القراء، لا نقول .. اننا قد استوفيناه كما أردناه ، ولا اننا فصلنا فيه الغرض الذي توخيناه[1] .. ولكننا نقول اننا التزمنا فيه الباعث الذي أوحى الاقتراح بتأليفه لأول مرة. كأننا شرعنا في كتابته مساء ذلك اليوم قبل ثلاثين سنة ، فكتبناه ونحن نستحضر في الذهن تبرئة المقام المحمدي من تلك الأقاويل التي يلغط[2] بها الأغرار [3]والجهلاء عن حذلقة[4] أو سوء نية، ونظرنا اتفاقا، فإذا بأطول الفصول فيه الفصلان اللذان شرحنا فيهما موقف محمد من الحرب ومن الحياة الزوجية .. لأنهما كانا مثار اللغط تلك الليلة على مقربة من ساحة المولد ، وكانا مثار اللغط في كل ما ردده سفهاء الشانئين[5] من الأصلاء والمقتدين في هذا الباب .
* * *
فسيرى القاريء أن « عبقرية محمد » عنوان يؤدي معناه في حدوده المقصودة ولا يتعداها ، فليس الكتاب سيرة نبوية جديدة تضاف إلى السير العربية والافرنجية التي حفلت بها « المكتبة المحمدية » حتى الآن .. لأننا لم نقصد وقائع السيرة لذاتها في هذه الصفحات ، على اعتقادنا أن المجال متسع لعشرات من الأسفار [6] في هذا الموضوع ، ثم لا يقال انه استنفد كل الاستنفاد.
وليس الكتاب شرحا للاسلام أو لبعض أحكامه أو دفاعا عنه أو مجادلة لخصومه .. فهذه أغراض مستوفاة في مواطن شتى[7]، يكتب فيها من هم ذووها[8] ولهم دراية بها وقدرة عليها.
إنما الكتاب تقدير « لعبقرية محمد » بالمقدار الذي يدين به كل انسان ولا يدين به المسلم وكفى ، وبالحق الذي يبث [9]له الحب في قلب كل انسان، وليس في قلب كل مسلم وكفى.
فمحمد هنا عظيم .. لأنه قدوة المقتدين في المناقب التي يتمناها المخلصون لجميع الناس ..
عظيم لأنه على خُلق عظيم ..
٨