فتح المجيد/القسم السابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فتح المجيد /القسم السابع
المؤلف: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ



باب لا يذبح مكان يذبح فيه لغير الله قوله : باب : لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله تعالى

لا نافية ويحتمل أنها للنهى وهو أظهر ، قوله : وقول الله تعالى ' 9 : 108 ' " لا تقم فيه أبدا " الآية قال المفسرون إن الله تعالى نهى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار ، والأمة تبع له في ذلك ، ثم إنه تعالى حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنى على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله ﷺ ، وجمعًا لكلمة المؤمنين ومعقلًا ومنزلًا للإسلام وأهله ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال : " صلاة في مسجد قباء كعمرة " وفي الصحيح : أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبًا وماشيًا وقد صرح أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء جماعة من السلف ، منهم ابن عباس ، وعروة ، والشعبي ، والحسن وغيرهم . قلت : ويؤيده قوله في الآية " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " وقيل هو مسجد رسول الله ﷺ لحديث أبي سعيد قال : " تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل : هو مسجد قباء . وقال الآخر : هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا " رواه مسلم ، وهو قول عمر وابنه وزيد ابن ثابت وغيرهم . قال ابن كثير : وهذا صحيح . ولا منافاة بين الآية والحديث . لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى ، وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله كما قال تعالى : ' 9 : 107 ' " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون " . فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة . وكان الذي بنوه جاءوا إلى النبي ﷺ قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلي فيه ، وأنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلقة في الليلة الشاتية ، فقال : " إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه نزل الوحي بخبر المسجد ، فبعث إليه فهدمه قبل قدومه إلى المدينة . وجه مناسبة الآية للترجمة : أن المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله ، كما أن هذا المسجد لما أعد لمعصية الله صار محل غضب لأجل ذلك ، فلا تجوز الصلاة فيه لله . وهذا قياس صحيح يؤيده حديث ثابت الضحاك الآتى . قوله : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " روى الإمام أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن عويم بن ساعدة الأنصاري " أن النبي ﷺ آتاهم في مسجد قباء فقال : إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟ فقالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ، فغسلنا كما غسلوا " وفي رواية عن جابر وأنس هو ذاك فعليكموه رواه ابن ماجه وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم . قوله : " والله يحب المطهرين " قال أبو العالية : إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المتطهرون من الذنوب . وفيه إثبات صفة المحبة، خلافًا للأشاعرة ونحوهم .

حديث فيمن نذر بأن ينحر ببوانة قوله : وعن ثابت بن الضحاك قال : " نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة ، فسأل النبي ﷺ فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا . قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم . قالوا : لا . فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك ، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " رواه أبو داود ، وإسناده على شرطهما . قوله : عن ثابت بن الضحاك أي ابن خليفة الأشهلى ، صحابي مشهور ، روى عنه أبو قلابة وغيره . مات سنة أربع وستين . قوله : ببوانة بضم الباء وقيل بفتحها . قال البغوي : موضع في أسفل مكة دون يلملم . قال أبو السعادات : هضبة من وراء ينبع . قوله : فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ فيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن ، ولو بعد زواله . قال المصنف رحمه الله . قوله : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله : العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد ، إما بعود السنة أو الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك والمراد به هنا الاجماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية . فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد ، كيوم الفطر ويوم الجمعة ، ومنها اجتماع فيه ، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات ، وقد يختص العيد بمكان بعينه ، وقد يكون مطلقًا ، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا . فالزمان كقول النبي ﷺ في يوم الجمعة "إن هذا يوم قد جعله الله للمسلمين عيدًا " والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله ﷺ والمكان كقول النبي ﷺ " لا تتخذوا قبرى عيدًا " وقد يكون لفظ العيد إسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب ، كقول النبي ﷺ : " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا " انتهى . قال المصنف : وفيه استفصال المفتى والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله . قلت : وفيه سد الذريعة وترك مشابهة المشركين ، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك . قوله : فأوف بنذرك هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغير الله . أي في محل أعيادهم ، معصية ، لأن قوله فأوف بنذرك تعقيب للوصف بالحكم بالفاء ، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم . فيكون سبب الأمر بالوفاء خلوه من هذين الوصفين . فلما قالوا لا قال أوف بنذرك وهذا يقتضى أن كون البقعة مكانًا لعيدهم ، أو بها وثن من أوثانهم : مانع من الذبح بها ولو نذره . قال شيخ الإسلام . وقوله : فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله دليل على أن هذا نذر معصية لو قد وجد في المكان بعض الموانع . وما كان من نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء . واختلفوا هل تجب فيه كفارة يمين ؟ هما روايتان عن أحمد . أحدهما : يجب وهو المذهب . وروى عن ابن مسعود وابن عباس . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا : " لا نذر في معصية ، وكفارته كفارة يمين " رواه أحمد وأهل السنن واحتج به أحمد واسحق . ثانيهما : لا كفارة عليه . وروى ذلك عن مسروق والشعبي والشافعي ، لحديث الباب . ولم يذكر فيه كفارة . وجوابه : أنه ذكر الكفارة في الحديث المتقدم . والمطلق يحمل على المقيد . قوله : ولا فيما لا يملك ابن آدم قال في شرح المصابيح : يعنى إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال : إن شفى الله مريضي فلله على أن أعتق عبد فلان ونحو ذلك . فأما إذا التزم في الذمة شيئًا ، بأن قال إن شفى الله مريضي فلله على أن أعتق رقبة ، وهو في تلك الحال لا يملكها ولا قيمتها ، فإذا شفى مريضه ثبت ذلك في ذمته . قوله : رواه أبو داود وإسناده على شرطهما أي البخاري ومسلم . وأبو داود : اسمه سليمان ابن الأشعث بن اسحق بن بشير بن شداد الأزدى السجستانى صاحب الإمام أحمد ، ومصنف السنن والمراسيل وغيرها ، ثقة إمام حافظ من كبار العلماء مات سنة خمس وسبعين ومائتين . رحمه الله تعالى .

