شرح العمدة في الفقه/كتاب الصلاة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
شرح العمدة في الفقه
كتاب الصلاة
ابن تيمية


كتاب الصلاة[عدل]

مسألة الصلاة في أصل اللغة الدعاء ومنه قول تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وقوله تعالى { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل رواه مسلم والداعي يؤم المدعو ويقصده وسمي الثاني من الخيل مصليا لاتباعه السابق وقصده إياه ثم سمي عظم الورك صلا لأنه هو الذي يقصده المصلي من السابق ثم اتسع ذلك حتى قال علي رضي الله عنه سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر ولما بين القاصد والمقصود من الإيصال والقرب كان منه في الاشتقاق الأوسط الوصل لأن فيه الصاد واللام والواو ولهذا يقال الصلاة صلة بالله ومنه الاشتقاق الأكبر صلى النار واصطلابها لما فيه من المماسة والمقاربة والدعاء قصد المدعو والتوجه إليه إما على وجه المسألة وإما على وجه العبادة المحضة لأن دعاء الشيء هو طلبه وإرادته سواء طلب لذاته أو للأمر منه ومن ذلك قوله تعالى { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } فإنه فسر بالمسألة وبالعبادة وقوله { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } إلى قوله { هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } إلى قوله { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } إلى قوله { أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } وقوله تعالى { فادعوا الله مخلصين له الدين } وقوله تعالى { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } وقوله تعالى { ولم أكن بدعائك رب شقيا } وقوله تعالى { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا } وقوله تعالى { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض } وقوله تعالى { إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم } وقوله تعالى { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } الآية إلى قوله تعالى { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم } وقوله تعالى { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } وقوله تعالى { قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } إلى قوله { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } وقوله تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا } الآية وقوله تعالى { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله } فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربا وإلها بحيث يسأل ويعبد وقد فصل معنى الدعاء بقوله { إياك نعبد وإياك نستعين } وقوله تعالى { فاعبده وتوكل عليه } وفي قوله { عليه توكلت وإليه أنيب } ونحو ذلك من الآي فهو يعبد من حيث هو اله ويسأل من حيث هو رب وإن كان كل عابد سائلا وطالبا وكل سائل عابدا وقاصدا من جهة الإلتزام فسميت العبادات لله المحضة مثل الصلاة والذكر والسؤال والركوع والسجود والطواف صلاة أو هي دعاء لله وعبادة لله بلا توسط شيء آخر ولهذا قال ابن مسعود ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق ثم غلب هذا الاسم على ما كان فيه فعل مثل القيام والسجود والطواف دون القول المحض كالقراءة والذكر والسؤال ولأن ذلك عبادة بجميع البدن ولهذا اشترطت له الطهارة وإن اشتركا في استحباب الطهارة ثم غلب على القيام والركوع والسجود مع أذكارها لأنها أخص بالتعبد من الطواف ولهذا حرم فيه الكلام والعمل الكثير وسمي السجود المفرد كسجود التلاوة والشكر والقيام المفرد كقيام الجنازة صلاة وإن كان اغلب الصلوات المشروعة هي مما اشتملت على القيام والقعود والركوع والسجود فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا هذا وهي القيام والركوع والسجود لله بالأذكار المشروعة فيها ثم قال جماعة من أصحابنا منهم أبو الخطاب وابن عقيل هي منقولة في اللغة إلى الشرع ومعدول بها عن المفهوم الأول إلى مفهوم آخر

وقال القاضي وغيره ليست منقولة بل ضمت إليها الشريعة شروطا وقيودا وهي مبقاة على ما كانت عليه وكذلك القول في اسم الزكاة والصيام وغيرها من الأسماء الشرعية

وتحقيق ذلك إن تصرف الشرع فيها كتصرف أهل العرف في بعض الأسماء اللغوية إما تخصيصها ببعض معانيها كالدابة وإما تحويلها إلى ما بينه وبين المعنى الأول سبب كإسم الراوية والغائط والعذرة فالصلاة كانت اسما لكل دعاء فصاري إسما لدعاء مخصوص أو كانت اسما لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية لما بينها وبين الدعاء من المناسبة والأمر في ذلك متقارب نعم قد يسرف بعض من يقول هي منقولة فلا يشترط إن يكون بين المنقولة منه والمنقولهه إليه مناسبة بل يجعله وصفا ثانيا حتى كأنه ليس من المجاز اللغوي ويسرف من يقول هي منقولة حتى يعتقد أن مفهومها في الشرع هو محض الدعاء والمسألة فقط مما يكون في اللغة وما خرج عن ذلك من قيام وقعود وغير ذلك فهو شرط في الحكم بمعنى الصلاة التي هي الدعاء لا تجزئ إلا على هذا الوجه كمالا تجزئ إلا بتقدم الإيمان والطهارة ولا يجعل هذه الأفعال جزءا من المسمى ولا مفهومة من نفس الاسم وكلا القولين طرف وخيار الأمور أوسطها وبهذا التقرير قول من يقول هي منقولة اقرب إلى الصواب وكذلك أيضا بهذا التقرير أن معنى النقل تخصيصها ببعض معانيها وهي في ذلك أبلغ من تخصيص أهل العرف الاسم ببعض معانيه كالدابة والنجم لأن ذلك التخصيص كان معلوما بخلاف ما كان من خصائص الصوم والصلاة والزكاة فإنه لم يكن معروفا معناه ولا دلالة للفظ عليه وقد اتفقوا على إن الصلاة المشروعة بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم صارت في المفهوم من لفظ الصلاة في الكتاب والسنة ومن ادعى بعد ذلك أنها بعد ذلك تصرف إلى مجرد المعنى اللغوي فقد غلط

والصلاة واجبة في الجملة قال تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } وقال تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } وقال { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } ونصوص القرآن التي فيها ذكر الصلاة كثيرة جدا

وكذلك السنة منها حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه

وأجمعت الأمة على أن الصلاة واجبة في الجملة وأنها اعظم مباني الإسلام الفعلية وهي عمود الدين وسنذكر إن شاء الله بعض خصائصها

مسألة روى عبادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له

فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء

أما عدد الصلوات المكتوبات وعدد ركعاتها في حق المقيم الآمن فهو من باب العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله والمبين عنه معاني خطابه وتأويل كلامه الشارع عن الله بإذنه وبما انزل إليه من الكتاب والحكمة

وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مثل الحديث الذي ذكره الشيخ رحمه الله وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن طلحة ابن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله اخبرني ماذا فرض الله علي من الصلوات قال الخمس إلا إن تطوع شيئا فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام فقال شهر رمضان إلا إن تطوع فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة قال فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا انقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق متفق عليه وعن انس بن مالك قال فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد أنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه

ومعناه في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة وغيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وحديث ضمام بن ثعلبة وهي واجبة على كل مسلم بالغ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع على أي حال كان من صحة أو سقم أو خوف أو إقامة أو سفر والأدلة الدالة على وجوبها في هذه الأحوال عموما وخصوصا كما تذكر إن شاء الله تعالى

إلا الحائض والنفساء لما سبق في باب الحيض أن الحائض لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة

فأما المستحاضة ومن به سلس البول فتجب عليهما ويجب عليهما قضاء ما تركاه منها كما تقدم

فصل

فأما الكافر الأصلي فإنها تجب عليه في أشهر روايتين

بمعنى أنه يعاقب على تركها في الآخرة وفي الدنيا إذا شاء الله تعجيل عقوبته ويذم على ذلك في الدنيا والآخرة

فأما في حال كفره فلا تصح منه وإذا اسلم لم يجب عليه القضاء باتفاق لأن الله تعالى يقول { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وعن عمرو بن العاص قال لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يدك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يميني فقال ما لك يا عمرو فقلت أردت أن اشترط فقال تشترط ماذا قلت يغفر لي قال أما علمت إن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم

وفي لفظ لأحمد الإسلام يجب ما قبله وقوله الإسلام يهدم ما قبله من ترك الواجبات وفعل المحرمات بخلاف الهجرة والحج فانهما يهدمان ما فعل من إثم فما بين العبد وبين الله تعالى دون ما ترك من واجب يقضى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا ممن اسلم أن يقضي صلاة ولا صوما ولا زكاة ولا يأخذه بضمان دم ولا مال ولا بشيء من الأشياء وهذا لأن الكافر كان منكرا للوجوب وللتحريم فكان الفعل والترك داخلا في ضمن هذا الاعتقاد الباطل وفرعا له فلما تاب من هذا الاعتقاد وموجبه غفر الله له الأصل وفروعه ودخلت هذه الفروع فيه في حال المغفرة كما دخلت فيه في حال المعصية بخلاف من تركه معتقدا للوجوب فإن الترك هناك غير مضاف إلى غيره بل إلى كسل فالتوبة منه بالنشاط إلى فعل ما ترك ولأن تخلل المسقط بين زمني الوجوب والقضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك صلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل الغسل والطهارة فإنه يجب القضاء

ولا يخاطب الكافر بفعلها إلا بعد إن يسلم لما روى ابن عباس إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له انك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب رواه الجماعة وأما الكافر المرتد فالمشهور أنه يلزمه قضاء ما تركه قبل الردة من صلاة وزكاة وصوم ولا يلزمه قضاء ما تركه في زمن الردة وهذا هو المنصوص عنه في مواضع مفرقا بين ما تركه قبل الردة وبعدها

وحكي ابن شاقلا رواية أنه لا يلزمه شيء من ذلك بناء على أن الردة تحبط العمل لقوله تعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك } وقوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } وقوله { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } وقوله تعالى { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } إلى قوله تعالى { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } ولأن الكفر الطارئ يهدم ما كان قبله من الصالحات كما إن الإيمان الطارئ يهدم ما كان قبله من السيئات والقضاء إنما يراد به جبر ما حصل به من الخلل في العمل فإذا حبط الجميع فلا معنى لجبره مع ظاهر قوله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وعنه رواية أخرى أنه يلزمه قضاء الجميع أما قبل الردة فلوجوبه عليه وأما ما بعد الردة فلأنه التزم حكم الإسلام فلا يقبل منه الرجوع عنه كالمسلم إذا تركها عامدا ولهذا يضمن ما اتلفه في حال الردة من دية أو مال على المنصوص ولهذا لا يقر على دينه بغير جزية ولا فرق

فإذا لم يقر على الاعتقاد لم يقر على موجبه وهو الترك فيكون مطالبا بالفعل في الدنيا ولأن الدليل يقتضي وجوبها على كل حال وإنما عفي للكافر الأصلي عن القضاء لأن مدة الترك تطول غالبا وقد كان على دين يعتقد صحته ولم يعتقد بطلانه وهو مع ذلك مقر عليه يجوز إن يهادن ويؤمن وأن يسترق ويعقد له الجزية إن كان من أهل ذلك بخلاف المرتد

ووجه المشهور أن ما تركه قبل الردة قد وجب في ذمته واستقر فلا يسقط بعد ذلك بفعله لو كان مباحا فكيف يسقط بالمحرم ولأنه ترك صلاة يخاطب بفعلها ابتداء فخوطب بقضائها كالنائم والناسي وأولى ولأن تخلل المسقط بين زمن الوجوب والقضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك الصلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل العقل والطهارة فإنه يجب القضاء

وأما حبوط عمله بالردة فقد منع ذلك بعض أصحابنا وقالوا الآيات فيمن مات على الردة بدليل قوله تعالى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } والإطلاق في الآيات البواقي لا يمنع ذلك لأن كل عقوبة مرتبة على كفر فإنها مشروطة بالموت عليه

فان قيل التقييد في هذه الآية بالموت على الكفر إنما كان لأنه مرتب علي شيئين وهو حبوط العمل والخلود في النار

والخلود إنما يستحقه الكافر وتلك الآيات إنما ذكر فيها الحبوط فقط فعلم إن مجرد الردة كافية

قلنا قوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } وقوله تعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } لا يكون إلا لمن مات مرتدا لأن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وهذا ليس لمن مات على عمل صالح لأنه إذا عاد إلى الإسلام فقد غفر له الإرتداد الماضي لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجباته وحبوط العمل من موجباته يبين هذا أنه لو كان فعل في حال الردة ما تقتضيه الردة من شتم أو سب أو شرك لم يقم عليه إذا اسلم ولأن الكافر الحربي لو تقرب إلى الله بأشياء ثم ختم له بالإسلام لكانت محسوبة له بدليل ما روى حكيم ابن حزام قال قلت يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلاة وعتاقة وصلة هل فيها من اجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما سلف لك من خير متفق عليه فإذا كان الكفر المقارن للعمل لا يحبط إلا بشرط الموت عليه فإنه لا يحبط الكفر الطارئ إلا بشرط الموت أحرى وأولى لأن بقاء الشيء أولى من ابتدائه وحدوثه والدفع اسهل من الرفع ولهذا قالوا الردة والإحرام والعدة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه كيف وتلك الأعمال حين عملت عملت لله سبحانه وقد غفر الله ما كان بعدها من الكفر بالتوبة منه

ومن أصحابنا من قال يحبط العمل مطلقا لكن قال الإحباط هو إحباط الثواب لا إبطال العمل في نفسه بدليل أنه لا ينقض ما قبل الردة من الأمور المشروطة بالإسلام كالحكم والولاية والإرث والإمامة والذبح فلا تبطل صلاة من صلى خلفهم ولا يحرم ما ذبحه قبل الردة ولايلزم من بطلان ثوابه مما فعله سقوط الواجب الذي لم يفعله فإن الردة تناسب التشديد لا التخفيف

ثم نقول فعل المكتوبة له فائدتان إحداهما أنه يقتضي الثواب

والثانية أنه يمنع العقاب الواجب بتقدير الترك فإذا ارتد ذهبت فائدة واحدة وهي الثواب وبقيت الأخرى وهي منع العذاب على الترك بحيث لا يعذب من فعل ويحبط عمله على نفس ما فعله من الخير وإنما يعذب على الكفر المحبط كما يعذب من لم يفعل وهذا الخلل يتعين جبره وإلا عوقب على الترك وهذا معنى ما يجيء في كثير من الأعمال الواجبة أنها غير مقبولة أي لا ثواب فيها وإن أبرأت الذمة بحيث لولا الفعل لكان مكلفا ولولا السبب المانع من القبول لكان فيها ثواب ولهذا قلنا إذا أتى قبل الردة ما يوجب الحد من زنى أو سرقة وغيرهما فإنه يقام عليه الحد بعد الإسلام الثاني نص عليه بخلاف من أقيم عليه الحد قبل الردة فإنه لا يقام عليه الحد ثانية فلو فرضنا إن لا فائدة أصلا فيما فعله قبل الردة فإنما ذلك فيما يفعله دون ما يوجب عليه ولم يفعله فإنه الآن قادر على فعله على وجه يبرئه فيجب عليه كما يجب عليه قضاء الحقوق التي كانت واجبة قبل الردة ويثاب على قضائها وإن كان قد بطلت فائدة ما قضاه قبل الردة

وأما ما قبل الإسلام فإنه لم يخاطب به ابتداء وإنما يخاطب أولا بالإسلام فلا يجب قضاؤه كالكافر الأصلي فإن الموجب للسقوط في أحدهما موجود في الآخر وقد ارتد جماعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ومكث منهم طائفة على الردة برهة من الدهر ولم ينقل أن أحدا منهم أمر بالقضاء ولأن الترك هنا كان في ضمن الاعتقاد فلما غفر له الاعتقاد غفر له ما في ضمنه ولأن إيجاب القضاء هنا قد يكون فيه تنفير عن الإسلام لا سيما إذا كثرت أعوام الردة وكانت الأموال كثيرة فإنه قد يعجز عن القضاء فيصر على الكفر فرارا من القضاء

فأما ما فعله قبل الردة فلا يجب عليه قضاؤه بحال لأن الذمة برئت منه حتى الحج في إحدى الروايتين

وعنه إيجاب قضاء الحج فمن أصحابنا من علل ذلك بأن العمل الماضي حبط بالردة فيجب عليه ما يجب على الكافر الأصلي فعلى هذا يجب إعادة ما صلى إذا اسلم ووقته باق وهذه طريقة ابن شاقلا وأبي الخطاب وغيرهما وقال القاضي والآمدي وأكثر أصحابه مثل الشريف أبي جعفر يجب إعادة الحج مع القول بأن العمل لم يحبط لأن هذا إسلام جديد والإسلام مبني على خمس فلا بد فيه من جميع المباني بخلاف ما تكرر وجوبه من الصلاة والزكاة والصوم ولأن الإحتساب له بذلك الحج لا يمنع أن يجب عليه حج ثان بالإسلام كالكافر الحربي لو حج ثم اسلم لزمه حج ثان مع أن ذلك الحج محسوب له وكذلك العبد والصبي لو حجا قبل الوجوب كتب لهما ثوابه ثم يلزمهما بالوجوب حج ثان

وإذا اسلم لزمه قضاء ما تركه بعد الإسلام وإن لم يعلم وجوبه

فصل

وأما المجنون فلا يجب عليه قضاء على ما في ظاهر المذهب نص عليه في رواية صالح وأبي داود وغيرهما

وقد روى حنبل عنه أن المجنون يقضي الصلاة والصيام إذا أفاق كالمغمى عليه

وحمله بعض أصحابنا على الجنون العارض دون المطبق لقرب شبهه بالإغماء وقال في رواية أنه يحتمل الحال كالمبرسم بعد الصلاة وإن طال ذلك شهرا أو أكثر

والأول هو المذهب لما روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وهذا الحديث ينفي القضاء والأداء لكن وجب القضاء على النائم لقوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فبقي المجنون على الإطلاق كالصبي

وأما من زال عقله بغير جنون فيجب عليه القضاء سواء كان السبب مباحا أو محرما من فعله أو من غير فعله كالسكران ببنج أو خمر والنائم والمغمى عليه لمرض أو شرب دواء أو غير ذلك

وقال القاضي إن كان الإغماء بشرب دواء مباح لم يجب القضاء لأنه لو وجب القضاء لامتنع من شرب الدواء بخلاف إغماء المريض

والمباح هو ما تحصل معه السلامه في اغلب الأحوال وإن كان سما في أقوى الوجهي

وفي الآخر لا يجوز شرب السم بحال

والأول المذهب لأنها عبادة تسقط بالإغماء

وقيل إن كان عقله يزول بالدواء ويطول فهو كالمجنون وإن كان لا يدوم كثيرا فهو كالإغماء في الصيام وسائر العبادات

قال الإمام أحمد أغمى على عمار بن ياسر ثلاثا وروي نحو ذلك عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين وهذا لأن هذه الأسباب هي بين محرم لا يعذر في شربه وبين مباح تقصر مدته غالبا فأشبه النوم ويفارق الجنون فإنه يطول غالبا وينافي أهلية التكليف ويوجب الولاية على صاحبه ولا يجوز على الأنبياء ولأن الإغماء والنوم ونحوهما يزيل الإحساس الظاهر والعقل الظاهر وإلا فيجوز إن يرى رؤيا ويوحى إليه في حال نومه وإغمائه ويكون زوال العقل تبعا لزوال حس الظاهر بخلاف المجنون فإن حسه وإدراكه باق والعقل زائل فهو في ذلك ليس كالنائم ولهذا النائم والمغمى عليه يندر منهما القول والعمل بخلاف المجنون

فصل

وأما الصبي فلا تجب عليه في أشهر الروايتين

وعنه أنها تجب عليه إذا بلغ عشرا اختارها أبو بكر والتميمي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع رواه أحمد وأبو داود وعن سبرة الجهني قال قال رسول الله مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فقد أمر بالعقاب على تركها وما يعاقب على ترك شيء إلا الواجب لا سيما مع رأفة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته ولأنه يفهم الأمر ويقدر على الامتثال فوجب عليه كالبالغ وهذا لأن عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يعلم والقدرة التي بها يفعل وكلاهما موجود ولأن العشر مظنة الاحتلام وأول سببه فجاز أن تقوم مقامه ويحمل حديث رفع القلم على ما يفعله من الذنوب لا على ما يتركه من الواجب ويؤيد هذا أن المأمورات تصح منه فجاز أن تجب عليه ولهذا صح منه الإسلام وهو يلزم لأحكام كثيرة في الدنيا والآخرة وأما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان فلا تحرم عليه ولهذا لا تصح تصرفاته بغير إذن من نكاح وبيع وهبة ويقع كفره وقذفه وزناه وسرقته غير موجب للحد والعقوبة ومن قال هذا صحح إسلامه دون ردته كإحدى الروايات وهذا لأن فعل البر اسهل من ترك الإثم ولهذا قال سهل بن عبد الله أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن الآثام إلا صديق ومن قال هذا التزم وجوب الصيام إذا أطاقه

فأما الحج فلا يجب عليه قبل الإحتلام قولا واحدا لقوله أيما صبي حج به أهله ثم احتلم فعليه حجة أخرى وهذا يروى مرسلا وموقوفا عن ابن عباس وكذلك لو بلغ بالسن أو الإنبات ولم يحتلم لم يجب عليه ولو حج بعد البلوغ بالسن ثم احتلم لزمه إعادة الحج في رواية منصوصة على ظاهر الحديث الوارد فيه ولأن السن والإنبات ليس هو حقيقة الإدراك لأن الله انما علق الأحكام ببلوغ الحلم بقوله تعالى { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } وقوله تعالى { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } وقوله تعالى { حتى يبلغ أشده } وقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم لكن لما كان بلوغ الحلم خفيا عن غير المحتلم وكان ذلك غالبا يكون مع بلوغ خمسة عشر وإنبات شعر العانة جعل مظنته علامة قائمة مقامه في الأحكام التي تتعلق بغير هذا البالغ من الحدود والقصاص والجهاد والحجر وغير ذلك إذ كانوا لا يطلقون على الحقيقة غالبا فأما ما بينه وبين الله فإنه يعلم وقت احتلامه ولأن هذه الأمور تتكرر قبل الإحتلام وبعده فجاز إن يجعل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطا وعموما بخلاف الحج فإنه لا يتكرر ولأنه احرم لحجه قبل الإحتلام لكان قد فعل الحج قبل كمال قواه وبلوغ اشده ولذلك يعيده إذا بلغ

والرواية الأخرى اختيار أكثر أصحابنا حتى جعلها القاضي رواية واحدة وكذلك ابن بطة تأول الرواية الأولى لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وهذا يعم حكم الإثم الحاصل بفعل محرم أو ترك واجب كما شاركه في ذلك المجنون ولأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج والجهاد وهذا لأن الصبي في الأصل لما كان مظنة نقص العقل وضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشد حدا للتكليف لأن مظنة استكمال شرائطه غالبا ولأنها لو وجبت عليه لقتل بتركها كالبالغ ولكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحد ولم يكتف بضربه ولم يفوض ذلك إلى الوالي وبهذا يعلم إن ضربه عليها ليتمرن عليها ويعتادها وقد يجب لمصالحه وإن لم تكن واجبة عليه كما تضرب البهيمة تأديبا لها ودواء وكما يضرب المجنون لذلك وكان ابن عباس يقيد عكرمة على حفظ القرآن والسنة وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم مم اضرب يتيمي قال مما كنت ضاربا منه ولدك وكما يضرب على الكذب وفعل المحرمات ليكف عنها ويعتاد تعظيم المحرمات وإن كان قلمه مرفوعا إجماعا

وعلى الروايتين فيؤمر بها إذا بلغ سبع سنين

قال أصحابنا ويهدد على تركها ويضرب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث وذلك واجب على وليه وكافله نص عليه وكما تقدم في الحديث فإن الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب وقد قال الله تعالى { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال علي عليه السلام علموهم وأدبوهم

وإهمال ذلك سبب مصيره إلى النار ولأن هذا من مصالحه فوجب مراعاته كما يجب حفظ ماله ومنعه من جميع الفواحش والمعاصي ويؤمر مع ذلك بالطهارة ونحوها مما يشترط للصلاة لأن الصلاة لا تصح بدونها

فإن بلغ في أثناء الوقت لزمته الصلاة وإن كان قد صلاها أو هو فيها لأنها حينئذ وجبت عليه وما تقدم كان نفلا فلم يمنع الإيجاب كما لو حج قبل البلوغ ثم بلغ

ولو بلغ في أثنائها ثم خرج الوقت لم تجب عليه لزوال وقت الوجوب هذا هو المذهب المنصوص حتى لو احتلم في أثناء الليل وقد صلى المغرب والعشاء أعادهما نص عليه

ولو قيل إنه صلاها مرة لم تجب عليه ثانية لكان وجيها لأن تعجيل الصلاة والزكاة قبل وجوبها إذا كان مشروعا منع الوجوب كما لو صلى الثانية من المجموعتين في وقت الأولى أو فعل الجمعة قبل الزوال وكذلك لو عجل زكاة ماله قبل وجوبه والنفل قد يمنع وجوب الفرض كما لو صلى العيد أول النهار سقطت عنه الجمعة ولأن العادة الغالبة إن الصبيان يحتلمون بالليل ولم ينقل عنهم انهم كانوا يؤمرون بإعادة المغرب والعشاء

مسألة فمن جحد وجوبها بجهله عرف ذلك وإن جحدها عنادا كفر

هذا أصل مضطرد في مباني الإسلام الخمسة وفي الأحكام الظاهرة المجمع عليها من مكلف إن كان الجاحد لذلك معذورا مثل إن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك لم يكفر حتى يعرف إن هذا دين الإسلام لأن أحكام الكفر والتأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة لا سيما فيما لا يعلم بمجرد العقل قال الله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال تعالى { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال تعالى { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } وقال تعالى { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا } وقال تعالى { لأنذركم به ومن بلغ } فالإنذار لمن بلغه القرآن بلفظه أو معناه فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو بغير واسطة قامت عليه الحجة وانقطع عذره

فأما الناشىء بديار الإسلام ممن يعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا يقبل قوله أي لم اعلم ذلك ويكون ممن جحد وجوبها بعد إن بلغه العلم في ذلك فيكون كافرا كفرا ينقل عن الملة سواء صلاها مع ذلك أو لم يصلها وسواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد وسواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعضا أو لا وسواء تأول في ذلك أو لم يتأول لأنه كذب الله ورسوله وكفر بما ثبت إن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث به ولهذا اجمع رأي عمر والصحابة في إن الذين شربوا الخمر مستحلين لها انهم إن اقروا بالتحريم خلوا وإن أصروا على الاستحلال قتلوا وقالوا وكذلك من تأول تأويلا يخالف به جماهير المسلمين

وكذلك لو اقر إن الله أوجبها وصدق الرسول في الرسالة وامتنع من قبولها بالإيجاب وأبى إن يلتزمه وينقاد لله ورسوله فهو كإبليس فإنه لم ينكر الإيجاب وإنما استكبر عن القبول فإنه يكفر بذلك ويقال له كافر ولا يقال مكذب

مسألة ولا يحل تأخيرها عن وقتها إلا لناو جمعها أو مشتغل عنها بشرطها

أما فعلها في الوقت المضروب لها ففرض وتأخيرها عنه عمدا من الكبائر لقوله تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } والمحافظة عليها فعلها في الوقت لأن سبب نزول الآية تأخيرالصلاة يوم الخندق دون تركها لأن السلف فسروها بذلك ولأن المحافظة خلاف الإهمال والإضاعة ومن أخرها عن وقتها فقد أهملها ولم يحافظ عليها

وقوله تعالى { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } وأضاعتها تأخيرها عن وقتها كذلك فسرها ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن محمد والضحاك وغيرهم من غير مخالف لهم قال ابن مسعود إضاعتها صلاتها لغير وقتها لأن الشيء الضائع ليس هو معدوما إنما هو مهمل غير محفوظ وقوله تعالى { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } والمشهور منها إضاعة الوقت كذلك فسر هذه المواضع جماهير الصحابة والتابعين وهو معقول من الكلام وقال تعالى { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } وأمر سبحانه الخائف إن يصلي مع الإخلال بكثير من الأركان وكذلك المتيمم ونحوه ولو جاز التأخير لما احتاج ذلك إلى شيء من ذلك وسائر الآيات الموجبة فعلها في الوقت المحدود مثل قوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } وقوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } دليل مفصل على ذلك وكذلك الأحاديث

عن أبي ذر رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ذر إنها ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة فإن ادركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة رواه أحمد ومسلم وعن أبي قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة إن يؤخر صلاة إلى وقت الصلاة الأخرى رواه مسلم والنصوص في ذلك كثيرة وهو مجمع عليه

واما الذي يؤخرها ينوي جمعها إلى التي بعدها حيث يجوز ذلك فهذا في الحقيقة قد صلاها في وقتها وكذلك يصليها أداء لأن الوقت للصلاة هو الذي حده الله سبحانه لجواز فعلها وإنما استثناه الشيخ لسببين

أحدهما أنه ليس هو الوقت المطلق وإنما هو وقت في حال العذر خاصة وقد لا يفهم هذا من مطلق الوقت

الثاني إن التأخير إليه لا يجوز إلا بنية العزم على الفعل فلو قصد تركها في الوقت ولم يقصد فعلها فيما بعد إثم بذلك

فأما تأخيرها عن أول الوقت إلى آخره فيجوز وهل يشترط له العزم ليكون بدلا عن التعجيل فيه وجهان

أحدهما يشترط قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما لأن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبا موسعا واعتقاد الوجوب واجب على الفور ومتى وجب الاعتقاد وجب العزم لأنه لو جاز التأخير من غير بدل عنه لبطل معنى الوجوب في ا أول الوقت ولأن العزم على الترك حرام فإذا لم يكن ذأهلا أو ناسيا فلا بد من العزم على الفعل

والثاني لا يشترط قاله أبو الخطاب وغيره وذكره القاضي في بعض المواضع لأن النصوص الدالة على جواز التأخير ليس فيها شرط العزم فاشتراطه تحكم ولأن العزم لو كان بدلا عن الفعل فينبغي إن لا يجب الفعل وإن كان بدلا عن تعجيله فالتعجيل ليس بواجب ولأن الإنسان إذا دخل وقت الصلاة فإن لم يعلم به بنوم أو غيره فلا إثم عليه اتفاقا وإن علم الوقت وعزم على الترك أثم اتفاقا لكن لنفس العزم على المعصية كما لو عزم على الترك قبل الوقت وإن لم يعزم على واحد منهما أو هم بالترك وحدث به نفسه فهذا مورد الوجهين أنه لا يجب تأثيمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لامته عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به متفق عليه

فصل

وإنما يجوز التأخير من أول الوقت إلى آخره إذا لم يغلب على ظنه الفوات بالتأخير فأما إن غلب على ظنه الفوات بالتأخير أو حدوث أمر يمنع منها أو من بعض فروضها قبل خروج الوقت كمرض يغلب على ظنه الموت أو من يقدم للقتل أو أمرأة عادتها تحيض في أثناء الوقت أو غير ذلك أو أعير سترة في أول الوقت ولم يمهل إلى آخره أو متوضىء عادم للماء في السفر لا تبقى طهارته إلى آخر الوقت ولا يرجوا وجود الماء لم يجز له التأخير إلى الوقت الذي يغلب على ظنه فوت ذلك كالتأخير إليه لأنه يفضي إلى تفويت واجب فإنه إذا أخرها في هذه المواضع فمات مات عاصيا

وان تخلف ظنه أثم وكانت الصلاة أداء لأنه تبين إن الوقت الشرعي باق والقضاء فعل العبادات بعد الوقت المحدود بالشرع فلهذا لو نام عنها أو نسيها حتى خرج الوقت صلاها قضاء وإن لم يجب عليه فعلها إلا في ذلك الوقت ولهذا فإن ما تقضيه الحائض ونحوها من الصوم يكون قضاء وإن لم يجب فعله إلا بعد خروج الوقت ومثل هذه الصورة العبادة الواجبة على الفور فإنها لو أخرت عن أول أوقات الإمكان كانت أداء وإن أثم بالتأخير إذ لم يوقت لها الشرع وقتا عاما ومما يكون أداء مع الإثم صلاة العصر بعد الإصفرار والعشاء في النصف الثاني من الليل ولو أخرها تأخيرا جائزا ومات قبل الفعل فقيل يموت عاصيا لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة

والمشهور أنه لا إثم عليه لأن اشتراط ما لا يعلم ولا دليل عليه غير جائز والتأخير هنا له حد ينتهي إليه بخلاف الواجب المطلق أن جوزنا تأخيره فإنا نؤثمه إذ ليس للتأخير حد مؤقت

واما قوله أو مشتغل بشرطها فمثل أن يستيقظ فيخاف إن توضا أو لبس ثوبه أو إن أزال عنه نجاسة طلعت الشمس فإن هذا يفعلها بشروطها وأركانها إذ لا يقدر على أكثر من ذلك وليس تضييعا ولا تفريطا إذ ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة

وكذلك الكافر إذا اسلم والمجنون إذا أفاق والحائض إذا طهرت والصبي إذا بلغ وقد ضاق الوقت عنها وعن شرائطها فانهم يشتغلون بشرطها وإن خرج الوقت لأنه حينئذ أمر بإقامة الصلاة وقد أمر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وهذا هو الوقت الذي وجب فعلها فيه وإن كان بعد خروج الوقت المحدد في الأمر العام وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها

ومسائل هذا الباب منقسمة إلى ما ترجح فيه الوقت والى ما ترجح فيه السبب أي الشرط كما يذكر مفصلا في موضعه بخلاف من ضاق الوقت عن تعلمه الفاتحة والتشهد فإنه يصلي بحسب حاله ولا يتعلم لأن الأول قادر على نفس الشرط مشتغل بفعله وهذا عاجز عن الركن وإنما يشتغل بتعلمه وليس هو نفس الركن وأيضا فإن محل الشرط ما قبل الصلاة وحكمه مستدام إلى أخرها فإذا اشتغل به في وقته لم يكن آخر الصلاة والقراءة محلها في نفس الصلاة فإذا اشتغل بتعلمها فهو اشتغل في وقت خطابه بالصلاة

وإذا تعمد تأخير الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها مثل إن تكون عليه نجاسة أو هو جنب وآخر الصلاة بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت فعليه إن يشتغل بالطهارة أيضا وهو آثم بفعلها في غير الوقت لأنه كان يجب عليه الطهارة قبل ضيق الوقت والصلاة فيه فمتى أخر ذلك فعليه إن يفعله كما وجب عليه مع إثمه بالتأخير ولو آخر التيمم بالسفر وهو عادم للماء ثم وجده قبل خروج الوقت فهنا وجهان والفرق بينهما أنه كان قد وجب عليه الصلاة بتيمم ولم يرخص له في التأخير إلى إن يخرج الوقت فمتى صلى بالتيمم فقد فعل ما وجب عليه وقد تقدم هذا فأما إن عجز في الوقت عن بعض الشروط والأركان وعلم أنه يقدر عليه بعد خروج الوقت كعار يعلم أنه يجد الثياب بعد الوقت أو محدث يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت أو خائف يعلم أنه يأمن بعد الوقت أو مريض يعلم أنه يصح بعد الوقت ونحوهم فإنه لا يجوز له التأخير بالنصوص الظاهرة في وجوب الصلاة في حال الخوف والمرض والعري والتيمم والى غير القبلة ولا فرق في هذا ولا بين من يشتغل تحصيل الشرط ويعلم أنه يحصله بعد الوقت أو من ينتظر حصوله بعد الوقت لأن الشرط متى طال زمن حصوله سقط وكانت مصلحة الصلاة في الوقت مقدمة على مصلحة حصوله بخلاف ما زمنه قريب ولأن الشرط هنا معجوز عنه وإنما يريد إن يشتغل بتحصيل القدرة عليه وهذا غير واجب فلا يفوت بسببه واجبا وهو الصلاة في الوقت

مثل هذا لو دخل عليه الوقت والقبلة مشتبهة لا يعلم جهتها إلا بعد خروج الوقت فإنه ليس له الإشتغال بشرط يستغرق الوقت

وان كان الإجتهاد ممكنا لكن قد ضاق الوقت بحيث إذا اجتهد فات الوقت فإنه يصلي بالتقليد أيضا في أشهر الوجهين كما لو لم يكن عالما بالدليل والوقت ضاق على التعلم والاجتهاد ولأنه ليس مشتغلا بشرطها وإنما هو طالب للتعلم به فأشبه من طلب العلم بالدلالة

وفي الآخر عليه إن يجتهد مع ضيق الوقت كما على المفتي والحاكم إن يجتهدا مع ضيق الوقت وسعته

مسألة فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل أما ترك الصلاة في الجملة فإنه يوجب القتل من غير خلاف لأن الله تعالى قال { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم } إلى قوله { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فأمر بالقتل مطلقا واستثنى منه ما إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم ولأنه علق تخلية السبيل على ثلاثة شروط والحكم المعلق بشرط ينعدم عند عدمه ولأن الحكم المعلق بسبب عرف أنه يدل على إن ذلك السبب علة له فإذا كان علة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجز إن تخلى سبيلهم دونها ولا يجوز إن يقال إقامة الصلاة هنا المراد له التزامها فإن تخليتهم بعد الإلتزام وقبل الفعل واجبة لأنا نقول المراد به التزامها وفعلها لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حقيقة الفعل والإلتزام إنما يراد له فإذا التزموا ذلك خليناهم تخلية مراعاة فإن وفوا بما التزموا وإلا أخذناهم وقتلناهم وإنما خليناهم بنفس الإلتزام لأنه أول أسباب الفعل كما يخلى من أراد الوضوء والطهارة فإن أتم الفعل وإلا اخذ وحتى لو قيل فإن فعلوا الصلاة فخلوا سبيلهم وإن لم يفعلوها فاقتلوهم ثم قال ألتزم لم يجب تخلية سبيلهم كما في آية الجزية فإنه مد قتالهم إلى حين الإعطاء فإذا التزموا الإعطاء فهو أول الأسباب بمنزلة الشروع في الفعل فإن حققوا ذلك وإلا قتلناهم ولأنه لو كان المراد مجرد الإلتزام وإن عري عن الفعل لم يكن بين الصلاة والزكاة وغيرهما فرق إذ من لم يلتزم جميع الإسلام فإنه يقاتل وأيضا فإن الإلتزام قد لا يحصل لقوله { فإن تابوا } فإن التائب من الكفر لا يكون تائبا حتى يقر بجميع ما جاء به الرسول ويلتزمه ولأن الإلتزام إن أريد به اعتقاد الوجوب والإقرار به فليس في اللفظ ما يدل على أنه المراد وحده وإن أريد به الفعل والوعد به فهذا لا يجب إلا إذا وجب قتلهم بالترك وإلا فلو كان قتلهم بالترك غير واجب وقالوا نحن نعتقد الوجوب ولا نفعل لحرم قتلهم وهذا خلاف الآية وأيضا مما هو دليل في المسألة وتفسير للآية ما أخرجاه في الصحيحين عن عبد الله بن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت إن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وإن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله وليس في لفظ مسلم إلا بحق الإسلام وعن انس بن مالك قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت إن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة رواه النسائي فهذا يدل على إن القتال مأمور به إلى إن يوجد فعل الصلاة والزكاة إذ لو كان مجرد الاعتقاد كافيا لاكتفي بشهادة إن محمدا رسول الله فإنها تنتظم بصدقه بجميع ما جاء به ولم يكن لتخصيص الصلاة والزكاة بالاعتقاد دون غيرهما معنى ثم قوله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم دليل على إن العصمة لا تثبت إلا بنفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين ثم فهم أبو بكر رضي الله عنه منه حقيقة الإتباع بموافقة الصحابة له على ذلك حتى قال لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ولم يقل على جحدها وتعميمه من منعها جاحدا أو معترفا دليل على إن الفعل مراد

