجلٍ ولم يسمعه على قارعة طريق، ولم يقترن به مكروه، ذكره الأستاذ أبو منصور.

تاسعها: يحرم إنْ كان بِجُعْلٍ كما نقل الأستاذُ عن نصِّ الشَّافِعِي - رضِي الله عنه.

عاشرها: هو طاعة إنْ نوى به تَروِيحَ القلب على الطاعة، ومعصية إنْ نوى به التقوية على المعصية، فإنْ لم ينوِ طاعة ولا معصية فهو معفوٌّ عنه؛

_________________________________________

(1) زيادة من (ز2). (2) في (ز2): إبطال حق الغير. (3) في (ز2): أو حرمة شيخ.


كخروج الإنسان إلى بستانه، وقُعوده على بابه متفرِّجًا، ذكره ابن حزم ونحا نحوه الغزالي وغيره.

حادي عشرها: [إنْ كان ما استعمل] (1) يحتمل وجهَيْن: جائزًا وحرامًا، فسماعه جائزٌ، وإنْ لم يحتمل إلاَّ وجهًا واحدًا وهو وجْه الفسق، فحرامٌ، ذكَرَه الروياني فِي "بحره" عن بعض أصحابنا الخراسانيين وهو صحيح، وبه يتأيَّد ما قدَّمته آخِر التنبِيه الأول.

هذا جملة ما يتحصَّل للعلماء فِي الغناء من الأقوال، وبها مع ما يأتي قريبًا يعلم مَن طالَع ذلك الكتاب السابق ذكره فِي الخطبة ما فيه من السقطات والتدليسات والاختلال.

(تَنْبِيه رابع): وقَع لصاحب ذلك الكتاب ولبعض شُرَّاح "المنهاج" أنهم نقَلُوا عن ابن طاهر أنَّه قال: إنَّ جواز الغناء مُجمَعٌ عليه بين [ز1/ 9/أ] الصحابة والتابعين لا خلاف بينهم، وهم أهل الحلِّ والعقد، فليس لِمَن بعدهم إحداث قولٍ يخالفهم، ثم قالوا: وعليه إجماع أهل المدينة، ونقلوا فعله وسماعه عن أربعة وعشرين صحابيًّا من أكابر الصحابة وفقهائهم، وعن جماعةٍ لا يُحصَوْن من التابعين وتابعيهم، وعن الأئمَّة الأربع وأصحابهم وغيرهم، قال الأذرعي - شكر الله سعيه -: وقد تساهَل ذلك الشارح فيما نقَل، وابن طاهر الذي تبعوه وإنْ كان مُكثِرًا فليس بظاهر النقل.

_________________________________________

(1) في (ز2): إن كان ما استمعه.


وفي كتابه "صفوة التصوف" (1) وكتابه فِي "السماع" فضائح وتدليسات قبيحة لأشياء موضوعة [ومختلقة على بعض الأئمَّة]، وأمَّا دعواه إجماعَ الصحابة فمُجازفةٌ وتدليس، فقد روى البيهقي عن ابن مسعودٍ - رضِي الله عنه - أنَّه قال: ((الغناء يُنبِت النِّفاق في القلب كما ينبت الماءُ البقلَ)) (2)، وقال: إنْ وقفه عليه هو الصحيح؛ أي: ومثله لا يُقال من قِبَلِ الرأي؛ لأنَّه إخبارٌ عن أمرٍ عيني، فإذا صَحَّ عن الصحابة فقد صحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما هو مُقرَّر عند أئمَّة الحديث والأصول، وقد روى أبو داود وغيره عن ابن مسعود، وأبي هريرة - رضِي الله عنهما - ذلك مع التصريح برَفعِه إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد قدَّمت فِي المقدمة هذا الحديث وطرقه وما قيل فيه، فراجِعْه فإنَّه مهم.

ثم رأيت الأذرعي أشارَ إلى ما ذكرته أنَّ ذلك لا يُقال من قِبَلِ الرأي، فعلم أنَّ هذا الحديث قد صَحَّ عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بكلِّ تقرير، وحينئذٍ فالحجَّة فيه دُون ما سواه، قال الأذرعي: وما نُسِبَ إلى أولئك الصحابة أكثَرُه لم يثبتْ، ولو ثبَت منه شيءٌ لم يظهر منه أنَّ ذلك الصحابي يُبِيح الغناء المتنازَع فيه، فالمرويُّ عن عمر - رضِي الله عنه - أنَّ غلامًا دخَل عليه فوجده يترنَّم ببيتٍ أو نحو ذلك فعجب منه فقال: إذا خلَوْنا قُلنا كما

_________________________________________

(1) في نقل هذا الكلام عن ابن طاهر تجنٍّ عليه، وحطٌّ من قدره؛ فإنَّ ابن طاهر في العلم أعلى كعبًا من الهيتمي والأذرعي بمفاوز وقِفار تنقطع دُونها أعناق الإبل، وإنْ كان ينتقد عليه ما ينتقد على غيره من أهل العلم، وقد ترجم له الذهبي في "السير" بكلامٍ نفيسٍ معتدل دون إفراط ولا تفريط، "السير" (19/ 361/ ط الرسالة). (2) أخرجه أبو داود (4927)، والبيهقي (10/ 223)، وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 366): أبو داود بدون التشبيه، والبيهقي من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وفيه شيخٌ لم يسمَّ، ورواه البيهقي أيضًا موقوفًا.


تقولُ الناس، فالله أعلم ما كان ذلك البيت وما كان ترنُّمه وصفته (1)، وصَحَّ عن عثمان - رضِي الله عنه -: "ما تَغَنَّيْتُ وما تَمَنَّيْتُ)) (2)؛ أي: زنيت، فإطلاق القول بنسبة الغناء المتنازع فيه وإسماعه إلى أئمَّة الهدى تجاسر، ولا يفهم الجاهل منه [إلا] هذا الغناء الذي تَعاطاه المغنُّون المخنَّثون ونحوهم.

وقال الشيخ الإمام إبراهيم [ز1/ 9/ب] المروزي فِي تعليقه: وَعَنْ عمر، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي مسعود الأنصاري، أنهم كانو يترنَّمون بالأشعار فِي الأسفار، وكذلك عن أسامة بن زيد، وعبدالله بن الأرقم، وعبدالله بن الزبير - رضِي الله عنهم - والترنُّم كذلك ليس فِي محلِّ النِّزاع؛ إذ هو من أنواع القسم الأول من القسمين السابقين، وقد مرَّ أنَّه لا خِلافَ [فيه]، وبه يعلم أنَّ الظاهر الذي يتعيَّن القطع به أنَّ غالب ما

_________________________________________

(1) أورد هذه القصَّة شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي في "المستطرف" (2/ 319) فقال: وعن عبدالله [الصواب عبدالرحمن] بن عوف قال: أتيت باب عمر بن الخطاب - رضِي الله تعالى عنه - فسمعتُه يُغنِّي بالركابيَّة يقول: فَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا = قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ وكان جميل بن معمر من أخصاء عمر قال: فلمَّا استأذنتُ عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم، قال: إذا خلونا قُلنا ما يقول الناس في بيوتهم، وأورد هذه القصة ابن عبدالبر في "الاستيعاب" (1/ 73)، وابن الأثير الجزري في "أسد الغابة" (1/ 187)، وابن حجر في "الإصابة" (1/ 500) بلفظ: وقال الزبير بن بكَّار: جاء عمر بن الخطاب إلى عبدالرحمن بن عوف فسمعه يتغنى بالنصب يقول: فَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا = قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ فقال: ما هذا يا أبا محمد؟ قال: إنَّا إذا خلَوْنا قُلنا ما يقول الناس، وذكر المبرد هذه القصة فجعل عمر هو الذي كان يتغنَّى، والله أعلم. (2) أخرجه ابن ماجَهْ (311) عن عُقبةَ بن صهبان قال: سمعت عثمان بن عفَّان يقول: "ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسَسْت ذكَرِى بيمينى منذ بايَعتُ بها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 45): هكذا وقَع موقوفًا عند ابن ماجه، رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر في "مسنده" عن وكيع فذكره بإسناده ومتنه سواء.


حُكِي عن الصحابة - رضي الله عنهم - وعمَّن بعدَهم من الأئمَّة إنما هو من هذا القسم الذي لا خِلافَ فيه، وقد قال الإمام القدوة خطيبُ الشام أبو القاسم الدولقي من أئمَّتنا فِي "مصنفه فِي السماع": إنَّه لم يُنقَل عن أحدٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - أنَّه سمع الغناء - أي: المتنازع فيه - ولا جمع له جموعًا، ولا دعا الناس إليه، ولا حضَر له فِي ملأ، ولا خلوة، ولا أثنى عليه، بل ذمَّه وقبَّحه وذم الاجتماع إليه، هذا لفظه ومن خطه - رحمه الله - نقلتُ، انتهى كلام الأذرعي - رحمه الله تعالى.

وبه يعلم أنَّ ابن طاهر لا يجوزُ تقليده فِي نقلٍ ولا عقلٍ؛ لأنَّه فاسدٌ فيهما، كيف وهو كذَّاب مُبتدِع إباحي كما يأتي، وإنَّ من نقل عن الصحابة وغيرهم أنهم نصُّوا على إباحة الغناء المتنازَع فيه، وهو القسم الثاني السابق فقد أخطأ خطأً قبيحًا، وغلط غلطًا فاحشًا؛ لأنَّ الغِناء من أفراده المجمَع على حلِّه والمختلف فِي حُرمته، فتخصيصُ ما جاء عنهم بالثاني تحكُّم فاسد لا تشهد له قاعدة أصوليَّة ولا حديثيَّة، بل الذي شهدت به القواعدُ حملُ ما جاء عنهم على المجمع عليه؛ لأنهم أئمَّة الهدى ومصابيح الدُّجَى، فهم أبعَدُ الناس عن الوُقوع فِي مواطن الخلاف، وأحقُّ العلماء بتجنُّب ذلك السَّفساف - رضِي الله عنهم.

(تَنْبِيه خامس) قد تقرَّر أنَّ القسم الثاني من قسمي الغناء فيه خِلافٌ قوي فِي تحريمه؛ لما مرَّ من نقل القرطبي للتحريم عن أبي حنيفة ومالك، وأولئك الأئمَّةُ الأكابر، قال الأذرعي: والذي يقوَى فِي النفس رُجحانُه تحريمُ الغناء الملحَّن وسماعه على أكثر الناس، والعجب استدلال الرَّافِعِيِّ - رحمه الله [ز1/ 10/أ] تعالى - للكراهة فقط بقوله - تعالى -: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ [لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلمٍ} [لقمان: 6] قال ابن



مسعود كما صحَّ عنه - رضِي الله عنه -: "لَهْوَ الحَدِيثِ] (1) الغِنَاء" (2)، ومرَّ أنَّه صَحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((الغِناء يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماءُ البقلَ)) (3) وهذان ظاهران فِي التحريم.

وروى البيهقي عن ابن عباسٍ أنَّه فسَّر لهو الحديث وأشباهه [بالملاهي] (4)، قال: وروينا عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة - وزاد غيره روايته عن الحسن البصري - وسعيد بن المسيب، وقتادة.

ومن أدلَّة التحريم أيضًا قولُه - تعالى -: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (5) فسَّره مجاهد بالغناء وَالمَزَامِير (6)، وقوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا]}، قال محمد بن الحنفيَّة ومجاهد: "هو الغناء" (7)، وقوله - تعالى -: {أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (8)؛ أي: "مغنُّون بلغة حمير"

_________________________________________

(1) سقط من (ز1) وتم استدراكه من (ز2). (2) أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 368 رقم 21130)، والحاكم (3542)، والبيهقي (10/ 223) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرِجاه، وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 200): إسْناده صحيح. (3) أخرجه أبو داود (4927)، والبيهقي (10/ 223) وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 366) حديث: ((الغناء يُنبِت النفاق في القلب كما يُنبِت الماءُ البقلَ)) أبو داود بدون التشبيه، والبيهقي من حديث ابن مسعود مرفوعا، وفيه شيخ لم يسمَّ، ورواه البيهقي أيضًا موقوفا، وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن عدي، وقال ابن طاهر: أصحُّ الأسانيد في ذلك أنَّه من قول إبراهيم. (4) في (ز2): بالغنا وأشباهه. والأثَر أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (786)، وابن أبي شيبة (4/ 368)، والحاكم (2/ 445)، والبيهقي (10/ 221) وقال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (5) سورة الإسراء: 64، وفي (ز1): فاستفزز. (6) أثر مجاهد أخرجه الطبري في "تفسيره" (15/ 118)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/ 298)، والآية من سورة الإسراء/64. (7) أثر مجاهد أخرجه الطبري في "تفسيره" (19/ 48)، وأثر محمد بن الحنفية أورده ابن كثير في "تفسيره" (3/ 329)، والآية من سورة الفرقان/72. (8) سورة النجم: 59 - 61.


قاله عكرمة، وحَكاه أبو العباس القرطبي عن ابن عباس - رضِي الله عنهما - قال: وقال مجاهد: هو الغناء بلغة أهل اليمن (1).

قال الأذرعي: وقد أوضحت فِي كتابي "غنية المحتاج فِي شرح المنهاج" (2) من حجج القول بالتحريم أو الكراهة الشديدة والرد على المبيحين للغناء والمتساهلين فيه ما ينشرح له القلب المنور باتِّباع السنَّة، الخالي من البدعة والأهوية الحيوانيَّة، وممَّا يدلُّ على ذمِّه وذمِّ متعاطيه من المتَّفق على صحَّته قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ))، وفي رواية: ((شيئًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ)) (3).

قال أبو العباس القرطبي: وجْه الدليل أنَّ الغناء المطرب لم يكن من عادة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا فُعِلَ بحضرته ولا اتَّخذ المغنِّين ولا اعتنى بهم، فليس ذلك من سِيرته ولا سِيرة خُلَفائه من بعده ولا من سِيرة أصحابه ولا عترته، فلا يصحُّ بوجهٍ نسبتُه إليه ولا أنَّه من شريعته، وما كان كذلك فهو من المُحدَثات التي هي بدعةٌ وضلالة، وقد يتعامى عن ذلك مَن غلب عليه الهوى، وقد صحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال (([كُلُّ] لهوٍ يَلهُو به الرجلُ فهو باطلٌ إلا رميَه بقَوسِه، وتَأدِيبَه لفرَسِه، ومُلاعَبتَه أهلَه)) (4).

_________________________________________

(1) "الجامع لأحكام القرآن" (17/ 123). (2) "غنية المحتاج في شرح المنهاج": هو كتاب شرح فيه "منهاج الطالبين"؛ للنووي في نحو عشر مجلدات (هدية العارفين (1/ 61) للبابي). (3) متفق عليه: البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضِي الله عنها. (4) أخرجه أبو داود (2513)، والنسائي (6/ 222)، وابن الجارود في "المنتقى" (1062)، وأبو عوانة (4/ 504)، والحاكم (2/ 104)، والبيهقي (10/ 3) من طريق خالد بن زيد، عن عقبة بن عامر؛ قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن قال المناوي في "فيض القدير" (2/ 299): فيه خالد بن زيد، قال ابن القطان: وهو مجهول الحال، فالحديث من أجله لا يصحُّ.


(تَنْبِيه سادس) من الأحاديث الموضوعة [ز1/ 10/ب] الكذب الذي لا تحلُّ روايتها إلاَّ لبيان حالها حتى لا يغتر العامَّة بها ما رواه الكذَّاب - ابن طاهر - (1) بسنده الباطل عن أنس قال: "كنَّا عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فيكم مَن ينشدنا؟)) قال بدوي: نعم يا رسول الله، فأنشده:

قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوَى كَبِدِي = فَلاَ طَبِيبَ لَهَا وَلاَ رَاقِي

إِلاَّ الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ = فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي

فَتَوَاجَدَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتَواجَدَ أصحابُه حتى سقَط رداؤه عن منكبه، فلمَّا فرغوا آوَى كلُّ واحدٍ إلى مكانه، فقال معاوية بن أبي سُفيان: ما أحسن لعبكم يا رسول الله! فقال: يا معاوية، ليسَ بكرِيمٍ مَن لم يهتزَّ عِنْدَ السَّماع الحسن (2)، ثم قَسَمَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رِداءَه ممَّن حضرَ أربعَمائة قِطْعَةٍ)) (3)، قال ابن طاهر فِي كتابه "صفوة التصوف" بعد سوقه سند هذا الحديث: وهذا الحديث نصَّ على أنَّ مذهب الصوفية كان معلومًا عندهم، معمولاً به بينهم، فإنكاره جهلٌ بالمنقول والتَّمادِي على إنكاره بعد هذا ليس له محصول، ا. هـ.

_________________________________________

(1) ابن طاهر جِهبِذٌ علَم إمامٌ، وليس بكذَّاب، وعلَّة الحديث من "عمار بن إسحاق" متَّهم بالكذب كما سيأتي. (2) هكذا في المخطوط، وفي المطبوع: عند السماع للحبيب. (3) أورده ابن حجر في "لسان الميزان" (4/ 270) في ترجمة "عمَّار بن إسحاق" وعَزاه إلى ابن طاهر في "السماع"، والسفاريني في "غذاء الألباب" (1/ 407) وقال: هذا حديث موضوع، وخبرٌ باطل مصنوع، وكان واضعه عمَّار بن إسحاق؛ لأنَّ باقي رجاله لا يتَّصفون بالكذب والاختلاق، وقد قال الذهبي وغيره: هو ممَّا يقطع بكذبه.


وليس كما زعَم بل كذب وافترى وجازَف واجترأ، بل هو من جملة كذباته وفرياته وضَلالته وخرافاته؛ ومن ثَمَّ قال أبو العباس القرطبي: لا يحتجُّ بحديث ابن طاهر لما ذكره السمعاني عن جماعةٍ من شيوخه أنهم تكلَّموا فيه ونسبوه إلى مذهب أهل الإباحة الذين لا يُحرِّمون مالاً ولا فرجًا، وعنده مناكير فِي هذا الكتاب، روى عن مالكٍ وغيره من أئمَّة الهدى حكايات منكرة باطلة قطعًا، وقال محمد بن ناصر الحافظ: ابن طاهر ليس بثقةٍ، ثم العجب من غلبة الهوى والميل على هذا الفاسق المبتدِع أنَّه لما استكمل سياق هذا الحديث الباطل الكذب المختلق قال فِي آخره كلامًا يُوهِم به الضُّعَفاء أنَّه على شرط البخاري ومسلم وهو تمويهٌ وتدليس على العوام، فتأمَّل غلبة هذا الهوى على هذا الرجل حتى لم يرضَ بإيهامه صحَّة هذا الحديث، بل زاد وبالَغ حتى أوهَمَ أنَّه على شرط الصحيحين؛ كلُّ ذلك ترجيحٌ لقوله الباطل، وتمويهٌ لحاله الحائل؛ لفساد عقله، واستيلاء خبله، والإفساد فِي الناس، [وإلاَّ فأدنى عارف] بالسنَّة يعلم عند مجرَّد [سماعه] هذا الحديث أنَّه كذبٌ مصنوعٌ موضوعٌ لرَكاكة ألفاظِه، وأنَّ شعره لا يليق بجزالة شعر [ز1/ 11/أ] العرب، بل بركاكة شعر المخنَّثين، قال الأذرعي: وأطال القرطبي فِي ردِّ هذا الحديث الباطل المختلق، وما قاله حقٌّ لا ينازِع فيه أحدٌ من أهل المعرفة بالحديث، ولا شكَّ فيه، فالله حسب مفتريه.

وقد ذكَر صاحب "عوارف المَعارِف" هذا الحديث ثم قال: لكن يخالج سرِّي أنَّ هذا الحديث ليس فيه دون اجتماع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأصحابه، ويأبى القلب قبوله، ا. هـ.

قال بعض الحفَّاظ: وما خالج صدره - رحمه الله تعالى - يقينٌ عند غيره قد خالَط قلبه؛ أي: فلنور قلب الشهاب السهروردي لم يقبَل قلبه هذا الحديث



الركيك الذي يجعَل كلماته - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أنْ يحاكي به هذه الألفاظ الركيكة المظلمة.

(خاتمة) فِي فروع مُتمِّمة لما سبق منها: مَن غنَّى لنفسه أو غيره إنْ أخَذ عليه أجرًا واشتهر به بحيث يُسمَّى مغنِّيًا فهو سفيهٌ مردود الشهادة، وكذا مَن انقطع لسماعه بخلاف مَن يسمعه أحيانًا ولو فِي الملأ ومَن تكسَّب يجمع المغنين والمغنيات عنده ليطلب [منه] إحضارهم، أو بتعليم غناء لامرأة وأمرد - فهو سفيهٌ مردودُ الشهادة، بخلاف مَن اقتناهم ليسمعهم غير مُكثِر ولا مُجاهِر ما لم يدخل معه لسماعهم مَن يحرم عليه سماعهن؛ لأنَّ ذلك دِياثة، ولو كان يغشى بيوت الغناء ويغشاه المغنُّون للسماع فإنَّ كان فِي خفية لم تردَّ شهادته لبقاء مُروءته، وكذا إنْ أظهره ولم يُكثِر منه.



القسم الثاني: في سماع الغناء المقترن برقص أو نحو دف أو مزمار أو وتر[عدل]

قد سبق حُكمُ الغناء المجرَّد، وسيأتي أحكامه وما بعده إذا تجرَّدت، والمقصود هنا أنَّ الغناء إذا أُبِيح أو كره إن انضمَّ إليه محرَّمٌ يصير بانضِمام المحرَّم إليه محرمًا، وإذا حرم يشتدُّ إثمه بانضِمام المحرَّم [الآخَر] إليه، وأنَّ الرَّقص إنْ كان فيه تكسُّر كفعل المخنث كان حرامًا، وإنْ خلا عن ذلك كان مكروهًا، فإذا انضمَّ القسم الحرام منه إلى الغناء المحرَّم ازداد الإثم والتحريم، وكذا إذا كان المحرَّم أحدهما؛ لأنَّ المكروه وإنْ كان لا إثمَ فيه لكنَّه بانضِمامه إلى المحرَّم يَزداد إثمًا، ويشهَدُ لما قرَّرتُه قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فِي الحديث الصحيح: ((لا يخرُج الرجلان [ز1/ 11/ب] يَضرِبان الغائط كاشفَيْن عن عَوْرتهما يتحدَّثان؛ فإنَّ الله يمقت على ذلك)) (1).

فجعل التحدُّث على الغائط الذي هو مكروهٌ لا حرام إذا انضمَّ إلى الحرام الذي هو كشْف العَوْرة بحضرة مَن ينظُر إليها مقتضيًا للمقت الذي هو أشدُّ البُغض، فكذا إذا انضمَّ مكروهٌ من رقصٍ أو غناءٍ إلى محرَّمٍ من أحدهما يزداد إثمه وعقابه، وإذا ثبت هذا فِي مكروه ومحرَّم فهو فِي محرَّمين أولى، وسيأتي عن الإمام أبي عمرو بن الصلاح فِي اجتماع الدُّفّ الذي هو حلال إلى

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (3/ 36)، وأبو داود (15)، وابن ماجَهْ (342)، والنسائي في "السنن الكبرى" (1/ 70 رقم 32، 33)، والحاكم (1/ 260 رقم 560)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 46)، والبيهقي (1/ 99 رقم 487)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (12/ 122)، وصحَّحه ابن خزيمة (71) وابن حبان (4/ 270 رقم 1422) من حديث أبي سعيد الخدري - رضِي الله عنه - وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/ 83): رووه كلهم من رواية هلال بن عياض أو عياض بن هلال عن أبي سعيدٍ، وعياض هذا روى له أصحابُ السنن، ولا أعرفه بجرحٍ ولا عدالة، وهو في عداد المجهولين، والحديث له شاهد عند النسائي في "السنن الكبرى" (1/ 70 رقم 31) والطبراني في "الأوسط" (2/ 65 رقم 1264) من حديث أبي هريرة، وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 207): رجاله موثَّقون.


الشَّبَّابَة التي هي حَرام ما يوافق ما ذكرته، مع ردِّ ما اعترض به عليه، فاستَفِده.

(تَنْبِيه) ما تقرَّر فِي الرقص من أنَّه إنْ كان فيه تثنٍّ أو تكسُّر حرم على الرجال والنساء، وإن انتفى كلٌّ منهما عنه كره، قال الرَّافِعيُّ: لأنَّه مجرَّد حركات على استقامة هو المعتمد فِي مذهبنا، وقيل: يكره مع التكسُّر أو التثنِّي ولا يحرم، وقيل: يُباح مع عدمها ولا يكره، وقال بعض أصحابنا: إنْ أكثر منه حرم وإلاَّ فلا، وأشار القاضي حسين فِي تعليقه والغزالي فِي "إحيائه" إلى أنَّ محلَّ الخلاف فيمَن فعَلَه باختياره بخلاف مَن كان من أهل الأحوال، فحصل له وجدٌ اضطرَّه إليه، فإنَّ هذا لا حُرمة ولا كَراهة عليه اتِّفاقًا.

وعلى هذه الحالة يحمل ما حُكِي عن العزِّ بن عبدالسلام أنَّه كان يرقص فِي السماع، وممَّا يعين هذا الاحتمال ويردُّ على مَن توهَّم مَن فعَلَه أنَّه كان يفعله عن اختياره، فجعله حجَّة لدعواه الفاسدة وبضاعته الكاسدة - قولُه نفسه فِي قواعده التي لم يُصنَّف مثلها: "أمَّا الرقص والتصفيق فخفَّة ورُعونة مشابهة لرُعونة الإناث لا يفعلهما إلا أرعن أو مُتصنِّع جاهل، ويدلُّ على جهالة فاعلهما أنَّ الشريعة لم تردْ بهما لا فِي كتابٍ ولا سنَّة ولا فعَل ذلك أحدٌ من الأنبياء، ولا مُعتَبَرٌ من [أتباع] الأنبياء، وإنما يفعله الجهلة السُّفَهاء الذين التبسَتْ عليهم الحقائق بالأهواء، وقد حرَّم بعض العلماء التصفيق على الرجال؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((إنَّما التَّصْفِيقُ للنِّساءِ)) (1)، ا. هـ كلامه.

_________________________________________

(1) متفق عليه: البخاري (1203)، ومسلم (422) من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنه - وانظر: "قواعد الأحكام"؛ لعز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام (2/ 221) ط دار الكتب العلمية.


فبعدَ صُدور هذه العِبارة منه وهو أخشى لله [وأتْقاه] (1) من أنْ يتكلم فِي كتابه الذي هو نتيجة علومه [ز1/ 12/أ] ومَعارِفه بما يفعَل خلافه على رؤوس الأشهاد، ولكي يتوهَّم صدور ذلك منه، وبفرض صحَّته عنه يتعيَّن حملُه على أنَّه إنما فعَلَه اضطرارًا لعروض حالٍ أزعَجَه وأخرَجَه عن اختِياره، وقد عرفت أنَّ هذه الحالة ليسَتْ من محلِّ الخلاف فاحفَظ ذلك وردَّ به على مَن زلَّ فِي هذه المسألة قدمُه، وطغَى فِي حُكمها فهمُه وقلَمُه، وسيأتي قريبًا عن السهروردي وغيره فِي التواجُد ما يُوضِّح ذلك.

وإذا بان لك هذا الذي ذكرته عن ذلك الإمام واتَّضح، ظهَر لك بُطلان نقل الأُدْفوي ومَن قلَّده خلافه فيه، وقلَّدهم صاحب هذا الكتاب من غير تأمُّلٍ؛ حيث عدَّ ممَّن حضَر السماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة هذا الإمام الذي قال فِي الغناء المجرَّد وفي مجرَّد ضَرْب يدٍ على يدٍ ما مرَّ، فكيف يقولُ هذا فِي ذلك ويحضر بنفسه الغناء المقترِن بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، سبحانك هذا بهتان عظيم! والأُدْفوي هذا يتابع ابن طاهر فِي جميع كذباته كصاحب هذا الكتاب، ويعتمدها ويجعلها حجَّة له على ما يريد الانتصار به للصوفية المبرَّئِين من هذا السفساف، الأغنياء عن الانتصار لهم بأنَّ من شريطة طريقتهم ترْك المختَلَف فيه فكيف بالمُجمَع عليه، ومَن وقع منه خلاف ذلك منهم وصحَّ، أُجِيبَ عنه بأنَّ الوقائع الفعليَّة من المعصوم إذا أسقَطَ الاستدلالَ بها الاحتمالُ كما هو مقرَّر فِي الأصول، فأولى أنَّ ذلك يسقطه فيها إذا وقعَتْ من غير المعصوم؛ إذ ليست الحجة إلاَّ فِي الكتاب والسنَّة ونحوها من الأدلَّة المقرَّرة فِي الأصول، ونحن نجزم بأنَّه لم يقع عن أحدٍ

_________________________________________

(1) لعلَّها: وأتقى.


يُقتَدى به من أهل التصوُّف الجامعين بين العلم والمعرفة شيء من ذلك السفساف الذي هو سماع الأوتار ونحوها من المُجمَع على تحريمها، وأمَّا المختَلَف فيه فكذلك عند المحقِّقين منهم لمجانبتهم الشُّبَه ما أمكن، وأمَّا الحائمون حول حمى الشبهات وسماع المشتبهات فأولئك ليس لهم من التصوُّف إلاَّ رسمه، ومن العلم إلا اسمه، والخير كل الخير إنما هو فِي اتِّباعه - صلَّى الله عليه وسلَّم وشرَّف وكرَّم.

قال الأذرعي فِي "توسطه": واعلم [ز1/ 12/ب] أنَّ طوائف من المغرمين بالرقص من المتفقِّرة - أي: المتصوفة - ومَن حذا حذوهم من المتفقِّهة توهَّموا أنَّ حديث زفن الحبشة بالمسجد - وهو بالزاي والفاء والنون - والرقص دليلٌ واضح على جواز الرقص فِي المساجد مع ضميمة الغناء والطارات إليه، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح يُعرَف ببيان الحديث، والجواب عنه كما هو مذكورٌ فِي كلام القرطبي، أمَّا الحديث فالذي رواه البخاري ومسلم فيه: أنَّ ذلك كان يوم عيدٍ يلعَبُ فيه السودان بالدَّرَقِ والحِرابِ فِي المسجد، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعائشة: ((تشتَهِين تنظُرِينَ؟)) فقالت: نعم، فأَقامني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وراءَهُ خدِّي علَى خَدِّهِ وهو يقولُ: ((دُونَكم يا بَنِي أرفدة)) (1)، ووجه تمسُّكهم أنهم رقَصُوا فِي المسجد وأمرَهُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل أغْراهم بقوله: ((يا بَنِي أرفدَةَ)) ثم أباح لعائشة - رضي الله عنها - النظر إليهم؛ فكان دليلاً على إباحة الرقص وجوازه.

_________________________________________

(1) متفق عليه: البخاري (950)، ومسلم (892) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضِي الله عنها.


والجواب: أنَّ هذا الحديث لا يتناوَل محلَّ النزاع؛ فإنَّ ذلك لم يكن من الحبشة رقصًا على غِناء، ولا ضربًا بالأقدام، ولا إشارة بأكمام، بل كان لعبًا بالسلاح، وتأهُّبًا للكفاح؛ تدريبًا على استعمال السلاح فِي الحرب، وتمرينًا على الكرِّ والفرِّ والطَّعن والضَّرب، وإذا كان هذا هو الشَّأن فأين أفعال المخانيث والمخنَّثين من أفعال الأبطال والشُّجعان؟!

