النبي على حسب الشهور الهجرية ، واتفقت هذه المصادفة على غير تدبير مني ولا من أحد ، لأني لم أدبر لنفسي أوقات الفراغ التي هيأت لي اتمام فصوله وتقسيم العمل فيه يوما بعد يوم.
* * *
والخيرة في الواقع..
والخيرة كذلك في هذا التأخير..
فانني لو كتبته يومئذ لعدت إلى كتابته الآن من جديد، واحتجت إلى السنين الثلاثين أضيف خبرتها وقراءتها ورياضتها النفسية والفكرية الى محصول ذلك العمر الباكر[1].. إذ هو عمر يستطيع المرء أن يمتليء فيه اعجابا بمحمد ، لأنه عمر الاعجاب والحماسة الروحية. بيد انه لا يستطيع أن يقيسه بمقياسه وأن يشعر بشعوره في مثل تجاربه، وفي مثل السن التي اضطلع فيها بالرسالة . وان تقارب السن هنا لضرورة لا غنى عنها لتقريب ذلك الشأو[2] البعيد من شتى[3] نواحيه.
أين كنا قبل تلك السنين الثلاثين؟..
انها مسافات في عالم الفكر والروح .. لو تمثلت مكانا منظورا ، لأخذ المرء رأسه بيديه من الدوار وامتداد النظر بغير قرار .
كم رأي؟ .. كم مذهب؟ .. كم وسواس؟.. كم محنة.. كم مراجعة؟.. كم زلزال يتضعضع[4] له الكيان وتميد[5] معه الدعائم[6] والأركان؟.. كم وكم في ثلاثين سنة مما يطرق نفسا لا تعفيها الحياة من التجارب والعوارض[7] لمحة عين في نهار؟.. وكم لذلك كله من أثر في توطيد[8] الرأي وتهدئة الثوائر[9] وتجلية الغبار؟.. وكم يضيف ذلك كله الى الشباب الباكر الذي كان يحلم يومئذ بالعظمة في كل أوج [10]، وبالأوج المحمدي في عليا مراتب الأنبياء؟ ..
الخيرة في الواقع..
الخيرة في ذلك التأخير..
واليوم ونحن نضع كتابنا هذا عن «عبقرية محمد» بين يدي
٧