فان قيل فقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت إن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها متفق عليه

قلنا هذا الخبر قد روي فيه حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وإن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرم دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه فهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق ثم لو كان قد قيل مفردا فإن الصلاة والزكاة من حقها كما قال الصديق لعمر ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك ويكون صلى الله عليه وسلم قد قال كلا من الحديثين في وقت فقال أمرت إن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ليعلم المسلمون إن الكافر المحارب إذا قالها وجب الكف عنه وصار دمه وماله معصوما ثم بين في الحديث الآخر إن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين ليعلم إن تمام العصمة وكمالها إنما تحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة فإن مجرد الإقرار لا يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى طلاها الصديق ثم وافقه وتكون فائدة ذلك أنه إذا قال لا اله إلا الله كان قد شرع في العاصم لدمه فيجب الكف عنه فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار إن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس يشهد إن لا اله إلا الله قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له فقال أليس يشهد إن محمدا رسول الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم رواه الشافعي وأحمد في مسنديهما ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها ولم يسقها مع الشهادتين مساقا واحدا وقوله بعد ذلك أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم يوجب حصر الذين نهي عن قتلهم في هذا الصنف وعن أبي سعيد في حديث الخوارج فقال ذو الخويصرة التميمي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اتق الله فقال ويلك الست أحق أهل الأرض إن يتقي الله قال ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا اضرب عنقه فقال لا لعله إن يكون يصلي قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أؤمر إن أنقب عن قلوب الناس ولا اشق بطونهم رواه مسلم فلما نهى عن قتله وعلل ذلك باحتمال صلاته علم إن ذلك هو الذي حقن دمه لا مجرد الإقرار بالشهادتين فإنه قد قال يا رسول الله ومع هذا لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وحده موجبا لحقن الدم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال لا ما صلوا رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام الخمسة فيقتل تاركها كالشهادتين

وعلى هذه الطريقة يقتل تارك المباني الثلاثة

أما الزكاة فإذا غيب ماله ولم يقدر على أخذها منه

وأما الصيام فيقتل إذا امتنع منه وأما الحج فإذا عزم على الترك بالكلية أو قال لا أحج أبدا بعد وجوبه عليه أو آخره إلى عام يغلب على ظنه موته قبله وهو إحدى الروايتين

والرواية الأخرى لا يقتل بالحج لأن وجوبه على التراخي عند بعض العلماء ولا بالصيام لأنه يمكن استيفاؤه منه بأن يحبس في مكان ويمنع الأكل والشرب ولأن الآية والأحاديث إنما هي في الصلاة والزكاة ولأن الصلاة تشبه الشهادتين من حيث لا يدخلها الإنسان بنفس ولا مال

فصل ولا يجوز قتله حتى يدعا إليها فيمتنع لأنه قد يتركها لعذر أو لشبهة عذر أو لكسل يزول قريبا ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة خلف الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها نافلة ولم يأمر بقتلهم ولا قتالهم حيث لا يصرون على الترك وأما التأخير فإذا دعي فإمتنع من غير عذر في وقت تحقق على الترك

ويقتل بإصراره على ترك الصلاة واحدة في أشهر الروايتين

وعنه لا يقتل إلا بترك ثلاث لأن الموجب الترك عن إصرار وربما كان له عذر وكسل في الصلاة أو الصلاتين فإذا تكرر الترك بعد الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار وروى إسحاق بن شاقلا يقتل بترك الواحدة إلا إذا كانت أولى المجموعتين وهي الظهر أو المغرب فلا يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فصار شبهة

وجه الأول ما تقدم من الأحاديث فإنها مطلقة وروى معاذ بن جبل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله رواه أحمد ولأنه إذا دعي إليها في الوقت فقال لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فيجب قتله زجرا له وحملا على الفعل إذ ليس في تقدير ذلك نص ولا إجماع ولا قياس صحيح واحتمال عوده يقتضي تأخير استيفاء القتل دون عصمة الدم كالمرتد

فصل

المنصوص عن أحمد أنه يقتل بترك صلاة واحدة أو بترك ثلاث صلوات

فمن أصحابنا من اقر ذلك على ظاهره فقال إذا دعي في وقت الأولى فلم يصلها حتى فاتت وجب قتله قال وإنما اعتبر أصحابنا إن يضيق وقت الثانية في موضع دعي إلى الصلاة بعد فوت الأولى وقد صارت فائتة ولا يقتل بترك الفائتة وإنما يقتل في تلك الصورة بترك الثانية وهذا ينتقض باعتبارهم ضيق وقت الرابعة مع انهم ذكروا ذلك إذا دعي في وقت الأولى أيضا وعلى مقتضى هذا القول أنه إذا ضاق وقت الأولى وجب قتله

وقال بعضهم بل يقتل بترك الأولى وإن كانت فائتة وكذلك يقتل بترك كل فائتة وقال كثير منهم بل لا بد إن يضيق وقت الثانية والرابعة والقتل عندهم وجب بترك الثانية مع ترك الأولى لأننا نستدل على ترك الثانية بترك الأولى وبتحقق الترك لأن ترك الأولى لا يتحقق حتى يفوت الوقت فتصير فائتة فلا يقتل بها وحدها فإذا ضاق وقت الثانية تحقق الدوام على الترك وهذا كما قلنا في الوعيد أنه ليس بإكراه فإذا عذب ولم يفعل المكره عليه ثم توعد صار إكراها معصوما إلى العذاب الأول

وقد أشار أحمد إلى هذا فقال إذا ترك الفجر عامدا حتى وجبت عليه أخرى فلم يصلها يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه

وكذلك الأحكام لا يمكن تعلقها بالماضي فإنه فائت ولا بالمستقبل لأنه مظنون فلا تعلق به وإلا أفضى إلى تبطيلها وقد صرح بعض من سلك هذه الطريقة أنه لا بد أن يترك التي دعي في وقتها ويضيق وقت الثانية إلغاء لما تركها قبل الدعاء

ومنهم من أطلق الترك وهو ظاهر كلام أحمد وإذا دعي إليها فامتنع إن يصليها في الوقت وترك الصلاة بعد خروج الوقت قتل أيضا ذكره بعض أصحابنا وحكم بكفره على الترك

فصل

فإذا ترك صلاة عمدا ودعي في وقت الثانية ولم يفعلها حتى ضاق الوقت قتل فصارت ثلاثة اوجه إذا قلنا لا يقتل إلا بترك فائتة

والأشبه أنا إذا قلنا لا يقتل إلا بترك ثلاث لم يعتبر ضيق وقت الرابعة وإن قلنا يقتل بواحدة اعتبر ضيق وقت الثانية لأنه قال في إحدى الروايتين إذا ترك صلاة وصلاتين ينتظر عليه لكن إذا ترك ثلاث صلوات

قال في الأخرى إذا ترك الفجر عامدا حتى وجبت عليه أخرى ولم يصلها يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وسواء كان الترك قبل دعائه أو بعد دعائه

لكن لا يباح إلا بعد دعائه وامتناعه إذا ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها ويدخل وقت غيرها

والثانية إذا ترك صلاتين

والثالثة إذا ترك ثلاث صلوات حتى تخرج أوقاتها

مسألة ويستتاب بعد وجوب قتله كما يستتاب المرتد ثلاثا نص عليه

وهل الاستتابة واجبة أو مستحبة على روايتين

ويقتل بالسيف ضربا في عنقه لأن ذلك هو الواجب في قتل المقدور عليه من الآدميين والبهائم كالأسير وقاطع الطريق والمرتد فأما العجوز عنه منهما فيقتل كيف أمكن لأن هذه القتلة أهون على المقتول وأوحى لزهوق النفس

والأصل في ذلك ما روى شداد بن اوس إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة رواه أحمد ومسلم وقال عليه السلام إن اعف الناس قتلة أهل الإيمان وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة ولهذا مواضع غير هذا

فصل

ويقتل لكفره في إحدى الروايتين

وفي الأخرى يقتل كما يقتل الزاني والمحارب مع ثبوت إسلامه حدا محضا وهي اختيار ابن بطة وقال هذا هو المذهب وأنكر خلاف هذا لما روى عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله وإن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وإن الجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من العمل وعن انس إن الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال يا معاذ قال لبيك يا رسول الله وسعديك قال ما من عبد يشهد إن لا اله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله أفلا اخبر الناس فيستبشروا قال إذا يتكلوا واخبر بها معاذ عند موته تأثما متفق عليهما ولما تقدم من حديث عبادة وقوله من لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن أبي ذر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة وقال دعوت لأمتي وأوجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة فقال أبو ذر يا رسول الله ألا ابشر الناس فقال بلى فانطلق فقال عمر انك إن تبعث إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة فناداه إن ارجع فرجع والآية { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } رواه أحمد وهذا سياقه ورواه النسائي وابن ماجة ولأن الصلاة عمل من أعمال الجوارح فلم يكفر بتركه كسائر الأعمال المفروضة ولأن من أصول أهل السنة انهم لا يكفرون أحدا من أهل السنة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام بعمل بخلاف ما عليه الخوارج وإنما الكفر بالاعتقادات وقد روى انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا اله إلا الله لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى إن تقاتل أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد في روايه ابنه عبد الله وتارك الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيح الإعتقاد فلا يكفر

والرواية الأولى اختيار أكثر الأصحاب مثل أبي بكر وابن شاقلا وابن حامد القاضي وأصحابه وهو المنقول عن جماهير السلف لقول الله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }

فعلق الإخوة في الدين على التوبة من الشرك وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمعلق بالشرط ينعدم عند عدمه فمن لم يفعل ذلك فليس بأخ في الدين ومن ليس بأخ في الدين فهو كافر لأن المؤمنين اخوة مع قيام الكبائر بهم بدليل قوله في آية المقتتلين { إنما المؤمنون إخوة } مع أنه قد سمى قتال المؤمن كفرا ولما روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي وفي رواية لمسلم بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة وفي رواية صحيحة لأحمد ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة وعن بريدة الاسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وصححه وهو على شرط مسلم وعن ثوبان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك رواه هبة الله الطبري وقال إسناد صحيح على شرط مسلم وعن عبادة بن الصامت قال أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تتركوا الصلاة تعمدا فمن تركها تعمدا فقد خرج من الملة رواه ابن أبي حاتم في سننه ونحوه من حديث معاذ وأبي الدرداء وقال الإمام أحمد في رسالته رسالته في الصلاة جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة قال الإمام أحمد كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد رواه الترمذي وصححه ومتى وقع عمود الفسطاط وقع جميعه ولم ينتفع به ولأن هذا إجماع الصحابة قال عمر رضي الله عنه لما قيل له وقد خرج إلى الصلاة نعم ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقصته في الصحيح وفي رواية عنه قال لا إسلام لمن لم يصل رواه النجاد وهذا قاله بمحضر من الصحابة وقال علي عليه السلام من لم يصل فهو كافر رواه البخاري في تاريخه وذكر ابن عبد البر مثله عن أبي الدرداء وابن عباس وجابر وقال عبد الله بن مسعود من ترك الصلاة فهو كافر وفي رواية عنه في إضاعة الصلاة قال هو إضاعة مواقيتها ولو تركوها لكانوا كفارا وقال أبو الدرداء لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له رواهما البخاري وهبة الله الطبري وغيرهما ورأى حذيفة رجلا يصلي وهو لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال لما قضى صلاته ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم رواه البخاري

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال له طبيب حين وقع في عينه الماء استلق سبعة أيام لا تصل قال ابن عباس من ترك الصلاة كفر رواه النجاد وقال عبد الله بن شقيق كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة رواه الترمذي وقال الحسن بلغني إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون بين العبد وبين إن شرك فيكفر إن يترك الصلاة من غير عذر رواه النجاد وهبة الله الطبري

فإن قيل هذا محمول على كفر دون كفر كما قال ابن عباس في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } { فأولئك هم الفاسقون } إنه كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وفسره بالرياء وكما قال من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك وكما قال الرياء هو الشرك الأصغر وقال من حلف بشيء دون الله فقد أشرك رواه أحمد وكقوله صلى الله عليه وسلم ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر

وقال سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وقال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض متفق عليهن وقال اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت رواه مسلم وقال أيما عبد ابق من مواليه فقد كفر وقال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له رواهما أحمد وقال ثلاث من كن فيه كان منافقا من إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا اؤتمن خان متفق عليه وفي رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم وكما قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وكما خاف حنظلة الاسدي إن يكون نافق بنسيانه الذكر واختلاف حاله عند النبي صلى الله عليه وسلم وأهله والحديث في صحيح مسلم وهذا باب واسع متسع

وربما قال بعض الناس يحمل على كفر النعمة أو على المبالغة والتغليظ في الشرك لأن الكفر الناقل عن الملة والشرك الذي لا يغفره الله والنفاق الموجب للدرك الأسفل من النار لا يثبت بمجرد هذه الأفعال عند أحد من أهل السنة لكن عند الخوارج والمعتزلة الذين تأولوا ظاهر هذا الكلام على وفق رأيهم واعرضوا عما سواه مما يفسره ويبين معناه الذي هو خلاف الإيمان

قيل الكفر المطلق لا يجوز إن يراد به إلا الكفر الذي هو خلاف الإيمان لأن هذا هو المعنى الشرعي ولا سيما إذا قوبل بالإيمان فإنه يجب حمله على ذلك ثم لو صح هذا في بعض المواضع فهنا إنما أراد به الكفر المخالف للإيمان كما نص عليه في الحديث وكما سيأتي تفسيره إن شاء الله تعالى

وأما تأويله بكفر النعمة فساقط في جميع هذه المواضع ولذلك لم ينقل هذا عن السلف لأن كفر النعمة إن أريد به جحد انعام الله عليه فهذا كفر صريح مع إن هذه المواضع ليس فيها ما يتضمن جحد الإنعام بخصوصه وإن أريد به التقصير في الشكر فليس بعض الأعمال بهذا أولى من بعض بل كل من ترك شيئا من الفرائض فقد قصر في شكر نعمة الله فينبغي إن يسمى كافرا على هذا الوجه ثم إنه لا مناسبة بين ذلك وبين أكثر هذه المواضع لمن تدبره من الدلالات الكثيرة في الكتاب والسنة

والإجماع على ثبوت أصل الإيمان مع وجود هذه الأعمال وربما حمله بعضهم على مقارنة الكفر لذلك ومن الناس من يحمل الترك عمن تركها جاحدا غير مقر بوجوبها ولا يستلزمها في الجملة ويكون تخصيصها بالذكر لعموم فرضها زمانا ومكانا وحالا ومحالا وأما قول من يقول هو على سبيل المبالغة والتغليظ فلعمري أي مبالغة أو تغليظ لكن على الوجه المحدود من غير مجازفة ولا مجاوزة ومن اعتقد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدح عملا على سبيل الترغيب أو يذمه على سبيل الترهيب بمجاوزة في موضعه وزيادة في نعته فقد قال قولا عظيما بل قد كفر بالله ورسوله إن فهم مضمون كلامه وأصر عليه ولهذا لما نهت قريش عبد الله بن عمرو إن يكتب ما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم توهما أنه قد يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا قال اكتب والذي نفسي بيده ما خرج بينهما إلا حق كيف وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى نعم هو صلى الله عليه وسلم يرغب في الشيء بذكر احسن صفاته من غير مجاوزة حده ويذم الفعل القبيح ببيان اقبح صفاته من غير مجاوزة أيضا إنما يجوز أن يظن المبالغة الزائدة عن الحد بسائر الناس الذين لا يحفظون منطقهم ولا يعصمون في كلامهم لا سيما الشعراء ونحوهم ولهذا زجر الإمام أحمد عن تأويل أحاديث الوعيد حيث تأولها المرجئة على أشياء يخرجها عن مقصود الرسول كما تأولت الجهمية والقدرية الأحاديث المخالفة لأهوائهم تأويلا يخرجها عن مقصوده

وأما حمله على مفر دون كفر فهذا حمل صحيح ومحمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين في كثير من المواضع مفسرا لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه أحدها إن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه وإنما صرف في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام ومن تأمل سياق كل حديث وجده معه وليس هنا شيء يوجب صرفه عن ظاهره بل هنا ما تقرره على الظاهر

الثاني إن ذلك الكفر منكر مبهم مثل قوله وقتاله كفر هما بهم كفر وقوله كفر بالله وشبه ذلك وهنا عرف باللام بقوله ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك والكفر المعروف ينصرف إلى الكفر المعروف وهو المخرج عن الملة

الثالث إن في بعض الأحاديث فقد خرج عن الملة وفي بعضها بينه وبين الإيمان وفي بعضها بينه وبين الكفر وهذا كله يقتضي إن الصلاة حد تدخله إلى الإيمان إن فعله وتخرجه عنه إن تركه

الرابع إن قوله ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة وقوله كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة لا يجوز إن يراد به إلا الكفر الأعظم لأن بينه وبين غير ذلك مما يسمى كفرا أشياء كثيرة ولا يقال فقد يخرج عن الملة بأشياء غير الصلاة لأنا نقول هذا ذكر في سياق ما كان من الأعمال المفروضة وعلى العموم يوجب تركه الكفر وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس من الأعمال الظاهرة

الخامس أنه خرج هذا الكلام مخرج تخصيص الصلاة وبيان مرتبتها على غيرها في الجملة ولو كان ذلك الكفر فسقا لشاركها في ذلك عامة الفرائض

السادس أنه بين أنها آخر الدين فإذا ذهب آخره ذهب كله

السابع أنه بين أن الصلاة هي العهد الذي بيننا وبين الكفار وهم خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها واقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد كفر كما أن من أتى به فقد دخل في الدين ولا يكون هذا إلا في الكفر المخرج عن الملة

الثامن إن قول عمر لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة أصرح شيء في خروجه عن الملة وكذلك قول ابن مسعود وغيره مع أنه بين إن إخراجها عن الوقت ليس هو الكفر وإنما هو الترك بالكلية وهذا لا يكون إلا فيما يخرج عن الملة

التاسع ما تقدم من حديث معاذ فإن فسطاطا على غير عمود لا يقوم كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة وفي هذه الوجوه يبطل قول من حملها على من تركها جاحدا وأيضا قوله كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر وقوله ليس بين العبد وبين الكفر وغير ذلك مما يوجب اختصاص الصلاة بذلك وترك الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير ترك حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه فكيف يعلق الحكم على ما لم يذكر ولأن المذكور هو الترك وهو عام في من تركها جحودا أو تكاسلا ولأن هذا عدول عن حقيقة الكلام من غير موجب فلا يلتفت إليه

وأما الأحاديث المطلقة في الشهادتين فعنها أجوبة

أحدها إن الزهري يقول كان هذا قبل إن تنزل الفرائض ثم نزلت فرائض نرى إن الأمر انتهى إليها فمن استطاع ألا يغتر فلا يغتر

الثاني أنها مطلقة عامة وأحاديث الصلاة مقيدة خاصة فيقضي المطلق على المقيد وكما روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لقي الله لا يشرك به شيئا يصلي الخمس ويصوم رمضان غفر له قلت أبشرهم يا رسول الله قال دعهم يعملوا ويحقق هذا إن من جحد آية من كتاب الله تعالى أو علما ظاهرا من أعلام الدين فهو كافر وإن اندرج في هذه العمومات

الثالث أنه صلى الله عليه وسلم قصد بيان الأمر الذي لا بد منه في جميع الأشياء والذي قد يكتفى به عن غيره في جميع الخلق وهو الشهادتان فإن الصلاة قد لا تجب على الإنسان إذا اسلم ومات قبل الوقت وربما أخرها ينوي قضاءها ومات قبل ذلك

الرابع إن هذا كله محمول على من يؤخرها عن وقتها وينوي قضاءها أو يحدث به نفسه كالأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت وكما فسره ابن مسعود وبين إن تأخيرها عن وقتها من الكبائر وإن تركها بالكلية كفر وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا فعلم انهم لو تركوا الصلاة لقوتلوا والإمام لا يجوز قتاله حتى يكفر وإلا فبمجرد الفسق لا يجوز قتاله ولو جاز قتاله بذلك لقوتل على تفويتها كما يقاتل على تركها وهذا دليل مستقل في المسألة ويحمل أيضا على من يخل ببعض فرائضها ببعض الأوقات وشبه ذلك فأما من لا يصلي قط في طول عمرة ولا يعزم على الصلاة ومات على غير توبة أو ختم له بذلك فهذا كافر قطعا وكذلك قوله من لم يحافظ عليها فإنه يفهم منه فعلها مع الإخلال بالمحافظة ومثل ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل من تطوع فأكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وأيضا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف وعلى ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان فكذلك العمل هو الصلاة

وأيضا ما احتج به ابن شاقلا ويذكر عن الإمام أحمد إن إبليس بامتناعه عن السجود لآدم قد لزمه الكفر واللعنة فكيف من يمتنع عن السجود لله تعالى وهذا لأن الكفر لو كان مجرد الجحد أو إظهار الجحد لما كان إبليس كافرا إذ هو خلاف نص القرآن

وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والإنقياد وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا ومن لا دين له فهو كافر

فأما قياس الصلاة على غيرها من الأركان فقد ذكر أبو بكر عن أحمد أنه يصبح مرتدا بترك الأركان الخمسة

وعنه أنه بترك الصلاة والزكاة فقط

وعنه بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها وعنه بترك الصلاة فقط وبكل حال فالصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال وتبين ذلك من وجوه نذكر بعضها مما انتزعه الإمام أحمد وغيره

أحدها إن الله سمى الصلاة إيمانا بقوله { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس لأن الصلاة تصدق عمله وقوله وتحصل طمأنينة القلب واستقراره إلى الحق ولا يصح إن يكون المراد به مجرد تصديقهم بفرض الصلاة لأن هذه الآية نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة وول كان مجرد التصديق لشركهم في ذلك كل الناس وفي يوم القيامة فإنهم مصدقون بأن الصلاة إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقا ولم يتأسفوا على تصديقهم بفرض معين لم يترك كما لم يتأسفوا على ترك تصديقهم بالحج وغيره من الفرائض ولم يكن اعتماد تصديقهم بالصلاة فقط أولى من تصديقهم بجميع ما جاء به الرسول هذا مع أنه خروج عما عليه أهل التفسير وعما يدل عليه كلام الباري لأن الله افتتح أعمال أعمال المفلحين بالصلاة فقال { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } وختمها بالصلاة فقال { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وكذلك في قوله { إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون } إلى قوله { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وهاتان الآيتان جمعتا خصال أهل الجنة وملاكها

الثاني إن الله تعالى قال لنبيه { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } وتلاوة الكتاب اتباعه والعمل بما فيه من جميع شرائع الدين ثم قال { أقم الصلاة } فخصها بالذكر تمييزا لها فسبحانه خصها بالأمر بعد دخولها في عموم المأمور به وكذلك قوله { وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات وكذلك قوله تعالى { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا } وكذلك قوله تعالى { فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله } فإن في طاعة الله ورسوله فعل جميع الفرائض وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقوله { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } تعم جميع الطاعات وقد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها وكذلك { اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير } وكذلك قوله { استعينوا بالصبر والصلاة } فإن الصبر وإن كان هو الحبس عن المكروهات فإن فيه فعل جميع العبادات وكذلك قوله { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } فإن الصلاة تعم العمل الصالح كله وإن خص بالصدقة وغيرها وكذلك قوله تعالى { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } فإن عبادة الله تعم جميع الأعمال الصالحة ثم خص الصلاة بالذكر وقوله لبني إسرائيل { وأوفوا بعهدي } ينتظم جميع الفرائض ثم قال { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين }

الثالث أن كل عبادة من العبادات فإن الصلاة مقرونة بها فإن العبادة تعم جميع الطاعات وقد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها فإذا ذكرت الزكاة قيل { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وإذا ذكرت المناسك قيل { فصل لربك وانحر } { إن صلاتي ونسكي } وإن ذكر الصوم قيل { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } فإن الصبر المعدود في المثاني هو الصوم قال صلى الله عليه وسلم صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر الرابع أن الله أمر نبيه إن يأمر أهله بالصلاة فقال { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا } مع أنه مأمور بالاصطبار على جميع العبادات لقوله { واصطبر لعبادته } وبإنذارهم بجميع الأشياء لقوله { وأنذر عشيرتك الأقربين }

الخامس أن الله فرضها ليلة الإسراء وأمر بها نبيه بلا توسط رسول ولا غيره

السادس أنه أوجبها على كل حال ولم يعذر بها مريضا ولا خائفا ولا مسافرا ولا منكسرا به ولا غير ذلك بل وقع التخفيف تارة في شرائطها وتارة في عددها وتارة في أفعالها ولم تسقط مع ثبات العقل

السابع أنه اشترط لها أكمل الأحوال من الطهارة والزينة باللباس والاستقبال مما لم يشترط في غيرها

الثامن أنه استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان من القلب واللسان وسائر الجوارح وليس ذلك بغيرها

التاسع أنه نهى إن يشتغل فيها بغيرها حتى بالخطرة واللفظة والفكرة

العاشر أنها أول ما يجب من الأعمال وآخر ما يسقط وجوبه

الحادي عشر أنها دين الله الذي يدين به أهل السماوات والأرض وهي مفتاح شرائع الأنبياء كلهم فإن كل من دان لله من العقلاء فإن عليه الصلاة ولم يبعث نبي إلا بالصلاة بخلاف الصوم والحج والزكاة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترطوا إلا يحيوا بمعنى لا يركعوا لا خير في دين لا تحية فيه

الثاني عشر أنها مقرونة بالتصديق بقوله { فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى } وقوله { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون } وقوله تعالى { وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه } وخصائص الصلاة كثيرة جدا فكيف تقاس بغيرها

فصل

قال أصحابنا يحكم بكفره في الوقت الذي يباح فيه دمه وهو ما إذا دعي فامتنع كما تقدم

قال الإمام أحمد إذا قال لا أصلي فهو كافر نص على أنه لا يرث ولا يورث ويكون حكمه حكم المرتد في جميع أموره بحيث لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين إلا أنه لا يسقط عنه شيء من الصلوات وإن أسقطناها عن المرتد لأنه كفر بتركها فلو سقطت عنه لزال سبب الكفر وإذا صلى بعد الامتناع عاد بذلك إلى الإسلام من الردة وصحت صلاته وإن كان الكافر الأصلي لا تصح صلاته قبل الشهادتين لأن هذا كفره بترك الفعل فإذا فعله عاد إلى الإسلام كما إن من كفره بترك الإقرار إذا أتى بالإقرار عاد إلى الإسلام

فان قيل فالمرتد غير هذا لا يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين كيف ما كانت ردته قبل ذلك لأنه جاحد فلا بد أن يأتي بأصل كلمة الإقرار التي تتضمن جميع التصديق والاعتراف وهذا معترف فيكفيه الفعل

فأما إذا لم يدع ولم يمتنع فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدين في شيء من الأشياء ولهذا لم يعلم انم أحدا من تاركي الصلاة ترك غسله والصلاة عليه ودفنه مع المسلمين ولا منع ورثته ميراثه ولا إهدار دمه بسبب ذلك مع كثرة تاركي الصلاة في كل عصر والأمة لا تجتمع على ضلالة وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب

فإن قيل فالأدلة الدالة على التكفير عامة عموما مقصودا وإن حملتموها على هذه الصورة كما قيل قلت فائدتها وإدراك مقصودها الأعظم وليس في شيء منها هذه القيود

قلنا الكفر على قسمين قسم تنبني عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح والذبائح ومنع التوارث والعقل وحل الدم والمال وغير ذلك فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره إما بقول الامتناع عن الصلاة وشبه يوجب التكفر أو عمل مثل السجود للصنم وإلى غير القبلة ذلك فهذا النوع لا نرتبه على تارك الصلاة حتى يتحقق امتناعه الذي هو الترك لجواز إن يكون قد نوى القضاء فيما بعد أو له عذر وشبه ذلك والثاني ما يتعلق بأحكام الآخرة والانحياز عن أمة محمد واللحاق بأهل الكفر ونحو ذلك فهذا قد يجوز على كثير ممن يدعي الإسلام وهم المنافقون الذين أمرهم بالكتاب والسنة معلوم الذين قيل فيهم { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } إلى قوله { ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } الآية فمن لم يصل ولم ير أن يصلي قط ومات على ذلك من غير توبة فهذا تارك الصلاة مندرج في عموم الأحاديث وإن لم يظهر في الدنيا حكم كفره

ومن قال من أصحابنا لا يحكم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع فينبغي إن يحمل قوله على الكفر الظاهر فأما كفر المنافقين فلا يشترط له ذلك فإن أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط

فأما إن أخرها عن وقتها وفعلها فيما بعد فمات أو كان ممن يلزمه إن يفعلها فيما بعد فمات فهذا مع أنه فاسق من أهل الكبائر ليس بكافر كالأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إن نصلي معهم النافلة ولذلك قال ابن مسعود { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أخروها حتى يخرج وقتها ولو تركوها لكانوا كفارا

وهذا الضرب كثير في المسلمين وهم من أهل الكبائر الذين ادخرت لهم الشفاعة وما جاء من الرجاء لمن يتهاون في الصلاة فإليهم ينصرف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد ونفي المحافظة لا ينفي الفعل بخلاف من لم فإنه يكون تاركا بالكلية كما تقدم وكذلك من أخل بما يسوغ فيه الخلاف من شرائطها وأركانها

وأما من أخل بشيء من شرائطها وأركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف فهذا بمنزلة التارك لها فيما ذكره أصحابنا كما تقدم من حديث حذيفة ولأن هذه الصلاة وجودها كعدمها في منع الاكتفاء بها فأشبه من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض

فأما من يترك الصلاة بعض الأوقات لا يقضيها ولا ينوي قضاءها أو يخل ببعض فرائضها ولا يقضيها ولا ينوي قضاءها فمقتضى ما ذكره كثير من أصحابنا أنه يكفر بذلك فإن دعي إليها وامتنع حكم عليه بالكفر الظاهر وإلا لحقه حكم الكفر الباطن بذلك ثم إذا صلى الأخرى صار مؤمنا كما دل على ذلك قوله من ترك صلاة العصر متعمدا حبط عمله وقوله من ترك الصلاة عمدا فقد برئت منه الذمة ولا يلزم ذلك أحكام الكفر في حقه كالمنافقين

والأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضا حتى يعزم على تركها بالكلية كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها كما تقدم من الأحاديث ولأن الفرائض تجبر يوم القيامة بالنوافل ولأنه متى عزم على بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرد إيمان

باب الأذان والإقامة[عدل]

الأذان مصدر أذن يؤذن تأذينا وأذانا وإيذانا وهو الإعلام الرفيع المدرك بالسمع ومنه قوله تعالى { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } وقوله تعالى { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } سمي بذلك لأن المؤذن يعلم الناس بمواقيت الصلاة ويسمى النداء من قولك ناديت فلانا إذا دعوته دعاء رفعت به الصوت لأن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة

والإقامة أيضا تسمى الأذان الثاني والنداء الثاني وإنما سميت إقامة لأن إقامة الصلاة تفسر فعل الصلاة من قولهم قامت الحرب وقامت السوق لأن الشيء إذا أتي به تاما كاملا فهو قائم بخلاف ما لم يقم فإنه يكون ناقصا وأول ما يشرع في إقامة الصلاة إذا نوي النداء الثاني إذ الأول إعلام بالوقت والثاني إعلام بالفعل

مسألة وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء

في هذا الكلام فصول

الأول أن الأذان مشروع للصلوات الخمس بالكتاب وهو قوله تعالى { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } الصلاة هنا هي الصلاة المعهودة وهي الخمس لأن الله سبحانه اخبر عن ندائهم إلى الصلاة لأنهم كانوا ينادون إلى الخمس وقد قال في الجمعة { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } وقوله سبحانه { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } وقوله تعالى { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } وفي السنة المتواترة أنه كان ينادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإجماع الأمة وعملها المتوارث خلفا عن سلف

وأول ما شرع الأذان عن رؤيا عبد الله بن زيد كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقد رضي ذلك واقرهم حيث أنزل به كتابه وقال بعض العلماء كان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فرضت عليه الصلوات الخمس قد أمر بالأذان في السماء وأذن بعض الملائكة ولم يظهره في مكة من أجل الكفار فلما احتاجوا إليه في المدينة وكان من رؤيا عبد الله بن زيد ما كان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تأذين الملك فقال أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى وروى النجاد بإسناده عن العلاء قال قلت لابن الحنفية كنا نحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع وقال عمدتهم إلى احسن دينكم فزعمتم أنه كان رؤيا هذا والله هو الباطل ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به انتهى إلى مكان في السماء توقف وبعث الله إليه ملكا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم علمه الأذان فقال الله اكبر قال الله صدق عبدي وأنا اكبر قال اشهد أن لا اله إلا الله قال صدق عبدي وأنا الله لا اله إلا أنا قال اشهد أن محمدا رسول الله قال صدق عبدي أنا أرسلته واخترته قال حي على الصلاة قال صدق عبدي دعا إلى فريضتي ومن أتاها محتسبا كانت كفارة لكل ذنب فلما قال حي على الفلاح قال صدق عبدي هي الفلاح وهي النجاح فلما قال قد قامت الصلاة قال صدق عبدي أنا أقمت حدودها وفريضتها قال فأم أهل السماء فتم له شرفه على جميع خلق الله وروي نحو ذلك من وجوه مسندة

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بذلك وسنه وشرعه بأذن الله له إن يشرع ويسن ورؤيا صاحب النبي عليه السلام في زمانه إذا عرضها على النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها كانت مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في أنها حق كما إن رؤيا الأنبياء وحي لأن الله سبحانه وتعالى يبين لنبيه الحق من الباطل بما يقذفه في قلبه من نوره الفصل الثاني

أنه لا يشرع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس فلا تشرع لعيد ولا كسوف ولا استسقاء ولا غير ذلك فأما الجمعة فإنها إما ظهر ذلك اليوم أو بدل عن الظهر أو معينة عن الظهر فآذانها هو آذان الظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤذن على عهده إلا للصلوات الخمس وقد نقل الناس صلواته غير الخمس إنما كانت بغير آذان ا ولا إقامة وفي الصحيحين عن جابر وابن عباس أنه لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى وقال جابر بن سمرة صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد مرة أو مرتين بغير آذان ولا إقامة رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

وكذلك نقلوا في غير العيد على ما يذكر في موضعه ولأن هذا الأذآن صار شعار الصلوات الخمس المكتوبات والإعلام بمواقيتها والدعاء إليها فلا يشرع لغيرها ولأن هذا الدعاء إعلام بالوقت المحدود وهذا إنما هو للمكتوبات ولأنه نداء إلى الصلاة التي تجب الإجابة إليها على الأعيان وهذا يخص الخمس

فأما النداء بغير الأذان فالسنة إن ينادى لكسوف الشمس الصلاة جامعة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث مناديا الصلاة جامعة فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك متفق عليهما

وكذلك العيد والاستسقاء عند أكثر متأخري أصحابنا لأنها صلاة ذات ركوع وسجود يشرع لها الاجتماع ولها وقت تنفرد به فأشبهت الكسوف وأولى لأن الاجتماع لها أكد وقد روى النجاد بإسناده عن الزهري إن النبي صلى الله عليه وسلم نادى يوم عيد الصلاة جامعة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد إن يجمع أصحابه لأمر يخطبهم له بعث مناديا ينادي الصلاة جامعة كما في حديث الجساسة وكما اخبرهم عن الفتن في بعض أسفاره وغير ذلك

وقال بعضهم لا يسن النداء للعيد ولا للإستسقاء وقد قال الإمام أحمد صلاة العيد ليس فيها آذان ولا إقامة هكذا السنة إذا جاء الإمام قام الناس وكبر الإمام وظاهره موافق لهذا القول لأنه قد تكرر تعييده وقد استسقى ولم ينقل عنه فيه نداء كما نقل عنه في الكسوف مع أن صلاة الكسوف كانت اقل ولو كان ذلك معلوما من فعله لنقل كما قد نقل غيره بالروايات المشهورة والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار لأنه موضوع في مقابلة النص وذاك أن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة وليست الزيادة على المسنون في المخالفة بدون نقص من المسنون وأما فساد الاعتبار فإن النداء في قوله الصلاة جامعة إنما كان ليجمع الناس ويعلمهم بأنه قد عرض أمر الكسوف فلا يلحق بهذا إذ لم يستعدوا للاجتماع له فأما العيد فيوم معلوم مجتمع له وكذلك الاستسقاء قد اعدوا له يوما فأغنى اجتماعهم له عن النداء ولم يبق للنداء فائدة إلا الإعلان بنفس الدخول في الصلاة وهذا يحصل بالتكبير والمشاهدة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المنادي في الطرقات للكسوف الصلاة جامعة وفي العيد والاستسقاء لا يبعث مناديا ينادي في الطرقات وإنما ينادي عند اجتماعهم عند من يقول هي بمنزلة الإقامة للصلاة وهذا لا أصل له يقاس عليه لأن نداءه لصلاة الكسوف بمنزلة الأذان لا بمنزلة الإقامة

ولهذا لا يشرع النداء للجنازة لأن ذلك لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه إذ لو كان لنقل لكثرة وقوع الجنائز على عهده

وكذلك أيضا لا يشرع إن ينادي للتراويح بشيء في المنصوص عنه

وقيل له الرجل يقول بين التراويح الصلاة قال لا تقل الصلاة كرهه سعيد بن جبير وأبو قلابة وكذلك قال كثير من أصحابنا

وقال القاضي والآمدي وغيرهما ينادى لها كذلك لأنها عبادة محضة أو ذات ركوع وسجود تسن لها الجماعة فيسن لها النداء كالكسوف

والأول اصح حيث لم ينقل ذلك عن السلف الصالح ولا هو في معنى المنقول لأن التراويح تفعل بعد العشاء تبعا فيكفيها نداء العشاء

فأما ما لا يشرع له الاجتماع فلا يشرع فيه النداء بلا تردد الفصل الثالث

أن النساء لا يشرع لهن آذان ولا إقامة سواء صلت المرأة منفردة أو أمت النساء لما روت أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس على النساء آذان ولا إقامة رواه حرب في مسائله والنجاد وقال المصنف مضت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على النساء آذان ولا إقامة في حضر ولا سفر وعن ابن عمر وابن عباس قالا ليس على النساء آذان ولا إقامة رواهما حرب وعن انس مثله ذكره إن المنذر ولأن التأذين إنما شرع في الأصل بصوت رفيع والمرأة ليست أهلا لرفع الصوت فإن ذلك عورة منها ولذلك لا ترفع صوتها بالتلبية ولأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة وليس على النساء جماعة ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أم ورقة إن تؤم أهل دارها جعل مؤذنا من الرجال

ولا بأس إن تؤذن نص عليه لما روى النجاد عن ابن عمر قال لا أنهى عن ذكر الله قال أصحابنا هذا إذا لم ترفع صوتها فإن رفعته كره وينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال والأجانب أن يحرم وإلا فلا وهل تستحب لها الإقامة على روآيات أشهرها لا تستحب لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال المرأة لا تؤم ولا تؤذن ولا تنكح ولا تشهد النكاح ولأن الإقامة في الجملة مظنة رفع الصوت فلم تستحب لها كالآذان ولأنه لم يرد به الشرع في المحل فلم تستحب كالزيادة على التلبية