وأمَّا إباحة النظَر إليهم فلأنَّه لم يكنْ بحضرتهم منكرٌ يُغيَّر، ولا عورة تظهَر، وتمسَّكوا أيضًا بأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لعلي: ((أنت منِّي وأنا منك)) فحجل، وقال لزيدٍ: ((أنت أخونا ومولانا)) فحجل، وكذلك حجل جعفر لَمَّا وصَّى له في بنت حمزة حين خاصَمَه فيها عليٌّ وزيدٌ)) (1)، والحجل: مشي المقيَّد، وهو وثْب واهتزاز وهو الرقص؛ والجواب: أنَّ هذه كلها أحاديث مُنكَرة وألفاظ موضوعة مزوَّرة، ولو سلمت صحَّتها لم يتحقَّق حجَّتها؛ أي: لأنَّ المحرَّم هو الرقص الذي فيه تثنٍّ وتكسُّر، وهذا ليس كذلك.

وبما تقرَّر فِي هذا والذي قبلَه يُعلَم خطأ صاحب ذلك الكتاب فِي نقْله الاحتجاجَ على إباحة الرقص بحديث رقص الحبشة فِي [ز1/ 13/أ] المسجد، وبأنَّ عليًّا وجعفرًا وزيدًا حجلوا لَمَّا بشَّرهم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ووجْه خطَئِه ما تقرَّر أنَّ رقْص الحبشة لم يكنْ من الرقص المُختَلف فيه، وأنَّ ما ذُكِرَ عن هؤلاء الثلاثة - رضوان الله عليهم أجمعين - كذبٌ مختلق لا تحلُّ روايته ولا الاحتجاج به، إذا تقرَّر أنَّ فعل الحبشة ليس من

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (1/ 108)، والبزار (2/ 316)، والبيهقي (8/ 6)، والضياء في "المختارة" (778) وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (1/ 579): أخرجه أبو داود من حديث علي بإسناد حسن، وهو عند البخاري دون "فحجل".


المختلف فيه، وأنَّ ما رُوِي عن أولئك الأئمَّة كذبٌ، بطل قول صاحب الكتاب: إنَّ القياس على ذلك حجَّة على إباحة الرقص.

(تتمَّة) نقَل القرطبي عن الإمام الطرسوسي (1) أنَّه سُئِلَ عن قومٍ فِي مكانٍ يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشدهم لهم منشدٌ شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، هل الحضور معهم حلال أو لا؟

فأجاب: مذهب السادة الصوفية أنَّ هذا بطالة وضلالة، وما الإسلام إلاَّ كتاب الله وسنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأمَّا الرقص والتواجُد فأوَّل مَن أحدَثَه أصحاب السامري لما اتَّخذ لهم عجلاً جسدًا له خوار، فأتوا يرقصون حوله ويتواجَدون، وهو - أي: الرقص - دين الكفار وعبَّاد العجل، وإنما كان مجلس النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع أَصْحابه "كأنَّما على رؤُوسهمُ الطَّيْرُ من الوقار" (2)، فينبغي للسُّلطان ونوَّابه أنْ يمنعوهم من الحضور فِي المساجد وغيرها، ولا يحلُّ لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يحضر معهم، ولا يُعِينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من أئمَّة المسلمين، ا. هـ كلام هذا الإمام، فتأمَّله واحفَظْه فإنَّه الحقُّ وغيره الباطل الذي غايته القطيعة والآثام.

_________________________________________

(1) في (ز2): الطرطوسي. (2) أخرجه الطياليسي (1232)، وأحمد (4/ 278)، وأبو داود (2855)، والبيهقي (9/ 343)، والحاكم (4/ 443) من حديث عن أسامة بن شريك قبلفظ: "أتيت النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلَّمت ثم قعَدت، فجاء الأعراب من ها هنا وها هنا فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: ((تداووا، فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لم يضعْ داءً إلا وضع له دواء، غير داء واحد؛ الهرم)) وهذا لفظ أبي داود، والحديث أخرجه الترمذي (2038)، وابن ماجَهْ (3436)، ولم يذكر فيه محلَّ الشاهد، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.


وتمسَّكوا أيضًا بحكاياتٍ كثيرة عن المشايخ ذكرها القشيري وغيره، زاعِمين أنَّ هؤلاء المشايخ عُرِفت فضائلهم وصحَّت كراماتهم، فإطباقهم على حُضور مجالس السَّماع والغِناء وتواجُدهم وركضُهم وزفنهم دليلٌ على إباحة ذلك؛ وجوابُه: أنَّنا لا ننفي جوازه إلاَّ عند وجود نحو تثنٍّ وتكسر، فمن أين أنَّ أولئك المشايخ تثنَّوْا وتكسَّروا، سلَّمنا أنهم فعلوا ذلك فمن أين أنهم لم يحصل [ز1/ 13/ب] لهم وجدٌ أخرجَهُم عن حالة الاختِيار إلى حالة الاضطرار، على أنَّا لا نسلِّم صحة تلك الحكايات عن أولئك، فلعلها ممَّا أدخَلَه أهل الزندقة على أهل الإسلام، كما كذبوا على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بما لا يُحصَى، سلَّمنا صحَّتها وأنهم فعلوها اختيارًا، فالحجَّة فيما جاء عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعَن الأئمَّة بعده، وقد بينَّا أنَّ ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأنَّ ذلك ممَّا حدث بعدهم فقد تناوله قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضَلالَةٌ)) (1).

وظُهور الكرامات لا تدلُّ على العصمة، بل على قُرب مَن ظهرت عليه فِي حال ظُهورها عليه مع جواز تلبُّسه بعد ذلك بكبيرةٍ يتوبُ الله عليه منها؛

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (3/ 310)، ومسلم (867)، وابن ماجَهْ (45)، والنسائي (3/ 189) من حديث جابر بن عبدالله - رضِي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبه حتى كأنَّه منذر جيش، يقول: ((صبَّحكم ومسَّاكم)) ويقول: ((بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين))، ويقرن بين إصبعَيْه: السبابة والوسطى ويقول: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخيرَ الهُدَى هُدَى محمدٍ، وشرَّ الأمور مُحدَثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة))، ثم يقول: ((أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه، مَن ترك مالاً فلأهله، ومَن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ))، هذا لفظ مسلم.


ومن ثَمَّ قيل للجنيد سيِّد الطائفة: أيَعصِي [الولي] (1)؟ فقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} (2).

وقد قال ابن عبدالسلام: أخطأ مَن زعَم أنَّ الولاية تُنافِي ارتكابَ الصغائر، ففعلهم لذلك لو فرض أنَّه باختيارٍ وفيه تثنٍّ وتكسُّر يكون صغيرةً، وهي لا تنافي الولاية.

وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير، والعلَم الشهير، إمام العارفين، وقدوة العلماء العاملين، أبو علي الروذباري لَمَّا سُئِلَ عمَّن يسمَع الملاهي ويقول: هي حَلال؛ لأنِّي قد وصلت إلى درجةٍ لا يُؤثِّر فِيَّ اختلاف الأحوال، فقال - رضِي الله عنه -: نعم قد وصل، ولكن إلى سقر، كذا نقَلَه عنه إمام المتأخِّرين ظاهرًا وباطنًا الإمام اليافعي الذي قال الأسنوي فِي حقِّه: فضيل الأباطح وفاضلها، فتأمَّل مثل قول أبي عليٍّ المذكور واعتمده، وأمثاله، ولا تغترَّ بِمَنْ لم يشمَّ أدنى مَراتِبهم، فيقول عليهم بما هم منه بَرِيئون وعنه مُنفَرِدون ومحوطون، حقَّق الله لنا حسن اتِّباعهم، والاندراج فِي سلك إجماعهم بمنِّه وكرمه، آمين.

وتمسَّكوا أيضًا بأنَّ الحركات الموزونة من أهل الصفاء حالةَ السماع نتائج القلب المعتدِل الموزون بميزان الرياضة والمجاهدة، ومَن هو كذلك لا يصدر عنه قولٌ ولا فعلٌ إلاَّ على نظامٍ ووزنٍ، وخُصوصًا حالة السماع التي هي حالةُ ظهور مَكامِن القلوب وإبداء العُيوب، وأطالُوا من هذه الكلمات التي هي حقٌّ فِي نفسها أُرِيدَ بها [ز1/ 14/أ] باطلٌ أي باطل؛ إذِ الصادر عن القلب المذكور وزنُ الأعمال بميزان الشرع لا وزنُ الحركات بميزان

_________________________________________

(1) في (ز1): المولى. (2) سورة الأحزاب: 38.


المخنَّثين؛ ومن ثَمَّ قال القرطبي فِي جواب ذلك: إنَّ هذا من التمويهات والترَّهات التي لا تتمشَّى على العوام، فضلاً عن ذوي الأفهام؛ ووجه تمويهه أنهم إنْ أرادوا بالوزن مطابقة الحركات الحسيَّة لحركات الغناء فهو باطلٌ، أو مطابقتها للميزان الشرعي فمُسلَّم، لكنْ تلك الميزان تمنَع من حُضور الغناء المطرب وسماعه؛ لأنَّه يمنع من المكروه والمحرَّم؛ وقد بينَّا أنَّ الغناء المطرِب وسماعه حَرام ولهو وباطلٌ، ثم يلزَمهم أنَّ أصفى الناس قُلوبًا أحسنهم رَقصًا، وأنَّ مَن لا يحسنه كالصحابة والأئمَّة بعدهم يكونوا بخلاف ذلك، وهذه زلاَّت لا يتدارك قُبحها ولا يَتناهى إثمها، وأطال فِي بَيانها وفي التَّشنيع على أولئك الأغبياء المتمسِّكين بما آلَ بهم إلى أعظم الزَّلَل وأقبح الخطأ والخطَل.

وتمسَّكوا أيضًا بأنَّ مَن فعلوا الرقص حالةَ السماع ظهَرتْ عليهم الكرامات حينئذٍ، فهو دليلٌ على حقيقة ما هم عليه؟

وجوابه: أنَّ أكثر حِكاياتهم خُرافات لا حقيقةَ لها، ولو سلمت فالحجَّة فِي كتاب الله - تعالى - وسنة رسولٍه واتِّباع سبيل المؤمنين من الصَّحابة ومن بعدهم من المجتهدين، وما ظهر على أولئك حالة الرقص إنْ صحَّ إمَّا حِيَلٌ أو فِتَنٌ كفِتَنِ الدجَّال فلا يغترَّ بها؛ لما هو مُقرَّر عند أئمَّة الشرع أنَّ مَن ظهر عليه خارقٌ إنْ وافقت أحواله الشريعة أصولها وفُروعها فهي الكرامة، وإلاَّ فهي استِدراجٌ، وصاحبها إمَّا مفتونٌ أو زنديقٌ؛ ومن ثَمَّ قال الجنيد: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء أو فِي الهواء فلا تغترُّوا به حتى تَنظُروا حالَه عند الأمر والنهي، وقد سمع الشبلي برجلٍ اشتَهَر بالولاية، فمشى إليه فِي أصحابه،



فدخَل عليه فِي المسجد فرَآه قد تنخَّم فِي قِبلة المسجد (1)، فقال لأصحابه: ارجِعُوا فإنَّ الله لم يأمَنْ هذا على أدبٍ من آداب شريعته، فكيف يأتمنه على أسراره؟

وبهذا كلِّه الذي قالَه القرطبي وغيره يتبيَّن خطأ صاحب ذلك الكتاب فِي قوله: والشَّبَّابَة تُحرِّك الدمع وتُرقِّق القلب، ثم قال: ولم يزل أهل المَعارِف [ز1/ 14/ب] والصَّلاح والعلم يحضرون السماع بالشَّبَّابَة، وتجري على أيديهم الكَرامات الظاهرة وتحصل لهم الأحوال السنيَّة، ومرتكِب المحرَّم لا سيَّما إذا أصرَّ عليه يفسق به، وقد صرَّح إمام الحرمين والمتولي وغيرهما من الأئمَّة بامتِناع جَريان الكَرامة على يد الفاسق، ا. هـ.

وبَيان خطئه فِي ذلك وزلَلِه أنَّ قوله: يُرقِّق القلب دعوى كاذبة باطلة، وإلاَّ لم يحرِّمها أكثرُ العلماء، بل الحقُّ أنها تُحرِّك عنده من حُظوظ نفسه وشَهواتها ما يحمله على ما لا ينبغي، وبفرْضٍ أنها لا تحمله فهي شعار الفسَقَة، فوجب اجتنابُها؛ لأنَّ التشبُّه بهم حرام؛ وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن تشَبَّه بقومٍ فهوَ منهُم)) (2)، وبفرض أن لا تشبُّه فيها [بالفسَقَة] فهي من الشُّبهات؛ لأنها حرامٌ عند أكثر العلماء كما سيأتي بَسْطُه؛ وأئمَّة التصوُّف

_________________________________________

(1) جاء النهي عن التنخُّم جهة القبلة فيما أخرجه البخاري (405) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى نخامةً في القبلة، فشقَّ ذلك عليه حتى رُئِي في وجهه، فقام فحكَّه بيده فقال: ((إنَّ أحدَكم إذا قام في صَلاته فإنَّه يناجي ربَّه أو إنَّ ربَّه بينه وبين القِبلة فلا يبزقنَّ أحدُكم قِبَلَ قِبلتِه، ولكنْ عن يساره أو تحت قدمَيْه))، ثم أخَذ طرف رِدائه فبصق فيه ثم ردَّ بعضَه على بعضٍ فقال: ((أو يفعَل هكذا)). (2) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 471)، وأحمد (2/ 50)، وعبد بن حميد (848) وأبو داود (4031)، والطبراني في "مسند الشاميين" (216)، والبيهقي في "الشعب" (1199) من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهما - وقال ابن حجر في "الفتح" (10/ 271): أخرَجَهُ أبُو داودَ بسَنَدٍ حَسَنٍ، وأخرجه أحمد في "الورع" (93)، والبزار في "مسنده" (7/ 368)، والطبراني في "الأوسط" (8327) من حديث حذيفة وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 271): فيه عليُّ بن غُراب، وقد وثَّقه غيرُ واحدٍ، وضعَّفَه بعضهم وبقيَّة رجاله ثقات.



- رضوان الله عليهم - أبعَدُ الناس عن الشُّبهات، فعلم أنَّه لا يحضُرها ويسمَعها إلا مَن غلب عليه هَواه حتى أصمَّه وأعماه وأرداه، وقوله: ولم يزل أهل المَعارِف ... إلخ قلَّد فيه مثلَ الخبيث الكذاب ابن طاهر، وقد قرَّرنا فِي هذا الكتاب المرَّة بعد المرَّة أنَّه كذَّاب خبيث لا يُعتَمد عليه ولا يُنظَر إليه، وهذا نظيرُ كذبِه الآتي عن الشيخ الإمام أبي [إسحاق] الشيرازي - رحمه الله تعالى - أنَّه كان يسمَع العُود، وسيأتي مُبالَغة العلماء فِي تسفيهه فِي ذلك، وكذبه على هذا العبد الصالح القانت العالِم الرباني، وقوله: وتجرِي على أيديهم الكَرامات، جوابه ما تقرَّر أنَّ هذا جزاف كذب لا حقيقةَ له، وبفرض وقوعه فهو إمَّا حيل أو فتن واستدراج.

قال العارف أبو الحسن الشاذلي - رحمه الله تعالى - فِي قوله - تعالى -: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} (1) سنريهم الكَرامات حتى يعتَقِدوا أنهم أولياء الله فنأخذهم على بغتة، وقوله: وقد صرَّح إمامُ الحرمين ... إلخ، جوابُه: أنَّ كلامه - رحمه الله - لم يفهَمْه؛ لأنَّ معناه: أنَّ الكرامة التي هي فِي الباطن كرامةٌ لا تظهَرُ على يد فاسقٍ لا أنَّ كلَّ مَن ظهر على يديه خارقٌ حُكِمَ بأنَّه صالحٌ؛ {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (2).

_________________________________________

(1) سورة الأعراف: 182. (2) سورة النور: 16.


وتمسَّكوا [أيضًا] بما جاء ((إذَا لم تبكُوا فتباكَوْا)) (1)، وجوابه: أنَّ التباكي يُفضِي إلى [ز1/ 15/أ] البُكاء غالبًا الذي هو مطلوبٌ شرعًا، والتواجُد بالحركة لا يُفضِي إلى الوجد غالبًا، فافتَرَقا ولم يجزْ حمل أحدهما على الآخَر، ولو سلَّمنا أنَّه يُفضِي إليه غالبًا فلا نُسلِّم أنَّ الوجد مطلوبٌ شرعًا؛ لأنَّه لا يدخُل تحت اختيار العبد بخِلاف البكاء، ثم العجب أنَّ المحقِّقين من شُيوخ هذه الطائفة قالوا: إنَّ التواجُد غير مُسلَّم لصاحبه؛ لما يتضمَّنه من التكلُّف والتصنُّع والرِّياء؛ قال السهروردي التواجُد من الذنوب، فليتَّقِ الله ربَّه ولا يتحرَّك إلا إذا صارت حركته كحركة المرتعِش الذي لا يجدُ سبيلاً إلى الإمساك، قال السري: شرط الواجد في وجْده أنْ يبلُغ وجده إلى حدٍّ لو ضُرِبَ وجهُه بالسيف لم يشعُر به.

وقال القشيري: المريد لا يسلمْ له حركةٌ فِي السماع بالاختيار؛ وقال عبدالله بن عروة بن الزبير: قلتُ لجدَّتي أسماء بِنت أبِي بكر [الصِّدِّيق]- رضِي الله عنهما -: كيف كان أصحاب النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعَلون إذا قُرِئَ القُرآن؟ قالت: كانوا كما وصفَهُم الله - تعالى - فِي كتابه العزيز،

_________________________________________

(1) أخرجه ابن ماجَهْ (1337)، وأبو يعلى (689)، والبزار (1235)، والشهاب في "مسنده" (2/ 208)، والبيهقي (10/ 231) من حديث سعد بن أبي وقَّاص بلفظ: ((ابكوا، فإنْ لم تبكوا فتباكَوْا))، وهذا لفظُ ابن ماجه، وأورَدَه المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/ 270) وقال: رواه ابن ماجَهْ وأبو يعلى وفي إسنادهما يزيد الرقاشي وبقيَّة رواة ابن ماجَهْ ثقاتٌ احتجَّ بهم البخاري ومسلم، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 240): هذا إسنادٌ فيه أبو رافع، واسمه إسماعيل بن رافع، ضعيفٌ متروكٌ، ورواه أبو داود من طريق عبيدالله بن أبي نهيك عن سعدٍ به بلفظ: ((ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقُرآن)) على اختلافٍ فيه، وأبو يعلى (4134)، من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 391): روى ابن ماجَهْ بعضَه، رواه أبو يعلى، وأضعف مَن فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّقَ على ضعفه.


تدمع أعينهم وتقشعِرُّ جلودهم، قلت: إنَّ أناسًا اليومَ إذا قُرِئَ القُرآن عليهِم خرَّ أحدُهم مغشِيًّا عليه؟ قالت: أعوذ بالله من الشَّيْطان الرَّجِيم)) (1).

إنَّ عبدالله بن عمر - رضِي الله عنهما - مرَّ على رجلٍ من أهل العِراق يتساقَط فقال: أمَا نخشى؟ وما يسقط؟ إنَّ الشَّيطان يدخُل فِي جوف أحدِكم، ما هكذا [كان] يصنع أصحاب رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم)) (2).

وذكِر عند [عبدالله] (3) بن سيرين الذِين يُصرَعون إِذا قُرِئ عليهِم القُرآن، فقال: ((بيننا وبينهم أنْ يقف أحدُهم على ظهر بيته باسطًا رجلَيْه، ثُمَّ يُقرَأ عليه القُرآن من أوَّله إلى آخِره، فإِنْ رمى بنَفسِه فهو صادِق)).

وهذا الإنكار من هؤلاء السَّلَف إنما هو على المتكلِّفين المتواجِدين، ثم بالَغ القرطبي - رحمه الله - فِي الردِّ عليهم فِي تمزيقهم الثِّياب وإعطاء ما سقط منها للقوَّال، وقال: هذا ضَرْبٌ من الجنون والهذيان، وفي قول بعضهم: هذا الشيخ يحكم فيه بما يريد، وهذا كلُّه إخراج ملك عن مالكه بغير طريقٍ شرعي.

(خاتمة) سُئِلَ الإمامُ المجتهد تقيُّ الدين السبكي - رحمه الله - عن الرَّقص والدُّفِّ وعنْ حُضور السماعات؟ [ز1/ 15/ب]

فأجاب عنه بقوله:

وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرَّقْصَ وَالدُّفَّ الَّذِي = سَاءَلتَ عَنْهُ وَقُلت فِي أَصْوَاتِ

_________________________________________

(1) أورده القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (15/ 249). (2) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (2062)، وسعيد بن منصور في "السنن" (95)، وابن المبارك في "الزهد" (1016). (3) الصواب: محمد.


فِيهِ خِلافٌ لِلأَئِمَّةِ قَبْلَنَا = شَرَحَ الهِدَايَةَ سَادَةُ السَّادَاتِ

لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ شَرِيعَةٌ = طَلَبَتْهُ أَوْ جَعَلَتْهُ فِي القُرُبَاتِ

وَالقَائِلُونَ بِحِلِّهِ قَالُوا بِهِ = كَسِوَاهُ مِنْ أَحْوَالِنَا العَادَاتِ

فَمَنِ اصْطَفَاهُ لِدِينِهِ مُتَعَبِّدًا = لِحُضُورِه فَاعْدُدْهُ فِي الحَسَرَاتِ

وَالعَارِفُ المُشْتَاقُ إِنْ هُوَ هَزَّهُ = وَجْدٌ فَقَامَ يَهِيمُ فِي السَّكَرَاتِ

لاَ لَوْمَ يَلحَقُهُ وَيُحْمَدُ حَالُهُ = يَا طِيبَ مَا يَلقَى مِنَ اللَّذَّاتِ

قال بعض الأئمَّة من أهل اليمن: وأمَّا سَماع أهل الوقت فمُحرَّم بلا شكٍّ؛ ففيه من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء، وافتِتان العامَّة باللهو ما لا يُحصى، فالواجب على الإمام قصرُهم عنه؛ وسُئِلَ القاضي عن الحال فِي السماع؟ فقال: مَن تعوَّده من الفقهاء وغيرهم فِي كلِّ أسبوعٍ مرارًا وفِي كلِّ شهرٍ مرارًا يفسق وتردُّ شهادته، فقِيل له: فإذا تعوَّده فِي كلِّ شهر مرَّة؟ قال: لا تردُّ شهادته، وهو فسقٌ وليس كلُّ فسق يُوجِب ردَّ الشهادة، قال الأذرعي: وهذا خلاف المفهوم من كَلام الفقهاء، ا. هـ، وهو كما قال.

(تتمَّة) فيها ردعٌ لِمَن يزعُم تصوُّفًا، وسُلوكًا لطريق القوم المبرَّئين عن السفساف واللوم، ثم بعدَ ذلك يمدح الغناء، ويُثنِي على سماعه، ويحض العامَّة والخاصَّة على سَماعه، ليس ذلك إلاَّ لاستِحكام هَواه وغلبة شَهواته فِي دَقائق حُظوظه الذي أرداه وأصمَّه وأعماه، وأي لذَّة أو قُربة أو مدْح فيمَن قال فيه الصادق المصدوق: ((إنَّه يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء البَقل))، ((حبُّ الغِناء يُنبِت النِّفاق، كما يُنبِت الماء العشب)) (1)،

_________________________________________

(1) أخرجه أبو داود (4927)، والبيهقي (10/ 223)، وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 366): حديث: ((الغناء يُنبِت النفاق في القلب كما يُنبِت الماء البقل)) أبو داود بدون التشبيه، والبيهقي من حديث ابن مسعود مرفوعا، وفيه شيخ لم يسمَّ، ورواه البيهقي أيضًا موقوفا، وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن عدي، وقال ابن طاهر: أصحُّ الأسانيد في ذلك أنَّه من قول إبراهيم.


((مَن قعَد إلى قَيْنةٍ يستَمِع منها صبَّ الله في أذنَيْه الآنُك - أي: الرَّصاص المذاب - يوم القيامة)) (1)، ((الغناء واللهو يُنبِتان النِّفاق في القلب كما يُنبِت الماء العشب، والذي نفسي بيده إنَّ [القرآن في القلب] (2) والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) (3)؛ فكيف بعد هذه الأحاديث يقدم مَن له أدنى مسكةٍ من دِين أو عَقل أو ورَع على مَدح الغِناء واستِماعه، ويزعُم أنَّ فِي استِماعه استجلاء [ز1/ 16/أ] للمَعارِف والكَرامات؟ كلاَّ والله ليس إلاَّ كما أخبر الصادق أنَّه يُنبِت النِّفاق فِي القَلب سريعًا كثيرًا كما ينبت الماء العشب والبقل، وأنَّه يُوجِب صبَّ الرَّصاص المذاب فِي الأذن التي سمعته يوم القيامة.

_________________________________________

(1) أخرجه ابن عساكر (51/ 263)، وأورده الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 113) بلفظ: ((مَن قعد إلى قَيْنةٍ يسمع صُبَّ في أذنه الآنُك))، وعَزاه إلى أبي يعقوب محمد بن إسحاق النيسابوريِّ، وأورده ابن حجر في ترجمة "عبيد بن هشام" فقال: قال الآجري: عن أبي داود ثقة، إلا أنَّه تغيَّر في آخِر أمره، لُقِّن أحاديث ليس لها أصلٌ، لُقِّن عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، حديثًا منكرًا، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو أحمد: حدَّث عن ابن المبارك، عن مالك بن أنس أحاديث لا يُتابَع عليها، قلت: وقال صالح جزرة: صدوق، ولكنه ربَّما غلط، حَكاه الحاكم في "تاريخه"، وقال أبو العرب القيرواني في "الضعفاء": قال أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عثمان: عبيد بن هشام ضعيف، وقال الخليلي: صالح، وأخرج الدارقطني في "الغرائب" عن ابن المبارك، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أنسٍ رفعه: ((مَن قعَد إلى قَيْنةٍ يستَمِع منها صُبَّ في أذنَيْه الآنُك يومَ القيامة))، قال الدارقطني: تفرَّد به أبو نعيم، ولا يثبُت هذا عن مالك ولا عن ابن المنكدِر. (2) في (ز1): القراءة. (3) أورده أبو شجاع الديلمي في "الفردوس" (3/ 115، رقم 4319) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 103): ((الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب))؛ رواه الديلمي عن أنسٍ مرفوعًا بزيادة: ((والذي نفسي بيده، إنَّ القُرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب))، ولا يصحُّ كما قالَه النووي.


وتأمَّل ما يحرمه [صاحب] (1) الغناء، فقد أخرَج الحكيم الترمذي أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن استَمَع إلى صوت غناء لم يُؤذَن له أن يَستَمِع الروحانيِّين فِي الجنَّة))، قيل: ومَن الروحانيون؟ قال: ((قُرَّاء أهل الجنَّة)) (2)، فانظُر هذا الحِرمان المشابِه لما فِي الحديث الصحيح: ((مَن شَرِبَ الخَمر في الدُّنيا لم يشرَبْه في الآخِرة)) (3).

وتأمَّل أيضًا مُقابَلته - صلَّى الله عليه وسلَّم - لهذا! بقوله: ((والذي نفسِي بيده إنَّ القُرآن والذكر لينبتان الإيمانَ في القلب كما يُنبِت الماء العُشب)) (4).

فعلم أنَّ مَن آثَر سَماع الغناء على القُرآن والذكر كما هو دأب أكثَر متصوِّفة الوقت فقد استحكم عليه شيطانه حتى أنزَلَه بساحة الممقوتين، بل أخرَجَه إلى حيِّز العُصاة المبعودين؛ ألاَ ترى إلى ما مرَّ فِي المقدمة أيضًا فِي حديث المُغَنِّي الذي استَأذَن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فِي الغناء فقال: ((لا آذَنُ لك، ولا كَرامة، ولا نعمَة عَيْنٍ، كذبت أيْ عدوَّ الله، لقد رزَقَك الله حلالاً طيِّبًا فاختَرْت ما حرَّم الله عليك من رِزقِه ثم توعَّدَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأنَّه إنْ فعَل الغناء بعد ذلك أوجَعَه ضربًا ومثَّل به بحلق رأسه وأحلَّ سلبه نهبةً لفتيان المدينة، ثم قال عن المغنيين ونحوهم:

_________________________________________

(1) في (ز1): سائر. (2) أوره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (2/ 87 /ط دار الجيل). (3) متفق عليه أخرجه البخاري (5575)، ومسلم (2003) من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهما. (4) أورده أبو شجاع الديلمي في "الفردوس" (3/ 115، رقم 4319) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 103): ((الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب))؛ رواه الديلمي عن أنسٍ مرفوعًا بزيادة: ((والذي نفسي بيده، إنَّ القُرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب))، ولا يصحُّ كما قالَه النووي.


((أولئك العُصاةُ، مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله يومَ القيامة كما كان في الدنيا مخنثًا عريانًا، لا يستَتِرُ من الناس بهدبةٍ، كلَّما قام صُرِعَ)) (1)؛ لكن الحامل لجهَلَة المتصوِّفة على ذلك جهلهُم بالسنَّة الغرَّاء الواضحة التي ليلُها كنَهارها، ونهارها كليلها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، فجهْل أولئك أوجَبَ لهم الهلاكَ والحِرمان عن فهْم مقالته - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأحكامه ومَعارِفه، وتأمَّل ما مرَّ فِي المقدمة أنهم غلَب عليهم جهلُهم حتى أخرَجوا تلك الأحاديث عن موضوعها، وزعَمُوا أنها فِي غنى المال لا غير، وهذا جهل بموضوعات الألفاظ ومعانيها، فحقُّهم الكفُّ عن الخوض فِي ذلك؛ سترًا لجهلهم عن العامَّة، وإنْ أوجب ذلك خَسارهم إذا جاءَت الطامَّة، وقد مرَّ ثَمَّ بَسْطُ ما في [ز1/ 16/ب] ذلك فراجِعْه؛ لعلك توفَّق لفَهمِه والعمل به.

  • * *

_________________________________________

(1) أخرجه ابن ماجَهْ (2/ 871 رقم 2613)، وقال البوصيرى (3/ 119): في إسناده بشر بن نمير البصري: قال فيه يحيى القطان: كان ركنًا من أركان الكذب.



القسم الثالث: فِي قراءة القرآن بالألحان[عدل]

اختلف كلام الشَّافِعِي - رضِي الله عنه - فقال مرَّة: لا بأسَ بها، وقال مرَّة: إنها مكروهةٌ، قال جمهور أصحابه: ليست المسألة على قولَيْن: بل المكروه أنْ يُفرِط فِي المدِّ، وفي إشباع الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألفٌ، ومن الضمَّة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم فِي غير مَوضِعِ الإدغام، فإنْ لم يصل إلى هذا الحدِّ فلا كَراهة، وفي وجهٍ أنَّه لا يكره وإنْ أفرط، هذا كلام الرَّافِعِي، زاد فِي الروضة قلت: الصحيح أنَّه إذا أفرَطَ على الوجه المذكور فهو حَرامٌ، صرَّح به صاحب "الحاوي" فقال: هو حَرامٌ يفسق القارئ ويأثم المستمع؛ لأنَّه عدَل به عن نهجه القويم، وهذا مُراد الشَّافِعِي - رحمه الله تعالى - بالكراهة، ا. هـ (1).