باب من الشرك النذر لغير الله قوله : ( باب من الشرك النذر لغير الله تعالى ) أي لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله . فيكون النذر لغير الله تعالى شركًا في العبادة . وقوله تعالى : ' 76 : 7 ' " يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا " فالآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر ومدح من فعل ذلك طاعة لله ووفاء بما تقرب به إليه . وقوله تعالى : ' 2 : 270 ' " وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه " . قال ابن كثير : يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعله العاملون من الخيرات ، من النفقات والمنذورات ، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين إبتغاء وجهه . ا هـ . إذا علمت ذلك : فهذه النذور الواقعة من عباد القبور ، تقربًا بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم وليشفعوا لهم ، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب . كما قال تعالى : ' 6 : 136 ' " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون " . قال شيخ الإسلام رحمه الله : وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك ، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات . والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة ، وكذلك الناذر للمخلوقات . فإن كلاهما شرك . والشرك ليس له حرمة ، بل عليه أن يستغفر الله من هذا ويقول ما قال النبي ﷺ : " من حلف وقال في حلفه : واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " . وقال فيمن نذر سمعة أو نحوها دهنًا لتنور به ويقول : إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين ـ : وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به وكذلك إذا نذر مالًا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة . فإن فيهم شبهًا من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة ، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله . والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل عليه السلام : " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " والذين اجتاز بهم موسى عليه السلام وقومه ، قال تعالى : ' 7 : 138 ' " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم " فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية . وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها ، أو لسدنة الأبداد في الهند والمجاورين عندها . وقال الرافعى في شرح المنهاج : وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولى أو شيخ أو على إسم من حلها من الأولياء ، أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين فإن قصد الناذر بذلك ـ وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة تعظيم البقعة والمشهد ، أو الزاوية ، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه ، أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد ، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات ، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء ويستجلب بها النعماء ، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم : إنه استند إليها عبد صالح وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت ، ويقولون إنها تقبل النذر كما يقوله البعض يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض ، أو قدوم غائب أو سلامة مال ، وغير ذلك من أنواع المجازاة ، فهذا النذر على الوجه باطل لا شك فيه ، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقًا . ومن ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل عليه السلام ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء ، فإن الناذر لا يقصد بذلك الإيقاد على القبر إلا تبركًا وتعظيمًا ، ظانًا أن ذلك قربة ، فهذا مما لا ريب في بطلانه ، والإيقاد المذكور محرم ، سواء انتفع به هناك منتفع أم لا . قال الشيخ قاسم الحنفى في شرح درر البحار : النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد ، كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويجعل على رأسه ستره ، ويقول : يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو عوفى مريضي ، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا ، أو من الفضة كذا ، أو من الطعام كذا ، أو من الماء كذا ، أو من الشمع والزيت . فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه ، منها : أنه نذر لمخلوق ، والنذر للمخلوق لا يجوز ، لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق ، ومنها أن المنذور له ميت ، والميت لا يملك ، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله ، واعتقاد ذلك كفر ـ إلى أن قال : إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليها فحرام بإجماع المسلمين. نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق ، ونقله المرشدى في تذكرته وغيرهما عنه وزاد: قد ابتلى الناس بهذا لا سيما في مولد البدوى. وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء : فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان فهو لغير الله ، فيكون باطلًا . وفي التنزيل ' 6 : 121 ' " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " ' 6 : 162 ' " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له " والنذر لغير الله إشراك مع الله ، كالذبح لغيره .