والأخرى تستحب لما روي عن جابر أنه قيل له أتقيم المرأة قال نعم ذكره ابن المنذر ولأنه ذكر لله فاستحب لها كالتلبية ولأن من السلف من يأمرها بالإقامة ويكره لها تركها ففي الإقامة خروج من الخلاف

والثالثة أنها تخير بين الفعل والترك قال أحمد إذا فعلت فإن شاءت اقتصرت على الإقامة وإن شاءت أذنت وأقامت قال إذا أذن وأقمن فلا بأس وإن لم يفعلن فجائز قال وسئل ابن عمر عن ذلك فغضب وقال أنا أنهي عن ذكر الله تعالى وقد روى النجاد عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم ولأن ذلك لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤمر به وهو ذكر الله تعالى فلا ينهى عنه كسائر الأذكار

فأما الأذان فلا يستحب لها بل الأفضل تركه في المشهور عنه وعنه أنها تخير بين فعله وتركه

مسألة والأذان خمس عشرة جملة لا ترجيع فيه والإقامة إحدى عشرة

مسألة وينبغي إن يكون المؤذن أمينا صيتا عالما بالأوقات ويستحب إن يؤذن قائما متطهرا على موضع عال مستقبل القبلة فإذا بلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا ولا يزيل قدميه ويجعل إصبعيه في أذنيه ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة

مسألة ويقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين بعد الحيعلة وذلك لما روي عن بلال قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أثوب إلا في الفجر رواه أحمد ورواه ابن ماجة ولفظه أمرني أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء والترمذي ولفظه قال لي النبي صلى الله عليه وسلم لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر وعن سعيد بن المسيب عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر فقيل له هو نائم فقال الصلاة خير من النوم مرتين فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك رواه ابن ماجة وقد تقدم في آذان أبي محذورة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له فإن كان في صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله اكبر الله اكبر لا اله إلا الله رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وعن انس بن مالك قال من السنة إذا قال المؤذن في صلاة الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله اكبر الله اكبر لا اله إلا الله وفي رواية كان التثويب في صلاة الفجر إذا قال المؤذن حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم رواه سعيد وحرب وابن المنذر والدارقطني وقال عمر لمؤذنه إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم رواه الدارقطني ورواه الشافعي في القديم عن علي مثل ذلك ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك وهذا لأن الصبح مظنة نوم الناس في وقتها فاستحب زيادة ذلك فيها بخلاف سائر الصلوات وسواء أذن مغلسا أو مسفرا لأنه مظنة في الجملة

فأما التثويب في غيرها أو التثويب بين الندائين مثل إن يقول إذا استبطأ الناس حي على الصلاة حي على الفلاح أو الصلاة خير من النوم في الفجر أو غيرها أو يقول الصلاة الإقامة أو الصلاة رحمكم الله عند الإقامة أو بين النداءين فمكروه سواء قصد ذلك نداء الأمراء أو نداء أهل السوق أو غير ذلك لما روي عن ابن عمر أنه نزل الكوفة في بعض الأحياء فنودي بالصبح في مسجد أولئك الحي فخرج إليهم ليصلي معهم فلما ثوبوا قال أليس قد نودي للصلاة قالوا بلى قال فما يقول هذا قالوا إن هذا شيء يصنعونه عند ضوء الصبح إذا أضاء لهم فقال إن هؤلاء قد ابتدعوا لا نصلي معهم فانصرف إلى منزله فصلى فيه رواه سعيد وعن أبي العالية قال كنا مع ابن عمر في سفر ونزلنا بذي المجاز على ماء لبعض العرب فحضرت الصلاة فأذن مؤذن ابن عمر ثم أقام الصلاة فقام رجل فعلا على رحل من رحالات القوم ثم نادى بأعلى صوته الصلاة يا أهل الماء الصلاة فجعل ابن عمر يسبح في صلاته حتى إذا قضت الصلاة قال ابن عمر من الصائح بالصلاة قالوا أبو عامر يا أبا عبد الرحمن فقال له ابن عمر لا صليت ولا تليت أي شيطانك أمرك بهذا أما كان في الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والصالحين ما أغنى عن بدعتك هذه إن الناس لا يحدثون بدعة وإن رأوها حسنة إلا أماتوا سنة فقال رجل من القوم إنه ما أراد إلا خيرا يا أبا عبد الرحمن فقال ابن عمر لو أراد خيرا ما رغب بنفسه عن سنة نبيه والصالحين من عباده رواه ابن بطة في جزء صنفه في الرد على من صاح عند الأذان الصلاة الإقامة وعن مجاهد قال كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر فقال اخرج بنا فإن هذه بدعة رواه أبو داود في سننه وعن مجاهد قال لما قدم عمر مكة فأذن أبو محذورة ثم أتى عمر فقال الصلاة يا أمير المؤمنين حي على الصلاة حي على الفلاح قال عمر أما كان في دعائك الذي دعوتنا إليه أولا ما كفاك حتى تأتينا ببدعة تحدثها لنا رواه سعيد وابن بطة وهذا كله إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول فأن لم يكن الإمام أو البعيد من الجيران قد سمع النداء الأول فلا ينبغي إن يكره تنبيهه لما تقدم عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذنه بصلاة الفجر بعد الأذان فقيل أنه نائم فقال الصلاة خير من النوم قال ابن عقيل فإن تأخر الإمام الأعظم أو إمام الحي أو أماثل الجيران فلا بأس إن يمضي إليه منبه يقول له قد حضرت الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصده بلال ليؤذنه بالصلاة وهو مريض فقال مروا أبا بكر إن يصلي بالناس وذكر احتمال إن نداء الأمراء ليس ببدعة لأنه فعل على عهد معاوية ولعله اقتدى به في ذلك في حديث بلال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم

فأما قصد الإمام لاستئذانه في الإقامة فلا بأس به لأن بلالا كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الإقامة لأن الإمام املك في الإقامة

فصل

ويكره إن يوصل الأذان بذكر قبله مثل قراءة بعض المؤذنين قبل الأذان { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } الآية وقول بعض من يقيم الصلاة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ونحو ذلك لأن هذا محدث وكل بدعة ضلالة لا سيما وهو تغيير للشعار المشروع وكذلك إن وصله بذكر بعده

مسألة ولا يؤذن قبل الوقت إلا لها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم

أما غير صلاة الفجر فلا يجوز ولا يجزىء الأذان لها إلا بعد دخول الوقت فإن أذن قبله أعاد إذا دخل الوقت لأن المقصود بالأذان الإعلام بدخول الوقت ودعاء الناس إلى الصلاة وهذا لا يكون إلا في الوقت ولأن الأذان معتبر للصلاة فلا بد من حصوله في وقتها كسائر أسبابها من الشرائط والأركان فإن الشرط وإن جاز فعله قبل الوقت فلا بد من بقائه حكما إلى آخر الصلاة والأذان لا يبقى

ويستحب إن يكون الأذان في أول الوقت لما روي جابر بن سمرة قال كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يخرم ثم لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام حين يراه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي

وأما الفجر فيجوز الأذان لها قبل وقتها لما روي ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم متفق عليهما وفي رواية للبخاري فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة وعن عبد الله ابن مسعود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم آذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي فقد نبه صلى الله عليه وسلم على حكمة تقديم الأذان في الفجر وذلك لأن آخر الليل مظنة نوم النائم وقيام القائم للصلاة فإذا أذن قبل الفجر استيقظ النائم وتأهب للصلاة بالتخلي والتطهر واللباس ليتمكن من الصلاة في أول الوقت ولذلك خصت بالتثويب فيها بخلاف سائر الصلوات فإن الناس عند النداء بها يكونون إيقاظا وأهبة للصلاة إذ ذاك فكانت خفيفة على أكثرهم وأما القائم فإنه يعلم دنو الفجر فيبادر الفجر بالوتر

فصل

ويستحب الأذان قبل الفجر لما تقدم ويستحب إن يكون مؤذنان أحدهما يؤذن قبل الفجر والآخر بعده كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وليحصل الإعلام بدخول الوقت فإن أذن المؤذن مرتين فقال الآمدي هو مستحب أيضا كالمؤذنين وإن أذن واحد جاز لما روى الحارث بن زياد الصدائي قال لما كان آذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فناديت فجعلت أقول أقيم أقيم يا رسول الله فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول لا حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال إن يقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم قال فأمت رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة

ويستحب أن يكون التأذين قريب الفجر ليحصل المقصود وهو إيقاظ النائم ورجع القائم فإنه لا يقصد قبل ذلك وفي الصحيحين أنه لم يكن بين آذان بلال وابن أم مكتوم إلا إن ينزل هذا ويرقى هذا ويستحب إن يكون الأذان في وقت واحد لأنه إذا قدم تارة وآخر أخرى اضطرب على الناس أمر الوقت ولم ينتفع بآذانه بل قد يتضرر به فأشبه من عادته الأذان أول الوقت فأذن في أثنائه وعلى ذلك ما حمل بعض أصحابنا ما روى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم إن يرجع فينادي إلا إن العبد نام فرجع فنادى إلا إن العبد نام رواه أبو داود وقال الترمذي هو غير محظوظ وقال الدارقطني الصواب عن نافع عن ابن عمر أن مؤذنا لعمر أذن قبل الصبح فأمره إن يرجع فينادي وكذلك ما روى شداد مولى عياض بن عامر عن بلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ومد يديه عرضا رواه أبو داود وقال هو منقطع لأن شدادا لم يدرك بلالا فإن صحا حملا على نوبة بلال فإنه كان تارة يؤذن قبل أبي محذورة وتارة بعده كذلك رواه أحمد والنسائي عن حبيب بن عبد الرحمن عن عمته وكانت حجت مع النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال

وروى أحمد عن عائشة قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وعمرو بن أم مكتوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا فإنه رجل ضرير وإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم فإن بلالا لا يؤذن حتى يصبح قال ابن خزيمة إن الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم فكان يتقدم بلال ويتأخر عمرو ويتقدم عمرو ويتأخر بلال

فأما في شهر رمضان فقد كره الإمام أحمد الأذان قبل طلوع الفجر قال لأنه يمنع الناس من السحور يعني إذا لم يكن مؤذنان كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا بأس به حينئذ والكراهة المطلقة من الإمام تحمل على التحريم أو التنزيه فيه وجهان

وذكر الآمدي في جواز الأذان في رمضان قبل الفجر روايتين

إحداهما لا يجوز لما فيه من منع الناس من السحور المشروع وتحريم ما أباح الله لهم

والثانية يجوز لأنه إذا علم أنه يؤذن قبل الوقت لم يقلد في ذلك

فصل

وليس عن أحمد نص في أول الوقت الذي يجوز فيه التأذين إلا أن أصحابنا قالوا يجوز بعد منتصف الليل كما تجوز الإفاضة من مزدلفة ورمي الجمرة والطواف وحلق الرأس بعد ذلك قالوا لأن النصف الثاني هو التابع لليوم الثاني بخلاف الأول ولأنه حينئذ يكون قد ذهب معظم الليل فيشبه ذهاب جميعه ولأن النصف الأول وقت للعشاء في حال الاختيار فلو جاز الأذان فيه لاشتبه على السامع الأذانان وعلى هذا فينبغي أن يكون الليل الذي يعتبر نصفه أوله غروب الشمس وآخره طلوعها كما لو كان النهار المعتبر نصفه أوله طلوع الشمس وآخره غروبها لانقسام الزمان إلى ليل ونهار وإن كان في غير التنصيف يكون آخر الليل طلوع الفجر وهو أول النهار ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الحديثين ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يعني الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر وفي الآخر حين يمضي نصف الليل يعني الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس فإنه إذا انتصف الليل الشمسي يكون قد بقي ثلث الليل الفجري تقريبا ولو قيل تحديد وقت إلى نصف الليل تارة وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب وأنه إذا مضى ثلث الليل الشمسي فقد قارب مضي نصف الليل الفجري لكان متوجها

مسألة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول هذا الحديث أخرجه الجماعة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وارجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر فقال أحدكم الله اكبر الله اكبر ثم قال اشهد أن لا اله إلا الله قال اشهد أن لا اله إلا الله ثم قال اشهد أن محمدا رسول الله قال اشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله اكبر الله اكبر ثم قال لا اله إلا الله من قلبه دخل الجنة رواه أحمد ومسلم وأبو داود وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا اخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان رواه أبو داود وجاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص وابنه وأبي رافع ومعاوية وغيرهم وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين يسمع المؤذن وأنا اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه رواه الجماعة إلا أحمد والبخاري وهذا الذكر مستحب استحبابا مؤكدا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به واقل أحوال الأمر الاستحباب حتى إنه إذا سمعه لم يشتغل عنه بصلاة نافلة من تحية مسجد ولا سنة راتبة ولا غيرها بل إذا دخل المسجد وسمع المؤذن بدأ بإجابته قبل التحية نص عليه

ويستحب أن لا يقوم إذا اخذ المؤذن في الأذان لسبب آخر وهو أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ففي التحرك عند سماع النداء تشبه بالشيطان قال أحمد رحمه الله في الرجل يقوم فيتطوع إذا أذن المؤذن فقال لا يقوم أول ما يبدأ ويصبر قليلا وقال أيضا يستحب له أن يكون ركوعه بعدما يفرغ أو يقرب من الفراغ لأنه يقال إن الشيطان يدبر حين يسمع النداء وعلى هذا فيستحب لمن كان قاعدا أن لا يقوم عند سماع الأذان سواء أجابه في حال قيامه ومشية أم لم يجبه وإن سمعه وهو في قراءة أو دعاء قطع لأن إجابة المؤذن تفوت فإن كان في صلاة لم يقله لأن في الصلاة لشغلا ولهذا لا يستحب له أن يؤمن على دعاء غيره ولا أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره وهو في الصلاة ويقوله إذا فرغ من الصلاة ذكره القاضي وكلام غيره يقتضي أنه لا يستحب لأنه سنة فات محلها فأشبه صلاة الكسوف بعد التجلي وتحية المسجد بعد الخروج منه ولأنه ذكر معلق بسبب فلم يشرع بعد انقضاء السبب كالذكر المشروع عند دخول المسجد والخروج منه والأكل والشرب والخلاء ودعاء الاستفتاح والاستعاذة وغير ذلك فإن قاله في الصلاة لم تبطل لأنه ذكر لله إلا أن يقول حي على الصلاة حي على الفلاح فإنها تبطل لأنه خطاب لآدمي ولهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله كما جاء مفسرا في رواية عمر وغيره نص عليه

واستحب بعض أصحابنا إن يجمع بين ذلك وبين الحيعلة أخذا بظاهر القول فقولوا مثل ما يقول مع أمره بالحوقلة

والصحيح الأول لأن الروآيات المفسرة من أمره وقوله تبين الرواية المطلقة ولأن كلمات الأذان كلها ذكر لله سبحانه فاستحب ذكر الله سبحانه عند ذلك

أما الحيعلة فإنها دعاء للناس إلى الصلاة وسامع المؤذن لا يدعو أحدا فلم يستحب أن يتكلم بما لا فائدة فيه لكن لما كان هو من جملة المدعوين شرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دعي إليه وهو لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة وبها يقتدر الإنسان على كل فعل إذ معناها خالق الأعمال والقوي عليها فجمعت جميع الحركات والقدرة التي بها تكون الحركات في السماوات والأرض

وقيل لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله والمعنى الأول اجمع وأشبه

قال بعض أصحابنا ويقول إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم صدقت وبررت أو نحو هذا

وقد قال أحمد بن ملاعب سمعت أبا عبد الله ما لا أحصيه وكان يكون هو المؤذن فإذا قال الله اكبر الله اكبر قال قليلا الله اكبر الله اكبر إلى آخر الآذان قال أصحابنا فيستحب للمؤذن إن يقول سرا مثل ما يقول علانية وقوله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول كقوله إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين وقوله إذا قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وهذا لأنه ذكر يقتضي جوابا فاستحب له إن يجيب نفسه كما استحب لغيره إن يجيبه كالتأمين والتحميد ولأنه بذلك يجمع له بين اجرين بذكر الله سرا وعلانية ولأن السر ذكر محض بخلاف العلانية فإنه يقصد به الإعلام ولأنه يستحب أن يفصل بين كلمات الأذان فاستحب له أن يشغلها بذكر الله سبحانه

والاستحباب في حق غيره أوكد وبكل حال فهو مستحب حتى لو تركه أو اشتغل عنه بصلاة أو قراءة لم يكن عليه شيء نص عليه وقال أيضا إذا دخل المسجد والمؤذن يؤذن استحب له أن يقول مثل ما يقول المؤذن وإن لم يقل وافتتح الصلاة فلا بأس وقال الآمدي يكره أن يشرع في النافلة إذا سمع التأذين

والمستحب أن يقول مثل ما يقول المؤذن كلمة كلمة فلا يسبقه بالقول كما في حديث عمر وغيره ولقوله عليه السلام إذا سمعتم المؤذن فقولو مثل ما يقول ولأنه بذلك يحصل له اجر استماع الأذان وموافقة المؤذن

قال أصحابنا ويستحب إذا سمع الإقامة إن يقول مثل ما يقول المؤذن لما تقدم فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة قال أقامها الله وأدامها

فأما المنادي بالإقامة فلا يستحب له إن يقول سرا ما يقول علانية لأن الإقامة تحدر ولا يحصل بينها سكوت

وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم فيستحب له إن يجلس وإن لم يكن صلى تحية المسجد قال ابن منصور رأيت أبا عبد الله أحمد يخرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف اخذ المؤذن في الإقامة فجلس لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وبلال في الإقامة فقعد رواه الخلال ورواه أبو حفص ولفظه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن فجلس ولأن القيام قبل الشروع في الصلاة غير مشروع وتحية المسجد قد سقطت بالإقامة فإنها إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت

فصل

ويستحب إن يدعو إذا فرغ من الأذان والإقامة نص عليه وكان إذا أقيمت الصلاة رفع بكفيه وجعل يدعو لما روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا رواه أبو داود وعن عبد الله بن عمرو إن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أحمد وأبو داود وعن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا فما نقول يا رسول الله قال سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة رواه أحمد والترمذي وأبو داود وهذا لفظه وعن أم سلمة قالت علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أقول عند آذان المغرب اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي رواه أبو داود

وينبغي إن يقدم إمام الدعاء لنفسه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ينبغي إن يقرن ذلك بإجابة المؤذن وإن لم يدع لنفسه كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ولما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه الجماعة إلا مسلما زاد بعض أصحابنا واسقنا بكأسه من حوضه مشربا هنيئا سائغا رويا غير خزايا ولا ناكثين برحمتك

فصل

السنة إن يقيم من أذن لما روى زياد بن الحارث الصدائي قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني فأذنت فأراد بلال إن يقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم رواه الخمسة إلا النسائي ولولا إن السنة إن يتولاهما رجل واحد لم يمنع المؤذن الراتب من حقه وهو الإقامة لما حضر وعن عبد العزيز بن رفيع قال رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن أنسان قبله فأذن ثم أقام رواه أبو حفص واحتج به أحمد ولولا إن ذلك سنة عندهم لاكتفى بتأذين الرجل ولأن ذلك اقرب إلى إن يعلم الناس إن الثاني إقامة وليس بأذان آخر ولأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فكانت السنة أن يتولاهما واحد كالخطبتين

فان أذن غير المؤذن الراتب فإما أن يقيم من أذن كما فعل زياد أو يعيد الراتب الأذان كما صنع أبو محذورة

فان أقام غير من أذن كره نص عليه واجزأ لأن المقصود قد حصل

ولو تناوب اثنان على آذان واحد فقال هذا كلمة وهذا كلمة أو بنى الرجل على آذان غيره لم يجز لعذر ولا لغيره بل لا بد من آذان رجل واحد وإن جوزنا الخطبة من اثنين لأنه ذكر واحد يختلف مقصوده باختلاف الأصوات بخلاف الخطبة ولا يقيم إلا بإذن الإمام فإن أمر الصلاة إليه قال علي رضي الله عنه المؤذن املك بالأذان والإمام املك بالإقامة رواه سعيد وأبو حفص

والسنة إن يكون الأذان والإقامة في موضع واحد فإذا أذن في مكان استحب إن يقيم فيه لا في الموضع الذي يصلي فيه لما احتج به الإمام أحمد رحمه الله عن بلال رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله لا تسبقني بآمين رواه أحمد وأبو داود وقال اسحق بن راهويه وكذلك أبو هريرة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأئمتهم ولو كانت الإقامة موضع الصلاة لم يخشوا إن يسبقوا بآمين فعلم إن الإقامة كانت حيث يسمعها الغائبون عن المسجد إما موضع الأذان أو قريبا منه وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة متفق عليه وقد تقدم قول ابن عمر رضي الله عنه كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة ولأن الإقامة أحد الندائين فاستحب أسماعها للغائبين كالآذان ولأن المقصود بها الإعلام بفعل الصلاة لمنتظرها في المسجد وغيره فإن شقت الإقامة قريبا من موضع الأذان بأن يكون الأذان في المنارة أو في موضع بعيد من المسجد فإنه يقيم في غيره بحيث يعلم الغائبين أيضا لما روى عبد الله بن شقيق قال الأذان في المنارة والإقامة في المسجد وقال هي السنة رواه سعيد

فصل

وإذا أذن قريبا من المسجد جاز وإن كان بينهما طريق كما يجوز الأذان في منارة المسجد كما تقدم من حديث بلال أنه كان يؤذن على سطح أمرأة من الأنصار

وإن أذن في مكان بعيد من المسجد فقال أحمد معاذ الله ما سمعنا إن أحدا يفعل هذا لأن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة فلا بد أن يكون نداؤه قريبا من موضع الصلاة ليقصده الناس

فأما إن أذن لغير المسجد بل للإعلام بالوقت فلا بأس بذلك بكل موضع

فصل

ولا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا على ما جاءت به السنة لأنه ذكر مجموع فوجب إن يؤتى به على وجهه كقراءة الفاتحة ولأنه بدون ذلك يختل المقصود به من الإعلام والدعاء فإن نكسه لم يصح بحال

وإن فرق بين كلماته بسكوت يسير أو كلام يسير مباح لم يقطعه لكنه إن كان لغير حاجة كره وهو في الإقامة أشد كراهة من الأذان

وإن كان لحاجة مثل إن يرد على من سلم عليه أو يأمر بعض أهله بحاجة أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر بكلام قليل لم يكره لما ذكره الإمام أحمد عن سليمان بن صرد وكانت له صحبة أنه كان يأمر غلامه بالحاجة وهو يؤذن وأمر ابن عباس مؤذنه إن يقول في يوم مطير بعد قوله حي على الفلاح إلا صلوا في الرحال متفق عليه ولأن ذلك لا يخل بمقصود الأذان وبه إليه حاجة فأشبه العمل اليسير في الصلاة

وعنه إن ذلك يكره مطلقا

وعلى الروايتين فالأفضل إن لا يتكلم برد سلام في الأذان ولا غيره

فأما الإقامة فلا يتكلم فيها لأن السنة حدرها والكلام يقطع ذلك فأما إن طال الكلام أو السكوت استأنف لأن ذلك يخل بمقصود الإعلام فأشبه التنكيس

وإن فصل بينه بكلام يسير محرم كالسب والقذف فهل يبطل على وجهين ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين

إحداهما يبطل قال الآمدي وهو الصحيح لأنه ذكر محض مجموع والكلام المحرم مناف له وربما ظن متلاعبا لا مؤذنا إذا خلط الحق بالباطل

وفي الأخرى لا يبطل لأنها عبادة لا تبطل بالكلام المباح فكذلك بالمحرم كالصوم والحج

فأم الكلام بين الأذانين فلا يكره لأن الفصل بينهما مشروع بعمل أو جلوس والكلام من جملة الفواصل

ولو ارتد في أثناء الأذان بطل لأنها عبادة واحدة فبطلت بالردة في أثنائها كسائر العبادات فلو عاد إلى الإسلام في الحال استأنف

ولو جن أو نام أو أغمى عليه ثم أفاق في الحال بنى لأنه لم يخرج عن كونه من أهل العبادة

وقال الآمدي إذا أغمى عليه بطل الأذان كما يبطل بالكلام الكثير

ولو ارتد بعد الأذان ففيه وجهان

أحدهما يبطل قاله القاضي والآمدي وغيرهما كما تبطل الطهارة بالردة وهذا إذا كانت الردة بين الأذان والصلاة فأما إن كانت بعد الصلاة لم يبطل حكم الأذان قولا واحدا وكذلك إن كان بعد الشروع في الصلاة

والثاني لا يبطل وإن استمر على ردته وهو اصح قاله طائفة من أصحابنا لأنها عبادة قد انقضت فلم تبطل بالردة كسائر العبادات بخلاف الطهارة فإن حكمها باق ولأنه لا يبطل بعد فراغه شيء من المبطلات فلم تبطل بالردة كالصلاة وأولى وعكسه الطهارة وهذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلانه كما تقدم في الطهارة

فصل

يستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين قال في رواية المروذي بين الأذانين جلسة في المغرب وحدها لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الأذان رأيت رجلا كان عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها رواه أحمد وأبو داود وفي رواية قال رأيت الذي أذن في المنام أذن المغرب وقعد بين الأذان والإقامة قعدة رواه حرب وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا يفرغ الأكل من أكل طعامه في مهل ويقضي المتوضىء حاجته في مهل رواه عبد الله بن أحمد في المسند قال اسحق بن راهويه لا بد من القعدة في الصلوات كلها حتى في المغرب لما صح عن بلال حيث علمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان فأمره إن ينتظر بين الأذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم وينتشر المنتشر للصلاة فأذن مثنى مثنى وأقام مرة مرة وقعد قعدة وعن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن فلا يقيم حتى يجلس

وعن ابن عباس قال ينتظر المؤذن في الصلاة كلها بين الأذان والإقامة قدر ما يغتسل الرجل وفي المغرب قدر ما يتوضأ رواه الشالنجي وإنما قدرها الإمام أحمد بركعتين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون بين الأذانين للمغرب ركعتين وقد قال صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة ولأنه بالفصل يتأهب إلى الصلاة من ليس على أهبة ويصلي من يريد الصلاة ويدرك أكثر الجماعة حد الصلاة وهو تكبيرة الإحرام ويدركون التأمين وذلك مقصود للشارع وفيه اجر عظيم جاءت به الأحاديث

وأما القعود فليفصل بين الأذانين وليكون قائما إلى الإقامة قياما مبتدأ ولأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة يفصل بينهما بجلسة كالخطبتين وإنما خصت المغرب بذلك لضيق وقتها وكراهة تأخيرها

فأما سائر الصلوات فالفصل بين الصلاتين يحصل بأسباب أخرى من الصلاة وغيرها

فإن تأخرت الجماعة أكثر من قدر ركعتين استحب له انتظارهم ما لم يخف خروج الوقت قال مهنا سألت أحمد عن إمام أذن لصلاة المغرب فرأى أن ينتظر القوم إلى إن يتوضأ ما لم يخف فوت الوقت

وعنه أنه إنما استحب انتظارهم بالقدر المتقدم قال في رواية حنبل ينبغي للمؤذن إذا أذن إن لا يعجل بالإقامة ويلبث حتى يأتيه أهل المسجد ويقضي المعتصر حاجته يجعل بين آذانه وإقامته نفسا وهذا أشبه بالروايتين

وفيما إذا أسفر الجيران يغلس أو يسفر على روايتين

ولو أذن ثم خرج من المسجد أو ذهب إلى منزله لحاجة مثل أن يتوضأ لم يكره وإن كان لغير حاجة كره لأن الخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه لغير المؤذن فالمؤذن أشد إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص على ذلك كله لأن وقت الصلاة لم يدخل ولا تجب الإجابة إليها ألا بعد الوقت

فصل

الأذان من أفضل الأعمال فإنه ذكر الله على وجه الجهر ويفتح أبواب به السماء وتهرب منه الشياطين وتطمئن به القلوب وهو إظهار لشعار الإسلام وأعلام للناس بوقت الصلاة ودعاء إليها ومراعاة الشمس والقمر والظلال لذكر الله قال الإمام أحمد الأذان احب إلي من الإمامة لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه والمؤذن يغفر له مد صوته وهذا اختيار أكثر أصحابنا

وروي عنه أن الإمامة أفضل وهذا اختيار أبي عبد الله ابن حامد وأبي الفرج ابن الجوزي لأن الإمامة تولاها صلى الله عليه وسلم هو بنفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون ووكلوا الأذان إلى غيرهم وكذلك ما زال يتولاها أفاضل المسلمين علما وعملا ولأن الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثر مما يعتبر للأذان ولأن الإمامة واجبة في كل جماعة والأذان إنما يجب مرة في المصر وقد روي عن داود بن أبي هند قال حدثت أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرني بعمل اعمله قال كن إمام قومك قال فإن لم اقدر قال فكن مؤذنهم رواه سعيد

والأول اصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد لأن المغفرة نهاية الخير ولهذا أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار بقوله { إذا جاء نصر الله والفتح } وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكان ذلك خصوصا خصه به دون سائر الأنبياء وندب قوام الليل إلى الاستغفار بالأسحار والرشد مبتدأ الخير فإنه من لم يرشد يكن غاويا والغاوي المتبع للشهوات المضيع للصلوات ولأن الأذان له خصائص لا توجد في الإمامة

منها أنه يغفر له مد صوته

وأنه يستغفر له كل رطب ويابس

وأنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا انس ولا شيء ألا شهد له يوم القيامة وقد تقدم ذلك وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدوا ألا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه متفق عليه وعن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه أحمد ومسلم وعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه من يسمعه من رطب ويابس وله مثل اجر من صلى معه رواه أحمد والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة وفي كل إقامة ثلاثون حسنة رواهما ابن ماجة ولم يجىء في فضل الإمامة مثل هذا ولأن الإمامة من باب الإمامة والولاية إذ هي الإمامة الصغرى ولذلك قال عثمان لابن عمر اقض بين الناس فاستعفاه وقال لا اقضي بين اثنين ولا أؤم رجلين رواه أحمد وهي فتنة لما فيها من الشرف والرئاسة حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولآيات والإمارات الذي هو من إرادة العلو في الأرض وهذا مضر بالدين وقد روى كعب بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه قال الترمذي حديث حسن صحيح ولأنه يخاف على صاحبها انتفاخه بذلك واختياله وأن يفتن باشتهاره ولذلك صلى حذيفة بن اليمان مرة إماما ثم قال لتصلن وحدانا أو لتلتمسن لكم إماما غيري فإني لما أممتكم خيل إلي أنه ليس فيكم مثلي وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المرات ألا تؤم أصحابك فقال كرهت أن يتفرقوا فيقولوا أمنا محمد بن سيرين ولأن الإمام يتحمل صلاة المأمومين الذي دل عليه حديث الضمان والأذان سليم من هذه المخاوف كلها بل ربما زهد الشيطان فيه وثبط عنه حتى يفوض إلى أطراف الناس ولذلك قال عمر رضي الله عنه لبعض العرب من يؤذن لكم قالوا عبيدنا قال ذلك شر لكم وأما إمامته صلى الله عليه وسلم وإمامة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فمثل الإمارة والقضاء وذلك أن الولايات وأن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال وإنما يهاب الدخول فيها أولا خشية أن لا يقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها وخشية أن يفتن القلب بالولاية لما فيها من الشرف والعز ويكره طلبها لأنه من حب الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون في الغالب ولأنه تعرض للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرء بها صار القيام بها فرضا عليه وكذلك إذا تعينت عليه فإمامته وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل ولهذا قال عمر رضي الله عنه لولا الخليفي لأذنت رواه سعيد وهذا كالإمارة نفسها وكما أن مقامهم بالمدينة لكونها دار هجرتهم كان أفضل من مقامهم بمكة بل كان يحرم عليهم استيطان مكة وهذا الوصف مفقود في غيرهم وكذلك صوم يوم وفطر يوم هو أفضل الصيام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم غيره لأنه كان يضعفه عما هو أفضل منه فصار قلة الصوم في حقه أفضل ونظائر هذا كثيرة نعم نظير هذا أن يكون في القوم رجل لا يصلح للإمامة ألا هو وهو أحقهم بالإمامة ومن يصلح للأذان كثير فتكون إمامته بهم إذا قصد وجه الله بها وإقامته هذا الفرض واتقى الله فيها أفضل لما ذكرناه وعلى هذا يحمل حديث داود بن أبي هند وقد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى حق الله وحق مواليه ورجل أم قوما وهم به راضون ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب

فصل

وإذا تشاح نفسان في الأذان قدم أكملهما في الخصال المطلوبة في المؤذن وهي الصوت والأمانة والعلم بالأوقات بأن يكون أندى صوتا أو اعلم بالأوقات ويقدم أكملهما في عقله ودينه لما تقدم فإن استويا في ذلك قدم اعمرهما للمسجد وأكثرهما مراعاة له وأقدمهما تأذينا فيه

ولا يقدم أحدهما بكون أبيه كان هو المؤذن فإن استويا في ذلك قدم من يرتضيه الجيران أو أكثرهم فإن انقسموا طائفتين متساويتين أو لم يختاروا أحدهما أو لم يكن للمسجد جيران اقرع بينهما لقوله لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا ألا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ولأن الناس تشاحوا في الأذان بالقادسية فاقرع بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ذكره الإمام أحمد وغيره

والأول اصح لأن ذلك اقرب لرضاهم وانتظام أمرهم ولذلك اعتبر ذلك في الإمامة

فصل

قال القاضي يستحب الاقتصار على مؤذنين وإن اقتصر على واحد أجزأه إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم وكذلك قال الآمدي يستحب أن لا ينقص في مسجد الجماعة عن اثنين لدعوى الحاجة إليهما كالواحد في غير مسجد الجماعة ومعنى هذا أنه يرتب للمسجد مؤذنان إن غاب أحدهما حضر الآخر وأما تأذين واحد بعد واحد فعلى ما ذكره القاضي يستحب وعلى ما ذكره غيره لا يستحب ذلك إلا في الفجر

قال القاضي ولا يستحب أن يزيد على أربعة يعني أن ترتيب الأربعة ورزقهم جائز من غير كراهة بخلاف الزيادة على الأربعة وكذلك قال الآمدي لا يرزق أكثر من أربعة لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين ولأنه إذا زاد على أربعة فأذن واحد بعد واحد فات فضيلة أول الوقت فلا يزاد على الاثنين ألا لحاجة

وإذا احتيج إلى أكثر من أربعة كانت الزيادة مشروعة وهذا ظاهر المذهب ذكر أبو بكر عن أحمد أنه قال في رواية أحمد بن سعيد ويقيم الإمام من المؤذنين ما أراد ويرزقهم من الفيء

فصل

وإذا أذن جماعة فالأفضل أن يؤذن واحد بعد واحد إن كان المسجد صغيرا والإبلاغ يحصل بذلك لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤذن أحدهما بعد الآخر

فان أذنوا جميعا من غير حاجة فقال الآمدي يكره وذلك لما فيه من اختلاط الأصوات على المستمع حتى لا يفهم ما يقولون مع ما فيه من مخالفة السنة وإن كان المسجد كبيرا لا يحصل التبليغ بأذان الواحد والمقصود إسماع أماكن لا يبلغهم صوت الواحد فلا بأس باذانهم جميعا نص عليه وقال إذا أذن في المنارة عدة فلا بأس لأن المقصود بالأذان الإبلاغ وذلك يحصل باجتماع الأصوات ما لا يحصل بتفريقها

وإن أذنوا في وقت واحد متفرقين فإن كان كل واحد يستمع آذانه أهل ناحية بأن يؤذن أحدهما في طرف والآخر في طرف بعيد منه فهو حسن

وإن أدنوا في مكان واحد فهذا أولى بالكراهة من اذانهم جميعا في المكان الصغير لما فيه من اختلاط الأصوات قال بعض أصحابنا وإن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت أذنوا دفعة واحدة

ولا يؤذن قبل تأذين المؤذن الراتب ألا أن يغيب ويخاف فوت وقت التأذين فأما مع حضوره فلا

باب شروط الصلاة[عدل]

مسألة وهي ستة

شرائط الصلاة ما يجب لها قبلها ويستمر حكمه إلى انقضائها وكذلك كل متقدم على الشيء يسمى شرطا كشروط الطلاق ومنه أشراط الساعة

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أنها ستة يعني شرائط المكتوبات وهي الطهارتان والاستقبال والوقت والنية

وبعض أصحابنا يضم إلى ذلك الموضع لأن الصلاة لا تصح ألا في موضع مستقر ولأن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها لا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب مع طهارتها ولعل الشيخ ترك ذلك لأن المكان غير المستقر في الغالب يمنع تكميل الصلاة فتكون العلة نقص الأركان وكذلك الأماكن المنهي عنها معللة عنده بكونها مظنة النجاسة فيدخل في قسم الطهارة

مسألة أحدهما الطهارة من الحدث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ

وقد مضى ذكرها

أما الطهارة من الحدث فهي شرط لجميع الصلوات فرضها ونفلها ولما يجري مجرى الصلاة وهو الطواف ولمس المصحف ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم ذلك

مسألة الثاني الوقت

المذكور هنا هو شرط للصلوات المكتوبات خاصة فأما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت ومنها ما يصح في غير أوقات النهي كالنوافل المطلقة ومنها ما هو مؤقت أيضا كالرواتب والضحى ومنها ما هو معلق بأسباب كصلاة الكسوف والاستسقاء ومعنى كونه شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله ولا ينتقض هذا بالمجموعة إلى ما قبلها والجمعة إذا صليت في صدر النهار فإن ذلك وقت لها أي وقت لجواز فعلها

ومع كون الوقت شرطا فإنه موجب للصلاة فإن الصلاة لا تجب قبله وليس في الشرائط ما هو سبب لوجوب الصلاة ألا الوقت

لكن الوقت الموجب للصلاة قد يكون هو الوقت المشروط لصحتها كالزوال للظهر والغروب للمغرب وقد يكون غيره كالزوال للجمعة ومصير الظل مثل الشخص للعصر في حق المعذور فإن هذا الوقت ليس شرطا للصحة وهو سبب الوجوب والوقت شرط مع العلم والجهل والعمد والنسيان فمتى صلى قبل الوقت لزمته الإعادة في الوقت لكن إن كان معذورا مثل المطمور والمغيم عليه فلا إثم عليه وإن فعل ذلك عمدا أثم

مسألة وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله

بدأ الشيخ رحمه الله بالظهر وكذلك جماعة من أصحابنا منهم الخرقي والقاضي في بعض كتبهم لأن جبريل لما أقام للنبي صلى الله عليه وسلم المواقيت بدأ بها وكذلك تسمى الأولى ولأنه بدا بها في حديث عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة فأقتدي به في ذلك

وقال بعض أصحابنا هي أول ما فرض الله من الصلوات ولأن الله سبحانه بدأ بها في قوله { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر }

ومنهم من يبدأ بالفجر كابن أبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في بعض كتبه وهذا أجود إن شاء الله لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وإنما تكون وسطى إذا كانت الفجر الأولى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال المغرب وتر النهار فاوتروا صلاة الليل رواه أحمد من حديث ابن عمر فجعل جميع الصلوات موتورة فلو كانت الظهر هي الأولى لخرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو وتر الليل وذلك لا يجوز ولأن الفجر هي المفعولة في أول النهار فحقيقة الابتداء موجود فيها

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى وبريدة وجابر ووصيته لمعاذ بدأ بالفجر وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له إذ كان بمكة وفي هذا جواب عن الاحتجاج بقصة جبريل ولأن بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء وهو صلى الله عليه وسلم لم يخبر الناس بها حتى اصبح وفات الفجر فلعله أخر البيان إلى وقت الظهر ليعلم المسلمون ويأتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يأتم هو بجبريل ولأن أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر مثل قوله { وأقم الصلاة طرفي النهار } وقوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار } وقوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }

وإنما بدأ بالظهر تارة كما بدا في المغرب في قوله تعالى { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } الآية فتارة يبدأ أول النهار وتارة بأوسطه وتارة بأول الليل ولأن النائم إذا استيقظ بأول النهار كان بمنزلة الخلق الجديد فإن الانتباه حياة بعد الموت ونشور بعد السكون فما فعله حينئذ كان أول أعماله وبهذا يتبين أن اعمال النهار سابقة لأعمال الليل وإن أعمال النهار فواتيح وأعمال الليل خواتيم وإن كان الليل هو المتقدم على النهار خلقا وإبداعا

فصل

الظهر أربع ركعات بالنقل العام المستفيض والإجماع المستيقن في حق المقيم فأما المسافر فيذكر إن شاء الله في موضعه

وتسمى الظهر والهجير والأولى وأول وقتها هو زوال الشمس عن كبد السماء وهذا مما أجمعت عليه الأمة وجاءت به السنة المستفيضة من ذلك ما روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار كل ظل شيء مثله ثم جاء المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق ثم جاء الفجر فقال قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال سطع ثم جاءه من الغد للظهر فقال قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال ما بين هذين وقت رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال البخاري هو اصح شيء في المواقيت وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وافطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثل لوقت العصر بالأمس ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم صلى المغرب لوقته الأول ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلى جبريل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك الوقت فيما بين هذين الوقتين رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقد دل على ذلك قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقوله { وحين تظهرون } وقوله تعالى { وأطراف النهار }

ومعنى زوال الشمس أن تحاذي رأس المصلي ثم تميل عنه يقال زالت وزاغت ودلكت ودحضت ويعرف ذلك بازدياد الظل بعد كمال نقصانه وذلك أن الشمس ما دامت مرتفعة في رأي العين فإن الظل ينقص ويتقلص فإذا وقفت في رأي العين فإن الظل يبقى على حاله فإذا أخذت في الانحطاط اخذ الظل في الزيادة فإذا جئت إلى شاخص من جبل أو شجر أو جدار أو نصبت عودا وأعلمت رأس ظله ثم نظرت بعد ذلك فإن وجدته قد نقص فالشمس لم تستوي ولم تزل وإن وجدته قد زاد فقد زالت الشمس

وكذلك إن وجدته على حاله لأنه يكون قد تكامل نقصه ثم اخذ في الزيادة فعاد إلى حاله الأولى لأن الشمس لا تقف أبدا

وقد ذكر بعض أهل العلم قدر ظل الإنسان حين تزول الشمس بالإقدام في شهور السنة وهذا مع أنه تقريب إذ الزوال لا يكون في يومين متواليين على حد واحد ولا يستمر في جميع الأمصار وإنما ضبط في الأصل لبعض البلدان كالكوفة والبصرة

وأما آخر وقتها فإنه بصيرورة ظل كل شخص مثله بعد ظله حين الزوال فمن صلاها بعد ذلك من غير نية جمع كان قاضيا لا مؤديا وهذا لما تقدم من حديث جبريل فإن معنى قوله في اليوم الثاني فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله أي فرغ منها حين صار ظل كل شيء مثله

ومعنى قوله في العصر في اليوم الأول أنه صلاها حين صار ظل كل شيء مثله أنه ابتدأها حينئذ لأن المراد تحديد الوقت وضبطه وإنما يقع حد آخره بوقوع حد آخر الصلاة فيه كما يقع حد أوله بوقوع أول الصلاة فيه وقد جاء ذلك مفسرا فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شيء كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس رواه أحمد ومسلم وهذا أتم أحاديث المواقيت بيانا لأنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بحكاية فعل وقد روي نحوه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها وأن آخر وقتها حين تصفر الشمس وأن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وأن آخر وقتها حين يغيب الأفق وأن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس رواه أحمد والترمذي ألا إن محمد بن فضيل رواه عن الأعمش هكذا وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا ومراسيل مجاهد حسنة لا سيما وقد روي مسندا من وجوه صحيحة وكذلك أيضا في حديث السائل عن مواقيت الصلاة قد بين أنه آخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر وقال لما ناموا عن الصلاة ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة إن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى

فهذا كله يبين أنه إذا صار الظل مثل الشاخص خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وإنما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين الزوال لأن الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر إن يكون الظل مثل الشاخص مطلقا لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنما أطلق في الأحاديث لأنه قصد إن يبين إن وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه ولأن الظل وقت الزوال يكون مستقيما فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر ولأنه في الصيف في ارض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئا يسيرا لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث لما كان الفيء مثل الشراك

مسألة ووقت العصر وهي الوسطى من آخر وقت الظهر إلى إن تصفر الشمس ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس

في هذا الكلام ثلاثة فصول

أحدها إن العصر هي الصلاة الوسطى المعنية في قوله تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وهذا مما لا يختلف المذهب فيه قال الإمام أحمد تواطأت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه إن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وقال أيضا أكثر الأحاديث على صلاة العصر وخرج فيها نحوا من مائة وعشرين حديثا وذلك لما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس متفق عليه وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشا الله اجوافهم وقبورهم نارا رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الوسطى صلاة العصر رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة الوسطى صلاة العصر رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وسماها لنا أنها صلاة العصر وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فقال رجل فهي أذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم رواه أحمد ومسلم وهذا يدل على أنها العصر لأن تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى وتبديل اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن إن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك فإنه قيل فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قرأت { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } وقالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الجماعة ألا البخاري وابن ماجة وهذا يقتضي إن يكون غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه

قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات كقوله { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى } وهو سبحانه واحد وإنما تعددت أسماؤه وصفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنها وسطى وبأنها هي العصر وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أن الواو تكون زائدة فإن ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة وإنما جوزه بعض أهل الكوفة وما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك

فان قيل فقد قال { وقوموا لله قانتين } والقنوت إنما هو في الفجر

قلنا القنوت هو دوام الطاعة والثبات عليه وذلك واجب في جميع الصلوات كما قال تعالى { يا مريم اقنتي لربك واسجدي } وقال { وله من في السماوات والأرض كل له قانتون } وقال { أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما } فجعله قانتا في حال سجوده وقيامه وقال { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات } أراد به الصلاة ولم يرد به مجرد الدعاء في القيام { فالصالحات قانتات } أي مطيعات لأزواجهن

ولا يجوز إن يراد بهذه الآية الدعاء في صلاة الفجر لأن ذلك لو كان مشروعا لكان سنة حقيقية والآية سيقت لبيان ما يجب فعله ويتوكد في حال الخوف وغيره فلا وجه لتخصيص الدعاء في حال القيام دون غيره بالذكر وإنما يكون ذلك بالاشتغال بالصلاة عن غيرها ولذلك لما نزلت أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ولو فرض أن المراد به الدعاء في القيام فليس في الكلام ما يوجب إن ذلك في الصلاة الوسطى لا حقيقة ولا مجازا فلا يجوز حمل الكلام عليه بل لو كان القنوت هنا هو الدعاء لوجب إن يكون في جميع الصلوات على ما جاءت به السنة عند الحوادث والنوازل ولأن الأمر بالمحافظة عليها خصوصا بعد دخولها في العموم يوجب الاعتناء بها والتحذير من تضييعها والعصر محفوفة بذلك لما روى أبو بصرة الغفاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص فقال إن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له اجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم رواه أحمد ومسلم والنسائي وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي الصلاة التي عقر سليمان الخيل من أجلها لما فاتته فبين صلى الله عليه وسلم إن من قبلنا ضيعوها وما هذا شأنه فهو جدير إن يؤمر بالمحافظة عليه وإن لنا اجرين بهذه المحافظة وهما والله أعلم الأجران المشار إليهما بقوله تعالى { اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته } وفي المثل المضروب لنا ولأهل الكتاب وهو ما رواه الجماعة من الصحابة منهم ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ومثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى قالوا كنا أكثر عملا واقل عطاء قال هل نقصتكم من حقكم قالوا لا قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه وذلك إنما استحققنا الأجربين بحفظ ما ضيعوه وهو صلاة العصر ولأن المسلمين كانوا يعرفون فضلها على غيرها من الصلوات حتى علم منهم الكفار ولهذا لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر بعسفان قال المشركون قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي احب إليهم من أبنائهم وأنفسهم فأنزل الله عز وجل صلاة الخوف فكانت صلاة العصر هي السبب في تزول صلاة الخوف اليسير لما خافوا من تفويتها في الجماعة ولأن في تفويتها من الوعيد ما ليس في غيرها فروى ابن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله رواه الجماعة وعن أبي بكرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك صلاة العصر حبط عمله رواه أحمد والبخاري ولأن أول الصلوات هي الفجر كما تقدم فتكون العصر هي الوسطى وكذلك قال بعض السلف وامسك أصابعه الخمس فوضع يده على الخنصر فقال هذه هي الفجر ثم وضعها على البنصر وقال هذه الظهر ثم وضعها على الوسطى وقال هذه الوسطى وكذلك أهل العبارة يعتبرون الأصابع الخمس بالصلوات الخمس على هذا الوجه ولأن الصلوات غيرها يقع في وقت الفراغ فإن الفجر تكون عند الانتباه والعشائين يكونان عند السكن والرجوع إلى المنازل وانقطاع الشغل والظهر في وقت القائلة وإنما يقع الشغل أول النهار وآخره لكن ليس في صدر النهار صلاة مفروضة فيقع العصر وقت اشتغال الناس ولذلك ضيعها أهل الكتاب ولأن آخر النهار أفضل من أوله فإن السلف كانوا لآخر النهار أشد تعظيما منه لأوله وهو وقت تعظمه أهل الملل كلها ولذلك أمر الله بتحليف الشهود بعد الصلاة يعني صلاة العصر ولأن آخر النهار وقت ارتفاع عمل النهار واجتماع ملائكة الليل والنهار وإنما الأعمال بالخواتيم فتحسين خاتمة العمل أولى من تحسين فاتحته وصلاة الفجر وإن كان يرفع عندها عمل الليل لكن ليس في عمل الليل من الذنوب والخطايا في الغالب ما يحتاج إلى محو مثل عمل النهار ولهذا والله أعلم جعل تركها موجبا لحبوط العمل يعني والله أعلم عمل يومه فإن الأعمال بالخواتيم ولأن وقتها ليس متميزا في النظر تمييزا محدودا مثل مواقيت سائر الصلوات فإن وقت الفجر يعرف بظهور النور ووقت الظهر يعرف بزوال الشمس ووقت المغرب يعرف بغروبها ووقت العشاء بمغيب الشفق وأما العصر فإن حال الشمس لا تختلف بدخول وقتها اختلافا ظاهرا وإنما يعرف بالظلال أو نحو ذلك فلما كان وقتها قد يشتبه دخوله كان التضييع لها أكثر نت التضييع لغيرها فكان تخصيصها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبا لذلك الفصل الثاني

أنها أربع ركعات في حق المقيم بالنقل العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف

ووقتها من حين يصير ظل كل شيء مثله فإذا صار ظل الشخص مثله وزاد أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر ويمتد وقتها إلى إن يتغير لون الشمس وتصفر على هذا أكثر الروآيات عن أبي عبد الله

وعنه أنه يمتد إلى إن يصير ظل كل شيء مثليه فقط وهي اختيار الخرقي وطائفة من أصحابنا لما تقدم من إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه وقال الوقت ما بين هذين

والأول اصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم وقت العصر ما لم تصفر الشمس من رواية عبد الله بن عمرو وغيره ولما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاه سائل سأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا وامر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول انتصف النهار أو لم ينتصف وكان اعلم منهم ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم آخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وآخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ثم آخر العصر فانصرف منها والقائل يقول احمرت الشمس ثم آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وآخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم اصبح فدعا السائل فقال الوقت فيما بين هذين رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل عليه السلام لوجوه أحدها إن فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة وإنما تنفيها بطريق المفهوم

الثاني أنها متأخرة لأنها كانت بالمدينة فإن السائل الذي سأله إنما كان بالمدينة وبلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وبريدة بن الحصيب وكل هؤلاء لم يصحبوه ألا بالمدينة وأبو موسى وأبو هريرة إنما صحباه بعد خيبر وحديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يكون هو الناسخ للأول إن كان بينهما تعارض

الثالث إن حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قول مبين وهو أتم تحديدا وأصرح دلالة من حكاية الفعل

الرابع أنها أكثر واصح من حديث جبريل

الخامس إن فيها زيادات في وقت العصر والمغرب والفجر وفي بعضها العشاء وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا

السادس إن الله تعالى قال { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } وكذلك قوله { طرفي النهار } لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول والغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية السابع إن من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فإن لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجا من الخلاف فلا اقل من إن يكون جائزا من غير كراهة

الثامن إن التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات وإنما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره الفصل الثالث

إن وقت الضرورة يبقى إلى إن تغيب جميع الشمس ومعنى ذلك إن أهل الضرورة والعذر الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس مثل الحائض تطهر والمجنون والمغمى عليه يفيقان والنائم ينتبه والصبي يبلغ بعد اصفرار الشمس يصلونها أداء في هذا الوقت من غير إثم وكذلك الكافر يسلم لأن المنع من صحة الصلاة كان موجودا فيه وإن كان على الحقيقة ليس بذي بعذر ولكن الحق بهم لأنه غفر له تأخيرها إذ الإسلام يجب ما قبله فأما من تمكنه الصلاة قبل هذا الوقت فلا يجوز له تأخيرها البتة فإن آخرها وصلاها فهي أداء مع كونه إثما فأما المريض يبرا فقد الحق بالقسم الأول وهذا أشهر لأن من يقدر على الصلاة فإنه لا يحل له تأخيرها عن وقت الاختيار ألا أن يكون مغلوبا على عقله كما قالوا في المسافر لا يجوز له تأخيرها إلى حين الاصفرار إذا علم أنه يجد الماء حينئذ بل يصلي وقت الاختيار بالتيمم

أما أنه لا يحل له تأخيرها البتة لمن يقدر على الصلاة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بين المواقيت في حديث جبريل عليه السلام والسائل وذكرها بكلامه وفي جميعها إن وقت العصر ما لم تصفر الشمس أو ما لم يصر ظل كل شيء مثليه وقال الوقت فيما بين هذين فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبينه وقد ذم من يؤخرها عن ذلك فيما رواه انس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كان بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها ألا قليلا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي ولا يقال إنما ذمه على النقر وقلة ذكر الله لأنه إنما ذمه على المجموع ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذكره كمن نقرها في أول الوقت

وأما كون وقت الإدراك والضرورة باقيا فلما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل إن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الفجر قبل إن تطلع الشمس فقد أدركها متفق عليه وقال ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس متفق عليه وقوله إنما التفريط في اليقظة إن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى هذا مع ظاهر قوله تعالى { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بصلاتي الفجر والعصر في حديث جرير حديث الرؤية وقوله { طرفي النهار } يدل على بقاء الوقت وحصول الإدراك بالصلاة فيه وأنها لا تفوت حتى تغيب الشمس فالمعذور صلاها في الوقت فلا يلحقه ذم والقادر لحقه الذم كما تقدم

فان قيل كيف يكون مؤديا لها في الوقت مع أنه مذموم

قلنا كما يمدح إذا قضاها بعد خروج الوقت وهو معذور لنوم أو نسيان وذلك لأن الأداء فعل العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة وكونه في بعض الأوقات والقضاء فعلها بعد خروج الوقت المضروب لها وإن لم يقدر على غيره

وقال الآمدي يكره إن يؤخرها إلى وقت الضرورة من غير عذر وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم والمذهب ما قدمناه

مسألة ووقت المغرب من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر

المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العام المتوارث خلفا عن سلف سواء في ذلك المقيم والمسافر فإنها وتر صلاة النهار فلو ثنيت أو ربعت لبطل معنى الوتر وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء فإن سميت العشاء أحيانا مع تقييدها بما يدل على أنها المغرب فلا بأس ما لم يهجر اسم المغرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العشاء الآخرة في حديث جبريل وحديث اثقل صلاة على المنافقين واقر على تسميتها بذلك لسائل سأله وسماها أصحابه بذلك في عدة أحاديث وقولهم الآخرة دليل على العشاء الأولى وإنما كان تسميتها المغرب أفضل لما روى عبد الله بن مغفل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء متفق عليه ولأن الله تعالى قال { ومن بعد صلاة العشاء } وأراد بذلك صلاة العتمة فعلم إن العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة ولأن تسميتها بالعشاء دائما يشعر بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنه يشعر بفعلها عند الغروب وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يكره تسميتها بالعشاء لظاهر الحديث

وأول وقتها إذا غاب قرص الشمس وحينئذ يفطر الصائم ويزول وقت النهي ولا اثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالمغرب حين غاب حاجب الشمس

ويمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم فمن صلاها قبل ذلك كان مؤديا بغير إثم من غير خلاف في المذهب لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله صلى الله عليه وسلم وقت المغرب ما لم يغب الشفق وفي حديث أبي هريرة آخر وقتها حين يغيب الشفق وفي حديث أبي موسى في جواب السائل أنه أخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق وعن بريدة بن الحصيب إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة فقال اشهد معنا الصلاة فأمر بلالا فأذن بغلس فصلى بهم الصبح حين طلع الفجر ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق ثم أمره الغد فنور بالصبح ثم أمره بالظهر فأبرد ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم يخالطها صفرة ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه فلما اصبح قال أين السائل قال ما بين ما رأيت وقت رواه الجماعة ألا البخاري ولأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فيها بالأعراف فرقها في ركعتين ولا يجوز مد الصلاة إلى إن يخرج وقتها لإيقاع شيء منها خارج الوقت فعلم إن وقتها يمتد بقدر قراءة سورة الأعراف

وصح عنه من وجوه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم وصح عنه إن أصحابه كانوا يصلون بحضرته ركعتين بين الأذانين ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك ولأنها إحدى الصلوات الخمس فاتسع وقتها كغيرها ولأنها تجمع إلى ما بعدها فاتصل وقتها الذي يليها كالظهر فإن جواز الجمع يجعل الوقتين وقتا واحدا والصلاتين كالصلاة الواحدة والصلاة الواحدة لا يكون لها وقتان متباينان وعكسه الفجر والعصر والعشاء لما لم يجز تأخيرها عمدا إلى وقت التي تليها لم لم تجمع معها

فان قيل هذا معارض بحديث جبريل فإنه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس وذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب وروى أبو أيوب إن النبي صلى الله عليه وسلم قال بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم وعن مرثد بن عبد الله الزني قال قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال ما هذه الصلاة يا عقبة قال شغلنا قال أما والله ما بي ألا إن يظن الناس انك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى إن تشتبك النجوم رواهما أحمد وعن عقبة بن عامر مثله رواه أحمد وأبو داود وعن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم يعملوا بثلاث ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود وما لم يؤخروا الفجر محاق النجوم مضاهاة النصرانية وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها رواه أحمد ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال المغرب وتر صلاة النهار ومعلوم أنها تفعل بعد انسلاخ النهار فيجب تقريبها من النهار وإن تكون عقيبه ليتحقق صعوده مع عمل النهار ولأن المسلمين في جميع الأعصار والأمصار ما زالوا يعجلونها ولو كان تأخيرها جائزا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها

قلنا هذا يفيد إن السنة فيها التعجيل وإن المداومة على تأخيرها منهي عنه بخلاف بقية الصلوات وكذلك نقول ولهذا لم ينكر أبو أيوب على عقبة مجرد التأخير لكن خاف إن يظن الناس إن السنة التأخير وقد ورد مثل هذا الكلام إن تعجيل الفطور وتأخير السحور سنة مع أنه ليس بواجب وهكذا الجواب عن حديث جبريل فإنه لعله قصد تبيين المواقيت التي لا كراهة في المداومة عليها أولا واخرا ثم هو حديث متقدم كان بمكة والأحاديث المدنية الصحاح الصرائح قاطعة في جواز التأخير فإن كان معارضا لها كانت هي الناسخة له كما تقدم ومرجحة بصحة أسانيدها وكثرة رواتها وكونها وتر النهار ولا يمنع تأخيرها فإنها وإن كانت من صلاة الليل كما قد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله لكن الحمرة في الأفق هي من توابع الشمس فجاز إن تلحق بالنهار من هذا الوجه كما أن الفجر من صلوات النهار وجهر فيها بالقراءة تبعا لصلاة الليل لبقاء الظلمة قبل طلوع الشمس

فصل

ومغيب الشفق يخرج به وقت المغرب لما تقدم من هذه الأحاديث ويدخل به وقت والعشاء لما تقدم من حديث جبريل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وكذلك في حديث السائل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وفي حديث أبي هريرة وقت العشاء من حين يغيب الأفق وكذلك حديث عبد الله بن عمرو لما قال وقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى ثلث الليل يدل على تواصل الوقتين مع قوله وإنما التفريط في اليقظة وهو إن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت التي تليها مع إن هذا مما اجمع عليه

والشفق الشفق شفقان احمر وهو الأول والأبيض وهو الثاني والعبرة بمغيب الشفق الأحمر فإذا غاب دخل وقت العشاء

واستحب أبو عبد الله إن يؤخر العشاء في الحضر إلى إن يغيب الشفق الأبيض ليستدل بمغيبه على مغيب الشفق الأحمر لأن الحمرة قد تكون باقية ويواريها الجدران فيظن أنها قد غابت وهي باقية ولأن اسم الشفق يقع عليها

وقد قال بعضهم أنه البياض فإذا صلى بعد مغيب البياض خرج من الشك والاختلاف

فان صلى في الحضر بعد إن غاب الأحمر وقبل إن يغيب الأبيض صحت صلاته نص عليه ونص في مواضع كثيرة على أنه لا يصلي ألا بعد مغيب الأبيض فجعل القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا المسألة رواية واحدة بالجواز وحملوا بقية الروآيات على الاستحباب لا على الوجوب وقال ابن أبي موسى لم يختلف القول عنه إن الشفق في السفر الحمرة واختلف قوله في الحضر على روايتين

إحداهما أنه الحمرة في الحضر والسفر

والأخرى أنه البياض في الحضر فإذا غاب فقد وجبت فأما في السفر فلا شيء يواريها والجمع جائز فيه لصحة الأحاديث أنه كان يصلي العشاء في السفر قبل مغيب الشفق

وذلك لما رواه الإمام أحمد في مسنده ومسائل ابنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال صل معي فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح حين طلع الفجر ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق ثم صلى العشاء قال بعضهم ثلث الليل وقال بعضهم شطره ومعلوم أنه ما صلى العشاء قبل الشفق الأحمر فعلم أنه صلاها قبل مغيب الأبيض وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ولفظه فور الشفق وثور الشفق ثوران حمرته وفوره فورانه وسطوعه وهذا إنما يكون في الشفق الأحمر ولأن الأحمر أظهر في الإستعمالمن الشفق الأبيض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب كأنه الشفق وكان احمر ولهذا فسر أكثر الناس قوله تعالى { فلا أقسم بالشفق } بالحمرة وما قبلها من النهار وفهم أكثر الصحابة وأكابرهم من الشفق الحمرة قال عمر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم الشفق الحمرة وقال عبادة بن الصامت وشداد بن اوس الشفق شفقان الحمرة والبياض فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة وإنما نقل خلاف هذا عن انس وأبي هريرة أيضا ولأنهما نوران يتبعان الشمس فتعلق الوقت بأقربهما إلى الشمس كالفجرين وهذا لأن البياض الذي يمتد في المغرب في الأفق بعد مغيب الحمرة نظير البياض الذي يستطيل في المشرق قبل طلوع الفجر الثاني وذلك لم يتعلق به حكم

مسألة ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني

أما أول وقتها فقد تقدم وأما آخر وقتها في حال الاختيار ففيه روايتان

إحداهما إلى ثلث الليل وهو أكثر الروآيات عنه واختارها الخرقي والقاضي وغيرهما لأنه كذلك في حديث جبريل وفي حديث السائل أيضا من رواية أبي موسى وبريدة ورواية جابر شك فيها قال بعضهم ثلث الليل وقال بعضهم شطره فتحمل رواية من روى على نصف الليل على أنه قال بالتحري والاجتهاد وروى النسائي عن عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوها ما بين إن يغيب الشفق إلى ثلث الليل أو أراد مقاربة نصف الليل

والرواية الثانية إلى نصفه اختارها طائفة من أصحابنا لأن في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط وهو أبين شيء في المواقيت وكذلك في حديث أبي هريرة وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل وعن أبي برزة إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يبالي بتأخير العشاء إلى نصف الليل رواه مسلم وعن انس قال آخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال قد صلى الناس وناموا أما أنكم في صلاة ما انتظرتموها متفق عليه ولمسلم حتى كان قريبا من نصف الليل وعن أبي سعيد الخدري قال انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل فجاء فصلى بنا وقال لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة

وهذا كلام مفسر من النبي صلى الله عليه وسلم يقضي به على ما سواه من الحكايات المحتملة وفي هذه الأحاديث زيادة فيجب الأخذ بالزائد ويحمل قول من روى على ثلث الليل أنه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فإن ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلا ولهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت وإنما يكون نصف النهار إذا كان أوله من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر وابتداء النهار من حينئذ وثلث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى هذا احتياط الراوي وإخباره بالمستيقن جاز إن يسمى ما يقارب النصف ثلثا

فصل

وأما وقت الإدراك والضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر ولا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب ولا يفوت وقت المغرب إلى العشاء ولا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وروى الخلال أيضا عن ابن عباس لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وسنذكر إن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس انهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء

ولم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على إن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى رواه أحمد ومسلم وأبو داود فإنه يقتضي امتداد كل صلاة إلى وقت التي تليها وإنما استثنى منه الفجر لظهور وقتها وظاهر القران في قوله تعالى { وزلفا من الليل } وقوله سبحانه { إلى غسق الليل } وقوله تعالى { ومن آناء الليل فسبح } يعم ذلك الجملة

وتأخير الصلاة إلى هذا الوقت لغير عذر لا يجوز كما تقدم في صلاة العصر

وهذه الصلاة أربع ركعات بالنقل العام

وتسمى العشاء لقوله تعالى { ومن بعد صلاة العشاء } وهو أفضل من تسميتها بالعتمة وإن ميت العتمة لم يكره ألا إن يهجر اسم العشاء لأن في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا وقد صح من وجوه كثيرة عن أبي موسى وابن عباس وعائشة وجابر بن سمرة انهم سموها العتمة ولأن ذلك نسبة إلى وقتها فأشبه المغرب والفجر وإنما كره ترك ذلك الاسم لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة ولمسلم لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وأنها تعتم بحلاب الإبل

وفيه وجه ثان أنه يكره إن تسمى بالعتمة لظاهر الحديث وحملا لأحاديث الرخصة على أنها منسوخة ذكره الامدي

مسألة ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس

وتسمى هذه الصلاة الفجر لقوله تعالى { قرآن الفجر } وقوله { من قبل صلاة الفجر } وقوله { الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } والصبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصبح

وصلاة الغداة لقوله عليه السلام لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الغداة ما فيهما لأتوهما ولو حبوا وقال الرجل له إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا

والمستحب تسميتها الفجر والصبح ولا يكره تسميتها بالغداة في المشهور

وفي الآخر يكره لأنه يقال أنها تسمية الأعراب

وهي ركعتان بنقل الأمة العام المتوارث بينها وهي من صلاة النهار نص عليه وجعلت ركعتان من أجل طول القراءة فيها وكأنه عوض بتطويل القراءة عن تكثير الركعات وأول وقتها من طلوع الفجر الثاني كما تقدم في أحاديث المواقيت كلها مع قوله { طرفي النهار } وقوله { وقرآن الفجر } وقوله { وحين تصبحون } وقوله { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } وغير ذلك

وهما فجران فالأول المستدق المستطيل في طول السماء كذنب السرحان وهو الذئب ويسمى الفجر الأول ولا عبرة به في شيء من الأحكام ثم يسود الأفق بعده ثم يطلع الفجر الصادق بعده معترضا في الأفق منتشرا لا ظلمة بعده ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق وقد تقدم وقد روى أبو حفص والدارقطني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الفجر فجران فجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام أما الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه ولا يحرم فيه الطعام وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام

ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه وقال بعض أصحابنا إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأن جبريل عليه السلام لما صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال الوقت فيما بين هذين الوقتين

والأول اصح لأن في حديث عبد الله بن عمرو وقت الفجر ما لم تطلع الشمس وفي لفظ ما لم يطلع قرن الشمس الأول هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة إن آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنه إنما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر ما لا تصفر الشمس وفي العشاء إلى نصف الليل فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث ولأن في حديث السائل أنه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين ألا أوقات الاختيار ولأن الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك أمر إن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمدا وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه وحديث جبريل قد جاء فيه أنه أسفر جدا وظاهره أنه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وإن كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى

فصل

إذا نام قبل العشاء ولم يوكل به من يوقظه كره له ذلك لأنه يخاف إن يدوم النوم فيفضي إلى فوت الوقت أو فوت الجماعة وإن وكل به من يوقظه لم يكره

فصل

وأما الحديث بعدها فإن كان وحده أو كان يتحدث مع غيره في علم أو مصلحة لم يكره ولإيناس الضيف وإن كان حديثا لا فائدة فيه كره له ذلك

مسألة ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها

أما إذا صلى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت فإنه يكون مدركا للصلاة من غير خلاف في المذهب وسواء في ذلك الفجر وغيرها لما روى أبو هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك من ركعة الصبح قبل إن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل إن تغرب الشمس فقد أدرك العصر رواه الجماعة ألا الترمذي

وإن صلى دون الركعة مثل إن يكبر ويركع أو يركع ويسجد سجدة أو يكبر للإحرام فقط فهل يكون مدركا للصلاة على روايتين

إحداهما يكون مدركا كما ذكره الشيخ وهي اختيار أكثر أصحابنا لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك من العصر سجدة قبل إن تغرب الشمس أو من الصبح قبل إن تطلع الشمس فقد أدركها رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة

وللبخاري في حديث أبي هريرة إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل إن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل إن تطلع الشمس فليتم صلاته وهذا المنطوق أولى من ذلك المفهوم ولأن بعض الصلاة قد وجد في الوقت حقيقة فلا يمكن إن نجعلها فائتة كما لو صلى ركعة

والرواية الثانية لا يكون مدركا هذا قولي الخرقي وابن أبي موسى وهو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة وقوله في الرواية الأخرى سجدة المراد به الركعة بكمالها وهذا كثير في الحديث تسمى السجدة الثانية ركعة تعبيرا عنها بركنها وذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع وسجدتان فإذا قيل قد صلى ركعة أو سجدة علم أنه قد كمل ركعة بسجدتيها ومنه قول زيد لمروان ألم أرك قصرت سجدتي المغرب يعني ركعتي الجهر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالأعراف وقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الوتر سجدتين تعني فيها الركعتين اللتين كان يصليهما وهو قاعد وقول علي كان إذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر وفي حديث أبي هريرة إذا قام من الركعتين وفي حديث أبي حميد حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة وهذا كما تسمى الصلاة قياما تعبيرا عنها بركنها

وتسمى قرآنا تعبيرا عنها بركنها ولا يجوز حمله على السجدة الأولى من الركعة إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلا حيث لا فرق بين إدراكها وإدراك الركوع وحده أو الركوع والاعتدال ولو أريدت السجدة بعينها لم يدل على ثبوت الإدراك بما دونها ولأنه إدراك للصلاة فلم يتعلق بما دون الركعة كالجمعة ولمن نصر الأولى إن يقول تقييد الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها كما أنه لما قيد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت في ذلك المغرب والعشاء والله أعلم إنما قيده بذلك لأن آخر وقت الفجر والعصر محدود ومرئي بالعين والركعة جزء من الصلاة معلوم بخلاف ما دون ذلك فإنه لا ينضبط فعله قبل خروج الوقت والمسألة محتملة

وإذا أدرك بعض الصلاة في الوقت فبعضها المفعول خارج الوقت هل يكون أداء أو قضاء على وجهين

اشهرهما تكون أداء لظاهر قوله فقد أدركها فمن زعم إن بعضها أو كلها يقع قضاء لم يكن قد أدركها كلها عنده وهو خلاف النص ولأن المشهور في المذهب إن الجمعة تفعل بعضها بعد خروج الوقت مع أنها لا تكون قضاء

والثاني تكون قضاء لأن حقيقة القضاء ما فعل بعد الوقت وهذا كذلك ولأن مدرك الجمعة والجماعة يكون منفردا بعد سلام الإمام حقيقة وحكما وإن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة فكذلك هذا وبكل حال فيجب عليه إن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت كما تقدم ومتى آخر شيئا منها عن الوقت عمدا إثم بذلك لأن النصوص المتقدمة في المواقيت تدل على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت

مسألة والصلاة في أول الوقت أفضل ألا عشاء الآخرة وفي شدة الحر الظهر

هذا الكلام فيه فصلان لأن الكلام في تعجيل الصلوات أما إن يكون على سبيل الإجمال أو على سبيل التفضيل الفصل الأول

إن الأصل في الصلاة في أول الوقت أفضل من آخره ألا لمعنى يقتضي استحباب التأخير لأن الله تعالى قال { فاستبقوا الخيرات } وقال تعالى { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } وقال تعالى { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } وقال تعالى { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } وقال { والسابقون السابقون } أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة وقال تعالى { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } وقال تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } وقال عن نبيه موسى { وعجلت إليك رب لترضى } وهذه الآيات تقتضي إن المسارعة إلى الخيرات مأمور بها وإن فاعلها مستوجب لثناء الله ورضوانه ولذلك يقتضي الاستباق إلى الخيرات وإلى أسباب المغفرة أمرا بها وثناء على أهلها وتفضيلا لهم على غيرهم والصلاة من أفضل الخيرات واعظم أسباب المغفرة وعن محمد ابن عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث يا علي لا تؤخرهن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والايم إذا وجدت لها كفؤا رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب وما أرى إسناده بمتصل لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده ومثل ذلك يكون من أقوى المراسيل فانهم اعلم بحديثهم وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله رواه أحمد والترمذي ورواه الدارقطني فقال ألا مرتين وعن أم فروة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن احب العمل إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها رواه الترمذي وإسناده كإسناد الذي قبله متقاربان فيهما لين وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من وقتها الأول ما هو خير له من أهله وماله رواه الدارقطني وقد روى الترمذي والدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الأخير عفو الله وروى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول الوقت رضوان الله وأوسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله

وهي أحاديث لينة قال الإمام أحمد لا اعرف شيئا في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا يعني مغفرة ورضوان ألا إن هذا لا يمنع العمل بها في الفضائل لا سيما مع تعدد طرقها

فان قيل فالعفو إنما يكون عن المسيء ولا إساءة في التأخير

قلنا العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه وقد يكون عن أصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم كقوله صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وقوله صلى الله عليه وسلم ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رفع الحرج والعقوبة عمن صلى فيه وقد كان يمكن إن يضيق الوقت ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا كقوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ففي المبادرة إلى فعلها إبراء لذمته عن الواجب كالمبادرة إلى فعل الواجبات المطلقة من الحج وغيره وتحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقب دخول الوقت بالوضوء والصلاة لأن الله تعالى أمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وإن توضا قبل الوقت فهو مبادر أيضا هذا ما لم يشق على غيره كما سيأتي الفصل الثاني

في تفضيل الصلوات أما الظهر فإن الأفضل إن يصليها عقب الزوال لما روى أبو برزة الاسلمي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب إن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينتفل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرا فيها بالستين إلى المائة متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الظهر في أيام الشتاء وما يدري أيما ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه رواه أحمد وكتب عمر إلى أبي موسى إن صل الظهر حين تزيغ أو تزول الشمس قال الترمذي هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم

فإن قيل ففي حديث جبريل أنه صلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك وكال عمر يؤخرها حتى يصير الفيء ذراعا وكتب إلى عماله بذلك

قلنا أما حديث جبريل ففي رواية جابر أنه صلى حين زالت الشمس فعلم إن ذلك الفيء هو فيء الزوال لا سيما والفرض يتبين أول الوقت وأما حديث عمر فلعله أمر بذلك في شدة الحر ليقصد الابراد بها أو في أوقات وأمكنه يكون الفيء فيها قدر ذراع حين الزوال ولا يقال الفيء هو الظل بعد الزوال وما قبل ذلك إنما يسمى ظلا لا فيئا لأن الشمس إذا زالت فلا بد إن يفيء الظل أدنى الفيء فيسمى الظل كله حينئذ فيئا ولا يصح إن يراد الفيء الزائد على فيء الزوال لأن ذلك لا يتميز وليس في الحديث ما يدل عليه ثم إن ذلك إنما يصير قريبا من انتصاف الوقت ومثل ذلك لا يكون هو الأفضل في غير الحر بلا تردد

فصل

فأما في شدة الحر فإن الأفضل الابراد بها لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم رواه الجماعة وللبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري مثله وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر ابرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل رواه النسائي والبخاري بمعناه وسواء كان المصلي منفردا أو في جماعة

وسواء كان في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من البعد أو من القرب وسواء كان المصلون مجتمعين أو منفردين هذا الذي دل عليه قول أحمد وفعله وهو قول القاضي أخيرا وأكثر أصحابنا لعموم الحديث فإنه أمر بالابراد أمرا عاما معموما مقصودا وعلله بعلة عامة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحر فإن فيح جهنم يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم إن أكثر المساجد إنما يصلي فيها جيرانها فلا يجوز حمل هذا الكلام على المساجد التي ينتابها الناس من البعد خاصة لأن هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها فحمل العام عليها يكون حملا لها على الأقل دون الأكثر منه غير إن يكون في الكلام ما يدل عليه وذلك لا يجوز ولأنه على هذا التقدير تكون العلة بأذى الناس بالمشي في الحر وهذه علة تنفس الحر سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن فلما قال فإن شدة الحر من فيح جهنم وعلل بعلة تعلم بالوحي علم أنه قصد معنى يخفى على أكثر الناس وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير النار كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها وكره الصلاة وقت الغضب من الله كما كره الصلاة في مكان الغصب لأن القلوب لا تقبل على العبادة وقت تلك الساعة كل الإقبال ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت

وأيضا ما روى أبو ذر رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن إن يؤذن للظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ابرد ثم أراد إن يؤذن فقال له ابرد حتى رأينا فيء التلول فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة متفق عليه فهذا ابراد مع اجتماع المصلين وهو نص في المسألة ولأن سبب الإبراد إنما هو في شدة الحر من فيح جهنم وتنفسها وهذا كما أنه يؤذي الناس في حال بروزهم إلى المسجد فكذلك في حال صلاتهم بل أولى كما تقدم وكما أنه يؤذي من يصلي في الجماعة فإنه يؤذي المصلي وحده

وقال القاضي في المجرد وأبو الحسن الامدي وطائفة من أصحابنا إنما يستحب الابراد لمن يصلي في مساجد الجامعات سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا لأن الخروج إلى المسجد في الجملة مظنة المشقة في وقت القائلة فاستحب التأخير لتكثير الجماعة بخلاف المصلي وحده أو في بيته أو في القوم المجتمعين والأول هو الصحيح لما تقدم

وإنما يستحب الابراد في البلاد التي لها حر في الجملة سواء كان شديدا أو قليلا كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر

فأما البلاد الباردة التي لا حر فيها وإنما حرها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان فإنه لا يستحب الابراد فيها هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة وقال فإن شدة الحر من فيح جهنم

وهناك لا يشتد الحر ولا يتنفس بالبرد فيظهر هناك زمهريرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن النار اشتكت إلى ربها وقالت أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم متفق عليه وقد حكى بعض أصحابنا وجها أنه لا فرق بين البلاد الحارة والباردة

ووجها بأن ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتد فيها الحر

والذي قدمناه أصوب فإن الحر والبرد لا بد من وجودهما في جميع الأرض المعمورة ولولا وجودهما لما عاش الحيوان ولا نبت الشجر ولا بد أيضا إن يكون الحر في القيظ أشد منه في فصل الصيف والربيع الذين يسميان الربيع والخريف في كل ارض بحسبها لكن إذا كان في شدة الحر في بعض البلاد بحيث لا تكره الشمس ولا يؤذى الجالس في الصبح فليس هذا بحر شديد فلا يستحب الابراد في مثل هذه البلاد البتة وإذا كان الحر يؤذي فيها فقد اشتد الحر وإن لم يكن في ارض الحجاز

وينبغي إن يقصد في الابراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل لأن المقصود من الابراد يحصل بذلك ولهذا فإن في حديث أبي ذر حتى رأينا فيء التلول وقال عبد الله بن مسعود كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام رواه أبو داود ولأن الإبراد الشديد يخاف معه إن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت

وأم الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفا ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك لأن الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم وقد روي إن جهنم تسجر كل يوم ألا الجمعة فالسبب الذي من أجله سن الابراد يكون مفقودا يوم الجمعة

وهل يستحب تأخير الظهر في غير شدة الحر على روايتين

إحداهما لا يستحب التأخير ألا في الحر والأفضل التعجيل إذا تيقنا دخول الوقت قال أبو عبد الله في رواية كثير من أصحابه أنا اختار فيها كلها التعجيل ألا الظهر في الصيف وعشاء الآخرة أبدا وهذا اختيار الخرقي وهو الذي ذكره الشيخ وذلك لأن الصلاة في أول الوقت أفضل كما تقدم وإنما خولف في شدة الحر لمعنى يختصه فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل ولأن ما تقدم من تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر مطلقا وتعجيله إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالي الغيم والصحو دليل على انهم لم يفهموا من حاله رعاية ذلك مع إن الشتاء مظنة الغيوم

والرواية الثانية يؤخرها في الغيم أيضا وهذه أصرح عنه قال رضي الله عنه يؤخر الظهر في يوم الغيم ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء وقال أيضا في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم انه سواد الليل ويعجل العشاء وهذا اختيار أكثر أصحابنا لما روى سعيد في سننه عن إبراهيم النخعي قال كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ويؤخرون المغرب في اليوم المغيم

وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله ومن بين ظهرانيهم من الصحابة ومن علم حالهم علم انهم لم يكونوا يتحرون ذلك ألا تلقيا له عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة تتكرر في كل وقت فأمر الوقت بها لا بد إن يتقدم فيه سنة واثر ولا يجوز إن يتحروا مخالفة ما ظهر من السنة وقال ابن المنذر روينا عن عمر أنه قال إذا كان يوم غيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر ولأن الغيم مظنة المطر وغيره من الموانع للخروج فإذا آخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء اكتفى لهما بخروج واحد للمشقة ولهذا قال القاضي لا يستحب التأخير لمن يصلي في بيته وقال غيره بل يستحب على ظاهر كلامه وعلل بعض أصحابنا هذه المسألة بأن الغيم في الجملة مظنة اشتباه الوقت فأخرنا الظهر والمغرب لنتيقن دخول الوقت فانهما لا يفعلان قبل وقتهما بحال وفعلهما بعد خروج الوقت جائز للعذر وهذا عذر في الجملة بخلاف العصر والعشاء فانهما يصليان قبل وقتهما في حال العذر وهذا عذر في الجملة ولا يصليان بعد وقتهما بحال وأما الفجر فلما لم يجز بحال تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الإشتباه الأمران ولذلك استحببنا إن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين وأيضا فلما كانت الظهر والمغرب يحذر فعلهما قبل الوقت بكل حال ولا يحذر التأخير في جميع الأوقات والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما كان ما بعد عن المحذور أولى بالمراعاة وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل ويعجل العشاء وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات كما سيأتي إن شاء الله تعالى وهذا يدل على إن الذي يحذر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثله في الظهر وعلى أن مثل هذه الحال بخلاف الظهر

وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين وعلى هذا المنصوص فإنه يستحب تأخير المغرب وتعجيل العشاء مع الغيم أيضا لما تقدم من الأثر والمعنى وعلى الرواية الأول لا يستحب

وفرق جماعة من أصحابنا فاستحبوا تأخير الظهر مع الغيم ولم يستحبوا تأخير المغرب إذا علم دخول وقتها أو غلب على الظن لأن السنة التبكير فيها ولأن وقت العشاء قريب منها فلا يشق انتظارها ولأن الخروج بعد الغروب قد يشق ولأن العشاء السنة التأخير فيها

والصحيح المنصوص لما تقدم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤخر المغرب ويعجل العشاء في مواضع تذكر إن شاء الله في باب الجمع ولا تعريج مع السنة على رأي أحد والعشاء وإن كانت السنة فيها التأخير لكن إذا أخرت المغرب فإنه ينبغي إن لا يؤخر العشاء بل يقارب بينهما كما في حال الجمع

فصل

وأما العصر فالسنة تعجيلها بكل حال في المعروف من نصوصه في عامة جواباته وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه وقد روي عنه صالح آخر وقت العصر ما لم تغير الشمس وقال يؤخر الصلاة احب إلى آخر الوقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس فجعل القاضي وابنه هذه رواية ثانية بتصريحه بأن آخر الوقت احب إليه والاشبه والله أعلم أنه إنما قصد إن القول بجواز تأخير العصر احب إلى من قول من لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار فإن استحباب تأخير العصر بعيد جدا من مذهبه وله مثل هذا الكلام كثيرا ما يقول هذا احب إلى وليس غرضه الفعل وإنما غرضه حكم الفعل

والأصل في ذلك ما تقدم من الأمر الكلي وأيضا ما روى انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة أخرجوه

وفي رواية وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه رواه أحمد والبخاري وعن انس قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال أنا نريد إن ننحر جوزوا لنا وأنا نحب إن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل إن تغيب الشمس رواه مسلم والدارقطني وزاد كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل إن تغيب الشمس وعن رافع بن خديج قال كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ننحر الجزور فيقسم عشر قسم ثم يطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس متفق عليه وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس رواه الدارقطني وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد متفق عليه وقال البخاري وقال أبو أسامة من قعر حجرتها ولو كان يؤخرها لكانت الشمس قد مالت حتى خرجت من الحجرة وظهر فيها الفيء لأنها ليست كبيرة ولأن الله سبحانه أمر بالمحافظة عليها خصوصا وكذلك أمر رسوله بذلك وكمال المحافظة إن يصلي في أول الوقت ولا يعرض للفوات ودخول وقت الكراهة وكذلك وكد التبكير بها مع الغيم كما قد نص عليه أحمد فروى عن بريدة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإن من فاتته صلاة العصر حبط عمله رواه أحمد وابن ماجة وروى أحمد والبخاري والنسائي من حديث أبي المليح بن أسامة قال كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال بكروا بصلاة العصر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك صلاة العصر حبط عمله

فإن قيل فقد قال تعالى { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } وإنما يقال قبل الغروب لما كان قريبا منه وفي تأخيرها توسعة لوقت النفل

قلنا الصلاة المفعولة في أول الوقت هي قبل الطلوع وهي مرادة من الآية بالسنة الصحيحة وبالإجماع كصلاة الفجر المؤداة في أول وقتها هي قبل الطلوع وقربها من غروب الشمس ليس فيه فضيلة لوجهين

أحدهما إن تأخيرها إلى حين الاصفرار لا يجوز مع أنه اقرب إلى غروبها

الثاني إن الأمر بالتسبيح قبل الغروب وكلما بعد عن الغروب كان أتم تقديما على الغروب واقرب إلى تحقيق القبلية

وأما اتساع وقت النفل فيعارضه خشية التفويت وما فيه من المخاطرة بالفرض

ثم ما حصل له بالصلاة في أول الوقت احب إليه من جميع النوافل فإن حدود الفرائض المسنونة وتكميل أدائها أولى بالرعاية من أصل النوافل ولهذا كان إدراك تكبيرة الإفتتاح مع الإمام أولى من الاشتغال عنها بالسنن الرواتب

وفي تعجيلها اتساع وقت ذكر الله المشروع آخر النهار ثم إنا لا نسلم إن توسيع وقت النافلة مقصود بل إذا كان مقصود الشارع في ترك النافلة بعد العصر كان مقصودا مع سعة وقت الترك وكان ذلك احب إلى الله تعالى

فصل

وأما المغرب فالسنة فيها التعجيل وهذا مما أجمعت عليه الأمة وقد روى سلمة بن الاكوع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب رواه الجماعة ألا النسائي وعن رافع بن خديج قال كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله متفق عليه وقد تقدم القول في كراهة المداومة على تأخيرها وروي إن عمر بن عبد العزيز آخر المغرب ليلة حتى رأى نجمين فأعتق رقبتين

فأما ليلة الغيم فقد تقدم إن نص الروايتين عنه وأصحهما عند أكثر أصحابنا استحباب تأخيرها كما تقدم في تأخير الظهر

فأما تأخيرها في غير ذلك فلا يستحب مطلقا واستثنى أبو الخطاب وطائفة معه تأخيرها ليلة جمع للمحرم فإن السنة إن يؤخر المغرب حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة في المناسك عند بعض أهل العلم حتى لم يجوزوا إن يصلي بغير المزدلفة لكن هذا في الحقيقة تأخير الصلاة عن وقتها ونحن إنمانتكلم في تأخيرها إلى آخر الوقت فأما التأخير عن الوقت فهو الجمع بين الصلاتين وفي استحبابه حيث يجوز خلاف وتفصيل يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى ولمن استثناها إن يقول المستحب إن يؤخر ليصلي بمزدلفة سواء جمع بينها وبين العشاء أو لم يجمع حتى لو فرضنا أنه سار سير البريد حتى وافى جمعا قبل مغيب الشفق فإن السنة إن يؤخر المغرب ليصليها فيها ولو كان قبل مغيب الشفق ولمن لم يستثنها إن يقول هذه الصورة نادرة والحكم مبني على الغالب وبالجملة فلا خلاف في المعنى وكلهم قد ذكروها في المناسك

فصل

وأما العشاء فإن الأفضل تأخيرها من غير خلاف في المذهب ألا إن يشق التأخير على المصلين ألا ليلة الغيم إذا أخرت المغرب كما تقدم وذلك لما روى ابن عباس قال اعتم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر فقال الصلاة فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال لولا إن أشق على أمتي لأمرتهم إن يصلوها هكذا متفق عليه وقال أبو برزة كان يستحب إن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة متفق عليه وفي لفظ كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل رواه أحمد ومسلم وقال جابر بن سمرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة رواه أحمد ومسلم والنسائي وعن ابن عمر قال مكثنا ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فقال حين خرج أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا إن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا إن اشق على أمتي لأمرتهم إن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأن في تأخيرها فوائد علمنا منها

إن تصلى في جوف الليل ويقرب من آخره وهو الوقت الذي ينزل الله فيه إلى سماء الدنيا فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فاغفر له وقد روى عبد الله بن مسعود قال آخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم فأنزلت هذه الآية { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة } حتى بلغ { والله عليم بالمتقين } رواه أحمد والترمذي ولذلك استحب تأخير الوتر إلى آخره قال سبحانه { أقم الصلاة } ومعلوم أنه إذا اشتدت الظلمة وبعد عن النهار كان هذا المعنى ابلغ وإنما لم يشرع والله أعلم تأخيرها إلى النصف الثاني لأنه مضاف إلى اليوم الذي يليه فالتأخير إليه تأخير لما يقرب منه النهار ولأن فيه تغريرا بها إذ كانت السنة إن يصلي قبل النوم لئلا يستمر النوم إلى الفجر ولأن الجمع بين استحباب تأخيرها إلى النصف الثاني وبين كراهة النوم قبلها متعذر فإنه يقتضي سهر أكثر الليل وذلك مفض إلى غلبة النعاس وتفويت مقصود الصلاة

ومنها أنه إذا انتظرها فإن العبد في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم فإن أهل الكتاب ليست لهم صلاة في جوف الليل وإنما يصلون قبل طلوع الشمس وبعد زوالها وبعد غروبها وهذا المعنى لا يحتاج إليه في غيرها فإنه يقدر إن يصليها في أول الوقت ويجلس ينتظر التي بعدها فإن انتظار الصلاة قبل وقتها لا سيما بعد صلاة أخرى يستحب بخلاف العشاء فإنه لا صلاة بعدها تنتظر

ومنها أنه إذا آخرها ختم عمله بالصلاة ونام عليها ولم يتحدث بعدها فختم عمله بخير وأمن من كراهة السمر بعدها

ومنها إن الأصوات تكون قد هدأت والعيون قد رقدت وذلك اقرب إلى نزول السكينة واجتماع الهم على الصلاة والخشوع فيها وبعدها عن الشواغل وما يلهي المصلي

ومنها إن يبعد العهد بأعمال النهار وحركاته والأفكار والوساوس الحاصلة بسبب ذلك

ويستحب تأخيرها بكل حال في إحدى الروايتين على ظاهر الحديث المتقدم عن أبي برزة وجابر بن سمرة ولأن قوله في حديث ابن عباس وأبي هريرة لولا إن اشق على أمتي لأمرتهم إن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه إنما نفي به أمر الإيجاب فإن السنة إنما تحصل بالإيجاب دون الاستحباب وهو يقتضي قوة استحباب التأخير إذ كان المقتضي للوجوب قائما لولا وجود المانع وسواء شق عليهم التأخير أو لم يشق فإن ذلك لا يمنع الاستحباب كما في قوله عليه السلام لولا إن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وقوله لولا إن اشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة

والرواية الثانية إن المستحب التأخير الذي لا يشق على المأمومين غالبا فإن آخرها تأخيرا يشق عليهم غالبا كره لما روى زيد بن خالد الجهني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا إن اشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك في حديث ابن عمر لولا إن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة وقوله في حديث أبي سعيد لولا سقم السقيم وضعف الضعيف وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل وقد تقدم وكذلك قوله في حديث عائشة أنه لوقتها لولا إن اشق على أمتي فإن هذه الأحاديث تدل على إن وجوه المشقة على المأمومين يمنع استحباب التأخير وشرعه وعلى هذا بنيت قاعدة الصلاة فإن الإمام يكره إن يطول على المأمومين تطويلا يفتنهم به وإن كان التطويل عبادة محضة فالتأخير الذي يفتنهم وتفوتهم الصلاة جماعة أو توجب إن يصلوها مكثرهين متضجرين أولى إن يكره وما في التأخير من الفضيلة إنما يقصد لو لم يفت ما هو أفضل منه وإن أفضل منه لكثرة الجماعة وتحصيل الجماعة للمصلين ونشاط القلوب للصلاة وتحبيب الله إلى عباده ولأن المشقة قسمان

أحدهما في خاصة الإنسان فله إن يحتمل هو المشقة لتحصل فضيلة التأخير وهذه المشقة هي المانعة من الإيجاب

والثاني يتعدى إلى المأمومين وليس للإمام إن يحمل الناس مشقة لم تجب عليهم وهذه هي المانعة من استحباب التأخير قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم قد ابطئوا آخر والصبح كان يصليها بغلس متفق عليه وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنا معاذ بن جبل قال لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال اظهر كبير الإسلام وصغيره وليكن من أكثرها الصلاة فإنها رأس الأمر بعد الإقرار بالدين إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم أمر الله ثم عجل الصلاة الأولى قبل إن تميل الشمس وصل العصر والمغرب في فصل الشتاء على ميقات واحد العصر والشمس بيضاء مرتفعة والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب وصل العشاء فأعتم بها فإن الليل طويل فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وإن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها وصل الظهر بعد إن ينقضي الظل وتحرك الرياح فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى يدركوها وصل العتمة فلا تعتم بها ولا تصلها حتى يغيب الشفق

ويستحب التأخير إلى نصف الليل إذا قلنا يمتد الوقت إليه على إحدى الروايتين لأن في حديث أبي سعيد لأخرت العشاء إلى نصف الليل وقيل إنما يستحب إلى الثلث على الروايتين لأن ما بعد ذلك مختلف في كونه وقتا فلم يستحب التأخير إليه وإن قلنا إنه وقت خروجا من الخلاف

فصل وأما الفجر فإن التغليس بها أفضل قال الإمام أحمد التغليس في الفجر مذهبي وكان يأمر ويصلي بأصحابه بغلس إن لم يكن في التغليس مشقة على المأمومين ثم إن كان المأمومون يغلسون أو أمكن إن يعودوا التغليس من غير مشقة أو كان الوقت لا يشق فيه التغليس عليهم ولا على غيرهم أو ليس هناك جماعة تنتظر كالقوم المجتمعين وكالصلاة في المساجد المبنية على الطرقات التي ليست لها جماعة راتبة ونحو ذلك فلا يختلف المذهب أنه هو الأفضل لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من التغليس رواه الجماعة وللبخاري قال كان يصلي الصبح بغلس فينصرف نساء المؤمنات لا يعرفن من الغلس ولا يعرف بعضهن بعضا وقد تقدم قول جابر كان يصلي الفجر بغلس وقول أبي برزة كان ينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ فيها بالستين إلى المائة وقال سهل بن سعد كنت أتسحر مع أهلي ثم يكون بي سرعة إن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وقال زيد بن ثابت تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم قدر ما بينهما قال قدر خمسين آية رواه الجماعة ألا أبا داود

وعن أبي مسعود الأنصاري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى إن يسفر رواه أبو داود ولأن التغليس بها عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاء ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين وما نقل عن بعضهم من الأسفار فلعله كان لعارض ولأن التغليس صلاة في أول الوقت فهو أفضل كما تقدم وفيه من الفوائد ما ذكرناه في تأخير العشاء وغير ذلك من قربها من صلا ة الليل وبعدها عن حركات النهار وانتشار الأصوات وافتتاح يومه بأداء الفرض إلى انتظار الصلاة فإنه يخلفه هنا جلوس المصلي في مصلاه حتى تطلع الشمس ولأن ذلك ادعى إلى الاستيقاظ واتساع ذكر الله المشروع أول النهار ولأن الجهر بقراءتها يلحقها في صلوات الليل فكلما كانت الظلمة أشد كان وقتها إلى الليل اقرب وإن كانت من صلوات النهار كما نص عليه الإمام أحمد

ولأن إطالة القراءة فيها من السنن المؤكدة وهذا إنما يتم بالتغليس ولعل الذين اسفروا بها من الصحابة إنما اسفروا بالخروج منها لإطالة القراءة فقد روى حرب والخلال وغيرهما إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صلى صلاة الفجر فقرأ سورة البقرة فقالوا كادت الشمس تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين وفي رواية سورة آل عمران وكذلك روى السائب بن يزيد قال صليت خلف عمر الصبح فلما انصرفوا استشرفوا الشمس فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين

فان قيل فقد روى رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسفروا بالفجر فإنه اعظم للأجر رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال عبد الله بن مسعود ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها رواه الجماعة وفي رواية لمسلم بغلس وهذا يقتضي إن عادته كانت الأسفار في غير هذا الموضع إذ المراد به قبل وقتها الذي كانت عادته إن يصليها فيه فإنه لم يصلها يومئذ حتى برق الفجر كما في حديث جابر وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعا قلنا قال الإمام أحمد الأسفار عندي إن يتيقن الفجر ولم ير الأسفار التنوير يقال للمرأة أسفرت عن وجهها

وقال أيضا أسفار الفجر طلوعه وهذا لأنه يقال أسفر الفجر أضاء وأسفر وجهه حسنا أي اشرق وسفرت المرأة كشفت عن وجهها وسافر الوجه ما يظهر ومنه السفر والسفر والسفير فهذه المادة حيث تصرفت فإنما معناها البيان والظهور ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور من الخيط الأسود من الفجر ويقال أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح ومعنى الحديث على هذا تأخيرها حتى يتيقن الفجر بحيث لا يكون فيه شك لأحد وإن جاز فعلها أول ما يبزغ به بحيث قد يحصل معه شك لبعض الناس لا سيما من يقول أنه يجوز فعلها إذا غلب على الظن دخول الوقت وإنما ذكر هذا في الفجر لأن طلوع الفجر مظنة الاشتباه لا سيما إذا اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر وكثيرا ما قد يصلي الفجر ثم تبين لهم إن الفجر لم يطلع وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم بخلاف زوال الشمس وغروبها ولهذا والله أعلم مد الله الأكل بالليل إلى إن يتبين الفجر وقال { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فجعل وقت الفجر منوطا بتبينه وظهوره وهو الأسفار الذي اقر النبي صلى الله عليه وسلم به على هذا التفسير ولم يقل ثم أتموا الصيام حتى يتبين لكم الليل لأن دخول الليل لا شبهة فيه فإذا أخرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبين كان ابعد عن الشبهة ولعله بهذا أيضا إن يتسحر الناس حتى يتبين لهم الفجر وأن لا يكفوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال

وقد جاء ذلك مأثورا عن الصحابة في قضايا متعددة فكان المؤذن والمصلي إذا لم يتبين طلوع الفجر أعاد الناس ذلك

وقد قيل إن أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلوات احتمل انهم كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والثاني طلبا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثاني فإنه اعظم للأجر وإن كانت لا تجوز قبل الوقت لكن لما لم يصفوا الفجر ونوره فإن الله يأجرهم على صلاتهم لكن الأجر الذي يسقط من الفرض اعظم وكثيرا ما يفعل الواجب على المحرم كقوله تعالى { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } الآية وقوله : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } إلى قوله { أزكى لكم وأطهر } وقوله { فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } وهذا كثير وكذلك حديث ابن مسعود فإن عادته صلى الله عليه وسلم كانت تأخير الصلاة عن طلوع الفجر قليلا بحيث يتمكن الناس من الطهارة والسعي إلى المسجد ونحو ذلك وهذا القدر لا يخل بالتقديم المستحب عندنا فإذا كان يوم مزدلفة صلاها حين برق الفجر

وقد قيل اسفروا بالفجر أراد به إطالة القراءة فيها حتى يسفر الفجر فإن إطالتها اعظم للأجر فإنه يستحب من إطالة القراءة فيها ما لا يستحب في سائر الصلوات فيكون الأسفار بفعلها والخروج منها لا بنفس الابتداء فيها كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون

ويحتمل إن يكون ذلك خطابا لمن يتأخر من المأمومين عندهم كزمان الصيف كما جاء مفسرا في حديث معاذ بن جبل

فصل

والتغليس أفضل من الأسفار مطلقا في إحدى الروايتين عنه لما تقدم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغلس بها دائما مع أنه كان يراعي حال المأمومين في العشاء فدل على افتراقهما

والرواية الثانية التغليس أفضل ألا إن يشق على المأمومين ويكون الأسفار ارفق بهم فإنه يسفر بحيث يجتمعون فقط وهذا أبين عنه واصح عند أكثر أصحابه لما تقدم من وصية النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم أمر الله وإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وإن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها وقال الإمام أحمد كان عمر إذا اجتمع الناس عجل وإذا لم يجتمعوا آخر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك فروى أحمد في المسند عن أبي الربيع قال قلت لابن عمر إني صليت معك ثم التفت فلا أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر قال كذلك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي واحب إن أصليها كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها ولعل قوله اسفروا بالفجر فإنه اعظم للأجر عنى به هذا ولأنه قد صح عنه في العشاء انهم كانوا إذا اجتمعوا عجل وإذا ابطؤا آخر فعلم أنه كان يراعي حالهم وأنه إنما كان يغلس بها لأن أصحابه كانوا يغسلون ولا يشق عليهم التغليس ولأن استحباب تأخير العشاء أكد من تأخير الفجر فإنه لم تختلف الأحاديث فيه ولا اختلف الناس فيه ألا اختلافا شاذا ومع ذلك استحببنا تقديمها إذا شق على المأمومين فكذلك الفجر لكن مشقة التأخير في العشاء أكثر من مشقة التغليس بالفجر ألا إن هذا لا يمنع رعاية المشقة عند حصولها ولأن التغليس بالفجر مع أسفار الجيران يفوت فضيلتين

إحداهما كثرة الجمع وهي المطلوبة لما روي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلات الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو احب إلى الله رواه أحمد وأبو داود

والثانية تحصيل الجماعة للمصلي فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها صدقة فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ولأن في ذلك تفويتا للجماعة عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الإمام بالتخفيف خشية التنفير وإن كان طول القنوت مستحبا في نفسه ولذلك كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي لما يعلم من وجل أمه به وكان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم ولأنه يستحب انتظار الداخل في الركوع كل ذلك رعاية لحال المأمومين ولأن التأخير إذا كان لمصلحة راجحة مثل الصلاة بوضوء والصلاة جماعة أو إن يكون امتثالا لأمر أبيه أو سيده أو شبه ذلك كان أفضل من التقديم وهي هنا كذلك لما تقدم

فان قيل فما الفرق بين الفجر والعشاء وسائر الصلوات

قلنا الفجر والعشاء يكون النوم في بعض أوقاتهما فيشق فعلهما في وقت النوم وأما غيرهما من الصلوات فإن جميع أوقاتها سواء فكان التقديم متعينا بل ربما كان في الصلاة آخر الوقت أو وسطه مشقة عليهم حتى لا ينضبط فأما هنا فإن الأسفار وقت منضبط حتى لو كان جماعة في مكان قد تهيا بعضهم لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب وبعضهم لم يتهيأ استحببنا التأخير بحيث يتهيأ الجميع طردا للقاعدة

وبين الفجر والعشاء فرق وهو العشاء المستحب فيها التأخير وإنما تقدم إذا شق على المصلين تأخيرها والغالب حصول المشقة بذلك والفجر المستحب فيها التقديم وإنما يؤخر إذا شق على المأمومين تقديمها وليس الغالب حصول المشقة بذلك وفرق بين الاستحباب الناشىء من نفس الوقت والاستحباب الناشىء من مصلحة المصلين والله أعلم

فصل

تجب الصلاة بأول الوقت إذا كان من أهل الوجوب حينئذ ويستقر الوجوب بذلك في الذمة عند أكثر أصحابنا وهو المنصوص عنه وقال ابن بطة وابن أبي موسى لا يستقر الوجوب حتى يمكنه الأداء وهو قياس إحدى الروايتين في الزكاة والحج والصوم وصورة ذلك إن تزول الشمس على أمرأة طاهر فتحيض أو على عاقل فيجن وإن كان بعد التمكن من فعل الصلاة وجب القضاء قولا واحدا وكذلك إن كان قبل التمكن من القضاء على المشهور

وعلى القول الآخر لا يجب لأن هذا لم يقدر على الصلاة ولا يكلف الله نفسا ألا وسعها ووجه الأول إن دخول الوقت سبب للوجوب فوجب إن يتعلق به ويستقر كسائر الأسباب والتمكن إنما تعتبر في لزوم الأداء لا في نفس الوجوب في الذمة بدليل ما لو دخل الوقت على نائم ولم يستيقظ حتى خرج الوقت الوقت فإنه يجب عليه القضاء وإن لم يمكنه الأداء في الوقت

ثم القضاء إنما يجب إذا أمكن وإذا لم يمكن فلا شيء عليه وقد روى حرب بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنساء لا تنمن عن العتمة مخافة إن تحضن

فأما المسلم إذا ارتد بعد دخول الوقت فمن أصحابنا من يلحقه بالعاقل إذا جن ومنهم من لا يلحقه به

وحقيقة المذهب أنا إن قلنا لا يجب عليه القضاء ما تركه قبل الردة فلا قضاء عليه بحال وإن أوجبنا عليه قضاء ما تركه في الردة وقبلها فليس من هؤلاء وإن قلنا بالمشهور أنه يقضي ما تركه قبل دون ما تركه فيها وكانت الردة بعد التمكن من الفعل لزمه القضاء لاستقرار الوجوب في الذمة وإن كانت قبل التمكن فكذلك أيضا على المشهور ففي ظاهر المذهب يجب القضاء على المرتد بكل حال

وتجب الصلاة أيضا بادراك آخر جزء من الوقت فإذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر جزء من وقت صلاة ولو أنه بقدر تكبيرة فعليهما فعلها أداء إن أمكن وألا فقضاء من غير خلاف في المذهب لأنهما أدركا بعض الوقت على وجه يصح بناء ما بعده عليه فأشبه من أمكنه فعل الجميع في الوقت وكذلك إن بلغ الصبي وعقل المجنون وقلنا لا صلاة عليهما

وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضا لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء

وروى حرب عن أبي هريرة قال إذا طهرت قبل إن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء وهذا لأن مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } وقوله سبحانه { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر } وإن السنة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز إن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر وهو الجمع بين الصلاتين إذا آخر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة فلذلك كان مدركا للأولى بما أدرك به الثانية

وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يجن الرجل فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء على روايتين

إحداهما يجب القضاء لأن وقتهما واحد

والثانية لا يجب وهي المنصورة عند أصحابنا لأن وقت الأولى إنما يكون وقتا للثانية إذا فعل الأولى فتكون الثانية تابعة لها بخلاف وقت الثانية فإنه يكون وقتا للأولى فعلها أو لم يفعلها

فصل

ومن لم يصل المكتوبة حتى خرج وقتها وهو من أهل فرضها لزمه القضاء على الفور لما روى انس بن مالك رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها ألا ذلك متفق عليه وفي رواية لمسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول { وأقم الصلاة لذكري } وفي لفظ من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها إن يصليها إذا ذكرها وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه رواه مسلم وغيره وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها رواه الجماعة ألا البخاري فأوجب صلى الله عليه وسلم القضاء على الفور مع التأخير لعذر فمن التأخير لغير عذر أولى

فان قيل تخصيص الحكم بالناسي دليل على إن العامد بخلافه وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه إن للصلاة وقتا كوقت الحج وهذا يدل على إن لا تفعل في غير الوقت

قلنا إنما خص النائم والناسي إذ لا إثم عليهما في التأخير إلى حين الذكر والانتباه بخلاف العامد فكان تأخيرها عن وقتها من الكبائر ومعنى قول ابن مسعود أنه لا يحل له إن يؤخرها عن وقتها ولا يقبل منه إذا آخرها كما قال الصديق رضي الله عنه إن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل وذلك إن الله تعالى أوجب عليه إن يصلي وإن يفعل ذلك في الوقت فالإخلال بالوقت لا يوجب الإخلال بأصل الفعل بل يأتي بالصلاة ويبقى التأخير في ذمته أما إن يعذبه الله أو يتوب عليه أو يغفر له ولم يرد إن الصلاة كالحج من كل وجه فإن الحج لا يفعل في غير وقته سواء أخر لعذر أو لغير عذر والصلاة بخلاف ذلك ومثل هذا ما روي إن من افطر يوما من رمضان لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه يعني من أجل تفويت عين ذلك اليوم مع إن القضاء واجب عليه

ويدل على ذلك إن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرا وتأخيرها عن وقتها إثما ومعصية وفسروا بذلك قوله تعالى { عن صلاتهم ساهون } وقوله تعالى { أضاعوا الصلاة } فلو كان فعلها بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافرا كالتارك وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها وامر إن يصلي خلفهم ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصح الصلاة خلفهم كالمصلي بغير وضوء

ويجوز تأخير القضاء شيئا يسيرا لغرض صالح مثل اختيار بقعة على بقعة وانتظار جماعة يكثر بهم جمع الصلاة بل يستحب له إذا نام عنها في موضع إن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء نص عليه واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر وذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال هذا منزل حضرنا فيه الشيطان

لأن الصلاة في مظان الشياطين كالحمام والحش لا تجوز فالتي عرض الشيطان فيها احسن أحوالها أن يستحب ترك الصلاة فيها

ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض يوم الخندق ويوم نام عن الفجر أكثر من مرة واحدة وقد احتج أحمد على ذلك بما رواه في المسند بإسناد جيد عن عمران بن حصين قال ثم أمر بلالا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا فقالوا يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد فقال أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم وهذا لأن الواجب في الذمة صلاة واحدة فلو أمر بصلاتين لكان ربا

فان قيل ففي حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها رواه أحمد ومسلم وفي رواية ابن ماجة فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولوقتها في الغد

قلنا معناه والله أعلم فليصلها حاضرة وأكد الأمر بالمحافظة لئلا يتوهم إن الرخصة لغير المعذور وليتحفظ من تفويت مرة أخرى وقد رواه أبو داود ولفظه من أدرك معكم في غد صلاة فليقض معها مثلها وهذا والله أعلم توهم من بعض الرواة بما فهم من المعنى وقد علل البخاري هذه الرواية

فصل فإن كثرت عليه الفوائت وجب عليه إن يقضيها بحيث لا يشق عليه في نفسه أو أهله أو ماله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم فإن خاف في بدنه ضعفا أو مرضا أو انقطاعا عن معيشة أو تضرر أهله أو ضياع ماله بالمداومة على القضاء فرق القضاء بحسب طاقته

وإذا شك في قدر الفوائت فإن لم يعلم كم وجب عليه بأن يقول لم أصل منذ بلغت أو إن صليت بعد بلوغي سنة وهو لا يعلم متى بلغ ثم تركت وجب عليه إن يقضي ما يتيقن وجوبه إذ الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك لكن الأحسن إن يحتاط فيقضي ما يتيقن به براءة ذمته

وإن علم قدر الواجب عليه وشك بقدر ما فاته منه مثل إن يقول بلغت منذ سنة وصليت بعضها وتركت الباقي فإنه يجب عليه إن يقضي حتى يعلم أنه قضى جميع الفوائت لأنه متيقن لوجوب الصلاة عليه شاك في براءة ذمته منها

وكذلك من شك في فعل الصلاة في الوقت أو بعد خروج الوقت وقد أطلق طائفة من أصحابنا فيمن لم يعلم ما عليه في أنه يقضي حتى يتيقن براءة ذمته لأن أحمد قال فيمن ضيع الصلاة يعيد حتى لا يشك أنه قد صلى ما ضيع وقال فيمن فرط في صلاة يوم الظهر ويوم العصر صلوات لا يعرف عينها قال يعيد حتى لا يكون في قلبه شيء وكلام أحمد إنما هو فيمن يتيقن الوجوب كغالب الخلق لما قدمناه

فصل

يجوز إن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها لأنها متأكدة ولهذا يفعلها العبد والأجير لأنها تابعة للصلاة فأشبهت السورة في الأوليين وما زاد على المرة من التسبيح والاستغفار ثم إن كانت كثيرة فالأولى إن يقتصر على الفرائض لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى ولذلك لما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الأربع يوم الخندق قضاهن متواليات ولم ينقل أنه قضى بينهن شيئا ألا ركعتي الفجر فإن الأولى إن يقضيهما لتأكدهما والوتر إن شاء قضاه وإن شاء لم يقضه وإن كانت الصلاة أو صلاتين فالأولى إن يقضي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم فاتته الصبح فإنه قضاها بسنتها وكذا ينبغي إن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت وإن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض فأما غير الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز إن يشتغل بها عنه قضاء الفوائت

وهل تنعقد على روايتين مومئ إليهما

إحداهما تنعقد قال الامدي وهو ظاهر المذهب لأن النهي عنه لمعنى في غيره ولهذا تكمل فريضة العبد يوم القيامة من تنفلاته

والثانية لا يصح لأن النهي يقتضي الفساد وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر واعلم إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وذكره الإمام أحمد في الرسالة فقال وقد جاء الحديث لا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة وكذلك كل نافلة تشغل عن فريضة كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة والتنفل بعد ضيق وقت الحاضرة

فأما ما كان النهي عنه لمعنى في الوقت كالنافلة عند الطلوع والغروب فلا تنعقد النية وقد روي ما يدل على انعقادها كما يذكر إن شاء الله تعالى في موضعه

فصل

ويجب الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفوائت لما روى ابن مسعود رضي الله عنه إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء رواه أحمد والنسائي والترمذي ولأحمد والنسائي مثله من حديث أبي سعيد ألا إن النسائي لم يذكر المغرب لكنه قد صح من حديث جابر وفعله صلى الله عليه وسلم للصلوات يقتضي الوجوب لأنه خرج بيانا وامتثالا للأمر والفعل إذا خرج امتثالا كان حكمه حكم الأمر وعن أبي جمعة بن سباع إن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب فلما خرج قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر قالوا يا رسول الله ما صليتها فأمر بالمؤذن فأقام فصلى العصر ثم صلى المغرب رواه أحمد وهذا صريح بالإعادة إذا اخل بالترتيب وهذا الحديث فيه ضعف ألا أنه يقويه إن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يصل المغرب ألا بعد هوي من الليل وبعيد إن يكون نسيها إلى ذلك الوقت فإن وقت المغرب ضيق ولأنه قد قال صلى الله عليه وسلم الفرائض صلوا كما رأيتموني أصلي على إن كثيرا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوب وهو إحدى الروايتين

ولأن الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدم والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت فوجب الابتداء بما يجب على الفور كسائر الواجبات ولأن الفائتة الأولى استقرت في ذمته وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية فإذا آخرها عن وقت الذكر إثم بذلك

وأما الثانية فإنما يجب عليه فعلها بعد الأولى إذ لا يكلف فعلهما معا

فان قيل هذا يقتضي وجوب الابتداء أما عدم الصحة فلا يلزم كما لو آخر الواحدة عن حين ذكره

قلنا يتوجه إن يخرج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خرج في انعقاد النفل المطلق قبلها وأولى إذ النهي عنها بالمعنى في غيرها وإنما المذهب أنها لا تصح لأن هذا الترتيب مستحق في الصلاة فلم ينعقد مع الإخلال به كترتيب السجود على الركوع ولأنهما صلاتان مكتوبتان فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين ولأنه إذا فعل الثانية قبل الأولى فقد فعلها قبل وقت وجوبها فلم تجزه كما لو صلى الحاضرة قبل وقتها بخلاف النافلة فإنها لا تختص بوقت ولأن الفرائض من جنس واحد مختلف فوجب الترتيب بينها بخلاف النفل ولهذا يجوز له إن يتنفل قبل المجموعتين وليس ببعض بدليل أن المغرب وتر النهار وإن الصلاة الأخرى وتر الليل فإذا قدم بعضها على بعض خرجت الصلوات عن نظمها

