صفحة:داعي السماء.pdf/51

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

بعيد؛ لأن الأحباش في ذلك الزمن إنما كانوا يفهمون المسيحية على نحو أقرب إلى الوثنية، ولا يرحبون برسالة التوحيد المحمدية ذلك الترحيب.

ويذكر لبلال أخ يسمى خالدًا ويكنى بأبي رويحة، والأغلب في الروايات المختلفة أنه كان أخاه في الإسلام على سنة المؤاخاة بين الصحابة التي سنها عليه السلام، وقيل: إن له أختًا تسمى غفرة هي مولاة عمر بن عبد لله مولى غفرة المحدث المصري، ولا خبر عنها غير ذلك فيما روي من أخباره.

وكانت نشأة بلال بمكة في بني جمح من بطون قريش المشهورة.

وفي بني جمح هؤلاء نشأ أبو محذورة أحد الثلاثة المختارين من مؤذني النبي عليه السلام، وهم بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم كلثوم … ولا يُدرى أمن محضالمصادفة أن كانت نشأة اثنين من الثلاثة في بني جمح، أم كان لهؤلاء القوم بعضعناية بالصوت والغناء. وإنما المعروف عن القوم أنهم كانوا أصحاب الأزلام والأيسار في الجاهلية وأنهم كانوا من حزب عبد الدار حين شجر الخلف بينه وبين عبد مناف، فكان بينهم وبين بني عبد مناف خلاف قديم.

وإذا كان لنشأة بلال بين هؤلاء القوم أثر مقدور في بغضه لعبادة الجاهلية وإقباله على الإسلام فذلك هو اطلاعه بين القوم على أسرار الأزلام والأيسار وما يلزمها أحيانًا من الغش والتلبيس، وأن القوم فيهم مجافاة عن الرحمة والنزعة الروحية باعدت بينهم وبين خلائق عبد مناف — جد النبي عليه السلام — منذ القطيعة الأولى بين الأحزاب القرشية، وخليقٌ بأمثال هؤلاء ألا يألفهم الضعفاء.

ولم يعلم على التحقيق من كانوا سادة بلال وأبيه من بني جمح هؤلاء. فقيل إنه كان عند عقيلة من عقائلهم، وقيل إنه كان عند أيتام لأبي جهل، وقيل إنه كان عند أمية بن خلف وبعض ولده، واتفقت الأقوال على أن الصديق رضي لله عنه هو الذي استنقذه من أيديهم بعد ما عاينه من تعذيبهم إياه لدخوله في الإسلام. فاشتراه بخمس أواق من الذهب وقيل بسبع أواق وقيل بتسع أواق. وزعموا أن سيده أراد أن ينغص الصفقة على الصديق بعد شرائه فقال له: لو أبيت إلا أوقية لبعناك! فقال له الصديق: لو أبيتم إلا مائة لاشتريته …! ويزعم بعض الرواة أن الصديق استبدله بغلام له جلد من عبيده، وهي رواية يشك فيها كثيرًا؛ لأن الصديق لم يكن ليسلم المشركين رجلًا من أتباعه ليستنقذ به رجلًا غيره، وأدنى من ذلك وأشبه بخلائق الصديق رضي لله عنه أنه اشتراه بأمر النبي عليه السلام، وأنه عليه السلام عرض عليه الشركة فيه ليخفف عنه

50