كتاب الأم/كتاب البيوع/باب حكم المبيع قبل القبض وبعده

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - كتاب البيوع

المؤلف: الشافعي
باب حكم المبيع قبل القبض وبعده

[أخبرنا الربيع بن سليمان]: قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أما (الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أن يباع حتى يقبض: الطعام) قال ابن عباس برأيه ولا أحسب كل شيء إلا مثله.

[قال الشافعي]: وبهذا نأخذ، فمن ابتاع شيئا كائنا ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه، وذلك أن من باع ما لم يقبض فقد دخل في المعنى الذي يروي بعض الناس (عن النبي ﷺ أنه قال لعتاب بن أسيد حين وجهه إلى أهل مكة انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا).

[قال الشافعي]: هذا بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، وهذا القياس على حديث النبي ﷺ أنه (نهى عن بيع الطعام حتى يقبض)، ومن ابتاع طعامه كيلا فقبضه أن يكتاله ومن ابتاعه جزافا فقبضه أن ينقله من موضعه إذا كان مثله ينقل، وقد روى ابن عمر (عن النبي ﷺ أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافا فبعث رسول الله ﷺ من يأمرهم بانتقاله من الموضع الذي ابتاعوه فيه إلى موضع غيره)، وهذا لا يكون إلا لئلا يبيعوه قبل أن ينقل.

[قال الشافعي]: ومن ملك طعاما بإجازة بيع من البيوع فلا يبيعه حتى يقبضه، ومن ملكه بميراث كان له أن يبيعه، وذلك أنه غير مضمون على غيره بثمن، وكذلك ما ملكه من وجه غير وجه البيع كان له أن يبيعه قبل أن يقبضه إنما لا يكون له بيعه إذا كان مضمونا على غيره بعوض يأخذه منه إذا فات، والأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يبيعها قبل أن يقبضها ولا يبيعها الذي يشتريها قبل أن يقبضها؛ لأن مشتريها لم يقبض، وهي مضمونة له على بائعها بالثمن الذي ابتاعه إياها به حتى يقبضها أو يرد البائع إليه الثمن، ومن ابتاع من رجل طعاما فكتب إليه المشتري أن يقبضه له من نفسه فلا يكون الرجل قابضا له من نفسه، وهو ضامن عليه حتى يقبضه المبتاع أو وكيل المبتاع غير البائع، وسواء أشهد على ذلك أو لم يشهد، وإذا وكل الرجل الرجل أن يبتاع له طعاما فابتاعه ثم وكله أن يبيعه له من غيره فهو بنقد لا بدين حتى يبيح له الدين فهو جائز كأنه هو ابتاعه وباعه، وإن وكله أن يبيعه من نفسه لم يجز البيع من نفسه، وإن قال قد بعته من غيري فهلك الثمن أو هرب المشتري فصدقه البائع فهو كما قال، وإن كذبه فعليه البينة أنه قد باعه، ولا يكون ضامنا لو هرب المشتري أو أفلس أو قبض الثمن منه فهلك؛ لأنه في هذه الحالة أمين.

[قال الشافعي]: ومن باع طعاما من نصراني فباعه النصراني قبل أن يستوفيه فلا يكيله له البائع حتى يحضر النصراني أو وكيله فيكتاله لنفسه.

[قال]: ومن سلف في طعام ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يجز، وإن باع طعاما بصفة ونوى أن يقضيه من ذلك الطعام فلا بأس؛ لأن له أن يقضيه من غيره؛ لأن ذلك الطعام لو كان على غير الصفة لم يكن له أن يعطيه منه، ولو قبضه وكان على الصفة كان له أن يحبسه ولا يعطيه إياه، ولو هلك كان عليه أن يعطيه مثل صفة طعامه الذي باعه.

[قال]: ومن سلف في طعام أو باع طعاما فأحضر المشتري عند اكتياله من بائعه وقال أكتاله لك لم يجز؛ لأنه بيع طعام قبل أن يقبض، فإن قال: أكتاله لنفسي وخذه بالكيل الذي حضرت لم يجز؛ لأنه باع كيلا فلا يبرأ حتى يكتاله من يشتريه ويكون له زيادته وعليه نقصانه، وهكذا روى الحسن عن النبي ﷺ أنه (نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان) فيكون له زيادته وعليه نقصانه.

[قال الشافعي]: ومن باع طعاما مضمونا عليه فحل عليه الطعام فجاء بصاحبه إلى طعام مجتمع فقال: أي طعام رضيت من هذا اشتريت لك فأوفيتك. كرهت ذلك له، وإن رضي طعاما فاشتراه له فدفعه إليه بكيله لم يجز؛ لأنه ابتاعه فباعه قبل أن يقبضه، وإن قبضه لنفسه ثم كاله له بعد جاز، وللمشتري له بعد رضاه به أن يرده عليه إن لم يكن من صفته وذلك أن الرضا إنما يلزمه بعض القبض.