حديث من نذر أن يعصي الله فلا يعصه قوله : عن عائشة هي أم المؤمنين ، زوج النبي ﷺ ، وابنة الصديق رضي الله عنهما تزوجها النبي ﷺ وهي ابنة سبع سنين ، ودخل بها ابنة تسع وهي أفقة النساء مطلقًا ، وهي أفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيها خلاف . ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح رضي الله عنها . قوله : من نذر أن يطيع الله فليطعه أي فليفعل ما نذره من طاعة الله وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه ، كإن شفى الله مريضى فعلى أن أتصدق بكذا ونحو ذلك وجب عليه ، إن حصل له ما علق نذره على حصوله . وحكى عن أبي حنيفة : أنه لا يلزم الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصوم وأما ما ليس كذلك كالاعتكاف فلا يجب عليه الوفاء به . قوله : ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه زاد الطحاوى : وليكفر عن يمينه وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية . قال الحافظ : اتفقوا على تحريم النذر في المعصية ، وتنازعوا : هل ينعقد موجبًا للكفارة أم لا ؟ وتقدم . وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح ، كما هو مذهب أحمد وغيره ، يؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأحمد والترمذي عن بريدة : أن امرأة قالت : "يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف ، فقال أوفي بنذرك" وأما نذر اللجاج والغضب فهو يمين عند أحمد ، فيخير بين فعله وكفارة يمين ، لحديث عمران بن حصين مرفوعًا " لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين " رواه سعيد بن منصور وأحمد والنسائي ، فإن نذر مكروهًا كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله .

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله قوله : ( باب : من الشرك الاستعاذة بغير الله )

الاستعاذة الالتجاء والاعتصام ، ولهذا يسمى المستعاذ به : معاذًا وملجأ فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه ، إلى ربه ومالكه ، واعتصم واستجار به والتجأ إليه ، وهذا تمثيل ، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله ، والاعتصام به ، والانطراح بين يدى الرب ، والافتقار ، والتذليل له ، أمر لا تحيط به العبارة . قاله ابن القيم رحمه الله . وقال ابن كثير : الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذى شر . والعياذ يكون لدفع الشر . واللياذ لطلب الخير . انتهى . قلت : وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عباده ، كما قال تعالى : ' 41 : 36 ' " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم " وأمثال ذلك في القرآن كثير كقوله : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة ، فمن صرف شيئًا من هذه العبادات لغير الله جعله شريكًا لله في عبادته ونازع الرب في إلهيته كما أن من صلى لله صلى لغيره يكون عابدًا لغير الله ، ولا فرق ، كما سيأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى . قوله : وقول الله تعالى : ' 72 : 6 ' " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا " . قال ابن كثير : أي كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا ، أي إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشئ يسوءهم ، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته ، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقًا ، أي خوفًا وإرهابًا وذعرًا ، حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم ـ إلى أن قال ـ قال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم رهقًا أي خوفًا . وقال العوفي عن ابن عباس فزادوهم رهقًا أي إثمًا ، وكذا قال قتادة . ا هـ . وذاك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يريد كبير الجن ، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله . وقال ملا على قاري الحنفي : لا يجوز الاستعاذة بالجن . فقد ذم الله الكافرين على ذلك وذكر الآية وقال : قال تعالى '6: 128' " ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم " فاستمتاع الإنسى بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشئ من المغيبات ، واستمتاع الجنى بالإنسى تعظيمه إياه ، وإستعاذته به وخضوعه له . انتهى ملخصًا . قال المصنف : وفيه أن كون الشئ يحصل به منفعة دنيوية لا يدل على أنه ليس من الشرك .

ما يقول من نزل بمكان يخافه قوله : وعن خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول : " من نزل منزلًا فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك " رواه مسلم . هي خولة بنت حكيم بن أمية السلمية ، يقال لها أم شريك ، ويقال إنها هي الواهبة وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون . قال ابن عبد البر : وكانت صالحة فاضلة . قوله : أعوذ بكلمات الله التامات شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلًا عما يفعله أهل الجاهلية من الإستعاذة بالجن ، فشرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته . قال القرطبي : قيل : معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب ، كما يلحق كلام البشر . وقيل معناه : معناه الشافية الكافية . وقيل الكلمات هنا هي القرآن . فإن الله أخبر عنه بأنه : ' 10 : 57 و 17 : 82 و 41 : 44 ' " هدى وشفاء " وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى . ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى كان من باب المندوب إليه المرغب فيه ، وعلى هذا فحق المستعيذ بالله أو بأسمائه وصفاته أن يصدق الله في إلتجائه إليه ، ويتوكل في ذلك عليه ، ويحضر ذلك في قلبه ، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه . قال شيخ الإسلام رحمه الله : وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الإستعاذة بمخلوق . وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق . قالوا : لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك ، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك .

وقال ابن القيم : ومن ذبح للشيطان ودعاه ، واستعاذ به وتقرب إليه بما يجب فقد عبده ، وإن لم يسم ذلك عبادة ويسميه استخدامًا ، وصدق ، هو استخدام من الشيطان له ، فيصير من خدم الشيطان وعابديه ، وبذلك يخدمه الشيطان ، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عباده ، فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده كما يفعل هو به ا هـ . قوله : " من شر ما خلق " قال ابن القيم رحمه الله : أي من كل شر في أي مخلوق قام بن الشر من حيوان أو غيره ، إنسيًا أو جنيًا ، أو هامة أو دابة ، أو ريحًا أو صاعقة ، أو أي نوع من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة . و ما ههنا موصولة وليس المراد بها العموم الإطلاقي ، بل المراد التقييدي الوصفي ، والمعنى : من كل شر كل مخلوق فيه شر، لا من شر كل ما خلقه الله ، فإن الجنة والملائكة والأنبياء ليس فيهم شر ، والشر يقال على شيئين : على الألم ، وعلى ما يفضى إليه . قوله : لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك قال القرطبي : هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة ، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شئ إلى أن تركته ، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلًا ، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات . باب من الشرك الاستعانة بغير الله ودعاء غير الله قوله : ( باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ) قال شيخ الإسلام رحمه الله : الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب ، والدعاء أعم من الاستغاثة ، لأنه يكون من المكروب وغيره . فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص . فبينهما عموم وخصوص مطلق ، يجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة ، فكل استغاثة دعاء ، وليس كل دعاء استغاثة . وقوله : أو يدعو غيره اعلم أن الدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ، ويراد به في القرآن هذا تارة ، وهذا تارة ، ويراد به مجموعهما فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر ، ولهذا أنكر الله على من يدعو أحدًا من دونه ممن لا يملك ضرًا ولا نفعًا ، كقوله تعالى : ' 5 : 76 ' " قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا والله هو السميع العليم " وقوله : ' 6 : 71 ' " قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين " وقال : ' 10 : 106 ' " ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين " . قال شيخ الإسلام رحمه الله : فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة ، قال الله تعالى : ' 7 : 55 ' " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين " وقال تعالى : ' 6 : 40 ، 41 ' " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون " وقال تعالى : ' 13 : 14 ' " له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن يحصر ، وهو يتضمن دعاء العبادة ، لأن السائل أخلص سؤاله لله ، وذلك من أفضل العبادات ، وكذلك الذاكر لله والتالي لكتابه ونحوه ، طالب من الله في المعنى ، فيكون داعيًا عابدًا . فتبين بهذا من قول شيخ الإسلام أن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة ، وقد قال الله تعالى عن خليله : ' 19 ، 48 ، 49 ' " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا " فصار الدعاء من أنواع العبادة ، فإن قوله : " وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا " كقول زكريا : ' 19 : 4 ' " إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا " . وقد أمر الله تعالى به في مواضع من كتابه كقوله : ' 7 : 55 ، 56 ' " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين " وهذا هو دعاء المسألة المتضمن للعبادة ، فإن الداعي يرغب إلى المدعو ويخضع له ويتذلل . وضابط هذا : أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة ، فإذا صرف من تلك العبادة شيئًا لغير الله فهو مشرك مصادم لما بعث به رسوله من قوله : ' 39 : 14 ' " قل الله أعبد مخلصًا له ديني " وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