وسواء قلت الفوائت أو كثرت لما ذكر

فان نسي الترتيب مثل إن يصلي الظهر ثم يذكر أنه لم يصل الفجر أو أنه صلاها بغير طهارة سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب

وحكي عنه لا يسقط لأنه ترتيب مستحق فلم يسقط بالنسيان كترتيب السجود على الركوع وترتيب ثانيتي الجمع على أولهما وترتيب أعضاء الوضوء ولحديث أبي جمعة المتقدم ووجه الأول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال فليصلها إذا ذكرها مع علمه أنه قد لا يذكرها ألا بعد عدة صلوات ولم يفصل ولأن المنسية لا يخاطب بأدائها ألا حين ذكرها وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه والمذكورة يخاطب بها حيث الذكر فلا يجوز إن يبطل ما وجب فعله وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء فإن الأول شرط في صحة الثاني وهو مرتبط به بحيث لا يصح ألا بصحته ولا يفسد ألا بفساده فلا يصح إن يتأخر عنه وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان بخلاف الفوائت

وأما الجاهل بوجوب الترتيب إذا بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة ثم صلى بعد ذلك ثم علم فيجزيه ما صلى بعد الفائتة لأنه صلى معتقدا إن لا صلاة عليه وأما ما صلى قبلها فيعيده لأنه صلاة في غير موضعه ويتوجه إن يكون الجهل كالنسيان

فان ذكر الفائتة في الحاضرة فالمشهور عنه إن الترتيب لا يسقط

وعنه يسقط عن المأموم خاصة فيتم الحاضرة ثم يقضي الفائتة فقط لأن الجماعة واجبة للحاضرة وقد دخل وقتها فلا يجوز تفويتها بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت شيء وقيل يسقط مطلقا لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي رواه الدارقطني فأمر بإتمام الحاضرة ولم يأمر بإعادتها ولأن الحاضرة بالشروع فيها صارت على الفور وتعين إتمامها فأشبه ما لو ضاق وقتها

وعلى المشهور يتمها المأموم ثم يصلي الفائتة ثم يعيده الحاضرة وقد حكي عنه المأموم يقطعها كالمنفرد

والأول هو الذي نقله عنه الجماعة لما روى أبو يعلى الموصلي وأبو بكر والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام والمشهور أنه عن ابن عمر موقوفا ولأنه حين ذكر الفائتة صار ذلك وقتها فوجب فعلها فيه ولم يصح أ يصلي فيه غيرها كما لو ذكر قبل الشر لكن بدخوله مع الإمام صار ملتزما لصلاة فسن تأخيرها إلى انقضاء صلاته كما لو آخرها لسنة راتبة وأولى

وأما الإمام فإنه يقطعها قال في رواية حرب ينصرف هو ويستأنف القوم الصلاة قال أبو بكر لم ينقلها غيره وبنى أبو بكر ذلك على جواز الاستخلاف وجوز ائتمام المتنفل بالمفترض ومن أصحابنا من حكى في اتمام الإمام إياها روايتين ومنهم من قال صارت نافلة والمأمومون خلفه مفترضون ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ومن جوزه صحح إتمام الإمام إياها وائتمامهم به فيها وعلى المنصوص قال القاضي يتمها نفلا ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة وقال الآمدي وأكثر الأصحاب عليه إن يقطعها فإن أتمها فوجهان

أحدهما تبطل لأن بقاء الفرض في ذمته يمنع صحة غيره كالمنفرد بخلاف المأموم فإنها صحت تبعا

والثاني يتمها نفلا

ثم بإئتمامهم به فيها وجهان وهذه الطريقة اصح وأشبه بالنص وأما المنفرد فهل يقطعها أو يتمها على روايتين

إحداهما يتمها وهي اختيار أبي بكر قال الآمدي وهي اصح لأن الشروع يؤكد الإتمام كالسنن الرواتب

والثانية يقطعها لأنها نافلة فلا يشتغل بها عن الفرض كالنفل المبتدأ

وإذا قلنا يقطعها فأتمها فهو جائز نص عليه وكذلك إن قلنا يتمها فقطعها جاز نص عليه لأنه تطوع والتطوع لا يلزم بالشروع وقد نص أحمد على التخيير بين الأمرين ومقتضى ما ذكره بعض أصحابنا أنه يلزمه الإتمام حيث يؤمر به ولنا في الصلاة النافلة هل تلزم الشروع روايتان لكن هنا دخل فيها يعتقد أنها عليه فبان أنها ليست عليه فإلزامه بالإتمام بعيد

فصل

فان ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة سقط الترتيب في إحدى الروايتين

وفي الأخرى لا يسقط اختارها الخلال وصاحبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فجعل وقت الذكر وقت الفائتة فلا يجوز إن يصلي فيه غيرها ولأن الصلاة في الوقت فرض وليس بشرط والترتيب فرض مشترط فكانت مراعاته أولى وقد روي في الحديث لا صلاة لمن عليه صلاة لكنه لا يعرف له أصل فعلى هذا يشتغل بقضاء الفوائت متواليات حسب الطاقة والإمكان وإن فاته عدة من الصلوات ثم يصليهن إذا جاءت نوبتهن

ووجه الأولى وهي الصحيحة عند أكثر أصحابنا إن الوقت وقت الحاضرة فلا يجوز إن تؤخر عنه كسائر المواضع وكما لا يجوز تأخير صوم رمضان لقضاء الزمان الماضي ولأن في ذلك تفويت الصلاتين ولأن الصلاة الحاضرة في وقتها فرض متفق عليه معلوم قطعا والترتيب مما ساغ فيه الخلاف ولأن تأخير الفائتة لسنة راتبة نوع مصلحة جائز وتأخير الحاضرة عن وقتها لمثل ذلك لا يجوز وقال القاضي المسألة رواية واحدة يبدأ بالحاضرة وذكر عن أحمد ما يدل على إن الرواية الأولى مرجوع عنها فيكون في حكايتها مذهبا له الطريقتان المشهورتان

فان خالف وبدا بالفائتة ففي صحتها وجهان لأنه فعلها على الوجه المنهي عنه لكن لم يخالف ترتيبا مستحقا كما قلنا فيما إذا صلى قبلها نافلة

وعلى هذا يجب عليه إن يشتغل بقضاء الفوائت إذا كثرت حتى يضيق وقت الحاضرة لأن الابتداء بالفوائت واجب والصلاة في أول الوقت سنة هذا أشهر الروايتين

وعنه يجوز إن يصليها في أول الوقت إذا لم يتسع الوقت لفعلها مع الفوائت اختارها أبو حفص العكبري وصاحب الكتاب لأنه لا يمكنه فعل جميع الفوائت قبلها فسقط ترتيبهن عليها كماه لو ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة

وإذا خاف إن يضيق وقت الحاضرة عن فعلها في وقت الاختيار أو فعل بعضها بحيث لو صلى الفائتة فهو كما لو ضاق عن فعل جميعها فإنه يجب عليه إن يفعلها كلها قبل دخول وقت الضرورة وكذلك لو بقي من وقتها ما لا يتسع ألا لفعل بعض صلاة فإنه يبدأ بالحاضرة لقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم

فأما الجمعة إذا خشي فوتها مثل إن يذكر الفجر وهو فيها أو عند قيامه إليها ويخشى فوتها إن اشتغل بالقضاء فإنه يصليها رواية واحدة ثم إن قلنا إن الترتيب يسقط بضيق الوقت اجزأته كغيرها وأولى لأنها لا تقضي جمعة بحال وإن قلنا لا يسقط فإنه يعيدها ظهرا بعد إعادة الفائتة وقد نص علي الروايتين

فان كان الذي ذكر هو الإمام فإن ذكر وهو فيها فعنه يتمها فتجزئه ومن خلفه جمعة لأن تبطيل جمعتهم اعظم من ضيق الوقت ونسيان الفائتة وعنه لا تجزئه ولا من خلفه كما لو ذكر في غير الجمعة فعلى هذا يعيدون جمعة إن اتسع الوقت وألا فظهرا وقياس ما ذكروه في الجماعة أنه يعتبر اتساع الوقت

وإن ذكر قبل إحرامه فالأولى إن يستخلف ويشتغل في القضاء ثم إن أدرك معهم ما تدرك به الجمعة وألا صلى ظهرا فإن لم يفعل وصلى بهم فعلى الروايتين

وقيل إذا جاز له الاستخلاف وأمكنه بعد القضاء إن يدرك معهم ما تدرك به الجمعة لزمه ذلك

فان ذكر الفائتة في الحاضرة وضاق الوقت عن إتمام الحاضرة وإعادة الفائتة والحاضرة سقط الترتيب أيضا كما لو ضاق عن فعل الحاضرة والفائتة

وقيل إنما يسقط إذا ضاق عن فعل الفائتة وإعادة الحاضرة لأن إتمام الحاضرة نفل فيجب تركه عند ضيق الوقت عنه

فأما إن أقيمت الجماعة وخشي فوتها بأن لا يطمع في إدراكها ولا إدراك جماعة أخرى إن اشتغل بالقضاء لم يسقط الترتيب لكن يتابع الإمام في صلاته ثم يقضي ثم يعيد كما لو ذكر في أثنائها

وعنه يسقط أيضا وهي اختيار أبي حفص لأن الجماعة واجبة فأشبهت الجمعة وإن لم يخش فوتها بأن يمكنه القضاء ثم يصلي معهم أو مع غيرهم لم يسقط الترتيب قولا واحدا

فصل

ومن نسي صلاة من يوم وليلة لا يعلم عينها لزمه إن يصلي خمسا ينوي بكل واحدة أنها هي الفائتة قال ابن أبي موسى يصلي خمس صلوات فجرا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء نص عليه

وعنه ما يدل على أنه يجزيه إن يصلي فجرا ومغربا وأربع ركعات ينوي بها ما فاته بناء على إن نية التعيين لا تجب للمكتوبة

والأول هو المذهب لأنه قد ثبت في ذمته صلاة وتعيين النية للمكتوبة هل هي فجر أو عصر أو ظهر واجب والتشهد الأخير والتسليم فرض فلا يتحقق براءة ذمته ألا بخمس صلوات على ما قلنا فإن فاتته من يوم واحد ظهر وصلاة أخرى لا يعلم هل هي الفجر أو المغرب وجب عليه الصلوات الثلاث ويبدأ بالفجر لأنه إن بدا بالظهر لم يتحقق براءة ذمته مما قبلها كمن شك في وقت الظهر هل صلى الفجر أم لا

فان نسي ظهرا من يوم وعصرا من يوم آخر لم يجب عليه ألا ظهر وعصر وإن كان قد يفضي إلى الإخلال بالترتيب في الباطن لأن الترتيب يسقط بالنسيان كما لو نسي نفس الفائتة

ويتحرى بما يبدأ بما يغلب على ظنه أنها السابقة فإن استويا خير لأن ذلك اقرب إلى رعاية الترتيب في إحدى الروايتين

وفي الأخرى يبدأ بالظهر كصلاتي اليوم الواحد إذ أكثر ما فيه سقوط الترتيب بالنسيان وتخرج إن يلزمه قضاء ثلاث صلوات ظهرا ثم عصرا ثم ظهرا أو عصرا ثم ظهرا ثم عصرا بناء على إن الترتيب لا يسقط بالنسيان ولا يتيقن الترتيب المستحق ألا بذلك قال بعض أصحابنا وهذا أقيس كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها

والصواب ما تقدم وقد ذكر الفرق

فصل

ومن شك في دخول الوقت فلا يصلي حتى يتيقن دخوله برؤية الشمس ونحوها من معرفة الساعات وحسابها فإن تعذر اليقين لتغيم السماء أو لكونه في مطمورة أو أعمى في برية عمل بالاجتهاد بأن يستدل على ذلك بأعمال من قراءة أو صناعة أو نحو ذلك فإن اجتهد وهو قادر على اليقين لم تصح صلاته كمن صلى بالاجتهاد عند حضور الكعبة أو عمل بالقياس مع وجود النص سواء أخطأ أو أصاب هكذا حرره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا وأطلق أبو الخطاب وغيره أنه يصلي إذا تيقن أو غلب على ظنه دخوله وعلى كل حال فيستحب له إن يؤخر الصلاة حتى يتيقن دخول الوقت ما لم يخف خروجه ويجوز العمل فيه بغالب الظن إذا لم يمكن العلم هذا قول أصحابنا وقد كان أبو عبد الله رحمه الله أحيانا يصلي الفجر في الغيم ثم يتبين له إن الفجر لم يطلع فيعيد كما جاء مثل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وقد روى عنه حنبل لا يصلي حتى لا يشك في الزوال في السفر والحضر وقال في رواية ابن منصور إذا شك في الزوال وهو في السفر فلا حتى لا يشك ولا يستيقن وهذا فيما إذا لم يمكن اليقين كما تقدم وأن حمل على ظاهره فله وجه

فان اخبره ثقة عن علم بالوقت قلده كسائر الأمور الدينية وكذلك المؤذن الثقة إذا أذن في الصحو لغير الفجر أو أذن الفجر وكان من عادته إن لا يؤذن حتى يطلع الفجر وهذا قول أكثر أصحابنا

وقال القاضي في موضع لا يرجع إلى قول المؤذن ولا غيره حتى يغلب على ظنه دخول الوقت بمرور الزمان ونحوه ألا الأعمى خاصة فإنه يرجع إلى خبر غيره

والأول اصح لما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤذن مؤتمن وغير ذلك من الأحاديث ولأن قبول قول العدل الذي لا يتهم يجوز مع إمكان حذف الواسطة كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعضهم الرواية من بعض في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إمكان مراجعته

وإن اخبره ثقة عن اجتهاد ولم يقلده واجتهد كالقبلة فإن اخبره عن علم كالدقائق والساعات أو أذن مؤذن بناء على ذلك أو على إخبار عارف بذلك فهو كالإخبار عن علم

وإذا سمع الأعمى من يؤذن أو يخبر بالوقت قلده ولم يلزمه إن يسال هل اخبر بذلك عن علم أو اجتهاد لأن الظاهر أنه خبر عن علم ومن لا يمكنه الاجتهاد كالمطمور والمستيقظ في يوم غيم لا يدري أي وقت استيقظ يقلد غيره من المجتهدين

وإن اجتهد ثم تبين أنه صلى في الوقت أو بعده أجزأه ولا يضره وإن كان نواها قضاء فتبينت في الوقت أو نواها أداء فتبينت بعد الوقت لأن الصلاة المنوية هي الواجبة فوصف القضاء والأداء وإنما يقصد به تعيين فرض الوقت

وإن تيقن أنه صلى قبل الوقت لم يجزه لما صح عن ابن عمر وأبي موسى انهما صليا يوم غيم صلاة الفجر ثم تبين أنه قبل الوقت فأعادا

وسواء تبين ذلك في الوقت أو بعد الوقت لأنه فعل العبادة قبل وجوبها فوقعت نفلا ولم يوجد بعد الوجوب ما يبرىء ذمته فبقي في عهده الوجوب وهذا في الفجر والظهر والمغرب ظاهر فأما العصر والعشاء

وإذا ذكر في أثناء الصلاة إن الوقت لم يدخل لم تبطل صلاته لأن دخول الوقت لا يمنع التنفل بالصلاة وهي قد انعقدت نفلا لأن وصف الفرض إذا الغي بقي مطلق الصلاة ومطلق الصلاة ينصرف إلى النفل وكذلك لو تصدق أو صام يعتقده واجبا فتبين أنه لم يكن عليه فإنه يقع تطوعا وقال أبو الحسن الامدي إذا ذكر في أثناء الصلاة إن الوقت لم يدخل فهل تبطل الصلاة أو تكون نفلا على روايتين مخرجتين على من ذكر فائتة في حاضرة وهو منفرد وكذلك لو أراد إن ينقل الفرض إلى النفل لغرض صحيح وهذا ضعيف لأن ذكر الفائتة كان يمنع الابتداء بهذه الصلاة فلهذا منع استدامتها على هذه الرواية ونقل الفرض إلى النفل إنما منعه من منعه لحرمة الفرض وعدم جواز فسخ نيته وهذا مقصود هنا لأن الابتداء بالنافلة في أول وقت المكتوبة جائز وهذه الصلاة لم تنعقد فرضا قط

مسألة الشرط الثالث ستر العورة بما لا يصف البشرة

أما ستر العورة عن أعين الناظرين بما لا يصف البشرة فواجب في الجملة في الصلاة وخارج الصلاة وقد تقدم بعض هذا في باب الغسل

لقوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } وحفظ الفرج يعم حفظة من مس من لا يحل له مسه بجماع وغير جماع ومن النظر إليه بل قد قال بعض التابعين أنه عنى به هنا النظر لأنه قرنه بغض البصر ولأنه ذكر معه استتار النساء عن رؤية الرجال ولقوله سبحانه { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } إلى قوله { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما } وقوله { إذا فعلوا فاحشة } يريد كشف السوءة ونحوه { قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } وهذه الآيات كلها تتضمن فرض ستر العورة وذم من يتدين بغير ذلك في حال من الأحوال وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة القشيري جد بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري احفظ عورتك ألا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال القوم يكون بعضهم في بعض قال إن استطعت إن لا يرنيها أحد فلا يرنيها وامر من كشف فخذه إن يغطيه وقال الفخذ عورة فعلم إن العورة يجب سترها وفرض على داخل الحمام إن لا يدخل ألا بمئزر وهذا كثير تقدم بعضه

ويجب سترها في الخلوة وغيرها ألا من حاجة وقال القاضي يكره التعري في الخلوة ولا يحرم ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين والأول أبين في كلام أحمد وأشبه بظاهر السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية ابن حيدة فالله أحق إن يستحيا منه لما قال له فإن كان أحدنا خاليا ونهى إن يحتبئ الرجل في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء وفي لفظ ليس على فرجه منه شيء رواه الجماعة وعن ابن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم ألا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم رواه الترمذي وعن عتبة بن عبد الرحمن السلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين رواه ابن ماجة ولأن الله أحق إن يستحيا منه من الناس وكذلك ملائكته وغيرهم من خليقته فتجب السترة في الخلوة كما تجب عن أعين الناس ولهذا وجبت في الصلاة خلوة وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية وإنما ذلك ظن الذين كفروا والذين اخبر الله عنهم بقوله { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون } ولكن يعني الاستحياء منه مبلغ الجهد كما اخبر الله تعالى عن آدم وحواء حين بدت سوآتهما أنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة

وكما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول أيها الناس استحيوا من الله فإني لأدخل الخلاء فاحني ظهري حياء من ربي وكذلك قال أبو موسى في الاغتسال

فصل

وأما التزين للصلاة فأمر زائد على ستر العورة

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى { خذوا زينتكم عند كل مسجد } أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ألا الحمس ويقولون ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها ألا الحمس لفضلهم في أنفسهم وهم قريش ومن دان دينها وكان من حصل له ثوب احمسي طاف فيه ومن لم يحصل له ثوب احمسي طاف عريانا فإن طاف في ثوبه حرم عليه فحرم الله ذلك وامر بأخذ الزينة وهي اللباس ولو كان عباءة وامر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر إن ينادي بالناس عام حج ألا لا يطوفن بالبيت عريان متفق عليه وكل محل للسجود فهو مسجد وهذا يدل على إن السترة للصلاة والطواف أمر مقصوده التزين لعبادة الله ولذلك جاء باسم الزينة لا باسم السترة ليبين إن مقصوده إن يتزين العبد لا إن يقتصر على مجرد الاستتار

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله الصلاة حائض ألا بخمار

وقوله إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء وغير ذلك من الأحاديث وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضها

وأما الإجماع فقال أبو بكر ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن على المرأة الحرة البالغة إن تخمر رأسها إذا صلت وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف إن عليها إعادة الصلاة وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة وإذا كان مقصود السترة في الصلاة إن يتزين العبد لربه في الصلاة لأنه يناجيه فإنه يجب عليه السترة عن نفسه وعن غيره فلو صلى في قميص واسع الجيب ولم يزره ولا شد وسطه بحيث يرى عورته منه في قيامه أو ركوعه لم تصح صلاته وإن كان يجوز إن يرى عورة نفسه ويمسها لما روى سلمة بن الاكوع قال قلت يا رسول الله إني أكون في الصيد واصلي وليس علي الا قميص واحد قال فزره وإن لم تجد ألا شوكة رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن أبي هريرة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم إن يصلي الرجل حتى يحتزم رواه أحمد وأبو داود ولذلك وجب إن تستر المرأة رأسها وإن كان يجوز إن تقعد خالية مكشوفة الرأس ولذلك وجب ستر المنكبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى فليس كل ما جاز كشفه خارج الصلاة جاز في الصلاة إذ هي أشد وسواء سترها بنفسه أو بغيره مثل إن يكون ذو الجيب الواسع عريض اللحية أو غليظ الرقبة لا يرى عورته من جيبه لذلك أو يضع يده على خرق في السترة يستره بيده لأن المقصود السترة وقد حصل

مسألة وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة والحرة كلها عورة ألا وجهها وكفيها وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة

في هذا الكلام فصول

أحدها إن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وهذا أشهر الروايتين والأخرى أنها القبل والدبر لأن ذلك هو مفهوم من قوله تعالى { لباسا يواري سوآتكم }

وفي قوله { ويحفظوا فروجهم } ولما روى انس بن مالك رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه قال حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري وكذلك روي عنه من حديث عائشة وحفصة رضي الله عنهما إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما دخلا عليه وهو كاشف عن فخذه فلم يغطها فلما دخل عثمان غطاها وقال ألا استحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه رواه أحمد

ووجه الأول ما روى جرهد الاسلمي قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بردة وقد انكشف فخذي فقال غط فخذك فإن الفخذ عورة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت رواه أبو داود وابن ماجة وعن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة فقال غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته رواه أحمد وروى الترمذي قوله الفخذ عورة وقال حديث حسن غريب وروي ذلك من وجوه أخرى يشد بعضها بعضا ولأن ستر العورة إنما وجب لما في كشفها من الفحش والقبح وهذا يشترك فيه الفخذ وغيره ولأن ما حول السوءتين من حريمهما وستره تمام سترهما والمجاورة لها تأثير في مثل ذلك فوجب إن يعطى حكمهما

وما نقل من كشف فخذه فهو والله أعلم أما إن يكون منسوخا لأن أحاديثنا ناقلة حاظرة أو يكون حصل بغير قصد أو يكون المكشوف أوائل الفخذ من جهة الركبة وفوق ذلك بقليل فإن الركبة والسرة ليستا من العورة وكذلك ما دون السرة بقليل وفوق الركبة بقليل نص عليه في مواضع

وحكي عنه انهما من العورة لأنهما تمام الحد ولا يحصل تمام السترة ألا بهما فوجب سترهما كما وجب غسل جزء من الرأس وإمساك جزء من الليل

والأول اصح لأن العمدة في ذلك على أحاديث الفخذ وهي لا تتناول الركبة والسرة وقد روى الدارقطني عن أيوب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بين السرة والركبة عورة وهذا صريح بأنهما ليستا من العورة وقوله هما تمام الحد غير مسلم بل إذا نزل عن السرة قليلا وصعد عن الركبة قليلا جاز نص عليه لأن عادة الصحابة والعرب في زمانه صلى الله عليه وسلم كانت الاكتفاء بالمآزر والعادة انحطاطها عن السرة وقد ذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه كان يشد إزاره تحت السرة

وسواء في ذلك الحر والعبد لعموم الأدلة

الفصل الثاني

في عورة المرأة الحرة البالغة وجميعها عورة يجب عليها ستر بدنها في الصلاة إلا الوجه وفي الكفين روايتان وذلك لما روت عائشة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض ألا بخمار رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وعن أم سلمة رضي الله عنهما أنها قالت إذا تنكشف أقدامهن قال فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح

وعن ابن عمر إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه عن الذيل فقال اجعلنه شبرا فقلن إن شبرا لا يستر من عورة فقال اجعلنه ذراعا فكانت إحداهن إذا أرادت إن تتخذ ذراعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا رواه أحمد وعن أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار قال إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها رواه أبو داود والدارقطني والمشهور أنه موقوف على أم سلمة إلا أنه في حكم المرفوع لأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز إن يخفى عليها مثل هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهي مبتلاة بهذا الأمر ولا يجوز إن تفتي بخلاف ما تعلم منه صلى الله عليه وسلم

وتبث بهذه الأحاديث إن قدميها ورأسها عورة يجب سترها في الصلاة فسائر بدنها أولى

وأما الوجه فلا تستره في الصلاة إجماعا

وأما الكفان إلى الرسغين ففيهما روايتان

إحداهما انهما ليستا من العورة التي يجب سترها في الصلاة كما اختاره الشيخ رحمه الله وطائفة من أصحابنا لقوله سبحانه { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس هو الوجه والكفان وهو كما قال لأن الوجه والكفين يظهران منها في عموم الأحوال ولا يمكنها سترهما مع العمل المعتاد ولأنه قال { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فأمرهن بإرخاء الخمر على الجيوب لستر أعناقهن وصدورهن فلو كان ستر الوجه واليدين واجبا لأمر كما أمر بستر الأعناق

وعن أسماء رضي الله تعالى عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح إن يرى منها ألا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد وقال فلا تكشف ألا وجهها ويدها ولأنه أذن للنساء في إطالة الذيول وفي حديث أمر سلمة أنها تصلي في درع سابغ ولم تذكر طول الكم بأمر ولا اشتراط فدل على أنه غير مشترط وإن الصلاة تجوز معه وإن لم يكن سابغا ولأن الكف لا يجوز إن تغطيه في الإحرام بلباس مصنوع على قدر فلم يكن من العورة كالوجه وعكسه القدمان ولأنها تحتاج إلى كشفه غالبا فأشبه الوجه ولأن مباشرة المصلي باليدين مسنون كالوجه لأن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه خفضا ورفعا فإذا لم يكن سترهما مكروها فلا اقل من إن لا يكون واجبا ومن نصر هذه الرواية فله إن يبني ذلك على إن الوجه والكفين ليسا بعورة مطلقا بل يجوز النظر إليهما لغير شهوة

وله إن يقول وإن كان في باب النظر فلا يلزم إن يسترا في الصلاة كالوجه وكالأمة الحسناء ونحو ذلك مما يجب ستره عن الأجانب ولا يجب ستره في الصلاة

والثانية هما عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا لقوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال عبد الله بن مسعود الزينة الظاهرة الثياب وذلك لأن الزينة في الأصل اسم للباس والحلية بدليل قوله تعالى { خذوا زينتكم } وقوله سبحانه { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } وقوله تبارك وتعالى { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } وإنما يعلم بضرب الرجل الخلخال ونحوه من الحلية واللباس وقد نهاهن الله عن إبداء الزينة ألا ما ظهر منها وأباح لهن إبداء الزينة الخفية لذوي المحارم ومعلوم إن الزينة التي تظهر في عموم الأحوال بغير اختيار المرأة هي الثياب فأما البدن فيمكنها إن تظهره ويمكنها إن تستره ونسبة الظهور إلى الزينة دليل على أنها تظهر بغير فعل المرأة وهذا كله دليل على إن الذي ظهر من الزينة الثياب

قال أحمد الزينة الظاهرة الثياب وقال كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها وقد روي في حديث المرأة عورة وهذا يعم جميعها ولأن الكفين لا يكره سترهما في الصلاة فكانا من العورة كالقدمين ولقد كان القياس يقتضي إن يكون الوجه عورة لولا إن الحاجة داعية إلى كشفه في الصلاة بخلاف الكفين ولذلك اختلفت عبارة أصحابنا هل يسمى عورة أو لا فقال بعضهم ليس بعورة وقال بعضهم هو عورة وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة

والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه

وقال الامدي من أصحابنا من قال هو على الروايتين في اليدين ومنهم من قال ليس بعورة رواية واحدة وهو الصحيح وهذا الخلاف الذي حكاه هو عورة في الجملة وأما صحة الصلاة مع كشفه فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة كما يكره للرجل حيث يمنع من إكمال السجود ومن تحقيق القراءة على ما يأتي إن شاء الله ذكره اللهم ألا إن تكون بين رجال أجانب وربما يذكر هذا إن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع

فأما المرأة المراهقة فعورتها كعورة الأمة ما لا يظهر غالبا لأن قوله عليه السلام لا يقبل الله صلاة حائض ألا بخمار يدل بتعليله ومفهومه على إن غير الحائض بخلاف ذلك وكذلك قوله في حديث أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح إن يرى منها ألا هذا وهذا دليل على انتفاء ذلك قبل بلوغ المحيض وعن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في حجري جارية فألقى علي حقوه فقال شقه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة فإني لا أراها ألا قد حاضت أو لا أراهما ألا قد حاضتا رواه أحمد وأبو داود

والخنثى المشكل كالرجل في أشهر الوجهين لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك

وفي الآخر هو كالمرأة لأنه لا يتبين براءة ذمته ألا بذلك وبكل حال فالمستحب له إن يستتر كالمرأة احتياطا الفصل الثالث

في عورة الأمة

ولا يختلف المذهب إن رأسها مع العنق ويديها وقدميها ليس بعورة في الصلاة وقد نص أحمد على ذلك والمراد بذلك يداها إلى المرفقين وقدماها إلى الركبتين في المشهور

وقال الآمدي القدمان إلى أنصاف الساقين وتسمى هذه الأعضاء ضواحيها لأنها تضحي أي تبرز غالبا وهو بمعنى قول الفقهاء ما يظهر غالبا وينبغي إن يكون المرفق والركبة مما لا يظهر غالبا لأن الحد الذي بين العورة وما ليس بعورة ملحق بالعورة كالحد الذي بين راس الحرة ووجهها فإن عليها إن تستره لأن ستر الوجه لا يمكن ألا به وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة في باب العورة ويذكر إن شاء الله في موضعه ما يجب إن تستره إذا خيف الافتتان بها ونحو ذلك

والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } الآية والجلابيب هي الملاحف التي تعم الرأس والبدن وتسميها العامة الأزر وتسمى الجلباب الملآة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لتلبسها أختها من جلبابها أي لتعيرها طرف الجلباب تلتحف به فتلتحف أمرأتان بجلباب واحد فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل إن قوله تعالى { يا نساء النبي } وقوله { للذين يؤلون من نسائهم } وقوله { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } إنما عنى به الأزواج خاصة وإذا لم يكن داخلات في الأمر بالالتحاف بقين على أصل الإباحة لا سيما وتخصيص المذكورات بالحكم يدل على انتفائه فيما سواهن

وكذلك قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } الآية لم تدخل فيه الأمة لأنه لم يستثن سيدها ولأنه قد قال { أو ما ملكت أيمانهن } وإنما يكون هذا للحرة وهذه كانت سنة المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك فروى انس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال لما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية قال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه فقالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب متفق عليه فعلم بهذا إن ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر وإن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء وقد روى أبو حفص بإسناده عن انس بن مالك إن عمر بن الخطاب رأى على أمة قناعا فتناولها بردته وقال لا تتبشهي بالحرائر

وعن أبي قلابة إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر وروى الاثرم بإسناده عن علي رضي الله عنه قال تصلي الأمة كما تخرج وهو كما قال علي رضي الله عنه فإن مثل هذا لا يجوز إن يخفى عليه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر فإن الأمة إذا كانت تخرج مكشوفة الرأس بأن تصح صلاتها هكذا كان أولى وأحرى فإن ما تستره المرأة عن الناس أشد مما تستره في الصلاة ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك فمعلوم انهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمرا ولا يغيرون لهن هيئة وهذا مما لا نعلم فيه خلافا

إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضا إن ما بين السرة إلى الركبة منها عورة

وقد حكى جماعة من أصحابنا رواية إن عورتها السوءتان فقط كالرواية في عورة الرجل وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا وعلى الشريعة عموما فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم وكلام أحمد ابعد شيء عن هذا القول وإنما كان يفعل مثل هذا أهل الجاهلية حين كانت المرأة الحرة والأمة تطوف بالبيت وقد سترت قبلها ودبرها تقول % اليوم يبدو بعضه أو كله % وما بدا منه فلا احله %

حتى نهى الله تعالى عن ذلك وامر بأخذ الزينة عند المساجد وسمى فعلهم فاحشة وإنما وقع الوهم فيه من جهة إن بعض أصحابنا قال عورة الأمة كعورة الرجل بعد إن حكى في عورة الرجل الروايتين وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب

ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك هل هو عورة في الصلاة على وجهين

ومنهم من يحكيه على روايتين لأنه قد أومأ إليهما ومنهم من يقول إن المنصوص عورة

أحدهما أنه ليس بعورة كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو قول أبن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زوج أحدكم خادمه أو عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة والمراد بالخادم الأمة وإذا جاز للسيد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم يكن عورة

والثاني هو عورة قاله القاضي في الجامع وابنه أبو الحسين وذكر أنه منصوص أحمد وهو اختيار أبي الحسن الامدي وهو أشبه بكلام أحمد واصح لأن عليا رضي الله عنه قال تصلي الأمة كما تخرج ومعلوم أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر ولأن الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل إن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه

فأما كشف ما سوى الضواحي فلم يكن عادتهن ولم يأذن لهن في كشفه فلا معنى لإخراجه من العورة ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وقميص الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل إن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء تكميلا للتزين بستر المنكب فكيف يأذن للامة إن تصلي وظهرها وصدرها مكشوف مع العلم بأن انكشاف ذلك منها أشد قبحا وتفاحشا من انكشاف منكب الرجل ولأن الأصل إن عورة الأمة كعورة الحرة كما إن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة فأما الظهر والصدر فباق على الأصل

والحديث المتقدم لا دليل فيه لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك إن يكون المنظور ليس بعورة فإن النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترها في الصلاة لكن نظر الزوج والسيد المباح لهما الوطء اعم من نظر غيرهما

فصل

وسواء في ذلك الأمة المزوجة والمتسراة غير المستولدة والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها بصفة لأن رقهن باق بحاله وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم وقد تقدم حديث انس في صفية بأنه دليل على إن السرية لم تكن تحجب حجب الزوجة هذا قول أكثر أصحابنا وقال أبو علي بن البناء حكم المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة حكم أم الولد والمعتق بعضها لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية فخرجن عن محض العبودية فرجعن إلى الأصل

وأما أم الولد فقد نص أحمد على أنها تصلي كما تصلي الحرة لأنه انعقد لها سبب الحرية لازما وينجر لها من أحكام الحرية أنها لا تباع ولا توهب ولا توقف ولا ينقل الملك في رقبتها فصار فيها شائبة الحرية فغلب حكمها لوجهين

أحدهما أنه لا يمكن تمييز حق الحرية عن حق العبودية والعمل بمقتضى ما فيها من الحرية واجب وهو لا يمكن ألا بأن تكون كالحرة وما لا يتم الواجب ألا به فواجب

والثاني إن الأصل إن السترة في الأمة والحرة سواء وإنما ترك ذلك في الأمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والإمتهان وهذا غير مقصود في أم الولد

ثم اختلف أصحابنا هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب على وجهين وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين

إحداهما أنه على سبيل الاستحباب كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو اختيار الخرقي وغيره فيكره لها كشف رأسها لكن لا تبطل صلاتها إن صلت مكشوفة لأنها أمة فأشبهت المكاتبة ولأنها مال بدليل أنها تقوم بالقيمة إذا قتلت أو ماتت تحت اليد العادية فتكون كسائر الإماء وما فيها من منع التصرف في رقبتها لا يخرجها عن ذلك كالأمة الموقوفة وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يوجب اخذ أحكام الحرية كالمدبرة ولقد ميزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها

والثاني على سبيل الوجوب لما تقدم

وأما المعتق بعضها فهي على هذا الخلاف المذكور ألا إن القول بالوجوب هنا هو القوي عند أصحابنا لأن فيها جزءا حرا فوجب إن يعطى حكم الحرة وذلك لا يمكن ألا بستر جميعها فيجب لأن ما لا يتم الواجب ألا به فواجب ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل الطلاق أنه يكمل فإن المعتق نصفه يطلق ثلاثا لأنه لا يمكن إن يطلق طلقتين وربعا

مسألة ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته

هذا أشهر الروايتين عن الإمام أحمد

والأخرى تصح صلاته مع التحريم وهي اختيار الخلال قال الامدي وهذا في الفرض فأما النفل فتبطل رواية واحدة لأن المقصود به القربة وهي لا تحصل بالمحرمات بخلاف الفرض فإنه يقصد به القربة وبراءة الذمة فإذا بطلت القربة تبقى براءة ذمته وأكثر أصحابنا أطلقوا الخلاف وهو الصواب لأن منشأ القول بالصحة إن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية فيجوز إن يثاب من وجه ويعاقب من وجه كما تبرأ الذمة فإنها لا تبرا ألا بامتثال الأمر وامتثال الأمر طاعة والصلاة في الثوب الحرير ممن يحرم عليه لبسه على هذا خلاف لأن المذهب أنه حرام

وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير إذا قلنا أنه حرام قال أبو عبد الله السامري كل من صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها كره له ذلك وهل تبطل صلاته على روايتين وذلك مثل المغصوب وما اشتري بعين مال الحرام في حق الرجال والنساء ومثل الحرير وما غالبه الحرير وما نسج بالذهب ونحو ذلك في حق الرجال

ووجه الإجزاء إن تحريم ذلك لا يخص الصلاة فأشبه من صلى وهو حامل ثوبا مغصوبا ولأن النهي عن الصلاة في المكان والثوب المغصوبين ليس لمعنى في نفس الصلاة كالصلاة مع الحدث والنجاسة وإنما هو لمنع في غيرها وهو ما فيه من ظلم الغير والانتفاع بملكه بغير إذنه وهذه جهة غير جهة العبادة فيكون مطيعا من حيث هو مصلي عاصيا من حيث هو غاصب

ووجه الأول ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد متفق عليه ومعنى رد أي مردود وفي لفظ من صنع أمرا علي غير أمرنا فهو مردود رواه أحمد وهذه الصلاة ليس عليها أمر الله ورسوله بل هي على غير أمر الله ورسوله ولأنه منهي عن هذه الصلاة فلا يكون مأمور بها فلا يكون قد فعل ما أمر به فيبقى في عهدة الأمر

وقولهم النهي لمعنى في غير المنهي عنه وهي مأمور بها من وجه آخر ليس بجيد لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قط بل نهى عنها لمعنى فيها ولمعنى في غيرها فإن التقرب إلى الله بالحركات المحرمة وبالزينة المحرمة توجب إن تكون المفسدة في نفس حركات الصلاة ونفس الزينة التي هي شرط الصلاة وأنه نهى عن غير هذه الصلاة لمعنى يعود إليها كما هو منهي عن الصلاة في المكان النجس وبالثوب النجس وأولى فإن اشتراط حل المكان واللباس أولى من اشتراط طهارته لما فيه من تعلق حق الغير به يبين ذلك أنا إنما علمنا كون النجاسة مفسدة للصلاة بالنهي عنها والنهي عن لبس الحرير ولبس المغصوب والاستقرار في المكان المغصوب أشد ولأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه إذ لو كان فعلا صالحا صحيحا لما نهي عنه ولأن الصلاة طاعة وقربة والحركات في هذا الثوب والمكان معصية والشيء الواحد لا يكون طاعة ومعصية مع اتحاد عينه فإنه جمع بين النقيضين