[قال الشافعي]: ومن حل عليه طعام فلا يعطي الذي له عليه الطعام ثمن طعام يشتري به لنفسه من قبل أنه لا يكون وكيلا لنفسه مستوفيا لها قابضا لها منها وليوكل غيره حتى يدفع إليه.

ومن اشترى طعاما فخرج من يديه قبل أن يستوفيه بهبة أو صدقة أو قضاه رجلا من سلف أو أسلفه آخر قبل أن يستوفيه فلا يبيعه أحد ممن صار إليه على شيء من هذه الجهات حتى يستوفيه من قبل أنه صار إنما يقبض عن المشتري كقبض وكيله.

[قال الشافعي]: ومن كان بيده ثمر فباعه واستثنى شيئا منه بعينه فالبيع واقع على المبيع لا على المشترى والمستثنى على مثل ما كان في ملكه لم يبع قط، فلا بأس أن يبيعه صاحبه؛ لأنه لم يشتره إنما يبيعه على الملك الأول.

[قال الشافعي]: ولا يصلح السلف حتى يدفع المسلف إلى المسلف الثمن قبل أن يتفرقا من مقامهما الذي تبايعا فيه وحتى يكون السلف بكيل معلوم بمكيال عامة يدرك علمه ولا يكون بمكيال خاصة إن هلك لم يدرك علمه أو بوزن عامة كذلك وبصفة معلومة جيد نقي وإلى أجل معلوم إن كان إلى أجل ويستوفى في موضع معلوم ويكون من أرض لا يخطئ مثلها أرض عامة لا أرض خاصة ويكون جديدا طعام عام أو طعام عامين ولا يجوز أن يقول أجود ما يكون من الطعام؛ لأنه لا يوقف على حده ولا أردأ ما يكون؛ لأنه لا يوقف على حده فإن الرديء يكون بالغرق وبالسوس وبالقدم فلا يوقف على حده ولا بأس بالسلف في الطعام حالا وآجلا، إذا حل أن يباع الطعام بصفة إلى أجل كان حالا، أو إلى أن يحل.

[قال الشافعي]: وإن سلف رجل دنانير على طعام إلى آجال معلومة بعضها قبل بعض لم يجز عندي حتى يكون الأجل واحدا وتكون الأثمان متفرقة من قبل أن الطعام الذي إلى الأجل القريب أكثر قيمة من الطعام الذي إلى الأجل البعيد، وقد أجازه غيري على مثل ما أجاز عليه ابتياع العروض المتفرقة، وهذا مخالف للعروض المتفرقة؛ لأن العروض المتفرقة نقد وهذا إلى أجل، والعروض شيء متفرق وهذا من شيء واحد.

[قال الشافعي]: وإذا ابتاع الرجلان طعاما مضمونا موصوفا حالا أو إلى أجل فتفرقا قبل أن يقبض الثمن فالبيع مفسوخ؛ لأن هذا دين بدين.

[قال الشافعي]: وإن اشترى الرجل طعاما موصوفا مضمونا عند الحصاد وقبل الحصاد وبعده فلا بأس، وإذا اشترى منه من طعام أرض بعينها غير موصوف فلا خير فيه؛ لأنه قد يأتي جيدا أو رديئا.

قال: وإن اشتراه منه من الأندر مضمونا عليه فلا خير فيه؛ لأنه قد يهلك قبل أن يذريه.

[قال الشافعي]: ولا بأس بالسلف في الطعام إلى سنة قبل أن يزرع إذا لم يكن في زرع بعينه.

[قال الشافعي]: ولا خير في السلف في الفدادين القمح ولا في القرط؛ لأن ذلك يختلف.

[قال الشافعي]: ومن سلف رجلا في طعام يحل فأراد الذي عليه الطعام أن يحيل صاحب الطعام على رجل له عليه طعام مثله من بيع ابتاعه منه فلا خير فيه، وهذا هو نفس بيع الطعام قبل أن يقبض، ولكنه إن أراد أن يجعله وكيلا يقبض له الطعام فإن هلك في يديه كان أمينا فيه، وإن لم يهلك وأراد أن يجعله قضاء جاز.

قال: وكذلك لو ابتاع منه طعاما فحل فأحاله على رجل له عليه طعام أسلفه إياه من قبل أن أصل ما كان له عليه بيع والإحالة بيع منه له بالطعام الذي عليه بطعام على غيره.