وعبارة "الحاوي" التي أشارَ إليها: القِراءةُ بالألحان الموضوعة للأغاني اختُلِف فيها؛ فرخَّص فيها قومٌ وأباحوها؛ لما ذكرنا من الخبر، وشدَّد آخَرون وحظروها؛ لخروجها إلى اللهو والطرب، ولأنها خارجةٌ عن عُرف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحابته إلى ما استُحدِث من بعده، وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ محدثةٍ (2) بدعةٌ، وكلُّ بدعة ضلالةٌ، وكلُّ ضلالة في النار)) (3).

_________________________________________

(1) "روضة الطالبيين" (11/ 228). (2) في (ز1): مستحدث. (3) أخرجه أحمد (3/ 310)، ومسلم (867)، وابن ماجَهْ (45)، والنسائي (3/ 189)، من حديث جابرِ بنِ عبدالله - رضِي الله عنهما.


والشافعي - رضِي الله عنه - عدَل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإنْ أخرجت لفظ القرآن عن [صيغته] (1)، بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطَّط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى - فهذا محظور، يفسق به، وإنْ كان على خِلاف ذلك فلا بأسَ به (2)؛ قال أصحابنا: وينبغي ألاَّ يشبع الحركات حتى لا تصير حروفًا، ا. هـ.

ونسَب الشاشي فِي حليته تفصيل "الحاوي" هذا إلى الشَّافِعِي - رحمه الله - فقال: واختار الشَّافِعِي التفصيل؛ وهو أنَّه إذا كانت الألحان لا تُغيِّر الحروف عن نَظمِها جازَ، فإنْ غيَّرتها إلى زيادةٍ لم يجزْ.

وقال الدارمي: القراءة بالألحان مُستَحبَّة ما لم يزدْ حرفًا عن حركته أو [يسقطه] (3).

وقال البغويُّ: تجوزُ القِراءة بالألحان وتحسين الصوت بأيِّ وجهٍ كان، [إلاَّ أنْ يجاوز] (4) الحدَّ فيه، ويستحبُّ أنْ يقرأ حدرًا [وتخويفًا، والمد] (5) [ز1/ 17/أ] إذا جاوَز الحد فيه وأشبَه ألحان المغنيين لا يجوز، ومَن أدمَنَ عليه ردَّت شَهادته، ا. هـ؛ والحدر أنْ يخفض الصوت كما ابتَدَأ ثم يرفعه ثم يخفضه.

_________________________________________

(1) في (ز1): صنعته. (2) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 198) طبعة دار الفكر. (3) في (ز2): ينقصه. (4) في (ز1): إذا كان لا يجاوز. (5) في (ز2): وتحزينًا، والمراد.


(تَنْبِيه) يقَع لكثيرين أنهم يتَواجَدون عند سماع الغناء دُون سماع القرآن، وكان القرآن أولى، وأجيب بأنَّ كلام الله - سبحانه وتعالى - قديم (1) ومستمعه حادث، ولا جامع بينهما حتى يَحدُث فِي سماعه طرَب، وإنما يحصل فِي سماعه الخشوع والهيبة والتعظيم، كذا قيل، ومرَّ فِي كلام ابن عبدالسلام خلافُ ذلك؛ وهو أنَّه كلَّما زادَت المعرفة زادَ حسن سَماع القُرآن ويزيد التأنِّي والفهم منه، وهذا هو الصواب، فإنَّ التواجُد إنْ كان عن اختيارٍ فهو مذمومٌ سواء القُرآن وغيره، وإنْ كان لا عن اختيار فليكن عند سماع القرآن أكثر، فما اعتِيد من التواجُد عند الغناء دون القُرآن أمرٌ نشَأ غالبًا عن شهوةٍ وتصنُّع فلا يُلتَفت لفاعِلِيه؛ إذ لا يسأل عن أقوال مثلِ هؤلاء وأفعالهم.

(تنبيه) قضيَّة ما تقرر وجود الخلاف فِي الجواز وعدمه مع تحقُّق زيادة حرف أو نقصه، والصواب كما قاله الأذرعي: إنْ تعمَّد ذلك لأجْل التحسين والتزيين فسق، ولا يتحقَّق فِي هذا خِلافٌ وينزل قول مَن عبَّر فيه بالكراهة على كراهة التحريم، من ذلك قول سليم: إذ أخرَجَه عن الإفهام كره؛ لما فِي حديث أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم – [عدَّ] (2) من أشرَاطِ

_________________________________________

(1) لا يصحُّ إطلاق وصْف (القديم) على القُرآن الذي بين أيدينا، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "وكان أئمَّة السنَّة؛ كأحمد وأمثاله، والبخاري وأمثاله، وداود وأمثاله، وابن المبارك وأمثاله، وابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن أبي شيبة وغيرهم - مُتَّفقين على أنَّ الله يتكلَّم بمشيئته وقُدرته، ولم يقلْ أحدٌ منهم أنَّ القرآن قديم، وأوَّل مَن شهر عنه أنَّه قال ذلك هو ابن كُلاَّب"، "مجموع الفتاوى" (5/ 533). (2) في (ز1): عدل.


السَّاعَة أنْ يَتَّخِذ القُرآنَ مزاميرَ يُقدِّمونَ أحدهم ليسَ بأقَرئِهم ولا أفضلهم إلا ليغنِّيَهُم به غناءً)) (1).

وأفتى النووي - رحمه الله [تعالى]- فِي قومٍ يقرؤون القُرآن بالتمطيط الفاحش والتغيير الزائد، بأنَّ ذلك حرامٌ بإجماع العلماء كما قاله غيرُ واحدٍ، ويجبُ على وَلِيِّ الأمر زجرُهم وتعزيرُهم واستتابتُهم، ويجبُ إنكار ذلك على كُلِّ مُكلَّف تمكَّن من إنكاره، ا. هـ.

وأمَّا اعتراض الأسنوي على ما مرَّ عن النووي فِي "الروضة" من التحريم عند تغيير القرآن عن موضوعه بأنَّه ضعيفٌ مخالفٌ لكلام الشَّافِعِي والأصحاب، قال: وبتَسلِيم التحريم، فالتفسيقُ به مُشكِلٌ لا دليل عليه، فالصواب أنَّه صغيرةٌ فهو مردود؛ ومن ثَمَّ قال الأذرعي عَقِبَه: وهذا كلامٌ يمجُّه السمع السليم، [ز1/ 17/ب] وأي دليل أعظم على التحريم والفسق من تغيير كلام الله - تعالى - بالنقص والزيادة فيه عمدًا؛ إذ غير العامد لا يُقال فيه: يعصي ويفسق، وإنما لم يُكفَّر لأنَّه لم يفعل الزيادة والنقص حقيقةً، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وبه التوفيق، وكأنَّه توهَّم من النصِّ على أنَّه لا بأس [بالقراءة] (2) بالألحان أنَّه على إطلاقه، وحاشا الشَّافِعِي من ذلك، ولا يقول عالم: إنَّ الحركات إذا أشبعت بالألحان حتى صارت حروفًا أنَّ ذلك

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (3/ 494)، والطبراني في "الكبير" (18/ 34)، و"الأوسط" (685) من طريق عليم قال: كنَّا جلوسًا على سطحٍ معنا رجلٌ من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم، قال يزيد: لا أعلمه إلا عبسًا الغفاري - والناس يخرجون في الطاعون، فقال عبس: الطاعون خذني، يقولها ثلاثًا، فقال له عليم: لم تقول هذا ألَمْ يقل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يتمنَّى أحدُكم الموت، فإنَّه عند انقطاع عمله لا يرد فيستعتب))، فقال: إنِّي سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((بادِرُوا بالموت ستًّا: إمرة السُّفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم ونشأً يتَّخذون القُرآن مزامير يُقدِّمونه يُغنِّيهم وإنْ كان أقلَّ منهم فقهًا))، وقال الهيثمي في "المجمع" (4/ 200): فيه عثمان بن عمير، وهو ضعيف. (2) في (ز2): بالقرآن.


يجوزُ، ويجب تنزيل الوجه السابق أنَّه لا يكره وإنْ أفرط على ما إذا لم ينتَهِ بالإفراط إلى ذلك الحدِّ، وإلاَّ لم يكنْ لهذا الوجه الضعيف مدركٌ أصلاً.

(تَنْبِيه ثانٍ) ممَّا يدلُّ على ندْب تحسين الصوت بقِراءة القُرآن بشرط السلامة عن أدنى تغييرٍ فيه، أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكُم))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وعلَّقَه البخاري بالجزم فهو حديثٌ صحيحٌ (1)، ولابن حبَّان عن أبي هريرة، والبزار عن عبدالرحمن بن عوف، وللحاكم من طريق أخرى عن البراء أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((زيِّنوا أصواتَكُم بالقرآنِ))، وهي فِي الطبراني من حديث ابن عباس (2)، ورجَّح هذه الرواية الخطابيُّ، قال شيخ الإسلام فِي تخريج أحاديث الرَّافِعِي: وفيه نظَرٌ؛ لما رواه الدارمي والحاكم بلفظ: ((زَيِّنوا القُرآن بأصواتكم، فإنَّ الصوت الحسن يزيدُ القُرآن حُسنًا))، فهذه الزيادة تُؤيِّد معنى الرواية الأولى (3).

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (4/ 283)، والدارمي (3500)، والبخاري تعليقًا (كتاب التوحيد / باب قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الماهر بالقُرآن مع الكِرام البرَرَة، وزيِّنوا القُرآن بأصواتكم))، وابن ماجَهْ (1342)، وأبو داود (1468)، والنسائي (2/ 179)، وأبو يعلى في "مسنده" (1686)، والروياني في "مسنده" (352)، والطبراني في "الأوسط" (7206)، والحاكم (2098)، والبيهقي (2/ 53)، وصححه ابن حبان (749) من حديث البراء بن عزب رضي الله عنه. (2) أخرجه عبدالرزاق (2/ 485) (4176)، الحاكم (2099)، وصحَّحه ابن حبان (3/ 25) (749) من حديث البراء، وأبو عوانة في "مستخرجه" (3146) وصحَّحه ابن حبان (3/ 26 رقم 750) من حديث أبي هريرة، والطبراني في "الكبير" (11/ 81) من حديث ابن عباس، وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 171) رواه الطبراني بإسنادين، وفي أحدهما عبدالله بن خِراش، وثَّقه ابن حبان، وقال: ربما أخطأ، ووثَّقه البخاري وغيرُه، وبقيَّة رجاله رجالُ الصحِيح. (3) "تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 201)، والحديث أخرجه الدارمي (3501)، والحاكم (2125)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (2141) من حديث البراء بن عازب - رضِي الله عنه.


روى الشيخان أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - سمع أبا مُوسَى الأشعرى يقرَأ فقال: ((لقد أُوتِي هذا مِزمارًا من مَزامِير آل داودَ)) (1)؛ أي: داود نفسه؛ إذ لم تُعرَف الأصوات الحسنة إلاَّ له - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرج البخاري وأحمدُ من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنه - وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليس مِنَّا مَن لم يتغنَّ بالقُرآن))، وفي الباب عن ابن عباسٍ وعائشة في الحاكم.

وعن أبي لُبَابَةَ فِي سُنَنِ أبي داوُد، وممَّن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، [والخطيب]، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن [ز1/ 18/أ] سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص، وأبو داود، والبَغَوِي، وابن قانع، والطبراني، والبيهقي عن أبي لُبابَة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصرٍ فِي "الإبانة"، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني، وابن ماجه، وأبو نصر فِي "الإبانة" عن ابن عباس، وأبو نصر عن ابن الزبير، وأبو نصر، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنس (2).

_________________________________________

(1) متفق عليه البخاري (5048)، ومسلم (793) من حديث أبي مُوسَى الأشعرى - رضِي الله عنه. (2) أخرجه البخاري (7527)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1193)، والبيهقي (10/ 229) من حديث أبي هريرة، والطيالسي (201)، وعبدالرزاق (2/ 483 رقم 4170)، والحميدي (76)، وابن أبي شيبة (2/ 257 رقم 8738)، وأحمد (1/ 172)، والدارمي (1490)، وابن ماجَهْ (1337)، وأبو داود (1470)، والبزار (1234)، وأبو يعلى (2/ 93 رقم 748)، والحاكم (2091)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1196)، والبيهقي (10/ 230)، والضياء (3/ 172 رقم 969)، وصحَّحه ابن حبان (1/ 326 رقم 120) من حديث سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، والطبراني في "المعجم الكبير" (11239) (11/ 121)، والحاكم (2095)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1199) من حديث ابن عباس - رضِي الله عنهما - وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 171): رواه البزار، والطبراني، ورجال البزار رجال الصحِيح؛ وأبو داود (1471)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1903)، والطبراني في "المعجم الكبير" (4514) (5/ 34)، والبيهقي (2/ 54) من حديث أبي لبابة - رضِي الله عنه - وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 172): رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وقال أيضًا في "المجمع" (7/ 171): وعن عائشة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقُرآن))؛ رواه البزار، وفيه أبو أميَّة بن يعلى، وهو ضعيف.


قال الشافعي - رضِي الله عنه -: معنى هذا الحديث: تحسين الصوت بالقرآن، وفي رواية أبي داود: قال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، وقال ابن عيينة: يجهر به، وقال وكيع: يستغني به، وقيل غير ذلك في تأويله (1)، والرواية الأولى [تعين] (2) ما قالَه الشافعي - رضي الله عنه - فلا معدل عنه؛ خلافًا لِمَن أطال في ترجيح قولِ وكيع.

ومن الأحاديث لذلك خبرُ عبدالرزاق: ((إنَّ الله ليأذن للرجل يكون حسن الصوت يتغنَّى بالقُرآن)) (3)، وخبر الطبراني ((إنَّ أحسن [الناس] قراءةً مَن إذا قرأ القُرآن يتحزَّن فيه)) (4).

وخبر ابن مردويه: ((إنَّ هذا القرآن قول يحزن فاقرَؤُوه بحزن)) (5).

وخبر عبدالرزاق عن أبي سلمة مرسلاً، وأبو نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي سلمة: ((ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لرجل حسَن الترنُّم بالقرآن)).

وخبر ابن أبي شيبة عن أبي سلمة [مرسلاً]: ((ما أذِن الله لشيء كأذْنه لعبدٍ يترنَّم بالقُرآن)) (6)؛ أي: ما رضي بشيء كرضاه بذلك.

_________________________________________

(1) "تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 370) ط دار قرطبة. (2) في (ز1): معنى. (3) أخرجه عبدالرزاق (2/ 483 رقم 4172) من حديث البراء بن عازب - رضِي الله عنه. (4) تَمَّ إستدراك كلمة [الناس] من مصادر التحقيق، والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (11/ 7) من حدييث ابن عباس - رضِي الله عنهما - وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 171): فِيه ابن لَهِيعة وهو حسن الحديث، وفيه ضعف. (5) لم أقف عليه. (6) أخرجه عبدالرزاق (2/ 482 رقم 4169)، وابن أبي شيبة (6/ 119 رقم 29943)، وقال العجلوني: أخرجه عبدالرزاق مرسلا، ووصله أبو نصر السجزي في "الإبانة" من طريق أبي سلمة، عن أبيه؛ "كشف الخفاء" (2/ 395) بتصرف.


وخبر ابن حبان عن أبي هريرة: ((ما أَذِنَ الله - تعالى - لشيءٍ كأذنه للذي يتغنَّى بالقرآن ويجهر به)) (1).

وخبر أبي نعيم عن زيد بن أرقم، عن سالم بن أبي سلام: "وَيْحك يا شاب، هلاَّ بالقرآن تتغنَّى؟ " (2).

  • * *

_________________________________________

(1) أخرجه ابن حبان (3/ 30 رقم 752). (2) أورده أبو شجاع الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" (4/ 396 رقم 7146) من حديث زيد بن أرقم.


القسم الرابع: فِي الدُّف[عدل]

المعتمَد من مذهبنا أنَّه حلالٌ بلا كراهة فِي عرس وختان، وتركُه أفضل، وهكذا حكمُه فِي غيرهما، فيكون مباحًا أيضًا على الأصحِّ فِي "المنهاج" وغيره، وقال جمعٌ من أصحابنا: إنَّه فِي غيرهما حرام، وقال آخرون من أصحابنا المتأخِّرين: إنه فيهما مستحب، وبه جزم البغَوِيُّ فِي "شرح السنة" فقال: إعلان النكاح وضرب الدُّفِّ فيه مستحبٌّ، والدليل عليه قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فصْل ما بين الحلال والحرام الضَّرب بالدُّفِّ))؛ حسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان وغيره (1).

وفي روايةٍ سندُها ضعيفٌ من سائر [ز1/ 18/ب] طرقها (2): ((أَعْلِنُوا بالنِّكاح)) (3)، قال شيخ الإسلام: ادَّعى الكمال جعفر الأُدْفوي فِي كتابه " [الإمتاع] (4) في أحكام السماع" (5) أنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث،

_________________________________________

(1) أخرجه أحمد (4/ 259)، وابن ماجَهْ (1896)، والترمذي (1088)، والنسائي في "السنن الكبرى" (3/ 331) (5562)، والمجتبى (6/ 127)، والطبراني في "الكبير" (19/ 242)، والحاكم (2/ 201)، والبيهقي (7/ 289)، من حديث محمد بن حاطب - رضِي الله عنه - وقال الحاكم: حديث صحيح، وقال الترمذي: حديث محمد بن حاطب حديث حسن، وضعَّفَه ابن حجر في "الفتح" (9/ 226). ولم أقفْ عليه في "صحيح ابن حبان". (2) في نسخة مصطفى البابي الحلبي زيادة هذه الجملة على المخطوط والكلام يستقيم بدونها وهي: ((أعلنوا بالنكاح واضربوا عليه بالغربال)) يعني الدُّفّ نعم صح. (3) أخرجه أحمد (4/ 5)، والطبراني في "الكبير" (قطعة من المفقود من الجزء الثالث عشر)، والبزار (6/ 171)، وصحَّحه ابن حبان (9/ 374 رقم 4066)، والحاكم (2/ 200) من حديث عامرِ بن عبدالله بن الزبير عن أبيه بلفظ: ((أعلِنُوا النِّكاح))، وقال الهيثمي في "المجمع" (4/ 290) رجال أحمد ثقاتٌ؛ وابن ماجَهْ (1895)، والترمذي (1089)، من حديث أم المؤمنين عائشة بلفظ: ((أَعلِنُوا النِّكاح واضرِبُوا عليه بالغربال))، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال ابن حجر في "الفتح" (9/ 226): سنده ضعيف. (4) في (ز2): (الإشاع)، وفي المطبوع و (ز1) (الإسماع)، والصواب (الإمتاع) والتصويب من التلخيص الحبير. (5) الأُدْفوي: جعفر بن تغلب بن جعفر بن تغلب كمال الدين أبو الفضل الشافعي المؤرخ الأُدْفوي بضم الهمزة وسكون الدال المهملة بلد بصعيد مصر، له من التصانيف: "البدر السافر وتحفة المسافر" في الوفيات، "الطالع السعيد في تاريخ الصعيد" وقيل: "الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد"، "الإمتاع في أحكام السماع" ومات الأُدْفوى بالطاعون سنة 749 هـ، "هدية العارفين" (1/ 136)، و"كشف الظنون" (1/ 167).


ووهم فِي ذلك وهمًا قبيحًا (1)، وممَّن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والخطيب، وأحمد، وعبد بن حميد، والرازي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عنْ سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، وأبو داود، والبغَوِي، والطبراني، والبيهقي عن أبي لُبابة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصرٍ فِي "الإبانة" عن ابن عباسٍ، وأبو نصرٍ، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنسٍ.

وأجاب القائلون بالإباحة بأنَّ الأمر للإباحة؛ لأنَّ الأصل فيه التحريم؛ لأنَّه من جملة اللهو المحذور كما قالَه كثيرون، ولما يأتي عن الصِّدِّيق - رضِي الله عنه - أنَّه سمَّاه مزمور الشيطان بحضرة رسول اله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم ينكرْ عليه (2)، لكن صحَّ أنَّ جاريَةً سوداءَ جاءت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: يا رسول الله، إنِّي نذرت إنْ ردَّك الله سالمًا أنْ أضرب بين يديك بالدفِّ وأتغنَّى فقال: ((إنْ كنت نذرتِ فأوفي بنذرك)).

وفي روايةٍ: يا رسول الله، إنِّي نذرت أنْ أضرب بالدفِّ بين يديك إنْ رجعت من سفرك سالمًا، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أوفي

_________________________________________

(1) "تلخيص الحبير"؛ لابن حجر العسقلاني (4/ 371) ط مؤسسة قرطبة، وإذا أطلق المصنف كلمة شيخ الإسلام فالمراد به الحافظ ابن حجر العسقلاني. (2) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (952)، ومسلم (892) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - بلفظ: دخَل أبو بكرٍ وعندى جاريتان من جَوارِى الأنصار تُغنِّيان بما تَقاوَلت الأنصار يوم بُعاث - قالت: وليسَتا بمغنِّيتَيْن - فقال أبو بكرٍ: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا أبا بكرٍ، إنَّ لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا)).


بنذرك)) (1)؛ رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، [وابن ماجَهْ]، والبيهقي من حديث بريدة، وفي الباب عن عبدالله بن [عمر] (2) - رضي الله تعالى عنهما - رواه أبو داود (3)، وعن عائشة رواه الفاكهي بسندٍ حسن (4)، ومرَّ في المقدمة حديث أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن ضرْب الدفِّ ولعب الصنج وضرب الزَّمَّارة (5)، فينبغي اجتنابُه في غير السرور، وفي السرور إذا اقترن به جلاجل أو نحوها ممَّا يقتضي تحريمه على ما يأتي، وظاهره ندبه لكلِّ سرور مطلوب، وفي الجواب عنه عسر.

(تَنْبِيه) تردَّد الأذرعي في المراد بغيرِهما الذي سبَق حكاية الخلاف فِي حُرمته، وممَّن قال بها صَاحِبُ "المُهَذَّبِ"، "والتهذيب" وغيرهما، ما كان لحادث سرور؛ كقدوم الحاج، وشفاء المريض، والولادة أو ما كان كذلك، وما كان لغيره الأشبه الأوَّل، ويُؤيِّده قول الغزالي في "الإحياء": يُباح فِي العُرْسِ [ز1/ 19/أ] والعيد، وقدوم الغائب وكلِّ سرور حادث، لكن كلامه فِي "البسيط" ظاهرٌ فِي الإباحة مطلقًا حيث لا جلاجل فيه، وادَّعى الوفاق عليه، وهذا - أعني الإباحة مطلقًا - هو قضيَّة ما فِي "الوسيط" و"الوجيز"

_________________________________________

(1) أخرجه الترمذي (3690)، وأحمد (5/ 353)، والبيهقي (10/ 77)، وصحَّحه ابن حبان (10/ 231) (4386) من حديث بريدة - رضِي الله عنه - وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح غريب من حديث بريدة، ولم أقفْ عليه عند ابن ماجَهْ. (2) وفي (ز2): عمرو. (3) أخرجه أبو داود (3312)، والبيهقي (10/ 77). (4) "تلخيص الحبير"؛ لابن حجر العسقلاني (4/ 372) ط مؤسسة قرطبة. (5) أخرجه الآجري في "تحريم النرد والشِّطرَنج" (63) بلفظ "عن مطر بن سالم، أنَّ علي بن أبي طالب - رضِي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ضرْب الدف ولعب الطبل وصوت الزمَّارة، وأورده الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 113) ط دار الحديث، وعزاه إلى القاسم بن سلام بلفظ الآجري، وقال المناوي في "فيض القدير" (9490): حديث ضعيف يردُّه خبر صحيح: ((فصْل ما بين الحلال والحرام الضربُ بالدفِّ)).


أيضًا، لكن حكايته الاتِّفاق على الإباحة معترضةٌ بما مرَّ أنَّ جماعةً كثيرين من أصحابنا قالوا بحرمته فِي غير العُرْسِ والختان، بل اعترض تصحيح الشيخين إباحته فِي غيرهما بأنَّ الذي نصَّ عليه الشَّافِعِي - رضِي الله عنه - وعليه جمهورُ أصحابه أنَّه حرام فِي غيرهما، نعم؛ أُلحِق بهما على هذا كلُّ حادث سرور له وقع.

قال المعترضون: وأمَّا الإباحة مطلقًا فلا دليلَ عليها، والاستدلال له بلعب الجواري به ضعيفٌ؛ لأنهنَّ سُومِحن بما لم يُسامَح به المكلَّفون.

قال الأذرعي: ومن مصائب ابن طاهر المقدسي وفضائحه قولُه فِي كتابه "فِي السماع": وأمَّا ضَرْب الدُّف فأقول: إنَّه سنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((مَن رَغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي)) (1)، ا. هـ.

فجعل اللهو بالدُّفِّ وضرب الجهلة به فِي السَّماع من سنَّة المطهَّر عن اللعب، ثم حث الناس بقوله وقد قال: ((مَن رَغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي)) مع علمه بقول الصِّدِّيق - رضِي الله عنه - للجواري بحضرته - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَزمُور الشَّيْطان في بَيْتِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم)) (2)، ولم يُنكِر عليه هذه التسمية، نعوذُ بالله عن اتِّباع الهوى.

(تَنْبِيه ثان) محلُّ ندبه على القول به السابق إذا ضَرب النساء والجواري، وخلا عن الصَّنْج ونحوه، وَعَن التأنُّق والتصنُّع فِي الضرب بأنْ يكون ضربًا بالكف كما يضرب الطبل ونحوه، ولما يأتي فِي أضداد هذه القيود.

(تَنْبِيه ثالث) قال الماوردي: اختلف أصحابُنا هل ضرْب الدُّفِّ على النكاح عام في جميع البلدان والأزمان؟ فقال بعضهم: نعم؛ لإطلاق الحديث،

_________________________________________

(1) أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه. (2) أخرجه البخاري (952)، ومسلم (892) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضِي الله عنهما.


وخصَّه بعضهم ببعض البلدان [التي] (1) لا يتناكَرُه أهلها في المناكح؛ كالقرى والبوادي، فيكره في غيرها، وبغير زماننا، قال: فيكره فيه؛ لأنَّه عدل به إلى السخف والسفاهة، ا. هـ (2).

وحَكاه فِي "البحر" عنه وأقرَّه، قال الأذرعي: وهو حسن غريب، وتأمَّل قولَه: وبغير زماننا ... إلخ تعلم به [ز1/ 19/ب] أنَّه إذا كان فِي ذلك الزمن الذي بيننا وبينه أكثر من خمسمائة سنة قد عدل به إلى السخف والسفاهة، فما بالك بزمننا الذي لم يبقَ فيه من معالم الخيرات إلا القليل، وتعارفت فيه المنكرات حتى صارت هي التي عليها التعويل، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!

(تَنْبِيه رابع) قال الشيخان (3): حيث أبَحنا الدُّفَّ فهو فيما إذا لم يكن فيه جلاجل، فإنْ كانت فيه فالأصحُّ حلُّه أيضًا وهو الجواب فِي "الوجيز"، و"الإحياء"، وتعقَّبه الأذرعي فقال: لم أرَ فِي كتب المذهب ذكر الجلاجل إلا فِي كلام الغزالي كإمامه، ومعهما أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" وغيره، ولم يبيِّنوا ما هذه الجلاجل، فإنْ أرادوا بها ما يعتاده العرب وأهل القرى وبعض متفقِّهة الأمصار، ومتصوفتهم وهو الظاهر من وضع حلق من حديد داخل الطار شبه السلاسل فقريبٌ، وإنْ أُرِيدَ بها ما يصنَعُه أهل الفُسوق وأعوان شرَبَة الخمور من اتِّخاذ صنوج لطاف تُوضَع فِي خروق تفتح لها فِي جوانب الدُّفِّ فممنوع؛ لأنها أشد إطرابًا وتهييجًا من كثيرٍ من الملاهي المتَّفَق على تحريمها، والقول بتحريم الصفاقتين الأتي وإباحة هذه

_________________________________________

(1) في (ز1): الذي. (2) الحاوي لأبي الحسن الماوردي (17/ 193) ط دار الفكر. (3) يعني: الرافعي والنووي.


محال، لا يُقال: إنما حرمت الصفاقتان لأنهما شعار المخنَّثين: لأنَّا نقول: وهذه شعار العواهر ونحوهن من فسَقَة الرجال ومخنثيهم.

وقال فِي المُحكَم: إنَّ الصَّنْج الذي يكونُ فِي الدُّفِّ عربي، وحينئذ فيشمل تحريم الأصحاب الصنوج، بل هذه أحقُّ بالتحريم من الصَّنْج الكبير، ولا يغتر بقول صاحب "الحاوي الصغير" ويدق بصنج من ذكر المسألة، إنما قال: جلاجل، وفي "كافي الخوارزمي": والدُّفُّ الذي فيه جلاجل حرامٌ فِي جميع الأحوال والمواضع، ا. هـ كلام الأذرعي.

والمعتمَد كلامُ الشيخين، والأوجَهُ كلام "الحاوي الصغير"، ويُفرَّق بينه وبين بقيَّة الصنوج بأنها هنا تابعةٌ للدُّفِّ ويُغتَفر فِي التابع ما لا يُغتَفر فِي المستقلِّ.

(تَنْبِيه خامس) ظاهر إطلاقهم أنَّه لا فرقَ فِي جواز الضرب بالدُّفِّ بين هيئةٍ وهيئةٍ، وخالَف القاضي الإمام أبو عليٍّ الفارقي فِي "فوائد المُهَذَّب"؛ لأستاذه الشيخ أبي إسحاق فقال: إنما يُباح الدُّفُّ الذي تَضرِب به العرب من غير [ز1/ 20/أ] زفن؛ أي: رقص، فأمَّا الدُّفُّ الذي يزفن به، وينقر؛ أي: برؤوس الأنامل ونحوها على نوعٍ من الإيقاع فلا يحلُّ الضرب به؛ لأنَّه أبلغ فِي الإطراب من الطبل؛ أي: الطبل الذي جزَم العراقيُّون بتحريمه وتابَعَه تلميذه القاضي أبو سعيد بن أبي عصرون.

قال الأذرعي: وهو حسنٌ؛ فإنَّه إنما يَتعاطاه على هذا الوجه مَن ذكرنا من أهل الفُسوق، ا. هـ، وهو كما قال وإنْ كان ذلك مقالة.

(تَنْبِيه سادس): حكى الإمام البيهقي عن شيخه الإمام الحليمي ولم يخالفه أنَّا إذا أبَحْنا الدُّفَّ فإنما نُبِيحه للنساء خاصَّة، ا. هـ.



وعبارة منهاجه: وضرب الدُّفِّ لا يحلُّ إلا للنساء؛ لأنَّه فِي الأصل من أفعالهنَّ (1)، وقد لعَنَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المتَشبِّهين بالنِّساء (2)، انتهت.

