صفحة:داعي السماء.pdf/59

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

ومع هذا وجد في زماننا هذا أناس — كأتباع كارل ماركس — يؤمنون بالمادة وينكرون كلشيء غير هذه الدنيا المحسوسة، ويقولون إن الأديان والمذاهب والآداب وكل ما يحيك بضمير الإنسان إن هي إلا صورة من حياته المادية التي لا بعث بعدها ولا محل للروح فيها، ومنهم مع ذلك من يدخل السجن ويتعرض للنفي ويجازف بالحياة ويفقدها في سبيل إيمانه بمعتقده وإنكاره لمعتقد الآخرين … وليس بالمعقول أن يفقد الإنسان الحياة لأنه يطمح إلى الطعام الهنيء والعيش الرغيد، وليس بالمعقول من باب أولى أن يفقد الحياة ليأتي بعده من ينعم بالطعام الهنيء والعيش الرغيد وهو تحت التراب. فإذا هو أقدم على فقد الحياة فالمسألة عنده ليست مسألة حساب وموازنة أو مسألة مصلحة كبيرة بإزاء مصلحة صغيرة، ولكنه إنما يفعل ذلك لأنه بإزاء قوة تمضي به حيث شاءت ولا يمضي بها حيث شاء، أو لأنه في حالة نفسية غير حالة الحساب والموازنة ووضع الأرقام بإزاء الأرقام.

وقد شوهدت في الدنيا عبادات كثيرة وعقائد لا تحصى، ولكن لم تشاهد قط عقيدة تقبل التضحية بالحياة وهي خلو من إيمان بحق وثورة على باطل، ولم تشاهد قط عقيدة تقبل التضحية بالحياة وهي قائمة على منفعة تخص صاحبها ولا تتجاوزه إلى الآخرين. ومتى تجاوزت المنفعة فردًا واحدًا وأصبحت قابلة للتعميم بين الأفراد الآخرين؛ فهي إذن مسألة حق سابق لوجود المنافع وسابق لوجود الأفراد. فالإيمان أبدًا هو شعور بالحق وليس شعورًا بالمصلحة على وجه من الوجوه. وقد تقف المصلحة في سبيل العقيدة قبل الإيمان بها؛ لأن المصلحة موجودة والإيمان غير موجود. ولكنهما متى وجدتا معًا فهما شيئان وليسا بشيء واحد. ويظلان أبدًا شيئين من معدنين مختلفين وإن تلاقيا في الطريق إلى مدى بعيد. وإن إسلام بلال رضي لله عنه لمن الشواهد الكثيرة التي تقرر هذه الحقيقة في الأذهان.

وقد عنينا بأن نبين مزايا الإسلام في معاملة الأرقاء. ولكننا عنينا مع ذلك بأن نبين حقيقة أخرى لا بد من تبيينها في هذا المقام، وهي أن المعاملة نفسها ليست هي سبب والشعور بجمال هذا الحق أو وجوب تغليبه « الحق » دخول الأرقاء في الإسلام، وإنما هو على الباطل، ولو لقي الأرقاء في سبيله ما هو أقسى عليهم من معاملة المشركين للعبيد والإماء.

كان أول من أسلم ثمانية هم أولئك النخبة الأبرار: خديجة وأبو بكر وعلي وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد.

58