وحقيقة المسألة إن السترة والمكان شرط لصحة الصلاة كالطهارتين والأركان ومتى أتى بفرائض الصلاة على الوجه المنهي عنه لم يكن ما أتى به هو المفروض فلم يصح إتيانه به وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين من ارتكب في الصلاة محظورا لا تعلق له بواجباتها مثل لبس خاتم الذهب وحمل المغصوب فإن ذلك معصية منفصلة عن العبادة وإن كانت فيها فأشبهت الظلم والبغي للصائم والمحرم فإن هذه المعاصي تقابل الثواب إن كانت بقدره مع براءة الذمة من عهدة الواجب فيبقى لا له ولا عليه لا يعاقب عقوبة التارك ولا يثاب ثواب الفاعل كما في الحديث رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر أما إذا كان شرط صحة العبادة التي لا تتم ألا به أو شرط وجوبها الذي به يمكن أداؤها أيضا مفعولا على الوجه المحرم كالماء والتراب في الوضوء والتيمم وكالزينة والبقعة في الصلاة وكالمال في الحج فإنه يكون متقربا إلى الله بنفس ما حرمه ومطيعا له بقدر ما حرمه والتقرب إلى الله والطاعة له بفعل ما حرمه محال ولا يصح ولا يجزئ

ولو كان عليه ثوبان أحدهما محرم فقال أكثر أصحابنا لا يصح أيضا لأن المباح لم يتعين ساترا سواء كان فوقانيا أو تحتانيا إذ أيهما قدر عدمه ستر الآخر وكذلك لو كان بعض الثوب مغصوبا ولم يكن ساترا لشيء من العورة لأنه تابع للساتر

ومنهم من خص الروايتين بمن صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها

فأما تكة السراويل إن كانت غصبا أو حريرا فالمنصوص عن أحمد التوقف عن الإعادة إذا صلى بها فتخرج على وجهين

وقال أبو بكر والقاضي وغيرهما حكمهما حكم السراويل لأنها من مصالحه

وأما عمامة الغصب والحرير ففيها وجهان

أحدهما لا يبطل اختاره ابن عقيل وأبو محمد لأنها ليست مما يجب للصلاة فأشبهت خاتم الذهب

والثاني يبطل اختاره القاضي لأنها وإن لم تكن شرطا فهي من جنس الشرط لأنها لباس وهي ملحقة في الاستحباب فألحقت به في الحكم كما تلحق اللفافة الثانية والثالثة بالأولى في قطع النباش إذ شاركتاها في الاستحباب وإن لم تحلق بها الرابعة والخامسة لما لم تكن مستحبة

فان لم يجد غير المغصوب فهو كما لو وجد غيره إذا كان التحريم باقيا

وأما الثوب الحرير إذا لم يجد غيره فتصح صلاته فيه لزوال التحريم

وقيل هو كالصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد طاهرا وهذا ضعيف لأن المقتضي للفساد الحرمة وقد زالت فأشبه ما لو كان المصلي فيه أمرأة أو كان قد لبسه لحكة أو جرب وأولى فإن لبسه عند عدم غيره جائز إجماعا

ولو كان جاهلا بأن المكان أو الثوب محرم أما لعدم علمه بأنه مغصوب كرجل صلى في مسجد مدة أو في دار ثم علم أنه مكان مغصوب ورجل لبس ثوبا هو حرير وهو لا يعلم أنه حرير أو لعدم علمه بأن الحرير محرم أو بأن القعود في هذا المكان حرام ونحو ذلك فلا إعادة عليه هنا سواء قلنا إن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين إن تكون نجسة وهنا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية بل يكون طاعة وإن وجب عليه ضمان لحق ادمي

فصل

ولا فرق في المكان المغصوب أو الثوب المغصوب بين إن يكون قد غصب الرقبة بيد قاهرة أو دعوى فاجرة وبين غصب منافعها بأن يدعي إجارتها دعوى كاذبة أو يسكنها مدة بدون أذن أربابها ولا فرق بين غصب القرار وغصب الهواء مثل إن يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا يحل له ولا فرق بين إن يجعل المغصوب دارا أو مسجدا مثل إن يغصب أرضا فيبنيها مسجدا أو يبني المسجد في الطريق الضيقة

ولا فرق بين إن يغصب جميع البقعة أو جزءا مشاعا منها مثل إن يكون بينه وبين غيره ارض مشتركة فيغصبه حصته وكذلك لو كان بعض بدنه في موضع مباح وبعضه في موضع محرم لم تصح صلاته كما لو كان بعض موضعه طاهرا وبعضه نجسا

فإن صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة لأنها مستقر له ينتقل بانتقالها ويقف بوقوفها وإن صلى على فراش مغصوب كالبساط والحصير والمصلى ففيه وجهان

وإن صلى على سرير مغصوب ففيه وجهان أظهرهما البطلان

وإن غصب مسجدا بأن حوله عن كونه مسجدا بدعوى ملكه أو وقفه على جهة أخرى أو تغيير بنيته لغير الصلاة لم تصح الصلاة فيه وإن بقاه مسجدا ومنع الناس من الصلاة فيه ففيه وجهان

أحدهما تصح وهو اختيار طائفة من المتأخرين قال ابن عقيل لأنه لم يصح غصبه حكما بمعنى أنه لو تلف المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانه كالحر إذا غصب وإذا لم يصح غصبه حلمت صلاته فيه ولأن صلاته فيه ولبثه فيه غير محرم وإنما المحرم منع الغير منه فيكون هذا مستثنى من غصبه إياه كما استثنيت مواقيت الصلاة في حق العبد الأبق

والثاني لا يصح وهو قول قوي لقوله سبحانه { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } فعاقب الله سبحانه من منع المساجد إن يذكر فيها اسم الله وسعى في خرابها بمنع العمار الذين يعمرونها بذكر الله بأن حكم عليه بأنه ليس له إن يدخلها ألا خائفا فيكون هذا الغاصب ممنوعا من لبثه في هذا المسجد عقوبة على منعه الناس واستثناؤه ودخوله خائفا دليل على ثبوت المنع لأنه أما إن يكون خائفا من الله تعالى إن يعاقبه وذلك دليل على إن دخوله سبب العقوبة فيكون حراما وأما إن يكون خائفا من الخلق بتسليط الله إياهم عليه عقوبة له وإذا كان الله قد عاقبه بأن جعله لا يدخل ألا خائفا كان دخوله سببا لحصول الخوف له والخوف عقوبة فلا يكون الدخول إليها مأذونا فيه لأن ما أذن الله فيه لم يجعله سببا للعقوبة ولأن الله تعالى منعه إن يدخل ألا معاقبا بالخوف فعلم إن الدخول ليس مباحا مع مقامه على منع غيره لأن ما أبيح لا يشترط في الإذن فيه حصول عقوبة ولأن دخول المسجد وإن كان مباحا لكن إباحة الشيء قد تكون شرطا بالكف عن محرمات تتعلق بجنسه كما قال تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } فإنما أباح الأنعام لمن يعتقد تحريم الصيد في الإحرام فمن لم يلتزم هذا التحريم لم يكن مأذونا له في ذلك المباح من جهة الشارع فكذلك الدخول إلى المسجد يجوز إن يكون مشروطا برعاية حرمته والكف عن منع عباد الله من بيته وذلك إن المسجد إنما أبيح له إن يدخله بوصف الاشتراك فأما دخوله بوصف الانفراد فليس بجائز كمن منع غيره من اخذ المباحات ليأخذها هو مثل إن يمنعه عن الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ثم يأخذ ما منعه منه فإن هذا حرام وإن كان مباحا لو لم يمنع غيره وكذلك لو منع الناس إن يبيعوا أموالهم ليبيع هو ماله كان بيعه حراما لأنه إنما باعه على الوجه المحرم وهو بمنزلة المكره على الشراء منه

وأيضا فمن صور هذه المسألة إذا احتجر موضعا من المسجد ومنع الناس من الصلاة فيه مثل المقصورة وقد كان السلف يكرهون الصلاة في المقصورة ويرون الصف الأول الذي يلي المقصورة ولولا انهم اعتقدوا إن دخولها مع الاحتجار منهي عنه لم ينهوا عن الصلاة في مقدم المسجد بل لما كرهت الصلاة فيها صارت كأنها ليست من المسجد فكيف يصح مع هذا إن يكون دخوله ولبثه غير محرم إذا دخل على هذا الوجه

وأما قول ابن عقيل إن المسجد لو تلف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه فليس الأمر كذلك بل المسجد عقار من العقار يضمن بالإتلاف إجماعا ويضمن بالغصب عند من يقول إن العقار يضمن بالغصب وهو المشهور في المذهب ومن لم يضمنه بالغصب لم يفرق بين المسجد وغيره ولا خلاف أنه متقوم تقوم الأموال بخلاف الحر فإنه ليس بمال نعم هو يشبه العبد الموقوف على خدمة الكعبة فإنه ليس له مالك معين ومع هذا فهو مضمون بالغصب بلا تردد وكذلك المال الموقوف على مصالح المسجد حكمه من هذا الوجه

مسألة ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال ألا عند الحاجة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها

هذا الحديث رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ورواه أيضا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولفظه إن نبي الله صلى الله عليه وسلم اخذ حريرا فجعله في يمينه واخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة

والكلام في فصلين

أحدهما في الحرير فإنه حرام على الرجال كما ذكر في الحديثين المذكورين وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمه فروى عمخر وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة متفق عليهما وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن الزبير ومسلم من حديث أبي أمامة وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير والديباج متفق عليهما ويحرم بيعه من رجل يلبسه والإعانة على لبس الرجل إياه بتفصيل أو تخييط أو غير ذلك والثمن والأجرة التي تؤخذ عليه بهذا السبب من الخبائث

فأما بيعه مطلقا فيجوز إذا أمكن إن يلبسه رجل وامرأة وكذلك صنعته على وجه يشترك في لبسه الرجال والنساء مثل البندك

وأما النساء فيباح لهن لبسه للحديث المذكور ولما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال أهديت للرسول صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال إني لم ابعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة فلما كان بعد ذلك أتي بحلل فبعث إلى أسامة بن زيد بحلة فراح أسامة في حلته فنظر إليه نظرا عرف أنه قد أنكر ما صنع فقال أسامة يا رسول الله ما تنظر إلى بعثت بها إلى فقال لم ابعثه بها إليك لتلبسها ولكن بعتها لتشققها خمرا بين نسائك رواه مسلم

ومن حرم عليه لبسه حرم عليه سائر وجوه الاستمتاع به مثل الجلوس عليه والاستناد إليه وتعليقه ستورا فإن لفظ اللباس يشمل ذلك بدليل قول انس ولنا حصير قد اسود من طول ما لبس وقد جاء ذلك صريحا فروى أبو إمامة أنه دخل على خالد بن يزيد فألقى له وسادة فظن أبو إمامة أنها حرير فتنحى وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله رواه أحمد وعن حذيفة بن اليمان قال نهانا النبي صلى الله عليه وسلم إن نشرب في آنية الذهب والفضة وإن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وإن نجلس عليه رواه البخاري وعن البراء بن عازب إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المياثر الحمر متفق عليه ورواه الترمذي ولفظه نهى عن ركوب المياثر

والمياثر المراكب التي تكون على الرحل والسرج سميت مياثر لدثارتها وليها ومنه الوثر والوثير وهو الفراش الطوىء

قال أبو عبيد وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير

وعن علي بن أبي طالب قال نهاني يعني النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن الجلوس على المياثر والمياثر شيء كان يجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطايف الأرجوان رواه مسلم ولأن تحريمه إنما هو والله أعلم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء ونحو ذلك وذلك موجود في لبسه على البدن وفي افتراشه وجعله ستورا بل ربما كان ذلك بغير اللبس اعظم ألا أنه ارخص فيه للنساء لأن بهن حاجة إلى التزين للبعولة في الجملة كما ارخص لهن في التحلي بالذهب وكما ارخص لهن في إطالة الثياب لمصلحة الستر ولأنهن خلقن في الأصل ناقصات محتاجات إلى ما يتجملن به ويتزين قال سبحانه { أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين } ويباح لهن افتراشه والاستناد إليه كما يباح لهن لبسه على أبدانهن في المشهور من المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا

قال ابن عقيل لا يباح ذلك لأن حاجة المرأة إنما هي إلى لبسه على بدنها دون افتراشه وتوسده ولأنه أحد المحرمين فلم يبح للنساء منه ألا ما تبع أبدانهن كالذهب

ووجه الأول عموم أحاديث الرخصة ولأن ذلك كله لباس وقد أبيح لهن لباس الحرير

فصل

وما يحرم على الرجال فإنه عام في حق الكبير والصغير في المشهور من الروايتين

وفي الأخرى لا بأس بإلباسه الصبي لأنه غير مكلف ولأنه ضعيف العقل فأبيحت له الزينة كالمرأة كما يباح له من اللعب ما لا يباح للبالغ بحيث لا يمنع منه ووجه الأول عموم النهي فإنه قال حرام على ذكور أمتي ولم يفرق بين الكبير والصغير ومعنى التحريم في الصغير أنه يمنع منه كما يمنع من شرب الخمر ومن الكذب وغير ذلك من المحرمات وإن كافله يأثم بتمكينه من ذلك وإن لكل واحد ولاية منعه من ذلك لأنه من باب النهي عن المنكر ولما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري رواه أبو داود

ومعلوم انهم إنما يفعلون هذا مفرقين هذا التفريق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لا يقدمون على نزع لباس كانوا يلبسونه أولادهم ثم ينزعونه عن أحد الصنفين دون الآخر ألا عن توقيف وأيضا كما روي إن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر ومعه ابنه محمد عليه قميص من حرير فادخل عمر يده في جيبه فشقه فقال عبد الرحمن بن عوف فزعت الصبي أطرت قلبه فقال عمر تلبسونهم الحرير وعن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود فاتاه ابن له صغير وقد ألبسته أمه قميصا من حرير وهو معجب به فقال له يا بني من ألبسك قال أمي قال أدنه فدنا منه فشقه ثم قال اذهب إلى أمك فلتلبسك ثوبا غيره وعن سعيد بن جبير قال قدم حذيفة من سفر وعلى صبيانه قمص من حرير فمزقه على الغلمان وتركه على الجواري رواهن الخلال وهذا كله دليل على انهم فهموا من الحديث عموم التحريم في الرجال وعمر وحذيفة من رواة حديث التحريم فهم اعلم بمعنى ما سمعوا ولأن ذلك إجماع منهم فإنه لم يبلغنا أحدا منهم ارخص فيه وعبد الرحمن لم يخالف عمر في إنكاره عليه إلباسه الحرير بل اقره على إنكاره عليه إلباسهم الحرير وإنما قال له أفزعت الصبي فعلم أنه وافق عمر على إن الصبيان ممنوعون من لبس الحرير وإن ذلك الإلباس أما يكون من فعل النساء ويكون عبد الرحمن لم يكن سمع النهي وقد روي أنه قاس ابنه على نفسه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ارخص له في لبس الحرير للحكة فقال له عمر أنه ليس مثلك وهذا دليل على إن أحدا منهم لم يفرق بين الصغير والكبير ولأن تزيين الغلام بما تزين به الجارية ليس بجائز لأنه ليس محلا للشهوة بل يجب صونه عما يشبه به النساء ويصير به بمنزلة المخنث فإن ذلك سبب لاعتياده التشبه بالنساء وتخنيثه إذا كبر وربما كان سببا للفتنة به إلى غير ذلك من المفاسد

وأما إلباسه الذهب فالمنصوص عنه فيه التحريم لكن أصحابنا اجروا فيه الروايتين لعدم الفرق بينه وبين الحرير

فصل

ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعا لغيره مثل العلم والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته

وقد روي عنه كراهة العلم لأن ابن عمر كان ينزعه من الثوب قال وهو اسهل من المصمت قال الخلال ذكر حنبل عن أبي عبد الله العلم في موضعين أحدهما توقف فيه والآخر أباحه على رواية أصحابه وهو إجماع التابعين وذلك لما روى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير ألا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة رواه الجماعة ألا البخاري وفي لفظ أحمد وأبي داود وأشار بكفه وذلك إنما يكون إذا كانت مضمومة فإنها إذا فرقت كان موضعها أكثر من أربع أصابع لأجل الفرج وعن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني وفرجيها مكفوفين به فقالت هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها كانت عند عائشة فلما قبضت عائشة قبضتها إلى فنحن نغسلها للمريض يستشفي بها رواه أحمد ومسلم وهذا لفظ أحمد وفي رواية قالت يا جارية ناوليني جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجت جبة طيالسة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج رواه أبو داود وابن ماجة وعن معاوية بن أبي سفيان إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير ألا مقطعا رواه أحمد

فأما اليسير المفرد كالتكة والشرابة والمنطقة والخيط ونحو ذلك فيحرم في المنصوص لأنه نهى عن الحرير ألا مقطعا والمقطع المفرق في غيره وكذلك قوله عليه السلام ألا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة يدل على أنه موضوع في غيره ولأنه قرن الحرير بالذهب والذهب يحرم منفردا فكذلك الحرير ولأن الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنما يباح يسيره إذا كان تابعا فكذلك يسير الحرير لأن هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء

ولو لبس ثيابا في كل ثوب حرير يسير بحيث لو جمع ما في جميعها صار ثوبا جاز ذلك وإن لم يجز لبس ذلك الحرير لو جمع ونسج ثوبا على حده لأن هذا هو معنى قوله نهى عن لبس الحرير ألا مقطعا فإنه إذا فرق في الثياب صار مقطعا لأن كل ثوب له حكم نفسه

فصل

فان نسج مع الحرير غيره كالقطن والكتان والوبر والصوف ونحو ذلك فالذي ذكره أكثر المتأخرين من أصحابنا القاضي وأصحابه ومن بعدهم أنه إن كان الحرير هو الغالب حرم وإن كان الحرير هو الأقل جاز قال بعضهم قولا واحدا

وإن استويا فوجهان

أحدهما يحرم أيضا وهو أشبه بكلام أحمد لأن الرخصة إنما جاءت في اليسير الذي هو مقدار أربعة أصابع وفي الخز فألحقنا بذلك ما إذا كان الحرير هو الأقل لأن الحكم للأكثر أما إذا تتساويا فأحاديث التحريم تعمه ولم يجيء فيه رخصة ولأنه قد تعارض المبيح والحاظر فغلب الحاظر كالمتولد من بين ما يؤكل وما لا يؤكل والآخر يكره ولا يحرم لما روى ابن عباس قال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير قال ابن عباس فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به رواه أبو داود وأحمد احتج به ولأنه قد تعارض الحاظر والمبيح فيرجع إلى الأصل وهو الحل وإذا شككنا هل هو من القسم المباح أو القسم المحرم كره لبسه ولا يثبت التحريم بالشك

وجعل بعض المتأخرين من أصحابنا الملحم والقنسي والخز من صور الوجهين وجعل التحريم قول أبي بكر لأنه حرم الملحم والقسي

والإباحة قول ابن البناء لأنه أباح الخز وهذا مع إن أبا بكر قال ويلبس الخز ولا يلبس الملحم ولا الديباج وقال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن الحرير والذهب

وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره وهذا أكثر في كلامه قال اكره لباس الملحم للرجال فأما الخز فلا بأس به الخز ثخين يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته وقال أيضا يكره لباس الملحم ألا الخز فإنه على جلده الخز وقال لا يعجبني ألا الخز قد لبسه القوم وأما هذا الملحم المحدث فما يعجبني وسئل في موضع آخر عن الثوب سداه حرير ولحمته قطن فقال هذا يشبه بالخز لأن الخز سداه حرير وهو الذي لبسه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

وكره هذا لأن سداه قطن وهو محدث وكذلك ذكر أبو بكر وعامة قدماء الأصحاب إن الخز الذي لبسته الصحابة رضوان الله عليهم مباح وكرهوا الملحم وغيره وصرحوا بأن هذه كراهة تحريم فمن زعم إن في الخز خلافا فقد غلط

والأصل في إباحة الخز ما روى عبد الله بن سعد عن أبيه قال رأيت رجلا نجارا على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وقد صح عن خلق من الصحابة انهم لبسوا الخز وارخصوا فيه منهم عبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة وعمران بن حصين وعائشة والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي أوفى وانس بن مالك وأبو أبي الأنصاري ابن أم حرام ووابصة ومروان في أوقات متفرقة ولم ينكر ذلك أحد فصار إجماعا فثبت إباحة الخز وهو الذي يكون سداه حريرا ولحمته وبرا أو صوفا ونحوه وكذلك في حديث ابن عباس فأما العلم من الحرير وسى الثوب فلا بأس وقد احتج به أحمد

وإنما كرهنا الملحم لعموم أحاديث التحريم وإنما استثني منها ما استثني وليس في الملحم معناه كما سيأتي ولإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي والقيسي ثياب مخلوطة بحرير قال البخاري في صحيحة قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي ما القسي قال ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الاترج وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير قال بعضهم هو ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى بها مصر نسبة إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس ويقال القسي القزي ابدلت الزاء سينا كما يقال السمته الحجة أي ألزمته الحجة وقيل هو منسوب إلى القسي وهو الصقيع لبياضه ونسبتها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد وغيره فقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير وليست حريرا مصمتا وهذا ليس هو الملحم وأيضا فإن الخز أخف من وجهين

أحدهما إن سداه حرير والسدى ايسر من اللحمة وهو إلذي بين ابن عباس جوازه بقوله فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به

والثاني إن الخز الثخين والحرير مستور فيه بين الوبر فيصير الحرير بمنزلة الحشوة ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر ومعلوم إن الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر إذ ليس في الباطن سرف ولا فخر ولا خيلاء ولهذا كان الصحيح جواز حشو الجلباب والفرش به وقد ذكر أحمد رضي الله عنه هذين الفرقين فإذا كان الحديث عاما في التحريم بل خاصا في الملحم وإنما أبيح الخز لم يجز إن يلحق به ألا ما في معناه فعلى هذا كل ما سوى الخز من الملحم يكره لذلك والخز ما كان لحمته من الوبر ونحوه مما له ثخانة تغطي الحرير فتكون الرخصة معلقة بكون السدى حريرا وكون اللحمة من الوبر ونحوه

وقال القاضي الملحم هو الذي سداه حرير ولحمته غزل أو لحمته حرير وسداه غزل والخز ما كانت لحمته أو سداه خزا فجعل الاعتبار بنفس ما ينسج مع الحرير من غير فرق بين السدى واللحمة لأن أحمد علل بثخانة الخز وأنه يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته

وعنه إن كان السدى حريرا حل مطلقا على ما رواه صالح لحديث ابن عباس

ثم كراهة الملحم كراهة تحريم ذكره القاضي وغيره وقال غيره من أصحابنا هي كراهة تنزيه ألا إن يكون المنسوج مع الإبريسم أكثر وقد روي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تركبوا الخز ولا النمار رواه أبو داود وفي حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم رجل فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة رواه البخاري بلفظ الحر ورواه أبو داود

قال أصحابنا وهذا محمول على خز كثير حريره أو نوع من الحرير يسمى خزا كما يسمى قزا قال بعض أصحابنا الذي يسميه الناس اليوم الخز هو ما يعملونه من سقط الحرير ومشاقته والتبر الذي يلقيه الصايغ من فمه من تقطيع الطاقات فيدقونه كالقطن ثم يغزلونه ويعملونه ثيابا وهذا حكمه حكم الحرير فظهر بهذا إن الخز اسم لثلاثة أشياء للوبر الذي ينسج مع الحرير وهو وبر الأرانب واسم لمجموع الحرير والوبر واسم لرديء الحرير فالأول والثاني هو الحلال والثالث حرام

وأما حشو الثياب والفرش بالحرير فالمشهور من الوجهين أنه مباح من غير كراهة لأنه لا يستبين ولا يستمتع به وليس فيه سرف والوجه الأخر يحرم

فصل

وإذا احتاج إلى لبس الحرير لدفع حر أو برد أو ستر عورة أو تحصن من العدو ولم يقم غيره مقامه أبيح قولا واحدا لأنه إذا أبيح للنساء لعموم حاجتهن إليه للزينة فلان يباح عند الضرورة أولى فإن الضرورة الخاصة ابلغ من الحاجة العامة ولأنه إذا اضطر إلى ما حرم من الأطعمة أبيح له فكذلك المحرم من اللباس لأنهما يشتركان في الاضطرار

وإن احتاج إليه لمرض أو حكة يرجى نفع الحرير وتأثيره فيه ففيه روايتان

إحداهما لا يباح لعموم أحاديث النهي ولأنه تداو بمحرم يشتهى فأشبه التداوي بالخمر وتحمل إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجر ثوبه خيلاء

والثانية يباح وهي الصحيحة لما روى انس بن مالك رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير من حكة كانت بهما رواه الجماعة وما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع ألا ما خص مع إن أحدا لم يخص بحكم ألا لسبب اختص به وهنا لم يختصا بالسبب لأن الحكة هي السبب وهي تعرض لغيرهما كما عرضت لهما ولأن النساء ارخص لهن في لبسه للحاجة إلى التزين به فالحاجة إلى التداوي أولى بخلاف الخمر فإنها محرمة مطلقا على كل أحد وفي كل حال وقد حرم قليلها وكثيرها

فصل

وفي لبسه في الحرب روايتان

إحداهما يحرم للعمومات فيه ولأنه يحرم في غير الحرب فحرم في الحرب كالذهب

والأخرى يباح وهي أقوى لما روت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت كانت عندي للزبير ساعدان من ديباج كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهما إياه يقاتل بهما رواه أحمد وروى وكيع بإسناده قال قال ناس من المهاجرين لعمر بن الخطاب إنا إذا لقينا العدو وأريناهم قد كفروا على سلاحهم بالحرير والديباج فرأينا لذلك هيبة فقال عمر وانتم إن شئتم فكفروا على سلاحكم بالحرير والديباج ولأن في ذلك إرهابا للعدو وكسرا لقلوبهم وإظهارا لأبهة جيش الإسلام فجاز ذلك وإن كان فيه اختيال لأن الاختيال عند القتال غير مكروه لما روى جابر بن عتيك إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن من الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فالخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل في القتال واختياله في الصدقة والخيلاء التي يبغض الله الخيلاء في البغي أو قال في الفخر رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة لما اختال يوم أحد أنها لمشية يبغضها الله ألا في هذا الموطن وقد ذكر بعض أصحابنا إن الروايتين في لبسه في دار الحرب وذلك اعم من لبسه وقت الحرب

فصل

ولا بأس إن يوضع المصحف في كيس حرير أو ديباج نص عليه في مواضع قال القاضي

والمسألة محمولة على إن ذلك قدر يسير فلا يحرم استعماله كالطراز والذيل والجيب

والصواب إقرار النص على ظاهره لأن الكيس إنما يكون أكثر من أربع أصابع وذلك كثير ولأنه مفرد ولا فرق في المفرد بين اليسير والكثير كالتكة وإنما وجه ذلك إن المحرم إنما هو لباس الحرير والاستمتاع به ووضع المصحف فيه إنما هو جعله لباسا للمصحف ووعاء له ليصان ويحفظ وما شرع له الكسوة من شعائر الله جاز إن يكسى الحرير كالكعبة وأولى ولأن لباس الحرير إنما يكره للآدمي لما فيه من العظمة والسرف وهذا أمر مطلوب لكتاب الله وبيته

والفرق بين هذا وبين الزخرفة إن الكسوة فيها منفعة للبيت والمصحف فإذا حصلت باشرف الثياب كان ذلك تعظيما لحرمات الله بخلاف الزخرفة فإنه لا منفعة فيها بل تلهي المصلين الفصل الثاني

في الذهب وهو قسمان

أحدهما لبسه

والثاني التحلي به

أما لبسه فيحرم على الرجال لبس المنسوج بالذهب والمموه به إذا كان كثيرا لما تقدم من حديث علي وأبي موسى رضي الله عنهما ولأنه ابلغ في السرف والفخر والخيلاء من الحرير والحاجة إليه اقل فيكون أولى بالتحريم

وإذا استحال لونه ففيه وجهان

أحدهما يحرم لعموم النهي

والثاني لا يحرم لأنه قد زالت مظنة الفخر والخيلاء فإنه لم يحصل منه شيء إذا جمع أبيح قولا واحدا

وفي يسير الذهب في اللباس مثل العلم المنسوج بالذهب روايتان مومىء إليهما

إحداهما يحرم وهو اختيار كثير من أصحابنا لعموم النهي ولأنه استعمال للذهب فحرم كاليسير في الآنية

والثانية لا يحرم وهي اختيار أبي بكر وغيره لما روى معاوية بن أبي سفيان إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب ألا مقطعا رواه أحمد وأبو داود والنسائي واحتج به أحمد وفسر قوله ألا مقطعا باليسير ولأنه أحد الأصناف الثلاثة فحل منه اليسير التابع لغيره كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية

والفرق بين يسير الذهب في الآنية ويسيره في اللباس ونحوه ظاهر لأن الآنية تحرم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء واللباس يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقا ويباح للرجال يسير الفضة منه مفردا كالخاتم ونحوه ولا يصح إلحاق أحدهما بالآخر

وعنه رواية ثالثة أنه يباح اليسير لحاجة سواء كان مفردا أو تابعا ولا يباح للتزين وهي المنصوصة عنه صريحا وكذلك ذكر القاضي في اللباس قال في رواية صالح وعبد الله وأبي طالب وأبي الحارث واللفظ له إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب ألا مقطعا قال الشيء اليسير كشد أسنانه وما كان مثله مما لا يتزين به الرجل فأما الخاتم ونحوه فلا وذلك لأنه قد دل ذلك على إن القطع من الذهب وهو اليسير منه مباح مطلقا لكن لا بد إن يكون لحاجة لأنه قد دلت النصوص على تحريم خاتم الذهب ونحوه

وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة رواه أحمد وهذا نهي عن التحلي بقليل الذهب مطلقا ومفهومه يدل على أنه لا يحرم منه ما ليس بتحلي

القسم الثاني التحلي به فيحرم على الرجل إن يتحلى بالذهب المفرد كالخاتم والسوار ونحو ذلك لما تقدم من قوله عليه السلام هذان حرام على ذكور أمتي ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب وعن ابن عمر رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب فجعله في يمينه وجعل فصه مما يلي باطن كفه فاتخذ الناس خواتيم الذهب قال فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب متفق عليهن وجاء ذلك من عدة وجوه وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة

قال أبو زيد الأنصاري يقال ما عليها خر بصيصة أي شيء من الحلي

فأما التابع من الذهب فيباح من حلية السيف مثل القبيعة نص عليه

وعنه ما يدل على المنع لما تقدم والأول أصح لما روى مزيدة العصري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة قال الراوي كانت قبيعة السيف فضة رواه الترمذي وذكر أحمد أنه كان لعمر بن الخطاب سيف فيه سبائك من ذهب وكان في سيف عثمان بن حنيف مسمار ذهب

ثم من أصحابنا من لا يبيح ألا القبيعة قال ابن عقيل قال أصحابنا هذا في القبيعة فإما تحلية جوانبه وحمائله ومنطقته بالذهب فلا يباح لأن القياس المنع مطلقا والمنصوص عن أحمد الإباحة في القبيعة وغيرها من حلية السيف مثل المسمار فيه والسبائك للأثر في ذلك ولعدم الفرق

وأم تحلية غير السيف ففيه ثلاثة اوجه موميا إليها في كلامه

أحدها وهو قول القاضي وأكثر أصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب لا يباح لأن العموم والقياس يقتضي التحريم مطلقا وإنما خص من ذلك السيف للأثر فيبقى الباقي على الأصل

والثاني وهو قول أبي بكر وغيره أنه يباح التحلي باليسير منه مطلقا إذا كان على وجه التبع كما تقدم في اللباس وأولى

والثالث أنه يباح في السلاح دون غيره قال الامدي فأما استعمال الذهب في سلاحه كالمسمار في السيف والسبائك فيه وقبيعة السيف ونعله فيجوز وهذا أبين في كلام أحمد قال في رواية الاثرم وإبراهيم بن الحارث في الفص يخاف إن يسقط يجعل فيه مسمار من ذهب قال إنما رخص في الأسنان يعني وما كان لضرورة قيل له قد كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب قال ذاك الآن سيف وذلك لأن المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه فجاز إن يحلى بما يفيد إرهاب العدو وخيلاء المسلم تكميلا لهذا المقصود ولذلك جاز لبس الحرير حين القتال ولأن اللت ونحوه في معنى السيف على هذا القول فيخرج فيه وجهان كالفضة

أحدهما الجواز وهو قول الامدي ذكره في المنطقة وفي حمائل السيف

والثاني المنع قاله جماعة وحكاه القاضي عن أحمد

وسائر مسائل التحلي في الزكاة

مسألة ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه اجزأه ذلك

أما الصلاة في ثوب واحد إذا ستر عورته ومنكبيه فلا بأس بها لما روى جابر إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد متوشحا به متفق عليه وقال عمر بن أبي سلمة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد متوشحا به قد ألقى طرفيه على عاتقيه رواه الجماعة لكن الأفضل إن يصلي في ثوبين لما روى أبو هريرة قال قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال أوكلكم يجد ثوبين رواه الجماعة ألا الترمذي زاد البخاري ثم سأل رجل عمر فقال إذا وسع الله فأوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء في سراويل ورداء في سراويل وقميص في سراويل وقباء في تبان وقباء في تبان وقميص قال واحسبه قال في تبان ورداء وهذا يدل على إن عادته كانت الصلاة في ثوبين ويدل على إن الإذن في الثوب الواحد إنما وقع رخصة وذلك لأن المقصود من اللباس التزين لله في الصلاة ولذلك جاء باسم الزينة في القران ولهذا كان تميم الداري قد اشترى حلة بألف درهم فكان يصلي فيها بالليل وقال نافع راني ابن عمر وإنا أصلي في ثوب واحد فقال ألم اكسك قلت بلى قال ارأيتك لو بعثتك في حاجة كنت تذهب هكذا قلت لا قال الله أحق إن تزين له رواه ابن بطة ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فالله أحق إستحياء منه

ويستحب له أيضا تخمير الرأس بالعمامة ونحوها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي كذلك وهو من تمام الزينة والله تعالى أحق من تزين له وقد روي عن ركانة بن عبد يزيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس رواه أبو داود والترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقائم وعن أبي المليح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتموا تزدادوا حلما رواه هشام بن عمار وهو مرسل وقد روى أبو حفص مرفوعا صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة إن الله وملائكته يصلون على المتعممين

والاستحباب كذلك في حق الإمام اوكد نص عليه لأن صلاة المأمومين مرتبطة بصلاته وهو أحد المصلين ومتقدمهم وهم ينظرون إليه ويقتدون به ولهذا كان استحباب التزين في الجماعات العامة مثل الجمعة والعيد ونحو ذلك اوكد

فصل

وإذا صلى في ثوبين فأفضل ذلك ما كان اسبغ وهو القميص والرداء ثم القميص مع السراويل ثم القميص مع الإزار ثم الرداء مع الإزار ثم الرداء مع السراويل

وإنما استحببنا مع الرداء الإزار لأنه كان عادة الصحابة ولأنه لا يحكي تقاطيع الخلقة واستحببنا السراويل مع القميص لأنه استر ولا يحكي الخلقة مع القميص وقد روي عن ابن عباس قال لما اتخذ الله إبراهيم خليلا قيل وار من الأرض عورتك فاتخذ السراويلات ورواه أبو محمد الخلال مرفوعا عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إبراهيم الخليل إذا صلى ذكر كلمة فكره له ربي عز وجل ذلك فبعث جبريل فأتى بثوب فقطعه سراويل فأعطاه وخيطه ولبسه إبراهيم فقال ما استر هذا وأحسنه

وعن أبي إمامة قال قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يسرولون ولا يأتزرون قال تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب رواه حرب والقميص وحده أفضل من الرداء لأنه استر وأوسع قالت أم سلمة كان احب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن والإزار وحده أفضل من السراويل وحده لما تقدم

فصل

وأما إذا جرد منكبيه مع قدرته على سترتهما فلا تصح صلاته في الجملة نص عليه في مواضع ونص على أنه إذا ستر منكبا وأبدى الآخر له كره ذلك ونص في موضع على أنه لا إعادة عليه فمن أصحابنا من اقر النص على ظاهره وقال تصح صلاته إذا ستر أحدهما دون ما إذا جردهما

ومنهم من قال لا تصح حتى يسترهما لإطلاقه الكراهة لذلك وجعل النص الثاني رواية أخرى أنه تصح الصلاة بدون الستر مطلقا مع القول بوجوبه كما قالوا في المواضع المنهي عنها ومنهم من جعل الروايتين في وجوب ستر المنكبين

ثم إذا قلنا بوجوبه ففي صحة الصلاة بدونه روايتان

وعنه رواية أخرى أنه لا يكره كشف أحد المنكبين أصلا بناء على إن ذلك هو اشتمال الصماء لأنه ليس بعورة ولا يجب ستر مخارج الصلاة فأشبه الرأس

والمذهب أنه لا تصح الصلاة مع تجريد المنكبين لقوله سبحانه { خذوا زينتكم عند كل مسجد } وما يستر المنكبين داخل في مسمى الزينة شرعا وعرفا فإنه يفهم من ذلك ا ن لا يكون عريانا وإنما يزول التعري بستر المنكبين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء رواه البخاري ورواه مسلم وقال على عاتقيه وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يصلى في لحاف لا يتوشح به وإن تصلي في سراويل ليس عليك رداء رواه أبو داود وهذا يدل على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفساد الصلاة معه وعن سهل بن سعد قال كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أكتافهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا متفق عليه وعن جابر وأبي سعيد إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر رواه أحمد ولولا إن ستر المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأزر وخوف بدو العورة ولوجب تكميل ستر العورة حتى يؤمن النظر إليها ولأن المقصود من الاستتار في الصلاة التزين لله بدليل أنها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة فإن المرأة الحرة يجوز لها إن تقعد في بيتها مكشوفة الرأس وكذلك بين النساء ولا تجوز صلاتها ألا مختمرة وكذلك يجوز للإنسان إن ينظر إلى عورة نفسه ولا تصح صلاته كذلك وفي إبداء المنكبين خروج عن التزين مطلقا ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأن أحدا يجالس في مثل هذا الحال ولا إن يكشفه بين الناس والرأس بخلاف ذلك ولأن من جرد منكبيه يسمى عاريا وإن كان مختمرا ومن سترهما مع عورته سمي كاسيا وإن كان بلا عمامة والتعري مكروه بين الناس لغير حاجة فجاز إن يكون شرطا في الصلاة ولهذا لم يشرع التعري ألا في الإحرام وإنما شرع كشف الرأس خاصة ونهيه صلى الله عليه وسلم إن يطوف بالبيت عريان يعم تعرية المنكبين وتعرية السوءتين