ونازَعَه السبكي فِي "الحلبيَّات" بأنَّ الجمهور لم يُفرِّقوا بين الرجال والنساء، قال: ففرق الحليمي بينهما ضعيف، والأصل اشتراك الذكور والإناث فِي الأحكام إلاَّ ما ورَد الشرع فيه بالفرق، ولم يردْ هنا، وليس ذلك ممَّا يختصُّ بالنساء حتى يُقال: يحرم على الرجال التشبُّه بهن فيه، فنهيه على العموم وقد جاء: ((أعلِنُوا النِّكاح واضرِبُوا عليه بالدُّفِّ)) (3)، فلو صحَّ لكان فيه حجَّة؛ لأنَّ ((اضربوا)) خطاب الذكور، لكنَّه ضعيف، ا. هـ.

وهو كما قال، وإنْ مال الأذرعي لكلام الحليمي بقوله: ويشهد للحليمي أنَّه لم يُحفَظْ عن أحدٍ من رجال السلف أنَّه ضَرَبَ به، وبأنَّ الأحاديث والأثار إنما وردت فِي ضَرْبِ النساء والجواري به، فقد يكون سُكوتُ الجمهور عن بيانه؛ لدلالة الأخبار على أنَّه فِي العادة من أعمال النساء.

وفي "مغني الحنابلة": "أمَّا الضَّرْبُ به للرجال فمكروهٌ على كلِّ حال؛ [لأنَّه] إنما كان يضرب به النساءُ، ففي ضَرْبِ الرجال به تشبُّهٌ بالنساء، ا. هـ.

_________________________________________

(1) في (ز1): أعمالهن. (2) يُشِير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (1/ 251)، والبخاري (3013)، وابن ماجَهْ (1904)، وأبو داود (4097)، والترمذي (2784) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - رضِي الله عنهما - بلفظ: لعَن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال. (3) أخرجه ابن ماجَهْ (1895)، الترمذي (1089)، من حديث أم المؤمنين عائشة بلفظ: ((أَعلِنُوا النِّكاح واضرِبُوا عليه بالغربال))، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال ابن حجر في "الفتح" (9/ 226): سنده ضعيف.


وظاهر كلامه إرادة التحريم، ثم قال فِي آخِر الفصل: ومذهَبُ الشافعيِّ في هذا الفصلِ كما قُلنَا" (1).

(تَنْبِيهٌ سابع) إذا أبَحْناه أو ندَبْناه فِي العُرْسِ والخِتان، فمتى يُضرَب وإلى متى؟ قال الأذرعي: لم أرَ فيه تصريحًا، بل بعضهم يقول فِي الإملاك وبعضهم يقول في العُرْسِ والإملاك، والمعهود عرفًا أنَّه يُضرَب به وقتَ العقد ووقتَ الزِّفاف أو بعده بقليل. [ز1/ 20/أ]

وعبَّر البَغَوِيُّ فِي "فتاويه" بوقت العقد وقريبٌ منه [قبله وبعده] (2) ويجوزُ الرُّجوع فيه للعادة، وحديث الربيع دالٌّ على ضربِه بعد الزِّفاف، ويحتمل ضبطه بأيَّام الزفاف التي يُؤثر بها العروس، وأمَّا الختان فالمرجع فيه العرف، ويحتمل أنَّه يفعل من حين الأخْذ فِي أسبابه القريبة منه.

(خاتمة) فِي فتاوى الشيخ أبي عمرو بن الصلاح أنَّ اجتماع الدُّفِّ بالشَّبَّابَة حَرامٌ عند أئمَّة المذاهب، ولم يَثبُت عند أحدٍ ممَّن يُعتَدُّ بقوله فِي الإجماع، والخلاف أنَّه أباحَ هذا السَّماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشَّافِعِيِّ إنما نُقِلَ في الشَّبَّابَة منفردةً والدُّفِّ منفردًا، وربما اعتَقَد مَن لا تحصيل له ولا تأمُّل عنده خلافًا فِي هذا السَّماع، وهذا وهمٌ من الصائر إليه، ثم قال: وهذا السماع حَرامٌ بإجماع أهل الحلِّ والعقد من المسلمين، وكأنَّه يُعرِّض بعَصْرِيِّه الإمام الشيخ عزِّ الدين بن عبدالسلام؛ لما وقع بينهما فِي عدَّة مسائل الحقُّ فِي أكثرها مع ابن عبدالسلام كما [بيَّنتُ] (3) كثيرًا منها فِي محالِّه؛ كتخالُفِهما فِي إحياء ليلة الرغائب وليلة النِّصف من شعبان

_________________________________________

(1) "المغني"؛ لابن قدامة (10/ 175) ط دار إحياء التراث العربي. (2) في ز2: وبعده. (3) في (ز1): بنيتُ، والمثبت من ز2.


بالصلاة المشهورة، قال ابن عبدالسلام: إنهما بِدعتان مَذمومتان وحديثهما موضوعٌ، وهو كما قال، كما بيَّنته فِي كتابي "الإيضاح والبيان لما جاء فِي ليلة الرغائب وليلة النصف من شعبان"، وممَّن وافق ابن عبدالسلام فِي حكاية خِلاف العلماء فِي الجمع بين الدُّفِّ والشَّبَّابَة ابن المُنَيِّر المالكي: واعتَرَض بعض المتأخِّرين على ابن الصلاح من حيث الحكمُ الذي ذكَرَه بأنَّه لا يلزم من حُرمة الشَّبَّابَة وحدَها أنها إذا انضمَّت إلى الدُّفِّ تُصيِّره محرمًا، وانتصر الأذرعي لابن الصلاح فقال: وفي الإنكار على ابن الصلاح بالنسبة إلى مذهبنا نظرٌ؛ إذ لا يلزم من ثُبوت الخلاف فِي حالة الانفِراد ثبوتُه فِي حالة الاجتماع إلاَّ أنْ يثبت أنَّ مَن أباح الدُّفَّ بانفِراده من أصحاب الوجوه يقول بإباحة الشَّبَّابَة بإنفِرادها، وهَيْهات! على أنَّ ذلك ليس بلازمٍ؛ إذ قد يجوزُ ذلك على الانفِراد ويمتنع [في حال. ت. أ] (1) الاجتماع؛ لشدَّة الإطراب المتولِّد من الهيئة الاجتماعيَّة، ومَن سَبَر أحوالَ الصحابة والتابعين وتابعيهم عَلِم يقينًا أنَّ أحدًا لم يجمع بينهما [ز1/ 20/ب] ولا صحَّ عنه قولاً ولا فعلاً، ا. هـ، والله تعالى أعلم.

  • * * * *

_________________________________________

(1) زيادة يقتضيها السياق.



القسم الخامس: في الكُوبَة وسائر الطبول[عدل]

قال الشيخان وغيرهما: ولا يحرم ضَرْبُ الطبول إلاَّ الكُوبَة؛ وهي: طبل طويل متَّسِع الطرفين ضيِّق الوسط، وهو الذي يعتاد ضربه المخنَّثون ويولعون به، قال الإمام: وليس فيه من المعنى ما يميِّزه عن سائر الطبول، إلا أنَّ المخنَّثين يعتادون ضربَه ويُولَعون به، قال: والطبول التي تُهيَّأ لِمَلاعِب الصبيان إنْ لم تلحق بالطبول الكبار فهي كالدُّفِّ وليست كالكُوبَة بحال، ا. هـ.

وبه يُعلَم أنَّ ما يُصنَع فِي الأعياد من الطُّبول الصِّغار التي هي على هيئة الكُوبَة وغيرها لا حُرمَة فيها؛ لأنَّه ليس فيها إطرابٌ غالبًا، وما على صورة الكُوبَة منها انتَفَى فيه المعنى المحرَّم للكوبة وهو التشبُّه بأفعال المخنثين؛ لأن لهم كيفيَّات فِي ضربها، وغيره لا توجد فِي تلك التي تُهيَّأ للعب الصبيان.

(تَنْبِيه) ما مشى عليه الشيخان من تحريم الكُوبَة هو الحق، ومن ثَمَّ قطَع به الشيخ أبو محمد الجويني قال: لأنَّ فيها أحاديث مُغلَّظة على ضاربها والمستمِع لصوتها، وقال الإمام أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي فِي "تقريبه" بعد أنْ ذكَر حديثا فِي تحريم الكُوبَة، وفيها حديثٌ آخَر: ((إنَّ الله يغفرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبَةٍ)) (1) والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماعٌ، اهـ.

فتأمَّل نقلَ هذا الإمامِ الإجماعَ على حُرمَتِها، وما مَشَيَا عليه من حِلِّ سائر الطُّبول ما عدا الكُوبَة اعتَرَضه الأسنوي بأنَّ الموجود لأئمَّة [المذهب] (2)

_________________________________________

(1) لم أقف عليه، وأورده أيضا المصنف في الزواجر (الكبيرة السادسة والأربعون). (2) في (ز2): المذاهب.


تحريم الطبول كلها ما عدا الدُّفِّ فقد ذهَب إليه القاضي الحسين، والبندنيجي، والحليمي، والماوردي وصاحبُ "المُهَذَّبِ"، والروياني، والبَغَوي، والخوارزمي، والعمراني وعدَّد جماعة آخرين، ونقله فِي "الاستقصاء" عن الشيخ أبي حامد شيخ الطريقتين، واعتَرَضه الأذرعي بأنَّ صاحب "الذخائر" نقَل عن العراقيين أنهم حرَّموا الطبول كلها من غير تفصيلٍ.

قال الأذرعي: وهو كما قال، إلا أنهم أرادوا طبول اللهو كما صرَّح به غير واحد، وممَّن أطلق تحريم الطبول التي [نهي بها] (1) العمرانيُّ، والبَغَويُّ، و"صاحب الانتصار"، وهو المحكيُّ عن الشيخ أبي حامد [ز1/ 21/أ] وقضيَّة ما فِي "المجموع"، "والمقنع"؛ للمحاملي، "والحاوي"؛ للماوردي، ونقل فِي "البحر" عن الأصحاب: أنَّ من المحرَّم ضَرْبَ الطَّبل، وقال القاضي الحسين فِي تعليقه: أمَّا ضَرْبُ الطبول فإنْ كان طبلَ لهوٍ فلا يجوز.

واستثنى الحليمي من الطُّبول طبلَ الحرب والعِيد وأطلَقَ تحريمَ سائر الطُّبول، وخَصَّ ما استثناه فِي العِيد بالرجال خاصَّة، وطبل الحجيج مُباحٌ كطبل الحرب.

وقال ابن الرفعة: ما نقَلَه الغزالي من إباحة ما عدا الكُوبَة من الطُّبول بَناهُ على قول أبي محمد: إنَّه لا طبل لهوٍ إلاَّ الكُوبَة، وفيه نظَر؛ فقد قال فِي "الكافي": الكُوبَة حرامٌ، وطبل اللهو فِي معناها، فدلَّ على أنَّه غيرها، ثم قال - أعني: ابن الرفعة - ما حاصِلُه أنَّ الأصحاب صرَّحوا بإباحة طَبْلِ الحرب؛ فتعيَّن أنَّ (أل) الذي فِي الطَّبل الواقع فِي كلام مَن حرَّمَه المراد بها (أل)

_________________________________________

(1) كذا في (ز1)، وفي (ز2): تلهى بها.


العهديَّة، والمعهود هو طبْل المخنَّثين، وقد صرَّح به الماوردي من بعدُ؛ فلا مُخالَفةَ إذًا بين كلام الفريقين؛ أي: القائِلِين بتحريم الطبول كلها ما عدا الدُّف، والقائلين بحلِّها كلِّها ما عدا الكُوبَة، فمراد الأوَّلين طبول اللهو المنحصِرة فِي الكُوبَة بدليل اتِّفاقهم على حلِّ طبل الحرب، وجَرَى الزركشي على غير ذلك فقال ردًّا لما مرَّ عن الأسنوي: أكثر الأئمَّة قيَّد التحريم بطبل اللهو، ومَن أطلق التحريم أراد به اللهو؛ أي: فالمراد: إلاَّ الكُوبَة ونحوها.

(تَنْبِيه ثانٍ) قلت فِي كتابي "الزَّوَاجِرَ عَن اقْتِرَافِ الكَبَائِر" وقَع للإمام هنا مزلاَّت يتعيَّن التيقُّظ لها؛ فإنها مخالفةٌ للإجماع، وهي قولُه فِي الكُوبَة: لو ردَدْنا إلى مسلَك المعنى فهي في معنى الدف، ولستُ أرى فيها ما يقتضي تحريمها، إلا أنَّ المخنثين يولعون بها ويَعتادون ضربَها، وقوله: الذي يقتضيه الرأي أنَّ ما يصدر منه ألحانٌ مستلذَّة تهيج الإنسان وتستحثُّه على الطرب ومجالسة أحداثه فهو

[المحرم] (1) والمعازف والمزامير كذلك، وما ليس له صوتٌ مستلذٌّ، وإنما يفعل [لأنغام] (2) قد تطرب وإن كانت لا تستلذُّ، فجميعها في معنى الدف.

والكوبة في هذا المسلك كالدف، فإنْ صحَّ فيها تحريمٌ حرَّمناها، وإلا توقَّفنا فيها، وقوله: ليس فيها من جهة المعنى ما يُميِّزها من سائر الطبول، إلا أنَّ المخنَّثين يعتادون ضربه ويتولَّعون بها فإنْ صحَّ حديثٌ قلنا به، اهـ. [ز1/ 21/ب]

_________________________________________

(1) في (ز1): المحرف، والمثبت من (ز2). (2) في (ز1): لإنغامات، والمثبت من (ز2).


ويردُّه ما يأتي أنَّ هذا بحثٌ منه مخالفٌ للإجماع فلا يُعوَّل عليه، وأنَّه حيث وُجِدَ في المسألة إجماعٌ فلا نظَر إلى صحَّة الحديث وضعْفه، وقد نقَل الإمام نفسه عن أبيه الشيخ أبي محمد الجويني ما يُوافِق الإجماع، فقال: كان شيخي يقطَع بتحريمها، ويقول: فيها أخبارٌ مغلَّظة على ضاربها والمستمِع إلى ضربها، وقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّ الوصيَّة بطبل اللهو باطلة، ولا يعرف طبل لهو يلتَحِق بالمعازف حتى تبطل الوصيَّة به إلا الكوبة، وتَبِعَه في "البسيط" فقطع بتحريمها وأنَّه لا يحرم من الطُّبول إلا هي، لكن اعترض ذلك بقول "الكافي": الكوبة حرامٌ، وطبل اللهو في معناها؛ فدلَّ على أنَّه غيرها، وبأنَّ العراقيين حرَّموا الطبول كلَّها من غير تفصيلٍ.

ويجاب بأنَّ هذه طريقة ضعيفة، والأصح حِلُّ ما عدا الكوبة من الطُّبول، وقيل: أراد العراقيُّون طبول اللهو كما صرَّح به غيرُ واحد، وممَّن أطلقَ تحريم طبول اللهو العمرانيُّ والبغويُّ وصاحب "الانتصار"، وهو المحكِيُّ عن الشيخ أبي حامد، وقضيَّة ما في "الحاوي" و"المقنع" وغيرهما.

وعبارة القاضي: أمَّا ضرب الطبول فإنْ كان طبل لهوٍ فلا يجوزُ، واستَثنَى [الحليمي] من الطبول طبل الحرب والعيد، وأطلق تحريم سائر الطبول وخصَّ ما استَثْناه في العيد بالرجال خاصَّة، وهذه طريقةٌ ضعيفة أيضًا.

وعدَّ جمعٌ من العراقيين من المحرَّمات الأكبار، وأمَّا قول الأذرعي عَقِبَ كلام الإمام الثاني: إنَّه بحثٌ في غاية الحسن، فغير مقبولٍ منه؛ لِمُخالَفته لصريح كلامهم، وقد قال ابن الرفعة عقبه: وهذا يدلُّ على أنَّ الأخبار الواردة في الكوبة لم تصحَّ عنده، ا. هـ.



وممَّا يردُّه أيضًا قولُ سليم في "تقريبه" بعد أنْ ذكَر تحريم الكوبة: وفي الحديث: ((إنَّ الله يَغفِر لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبة)) (1)، والأولى العود، ومع هذا فإنَّه إجماع، اهـ.

فتأمَّل نقلَه الإجماعَ على تحريم الكوبة، وهو من أكابر أصحابنا ومُتقدِّميهم، يتَّضِح لك أنَّ بحث الإمام الذي استَحسَنه الأذرعي مخالفٌ للإجماع، وحينئذٍ فلا فرقَ بين أنْ يصحَّ الحديث وأن لا، وهو ما قاله بعضهم - أعني: عدم صحَّته - لأنَّ الإجماع حجة وإنْ صح الحديث بخلافه؛ إذ لا يكون إلا عن دليلٍ سالم من الطَّعن [ز1/ 22/أ] والمُعارِض، فكان أقوى، وقد نقل الإجماع أيضًا على تحريم الكوبة القرطبيُّ، وهو من أئمَّة النقل، فقال كما مرَّ عنه: لا يختلف في تحريم استِماعها، ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قولُه من السلف وأئمَّة الخلف أنَّه يبيح ذلك، (2) انتهى ما فِي الكتاب المذكور.

(تَنْبِيه ثالث) ما فسَّر به الشيخان وغيرهما الكُوبَة هو الصحيح، وعليه جرَيْت فِي "شرح الإرشاد" وعبارته: ولا يحرم من الطبول إلا الكُوبَة؛ لما فيها من التشبُّه بِمَن يَعتادُ ضربَها وهم المخنَّثون، وهي طبلٌ طويل ضيِّق الوسط متَّسع الطرفَيْن، وقضيَّة كلامهم أنَّه لا فرقَ بين أنْ يكون طرفاها مَسدُودين أو أحدهما، ولا بين أنْ يكون اتَّساعها على حدٍّ واحد أو يكون أحدُهما أوسع، انتهت.

ولا يُنافي تفسيرها بما ذكَرُوه تفسير الجوهري وآخَرين لها بأنَّها الطبل الصغير المخصَّر؛ لأنَّها كذلك، ويُوافِق ذلك تفسير أحدِ رُواة الحديث لها بالطبل

_________________________________________

(1) لم أقفْ عليه. (2) "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 347) طبعة دار الفكر.


كما ذكَرَه البيهقي (1) وتفسير الراوي مُقدَّم على تفسير غيرِه؛ لأنَّه أعرف بمرويِّه ولا تفسير آخَرين لها بالنرد؛ لأنَّ الكُوبَة كما تُطلَق على ذلك الطبل تُطلَق على النَّرد، كما صرَّحوا به نقلاً عن بعض أهل اللغة، وبذلك يتبيَّن اندِفاع قول الخطابي وغيره: الكُوبَة النرد، وغلط مَن قال: إنها الطبل، واندِفاع قول الأسنوي: تفسير الكُوبَة بالطبل خلاف المشهور فِي كتب اللغة، ا. هـ.

وقال الأذرعي: فِي كلام الجوهري وغيره ما يدفَع تغليط الخطابي وغيره، نعم؛ إطلاقها على كلِّ ما يُسمَّى طبلاً ليس بجيِّد، ا. هـ.

وعبارة ابن معين الحرزي فِي "التنقيب على المُهَذَّبِ": الصحيح أنَّ الكُوبَة طبلٌ ضيِّق الوسط واسع الطرفين، كان يلعَب به شباب قريش بين الصفا والمروة، انتهت، وقيل: هي الشِّطرَنج.

(تَنْبِيه رابع) من الأحاديث المغلَّظة فِي تحريم الكُوبَة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله حرَّم على أمَّتي الخمرَ، والميسرَ، والكوبة في أشياء عدَّدَها)) (2)؛ رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، من حديث ابن عباسٍ بهذا، وزاد: ((وهو الطبل، وكلُّ مسكرٍ حرام)).

_________________________________________

(1) يُشِير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (1/ 274)، وأبو داود (3696)،، وأبو يعلى (2729)، والبيهقي (10/ 221)، وصحَّحه ابن حبان (5365) من حديث سُفيان، عن عليِّ بن بذيمة، حدثني قيس بن حبتر النهشلي، عن ابن عباسٍ: أنَّ وفد عبدالقيس قالوا: يا رسول الله، فِيمَ نشرب؟ قال: ((لا تشربوا في الدباء ولا في المزفت ولا في النقير، وانتبذوا في الأسقية))، قالوا: يا رسول الله، فإنِ اشتدَّ في الأسقية؟ قال: ((فصبُّوا عليه الماء))، قالوا: يا رسول الله، فقال لهم في الثالثة أو الرابعة: ((أهريقوه))، ثم قال: ((إنَّ الله حرَّم عليَّ - أو حرَّم - الخمر والميسر والكوبة))؛ قال: ((وكلُّ مسكر حرام))، قال سفيان: فسألت عليَّ بن بذيمة عن الكوبة فقال: الطبل. (2) أخرجه أحمد (1/ 274)، وأبو داود (3694)، وأبو يعلى (5/ 114)، والطبراني في "الكبير" (12/ 102)، و"الأوسط" (7388)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5116)، والطحاوي في "شرح معاني الأثار" (4/ 216)، والحديث أخرجه مسلم (2004) بلفظ: سأل قومٌ ابن عبَّاس عن بيع الخمر وشِرائها والتجارة فيها فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم، قال: فإنَّه لا يصلح بيعها ولا شِراؤها ولا التجارة فيها، قال: فسألوه عن النبيذ فقال: خرج رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفرٍ ثم رجَع وقد نبذ ناسٌ من أصحابه في حناتم ونقير ودباء فأمر به فأُهرِيق ثم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء فجعل من الليل فأصبح فشرب منه يومه ذلك وليلته المستقبلة ومن الغد حتى أمسى فشرب وسقى، فلمَّا أصبح أمر بما بقي منه فأُهَرِيقَ، دون موضع الشاهد.


وبيَّن - أعني: البيهقي - في روايةٍ أخرى أنَّ تفسير الكوبة بالطبل من كلام راويه عليِّ بن بذيمة، ورواه أبو داود من حديث ابن عمر، وزاد: ((والغُبَيراء)) (1)، وزاد أحمد فيه [ز1/ 22/ب] ((والمزر)) (2)، ورواه أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة، واختلفوا في تفسير الغُبَيراء فقيل: هي الطنبور، وقيل: العُود، وقيل: البربط، وقيل: مزر يصنع من الذرة أو من القمح، ومَرَّ فِي المقدمة أحاديث ذلك فراجِعْها، والله أعلم.

  • * * * *

_________________________________________

(1) الغبيراء: نَباتٌ سهلِيٌّ، وقيل: الغَبْراء شجرته والغُبَيْراء ثمرته وهي فاكهةٌ، وقيل: الغُبَيْراء شجرته والغَبْراء ثمرته بقلب ذلك، الواحد والجمع فيه سَواء، وأَمَّا هذا الثمر الذي يُقال له: الغُبَيْراء فدخيلٌ في كلام العرب، قال أَبو حنيفة: الغُبَيْراء شجرة معروفة، سُمِّيت غُبَيْراء للون ورَقِها وثمرتها إِذا بدتْ ثم تحمرُّ حُمْرة شديدة، قال: وليس هذا الاشتقاق بمعروفٍ، قال: ويقال لثمرتها: الغُبَيراء، قال: ولا تُذكَّر إِلا مصغَّرة، والغُبَيراء السُّكُركة؛ وهو شرابٌ يُعمَل من الذرة يتَّخذه الحَبَشُ وهو يُسْكِر، وفي الحديث: ((إيَّاكم والغُبَيراءَ؛ فإنها خمر العالم))، وقال ثعلب: هي خمرٌ تُعْمَل من الغُبَيراء هذا الثمر المعروف؛ أَي: هي مثل الخمر التي يتعارَفُها جميعُ الناس، لا فضْل بينهما في التحريم، والغَبْراء من الأَرض الخَمِرُ، انظر: "لسان العرب" مادة "غبر"، والحديث أخرجه أحمد (2/ 165)، وأبو داود (3685)، والبيهقي (10/ 221) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أنَّ نبيَّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: ((كلُّ مسكرٍ حرام))، قال أبو داود: قال ابن سلام أبو عُبَيد: الغبيراء السُّكركة تُعمَل من الذُّرة شرابٌ يعمله الحبشة، وهذا لفظ أبو داود. (2) المزر: نبيذ الشعير والحبوب ويُقال: نبيذ الذرة خاصَّة والمزارة: مصدر المزير وهو القويُّ النافذ في الأمور، والمزر: الذوق والشرب القليل، ويُقال: الشرب بمرة قال: "تكون بعد الحسو والتمزر ... في فمه مثل عصير السكر"؛ "العين"؛ للخليل بن أحمد مادة "مزر"، والحديث أخرجه أحمد (2/ 165) بلفظ: عن عبدالله بن عمرٍو قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله حرَّم على أمَّتي الخمرَ والميسر والمزر والقنين والكوبة، وزاد لي صلاة الوتر)).



القسم السادس: فِي الضرب بالصفاقتين[عدل]

وهما دائرتان من صفرٍ تضرب إحدهما على الأخرى وتُسمَّيان بالصَّنْج أيضًا، والمعتمَد من مذهبنا عند الشيخين وغيرهما؛ كالشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين، وصاحب "المُهَذَّبِ"، ونقله فِي "البحر" عن الأصحاب أنَّ ذلك حرامٌ؛ لأنهما من عادة المخنَّثين كالكُوبَة، وتوقَّف الإمام فيهما؛ لأنَّه لم يردْ فيهما خبرٌ بخِلاف الكُوبَة؛ يُجاب عنه بأنَّ شأن القياس أنَّ المقيس عليه منصوصٌ بخلاف المقيس، وهذا كذلك؛ لأنَّ الكُوبَة منصوصٌ عليها بخلاف الصفاقتين، فألحقنا بها بجامع أنَّ كلاًّ منهما الضرب به من عادة المخنَّثين المطَّردة، وهذا هو المقتضى لتحريم الكُوبَة كما اعتَرَف به الإمام، فإنَّه قال: كان شيخي - يعني: أباه كما مرَّ نقله عنه - يقطع بتحريمها ويقول: فيها أخبار مغلَّظة على ضاربها والمستمِع إلى صوتها، وقد نصَّ الشَّافِعِيُّ - رضِي الله عنه - على أنَّ [مَن أوصى بطبل لهو] (1) يلتَحِق بالمعازف حتى تبطل الوصيَّة به إلا الكُوبَة (2).

(تَنْبِيه) ما فُسِّرت به الصَّفاقتَيْن فيما مَرَّ هو المعتمد، وإنْ قالَ ابنُ أبي الدَّم: اختلف الفقهاء المتأخِّرون فيه؛ فبعضهم يقول: هو الشيزات، ويعضده التعليل بأنَّه من عادة أهل الشُّرب، وبعضهم يُفسِّره بالصنوج المتَّخَذة من صفر التي تضرب مع الطبول والرباب والنقارات، وهذا يُضعفه أنَّه ليس بمطربٍ ولا يُحدِث بسماعه لذَّة لذي لُبٍّ سليم وعقل صحيحٍ، ا. هـ.

_________________________________________

(1) في (ز2): الوصيَّة بطبْل لهوٍ باطلةٌ، ولا يعرف طبل. (2) "الأم"؛ للشافعي (8/ 244) ط دار المعرفة.


ويردُّ تضعيفَه بما ذكر أنَّه ليس المأخذ فِي تحريمها اللذَّة - كما مرَّ - وإنما المأخَذ الأعظم فِي ذلك أنهما من دأب المخنَّثين وأهل الفُسوق، ففي الضرب بهما تَشبُّهٌ بأولئك الذين لا خَلاقَ لهم ولا دِين، فحرم لأجل ذلك؛ إذ ((مَنْ تشَبَّه بقومٍ فهوَ منهُمْ)) (1)، فاتَّجَه ما ذكَرُوه وأنَّه لا غُبار عليه فتأمَّله.

  • * * * *

_________________________________________

(1) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 471)، وأحمد (2/ 50)، وعبد بن حميد (848)، وأبو داود (4031)، والطبراني في "مسند الشاميين" (216)، والبيهقي في "الشعب" (1199) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال ابن حجر في "الفتح" (6/ 98): وَأَبُو مُنِيب لاَ يُعْرَفُ اِسْمُهُ وَفِي الْإِسْنَادِ عبدالرَّحْمَنِ بْن ثَابِت بْن ثَوْبَانِ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ؛ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ سَعِيد بْن جَبَلَةَ عَن النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بِتَمَامِهِ، وقال في موضع آخر من "الفتح" (10/ 271): أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن. وأخرجه أحمد في "الورع" (93)، والبزار (7/ 368)، والطبراني في " الأوسط " (8327) من حديث حذيفة، وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 271): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، وقال المناوي في "فيض القدير" (8593) قال الصدر المناوي: فيه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف كما قاله المنذري، وقال السخاوي: سنده ضعيف لكن له شواهد، وقال ابن تيمية: سنده جيد، وقال ابن حجر في "الفتح": سنده حسن.




القسم السابع: في الضرب بالقضيب على الوسائد[عدل]

اختلف أصحابنا فيه على وجهين: [ز1/ 23/أ]

أحدهما: أنَّه مكروهٌ، وبه قطَع العراقيُّون؛ لأنَّه لا يفرد عن الغِناء ولا يطرب وحدَه، وإنما يزيدُ الغناء طربًا بخِلاف الآلات المطرِبة، فهو تابعٌ للغناء المكروه فيكون مكروهًا، وهذا هو المجزوم به فِي "مجموع المحاملي"، "وتقريب سليم" وغيرهما، واعتمَدَه ابن الرفعة فِي "مطلبه" (1) فقال: [يزيد] (2) الغناء طربًا ولا يحرم؛ لأنَّه ليس بآلةٍ، وإنما تتبع الصوت، وهذا لا يسمع منفردًا بخلاف الملاهي، قاله ابن الصبَّاغ، والبندنيجي، وكذا الفوراني والغزالي.

وثانيهما: أنَّه حرامٌ، وجرَى عليه البَغَوي فِي تهذيبه وتعليقه (3)، وعبارته: وأمَّا ضَرْبُ القضيب فقال الخراسانيُّون من أصحابنا: هو حرام، وأمَّا العراقيون فقالوا: إنَّه مكروه غير حرام، انتهت.

