فتح المجيد/القسم السادس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فتح المجيد /القسم السادس
المؤلف: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ



باب ما جاء في الذبح لغير الله قوله : ( باب ما جاء في الذبح لغير الله ) من الوعيد وأنه شرك بالله . قوله : ' 6 : 162 ، 163 ' " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له " الآية . قال ابن كثير : يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذي يعبدون غير الله ويذبحون له : بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته . لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها ، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والإنحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى . قال مجاهد : النسك الذبح في الحج والعمرة . وقال الثورى عن السدى عن سعيد ابن جبير : ونسكى ذبحى. وكذا قال الضحاك . وقال غيره " ومحياي ومماتي " أي وما آتيه في حياتى وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح " لله رب العالمين " خالصًا لوجهه " لا شريك له وبذلك " الإخلاص " أمرت وأنا أول المسلمين " أى من هذه الأمة لأن إسلام كل نبى متقدم . قال ابن كثير : وهو كما قال ، فإن جميع الأنبياء قبله كانت دعوتهم إلى الإسلام ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له . كما قال تعالى : ' 21 : 25 ' " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " وذكر آيات في هذا المعنى . ووجه مطابقة الآية للترجمة : أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك ، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات ، فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون كل ما سواه ، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكًا في عبادته ، ظاهر في قوله : " لا شريك له " نفى أن يكون لله تعالى شريك في هذه العبادات ، وهو بحمد الله واضح . قوله : " فصل لربك وانحر " قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : أمر الله أن يجمع بين هاتين العبادتين ، وهما الصلاة والنسك ، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن ، وقوة اليقين ، وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته ، عكس حال أهل الكبر والنفرة ، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم ، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر ، ولهذا جمع بينهما في قوله : " قل إن صلاتي ونسكي " الآية والنسك الذبيحة لله تعالى إبتغاء وجهه . فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله ، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب ، لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكوثر . وأجل العبادات البدنية : الصلاة ، وأجل العبادات المالية : النحر . وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها ، كما عرفه أرباب القلوب الحية ، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص ، من قوة اليقين وحسن الظن : أمر عجيب ، وكان النبي ﷺ كثير الصلاة ، كثير النحر .ا هـ . قلت : وقد تضمنت الصلاة من أنواع العبادات كثيرًا ، فمن ذلك الدعاء والتكبير ، والتسبيح والقراءة ، والتسميع والثناء ، والقيام والركوع ، والسجود والاعتدال ، وإقامة الوجه لله تعالى ، والإقبال عليه بالقلب ، وغير ذلك مما هو مشروع في الصلاة ، وكل هذه الأمور من أنواع العبادة التي لا يجوز أن يصرف منها شئ لغير الله : وكذلك النسك يتضمن أمورًا من العبادة كما تقدم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى .

حديث علي : لعن الله من ذبح لغير الله إلخ قوله : وعن علي بن أبي طالب قال : " حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات : لعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من لعن والديه ، ولعن الله من آوى محدثًا ، ولعن الله من غير منار الأرض " رواه مسلم من طرق وفيه قصة . ورواه الإمام أحمد كذلك عن أبي طفيل قال قلنا لعلى : أخبرنا بشئ أسره إليك رسول الله ﷺ فقال : ما أسر إلى شيئًا كتمه الناس ، ولكن سمعته يقول : لعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من آوى محدثًا ، ولعن الله من لعن والديه ، ولعن الله من غير تخوم الأرض ، يعنى المنار . وعلى بن أبي طالب : هو الإمام أمير المؤمنين أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء ، كان من أسبق السابقين الأولين ومن أهل بدر وبيعة الرضوان ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، ورابع الخلفاء الراشدين ، ومناقبه مشهورة رضي الله عنه ، قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين . قوله : لعن الله اللعن : البعد عن مظان الرحمة ومواطنها . قيل : واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة ، أو دعى عليه بها . قال أبو السعادات : أصل اللعن : الطرد والإبعاد من الله ، ومن الخلق السب والدعاء . قال شيخ الإسلام رحمه الله ما معناه : إن الله تعالى يلعن من استحق اللعنة بالقول كما يصلي سبحانه على من استحق الصلاة من عباده قال تعالى : ' 33 : 43 ، 44 ' " هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام " وقال : ' 33 : 64 ' " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا " وقال : ' 33 : 61 ' "ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا " والقرآن كلامه تعالى أوحاه إلى جبريل عليه السلام وبلغه رسوله محمدًا ﷺ ، وجبريل سمعه منه كما سيأتي في الصلاة إن شاء الله تعالى ، فالصلاة ثناء الله تعالى كما تقدم . فالله تعالى هو المصلى وهو المثيب ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ، وعليه سلف الأمة . قال الإمام أحمد رحمه الله : لم يزل الله متكلمًا إذا شاء . قوله : من ذبح لغير الله قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : ' 2 : 173 ' " وما أهل به لغير الله " ظاهره : أنه ما ذبح لغير الله ، مثل أن يقول : هذا ذبيحة لكذا . وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للصنم وقال فيه : باسم المسيح أو نحوه . كما أن ماذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم ، وقلنا عليه : بسم الله . فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة ، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى ، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الإستعانة بغير الله . وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه يحرم ، وإن قال فيه باسم الله ، كما قد يفعله طائفة من منافقى هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال . لكن يجتمع في الذبيحة مانعان : الأول : أنه مما أهل به لغير الله . والثاني : أنها ذبيحة مرتد . ومن هذا الباب : ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن ، ولهذا روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن. اهـ . قال الزمخشري : كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة خوفًا أن تصيبهم الجن ، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك . وذكر إبراهيم المروزي : أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه ، أفتى أهل بخارى بتحريمه ، لأنه مما أهل به لغير الله . قوله : لعن الله من لعن والديه يعني أباه وأمه وإن عليا . وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال : " من الكبائر شتم الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه " . قوله : لعن الله من آوى محدثًا أى منعه من أن يؤخذ منه الحق الذى وجب عليه آوى بفتح الهمزة ممدوده أي ضمه إليه وحماه . قال أبو السعادات : أويت إلى المنزل ، وأويت غيرى ، وآويته . وأنكر بعضهم المقصور المتعدى . وأما محدثًا فقال أبو السعادات : يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر : من نصر جانبًا وآواه وأجاره من خصمه ، وحال بينه وبين أن يقتص منه . وبالفتح : هو الأمر المبتدع نفسه ، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والصبر عليه ، فإنه إذا رضى بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم . قوله : ولعن الله من غير منار الأرض بفتح الميم علامات حدودها . قال أبو السعادات في النهاية ـ في مادة تخم ـ ملعون من غير تخوم الأرض أي معالمها وحدودها ، وحدها تخم قيل : أراد حدود الحرم خاصة : وقيل هو عام في جميع الأرض ، وأراد المعالم التي يهتدى بها في الطريق . وقيل هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلمًا . قال ويروى تخوم بفتح التاء على الإفراد وجمعه تخم بضم التاء والخاء . ا هـ . وتغييرها : أن يقدمها أو يؤخرها ، فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه النبي ﷺ : " من ظلم شبرًا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ففيه جواز لعن أهل الظلم من غير تعيين . وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان : أحدهما : أنه جائز . اختاره ابن الجوزى وغيره . ثانيهما : لا يجوز ، اختاره ، أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام .

حديث دخل رجل الجنة في ذباب إلخ قوله : " وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال : دخل الجنة رجل في ذباب . ودخل النار رجل في ذباب . قالوا كيف يا رسول الله ؟ قال : مر رجلان على قوم لهم صنم ، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا ، فقالوا لأحدهما : قرب . قال : ليس عندي شئ أقرب . قالوا له : قرب ولو ذبابًا . فقرب ذبابًا . فخلوا سبيله ، فدخل النار ، وقالوا للآخر : قرب ، فقال : ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل . فضربوا عنقه ، فدخل الجنة " رواه أحمد . قال ابن القيم رحمه الله : قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال : دخل الجنة في رجل في ذباب الحديث . وطارق بن شهاب : هو البجلى الأحمس ، أبو عبد الله . رأى النبي ﷺ وهو رجل . قال البغوي : نزل الكوفة . وقال أبو داود : رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا . قال الحافظ : إذا ثبت أنه لقى النبي فهو صحابي . وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح ، وكانت وفاته ـ على ما جزم به ابن حبان ـ سنة ثلاث وثمانين . قوله : دخل الجنة رجل في ذباب أي من أجله . قوله : قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله كأنهم تقالوا ذلك ، وتعجبوا منه . فبين لهم النبي ﷺ ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيمًا يستحق هذا عليه الجنة ، ويستوجب الآخر عليه النار . قوله : فقال : مر رجلان على قوم لهم صنم الصنم ما كان منحوتًا على صورة ويطلق عليه الوثن كما مر . قوله : لا يجاوزه أي لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب إليه شيئًا وإن قل . قوله : قالوا له قرب ولو ذبابًا فقرب ذبابًا فخلوا سبيله ، فدخل النار في هذا بيان عظمة الشرك ، ولو في شئ قليل ، وأنه يوجب النار . كما قال تعالى : ' 5 : 72 ' " إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار " . وفي هذا الحديث : التحذير من الوقوع في الشرك ، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدرى أنه من الشرك الذي يوجب النار . وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء ، وإنما فعله تخلصًا من شر أهل الصنم . وفيه أن ذلك الرجل كان مسلمًا قبل ذلك ، وإلا فلو لم يكن مسلمًا لم يقل دخل النار في ذباب . وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان ، ذكره المصنف بمعناه . قوله : وقالوا للآخر : قرب . قال : ما كنت لأقرب شيئًا دون الله عز وجل . قال المصنف رحمه الله : وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا منه إلى العمل الظاهر .