[قال الشافعي]: ومن ابتاع طعاما بكيل فصدقه المشتري بكيله فلا يجوز إلى أجل، وإذا قبض الطعام فالقول في كيل الطعام قول القابض مع يمينه، وإن ذكر نقصانا كثيرا أو قليلا أو زيادة قليلة أو كثيرة، وسواء اشتراه بالنقد كان أو إلى أجل، وإنما لم أجز هذا لما وصفت من حديث الحسن عن النبي ﷺ وإني ألزم من شرط لرجل شرطا من كيل أو صفة أن يوفيه شرطه بالكيل والصفة فلما شرط له الكيل لم يجز إلا أن يوفيه شرطه، فإن قال قائل فقد صدقه فلم لا يبرأ كما يبرأ من العيب؟ قيل لو كان تصديقه يقوم مقام الإبراء من العيب فشرط له مائة فوجد فيه واحدا لم يكن له أن يرجع عليه بشيء كما يشترط له السلامة فيجد العيب فلا يرجع عليه به إذا أبرأه منه.

[قال الشافعي]: وإذا ابتاع الرجل الطعام كيلا لم يكن له أن يأخذه وزنا إلا أن ينقض البيع الأول ويستقبل بيعا بالوزن وكذلك لا يأخذه بمكيال إلا بالمكيال الذي ابتاعه به إلا أن يكون يكيله بمكيال معروف مثل المكيال الذي ابتاعه به فيكون حينئذ إنما أخذه بالمكيال الذي ابتاعه به، وسواء كان الطعام واحدا أو من طعامين مفترقين وهذا فاسد من وجهين: أحدهما أنه أخذه بغير شرطه، والآخر أنه أخذه بدلا قد يكون أقل أو أكثر من الذي له والبدل يقوم مقام البيع وأقل ما فيه أنه مجهول لا يدرى أهو مثل ما له أو أقل أو أكثر؟

[قال الشافعي]: ومن سلف في حنطة موصوفة فحلت فأعطاه البائع حنطة خيرا منها بطيب نفسه أو أعطاه حنطة شرا منها فطابت نفس المشتري فلا بأس بذلك وكل واحد منهما متطوع بالفضل وليس هذا بيع طعام بطعام، ولو كان أعطاه مكان الحنطة شعيرا أو سلتا أو صنفا غير الحنطة لم يجز، وكان هذا بيع طعام بغيره قبل أن يقبض، وهكذا التمر وكل صنف واحد من الطعام.

[قال الشافعي]: ومن سلف في طعام إلى أجل فعجله قبل أن يحل الأجل طيبة به نفسه مثل طعامه أو شرا منه فلا بأس، ولست أجعل للتهمة أبدا موضعا في الحكم إنما أقضي على الظاهر.

[قال الشافعي]: ومن سلف في طعام إلى أجل فعجله قبل أن يحل الأجل طيبة به نفسه مثل طعامه أو شرا منه فلا بأس، ولست أجعل للتهمة أبدا موضعا في الحكم إنما أقضي على الظاهر.

[قال الشافعي]: ومن سلف في طعام فقبضه ثم اشتراه منه الذي قضاه إياه بنقد أو نسيئة إذا كان ذلك بعد القبض فلا بأس؛ لأنه قد صار من ضمان القابض وبرئ المقبوض منه، ولو حل طعامه عليه فقال له: اقضني على أن أبيعك فقضاه مثل طعامه أو دونه لم يكن بذلك بأس وكان هذا موعدا وعده إياه إن شاء وفى له به، وإن شاء لم يف، ولو أعطاه خيرا من طعامه على هذا الشرط لم يجز؛ لأن هذا شرط غير لازم، وقد أخذ عليه فضلا لم يكن له والله أعلم.

كتاب الأم - كتاب البيوع
باب بيع الخيار | باب الخلاف فيما يجب به البيع | باب بيع الكلاب وغيرها من الحيوان غير المأكول | باب الخلاف في ثمن الكلب | باب الربا - باب الطعام بالطعام | باب جماع تفريع الكيل والوزن بعضه ببعض | باب تفريع الصنف من المأكول والمشروب بمثله | باب في التمر بالتمر | باب ما في معنى التمر | باب ما يجامع التمر وما يخالفه | باب المأكول من صنفين شيب أحدهما بالآخر | باب الرطب بالتمر | باب ما جاء في بيع اللحم | باب ما يكون رطبا أبدا | باب الآجال في الصرف | باب ما جاء في الصرف | باب في بيع العروض | باب في بيع الغائب إلى أجل | باب ثمر الحائط يباع أصله | باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار | باب الخلاف في بيع الزرع قائما | باب بيع العرايا | باب العرية | باب الجائحة في الثمرة | باب في الجائحة | باب الثنيا | باب صدقة الثمر | باب في المزابنة | باب وقت بيع الفاكهة | باب ما ينبت من الزرع | باب ما اشتري مما يكون مأكوله داخله | مسألة بيع القمح في سنبله | باب بيع القصب والقرط | باب حكم المبيع قبل القبض وبعده | باب النهي عن بيع الكراع والسلاح في الفتنة | باب السنة في الخيار | باب بيع الآجال | باب الشهادة في البيوع