(1) "المطلب العالي في شرح الوسيط للغزالي" عشرين مجلدًا لابن الرفعة: أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن صارم ابن الرفعة الأنصاري، نجم الدين أبو العباس المصري المعروف بابن الرفعة، الشافعي، كان محتسب القاهرة ونابَ في الحكم، ونُدِبَ لمناظرة ابن تيمية، فسُئِل ابن تيميَّة عنه بعد ذلك، فقال: رأيت شيخًا يتقاطَرُ فقه الشافعيَّة من لحيته! وُلِدَ سنة 645 وتُوفِّي سنة 710، له من التأليف "الإيضاح والتبيان في المكيال والميزان"، "رسالة الكنائس والبيع"، "كفاية النبيه في شرح التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي في الفروع"، "النفائس في هدم الكنائس"، ("هدية العارفين"؛ للباباني، "الأعلام"؛ للزركلي). (2) في (ز1): نريد، والمثبت من (ز2). (3) "التهذيب في الفروع"؛ للبغوي الفراء وهو: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بالفراء، والفراء نسبةً إلى عمل الفراء، والبغوي نسبةً إلى بلدة بخراسان يُقال لها: بغ وبغشور أيضًا، الملقَّب ظهير الدين، الفقيه الشافعي، المحدِّث المفسِّر؛ كان بحرًا في العُلوم، وأخَذ الفقه عن القاضي حسين بن محمد، وروى الحديث ودرس، وكان لا يلقي الدرس إلا على الطهارة، وصنَّف كتبًا كثيرة منها: "التهذيب" هذا، وهو تأليفٌ محرَّر مهذب مجرَّد عن الأدلَّة غالبًا لَخَّصه من تعليق شيخه القاضي حسين، وزاد فيه ونقص ثم لَخصَّه الشيخ الإمام حسين بن محمد المروزي الهروي الشافعي، وسمَّاه: "لباب التهذيب" مع اشتماله على مزيد التنقيح والترتيب، واختصَرَه أيضا الشهاب أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري، وله أيضًا كتاب "شرح السنة" في الحديث، و"معالم التنزيل" في تفسير القرآن الكريم، وكتاب "المصابيح" و"الجمع بين الصحيحين" و"الكفاية في الفقه"، وغير ذلك. تُوفِّي في شوال سنة عشرٍ وخمسمائة بمروروذ، ودُفِنَ عند شيخِه القاضي حسين بمقبرة الطالقان، وقبرُه مشهور هنالك - رحمه الله تعالى - ("كشف الظنون"، "هدية العارفين"، "وفيات الأعيان").



وكذا قاله تلميذه الخوارزمي فِي "كافيه"، وقال الشيخ إبراهيم المروزي: قال القاضي حسين: تردُّ به شهادةُ فاعليه.

وقال أبو حامد: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عن هذا فقال: أوَّل مَن أحدَثَه الزنادقة فِي العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعَن الذكر، ونقَلَه عن الشَّافِعِي أيضًا القاضي أبو الطيب فِي كتابه في السماع، وزاد أنَّ الشَّافِعِيَّ كان يكرهه، قال الأذرعي: وهذا وما قبله قد يُشعِر بإرادة الشَّافِعِيِّ كراهةَ التحريم.

(تَنْبِيه) الظاهر أنَّ ذِكرَهم للقضيب والوسائد مثالٌ، وأنَّ الضرب باليد على الوسادة أو غيرها يجري فيه الخلاف المذكور؛ لأنَّ العلة أنَّه يزيد الغناء طربًا، وهذا موجودٌ ومعتادٌ فِي الضرب باليد على نحو الوسائد فاتَّضح ما ذكرته.

  • * * * *





القسم الثامن: فِي التصفيق ببطن أحد الكفين على الآخر[عدل]

قال الماوردي، والشاشي، وصاحب ["الاستقصاء"] (1)، ة"الكافي": حُكمُه حكمُ الضرب بالقضيب على الوسائد؛ أي: فيَجرِي فيه هذا الخلاف المذكور؛ فيكون مكروهًا عند العراقيين، حرامًا عند الخراسانيين، ذكَرَه ابن الرفعة فِي "المطلب".

وبالَغ ابن عبدالسلام فِي ذمِّه بقوله فِي "قواعده" (2) كما مرَّ: أمَّا الرَّقْصُ والتصفيق فخفَّة ورُعونة مُشابهة لرُعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعن أو متصنِّع جاهل، ويدلُّ على جَهالة فاعلهما أنَّ الشريعة لم تردْ بهما في كتابٍ ولا سنَّة، ولا فعَل ذلك أحدٌ من الأنبياء (3)، ولا معتبر [ز1/ 23/ب] من أتْباع الأنبياء، وإنما يفعَلُه الجهَّال السُّفهاء الذين التبسَتْ عليهم الحقائق بالأهواء.

وقد حرَّم بعضُ العلماء التصفيقَ على الرجال بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما التَّصفيقُ للنِّساء)) (4)، ا. هـ.

وعبارة الحليمي: يُكرَه التصفيقُ للرجال؛ فإنَّه ممَّا يختصُّ به النساء، وقد مُنِعوا من التشبُّه بهنَّ كما مُنِعُوا من لبس المُزعفَر لذلك، ا. هـ.

قال الأذرعي: وهو يُشعِر بتحريمه على الرجال، ا. هـ.

_________________________________________

(1) في (ز2): الانتصار. (2) "قواعد الأحكام فِي مصالح الأنام"؛ لعز الدين بن عبدالسلام (2/ 221) طبعة دار الكتب العلمية.


وجريت فِي "شرح الإرشاد" على كَراهة هذا وما قبله، وعبارته: ويُكرَه على الأصحِّ الضرب بالقضيب على الوسائد، ومنه يُؤخَذ حلُّ ضَرْب إحدى راحتي الكفِّ على الأخرى ولو بقصْد اللعب، وإنْ كان فيه نوعُ طرَب، ثم رأيتُ الماوردي، والشاشي، وصاحب "الاستقصاء"، "والكافي" ألحَقُوه بما قبله، وهو صريحٌ فيما ذكرتُه، وأنَّه يجري فيه خلاف القضيب، والأصحُّ منه الحلُّ؛ فيكون هذا كذلك، ومن ثَمَّ صرَّح الحليمي بكراهته، وأقرَّه ابن الرفعة وغيره؛ لكنَّه عقَّبه [بما] يُومِئُ إلى أنها كراهة تحريم على الرجال؛ لما فيه من التشبُّه بالنساء، ويُوافِقه ذم ابن عبدالسلام لِمُتَعاطِيه، قال: وقد حرَّمه بعض العُلَماء لخبر: ((وإنَّمَا التَّصفيقُ للنِّساءِ)) (1)، ا. هـ.

وأنت خبيرٌ بأنَّه لا دلالةَ فِي الخبر؛ إذ (أل) فيه للتصفيق الذي يُؤمَرون به في الصلاة، وليس هذا منه، وبأنَّ التشبُّه بهنَّ إنما يحرم فيما يختصُّ النساء به، وهذا ليس كذلك، فالوجه أنَّه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ لا تحريم، انتهت عبارة الشرح المذكور.

  • * * * *

_________________________________________

(1) سبق تخريجه، وانظر: "قواعد الأحكام"؛ لعز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام (2/ 221) ط دار الكتب العلمية. (3) وقع فِي النسخة المطبوعة زيادة: ولا معتبر من أتباع الأنبياء. (4) متفق عليه: البخاري (1203)، ومسلم (422) من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنه.


القسم التاسع: الضرب بالأقلام على الصيني أو بإحدى قطعتين منه على الأخرى[عدل]

اعلَمْ أنَّ هذا النَّوع قد اشتَهَر فِي هذه الأزمنة بين أهل الفُسوق والشَّرَبة للخُمور؛ حتى صار من أظهر شعارهم فِي مَعاصِيهم وعلى شُربهم واجتماعهم بالقَيْنات والغِلمان، وتركوا من أجله كثيرًا من ذَوات الشُّعور والأوتار؛ لما وجدوا فيه من اللذَّة التي فاقَتْ سائِرَ اللَّذَّات؛ لما فيها من البدائع والترقيقات، والصوت العجيب والطرب الغريب، كما يَزعُمون كلَّ ذلك، ويعترفون بأكثر ممَّا هنالك، ويدلُّ على هذا تغالُبهم على سماعه وحُضوره، ووزنهم النقود الكثيرة لضاربه ليحظوا بلذَّة صوته وفُجوره؛ فلذلك [ز1/ 24/أ] عَظُمَ الخطب فيه، وتعيَّنت المبالغة فِي زجْر مُتَعاطِيه؛ لعلَّهم ينفكُّون عن تلك القبائح التي لا تَتناهَى، وينزَجِرون عن مَعاصِيهم وسَفاهاتهم التي أشغلتْ نفوسهم عن رُشدها وتَقواها؛ فلذلك أفتيتُ غيرَ مرَّة بِحُرمة ذلك، وأنَّه مُلحَقٌ بذوات الأوتار فِي حُرمتها الأكيدة وعُقوبتها الشديدة؛ لما قدَّمته من أنَّ لذَّة هذا وإطرابَه فاقَ لذَّة تلك وإطرابها، وقوانينه ونغماته أنساهم قوانين تلك ونغماتها، وقد بلغني لَمَّا أفتيتُ بذلك عن بعض مَن يزعُم أنَّ له نوعًا ما من فضيلة أنَّه اعتَرضَ ذلك الإفتاء بِخُرافات تُضحِك الناس عليه، وتشدُّقات تجرُّ وَبال الخِزي والبَوار إليه، على أنَّ هذا منه ليس لكونه مسألة علميَّة يتعرَّف حُكمَ الله فيها، وإنما هو لأنَّه كان جعَل سماع ذلك شبكةً يتصيَّد بها غِزلان القاذورات، ويتحيَّل بها على استِجلاب المخمورين والمخمورات، فلمَّا أنْ ظهر الإفتاء بِحُرمة ذلك تعطَّلت عليه أغراضُه، واستحكمتْ أهويته وأمراضُه؛ فأحبَّ أنْ يُغيِّر فِي الوجوه الحسان؛



لعلَّه يغير فِي الأحكام الشرعيَّة بما له من البُهتان، الذي حُقَّ له به الخذلان والهوان - وفَّقنا الله لطاعته.

على أنِّي لم أبتَدِعْ ذلك الإفتاءَ، وإنما أخذته من كلامهم بالأولى؛ لأنَّهم إذا حرَّموا ما مَرَّ من الضرب بالصفاقتين وغيرهما مع أنَّه ليس فيها كبيرُ إطرابٍ، فما بالك بهذا الذي فاقَ إطرابه كما تواترت [به أخبارُ] (1) سامعيه إطراب العُود وغيره، وإذا علمت ما يأتي فِي الشَّبَّابَة وغيرها ظهَر لك اتِّضاح ما قلته وظهور ما بيَّنته وقرَّرته.

وممَّا يعلم منه ذلك قطعًا وهو من جملة مستنداتي فِي الإفتاء السابق "أنَّ شخصًا كان بزمننا فِي مصر، وكان يملأ إناءً من صيني ماء، ويمرُّ أصبعه على حافَّة الإناء، وينشد عليه كلام الصوفيَّة كالإمام [العارف] (2) عمر بن الفارض (3) فسُئِلَ عنه مشايخنا كشيخ الإسلام خاتمة المتأخِّرين أبي يحيى زكريا الأنصاري، ومعاصروهم كالكمال بن أبي شريف والشمس الجوجري شارحي "الإرشاد" (4) وغيرهم، فبعضهم جزَم بِحُرمته لأنَّ فيه طربًا، وبعضهم تردَّد فقال: إنْ كان فيه إطرابٌ حرم وإلاَّ فلا، فهم متَّفِقون

_________________________________________

(1) في (ز2): كما أخبر. (2) في (ز2): العارف بالله تعالى. (3) قال الحافظ ابن كثير: ابن الفارض: ناظم التائية فِي السلوك على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد، هو أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، وكان أبوه يكتب فروض النساء والرجال، وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا؛ بسبب قصيدته المشار إليها، وقد ذكره شيخنا أبو عبدالله الذهبي فِي ميزانه وحط عليه، مات فِي هذه السنة (أي: سنة 632 هجرية)، وقد قارب السبعين؛ "البداية والنهاية"؛ لابن كثير. (4) "الإرشاد في فروع الشافعية"؛ لشرف الدين إسماعيل بن أبي بكر بن المقري اليمني الشافعي المتوفَّى سنة ست وثلاثين وثمانمائة اختصر فيه: "الحاوي الصغير"؛ للقزويني وعمل عليه شرحًا في مجلدين، وممَّن شرح "الإرشاد" العلامة الشمس محمد بن عبدالمنعم الجوجري؛ "كشف الظنون".


على أنَّه إذا كان فيه إطرابٌ يحرم؛ وإذا اتَّفقوا فِي هذا على ذلك فما نحنُ فيه أولى بالحرمة [ز1/ 24/ب] قطعًا؛ لإجماع كلِّ ذي عقلٍ سمعهما أو تَواتَرَ عنده خبرُهما ووصفهما على أنَّ ما نحن فيه يَفُوق ذاك فِي الإطراب بمراحل، فعلم أنَّه لا غُبار على إفتائي بالتحريم فِي ذلك، وأنَّ مَن عانَد فِي ذلك بل توقَّف فيه كان ممَّن ضلَّت به المسالك، وعُجِّلتْ له المهالك، نسأَلُ الله السلامة من ذلك بمنِّه وكرمه، آمين.

وممَّا يزيدُ ما قرَّرته وُضوحًا أيضًا قول الدولقي الذي استدلَّ النووي بكلامه فِي "الروضة"، ونقل عنه تحريم الشَّبَّابَة ما حرَّمت الأشياء التي ذكَرُوها لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصدِّ عن ذِكر الله - تعالى - وعَن الصلاة، ومُفارَقة التقوى والميل إلى الهوى.

وقول القرطبي: كلُّ ما لأجله حُرِّمتِ المَزَامِير موجود فِي الشَّبَّابَة وزيادةً؛ فيكون أولى بالتحريم.

قال الأذرعي: وما قاله حقٌّ واضح، والمنازَعة فيه مُكابَرة، انتهى.

فلذلك نقول: كلُّ ما حُرِّمتِ الأوتار لأجله موجودٌ فِي هذا [وزيادة] (1)؛ فكان أولى بالتحريم منها، وما حرم ما نصوا عليه لاسمه ولقبه؛ بل لما ذكر من أنَّه شِعار الشَّرَبة، وفيه الصدُّ عن ذِكر الله والصلاة، وكلُّ ذلك موجودٌ فِي هذا مع زِيادات؛ فكان أولى بالتحريم كما تقرَّر.

على أنَّ النووي صرَّح فِي "شرح المُهَذَّب" بأنَّ المسألة إذا دخَلتْ تحت عُموم كَلام الأصحاب كانت منقولةً، وهذه دخلت تحت عُموم كَلامهم حتى المختصرات الصغيرة كـ"الحاوي الصغير" وفروعه، فإنهم اتَّفقوا على

_________________________________________

(1) في (ز2): مع زيادات.


حُرمة سَماع ذلك المطرب، وقد تقرَّر أنَّ هذا من أعلى المطرِبات، فيشمله كلامهم بالنصِّ، وحينئذٍ فالمسألة منقولة، وصرَّح بها المتقدِّمون أيضًا؛ إذ لا شكَّ أنَّ العراقيين من أئمَّتنا هم المعوَّل عليهم فِي المذهب نقلاً وترجيحًا، وقد أطبَقُوا على قولهم: الأصوات المكتسَبة بالآلات ثلاثَةُ أضرُب: ضَرْب حرام؛ وهي التي تطرب من غير غِناء ... إلى آخِر ما يأتي، فكلامهم هذا شاملٌ لما نحن فيه كما لا يَخفَى على مَن له أدنى مسكةٍ من فهمٍ، فيكون التحريم الذي قرَّرته منقولاً للأصحاب، وحينئذٍ لا يبقى للنِّزاع فيه مَساغ، اللهم إلا مع العِناد؛ فإنَّه لا ينفَعُ معه شيء حتى الأدلَّة القرآنيَّة؛ لأنَّ الهوى يُعمِى ويصمُّ، نعوذُ بالله منه.

وقال الشمس الجوجري فِي "شرح الإرشاد": ويمكن أنْ يستدلَّ لتحريم الشَّبَّابَة بالقِياس على الآلات المحرَّمة؛ لاشتراكه معها فِي كونه مطربًا [ز1/ 25/أ] بل ربما كان الطرب الذي فيه أشدَّ من الطرب الذي فِي نحو الكمنجة والرباب، فهو إمَّا قياس الأولى أو المساواة بالنسبة إلى المذكورين، وهما حَرام بلا خلافٍ، انتهى.

وصرَّح بما يعمُّ ذلك إمامُ الحرمين أيضًا، ونقَلَه عنه الأذرعي، وقال [عَقِبَهُ]: إنَّه فِي غاية الحُسن، وعبارة توسطه، وقد أشار الإمام إلى ضابط المحرَّم من ذلك وغيره بقوله: ما يصدر منه ألحانٌ مُستلَذَّة تهيج [السامع] وتستحثُّه على الطرب ومجالسة أحداثه فهو المحرَّم، فهذه العبارة تشمَل ما نحن فيه بالنص؛ لأنَّ ما ذُكِرَ موجودٌ فيه وزيادة.

  • * * * *





القسم العاشر: في الشَّبَّابة والزَّمارَة وهي اليَراع[عدل]

اعلم أنَّ إماميَّ مذهبنا: الرَّافِعِي والنووي، اختلفا فِي الراجح من الخِلاف فيها؛ فقال الرَّافِعِي فِي "عزيزه": في اليَرَاع وجهانِ صَحَّحَ البغويُّ التحريم، والغزالي الجواز، وهو الأقرب، وليس المراد من اليَراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به الأوتارُ - كما فِي نسخ، وفي نسخة معتمدة: مع الأوتار كما يأتي - حرامٌ بلاَ خلافٍ (1).

وقال النووي فِي "روضته" بعد ذِكره ذلك استدراكًا عليه: قلتُ: (الأصحُّ)؛ أي: فيكون الخلاف قويًّا، أو (الصحيح)؛ أي: فيكون الخلاف ضعيفًا، كما عُلِم من اصطلاحه فِي خِطبته.

تحريم اليَرَاع، وهو هذه الزَّمَّارَة التي يُقال لها: الشَّبَّابَة ممَّن صحَّحه البَغَوي، وقد صنَّف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابًا فِي تحريم اليَرَاع مشتملاً على نفائس، وأطنَبَ فِي دَلائل تحريمه، والله أعلم، انتهى (2).

وأشار بقوله ممَّن صحَّحه البَغَوي إلى التورُّك على الرَّافِعِيِّ، فإنَّ ظاهر عبارة الرَّافِعِي أنَّه لم يُصحِّحه سوى البَغَويِ، فأشار بقوله: ممَّن صحَّحه البَغَوي، إلى ردِّ عبارته، وأنَّ البَغَوي لم ينفردْ بذلك، وبهذا الذي ذكرته إنْ تأمَّلته

_________________________________________

(1) وهذا أيضًا نفس كلام النووي فِي "الروضة" (11/ 228) طبعة المكتب الإسلامي حيث قال: "وفي اليَراع وَجْهان صحَّح البغوي التحريم، والغزالي الجواز، وهو الأقرب، وليس المراد من اليراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به الأوتار حرامٌ بلا خلاف، قلت: الأصحُّ أو الصحيح تحريم اليَراع، وهو هذه الزمارة التي يُقال لها: الشبابة، وقد صنَّف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابًا في تحريم اليَراع مشتملاً على نفائس، وأطنَبَ في دلائل تحريمه، والله أعلم. أمَّا الدفُّ فضربُه مُباح في العُرس والختان، وأمَّا في غيرهما فأطلق صاحب "المهذب" والبغوي وغيرهما". (2) "روضة الطالبين"؛ للنووي (11/ 229) طبعة المكتب الإسلامي.


يظهَرُ لك فَسادُ اعتراض الأسنوي على النووي بقوله: نَقْلُهُ تصحيحَ المنع عن البَغَوي عجيبٌ، فقد ذكَرَه الرَّافِعِيُّ، انتهى.

ووجْه فَساده أنَّ الذي قالَه النوويُّ غيرُ ما قاله الرَّافِعِيُّ؛ لما علمت أنَّ الرَّافِعِيَّ حصَر التصحيح فِي البَغَوي والنووي، أفاد عدم انحِصاره فيه، وإنما هو من جُملة المصححين، وعجيبٌ خفاءُ مثلِ هذا على الأسنوي، وأعجَبُ منه سكوت المتعقِّبين لكلام الأسنوي على هذا الاعتراض الذي فِي غاية السُّقوط.

قال الأسنوي: واعلم أنَّ المنع قد رجَّحَه الشيخ أبو حامد [ز1/ 25/ب] فقال: إنَّه القياس، وصحَّحه الخوارزمي فِي "الكافي" وجزَم به ابن أبي عصرون، وأمَّا الجواز فقال به الماوردي، والخطابي، والروياني، ومحمد بن يحيى فِي "المحيط"، انتهى.

(تَنْبِيه) ما اقتضاه كلام الرَّافِعِيِّ السابق، وكلام الأسنوي هذا من تَساوِي القائلين لكلٍّ من الحل والحرمة فيه نظر؛ بل أكثر أصحاب الشَّافِعِي على الحرمة، بل الكلام في ثُبوت لكلٍّ فِي مذهبنا وجهًا يعتدُّ بخلاف قائله كما ستعلَمُه.

وقد قال الأذرعي: ما ذهَب إليه الغزالي من الحلِّ وتَبِعَه صاحبه ابن يحيى شاذٌّ، ولم أرَ للغزالي فِي ترجيحه سلفًا، قال: وقد ذكَر غيرُ الأسنوي أنَّ الشيخ أبا عليٍّ قال: إنَّ التحريم هو القياس.

قال فِي "الكافي": لأنَّه من جِنس َالمَزَامِير وهو المذهب، وقضيَّة كلام العراقيين وغيرهم إذ قالوا: الأصوات المكتسَبة بالآلات المطرِبة ثلاثة أضرب ... وعدوا منها المَزَامِير، واستدلُّوا للتحريم بحديث ابن عمر - رضي



الله عنهما - المشهور، وأحسن فِي "الذخائر" فنقَل عن الأصحاب التحريم للمَزامِير مطلقًا.

ثم قال: وقال الغزالي: يحرم المِزمارُ العِراقِيُّ الذي يُضرَبُ به مع الأوتار، وفيما سواه وجهان، وأمَّا العراقيون فحرَّموا المَزامِير كلها من غير تفصيل؛ فإذًا المذهب الذي عليه الجماهيرُ تحريم اليَراع وهو الشَّبَّابة، وقد أطنَبَ الإمام الدولقي خطيب الشام فِي دلائل تحريمه وتقريرها كما رأيته بخطِّه فِي مصنَّفه، قال: والعجب كلُّ العجب ممَّن هو من أهل العلم يَزعُم أنَّ الشَّبَّابَة حلالٌ، ويحكيه وجهًا لا مستند له إلا خَيال، ولا أصلَ له وينسبه إلى مذهب الشَّافِعِي، ومَعاذ الله أنْ يكون ذلك مذهبًا له أو لأحدٍ من أصحابه الذين عليهم [التعويل] (1) فِي علم مذهبه والانتماء إليه، وقد عُلِمَ من غير شكٍّ أنَّ الشَّافِعِي حرَّم سائر أنواع الزمر، والشَّبَّابة من جملة الزمر، وأحد أنواعه، بل هي أحقُّ بالتحريم من غيرها؛ لما فيها من التأثير فوق ما فِي [الناي] (2) وصوناي، وما حُرِّمتْ هذه الأشياء لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصدِّ عن ذِكر الله وعَن الصَّلاة، ومُفارَقة التقوى، والميل إلى الهوى، والانغِماس فِي المعاصي، وأطال النفَس فِي تقرير التحريم، وأنَّه الذي درَج عليه الأصحاب من لَدُنِ الشَّافِعِي إلى آخِر وقتٍ من المصريين، والبغداديين، والخراسانيين، والشاميين، والجزريين [ز1/ 26/أ] ومَن سكَن الجبال، والحجاز، وما وراء النهر، واليمن، كلهم يستدلُّ [بقصة] (3) ابن عمر - رضي الله عنهما - يعني: حديث زمارة الراعي.

_________________________________________

(1) في (ز1): التعول، والمثبت من (ز2). (2) في (ز1): نائي، والمثبت من (ز2). (3) في (ز2): بقضية.


قال الأذرعي: وأحسبه عرَّض فِي صدر كلامه بالغزالي؛ فإنَّه من مُعاصِريه، انتهى.

واعتَرضَه تلميذُه الزركشي بأنَّه ليس من مُعاصِريه، فإنَّه وُلِدَ بعد وَفاته بعشْر سنين، انتهى.

ويُجاب عنه بأنَّ مُراده بكونه من مُعاصِريه أنَّه قريب جدًّا من عصره، فصَحَّ أنْ يطلق عليه كونه من مُعاصِريه مجازًا.

وقال الإمام جمال الإسلام ابن [البِزري] (1) بكسر الباء نسبةً لبزر الكتان (2): الشَّبَّابة زمرٌ لا محالة حَرام بالنص، ويجبُ إنكارها ويحرم استِماعها، ولم يقل العلماء المتقدِّمون ولا أحدٌ منهم بحِلِّها وجوازِ استعمالها، ومَن ذهَب إلى حلِّها وسماعها فهو مُخطِئ، انتهى.

وقال ابنُ أبي عَصْرُونٍ: الصواب تحريمُها، بل هي أجدَرُ بالتَّحْريم من سائرِ المزامِيرِ المُتَّفَقِ على تحريمِها؛ لشدَّةِ طربها، وهي شِعارُ الشَّرَبَة وأهلِ الفُسوق، انتهى.

وإذا تقرَّر ما فِي هذا التَّنْبِيه عُلِمَ منه خطَأ صاحب ذلك الكتاب فِي قوله: اختَلَفَ العلماء فيها؛ فذهب طائفةٌ إلى التحريم، وطائفةٌ إلى الإباحة، وهو مذهَبُ جماعةٍ، ثم عَدَّ جملة مَن اختاره من الشافعية مُقلِّدًا فيه مَن لا يُوثَق به، وكلُّ ذلك تمويهٌ وتلبيس كما قرَّرته فاعلَمْه.

_________________________________________

(1) في (ز1): البزي، وهو تحريفٌ من الناسخ. (2) ابن البزري: "البزري بفتح الموحدة وسكون الزاي" عمر بن محمد بن أحمد عكرمة جمال الإسلام أبو القاسم الجزري، إمام جزيرة ابن عمر المفتي والمدرِّس بها، المعروف بابن البزري الفقيه الشافعي، وُلِد سنة 471 وتُوفِّي بالجزيرة سنة 560 ستين وخمسمائة، من تصانيفه "الأسامي والعلل من كتاب المهذب"؛ لأبي إسحاق الشيرازي في الفروع. ("هدية العارفين"؛ للباباني).


واستِدلالُه بقول الرَّافِعِيِّ: رُوِيَ عن الصحابة الترخيصُ في [مزمار] الراعي ليس فِي محلِّه؛ لأنَّ ذلك لم يَثبُتْ عن أحدٍ منهم.

وأمَّا حديث الراعي الآتي فسيأتي الكلامُ فيه، على أنَّ هذا لا ينفَعُ صاحب ذلك الكتاب؛ لأنَّها كانت تُفعَل بحضرته فِي المجامع الحفلة وغيرها على غايةٍ من الإطراب، وزمَّارة الراعي ليس فيها شيءٌ من ذلك كما يأتي، ووقَع له أنَّه استدلَّ على حِلِّ مُطلَق الشَّبَّابَة بأنها تُجرِي الدمع، وتُرقِّق القلب، وبأنَّ العلماء والصالحين لم يزالوا يسمَعُونها وتَجرِي على أيديهم الكرامات الظاهرة، وقد قدَّمتُ ذلك كلَّه عنه فِي مبحث الرَّقص، وأنَّه من خراف ابن طاهر وغيره، وتَبِعَهم هذا من غير تأمُّل؛ لأنَّ الهوى يعمي ويصمُّ، فراجِعْ ذلك كلَّه واحفَظْه فإنَّه مفيد.

(تَنْبِيه ثانٍ) قول الأسنوي السابق: وبالجواز قال الماوردي، والخطابي، والروياني، اعترَضَه الأذرعي وتَبِعَه تلميذُه الزركشي فقال فِي "خادمه": نقل [ز1/ 26/ب] فِي المهمَّات الحِلَّ عن الماوردي، والخطابي، ومحمد بن يحيى، فأمَّا ابن يحيى فإنَّه تبع الغزالي، وأمَّا الماوردي فإنَّه فصل بين الأمصار فيكره، وبين الأسفار والمراعي فيُباح، وحَكاه عنه فِي "البحر" هكذا ولم يَحْكِ غيره، وأصلُ ذلك قول شيخه الأذرعي فِي "توسطه" فِي إطلاق الأسنوي نقل الحِلِّ عمَّن ذكر نظَر، وعبارة "البحر" قال فِي "الحاوي": الشَّبَّابَةُ فِي الأَمصارِ مكروهة؛ لأنها تستعمل فيها من السخف والسفاهة، وفي الأسفار والمراعي مُباحة؛ لأنها تحثُّ على السَّير وتجمَع البهائم إذَا سَرَحَتْ (1).

_________________________________________

(1) "الحاوي"؛ لأبي الحسن الماوردي (17/ 193) طبعة دار الفكر.


فإنْ قيل: أليس رُوِي عن ابن عمر وساقَ طرفًا من حديث الراعي وغيره، ثم قال: قلنا: قال أبو سليمان الخطابي: المِزْمَار الذي سمعه ابن عمر صفارة الرُّعاة، وهذا محمولٌ على غير الشَّبَّابَة؛ وهذا يدلُّ على أنَّه وإن كان مكروها فليس كسائر الملاهي؛ لأنَّه لو كان كذلك لما اقتَصَر على سَدِّ المسامع فقط دُون الزجر والتنكيل، انتهى لفظه.

ولا خَفاء أنَّ الراعي ونحوه يصفر فيها صفرًا مجرَّدًا، والكلام فيمَن يصفر فيها على القانون المعروف، فالوجه التحريمُ فيها مطلقًا، بَل هي أجدَرُ بالتحريم من سائر المزامير المتَّفَق على تحريمها؛ لأنها أشدُّ إطرابًا وهي شِعار الشَّرَبة وأهل الفُسوق، وقال بعض أهل هذه الصناعة - وهي الموسيقا -: الشَّبَّابَة آلةٌ كاملة وافية تجمَعُ النَّغمات، وقال آخَرون: ينقص قيراطًا.

قال القرطبي: هي من أعلى المَزَامِير، وكل ما لأجله حرمت المَزَامِير موجودٌ فيها وزيادة، فيكون أولى بالتحريم، قال الأذرعي: وما قاله حقٌّ واضح، والمنازعة فِيه مكابرةٌ، وقال غيره: هي من أعلى المَزامِير، وكل ما لأجله حُرِّمت المَزامِير موجودٌ فيها وزيادة؛ فيكون أولى بالتحريم، والمنازعة في هذا مكابرةٌ، وهو الموافق للمَنقول، فإنَّه الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ والجمهورُ؛ فقد قال فِي "الأم" فِي باب السرقة: ولا يقطع فِي ثمن الطُّنْبُور ولا المِزْمَار، انتهى (1).

وقد حرم الشَّافِعِي ما دونها فِي الإطراب بكثيرٍ فإنَّه حرَّم الكُوبَة وهو الطبل الصغير، وحرَّم طبل اللهو وهو [ز1/ 27/أ] الطبل الكبير، وحرم الطبل (2) فِي غير العُرس والخِتان، وما حرَّمَه إلا لأنَّه لهوٌ لا ينتفع به فيما يجوز؛ ففي

_________________________________________

(1) "الأم"؛ للشافعي (6/ 160) طبعة دار المعرفة. (2) في المطبوع: وحرم الدف.