تعظيم رسول الله غير الغلو فيه قال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية : فإذا كان على عهد النبي ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة ، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام لأسباب منها : الغلو في بعض المشايخ ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ، بل الغلو في المسيح ، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول : يا سيدي فلان انصرني أو أغثني ، أو ارزقني ، أو أنا في حسبك ، ونحو هذه الأقوال . فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل . فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، ليعبد وحده لا شريك له ، ولا يدعى معه إله آخر . والذي يدعون مع الله آلهة آخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام ، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات ، وإنما كانوا يعبدونهم ، أو يعبدون قبورهم ، أو يعبدون صورهم ، يقولون : ' 39 : 3 ' " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " ' 10 : 101 ' " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فبعث الله سبحانه رسله تنهى عن أن يدعى أحد من دونه ، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة . ا هـ . وقال أيضًا : من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا . نقله عنه صاحب الفروع وصاحب الإنصاف وصاحب الإقناع وغيرهم . وذكره شيخ الإسلام ونقلته عنه في الرد على ابن جرجيس في مسألة الوسائط . وقال ابن القيم رحمه الله : ومن أنواعه ـ يعني الشرك ـ طلب الحوائج من الموتى ، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم . وهذا أصل شرك العالم . فإن الميت قد انقطع عمله ، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ، فضلًا عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله ، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده ، وسيأتي تتمة كلامه في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى . وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي رحمه الله في رده على السبكى في قوله : إن المبالغة في تعظيمه ـ أي الرسول ﷺ ـ واجبة . إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظميًا ، حتى الحج إلى قبره والسجود له ، والطواف به ، واعتقاد أنه يعلم الغيب ، وأنه يعطى ويمنع لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع ، وأنه يقضى حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين ، وأنه يشفع فيمن يشاء ، ويدخل الجنة من يشاء ـ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك ، وانسلاخ من جملة الدين . وفي الفتاوى البزازية من كتب الحنفية : قال علماؤنا : من قال أرواح المشائخ حاضرة تعلم : يكفر .

الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفًا وقال الشيخ صنع الله الحنفي رحمه الله ـ في كتابه الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة : هذا وأنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، مستدلين أن ذلك منهم كرامات وقالوا: منهم أبدان ونقباء ، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة ، وأربعون وأربعة ، والقطب هو الغوث للناس ، وعليه المدار بلا التباس ، وجوزوا لهم الذبائح والنذور ، وأثبتوا فيهما الأجور ، قال : وهذا كلام فيه تفريط وإفراد ، بل فيه الهلاك الأبدى والعذاب السرمدى، لما فيه من روائح الشرك المحقق ، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق ، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة . وفي التنزيل : ' 4 : 114 ' " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا " . ثم قال : فأما قولهم : إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، فيرده قوله تعالى : ' 27 : 61 ـ 64 ' " أإله مع الله " ' 7 : 54 ' " ألا له الخلق والأمر " ' 3 : 189 و 5 : 19 و 20 : 123 و 24 : 42 و 42 : 49 و 45 : 27 و 48 : 14 ' " لله ملك السموات والأرض " ونحوها من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير ، ولا شئ لغيره في شئ ما بوجه من الوجوه فالكل تحت ملكه وقهره تصرفًا وملكًا ، وإماتة وخلقًا . وتمدح الرب تبار وتعالى بانفراده بملكه في آيات من كتابه كقوله : ' 35 : 3 ' " هل من خالق غير الله ؟ " ' 35 : 40 ' " والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير " وذكر آيات في هذا المعنى . ثم قوله : فقوله في الآيات كلها من دونه أي من غيره . فإنه هام يدخل فيه من اعتقدته ، ومن ولى وشيطان تستمده ، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره ؟ إلى أن قال : إن هذا لقول وخيم، وشرك عظيم ، إلى أن قال : وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة . قال جل ذكره : ' 29 : 30 ' " إنك ميت وإنهم ميتون " ' 39 : 42 ' " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " ' 3 : 185 و 21 : 34 و 29 : 57 ' " كل نفس ذائقة الموت " ' 74 : 38 ' " كل نفس بما كسبت رهينة " وفي الحديث : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " الحديث فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت ، وأن أرواحهم ممسكة وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان ، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلًا عن غيره . فإذا عجز عن حركة نفسه . فكيف يتصرف في غيره ؟ فلله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون : إن الأرواح مطلقة متصرفة ' 2 : 140 ' " قل أأنتم أعلم أم الله ؟ " . قال : وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات ، فهو من المغالطة ، لأن الكرامة شئ من عند الله يكرم به أولياءه ، لا قصد لهم فيه ولا تحدى ، ولا قدرة ولا علم ، كما في قصة مريم بنت عمران ، وأسيد بن حضير ، وأبي مسلم الخولاني . قال : وأما قولهم فيستغاث بهم في الشدائد ، فهذا أقبح مما قبله وأبدع لمصادمته قوله جل ذكره : ' 27 : 62 ' " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ؟ " ' 6 : 63 ، 64 ' " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون " وذكر آيات في هذا المعنى ، ثم قال : فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره ، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين ، وأنه المستغاث لذلك كله ، وأنه القادر على دفع الضر ، القادر على إيصال الخير . فهو المنفرد بذلك ، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبى وولي . قال : والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال ، أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه ، كقولهم : يا لزيد ، يا للمسلمين ، بحسب الأفعال الظاهرة . وأما الإستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد ، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره . قال : وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية والجهال . وينادونهم ويستنجدون بهم . فهذا من المنكرات . فمن اعتقد أن لغير الله من نبى أو ولى أو روح أو غير ذلك في كشف كربة وغيره على وجه الإمداد منه : أشرك مع الله ، إذ لا قادر على الدفع غيره ولا خير إلا خيره . قال : وأما ما قالوا إن منهم أبدالًا ونقباء وأوتادًا ونجباء وسبعين وسبعة وأربعين وأربعة والقطب هو الغوث للناس . فهذا من موضوعات إفكهم . كما ذكره القاضي المحدث في سراج المريدين ، وابن الجوزى وابن تيمية . انتهى باختصار . والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى واعتقدها أهل الأهواء . فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الكتاب . والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولًا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكون بمحكم القرآن ، المتسجيون لداعى الحق والإيمان . والله المستعان وعليه التكلان .

" ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك " إلخ قال : وقوله تعالى : ' 10 : 106 ' " ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين " . قال ابن عطية : معناه قيل لي ولا تدع فهو عطف على أقم وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ . إذا كانت هكذا فأحرى أن يحذر من ذلك غيره . والخطاب خرج مخرج الخصوص وهو عام للأمة . قال أبو جعفر ابن جرير في هذه الآية : يقول تعالى ذكره : ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يضرك في دين ولا دنيا ، يعنى بذلك الآلهة والأصنام ، يقول لا تعبدها راجيًا نفعها أو خائفًا ضرها فإنها لا تنفع ولا تضر . فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله فإنك إذًا من الظالمين يكون من المشركين بالله الظالم لنفسه . قلت : وهذه الآية لها نظائر كقوله : ' 26 : 213 ' " فلا تدع مع الله إلهًا آخر فتكون من المعذبين " وقوله: ' 28 : 88 ' " ولا تدع مع الله إلهًا آخر لا إله إلا هو " ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلهًا ، والإلهية حق لله لا يصلح منها شئ لغيره . ولهذا قال : " لا إله إلا هو " كما قال تعالى : ' 22 : 62 ' " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير " وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه ، كما قال تعالى : ' 98 : 5 ' " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " والدين : كل ما يدان الله به من العبادات الظاهرة والباطنة . وفسره ابن جرير في تفسيره بالدعاء ، وهو فرد من أفراد العبادة ، على عادة السلف في التفسير ، يفسرون الآية ببعض أفراد معناها ، فمن صرف منها شيئًا لقبر أو صنم أو وثن أو غير ذلك فقد اتخذه معبودًا وجعله شريكًا لله في الإلهية التي لا يستحقها إلا هو ، كما قال تعالى : '23 : 117 ' " ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون " فتبين بهذه الآية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال . وقوله : '10 : 107 ' " وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله " فإنه المنفرد بالملك والقهر ، والعطاء والمنع ، والضر والنفع ، دون كل ما سواه . فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده ، المعبود وحده ، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع . ولا يملك ذلك ولا شيئًا منه غيره تعالى ، فهو المستحق للعبادة وحده ، دون من لا يضر ولا ينفع . وقوله تعالى : ' 39 : 38 ' " قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " وقال : ' 35 : 2 ' " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " فهذا ما أخبر به الله تعالى في كتابه من تفرده بالإلهية والربوبية ، ونصب الأدلة على ذلك . فاعتقد عباد القبور والمشاهد نقيض ما أخبر به الله تعالى ، واتخذوهم شركاء لله في استجلاب المنافع ودفع المكاره ، بسؤالهم والالتجاء بالرغبة والرهبة والتضرع ، وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها إلا الله تعالى ، واتخذوهم شركاء لله في ربوبيته وإلهيته . وهذا فوق شرك كفار العرب القائلين : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " " هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فإن أولئك يدعونهم ليشفعوا لهم ويقربوهم إلى الله . وكانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك ، لا شريك لك* إلا شريكًا هو لك * تملكه وما ملك * . وأما هؤلاء المشركون فاعتقدوا في أهل القبور والمشاهد ما هو أعظم من ذلك . فجعلوا لهم نصيبًا من التصرف والتدبير ، وجعلوهم معاذًا لهم وملاذًا في الرغبات والرهبات " سبحان الله عما يشركون " . وقوله : " وهو الغفور الرحيم " أي لمن تاب إليه . قال : وقوله تعالى : ' 29 : 17 ' " فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون" يأمر تعالى عباده بابتغاء الرزق منه وحده دون ما سواه ممن لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا . فتقديم الظرف يفيد الاختصاص . وقوله : واعبدوه من عطف العام على الخاص ، فإن ابتغاء الرزق عنده من العبادة التي أمر الله بها . قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى : فابتغوا أي فاطلبوا عند الله الرزق أي لا عند غيره . لأنه المالك له ، وغيره لا يملك شيئًا من ذلك واعبدوه أي أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له واشكروا له أي على ما أنعم عليكم إليه ترجعون أي يوم القيامة فيجازى كل عامل بعمله .

" إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون " إلخ

" ومن أضل ممن يدعو من دون الله " إلخ قال : : وقوله ' 46 : 5 ، 6 ' " ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين " نفى سبحانه أن يكون أحد أضل ممن يدعو غيره . وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة . والآية تعم على كل من يدعى من دون الله ، كما قال تعالى : ' 17 : 56 ' " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا " وفي هذه الآية أخبر أنه لا يستجيب وأنه غافل عن داعيه " وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين " فتناولت الآية كل داع وكل مدعو من دون الله . قال أبو جعفر بن جرير في قوله : " وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً " يقول تعالى ذكره : وإذا جمع الناس ليوم القيامة في موقف الحساب كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء ، لأنهم يتبرأون منهم " وكانوا بعبادتهم كافرين " يقول تعالى ذكره : وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين ، لأنهم يقولون يوم القيامة : ما أمرناهم ولا شعرنا بعبادتها إيانا . تبرأنا منهم يا ربنا . كما قال تعالى : ' 25 : 17 ، 18 ' " ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا " . قال ابن جرير : " ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله " من الملائكة والإنس والجن وساق بسنده عن مجاهد قال : عيسى وعزير والملائكة . ثم قال : يقول تعالى ذكره قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله وعيسى : تنزيهًا لك يا ربنا وتبرئةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون " ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء " نواليهم " أنت ولينا من دونهم " انتهى . قلت : وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء : في السؤال والطلب ، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم : الصلاة لغة الدعاء ، وقد قال تعالى : ' 35 : 13 ، 14 ' " والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير " الآيتين وقال : ' 6 : 63 ' " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية " وقال : ' 10 : 12 ' " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا " وقال : ' 41 : 51 ' " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " وقال : ' 41 : 49 ' "لا يسأم الإنسان من دعاء الخير " الآية . وقال : ' 8 : 9 ' " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم " الآية . وفي حديث أنس مرفوعًا : " الدعاء مخ العبادة " وفي الحديث الصحيح : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " وفي آخر : " من يسأل الله يغضب عليه " وحديث : " ليس شئ أكرم على الله من الدعاء " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه . وقوله : " الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض " رواه الحاكم وصححه . وقوله : " سلوا الله كل شئ حتى الشسع إذا انقطع " الحديث . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أفضل العبادة الدعاء وقرأ : ' 40 :60 ' "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " الآية . رواه ابن المنذر والحاكم وصححه . وحديث : " اللهم إني أسألك بأن لله الحمد لا إله إلا أنت المنان..." الحديث وحديث : " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد " وأمثال هذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر ، في الدعاء الذي هو السؤال والطلب ، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفًا وخلفًا . وأما ما تقدم من كلام شيخ الإسلام ، وتبعه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى من أن الدعاء نوعان : دعاء مسألة ودعاء عبادة . وما ذكر بينهما من التلازم وتضمن أحدهما للآخر . فذلك باعتبار كون الذاكر والتالي والمصلى والمتقرب بالنسك وغيره طالبًا في المعنى . فيدخل في مسمى الدعاء بهذا الاعتبار ، وقد شرح الله تعالى في الصلاة الشرعية من دعاء المسألة ما لا تصح الصلاة إلا به ، كما في الفاتحة والسجدتين وفي التشهد ، وذلك عبادة كالركوع والسجود . فتدبر هذا المقام يتبين لك جهل الجاهلين بالتوحيد. ومما يتبين هذا المقام ويزيد إيضاحًا . قوله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى : ' 17 : 110 ' " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " وهذا الدعاء المشهور أنه دعاء المسألة . قالوا : كان النبي ﷺ يدعو ربه ويقول مرة يا الله ومرة يا رحمن فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية . ذكر هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقيل : إن هذا الدعاء هنا بمعنى التسمية ، والمعنى : أي سميتموه به من أسماء الله تعالى ، إما الله وإما الرحمن فله الأسماء الحسنى . وهذا من لوازم المعنى في الآية . وليس هو عين المراد . بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن . وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء . ثم قال : إذا عرف هذا فقوله : " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " يتناول نوعي الدعاء لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة ، ولهذا أمر بإخفائه . قال الحسن : بين دعاء السر ودعاء العلانية سبعون ضعيفًا . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولم يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم . وقوله تعالى : ' 2 : 186 ' " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " يتناول نوعى الدعاء ، وبكل منهما فسرت الآية قيل : أعطيه إذا سألني ، وقيل أثيبه إذا عبدني ، وليس هذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، بل هذا استعمال في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جمعيًا . وهذا يأتي في مسألة الصلاة وإنها نقل عن مسماها في اللغة وصارت حقيقة شرعية ، واستعملت في هذه العبادة مجازًا للعلاقة بينهما وبين المسمى اللغوي وهي باقية على الوضع اللغوي ، وضم إليها أركان وشرائط . فعلى ما قررناه لا حاجة إلى شئ من ذلك ، فإن المصلى من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء : إما عبادة وثناء ، أو دعاء طلب ومسألة ، وهو في الحالتين داع . ا هـ . ملخصًا من البدائع .