الشَّبَّابَة مع كونها لهوًا يصدُّ عن ذِكر الله وعَن الصلاة مع الميل إلى أوطار النُّفوس ولذَّاتها، فهي بالتحريم أحقُّ وأولى، وهو مُقتَضى كلام العراقيين؛ فإنهم قالوا: الأصوات المكتسبة بالآلات ثلاثةُ أضرب: ضَرْب محرَّم وهي التي تطرب من غير غِناء؛ كالعيدان والطنابير والمَزَامِير، انتهى.

(تَنْبِيه ثالث) اختلف الحفَّاظ فِي حديث نافع الذي هو أصْل الخلاف فِي الشَّبَّابَة وهو: "أنَّ ابنَ عمرَ سمع صوتَ زمَّارة راعٍ، فجعَل أصبعيه في أذنَيْه، وعدل عن الطريق، وجعل يقولُ: يا نافع، أتسمَعُ؟ فأقول: نعم، فلمَّا قلت: لا، رجَع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعَلُه".

وفي روايةٍ: "أنَّ ابن عمر سمع مِزمارًا فوضَع أصبعَيْه في أذنَيْه، ونأى عن الطريق وقال لي: يا نافعُ، هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفَع أصبعَيْه عن أذنَيْه وقال: كنت مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فصنَع مثل هذا" (1)، فقال أبو داود: إنَّه حديث منكر، وخالَفَه ابن حبان فخرَّجَه فِي صحيحه، ووافَقَه الحافظ محمد بن نصر السلامي فإنَّه سُئِل عنه فقال: هو حديثٌ صحيح.

وكان ابن عمر بالغًا إذ ذاك عمره سبع عشرة سنة، وقال: هذا من الشارع - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليعرف أمَّته أنَّ استماع الزَّمَّارَة والشَّبَّابَة وما يقومُ مقامهما محرَّم عليهم استماعُه، ورخَّص في ذلك لابن عمر لأنَّه حالة ضرورة، ولا يمكن إلا ذاك، وقد تُباح المحظورات للضرورات، قال: ومَن رخَّص فِي ذلك - أي: فأباح الشَّبَّابَة - فهو مخالفٌ للسنَّة، انتهى.

_________________________________________

(1) أخرجه أبو داود (4924)، وأحمد (2/ 8)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 222)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 129)، وابن سعد في "الطبقات" (4/ 163)، وصحَّحه ابن حبان (693) (2/ 468) وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وابن ماجَهْ (1901) بلفظ: عنْ مجاهِدٍ قال: كنت مع ابن عمر فسمع صوت طبل.


وبهذا الحديث استدلَّ أصحابُنا على تحريم المَزَامِير، وعليه بنوا التحريم فِي الشَّبَّابَة التي هي من جملة المَزَامِير بل أشدها طربًا، وممَّا يدلُّ على حُرمتها الحديث السابق فِي المقدمة وهو: أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - نَهَى عن ضرْب الدفِّ ولعب الصنج وضربِ الزَّمَّارَةِ (1).

وأمَّا استِدلال مَن أباحها تمسُّكًا بأنَّه لم يَأمُرْ ابن عمر بسَدِّ أذنَيْه ولا نهى الراعي فدلَّ على أنَّه إنما فعَلَه تنزيهًا أو أنَّه كان فِي حالة ذكرٍ أو فكرٍ، وكان السَّماع يشغله، فسدَّ أذنَيْه لذلك، فقد ردَّه الأئمَّة بأمورٍ كثيرة.

منها: أنَّ تلك الزَّمَّارَة لم تكنْ ممَّا يتَّخذه أهلُ هذا الفن الذي هو [ز1/ 27/ب] محلُّ النِّزاع من الشَّبَّابات التي يتقنونها، وتحتها أنواعٌ كلها تطرب، ومعلومٌ أنَّ زمر الراعي في قصبةٍ ليس كزمر مَن جعله صنعته وتأنَّق فيه وفي طَرائِقه التي اخترَعُوا فيها نغماتٍ تُحرِّك إلى الشهوات.

ومنها: أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنما لم يأمرْ ابنَ عمر بسدِّ أذنيه لأنَّه تقرَّر عندهم أنَّ أفعاله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حجَّة [لأقواله] (2) فحين فعَل ذلك بادَر ابن عمر إلى التأسِّي به، وكيف يظنُّ به أنَّه ترك التأسِّي وهو من أشدِّ الصحابة تأسِّيًا؟ قال الدولقي: وهذا لا يخطر ببال محصل قد عرف قدْر الصحابة واطَّلع على سبيلهم، قال: وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا عَبدَالله، هل تسمَعُ؟))؛ معناه: تسمع هل تسمع؟ وإنما أسقَطَ تسمع

_________________________________________

(1) أخرجه الآجري في "تحريم النرد والشِّطرَنج" (63) بلفظ: "عن مطر بن سالم أنَّ علي بن أبي طالب - رضِي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ضربِ الدُّفِّ ولعبِ الطبل وصوت الزَّمَّارَة"، وأورده الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 113) ط دار الحديث، وعَزاه إلى القاسم بن سلام بلفظ الآجري، وقال المناوي في "فيض القدير" (9490): "حديث ضعيف يردُّه خبر صحيح: ((فصلُ ما بينَ الحلالِ والحرامِ الضرب بالدُّفِّ)). (2) في (ز2): كأقواله.


لدلالة الكلام عليه؛ إذ مَن وضَع إصبعيه فِي أذنَيْه لا يسمع، وإنما أذن له فِي هذا القدْر لموضع الحاجَة.

ومنها: أنَّ الممنوع إنما هو الاستِماع لا مجرَّد السَّماع لا عن قصد وإصغاء، وقد صرَّح أصْحابنا بأنَّه لو كان فِي جواره شيءٌ من الملاهي المحرَّمة ولا يمكنه إزالتها لا يلزَمه النقلة ولا يأثَم بسَماعها لا عن قصدٍ وصرَّحوا هاهنا بأنَّه إنما يأثَم بالاستماع لا بالسماع.

قال الاذرعي: وأُجِيبَ عن ترك الإنكار على الراعي بأمورٍ واضحة لا نُطِيل بذِكرِها، وأغرَبَ مَن قال قوله: ((زمَّارة راعٍ)) لا يتعيَّن أنها الشَّبَّابَة؛ فإنَّ الرُّعاة يضربون بالشعيبية وغيرها، فأوهَمَ أنَّ ما يُسمَّى بالشعيبية مُباح مفروغٌ منه، وهي عِبارة عن عدَّة قصبات صِغار تُجعَل صفًّا وقد تُجعَل فوق رُؤوسها صفر يتَعاطاه بعض السُّفَهاء، ولها إطرابٌ بحسَب حِذق مُتَعاطِيها، وهي شبَّابَةٌ أو مِزمار لا محالةَ، انتهى.

ومرَّ قولُ الماوردي: تُكرَه الشَّبَّابَة فِي الحضَر - أي: تحريمًا - وتُباح للراعي (1)، وفي السفر (2) وقول الخطابي: الزَّمَّارَة التي سمعها ابن عمر زمَّارة الرُّعاة وهو محمولٌ على غير الشَّبَّابَة، ا. هـ.

وتعقَّب ذلك الأذرعي فقال: إنْ كان يصفر بها كالأطفال والرُّعاة على غير قانون بل صفيرًا مجرَّدًا على نمطٍ واحد فقريب عدم الحرمة فيها، وإنْ كان المسافر أو الراعي يصفر فيها على القانون المعروف من الإطراب فهي حَرامٌ

_________________________________________

(1) هكذا في المطبوع وفي المخطوط (تكره الشَّبَّابَة فِي الحضر أي تحريما، أي وتباح للراعي وفي السفر). (2) قول الماوردي في " الحاوي " (17/ 192): "فأمَّا الشَّبَّابة: فهي في الأمصار مكروهةٌ؛ لأنها مُستَعمَلة فيها للسخف والسَّفاهة، وهي في الأسفار والرعاة مباحة؛ لأنها تحثُّ على السير وتجمَع البهائم إذا سرحت".


مطلقًا، بل هي أجدَرُ بالتحريم من سائر المَزَامِير المتَّفَق على تحريمها؛ لأنها أشدُّ إطرابًا وهي شعار الشَّرَبة وأهل الفِسق، ا. هـ.

(تَنْبِيه رابع) إذا تأمَّلت ما ذكَرْناه [ز1/ 28/أ] فِي تقرير الحديث والأجوبة عنه بانَ لك واتَّضَح اندِفاعُ ميل البلقيني إلى مُتابَعة الرَّافِعِيِّ، وقوله: لا يثبت التحريم إلا بدليلٍ مُعتَبر ولم يُقِمِ النَّووي دليلاً على ذلك، اهـ، واندِفاع قول التاج السبكي فِي "توشيحه" (1): لم يقمْ عندي دليلٌ على تحريم اليَرَاع مع كثْرة التتبُّع، والذي أراه الحلُّ، فإنِ انضمَّ إليه محرَّم فلكلٍّ منهما حكمُه، ثم الأولى عندي لِمَن ليس من أهل الذَّوق الإعراضُ عنه مطلقًا؛ لأنَّه قد يجرُّه إلى ما لا ينبغي، وأدناه صَرْفُ الوقت فيما غيرُه أهمُّ منه، وحُصول اللذَّة به، وليست اللذَّة النفسانيَّة فِي هذه الدار من المطالب الشرعيَّة، وأمَّا أهل الذَّوق فحالهم مسلَّم إليهم، وهم على حسَب ما يجدون فِي أنفسهم، ا. هـ.

ووجه اندِفاع ما قاله هذان الإمامان أنَّ الحديث السابق صحيحٌ، ودلالته على التحريم واضحةٌ، فأيُّ وجْه لتوقُّفِهما؟ بل بغرض عدم دلالة الخبر على عدم صحَّته (2)، فالقياس حجَّة أي حجة، وقد سبَق فِي كلام الأئمَّة أنَّه دالٌّ بالأولى على تحريم الشَّبَّابَة، ومن ثَمَّ قال الشمس الجوهري عُقَيب ما مرَّ عن البلقيني: ويمكن أنْ يُستَدلَّ بالقياس على الآلات المذكورة لاشتراكه

_________________________________________

(1) ابن السبكي: عبدالوهاب بن تقي الدين علي بن عبدالكافي تاج الدين أبو نصر المصري الأديب الشافعي وُلِدَ سنة 727 وتُوفِّي سنة 771 إحدى وسبعين وسبعمائة صنَّف "الألغاز"، "تشحيذ الأذهان على قدر الإمكان في الرد على البيضاوي"، "التوشيح في الفقه"، "جمع الجوامع في الأصول"، "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب"، "السيف المشهور في عقيدة أبي منصور"، "شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي"، طبقات الفقهاء الشافعية، "معيد النعم ومبيد النقم" ... وغير لك؛ (هدية العارفين للباباني). (2) هكذا في المخطوط وفي المطبوع (بل يفرض عدم دلالة الحديث وعدم صحته).


معها فِي كونه مُطرِبًا، بل ربما كان الطرب الذي فيه أشدَّ من الطرب الذي فِي نحو الكمنجة والربابة ونحوهما، فهو إمَّا [قياس] (1) الأولى أو المساواة بالنسبة إلى المذكورين، وهما حرامٌ بلا خلاف، ا. هـ.

ثم [قول] (2) السبكي: ثم الأولى عندي لِمَن ليس من أهل الذَّوق ... إلخ، إنما يأتِي على ما زعَم أنَّه الذي يظهَر وهو الحِلُّ، أمَّا على الحرمة التي هي منقول المذهب ومُعتمَد أكثر أئمَّته أو كلهم على ما مرَّ فلا يفتَرِق الحال فيها بين أهل الذوق وغيرهم، بل أهل الذوق أشدُّ الناس تَعصُّبًا عن مواطن الشُّبهات فَضْلاً عن المحرَّمات، اللهم إلا لِمَن غلَبَه حال حتى صار لا شُعورَ له، وشهدت قرائنُ أحواله على ذلك، فهذا لا تكليفَ عليه الآن حتى يعترض عليه، وقد سبَق أنَّ الجنيد وتَبِعَه الأئمَّة جعل السَّماع حَرامًا على العَوام؛ لبَقاء نفوسهم، مُباحًا للزُّهَّاد؛ لحصول مُجاهَدتهم، مُستَحبًّا للعارفين؛ لحياة قلوبهم.

قال التاج السبكي: والظاهر أنَّه لم يُرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنَّه لا ينبغي وفيه نظر؛ لما مرَّ أنَّ الغناء ونحوه قال بتحريمه كثيرون من أئمَّتنا [ز1/ 28/ب] وغيرهم، فلعلَّ الجنيد يرى تحريمه على العوام فقط؛ لأنَّه يجرُّهم إلى الفتنة والوقوع فِي المعصية سريعًا بخلاف القسمَيْن الآخرَيْن.

(فائدة) وقَع فِي "العزيز"؛ للرافعي أنَّه قال: رُوِي أَنَّ داود النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كانَ يضربُ باليراعِ في غنمه، قال شيخ الإسلام فِي تخريج أحاديثه: لم أجده (3)، وبهذا يُعلَم خطأُ صاحب هذا الكتاب وغيره؛ حيث

_________________________________________

(1) في (ز2): بالقياس. (2) في (ز2): قال. (3) "تلخيص الحبير" (4/ 370).


أخَذُوا من ذكر الرَّافِعِيِّ له الاحتجاجَ به على حِلِّ الشَّبَّابَة، على أنَّه لو صَحَّ لم يكن فيه ذلك؛ إذ شريعةُ مَن قبلنا ليست بشريعةٍ لنا؛ لأنَّه إمَّا ورَد فِي شرعنا ما يُنافِيها فواضحٌ، أو ما يوافقها فالحجَّة فِي شرعنا دون غيره.

(تَنْبِيه خامس) قال فِي "المهمَّات": اليَرَاع بفتحة التحتيَّة وتخفيف الراء وبالمهملة جمع (يراعة) اسم جنس واحدُه (يراعة) قاله النووي فِي "تهذيبه"، وقال الجوهري: اليَرَاع القصب، واليَرَاعة القصبة، إذا علمت ذلك علمت أنَّ اليَرَاع مُتعدِّد، وحينئذ فكيف يصحُّ تفسيره - أي: الواقع فِي "الروضة" وغيرها - بالشَّبَّابَة؟ ا. هـ (1).

ويُجاب بأنَّه تفسيرٌ باعتبار مُفرَده، وقد يقع مثل ذلك كثيرًا (2).

  • * * * *

_________________________________________

(1) اليَراعُ: جمع (يَراعَة)، وهو ذُبابٌ يطيرُ بالليل كأنَّه نارٌ، واليَراعُ: القصبُ، واليَراعَةُ: القصبةُ، ويُقال للجبان: يَراعٌ ويَراعَةٌ، وأمَّا قول أبي ذؤيب يصف مِزمارًا: سَبِيٌّ مِنْ يَرَاعَتِهِ نَفَاهُ = أتِيٌّ مَدَّهُ صُحَرٌ وَلُوبُ فيُقال: إنَّه أرادَ باليَراعةِ الأجمةِ؛ "الصحاح فِي اللغة"؛ للجوهري، مادة "يرع". (2) "روضة الطالبيين" (11/ 229).




القسم الحادي عشر: الموصول[عدل]

قال الكمال ابن أبي شريف فِي "الإسعاد" (1): وليس من محلِّ اختِلاف الشيخين القصب المسمَّى بالموصول؛ لأنَّه يُضرَب به مع الأوتار، وهو من شعار شارِبِي الخَمْر كما لا يَخفَى على مَن اطَّلَع على أحوالهم، وقد قال الرافعي: ليس المراد باليَراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به مع الأوتار حَرامٌ بلا خلافٍ، ا. هـ (2)، وقيل: وأوَّل مَن اتَّخذ المزَامِير بنو إسرائيل.

  • * * * *

_________________________________________

(1) ابن أبي شريف: محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف مسعود بن رضوان المري كمال الدين المقدسي الشافعي وُلِدَ سنة 822 وتُوفِّي سنة 905 خمس وتسعمائة، من تصانيفه "إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى"، "الإسعاد بشرح الإرشاد للمقري في الفروع"، "التاج والإكليل على أنوار التنزيل للبيضاوي"، "درر اللوامع شرح جمع الجوامع للسبكي" في الأصول، "شرح الإرشاد للنووي" في الأصول، "شرح الشفا للقاضي عياض"، "صوب الغمامة في إرسال طرف العمامة فيض الكرم على عبيد القوم في نظم الحكم. (2) وهذا أيضًا نفس كلام النووي في "الروضة" (11/ 228) طبعة المكتب الإسلامي، حيث قال: "وفي اليَراع وجهان: صحَّح البغوي التحريم، والغزالي الجواز، وهو الأقرَبُ، وليس المراد من اليراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يضرب به الأوتار حرامٌ بلا خلاف، قلت: الأصحُّ أو الصحيح تحريمُ اليراع، وهو هذه الزمارة التي يُقال لها: الشبابة، وقد صنَّف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابًا في تحريم اليراع مشتملاً على نفائس، وأطنَبَ في دلائل تحريمه، والله أعلم. أمَّا الدف فضربُه مباحٌ في العرس والختان، وأمَّا في غيرهما فأطلق صاحبُ "المهذب" والبغوي وغيرهما".




القسم الثاني عشر: المِزْمَار العِرَاقِي وما يُضرَب به مع الأَوْتَار[عدل]

[قال الرافعي في "العزيز" والنووي في "الروضة": المزمار العراقي وما يضرب به مع الأوتار] (1) حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، انتهى.

ولفظُه [مع ما وقَع] (2) فِي نسخةٍ مُعتمَدة من نسخ "العزيز"، والموجود فِي كثيرٍ من النسخ: وما يُضْرَبُ به الأوتار، والنسخة الأولى هي الصواب كما أشار إليه الزركشي، فإنَّ عبارة الشيخين: وليسَ المُرَادُ من اليَرَاع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به مع الأوتار (3) حرامٌ بلا خلافٍ، انتهت.

فلا مُناسبة لذِكر ذوي الأوتار مع مَزامِير القصب، قال الزركشي: وقد راجعت كلامَ الغزالي الذي أخَذ الرَّافِعِيُّ هذا منه فوجدته إنما ذكر ذلك [ز1/ 29/أ] تفسيرًا للمِزمار العراقي، فقال بعد حكاية الوجهين فِي اليَرَاع: ولا نعني به المِزْمَار الذي يُسمَّى العراقي ويُضْرَبُ مع الأَوْتَارُ، فإنَّه حرامٌ؛ يعني: بِلاَ خِلاَفٍ، وكذا حًكاه عنه صاحب "الذخائر" كما سبق، ا. هـ.

(تَنْبِيه) استدلَّ الأصحاب لتحريم المِزْمَار بأنَّه من شعار شرَبَة الخمور نظيرَ ما يأتي في الأوتار، واعترض بأنَّ الغالب أنهم لا يحضرونه؛ فإنَّ فيه إظهارًا لحالهم، ا. هـ.

قال الأذرعي: وهذا باطِلٌ، بل يحضرونه فِي مكانهم الذي لا يظهر فيه أصوات المَعَازِف ويظهره أربابُ الولايات المُتَجاهِرون بالفسق، وصرَّح

_________________________________________

(1) سقط من (ز2). (2) في (ز1): مع هو ما، والمثبت من (ز2). (3) هنا زيادة في (و1): وما تضرب الأوتار، وليس لها محلٌّ هنا.


[العمراني] (1) وغيرُه بتحريم سائر المَزَامِير وهي تشمَلُ الصرناني وهي قصبة ضيِّقة مُتَّسعة الآخِر يزمر به فِي المواكب وعلى النقارات وفي الحرب، وتشمل [الكرجة] (2) وهي مثل الصرناني إلا أنَّه يُجعَل فِي أسفل القصبة قطعة نحاس معوجَّة يزمر بها فِي أعراس البوادي وغيرها وتشمل الثاني وهي أطرب من الأوَّلين وتشمَلُ المقرونة وهي قصَبتان ملتفَّتان.

(فائدة) أخرج الديلمي عن جابر - رضِي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذَا كانَ يوم القيامة قال الله - عزَّ وجلَّ -: أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعهم وابصارهم عن مَزامِير الشيطان؟ ميِّزوهم، فيُميِّزوهم في كثب المِسك والعَنبر، ثم يقول لملائكته: أسمِعُوهم تسبيحي وتمجيدي، فيسمَعُون بأصواتٍ لم يسمع السامعون مثلها)) (3)، ومرَّ فِي المقدمة حديث أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((صَوْتانِ مَلعُونانِ في الدُّنيا والآخِرَة: مِزْمارٌ عندَ [نعمةٍ]، ورَنَّةٌ عندَ مُصِيبَةٍ)) (4)، وحديث: ((أُمِرتُ بهدْم الطَّبل والمِزْمَار)) (5).

  • * * * *

_________________________________________

(1) في (ز2): الغزالي. (2) في (ز2): الكوبة. (3) أخرجه بنحوه ابن الجعد في "مسنده" (1682)، وابن المبارك في "الزهد" (43)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 151) إلى محمد بن المنكدر. (4) أخرجه الضياء في "الأحاديث المختارة" (6/ 189)، وأورده أبو شجاع الديلمي في "الفردوس" (2/ 400)، والمنذري في "الترغيب والترهيب" (4/ 184)، ونور الدين الهيثمي في "المجمع" (3/ 13) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - وقال المنذري، والهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات. (5) أورده الديلمي في "فردوس الأخبار" (1/ 483) ط دار الريان.




القسم الثالث عشر: الأوتار والمعازف[عدل]

كالطُّنْبُور والعُود والصَّنْج أي: ذي الأوتار والرباب (1) والجَنْك (2) والكمنجة والسنطير والدِّرِّيجُ (3)، وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسَّفاهة والفُسوق، وهذه كلُّها محرَّمة بلا خِلاف، ومَن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هَواه، حتى أصمَّه وأعماه، ومنعه هداه، وزلَّ به عن سنن تَقواه.

وممَّن حكَى الإجماع على تحريم ذلك كلِّه الإمام أبو العباس القرطبي وهو الثقة العدل فإنَّه قال كما نقَلَه عن أئمَّتنا وأقرُّوه: أمَّا َالمَزَامِير والكُوبَة فلا يُختَلف فِي تحريم سماعها ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قوله من السلف [ز1/ 29/ب] وأئمَّة الخلف مَن يبيح ذلك، وكيف لا يُحرَّم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج للشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يُشَكَّ فِي تحريمه ولا فِي تفسيق فاعله وتأثيمه.

وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك أيضًا إمامُ أصحابنا المتأخِّرين أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (4)، فإنَّه قال فِي "تقريبه" بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم

_________________________________________

(1) (الرباب) السحاب الأبيض واحدته ربابة وآلة وتريَّة شعبيَّة ذات وترٍ واحد؛ "المعجم الوسيط". (2) (الجنك) الطُّنبُور وهو آلةٌ من آلات الطَّرب؛ "المعجم الوسيط"، وقال الزبيدي في "تاج العروس" الجَنْك: هو آلَةٌ يُضرَبُ بها كالعُودِ". (3) والدِّرِّيجُ: شيءٌ يُضرَب به ذو أوتارٍ كالطَّنبور؛ "العين"؛ للخليل بن أحمد. (4) الرازي: سليم بن أيوب بن سليم الرازي أبو الفتح الفقيه الشافعي نزيل دمشق تُوفِّي غريقًا سنة 447 سبع وأربعين وأربعمائة، له "الإشارة في الفروع"، "روح المسائل في الفروع"، "ضياء القلوب في تفسير القرآن"، "غريب الحديث"، "الكافي في الفروع"، "المجرد في الفروع" جرَّدَها من تعليقة شيخه أبي حامد؛ "هدية العارفين".


الكُوبَة، وفي حديث آخَر: أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبةٍ (1)، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع، ا. هـ.

(تَنْبِيه) اعتُرضِتْ حكاية الإجماع بأنَّ الماوردي من أكابر أصحابنا قال فِي "حاويه": إنَّ بعض [أصحابنا] (2) كان يخصُّ العُود بالإباحة من بين الأوتار ولا يحرمه؛ لأنَّه موضوع على حركات تنفي الهمَّ وتزيد فِي النَّشاط، ويُقال: إنَّه ينفَعُ من بعض الأمراض، وبأنَّ ابنَ طاهر حَكاه عن إجماع أهل المدينة وعَنْ صاحب "التَّنْبِيه" الإمام أبي إسحاق الشيرازي قال: وكان مذهبه أنَّه مشهورٌ عنه، وأنَّ أحدًا من عُلَماء عصره لم يُنكِرْه عليه، وهذا الاعتِراضُ باطلٌ سفساف لا يُعوَّل عليه، أمَّا ما فِي "الحاوي" فقد عقَّبَه الماوردي بما [يزيفه] (3) ويردُّه ويبيِّن أنَّه لا يُعتَدُّ به ولا يُحكَى إلا لردِّه، فإنَّه قال في "الحاوي" عقبه: وهذا لا وجْه له؛ لأنَّه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله - تعالى - وعن الصَّلاة، وإنْ تميَّز به الأماثل عن الأراذِلِ (4).

وتابَعَه الروياني فِي "البحر" على ردِّ هذا الوَجْه وتزييفه، وأمَّا زعْم أنَّه ينفَع لبعض الأمراض فقد جعَلَه الأسنوي مُقوِّيًا لذلك الوجْه؛ فقال بعد قول الشيخين: إنَّ ما مَرَّ حرامٌ بلا خِلافٍ، وإطلاقهما عدم الخلاف ليس كذلك؛ فقد حكى الماوردي والروياني فِي "البحر" وجهًا أنَّ العُود بِخُصوصه حَلال؛ لما يقال: إنَّه ينفَعُ بعض الأمراض، اهـ، واعتَرضَه

_________________________________________

(1) لم أقفْ عليه، وأورَدَه أيضًا المصنِّف في "الزواجر"، (الكبيرة السادسة والأربعون). (2) في (ز2): العلماء. (3) في (ز2): يرفعه. (4) نصُّ كلام الماوردي في "الحاوي" (17/ 193) طبعة دار الفكر: "وكانَ بعضُ أصحابِنا يخصُّ العود من بينها ولا يُحرِّمه؛ لأنَّه موضوعٌ على حركاتٍ نفسانيَّة تَنفِي الهم، وتُقوِّي الهمَّة وتزيد في النشاط، وهذا لا وجْه له؛ لأنَّه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة، وإنْ تميَّز به الأماثل عن الأراذلِ".


المتعقِّبون لكلامه بأنَّ حِكايته لهذا الوجهِ على هذا المَهيَع (1) باطلةٌ من وجهين:

أحدهما: أنَّه إذا كان مُعلَّلاً بنَفعِه لبعض الأمراض فينبغي تقييدُ الإباحة لِمَن به ذلك المرض دُون غيره، فإطْلاق حِكايته غَلَطٌ فاحش.

الثاني: إذا أُبِيحَ لحاجة المرض فلا ينبَغِي أنْ يقتَصِرَ على حِكايته وجهًا، بل يحرم بِجَوازِه [ز1/ 30/أ] كما يجوزُ التَّداوِي بالنَّجِس، وقد جزَم الحليميُّ فِي "منهاجه" بأنَّ آلات اللهو إذا كانت تنفَعُ من بعض الأمراض أُبِيحَ سماعها، قال ابن العماد: والذي قاله مُتعين، انتهى.

والحاصل أنَّه متى شَهِدَ طبيبان عدلان أنَّ هذا المرض بِخُصوصه ينفَع فيه العُود وانحصَر النفع بأنْ لم يوجد دَواء حَلال ينفَع فيه غيره جازَ استِماعُه ما دام ذلك المرض باقيًا، كما صرَّحوا بذلك فِي التداوي بالنَّجِسِ - غير محض الخَمْر - فإنَّه يجوز عندنا بهذه الشُّروط التي ذكرتها، وإذا وُجِدتْ أبيح العُود حينئذٍ للضرورة كما يُباح أكل الميتة للمضطرِّ، وحينئذٍ فلم يتحقَّق لنا وَجْهُ قائلٍ لجواز العُود على إطلاقه.

وأمَّا ما حَكاه ابن طاهر من إجماع أهل المدينة فهو من كَذِبه وخُرافاته؛ فإنَّه - كما مرَّ - رجلٌ كذَّاب يَروِي الأحاديث الموضوعة ويتكلَّم عليها بما يُوهِم العامَّة صحَّتها، كما مرَّ فِي مبحث الغناء والرقص، وأيضًا فهو مُبتدِع إباحي لا يُحرِّم قليلاً ولا كثيرًا؛ ومن ثَمَّ قال بعضهم فيه: إنَّه رجسُ العقيدة نجسُها، ومَن هذا حالُه لا يُلتَفتُ إليه ولا يُعوَّل عليه؛ ومن ثَمَّ قال الأذرعي عَقِبَ حكايته الباطلة الكاذبة عن إجماع أهل المدينة وعَن الشيخ أبي

_________________________________________

(1) المَهْيَع - من الطُّرُق -: البيِّن، وقِيل: وهو الطريق الواسع الواضح؛ "جمهرة اللغة"؛ لابن دريد، "المعجم الوسيط".


إسحاق: وهذا من ابن طاهر مجازفةٌ، وإنما فعَل ذلك بالمدينة أهلُ المجانة والبطالة، ونسبة ذلك إلى صاحب "التَّنْبِيه" كما رأيته فِي كتابه بالسماع نسبةٌ باطلة قطعًا، كيف وقد قطَع فِي "مهذبه" هنا وفي الوصايا بتحريم العُود، وهو قضيَّة ما فِي "تنبيهه"، ومَن عرف حاله وشدَّة ورعه ومتين تَقواه جزَم ببُعدِه ونَزاهته وطَهارة ساحته من ذلك، وكيف يظنُّ ذو لبٍّ فِي هذا العابد القانت أنْ يقول فِي دِين الله ما يفعل ضدَّه مع ما فِي ذلك من غَلِيظ الذم والمقت، وكلُّ مَن ترجَمَه لم يذكُر شيئًا من هذا - فيما نعلَمُ.

ومن المجازفة قولُ ابن طاهر: إنَّ ذلك مشهورٌ عنه، ودعوى ابن طاهر أنَّ ذلك إجماعُ أهل المدينة من [جرَّاء] (1) دَعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء، والهوى يُعمِي ويصمُّ، اهـ.

وقال الزركشي عَقِبَ اعتراض الأسنوي على الشيخين نفيهما الخلاف في سائر الأوتار السابقة بحكاية ابن طاهر عن الشيخ أبي [ز1/ 30/ب] إسحاق [ما مرَّ قلت: هذا تلبيسٌ من الأسنوي قلَّد فيه صاحبه الكمال الأُدفوي فِي كتابه "الإمتاع"، ولا تجوزُ حكاية هذا عن الشيخ أبي إسحاق] (2) فإنَّ ابن طاهرٍ مُتكلَّمٌ فيه عند أهل الحديث بسبب الإباحة وغيرها، وقد قطع الشيخ أبو إسحاق فِي "المُهَذَّبِ" هنا وفي الوصايا بتحريم العُود وهو أتْقى لله من أنْ يقول فِي دِين الله شيئًا ويفعل ضدَّه، ا. هـ.

وإذا تأمَّلت ما تقرَّر فِي هذا التَّنْبِيه علمت أنَّ قول صاحب ذلك الكتاب: وذهبت طائفةٌ إلى جَواز سماع العُود وما جَرَى مَجراه من الآلات المعروفة ذوات الأوتار كذبٌ صريح وجهلٌ قبيح؛ لما مرَّ أنَّ ذلك محرَّم بالإجماع،

_________________________________________

(1) في (ز2): حيز. (2) ما بين المعقوفين سقط من (ز2).


وأنَّه لم يقعْ خلافٌ إلا فِي العُود، وأنَّ ذلك الخلافَ باطلٌ لا يُعتَدُّ به فِي حكاية الإجماع.

وقوله: ونقل سماعه عن فلان وفلان وذكر جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين وغيرهم ... جوابه: أنَّ هذا كلَّه نقلٌ باطلٌ، واحتجاجٌ بالتمويهات والتلبيسات، وكيف يسوغ لِمُتديِّن - فضلاً عمَّن يدَّعِي التصوُّف والمعرفة - أنْ يحتجَّ على تَعاطِي الأشياء المحرَّمة عند أئمَّة المذاهب الأربعة وغيرهم بمجرَّد قوله ونقل سماعه عن فلان وفلان، ما ذاك إلا غَباوة ظاهرة وجهْل مُفرِط؛ لأنَّ اللائق بِمَن يُرِيدُ أنْ يفعل شيئًا يُخالِف فيه المشهور المقرَّر فِي مذاهب العلماء أنْ يحتجَّ عليهم بنقلٍ صريح أو حديث صحيح؛ لأنَّه إمَّا أنْ يكون مجتهدًا أو مُقلِّدًا، فإنْ كان مجتهدًا بيَّن أوَّلاً أنَّ المسألة غير مُجمَع عليها، وأثبت النقل بطريقِه المعتبرة عند أئمَّة الحديث وغيرهم، عمَّن يُعتَدُّ به أنَّه لا إجماع فِي المسألة، ثم بيَّن حجَّته من كتابٍ أو سنَّة أو غيرهما بطَرائِقه [المعتبَرة] (1) عند أئمَّة الأصول وغيرهم، وإنْ كان مُقلِّدًا بيَّن صحَّة الحِلِّ عند أحدٍ من العلماء المجتهِدين ثم قال: أنا مقلدٌ لهذا الإمام حتى يرتَفِع الإنكار عنه، وأمَّا مجرَّد قوله نقل فهذا كلام لغو لا يُفِيد شيئًا إلا فِي غرَضِه الفاسد، وهو ترويجُ أفعالِه وأقولِه الباطلة الكاذبة على مَن لا يُفرِّقون بين نقلٍ [صحيحٍ]، ويعتَقِدون أنَّ الكلَّ من وادٍ واحدٍ، وهيهات! ليس الأمر بالهُوَيْنَى كما يظنُّ هذا الرجل وأضرابه، بل بينه وبين إثبات الحلِّ [ز1/ 31/أ] عن واحدٍ ممَّن ذكر [مفاوز] (2) تُقطَع دونها الأعناق؛ إذ لو أقام طول عُمرَه يفحَص ويُفتِّش ما ظفر بنقل الحِلِّ من طريق صحيح عن

_________________________________________

(1) في (ز2): المقرَّرة. (2) في (ز2): مَقام.


واحدٍ من العلماء فضلاً عن هؤلاء الكثيرين الذين عددهم بمجرَّد الدعاوى الكاذبة منه، وممَّن سبقه إلى ذلك كابن حزم (1) وابن طاهر وليته عرف حال هذين الرجلين ليتجنَّب متابعتهما، فإنَّ كلاًّ منهما مبتدعٌ ضالٌّ.

أمَّا ابن حزم فـ[إنَّ] العلماء لا يُقِيمون له وزنًا كما نقَلَه عنهم المحقِّقون؛ كالتاج السبكي وغيرهم؛ لأنَّهم أصحاب ظاهريَّة محضة تَكادُ عقولهم أنْ تكون مُسِختْ، ومَن وصل إلى أنَّه يقول: إنْ بال الشخص فِي الماء تنجَّس، أو فِي إناءٍ ثم صبَّه فِي الماء لم يتنجَّس، كيف يُقامُ له وزنٌ ويُعَدُّ من العُقَلاء فضلاً عن العلماء؟! ولابن حزم هذا وأضرابه من أمثال هذه الخرافات الشيء الذي لا ينحَصِر، ومَن تأمَّل عِلَلَه ونحله وكذبَه على العلماء سيَّما إمام أهل السنَّة أبي الحسن الأشعري عَلِمَ أنَّ الأولى به وبأمثاله أنْ يكونوا فِي حيِّز الإهمال [وعدم رفع رأس لشيءٍ صدَر منهم] (2).

وأمَّا ابن طاهر فإنَّ العلماء بالَغُوا فِي تضليله وتسفيهه بما مرَّ بعضه ويأتي بعضه، من ذلك أنَّه رجس العقيدة نجسها، فإنَّه رجل إباحي لا يتقيَّد بدليلٍ ولا يعول على تعليلٍ، بل كلَّ ما وسوس له الشيطان اتَّخذه مذهبًا، وبَرهَن عليه بالأشياء التي يعتقد كذبها، وإنما يُموِّه على مَن لا علمَ عنده ليُوهمه صحَّة ذلك، نظير ما مرَّ له فِي الحديث الباطل الكَذِب الموضوع المُختَلق

_________________________________________

(1) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي، أبو محمد المعروف بابن حزم المحدث صاحب التصانيف المشهورة، كان ظاهريَّ المذهب، وقد تكلَّم فيه كلُّ أحدٍ ما خلا أهل الحديث، فإنهم أثبَتُوا على حفظه، كان إمامًا عارفًا بفنون الحديث، إلا أنَّه كان صاحب لسانٍ خبيث، ويقع في حقِّ العلماء الأعلام حتى صار مثلاً، فيُقال: نعوذ بالله من سيف الحجاج ولسان ابن حزم؛ "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"؛ لابن تغري بردي. (2) في (ز2): وعدم رأس الشيء لما صدر منهم.


الذي فِيه نسبة الرقص إليه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنَّه أسقط ذكر واضعة ومختلقه، وذكر بعض رواته الذين لا مَطعَن فيهم؛ ليوهم الناس أنَّه حديث صحيح، ومَن وصلت جهالته وسفاهته إلى هذا الحد، كيف يُعوَّل عليه أو يُلتَفت إليه؟ مَن يَزعُم أنَّ له أدنى مسكة من دِين الله فضلاً عن ورَع.

وقول صاحب ذلك الكتاب: إنَّ الحلَّ نُقِلَ أيضًا عن أكثر فقهاء المدينة، وهذا غاية فِي الكذب والتدليس، لأنَّه إن قلد ابن طاهر فِي النقل، فابن طاهر إنما عبَّر بإجماع أهل المدينة لا بأكثرهم، وإن قلَّد العلماء فِي تكذيب ابن طاهر فِي هذا النقل فأهل المدينة بريئون [ز1/ 31/ب] من نسبة ذلك إليهم، فترْك هذا الرجل هاتين المقالتين واختراعُه النقلَ عن أكثر المدينة غايةٌ فِي سُوء الصَّنيع المبنيِّ على التلبيس، وحال هذا الرجل يَأبَى صُدور مِثلِ ذلك عنه، لكن الهوى يوجب أكثر من ذلك؛ قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (1) الآية، قوله: ونقل عن مالك سماعه، وليس ذلك بالمعروف عند أصحابه، كأنَّه لم يطالع "تفسير القرطبي" فِي سورة الروم، ولا "المسالك"؛ لابن فضل الله فِي مبحث المغنين المأخوذ منه ردُّ ذلك المحكيِّ بأنَّه اشتباه، فإنَّ شخصًا اسمه مالك فِي زمَن الإمام كان مغنِّيًا، وبفرْض صحَّة ذلك - وهو بعيدٌ جدًّا - فالعبرة بآخِر أحوال الأئمَّة وأقوالهم.

والحاصل: أنَّه لا حجَّة له فِي هذا النقل عن مالك مطلقًا، فكان اللائق صَوْن إمامه عن هذا الذي أشار إليه، ونقل عن ابن العربي فِي "شرح

_________________________________________

(1) سورة الجاثية: 23.


الترمذي" ما يُوهِم الحلَّ، وليس كذلك كما هو ظاهرٌ بأدنى تأمُّل، وما مثالُ هذا إلا ما فِي أمثال العوام: (الغريق يتعلَّق بالقش).

وقوله: وحكَى إباحته الماوردي عن بعض الشافعيَّة ... هذا من غاية التدليس والبُهت، فإنَّ الماوردي عقَّب هذه الحكاية بتزييف هذا القول وإبطاله كما مرَّ مبسوطًا، وكأنَّ هذا الرجل يظنُّ أنَّ أحدًا لا يتعقَّب كلامه ولا يعترض عليه، وليس كذلك؛ فقد أخبر الصادق المصدوق - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه لا تزالُ طائفة من أمَّته ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة - أي: حِزبه - لا يضرُّهم مَن خالفهم (1)، وبأنَّ الله - تعالى - وعَدَه بأنَّ كلَّ زمنٍ يُوفِّق الله فيه عُدُولاً يحملون العلم وينفون عنه تحريف [الغالين] (2) وإلحاد الملحِدين وشُبَه المبطلين (3).

وقوله: وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: هو من نَظِير ما قبله، قوله: ونقل عن أبي إسحاق الشيرازي أنَّه كان مذهبه وأنَّه مشهورٌ عنه، وأنَّه لم ينقلْ عن أحدٍ من العلماء أنَّه أنكَرَه عليه، حَكاه ابن طاهر المقدسي عنه، جوابه ما سبق أنَّ هذا النقل منه على هذا العالم الرباني كذبٌ صريح، كيف

_________________________________________

(1) متفق عليه: البخاري (7311)، ومسلم (1921) من حديث المغيرة بن شعبة - رضِي الله عنه. (2) في (ز1): العالمين، والمثبت من (ز2). (3) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 209)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 79)، وابن حبان في "الثقات" (4/ 10) من حديث إبراهيم بن عبدالرحمن العذري مرفوعًا، والطبراني في "مسند الشاميين" (599)، والعقيلي في "الضعفاء" (1/ 10) من حديث أَبِي هُرَيْرة مرفوعًا، وابن عدي في "الكامل" (3/ 31)، والعقيلي في "الضعفاء" (1/ 10) من حديث ابن عمر مرفوعًا، والعقيلي في "الضعفاء" (1/ 9) من حديث أبي أمامة بلفظ: ((يَحمِل هذا العِلم من كلِّ خَلَفٍ عدولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطِلِين))، وأورد نور الدين الهيثمي في "المجمع" من حديث أبي هُرَيْرة وعبدالله بن عمر مرفوعًا وقال: رواه البزار، وفيه عمرو بن خالد القرشي، كذَّبَه يحيى بن مَعِين، وأحمد بن حنبل، ونسَبَه إلى الوَضْعِ، قلت: وكلُّ هذه الطرق لا تسلم من علة.


والشَّيْخُ مُصرِّحٌ بتحريم سماع العُود، وأنَّه لا خلاف فيه فِي كتب الفقه، وكيف يُظَنُّ بهذا العبدِ [ز1/ 32/أ] القانت الذي قد اشتهر ورَعُه اشتهارَ الشمس أنْ يُصرِّح فِي كتبه بِحُرمَة شيءٍ من غير خِلافٍ فيه ثم يفعله، ما هو إلا أمر قبيح؛ ومن ثَمَّ بالَغ العلماء فِي تكذيب ابن طاهر فِي ذلك، وأنَّ هذا من جملة خُرافاته وكذباته الشَّنِيعة التي تصدُر عن المجازَفة ورقَّة الدِّيانة، ومن مُبالَغته فِي كَذِبه قوله: إنَّه كان مشهورًا عن الشيخ، وإنَّه لم ينقل عن أحدٍ من العلماء أنَّه أنكَرَه عليه.

ومن تدليس هذا الرجل الناقل عن ابن طاهر أنَّه نقَل كذبه ولم ينقل تكذيب العُلَماء له فِي هذا النقل [أصلاً] (1) ومبالغتهم فِي الردِّ عليه.

قوله: وكان إبراهيم بن سعد الزهري من عُلَماء المدينة يقول بإباحته ولا يُحدِّث حديثًا حتى يضرب به جَوابه، هذا من جُملَة الكذب أيضًا على إبراهيم بن سعد، وقد مرَّ عن القرطبي أنَّه نقل إباحة الغناء عنه شاذٌّ، على أنَّه لو فرض صحَّة ذلك عنه لم يجزْ لأحدٍ تقليده؛ للإجماع على أنَّه لا يُقلَّد إلا مجتهدٌ، وإبراهيم هذا ليس من أهل الاجتهاد كما مرَّ عن القرطبي، فهذا النقل [غير مفيد، ولو] (2) فرض صحَّته عنه فكيف وهو لم يصحَّ، فتأمَّل مجازفةَ هذا الرجل كيف أراد أنْ يُعارِض القرطبي بمجرَّد زعْمه، فقال: وإبراهيم بن سعد أحد شيوخ الشَّافِعِي، وروَى عنه البخاري، وهو إمام مجتهدٌ مشهور عدل بارٌّ لله مأمون، وهذا كلُّه من الجزاف، والكذب، والتلبيس، فإنَّ كونه شيخًا للشافعي وغيره لا يقتَضِي بل ولا يدلُّ من وجهٍ

_________________________________________

(1) في (ز1): وصلا، والمثبت من (ز2). (2) في (ز2): مفيد لو، ومعناه فاسد غير مقصود.


قريبٍ [ولا بعيدٍ أنَّه مجتهد، وكم أخَذ الشافعي عن غير مجتهد] (1) وروى البخاري عن جاهلٍ بمراتب الاجتهاد فضلاً عن التحلِّي بها، فذِكْرُ ذلك غَباوةٌ محضة، وقوله: وهو إمام مجتهد، [هذا كذبٌ] (2) منه؛ لأنَّه إذا تعارَض قول هذا: إنَّه مجتهد، [وقول القرطبي: إنَّه غير مجتهد] (3) مَن الذي يُعتَمد قوله من الرجلين؟ [فشتَّان] ما بينهما، لا سيَّما وهذا الرجل أمَر فِي هذا الكتاب بمتابعة خبيثَيْن مبتدعَيْن كذابَيْن: ابن حزم، وابن طاهر، كلُّ ذلك [لتَرُوج] (4) مَقالته الفاسدة وشُبهته الكاسدة، وتأمَّل مُجازَفته ووُقوعه فِي حقِّ كلِّ العلماء بحِكايته عن إبراهيم بن سعد هذا أنَّه لما ضرْب بالعُود بين يدي هارون، قال له: يا إبراهيم، مَن قال بتحريم هذا [ز1/ 32/ب] من عُلَمائكم؟ قال: مَن ربَطَه الله - تعالى - يا أمير المؤمنين)) (5)، ا. هـ.

_________________________________________

(1) سقط من (ز2). (2) في (ز1): هل أكذب، والمثبت من (ز2). (3) سقط من (ز2). (4) في (ز1): لتدرج، والمثبت من (ز2). (5) هذه القصة ذكرها الصفدي في "الوافي بالوفيات"، وابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق"، والخطيب في "تاريخ بغداد"، والذهبي في "تاريخ الإسلام"، والسخاوي في "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة"، كلهم في ترجمة إبراهيم بن سعد، قال الصفدي: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف المدني، كان من العلماء الثقات، وَلِيَ قضاء المدينة وكان أبوه قاضيها، وكان إبراهيم أسودَ اللون، قدم بغداذ فأكرَمَه الرشيد وأظهر برَّه وسُئِلَ عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه فسمعه يتغنَّى فقال: لقد كنت حريصًا على أنْ أسمع منك فأمَّا الآن فلا أسمع منك، فقال: إذًا لا أفقد إلا شخصك وعليَّ إنْ حدثت ببغداذ حديثًا حتى أغنِّي قبله، وشاعت عنه هذه ببغداذ وبلغَتِ الرشيد فدعا به وسأله عن حديث المخزوميَّة التي قطعها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في السرقة، فدعا بعود، فقال الرشيد: أعود البخور؟ فقال: لا، ولكن عود الطرب، فتبسَّم ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعلَّك بلغك يا أمير المؤمنين حديث السَّفِيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أنْ حلفت؟ قال: نعم، ودعا له بعود فغناه: يَا أُمَّ طَلْحَةَ إِنَّ الْبَيْنَ قَدْ أَزِفَا = قَلَّ الثِّوَاءُ لَئِنْ كَانَ الرَّحِيلُ غَدَا فقال له الرشيد: مَن كان من فُقَهائكم يكرَه السماع؟ قال: مَن ربطه الله، قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شيء؟ قال: أخبرني أبي أنهم اجتمعوا في بني يربوع في مدعاة وهم يومئذٍ جلةٌ ومعهم دُفوف ومَعازف وعيدان يغنون ويلعبون ومع مالك دفٌّ مربع وهو يغنيهم: سُلَيْمَى أَجْمَعَتْ بَيْنَا = فَأَيْنَ لِقَاؤُهَا أَيْنَا الأبيات الثلاثة، فضَحِكَ الرشيد ووَصَله بمال، رواها غيرُ واحدٍ عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصفار، وروى له الجماعة كلهم، وتُوفِّي سنة ثلاث وثمانين ومائة.


فهذه الحكاية لا تصدر عن أدنى السُّوقة فِي حقِّ العلماء، فكيف استَباحَ هذا الذي يَزعُم الدِّين والتصوُّف أنْ يَحكِي ذلك ويشهره للعوام، ليس ذلك إلاَّ لأنَّ المِحنة القبيحة بسَماع الأوتار أخرجَتْه من حيِّز الصِّيانة إلى حيِّز الخِيانة، وعَنْ ساحة الأدب إلى هُون العطَب، ولِمَ لا وقد وقَع فِي حق كلِّ العلماء، وباءَ بسبب ذلك بالخسار والبَوار والعَمى؟ وكيف يستَجِيزُ بعد ذلك أنْ يقلد إمامَه مالكًا ويجعله الواسطة بينه وبين الله - تعالى - وهو قد ربَطَه الله؛ إذ هذه كلمة ذمٌّ لهم؟ وكيف ساغَ لهذا الرجل أنْ يحتجَّ على العُلَماء كلِّهم بكلام، مغنٍّ يضرب بالعُود بين يدي ظالم سبَّ العلماء كلهم لأجْل أنْ يرضيه ويُحسِّن له قبيحه! وكيف يُعقَل منه أنْ يقبل منه وصْف إبراهيم هذا بتلك الأوصاف العليَّة مع هذه المرتبة الدنيَّة؟! إذ غايته أنَّه مغنٍّ عوَّاد لظالم، فإنَّ هذا كلَّه بتقدير صِحَّة ذلك من إبراهيم هذا، وإلا فقد مَرَّ أنَّ هذا الرجل إنما يعتَمِد كذب ابن طاهر الخبيث ويظنُّه حجَّة؛ لأنَّ هَواه أعماه وأصمه حتى أنَّه لم يُفرِّق بين القبيح والحسن، بل لا يألف إلا القبيح؛ لأنَّه الموافق للهوى، وقوله: ونقل الإمام المازري عن عبدالله بن الحكم أنَّه مكروه [جوابه: أنَّه مكروهٌ] (1) كراهةَ تحريم، فإنَّ المجتهدين الذين هم مشايخُ ابن الحكم كالشافعي كثيرًا ما يُطلِقون الكراهة يريدون بها كراهةَ التحريم.

_________________________________________

(1) سقط من (ز2).


وقوله: وحُكِي عن الإمام عز الدين بن عبدالسلام أنَّه مباح، هذه الحكاية كذب صُراح، كيف وهو مُصرِّحٌ فِي كتبه بخلافه! فهو نظير الكذب السابق على أبي إسحاق، ولولا ابتُلِي الناس بهؤلاء الكذَّابين الذين لا مسكة لهم [ولا دِين] (1) لاتَّضَح الحق [وظهر الصدق، فإنَّ الحكمة الإلهيَّة اقتَضتْ ذلك ليظهر المحقُّ من المبطل، ويتحلَّى كلٌّ برداء صِدقه أو كَذِبِه] (2) يومَ العرض الأكبر يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، عافانا الله من ذلك بمنِّه وكرمه آمين.

(تَنْبِيه ثانٍ) استدلَّ أصحابُنا لتحريم الملاهي المذكورة بقوله - تعالى -: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ} (3) [ز1/ 33/أ] فسَّرَه ابنُ عباس والحسن بالملاهي (4)، وبقوله - تعالى -: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (5) فسَّرَه مجاهد: بالغناءِ والمَزَامِير (6).

وبالحديث الصحيح أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليَكوننَّ فِي أمَّتي أقوام يستَحلُّون الخَزَّ والحرير والخَمْر والمعازِف))؛ رواه البخاري تعليقا، ووصَلَه الإسماعيلي وأبو نعيم فِي "المستخرج"، وأبو داود بأسانيد

_________________________________________

(1) في (ز2): في الدين. (2) سقط من (ز2). (3) سورة لقمان: 6. (4) أثر ابن عباس أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (786)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 221)، والطبري في تفسيره (21/ 61) بلفظ (ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) قَالَ: هُوَ الْغِنَاءُ وَأَشْبَاهُهُ. وعند ابن أبي شيبة (4/ 368) بلفظ قال الغناء وشرى المغنية. وأورد أثر الحسن القرطبي في تفسيره (14/ 52) بلفظ: " لَهْو الْحَدِيث الْمَعَازِف وَالْغِنَاء "، وابن كثير في تفسيره (3/ 443) بلفظ الْغِنَاء وَالْمَزَامِير. (5) سورة الإسراء: 64. (6) أثر مجاهد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (3/ 298) بلفظه، والطبري في "تفسيره" (15/ 118) بلفظ: الغناء واللهو.


صحيحة (1)، والمَعَازِف آلات اللهو، وبهذا الذي تقرَّر من صحَّة الحديث من هذه الطُّرق الكثيرة اندَفَع قولُ ابن حزم: إنَّ الحديث منقطعٌ ولا حجَّة فيه، ولو فرض أنَّ غير البخاري لم يذكُرْه [لأنَّ] (2) ذكرَه له حجَّة؛ لما قد تقرَّر عند الأئمة أنَّ تعليقاته المجزوم بها صحيحة، على [أنَّ] بعضَ الحفَّاظ قال: طرقه المذكورة كلُّها صحيحة لا مَطعَن فيها، وقد صحَّحه جماعةٌ [آخَرون] من الأئمَّة الحفَّاظ، على أنَّ ابن حزم ذكَر فِي موضعٍ آخَر أنَّ قول العدل الراوي إذا روَى عمَّن أدرَكَه من العُدول فهو على اللقاء والسَّماع، سواء قال: أنبأنا، أو حدثنا، أو عن فلان، أو قال فلان، فكلُّ ذلك منه محمولٌ على السماع، ا. هـ.

فتأمَّل كيف ناقضَ نفسه، فإنَّه لَمَّا ذكَر عن البخاري أنَّه روَى فِي صَحِيحه فِي الأشربة قولَه: قال هشام ابن عمَّار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ... وساق سندَه إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري أنَّ رسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لَيكُونن في أمَّتي أقوامٌ يستَحِلُّونَ الحر)) (3)؛ أي: بكسْر الحاء المهمَلة وفتْح الرَّاء مع التَّخفِيف؛ أي: الزنا، فإنَّ الحِرَ اسمٌ لفرج المرأة، ا. هـ.

قال - أعني: ابن حزم -: هذا حديثٌ منقطعٌ غير متَّصل، فلا يستدلُّ به، بل حمَلَه تعصُّبه لمذهبه الفاسد الباطل فِي إباحة الأوتار وغيرها إلى أنَّ حكَم على هذا الحديث وكلِّ ما ورد فِي الملاهي بالوضع، وقد كذب فِي ذلك

_________________________________________

(1) أخرجه البخاري (5590) معلقًا باب ما جاء فيمَن يستحلُّ الخمر ويُسمِّيه بغير اسمه، وأبو داود (4039)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 221)، "والشعب" (5115)، وصحَّحه ابن حبان (6754) من حديث أبي مالك الأشعري - رضِي الله عنه. (2) في (ز2): كان. (3) سبق تخريجه.


وافترى على الله وعلى نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وشريعته الغرَّاء، كيف وقد صرَّح الأئمَّة الحفَّاظ الذين هم أُمَناء الله على شريعة نبيِّهم - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتصحيح كثيرٍ من الأحاديث الواردة فِي ذلك كما قدَّمته، ولقد قال بعض الأئمَّة الحفَّاظ: إنَّ ابن حزمٍ إنما صرَّح بذلك تقريرًا لمذهبه الفاسد فِي إباحة الملاهي، وليس كما زعَم وافترى فقد صحَّح ذلك الحديثَ جماعةٌ كثيرون [ز1/ 33/ب] من الأئمَّة الحفَّاظ، ووقَعَ من حديث عَشرةٍ من أصحاب هشام عنه، بل ولم ينفَرِد به كلٌّ من هشام وصدقة وابن جابر؛ أي: فالحديث مشهورٌ عن غيرِ رُواة البخاري أيضًا، وبهذا يتَّضِح لك بُطلان كلامِ ابن حزمٍ، وأنَّ تعصُّبه لمذهبه الباطل أوقَعَه فِي المجازَفة والاستِهتار حتى حكَم على الأحاديث الصحيحة من غير شكٍّ ولا مرية بأنها موضوعةٌ، وقد كذب وافترى؛ ومن ثَمَّ قال الأئمَّة فِي الحطِّ عليه: إنَّ له مجازفات كثيرة، وأمورًا شنيعة نشَأتْ من غِلطه وجُموده على تلك الظواهر، ومن ثَمَّ قال المحقِّقون: إنَّه لا يُقام له وزنٌ، ولا يُنظَر لكلامه ولا يُعوَّل على خِلافه؛ أي: فإنَّه ليس مراعيًا للأدلَّة، بل لما رآه هَواه وغلب عليه من عدم تحرِّيه وتَقواه، ومُبالَغته فِي سَبِّ العلماء وثَلبهم بما أوجَبَ الخزي فِي آخِرته ودُنياه، أعاذنا الله من مثل هذه الأحوال، وبأنها آلةُ شرَبَةِ الخُمور فتَدعُو لشُربِها، وفيه تشبُّه بأهلها، وهو حَرام؛ ولذلك لو رتَّب جماعةٌ مجلسًا وأحضَرُوا آلة الشُّرب وأقداحه، وصبُّوا فيه السكنجبين (1) ونصبوا ساقيًا يَدُورُ عليهم ويسقيهم، ويجيبُ بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم عليهم ذلك؛ لما فيه من التشبُّه بأهل المعصية، وبهذا مع ما مرَّ من الإجماع

_________________________________________

(1) (السكنجبين) شراب مُركَّب من حامضٍ وحلو (مع) فارسيَّته سركانكبين. انظر: "المعجم الوسيط".


على تحريم تلك الآلات يندَفِع قول الغزالي: القياس تحليل العُود وسائر الملاهي، ولكنْ ورد ما يقتضي التحريم، ا. هـ.

ووجْه اندِفاعِه أنَّ ما فيها من المعاني الموجِبة للحُرمة مع صِحَّة الحديث بِحُرمتها وقِيام الإجماع عليها يُلغِي ما قالَه من القياس لو فُرِضت صحَّته، فكيف وهو لم يصحَّ؟! وإنما القياس فيها الحرمة لما عُلِمَ واستقرَّ فِي الشرع من أنَّ وسائل المعاصي مَعاصٍ مثلها، وهذه الآلات كذلك كما تقرَّر، وأصلُ هذا قول إمامِه فِي بعض آلات الملاهي: القياس تحليلُها، فإنْ صحَّ الخبر قُلنا بتحريمه وإلا توقَّفنا، قال بعض شراح "المنهاج": لم يصحَّ، وليس كما زعَم، بل صحَّ الخبر من طُرُقٍ عديدةٍ لا مَطعَن فيها كما سبق.

ثم رأيتُ الغَزالي ذكر ما يدفَع ما مرَّ عنه؛ فإنَّه قال فِي "الإحياء" (1): والمنع من الأوتار كلِّها لثلاث علل:

_________________________________________

(1) قال الغزالي في "الإحياء" (2/ 272) ط دار المعرفة بيروت: ولا يُستَثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورَد الشرع بالمنع منها لا للذَّتها؛ إذ لو كان للذة لقِيس عليها كلُّ ما يلتذُّ به الإنسان، ولكن حُرِّمتِ الخمور واقتضَتْ ضَراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسْر الدِّنان، فحرم معها ما هو شِعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير فقط، وكان تحريمها من قِبَل الأتباع كما حُرِّمت الخلوة بالأجنبية؛ لأنَّها مقدمة الجماع، وحرم النظر إلى الفخذ لاتِّصاله بالسَّوْأتين، وحرم قليلُ الخمر وإنْ كان لا يُسكِر؛ لأنَّه يدعو إلى السُّكر، وما من حَرامٍ إلا وله حريم يطيف به، وحُكم الحرمة ينسَحِب على حريمه ليكون حمًى للحَرام ووقاية له وحظار مانعًا حوله كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ لكلِّ ملك حمًى، وإنَّ حمى الله محارمه))، فهي محرَّمة تبعًا لتحريم الخمر لثلاث علل: إحداها: أنها تدعو إلى شُرب الخمر فإنَّ اللذَّة الحاصلة بها إنما تتمُّ بالخمر، ولمثْل هذه العلَّة حُرِّمَ قليلُ الخمر. الثانية: أنها في حقِّ قريب العهد بشُرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب فهي سبب الذِّكر، والذِّكر سبب انبِعاث الشَّوق وانبعاث الشَّوق إذا قوى فهو سبب الإقدام، ولهذه العلة نهى عن الانتِباذ في المزفت والختم والنقير؛ وهي الآواني التي كانت مخصوصةً بها، فمعنى هذا: أنَّ مشاهدة صُورتها تُذكِّرها، وهذه العلَّة تُفارِق الأولى؛ إذ ليس فيها اعتبار لذَّة في الذِّكر؛ إذ لا لذَّة في رُؤية القنينة وأواني الشُّرب لكنْ من حيث التذكُّر بها، فإنْ كان السَّماع بذِكر الشُّرب تذكيرًا يُشوِّق إلى الخمر عند مَن أَلِفَ ذلك مع الشرب فهو منهي عن السماع لخصوص هذه العلَّة فيه. الثالثة: الاجتماع عليها: لما أنَّ صار من عادة أهل الفِسق فيُمنَع من التشبه بهم؛ لأنَّ مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، وبهذه العلَّة نقول بترك السنَّة مهما صارت شعارًا لأهل البِدعة؛ خوفًا من التشبه بهم. وبهذه العلة حرم ضرب الكُوبة، وهو طبلٌ مستطيلٌ دقيق الوسط واسع الطرفين، وضربها عادة المخنَّثين ولولا ما فيه من التشبيه لكان مثل طبل الحجيج والغزو، وبهذه العلَّة نقولُ: لو اجتمع جماعةٌ وزيَّنوا مجلسًا وأحضروا آلات الشرب وأقداحه، وصبوا فيها الكنجين، ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، فيأخُذون من الساقي ويشربون ويحيِّي بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم - حرم ذلك عليهم، وإنْ كان المشروب مباحًا في نفسه؛ لأن في هذا تشبُّهًا بأهل الفساد، بل لهذا يُنهَى عن لبس القباء وعن ترْك الشعر على الرأس قزعًا في بلادٍ صار القباء فيها من لباس أهل الفساد، ولا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم، فبهذه المعاني حُرِّمَ المزمار العراقي والأوتار كلها؛ كالعود والصنج والرباب والبربط وغيرها، وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرُّعاة والحجيج وشاهين الطبالين وكالطبل والقضيب، وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب؛ لأنَّ كلَّ ذلك لا يتعلَّق بالخمر ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب التشبُّه بأربابها فلم يكنْ في معناها، فبقي على أصل الإباحة قياسًا على أصوات الطيور وغيرها، بل أقول سماع الأوتار ممَّن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضًا، وبهذا يتبيَّن أنَّه ليست العلَّة في تحريمها مجرَّد اللذة الطيِّبة، بل القياس تحليلُ الطيبات كلها إلا ما في تحليله فساد؛ قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، فهذه الأصواتُ لا تحرم من حيث إنها أصواتٌ موزونةٌ، وإنما تحرم بعارضٍ آخَر كما سيأتي في العوارض المحرَّمة.