" أمن يجيب المضطر إذا دعاه " قال : وقوله ' 27 : 62 ' " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلًا ما تذكرون " بين تعالى أن المشركين من العرب ونحوهم قد علموا أنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء إلى الله وحده فذكر ذلك سبحانه محتجًا عليهم في اتخاذهم الشفعاء من دونه ، ولهذا قال " أإله مع الله ؟ " يعنى يفعل ذلك . فإذا كانت آلهتهم لا تجيبهم في حال الاضطرار فلا يصلح أن يجعلوها شركاء لله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وحده . وهذا أصح ما فسرت به الآية كسابقتها من قوله " أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون * أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون " ولا حقتها إلى قوله : " أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون * أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " . فتأمل هذه الآيات يتبين لك أن الله تعالى احتج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه : من قصر العبادة جمعيها عليه ، كما في فاتحة الكتاب : " إياك نعبد وإياك نستعين " . قال أبو جعفر بن جرير : قوله : " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء "ـ إلى قوله ـ "قليلًا ما تذكرون " يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون بالله خير ، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاء ويكشف السوء النازل به عنه ؟ وقوله : " ويجعلكم خلفاء الأرض " يقول : يستخلف بعد أمواتكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم ، وقوله : " أإله مع الله ؟ " أإله سواه يفعل هذه الأشياء بكم وينعم عليكم هذه النعم ؟ وقوله : " قليلًا ما تذكرون " يقول تذكرًا قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون ، وتعتبرون ححج الله عليكم يسيرًا . فلذلك أشركوا بالله وغيره في عبادته . ا هـ .

قوله ﷺ أنه لا يستغاث بي قوله : وروى الطبراني "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين . فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق ، فقال النبي ﷺ : إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله " . الطبراني : هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها . روى عن النسائي وإسحاق بن إبراهيم الديرى وخلق كثير . مات سنة ستين وثلثمائة . روى هذا الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه . قوله : أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين لم أقف على اسم هذا المنافق . قلت : هو عبد الله بن أبي كما صرح به ابن أبي حاتم في روايته . قوله : فقال بعضهم أي الصحابة رضي الله عنهم ، هو أبو بكر رضي الله عنه . قوله : قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق لأنه ﷺ يقدر على كف أذاه . قوله إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ولا بمن دونه . كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه ، وإن كان مما يقدر عليه في حياته ، حماية لجناب التوحيد ، وسدًا لذرائع الشرك وأدبًا وتواضعًا لربه ، وتحذيرًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال . فإذا كان فيما يقدر عليه ﷺ في حياته ، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته ويطلب منه أمورًا لا يقدر عليها إلا الله عز وجل ؟ كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء كالبوصيري والبرعي وغيرهم ، من الاستغاثة بمن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ، ويعرضون عن الاستغاثة بالرب العظيم القادر على كل شيء الذي له الخلق والأمر وحده ، وله الملك وحده ، لا إله غيره ولا رب سواه . قال تعالى : ( 7 : 187 ) " قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله " في مواضع من القرآن ( 72 : 21 ) " قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا " فأعرض هؤلاء عن القرآن واعتقدوا نقيض ما دلت عليه هذه الآيات المحكمات ، وتبعهم على ذلك الضلال الخلق الكثير والجم الغفير . فاعتقدوا الشرك بالله دينًا ، والهدى ضلالًا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فما أعظمها من مصيبة عمت بها البلوى ، فعاندوا أهل التوحيد وبدعوا أهل التجريد ، فالله المستعان .