إحداها: أنها تدعو إلى شُرب الخَمْرِ فإنَّ اللذَّة الحاصلة بها تدعو [لذلك] (1) [ز1/ 34/أ]؛ ولهذا حرم شرب قليله الذي يُقطَع بعدَم إسكاره؛ لأنَّه يجرُّ لكثيره.

الثانية: أنها فِي قريب العهد بشُربه تُذكِّره [محاسنَ] (2) الشُّرب، والذكر سببُ انبِعاث الفُسوق، وانبعاث الفُسوق إذا قَوِيَ سببٌ للإقدام.

والثالثة: أنَّ [الاجتماع] (3) على الأوتار لَمَّا صار من عادة أهل الفسق منع من التشبُّه بهم؛ إذ ((مَنْ تشَبَّه بقومٍ فهو مِنهُمْ)) (4).

_________________________________________

(1) في (ز2): إلى شُرب الخمر. (2) في (ز2): مجالس. (3) في (ز1): الإجماع، والمثبت من (ز2). (4) أخرجه أبو داود (4031)، وأحمد (2/ 50)، وعبد بن حميد (848)، والبيهقي في "الشعب" (1199)، وابن أبي شيبة (6/ 471)، والطبراني في "مسند الشاميين" (216) من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهما - وقال ابن حجر في "الفتح" (6/ 98): (وأبو منيب) لا يُعرَف اسمه، وفي الإسناد عبدالرحمن بن ثابت بن ثَوْبان، مُختَلَف في توثيقه، وله شاهدٌ مُرسَل بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي عن سعيد بن جبلة عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتَمامه، وقال في موضعٍ آخَر من "الفتح" (10/ 271): أخرجه أبو داود بسندٍ حسن، وأخرجه البزار في "مسنده" (7/ 368)، والطبراني في "الأوسط" (8327)، وأحمد بن حنبل في "الورع" (93) من حديث حذيفة، وقال نور الدين الهيثمي في "المجمع" (10/ 271) رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عليُّ بن غراب، وقد وثَّقه غير واحد، وضعَّفه بعضهم وبقيَّة رجالِه ثقاتٌ، وقال المناوي في "فيض القدير" (8593) وقال الصدر المناوي: فيه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيفٌ كما قاله المنذري، وقال السخاوي: سنده ضعيف لكن له شواهد، وقال ابن تيميَّة: سنده جيِّد، وقال ابن حجر في "الفتح": سنده حسن (طس عن حذيفة) بن اليمان، قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه علي بن غراب وثَّقه غيرُ واحد وضعَّفه جمعٌ وبقيَّة رجاله ثقات، ا. هـ، وبه عُرِفَ أنَّ سند الطبراني أمثَلُ من طريق أبي داود.


(تَنْبِيه ثالث) زعَم ابن حزمٍ أنَّه لم يَصِحَّ فِي تحريم العُود حديث، قال: وقد سمعه ابن عمر وابن جعفر، ا. هـ، وابن حزمٍ هذا رجلٌ ظاهري لا يُعتَدُّ بخلافه، ولا يُعوَّل عليه كما صرَّح به الأئمَّة، وقوله: لم يَصِحَّ فِي تحريم العُود حديثٌ ... مبنيٌّ على ما سبق عنه قريبًا فِي حديث البخاري، وقد علم أنَّه حديث صحيح عند أئمَّة الحديث الذين عليهم المعوَّل فِي القديم والحديث، وزَعْمُه أنَّ هذَيْن الإمامين سَمِعَاه من تهوُّره ومُجازَفته؛ ومن ثَمَّ قال الأئمَّة فِي الرد عليه: لم يثبت ما زعَمَه عنهما، وحاشا ابن عمر من ذلك مع شدَّة ورعه وتحرِّيه واتِّباعه وبُعده من اللهو، قالوا أيضًا: وقوله: لم يصحَّ فيه حديثٌ، جمودٌ منه على ظاهريَّته، وفي عُموم الأحاديث الناصَّة على ذمِّ البِدَع والمُحدَثات وإنكارها ما يدلُّ على تحريمه دلالةً ظاهرة لا مَدفَع لها، وإذا تقرَّر لك ما في هذا التَّنْبِيه واللذَيْن قبله مع ما مرَّ فِي مبحث الرَّقص، علمتَ به بُطلان ما نقَلَه بعضُ مَن لا وثوقَ به ولا تعويلَ عليه عن الشيخ عزِّ الدين ابن عبدالسلام أنَّه سُئِلَ عن الآلات كلها فقال: مُباح، قال ابن القمَّاح: يريد أنَّه لم يردْ دليلٌ صحيحٌ من السُّنَّة على تحريمه فسمعه الشيخ فقال: لا أردت أنَّ ذلك مباح، ا. هـ.



وهذا كلُّه كذبٌ مصنوع وباطلٌ موضوع، ومَعاذ الله أنَّ سُلطان العلماء يُبِيحُ ما أجمعَ العلماء على تحريمه، ومَن توهَّم ذلك فيه لم يثقْ بعدُ بكلام عالمٍ قطُّ؛ لأنَّ مثلَ هذا الحبر إذا صرَّح فِي كتُبِه بِحُرمة تلك الآلات كلها وكذب عليه بذلك، واعتمد هذا الكذب مَن لا فهْم له بل ولا دِين، وأقرَّ هؤلاء الكَذَبة على كذبهم - زالت الثقة بالعلماء ومُؤلَّفاتهم، فتعيَّن علينا أنْ نبالغ فِي الردِّ على هؤلاء الذين لا خَلاقَ لهم ولا دِين بِحَجْزِهم عن قَبِيح الافتراء على العُلَماء العامِلين والأئمَّة المحقِّقين، وليت هؤلاء الأشقياء كذَبوا على مَن ليس له تصنيفٌ بين أيدي الناس يرجعون [ز1/ 34/ب] إليه، وأمَّا هذا الإمام فتصانيفه مشهورةٌ منشورة، فهي تكذبهم وتُسفِّه أحلامهم، ومن العجب ما نقَلَه عن ابن القماح أنَّه لم [يردْ] (1) دليلٌ صحيح على تحريم ذلك، وهذا باطل، كيف ومرَّ فيه حديث البخاري، ولكنَّه تبع ابن حزم، وقد مرَّت المبالغة فِي الرد عليه، وأنَّ الخبر صحيح عند الحفَّاظ، وأنَّه مُصرِّح تصريحًا لا يقبَلُ تأويلاً بِحُرمة الآلات كلها كما مرَّ فِي التَّنْبِيه مع الرد عليه على مَن نازَع فيه، ونظيره ما نُقِلَ عن التاج الفزاري أنَّه كان يحضر غيرَ مرَّة السَّماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، وبفرض صحَّة ذلك عنه فالدُّفُّ حلالٌ وكذا الشَّبَّابَة عند بعض العلماء، فلعلَّه ممَّن يبيحها، وهو بعيدٌ، ومَن استدلَّ على حلِّ السَّماع المحرم بأنَّ معتقدًا كان إذا سمع سماعًا اعتراه حال قام منتصبًا زمانًا طويلاً كأصحِّ الرجال [فلم يصب] (2)، ومن أين ذلك للحاكي أنَّه سماع محرَّم؟ لأنَّ شأنَ هؤلاء المنتصِرين لحلِّ ما حرَّم الله على لسان نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ووارثيه أنهم يكتَفُون بمجرَّد حِكايةٍ يجدونها فِي

_________________________________________

(1) في (ز2): يرو عنه. (2) ليست في (ز2).


كتابٍ من غير بحثٍ منهم عمَّن رَواها، ولا عن مَدلولها ومَعناها، لما أنَّ حبَّ الهوى أعْماهُم، وعَنْ طريق الهدى أضلَّهم وأغْواهم.

ونظيرُ ما مرَّ عن ابن عبدالسلام من الكَذِبِ والتقوُّل عليه ما نُقِلَ عن تلميذه الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أنَّه حضَر السماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، وكذا جماعة من الفقهاء من حِكاياتٍ كلها لا يُعوَّل عليها ولا يلتفتُ إليها، وبفرض صحَّة ذلك فهو فِي أمرٍ مُختَلَف فيه، وقد مرَّ فِي صحَّته عن العلماء فيه ما فيه مَقنَعٌ لِمَن رُزِقَ أدنى نوعٍ من هداية، وإنما الطامَّة اعتقاد هؤلاء حلَّ الأوتار جميعها، وأنَّه لم يَرِدْ فيها حديث صحيح افتراءً وكذبًا على الله ورسوله؛ قال - تعالى -: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ... } الآية (1)، ولا منكر أقبح ممَّن يريد أنْ يُحلِّل ما أجمع العلماء على تحريمه، ويوقع العامَّة وغيرهم فِي العمل به وسَماعه، غافلاً عمَّا يترتَّب عليه من الإثم والعِقاب، عافانا الله من ذلك بمنِّه وكرمه، آمين.

ومن العجب أنَّ صاحب ذلك الكتاب سرد عن كثيرين أنهم حضَرُوا السَّماع على حسَب تقوُّله وتهوُّره وكأنَّه لم يطَّلِع على كلام القرطبي وغيره السابق، ولا على كلام الأئمَّة عنهم ولا فهم محلَّ الخلاف من محلِّ الوفاق، وإنما يدلِّس ويُلبِّس [ز1/ 35/أ] ليروج خُرافاته ويُظهِر سَقطاته، ومَن الذي يُحرِّم السماع مُطلقًا حتى يُعرِّض بأنَّه حَرام، وإنما المنكر ما يَزعُمونه من حلِّه بالآلات المحرَّمة بالإجماع، وكلُّ ما حكاه عن أولئك الأئمَّة إنما هو فِي سَماعٍ اختُلِف فيه، كما مَرَّ بيان ذلك واضحًا مبسوطًا، فعليك بتحريره

_________________________________________

(1) سورة الزمر: 60.


ودعْ تلك الحكايات، وما فيها من الكذب والتقوُّلات، إنْ أردت السلامة من الحسرة والندامة، لا سيَّما وقت العرض يوم القيامة.

(تَنْبِيه رابع) إنما فسَّرت الصَّنْج فِي الترجمة بذي الأوتار لأنَّه الذي لا خلافَ فِي تحريمه، بخِلاف الصَّنْج الذي هو دَوائر يضرب بواحدة على الأخرى فإنَّ فيه خلافًا [مرَّ] بسطُه، وإطلاق الصَّنْج على الأمرين ذكَرَه الجوهريُّ وغيره؛ حيث قالوا: الصَّنْج هو الذي يُتَّخذ من صفرٍ يُضرَب إحداهما بالأخرى مختص بالعرب، وذو الأوتار مختصٌّ بالعجم وهما مُعرَّبان، وقال ابن معنٍ الجزري فِي "التنقيب على المهذب" قوله: ويحرم استعمال الآلات التي تطرب من غير غناء؛ كالعُود والطُّنْبُور [والمعزفة، والصِّلِّيل، والمِزْمَار، أمَّا العُود والطُّنْبُور] (1) فقد فسَّرهما الشيخ، والمعزفة أصوات القيان إذا كانت مع العُود وإلا فلا يُقال ذلك، وقد قِيل: كلُّ ذي وترٍ مِعزاف، والصِّلِّيل بكسر الصاد وتشديد اللام المكسورة، وهو الصَّنْج، واشتقاقه من الصلول وهو صوت الحديد إذا وقَع بعضه على بعض، وفي نسخ "المُهَذَّبِ" مكان الصليل (الطبل) وليس بشيءٍ، بل هو غلط وتصحيف، ا. هـ.

وفي المحكم: صلَّ اللجام امتدَّ صوتُه، ومصلصل مصوت.

(تَنْبِيه خامس) الطُّنْبُور بضمِّ الطاء معروفٌ [وفي كتب اللغة: الطُّنْبُور العُود] (2)، والمشهور فِي العُرف وعند أهل الصِّناعة أنَّه غيره، وكأنَّ كلَّ واحدٍ من العُود والطُّنْبُور وغيرهما اسمُ جنسٍ تحته أنواعٌ، وقد يشمَل اسم العُود سائر الأوتار، انظُر قول العمراني وخلائق من الأصحاب:

_________________________________________

(1) ما بين المعقوفين سقط من (ز2). (2) ما بين المعقوفين سقط من (ز2).


الأصوات الملهية ثلاثة أضرب: ضَرْب محرم وهي التي تطرب من غير غناء؛ كالعيدان، والطنابير، والطبول والمَزَامِير، والمَعَازِف، والنايات، والأكبار، والرباب وما أشبهها، ا. هـ.

والمعازف جمع معزفة، قيل: وهي أصوات القَيْنَات إذا كانت مع العُود وإلا فلا يُقال لها ذلك، وقيل هي كلُّ ذي وتَر. [ز1/ 35/ب]

(تَنْبِيه سادس) إذا تأمَّلت ما مرَّ فِي المقدمة ممَّا يترتَّب على سامع الغناء، والمَزَامِير، والمَعَازِف وهي آلات الملاهي والأوتار، رجاء لك أنْ تُوفَّق إلى العمل بتلك الأحاديث، وأنْ تنزَجِر عن سماع تلك السفسافات، وتتوجَّه إلى الله بقِيامك فيما أمرك فيه فِي سائر الحالات، فمن تلك الأحاديث قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيَّاكُمْ واستماع المَعازف والغِناء؛ فإنهما يُنبِتان النِّفاق في القَلب كما يُنبِت الماءُ البقلَ)) (1)، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الغناء واللهو يُنبِتان النِّفاق في القَلب كما يُنبِت الماءُ العُشبَ، والذي نفسي بيَدِه، إنَّ القرآن والذِّكر ليُنبِتان الإيمانَ في القلب كما يُنبِت الماءُ العُشْب)) (2)، فتأمَّل ذلك مع ما مر من الأحاديث، وأقوال العلماء، وأعرض عمَّن أدَّت بهم مجازفته إلى أنْ أحلَّ سماع الآلات، وأوهم العامة أن فِي ذلك مكاشفات ومنازلات، كلا والله ليس فيه إلا النقصان، وغاية المقت والخسران، ولسنا نحرِّم مطلق السماع، ولا نعتقد أنَّ ما تفعله من ذلك كلِّه سفساف وضَياع، بل منهم العارفون وهم حزب الله {أَلاَ إِنَّ

_________________________________________

(1) لم أقفْ عليه. (2) أورده أبو شُجاع الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" (3/ 115، رقم 4319) من حديث أنس بن مالك - رضِي الله عنه - وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 103): ((الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب))، رواه الديلمي عن أنسٍ مرفوعًا بزيادة: ((والذي نفسي بيده إنَّ القرآن والذِّكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب))، ولا يصحُّ كما قاله النووي.


حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ} (1)، وما جاء عنهم أكثره لم يصحَّ، وما صحَّ عنهم سالِمٌ من المحرَّمات - بحمد الله تعالى.

(تَنْبِيه سابع) قِيلَ: أوَّل مَن وضَع العُود مالك بن آدم - صلَّى الله على نبيِّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء وسلَّم - وذلك أنَّه مات له ولدٌ فصَلبَه فِي شجرةٍ وجلس تحتَه يُراقِبه حتى تناثَر لحمُه ولم يبقَ إلا العظم والعُروق، فعرف أنها ستَفنَى فاتَّخذه على مثال وركه ورجله، وجعَل له أوتارًا نظيرَ عُروق الرجل الموصلة للورك، ثم ضَرَبَ عليها فصوَّتت صوتًا حسنًا فعكَف على ضربها وسماعها.

وقيل: أوَّل مَن وضعه حكماء الهند، وضَعُوه على طباع الإنسان؛ ومن ثَمَّ حُكِي عن الفارابي إمام الموسيقا أنَّه حضَر مجلسًا حافلاً لبعض الملوك أو الرُّؤَساء، فأخرج آلة صغيرة من داخل ثوبه، وضرب عليها فضحكوا إلى أنْ خُشِي عليهم الهلاك، ثم غيَّر الضرب فبكوا كذلك، ثم غيَّره فنامُوا عن آخرهم، فتركهم وذهب عنهم.

  • * * * *

_________________________________________

(1) سورة المائدة: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، وسورة المجادلة: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].




القسم الرابع عشر: في بيان أنَّ ما مرَّ صغيرة أو كبيرة[عدل]

قد بسَطتُ ذلك فِي كتابي "الزَّواجر عن اقترافِ الكبائر"، وهو كتابٌ حافلٌ مُستوعِب لكلِّ ما قِيل: إنَّه [ز1/ 36/أ] كبيرة، وما ورد فيه من السُّنَّة وكلام الأئمَّة فقلت فيه: (الكبيرة الثامنة والتاسعة والثلاثون بعد الأربعمائة، والكبيرة الموفية للأربعين، والحادية، والثانية، والثالثة والأربعون بعد الأربعمائة: ضرب وتر واستماعه، وزمر بمزمار واستماعه، وضرب بكوبة واستماعه) قال الله - تعالى -: {وَمِنَ النَّاسِ ... } (1) الآية فسَّر ابن عباس والحسن لهو الحديث بالملاهي، وسيأتي بيانُها (2).

وقالَ - تعالَى -: {وَاسْتَفْزِزْ مَن اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بصوتك ... } (3) فسَّرَهُ مجاهدٌ بالغناء والمزامير (4)، وسيأتي حديث أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة - أو عَرطابة - أو كُوبة - والأولى العود)) (5).

_________________________________________

(1) سورة لقمان: 6، وتمام الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}. (2) أثَر ابن عباس أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (786)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 221)، والطبري في "تفسيره" (21/ 61) بلفظ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6] قالَ: هو الغناءُ وأشْباهُه. وعند ابن أبي شيبة (4/ 368) بلفظ: قال: ((الغِناءُ وشَرْيُ المغنِّية))، وأورد أثَر الحسن القرطبي في "تفسيره" (14/ 52) بلفظ: ((لهو الحَدِيث المعازِفِ والغِناء))، وابن كثير في "تفسيره" (3/ 443) بلفظ: ((الغناء والمَزَامِير)). (3) سورة الإسراء: 64. (4) أثر مجاهد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (3/ 298) بلفظه، والطبري في "تفسيره" (15/ 118) بلفظ: الغناء واللهو. (5) لم أقفْ عليه.


وعَدُّ هذه الست من الكبائر تبعتُ فيه الأكثَرين في بعضِها وقياسة الباقي، بل في "الشامل" - كما يأتي - التصريحُ بذلك في الجملة، قال الإمام: قال شيخي أبو محمد: سَماع الأوتار مرَّة واحدة لا تُوجِب ردَّ الشهادة، وإنما تردُّ بالإصرار عليها، وقطع العراقيُّون ومُعظَم الأصحاب بأنَّه من الكبائر، هذا لفظُه وتابَعَه عليه الغزالي، قالا: وما ذكَرْناه من سَماع الأوتار مَفروضٌ فيما إذا لم يكن الإقدام عليها مرَّة تُشعِر بالانحلال، وإلا فالمرَّة الواحدة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وطرَد الإمام ذلك في كلِّ ما جانَسَه، وتوقَّف ابن أبي الدم فيما نسَبَه الإمام للعِراقيِّين، وقال: لم أرَ أحدًا منهم صرَّح به، بل جزَم الماوردي - وهو منهم - بنَقِيض ما حَكاه الإمام، فقال: إذا قُلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصَّغائر دُون الكبائر مفتقرٌ إلى الاستِغفار ولا تُرَدُّ به الشهادة إلا بالإصرار، ومتى قلنا بكَراهة شيءٍ منها فهي من الخلاعة لا مفتقر إلى الاستغفار ولا تُرَدُّ الشهادة بها إلا مع الإكثار، ا. هـ.

وتابَعَه في "المهذب"، وكذلك القاضي الحسين فإنَّه قال في "تعليقه": قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعَقِد؛ لأنَّه مخلٌّ بالشَّهادة فيه كالأداء، والذي صارَ إليه المحصلون أنَّ هذا من الصَّغائر، وما يندر منه لا يوجب الفسق، وتابَعَه الفوراني في "الإبانة"، وردَّ بعضهم إنكارَ ابن أبي الدم على الإمام ما ذكر بأنَّ مجليًا صرَّح في [ذخائره] (1) بما يُوافِقه، فقال: إنَّ كون ذلك من الكبائر هو ظاهِرُ كلام "الشامل" حيث قال: مَن استَمَع إلى شيءٍ من هذه المحرَّمات فسق ورُدَّتْ شهادته، ولم يشترط تكرُّر السَّماع، ا. هـ (2).

_________________________________________

(1) في (ز1): زواخره، والمثبت من (ز2). (2) "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 337) طبعة دار الفكر.


والحاصل: أنَّ المُعتَمَد عندنا من أنَّ ذلك من الصَّغائر حيث لم يحصلْ إدمان عليه حتى غلبت مَعاصِيه طاعاته، وإلا التحَقَ بالكبائر فِي إبطال العَدالة وردِّ الشَّهادة.

(تَنْبِيه) وقَع لصاحب هذا الكتاب أنَّه قال: مَن ارتكب أمرًا فيه خلافٌ لا يُعزَّر عليه؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ادرؤُوا الحدُودَ بِالشُّبُهات)) (1)، وهذا من جملة سَقطاته؛ للاتِّفاق على أنَّه لا عبرة بعقيدة الخصم، وإنما العِبرة بعقيدة الحاكم الذي رُفِعَ إليه الخصم، فيفعَلُ فيه الحاكم باعتِقاد نفسه دُون غيره، ولو رأينا إلى هذه السَّقطة لم يجزْ أنْ يُرفَع خصمٌ إلى قاضٍ يخالف عقيدته، وهذا بدعٌ خارق للإجماع، لا يصدر مثلُه إلا ممَّن لا يُفرِّق بين الحكم بعدَ الرَّفع إلى الحكام وقبلَه؛ وبيان ذلك أنَّ مَن ارتكب مُختَلَفًا فيه فإنْ قلَّد القائل بحلِّه وكان ذلك القائل ممَّن يجوزُ تقليده فلا حرج عليه عند الله - تعالى - وهذا الذي قال فيه العلماء: لا يُعذِّب الله الشخصَ بمسألةٍ عَمِلَ بها على قول عالم، وأمَّا بالنسبة للأحكام الظاهرة فمتى رُفِعَ لحاكمٍ فعل معه باعتقاده ولم ينظر لتقليده مَن يُجوِّز ذلك ولا لعدمه إقامَة لنظام [السياسات] (2) الشرعيَّة، وإلاَّ لكان كلُّ مَن ادَّعى عليه بشيءٍ يَزعُم أنَّه قلَّد فيه مَن لا يلزمه به، وتتعطَّل الأحكام وتستحلُّ الأموال، ومن ثَمَّ قالَ

_________________________________________

(1) قال ابن حجر في: حديث: ((ادرؤُوا الحدُودَ بِالشُّبُهات))؛ الترمذي (1424) من حديث عائشة بلفظ: ((ادرَؤُوا الحدودَ عن المسلمين ما استطَعتُم، فإنْ كان له مخرجٌ فخلُّوا سبيله؛ فإنَّ الإمام أنْ يُخطِئ في العفو خيرٌ من أنْ يُخطِئ في العُقُوبة))، وفيه يزيد بن زياد وهو ضعيف، قال الترمذي: ووقفه أصحُّ، وأخرجه الحاكم (4/ 426، رقم 8163)، والدارقطني (3/ 84)، والبيهقي (8/ 238) وقال: الموقوف أقرب إلى الصواب، وفي الباب عن عليٍّ مختصرًا: ((ادرَؤُوا الحدود))؛ أخرجه الدارقطني (3/ 84)، وعن أبي هريرة: ((ادرَؤُوا الحدودَ ما استطعتُم))؛ أخرجه أبو يعلى (11/ 494، رقم 6618)، ولابن ماجَهْ (2545) من هذا الوجه: ((ادْفَعُوا الحدُودَ ما وجدتُمْ له مَدْفَعًا))؛ "الدراية" (2/ 94) بتصرُّف قليل. (2) في (ز1): السياسيات، والمثبت من (ز2).


الشَّافِعِيُّ - رضِي الله عنه - فِي حنفيٍّ شرب نبيذًا يعتَقِد حلَّه ثم رفع إليه: أحدُّه وأقبَلُ شهادته، قال أصحابُه: إنما حدَّه لأنَّ العبرة بعقيدة الحاكم لا الخصم، وإنما قَبِلَ شهادته لأنَّه أقدَمَ على جائزٍ فِي اعتقاده، وهذا هو الصَّواب فِي هذا البحث فاحفَظْه لئلاَّ تزلَّ فيه قدمُك كما زلَّ فيه قدم صاحب ذلك الكتاب، فإنَّه استدلَّ على عدم التعزير بالحديث السابق، وبما نقَلَه عن الشَّافِعِي: إنَّ الله لا يُعذِّب على فعلٍ اختَلَف العلماء فيه، فالتبس عليه الأمر الأخروي بالأمر الدنيوي، وقد علمتَ ما بينهما من الفرق الواضح.

ثم ظاهِرُ كلامه أنَّ مجرَّد كون الفعل مختلفًا فيه يمنع [من] العقاب عليه، وهو خِلافُ الإجماع كما قالوا الأئمَّة، وإنما شرْط ذلك أنْ يعلم القائل بذلك، وأنَّه من المجتهدين، وأنَّه من الذين يَجُوزُ تقليدهم، ثم بعد ذلك كلِّه يُقلِّده تقليدًا صحيحًا، بألاَّ يترتَّب عليه تلفيق التقليد، وإلا لم يجزِ اتِّفاقًا، كما إذا قلَّد الشَّافِعِيُ مالكًا فِي (1) نجاسة الكلب، ولم يمسحْ رأسه كله، أو لم يُوالِ فِي وضوئه مثلاً، كما هو مقرَّر فِي الأصول، فاستَفِدْ ذلك فإنَّ كثيرين يزلُّون فيه؛ اعتقادًا منهم أنَّ مجرَّد الاختلاف فِي الشيء [ز1/ 37/أ] يمنَع العقاب عليه، وليس كذلك كما علمت: وإنما قُلنا: يجوز تقليده؛ لأنَّ كثيرين من المجتهِدين الخارجين عن الأئمَّة الأربعة لا يجوزُ تقليدهم كما هو مُقرَّر فِي كتب الفقه والأصول، ألا ترى إلى ما جاء عن عطاء فِي إباحة [إعارة] الجواري للوطء، وعن آخَرين فِي تحليل المطلقة ثلاثًا، وَعَن الأعمش فِي الأكْل فِي رمضان بعد الفجر وقبل طُلوع الشمس، ونحو ذلك من

_________________________________________

(1) في المطبوع: في عدم.


مذاهب المجتهِدين الشاذَّة التي كاد الإجماع أنْ ينعقد على خِلافها، فهذه كلُّها لا يجوز تقليد أربابها، ومَن قلَّدهم فهو آثِمٌ فاسق يحدُّ ويُعزَّر إجماعًا بموجب فعله.

وبهذا يتَّضح لك خطَأُ ذلك الرَّجُلِ فِي إيهامه أنَّه يجوزُ تقليدُ غيرِ الأئمَّة الأربعة مطلقًا، وما درى المسكين أنَّ لذلك شروطًا كثيرةً أشَرتُ إليها بينه وبينها خرطُ القتاد (1)، وليس مجرَّد الاختِلاف مُسوِّغًا للهُجوم على الفعل، بل لا بُدَّ من جميع شُروط التقليد كما هو مقرَّر ومحرَّر فِي كتب الأصول، ولكنَّ الجهل بذلك يُوجِب الوُقوع فِي أوعَرِ المسالك، وقد ذكَر الأئمَّة أنَّه لا يجوزُ لمفتٍ ولا لقاضٍ تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة، قالوا: لا لنقصهم؛ لأنَّ الصحابة وتابِعِيهم ساداتُ الأمَّة، وإنما هو لارتفاع الثقة بشُروط مَذاهبهم وتحقيقاتها وصُورها، فإنها أقوالٌ فِي جُزئيَّات مُتعدِّدة، ولم يعلمْ لهم قواعدُ يُرجَع إليها، ولا شروطٌ وتقييداتٌ يُعوَّل عليها، وارتفعت الثِّقة بها لأنَّها لم تُحرَّر وتُدوَّن بخلاف المذاهب الأربعة؛ فإنها حُرِّرتْ ودُوِّنت وتعاقَبتها الآراء، [ومَحَّصَتْها] كَوامِلُ العقول حتى نقَّحتها وحرَّرتها، ولم يقلْ منها مسألة إلا وعلم مَغزاها ودَليلها ومَعناها، فوثقت بها النُّفوس، واطمأنَّت إليها [ز1/ 37/ب] القلوب، بخِلاف بقيَّة المذاهب الخارجة عنها، ومن ثَمَّ كان الشَّافِعِيُّ يقول: الليث أفقَهُ من مالك لكن ضيَّعَه أصحابُه؛ أي: بعدَم تدوين مذهبه وتحرير مقاصده وقواعده، واعلم أنَّ الأئمَّة صرَّحوا بأنَّ الظاهريَّة لا يعتدُّ بخلافهم، ولا يجوز تقليد أحدٍ منهم؛ لأنهم سُلِبوا العقول حتى أنكَرُوا

_________________________________________

(1) خرط القتاد: خرطتُ العودَ وغيرَه أخرِطه وأخرُطه خَرْطًا، إذا قشرت عنه نجَبَه وهو لِحاؤه، ومثَل من أمثالهم: "دون ذلك خَرْطُ القَتاد"؛ وذلك أنَّ القتاد متظاهر الشَّوك لا يُستَطاع لمسُه ولا خرطُه؛ "جمهرة اللغة"؛ لابن دريد، "خ ر ط".


القياس الجلي، وابنُ حزم من أقبحهم فِي ذلك، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ ينظُر لما قاله فِي الآلات، خِلافًا لما وهم فيه صاحبُ ذلك الكتاب فإنَّ الظاهر أنَّه يشير إلى أنَّه إذا جاز تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة جاز تقليدُ مثل ابن حزم، وهذه زلَّة قبيحة، يتعيَّن على كلِّ مَن خطرت له التوبةُ منها؛ لما علمت أنَّ العلماء لا يُقِيمُون لابن حزم وأصحابه وزنًا، وأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ تقليده ولا الإصغاء لما يقولُه أصلاً ورأسًا.