إذا ثبت هذا فإنما كرهنا كشف أحدهما أيضا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اشتمال الصماء ومعناها إبداء المنكبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقرن بين إشتمال الصماء وبين الاحتباء في ثوب واحد فعلم إن كشف المنكب يشبه كشف السوءة ثم من قال من أصحابنا لا يجوز كشف واحد منهما احتج بذلك وبظاهر قوله ليس على عاتقيه منه شيء ولأنه أحد المنكبين فوجب ستره كالآخر ولقوله عليه السلام إذا كان الثوب واسعا فالتحف به وفي لفظ تتعاطف به على منكبيك ثم صل ونهيه إن يصلي في لحاف لا يتوشح به وإن يصلي في سراويل ليس عليك رداء وهذا أمر بستر المنكبين

ومن فرق على المنصوص قال النهي إنما جاء إن يصلي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء أو على عاتقيه فمتى ستر أحدهما فقد صار على عاتقه منه شيء وجاز أن يقال على عاتقيه منه شيء وإن كان على أحدهما كما قال تعالى { وجعل القمر فيهن نورا } وهو في إحداهن وقال سبحانه { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وإنما يخرج من الملح وحده

فصل والواجب ستر المنكب عند القاضي وغيره من أصحابنا لأمره بالتوشح والتعاطف والارتداء فإن ذلك يقتضي الستر

وقال كثير منهم إذا ترك على منكبيه شيئا ولو خيطا أو حبلا أجزأ لقوله ليس على عاتقه منه شيء وقال إبراهيم النخعي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد أحدهم ثوبا يصلي فيه وضع على عاتقيه عقالا ثم صلى وقال أيضا السيف بمنزلة الرداء كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون في سيوفهم رواهما سعيد في سننه وقال بعضهم إن وضع على عاتقه شيئا من اللباس الذي يصلح لستر أجزأه ولو كان يصف البشرة أو كان لا يستوعب العاتق فأما ما لا يقصد به الستر كالحبل والخيط فلا يجزيه

فصل ويصح النفل مع إبداء المنكبين في أشهر الروايتين

والأخرى لا يصح كالفرض لعموم الحديث ولأن باب الزينة واللباس لا يفترق فيه الفرض والنفل

ووجه الأول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الليل بالثوب الواحد بعضه على أهله والغالب إن الثوب لا يكفي لذلك مع لستر المنكبين ولأن النفل يجوز قاعدا أو راكبا موميا كل ذلك تسهيلا لطريقه والعادة إن الإنسان في بيته قد يكون عاري المنكبين بخلاف الفرض فإنه يشترط له أكمل الأحوال وأفضلها

فصل ويستحب للمرأة إن تصلي في ثلاثة أثواب درع وخمار وجلباب تلتحف به أو إزار تحت الدرع أو سراويل فإنه أفضل من الإزار لما روي عن ابن عمر أنه قال تصلي المرأة في الدرع والخمار والملحفة رواه حرب وعن عائشة أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع فتسبل الإزار فتجلبب به وكانت تقول ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها الخمار والجلباب والدرع رواه سعيد وذكر إسحاق عن ابن عمر أنها كانت تصلي في درع وخمار وإزار تحت الدرع ويذكر في الحديث يرحم الله المتسرولات ولا تضم ثيابها في حال قيامها لئلا يبدو تقاطيع خلقها

مسألة فان لم يجد ألا ما يستر عورته سترها

هذه المسألة لها صورتان

إحداهما ان لم يجد إلا ثوبا يستر عورته فقط أو منكبيه فقط فإنه يستر العورة ويصلي قائما عند كثير من أصحابنا

وقال القاضي وطائفة بل يستر المنكبين ويصلي جالسا موميا لأن نص أحمد في الصورة الثانية يدل على إن ستر المنكبين مع ستر العورة بالقعود أولى من ستر العورة فقط وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى إن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ولم يفرق فمتى ستر العورة به فقد ارتكب النهي

وحمل أبو بكر والقاضي الأحاديث التي تخالف ذلك على النافلة فإن ستر المنكب فيها ليس بواجب وهذا لأن ستر المنكب لا بدل له وستر العورة له بدل وهو الجلوس بالأرض وضم فخذيه على عورته

والأول اصح لما روى جابر بن عبد الله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به متفق عليه وفي رواية لأحمد إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء ولأن ستر العورة أولى لأنها اغلظ وافحش وهو مجمع على وجوبه وواجب داخل الصلاة وخارجها في الفرض والنفل وستر جميعها واجب اتفاقا بخلاف المنكب ولأنه إذا ستر المنكب فوت القيام وستر العورة المخففة وتكميل الركوع والسجود ولا يفوت بستر العورة ألا ستر المنكب فقط ومعلوم إن هذا أخف فيكون التزامه متعينا

الصورة الثانية إن يستر الثوب منكبيه وعجيزته أو عورته فالمنصوص هنا إن يستر منكبيه وعجيزته ولا يقتصر على عورته فمن أصحابنا من قال بذلك هنا وفرق بين هذه الصورة والتي قبلها لأنه هنا إذا ستر عجيزته وقعد لم يبق من عورته شيء ظاهر ألا اليسير الذي يعفى عنه من أفخاذه ولم يفته ألا القيام ولأنه يتمكن من الركوع والسجود بالأرض ويحصل له ستر المنكبين وهو واجب والستر الواجب مقدم على القيام كما سيأتي

وستر المنكب وإن سقط في النفل كما يسقط القيام لكن السقوط القيام فيه ثابت بالنص والإجماع والقيام يسقط عن المأموم إذا ائتم بإمام راتب قعد لمرض عارض لتحصيل الجماعة وقد علله النبي صلى الله عليه وسلم بأن في ذلك تعظيما للإمام كما يعظم الأعاجم بعضهم بعضا فيكون ستر المنكب اوكد منه لذلك

وقد احتج أحمد لذلك بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعقدون أزرهم وتبدو بعض عوراتهم في السجود فعلم إن ستر المنكب اوكد من ستر بعض العورة

ومن أصحابنا من سوى بين هذه الصورة والتي قبلها في أنه يستر عورته ويصلي قائما لظاهر الخبر المتقدم والمحافظة على القيام وستر بقية العورة أوجب من ستر المنكب لأن القيام واجب بالإجماع والعورة يجب سترها في الصلاة وخارجها والفرض والنفل فكان أولى وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى

مسألة فان لم يكف جميعها ستر الفرجين فإن لم يكفهما ستر أحدهما

ذلك لأن الفرجين اغلظ من غيرهما وإنما صار غيرهما عورة لمجاورتهما تبعا لهما

وكونهما عورة ثابت بالنص المتواتر والإجماع فيكون سترهما مقدما على ستر غيرهما فإن خالف وستر غيرهما لم يصح لأنه ترك الستر الواجب فإن لم يكف الفرجين ستر أحدهما أيهما كان لأن كلاهما عورة مغلظة مجمع عليها لكن ستر أيهما أولى فيه وجهان

أحدهما القبل لأنه يستقبل به القبلة ولأنه يبرز إذا صلى قائما ولأنه اغلظ بدليل إن من العلماء من يجوز استدبار القبلة دون استقبالها ولأنه يكره استقبال الشمس والقمر عند التخلي دون استدبارهما ولأن القبل عورة ناتية ظاهرة والدبر عورة داخلة كامنة فكان ستر ما ظهر من العورة أولى

والوجه الثاني الدبر وهو اصح بناء على صلاته جالسا أفضل فيستر القبل بجلوسه وضم فخذيه فإذا ستر الدبر أمكنه السجود بالأرض ولو ستر القبل فأما إن يسجد بالأرض فيفضي بدبره إلى السماء أو يومىء بالسجود فيفوت كمال الركن

مسألة فان عدم بكل حال صلى جالسا يومىء بالركوع والسجود وإن صلى قائما حاز

المشهور عن أحمد إن العريان ينبغي له إن يصلي قاعدا يومئ بركوعه وسجوده وهو اختيار الخرقي وأبي بكر وعامة الأصحاب فإن صلى قاعدا أو سجد بالأرض جاز وهو أفضل من إن يصلي قائما وإن صلى قائما وسجد بالأرض جاز أيضا مع الكراهة فيهما هكذا ذكر أصحابنا

وعنه أنه يجب إن يسجد بالأرض سواء صلى قاعدا أو قائما اختاره ابن عقيل وكان أبو بكر يقول هذا قول لأبي عبد الله أول فأما القيام فلا يجب قولا واحدا

ووجه هذه الرواية إن السجود ركن في الصلاة مقصود لنفسه بل هو أفضل أركانها الفعلية وهو مجمع على وجوبه فكان مراعاته أولى من مراعاة السترة ولقد كان القياس يقتضي إيجاب القيام أيضا لذلك ألا أنه أخف من السجود ولسقوطه مع القدرة في النافلة وخلف إمام الحي إذا صلى قاعدا وهو مريض يرجى برؤه وأنه يطول زمنه وإن فيه إفضاء بعورة بارزة خارجة إلى جهة القبلة فلما فحشت العورة فيه وطال زمن كشفها وخف أمره كان الاعتياض عنه بالستر أولى بخلاف السجود فإن زمنه قصير وهو اعظم أركان الصلاة ولا يبدو فيه ألا عورة الدبر وهي أخف من القبل والأول المذهب لما روى سعيد وأبو بكر وغيرهما عن نافع عن ابن عمر في قوم انكسرت بهم مراكبهم في البحر فخرجوا عراة قال يصلون جلوسا يومئون برؤوسهم إيماء

ولم يبلغنا عن صحابي خلافه ولأنه إذا صلى قاعدا موميا فقد أتى ببدل القيام والركوع والسجود بل قد أتى بركوع وسجود هو بعض الركوع والسجود التامين فإن الإيماء بالرأس يدخل في عموم الأمر بالركوع والسجود أو أتى ببعض الركوع والسجود الواجبين مع التمكن وهذه صلاة مشروعة في الجملة للراكب على الراحلة والمريض أيضا وأتى أيضا بمعظم الستر وهو ستر العورة المغلظة فإنه إذا انضام ستر قبله بفخذيه وستر دبره بالأرض ولم يفته ألا تكميل الأركان وتكميل الشرط المعجوز عنه وهذا غير خارج عن جنس الصلاة المشروعة

أما إذا قام وسجد بالأرض فإنه يستقبل القبلة بقبله حال القيام والسماء بدبره منفرجا حال السجود ويكشف في الجملة عورته وهذه الأشياء محرمة خارج الصلاة فكيف تكون في الصلاة ولهذا لم يشرع مثل هذه الصلاة في موضع آخر أبدا لا سيما إن كان العراة جماعة أو كان العريان في فضاء من الأرض فإن كشف عورته يتفاقم فحشه والستر أهم من تكميل الأركان لأنه يجب في الصلاة وخارج الصلاة وتكميل الأركان إنما يجب في الصلاة وما كان مقصودا في نفسه ومقصودا للصلاة فهو أولى مما يقصد في الصلاة فقط لا سيما والستر يعم جميع أركان الصلاة والركن ينقضي في أثنائها يوضح هذا إن تكميل الأركان واجب في غير هذا الموضع وكذلك كشف عورته والإفضاء بها إلى اشرف الجهات محرم في غير هذا الموضع في غير الصلاة وهو في الصلاة أشد قبحا وتحريما فإذا كان هذا الموضع لا بد فيه من التزام بدل واجب أو فعل محرم كان ترك الواجب اسهل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه فالمنهي عنه يجب تركه بكل حال والمأمور به إنما يجب فعله في حال دون حال ولهذا لو لم يمكنه فعل فرائض الصلاة ألا بارتكاب محرم لم يجب فعلها ألا ترى أنه لو لم يمكنه ثوب يلبسه سقط عنه حضور الجمعة والجماعة مع إن الجمعة من اوكد الواجبات وإن شهود الجمعة والجماعة اوكد من تكميل الأركان بدليل إن المريض الذي يمكنه إتمام الأركان في بيته ولا يمكنه إتمامها في الجماعة فإن صلاته في الجماعة أفضل

وقد كان يتوجه إن لا تصح صلاته قائما لذلك وإنما صححناها لأنه يعتاض عن ستر العورة بتكميل الأركان وهو مقصود في الجملة ولأنه إذا لم يكن بد من الإخلال ببعض فروض الصلاة لم يتعين أحدها لكن الأحسن ما كان أشبه بالأصول ولأن الستر قد عجز عنه ألا بترك واجب آخر كما عجز عن تكميل الأركان ألا بترك واجب فصارت الأدلة الموجبة لأحدهما بعينه معارضة كالأخرى وهل يصلون متربعين أو منضامين على روايتين ذكرهما الآمدي

إحداهما يتربعون كسائر من يصلي جالسا من المريض والمتنفل

والثانية انهم ينضامون ولا يتربعون نص على ذلك وهو الصحيح لأن ذلك استر فكانت رعايته أولى من رعاية هيئة مستحبة ولهذا استحببنا للمرأة إن تنضام في ركوعها وسجودها وإن كان التفرج هو المسنون للرجال ولهذا لم يسن للمرأة بشيء من هيئات العبادات التي هي مظنة ظهورها كالرمل والاضطباع والرقي على الصفا والمروة ومزدلفة ورفع الصوت بالإهلال فكيف بهيئة تظهر بها العورة المغلظة من الرجل

فصل

فان لم يمكنه تكميل السجود ألا بانتفاض طهارته مثل إن يطعن في دبره فيصير الريح يتماسك في حال جلوسه فإذا سجد خرجت منه فإنه يسجد بالأرض نص عليه

ومن أصحابنا من خرج أنه يومىء كالعريان وكإحدى الروايتين في المصلي في الموضع النجس لأن الطهارة شرط فأشبهت السترة بل هي اوكد من السترة للإجماع على وجوبها وللاختلاف في سقوطها بالعجز بخلاف الستارة والمنصوص أقوى لأن السجود ركن مقصود لنفسه فلا يجوز تركه مع القدرة إذا لم يكن في فعله مفسدة

والفرق بين الطهارة والستارة إن الطهارة إنما تراد للصلاة والمقصود لا يصعب لتكميل الوسيلة ولهذا كانت الطهارة شرطا محضا لا تجب في غير الصلاة ألا إن يكون لصلاة أخرى وأما الستارة فأمر مقصود في نفسه واجب في نفسه ومقصود في الصلاة واجب لها وكشف السوءة محرم وأيضا فإن من جنس الحدث الدائم ما يصلى معه كما في المستحاضة والسلس والجريح فأما سجود الإنسان مفضيا بسوءته إلى السماء فلا عهد لنا به في الشرع

مسألة ومن لم يجد ألا ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلى فيهما ولا إعادة عليه

أما من لم يجد ألا ثوبا نجسا فإنه يجب إن يصلي فيه

وخرج بعض أصحابنا أنه يصلي عريانا بناء على إن صلاة حامل النجاسة تجب إعادتها في رواية وصلاة العريان لا تجب إعادتها إجماعا ولأن اجتناب النجاسة يجب في البدن والثوب والبقعة وستر العورة يختص موضعها

والأول هو المذهب المعروف من غير خلاف عن أبي عبد الله رضي الله عنه

ذكر ابن أبي موسى فيمن لم يجد ألا ثوبا نجسا وصلى فيه هل يعيد على روايتين ولو لم يصل فيه أعاد قولا واحدا لأن مصلحة الستر أهم من مصلحة اجتناب النجاسة لأنه يجب في الصلاة وغيرها وثبت وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع المتقدم وسمى الله تركه فاحشة بخلاف اجتناب النجاسة ولأن هذا الثوب يجب لبسه قبل الصلاة فلم تصح صلاته بدونه كما لو لم يجد ألا ثوب حرير أو ما يستر بعض عورته ولأنه إذا تعرى سقط القيام والركوع والسجود الكاملان وحصل الإخلال بالشرط وإذا لبس الثوب النجس لم يحصل ألا الإخلال بشرط مختلف فيه بين السلف فكان أولى وأنها لم تجب الإعادة على العريان لأن اللباس فعل أمر به وقد عجز عنه فأشبه ما لو عجز عن الاستقبال أو القراءة أو الركوع أو السجود وهو عذر غالب واجتناب النجاسة هو من باب الترك والعجز عن أزالتها عذر نادر فلهذا فرق من فرق بينهما ألا ترى إن مفسدة التعري في الوقت لا تنجبر باللباس بعد خروج الوقت لأن مفسدته لا تختص الصلاة بخلاف حمل النجاسة فإن مفسدته تختص الصلاة

فصل

وأما الإعادة ففيها روايتان حكاهما ابن أبي موسى وهو من أوثق الأصحاب نقلا وأقربهم إلى نقل نصوصه وحكاهما غيره

وأما القاضي وأصحابه ومن تبعهم فذكروا أنه نص هنا على الإعادة ونص في مسألة المكان النجس على عدم الإعادة

ثم أكثر هؤلاء جعلوا في المسألتين روايتين بطريق النقل والتخريج كما في نجاسة البدن المعجوز عن أزالتها وكما في عدم الماء والتراب وجعلوا هذا النص بناء على قوله بوجوب الإعادة في النجاسة المعجوز عنها وقد وافقوا في هذا التخريج لما نقله ابن أبي موسى

وعلى هذا فالصحيح أنه لا إعادة عليه في شيء من ذلك كما إن الصحيح إن لا إعادة في النجاسة المعجوز عن إزالتها وكما في المنسية والمجهولة وأولى فإن طهارة الحدث والسترة تسقط بالعجز ولا تسقط بالنسيان ولأن العاجز فعل ما أمر كما أمر وامتثال الأمر يقتضي الأجزاء بفعل المأمور به فمن امتثل ما أمره الله به فلا إعادة عليه البتة لأن الله تعالى لم يفرض على عباده ألا صلاة واحدة وقد قال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم لما فاتتهم الصلاة وسألوه عن الإعادة مرتين أينهاكم عن الربا ويقبله منكم فكيف بمن لم يفوت وإنما اتقى الله ما استطاع

وطرد هذا إن لا تجب الإعادة على من تيمم في الحضر لعدم الماء أو خشية أذى البرد ونحوهم وقد ثبت بالسنة الصحيحة إن المستحاضة تصلي مع وجود النجاسة ولا إعادة عليها وقد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دما ولم يعد ولأنا لو أوجبنا عليه الإعادة إذا صلى في ثوب نجس ولم نوجبها إذا صلى عريانا لكان التعري احسن حالا فكان ينبغي إن يصلي عريانا وقد تقدم تضعيف ذلك

ومن أصحابنا من فرق بين مسألتي المكان والثوب على ظاهر ما بلغه من النص بأنه هنا قادر على اجتناب النجاسة وعلى الاستتار لكن إنما يمكنه كل واحد منهما بتقريب الآخر فإذا تزاحما قدمنا اوكدهما ثم أوجبنا القضاء لكونه قادرا على اجتناب النجاسة من بعض الوجوه بخلاف المحبوس وبكل حال فعليه إن يتقي النجاسة ما أمكن فإذا كان معه ثوبان نجسان صلى في اقلهما نجاسة

وإن كانت النجاسة في طرف ثوب كبير استتر بالطاهر منه وإن كان حاملا للنجاسة لأن محذور الحمل بدون الملاقاة اقل من محذورهما جميعا وقد تقدم حكم من لم يجد ألا ثوب حرير أو ثوبا مغصوبا

فصل

وأما من لم تمكنه الصلاة إلا في موضع نجس كالمحبوس فيه إذا لم يكن عنده ما يحتجر به فإنه يصلي فيه بلا خلاف لأنه لا يقدر على غير ذلك وفي الإعادة روايتان

المنصوص منهما أنه لا إعادة عليه وهي الصحيحة وكذلك كل من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها أما بأن لا يجد لها طهورا أو يجده ولا يستطيع إزالتها لكونها على جرح يضره الماء

فان قلنا يعيد على إحدى الروايتين فلأنها إحدى الطهارتين ولم يأت بها ولا ببدل عنها فأشبهت طهارة الحدث ولأنه قد ترك العبادة لعذر نادر غير متصل فأشبه صوم المستحاضة والأول اصح لما تقدم ولأنه شرط عجز عنه فلم تلزمه الإعادة من أجله كالسترة والقبلة حال المسايفة هكذا ينبغي إن يكون الكلام إذا حبس في المواضع المنهي عن الصلاة فيها كالحش والحمام والإعادة هنا اضعف لأنه في هذه الحال ليس بمنهي عن الصلاة فيها فأشبه المصلي في الثوب الحرير إذا لم يجد غيره

وإذا اقيمت الجمعة في مكان مغصوب فإنه يصلي فيه ولا يحل لأحد تركها نص عليه لأن الجمعة لا تفعل ألا في مكان واحد فلو لم يشهدها لأفضى إلى تركها بالكلية ولهذا تصلي خلف كل إمام برا كان أو فاجرا وكذلك تصلى خلف الإمام وإن كان ثوبه حريرا أو مغصوبا لذلك

ثم إن أمكنه الاقتداء بالإمام في غير المكان المغصوب لم يجز الدخول إليه وألا جاز للضرورة ولا يتفل فيه لعدم الضرورة

وإذا كان الإمام جاهلا بالغصب فإن صلاته وصلاة من لم يعلم بالغصب وصلى فيها وصلاة من صلى خارجا عنها صحيحة إذا بلغوا العدد المعتبر لأن قصارى صلاة من صلى فيها عالما بالغصب إن تكون معدومة

وأما بدون ذلك ففي وجوب الإعادة روايتان خرجهما أصحابنا على الائتمام فيها بالفاسق

فأما المحبوس في مكان مغصوب فينبغي إن لا تجب عليه الإعادة قولا واحدا كمن لا يجد ألا الثوب الحرير لأن لبثه فيه ليس بمحرم عليه لأنه لم يدخل باختياره ألا إن يكون قادرا على الخروج بخلاف من لم يجد ألا الثوب المغصوب فإن التحريم ثابت في حقه هذه الطريقة الصحيحة

ومن أصحابنا من يجعل فيمن لم يجد ألا الثوب الحرير روايتين كمن لم يجد ألا الثوب النجس وعلى هذا فمن لم يمكنه إن يصلي ألا في الموضع المغصوب فيه الروايتان وأولى وكذلك من يكره على الكون بأماكن النجس والمغصوب بحيث يخاف من الخروج منه ضررا في نفسه أو ماله ينبغي إن يكون كالمحبوس في الموضع النجس والمحبوس في الموضع النجس يجلس في صلاته على قدميه لأن ما سواهما يمكن صونه عن النجاسة من غير إخلال بركن لأن إلصاق الآليتين بالأرض حال القعود ليس بواجب وأما السجود ففيه روايتان

إحداهما أنه يومىء إلى الحد الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة كالعريان

والثانية يسجد بالأرض لأنه فرض مقصود في نفسه ومجمع على افتراضه فأشبه من تنتقض طهارته بالسجود وأولى لأن طهارة الحدث اوكد من طهارة الخبث

فصل

ومتى بذل للعريان إعارة سترة لزمه قبولها كما يلزمه قبول الماء إذا وهب له والدلو والحبل إذا أعيره

وقيل لا يجب عليه قبولها كما لا يلزمه قبولها إذا بذلت له هبة وكما لا يلزمه قبول الماء في الحج والكفارات

وقد خرج وجه بأنه يلزمه قبول الهبة لأن العار في بقاء عورته مكشوفة أكثر من الضرر في المنة التي تلحقه لأشياء عند من قال من أصحابنا أنه يلزمه قبول المال في الحج فإن قبول السترة اوكد لأن فرض السترة لا يتوقف على وجودها وإنما يتوقف على القدرة على تحصيلها كالماء في الوضوء بدليل أنه لو أمكنه تحصيل السترة من المباحات لزمه ولا يلزمه تحصيل ما يحج به من المباحات

ووجه الأول وهو المشهور إن قبول العارية لا منة فيه في الغالب بخلاف قبول الهبة فصار قبولها كقبول الماء والتراب في الطهارة وكالاسترشاد إلى طريق الجامع ووجود السترة لا يعتمد وجودها وإنما يعتمد القدرة عليها وهي حاصلة بخلاف قبول الهبة فإن فيه ضررا عليه بالحق الذي يجب للواهب عليه وإمكان إلحاق المنة به قال بعض أصحابنا ولا يجب على مالك الثوب إن يعيره إذ لا ضرورة بالعريان إليه كما لا يجب عليه إن يبذل له ماء للوضوء مع أنه يجب عليه بذل الماء للعطش واللباس لخوف الضرر بالحر والبرد ونحو ذلك

وقياس المذهب إن هذا واجب لأن ستر العورة من الحوائج الأصلية التي لا تختص بالصلاة فمتى اضطر الإنسان إليه وجب بذله له وإن لم يخف ضررا بالتعري بخلاف الطهارة وكشف السوءة فيه ضرر على الإنسان في نفسه اعظم من كثير من الضرر الذي يلحقه في بدنه فيجب إعانته على إزالته ببذل الفضل كإغاثة الجائع والعطشان وأيضا فإن هذا بذل منفعة لتكميل عبادة هي واجبة في الأصل ولا ضرر في بذلها فوجب كتعليم الجاهل ودلالة الغريب على طريق الجامع ومناولة الماء والتراب لمالكهما وتوجيه الأعمى إلى القبلة بخلاف الماء فإنه بذل عين وبكل حال فالمستحب إن يبذل لهم السترة لأنه إعانة على تكميل العبادة فأشبه المتصدق على الرجل بالصلاة معه جماعة وأولى

ويبدأ بإعارة النساء قبل الرجال لأن عورتهن اغلظ

فصل

وإن لم يجد ألا حشيشا أو ورقا يربطه عليه لزمه الستر به لأنه مغط للبشرة من غير ضرر فأشبه الجلود والثياب وقد اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } وامرر النبي صلى الله عليه وسلم بمصعب بن عمير يوم أحد إن يجعل على رجليه شيء من الاذخر فإذا كان الاذخر كالثوب في ستر الميت فكذلك في ستر الحي

وإن لم يجد ألا طينا ففيه وجهان

أحدهما وهو اختيار ابن عقيل أنه يلزمه إن يتطين به بدل الثوب فما سقط منه سقط حكم الوجوب فيه وتحصل السترة بما بقي

والثاني لا يجب وهو اختيار الامدي وغيره وقيل أنه المنصوص قال أحمد لأنه يتناثر ولا يبقى وهو الصواب المقطوع به لأن السلف من الصحابة ومن بعدهم أمروا العراة الذين انكسر بهم المركب إن يصلوا بحسب حالهم مع العلم بأنه قد كان يمكنهم إن يجبلوا من ماء البحر بتراب البر فيصير طينا فإن أكثر السواحل يقرب منها التراب وأيضا فإن هذا مثله وهو ملوث مؤذ يتناثر رطبا ويابسا فلا يحصل به مقصود الستر في الغالب وأيضا فإن الفرائض من الجمعة والجماعة تسقط إذا خيف تأذيه بمطر أو بوحل مع سخونة الهواء فكيف يؤمر بأن يتطين وأيضا فسنبين إن شاء الله تعالى إنه لا يجب عليه إن يسجد على الطين فإذا سقط تكميل الركن لتلوث جبهته ويديه فتلويث جميع عورته أولى إن لا يجب

وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وإن كان كدرا وكذلك إن وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها لأن ذلك لا يحصل مقصود الستر الواجب لكن ينبغي إن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إذا أمكن لأن ذلك احسن من التعري في الفضاء ولذلك أمر المغتسل والمتخلي إن يستتر بما أمكنه من ذلك

وإن وجد سترة تضره كالبارية لم يلزمه الاستتار بها

فصل

إذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبة منه استتر وبنى لأنها حينئذ وجبت عليه وليس الاستتار بها عملا يبطل الصلاة فأشبه الأمة إذا أعتقت في الصلاة والخمار بقربها وإن كانت السترة بعيدة منه بحيث تكون مسافتها مما يبطل الصلاة يقطعها أو كان يحتاج إلى الاستتار بها إلى عمل كثير فإنه يستتر ويستأنف في ظاهر المذهب كالمتيمم إذا وجد الماء وقلنا يخرج وكالمستحاضة إذا انقطع دمها انقطاعا يوجب الوضوء وفيه وجه مخرج على من سبقه الحدث أنه يستتر ويبني كالوجه المخرج في المتيمم والمستحاضة

والصحيح الفرق بين من حدث المبطل له في أثناء الصلاة ومن كان المبطل موجودا معه من أولها لكن لم يظهر علمه للعذر كما تقدم وإنما نظير المتوضيء هنا الأمة إذا اعتقت في أثناء الصلاة والسترة بعيدة منها أو كان المصلي مستترا فاطارت الريح سترته واحتاج ردها إلى عمل كثير فإن هذا كالمتطهر الذي سبقه الحدث لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحا من غير قيام المبطل بخلاف العاري والمستحاضة والمتيمم فإن المبطل كان مقارنا لأول الصلاة وإنما عفي عنه للضرورة ولا ضرورة إذا زال العذر في أثناء الصلاة ولهذا قلنا إن الإمام إذا علم بحدث نفسه في أثناء الصلاة استأنف المأمومون الصلاة ولو لم يعلم حتى قضوا الصلاة لم يعيدوا

وإن وجد البعيد عن السترة من يناوله إياها من غير عمل بطلت في أحد الوجهين لانكشاف العورة زمنا طويلا بعد وجوب الستر

ولم تبطل في الآخر إذا ناوله إياها من غير تراخ وهو اختيار الامدي لأنه لم يوجد منه عمل وقد أتى بالستر على الوجه الممكن لأن وجوب الستر بالقدرة على الستر لا بنفس ظهور السترة

فصل ولا تسقط السترة بجهل وجوبها ولا نسيان لها كما تسقط بالعجز فلو نسي الاستتار وصلى أو جهل وجوبه أو أعتقت الأمة في أثناء الصلاة ولم تعلم حتى فرغت لزمتهم الإعادة قاله أصحابنا لأن الزينة من باب المأمور به فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث وهذا لأن الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه لأنه معفو عنه فإذا كان قد فعل محظورا كان كأنه لم يفعله فلا إثم عليه ولا تلحقه أحكام الإثم وإذا ترك واجبا ناسيا أو جاهلا فلا إثم عليه بالترك لكنه لم يفعله فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنا وبهذا يظهر الفرق بين الزينة واجتناب النجاسة ولأن التزين هو الأمر المعتاد الغالب فتركه مع القدرة لا يكون ألا نادرا فلم يفرد بحكم

فصل

ويعفى عن يسير العورة قدرا أو زمانا فلو انكشف منها يسير وهو ما لا يفحش في النظر في جميع الصلاة أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة أو انحل مئزره فربطه لم تبطل صلاته وسواء في ذلك العورة المغلظة والمخففة ألا إن ما يعفى عنه من العورة المخففة أكثر مما يعفى عنه من المغلظة لأنه يفحش من هذا في العرف أكثر مما يفحش من هذا

وقال القاضي وغيره هما سواء في مقدار العفو

وعن أحمد ما يدل على أنه لا يعفى عن يسير العورة كما لا يعفى عن يسير طهارة الحدث ولأنه يجب ستره عن العيون فاشترط ستره في الصلاة

وعنه التوقف في ظهور جميع العورة إذا أعاد الستر بسرعة

وحكي عنه إن اليسير إذا طال زمانه ابطل وإن لم يبطل الكثير إذا قصر زمانه وقال أبو الحسن التميمي إن بدت عورته وقتا واستترت وقتا فلا إعادة عليه ولم يقيده بالزمن اليسير لظاهر حديث عمرو بن سلمة

والأول هو المشهور لما روى عمرو بن سلمة في قصة إسلام قومه لما ذكر أنه صلى بقومه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني فقالت أمرأة من الحي ألا تغطوا عنا أست قارئكم فقطعوا لي قميصا رواه البخاري ومن احتج بهذا قال هذه قضية جرت لهؤلاء الصحابة ولا يكاد مثلها يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم وسائر أصحابه ولم ينكر فصارت حجة من جهة إقراره ومن جهة إن أحدا من الصحابة لم ينكر ذلك ولا يقال فانتم تقولون بهذا في إمامة الصبي في الفرض لانا سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في موضعه ولأنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر وكانوا يعقدون أزرهم على أكتافهم ولولا إن يسير العورة يعفى عنه لأمر الرجال بإعادة الصلاة منه كما أمر النساء بغض أبصارهن عنه أو لأمر بذلك من كان يمكنه الاتزار بإزار واسع ولأمرهم بالائتزار على وجه لا يؤدي إلى كشف شيء من العورة بأن يأتزروا على العورة فقط كما ذكره في الإزار الضيق فإن ستر العورة أهم من ستر المنكب فإن الناس قائلان قائل يقول يجب عليه إن يستر العورة ويسجد وقائل يقول يستر المنكب ويصلي جالسا مومئا فأما إن يستر المنكب ويسجد مكشوف السوءة فليس بجائز وفاقا وأيضا فإن ذلك يشق عموم الاحتراز منه فإن المأزر والسراويلات تنحط في العادة عن السرة قليلا والمرأة يبدوا أطراف شعرها ورسغها كثيرا وأكثر الفقراء لا تسلم أثوابهم من يسير فتق أو خرق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد أولكلكم ثوبان فلم يوجب من السترة ألا ما يجده عامة الناس دون ما يجده ذوو اليسار وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبدو بعض فخذه فعلم أنه ليس بمحرم ولأنه لما عفي عن الكثير في الزمن اليسير فكذلك اليسير في الزمن الكثير ولأنه شرط للصلاة ليس له بدل فعفي عن يسيره كاجتناب النجاسة وطرده القبلة في الانحراف اليسير والنية في تقدمها بالزمن اليسير ولأنه إخلال بيسير من الشرائط يشق مراعاته في الجملة فعفي عنه كيسير النجاسة وطرده طهارة الحدث عفي فيها عن باطن الشعور الكثيفة لما شقت مراعاتها بخلاف البشرة الظاهرة فإنه لا يشق غسلها ولأن الصلاة تصح مع كثيرها للضرورة فجاز إن تصح مع يسيرها مطلقا كالعمل الكثير والمناسبة في هذه الاقيسة ظاهرة

وحد اليسير ما لا يفحش في النظر في عرف الناس وعادتهم إذ ليس له حد في اللغة ولا في الشرع وإن كان يفحش من الفرجين ما لا يفحش من غيرهما

فصل

والعراة يصلون جماعة ويقف أمامهم وسطهم لأنهم من أهل الجماعة وهي واجبة عليهم ولأن الجماعة مشروعة في الخوف مع ما فيها من العمل الكثير وفراق الإمام وغير ذلك فلان تشرع هنا أولى ويؤمر كل واحد منهم بغض بصره كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بغض أبصارهن عن الرجال

ويصلون صفا واحدا إن أمكن وإن ضاق المكان عنهم فقيل يصلون جماعتين

وقيل بل يصلون صفوفا وهو اصح

وإن كانوا رجالا ونساء والمكان واسع صلى كل نوع لأنفسهم وإن كان ضيقا صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال

وإن بذلت سترة واحدة للعراة فقال أصحابنا يصلون فيها واحد بعد واحد لأن مصلحة الستر أهم من مصلحة الجماعة ألا إن يخافوا ضيق الوقت فيستتر بها أحدهم ويصلي الباقون عراة

وقيل يصلون فيه واحد بعد واحد وإن فات الوقت لأن المحافظة على الشرط مع إمكانه أولى من إدراك الوقت كما لو وجد ماء لا يمكنه استعماله ألا بعد فوات الوقت أو سترة يخاف فوات الوقت إن تشاغل بالمشي إليها والاستتار بها

والأول مذهب لأن من خوطب بالصلاة في أول الوقت وهو عاجز عن شرط أو ركن في الحال قادرا على تحصيله بعد الوقت لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة أو الركوع أو السجود وغير ذلك من الشرائط والأركان يؤخر الصلاة إلى إن يقدر على ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على ذلك وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع فإن رعاية الشرع للوقت اعظم من رعايته لجميع الشرائط والأركان المعجوز عنها ولهذا لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها البتة للعجز عن بعض الأركان ومتى ضاق وقت الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل قدم الفعل في الوقت بدون الشرط وإنما تكون المحافظة على الشرط أولى إذا كان الوجوب في آخر الوقت مثل نائم يستيقظ آخر الوقت فإن الصلاة واجبة عليه حينئذ فعلها بشروطها كما لو استيقظ بعد الوقت

وأما إن وجد سترة يخاف فوت الصلاة بالمشي إليها والتشاغل بالاستتار فإن كانت الصلاة قد أمر بها في أول الوقت أو وسطه والسترة بعيدة بحيث لا يصل إليها ألا بعد فوت الوقت فهذا يجب عليه إن يصلي عريانا وهذه مسالة العراة المتقدمة فإنه ما من عار ألا وهو يرجو الكسوة فيما بعد فإن أحدا من الناس لا يكاد يبقى عاريا على الدوام وهذا لأن وقت الصلاة يتسع للاستتار والفعل على الوجه المعتاد لو كانت السترة مكنة فإذا تعذرت سقطت

وكذلك إن استيقظ آخر الوقت والسترة بعيدة عنه بعدا لا يجب عليه طلبها منه فأما إن استيقظ آخر الوقت والسترة قريبة منه بحيث لا تجوز صلاته ألا بها فهنا لا يتسع ما بقي من الوقت للسترة والفعل على الوجه المعتاد فلا تكون السترة متعذرة فيكون الوقت متسعا لشرائط الصلاة وأفعالها بخلاف مسألة الواحد بعد الواحد فإن الوقت متسع للسترة لو كانت ممكنة وإنما السترة متعذرة وفرق بين تعذر ينشا من ضيق الوقت وتعذر ينشا من تعذر الشرط فإن نشأ من ضيق الوقت وسعه الشارع وإن نشا من تعذر الشرط على الوجه المعتاد أسقطه الشارع ولهذا لو كانوا في سفينة أو موضع ضيق لا يمكن جميعهم الصلاة قياما صلى واحد بعد واحد ألا إن يخافوا فوت الوقت فيصلي واحد قائما والباقون قعودا تقديما للصلاة في الوقت على ركن القيام وقد تقدم مثل هذا الكلام في الطهارة وسيجيء مثله في استقبال القبلة إن شاء الله

وإن كانت السترة ملكا لبعضهم لم تصح صلاته ألا فيها وينبغي له إن يعيرها لسائرهم ليصلوا فيها كما تقدم ألا إن يضيق الوقت فينبغي إن يعيرها لمن هو أحق بالإمامة وإن أعارها لغيره جاز

وإن بذل الثوب لهم مطلقا وقد ضاق الوقت اقرع بينهم فمن قرع فهو أحق به ألا إن يكون أحدهم أولى بالإمامة فهو أولى به وإن كانوا رجالا ونساء فالنساء أحق ومتى لم يستتروا ألا واحد لضيق الوقت أو لعدم الإعارة فإنه يؤمهم الكاسي ويتقدم إمامهم قال بعض أصحابنا يستحب ذلك وقياس المذهب إن إمامته واجبة لأنه الجماعة واجبة على جميعهم وهي لا تمكن ألا كذلك ألا إن يكون أميا فإنه يصلي وحده لأنه لا يجوز إن يؤمهم لأنه أمي وهم قراء أو أحدهم ولا يأتم لأنه كاسي وهم عراة

فصل

يكره السدل في الصلاة وهو إن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه إلى كتفه الآخر وقال الامدي وابن عقيل السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن قدميه ويجره فيكون من باب إسبال الثوب

والتفسير الأول هو الصحيح وهو المنصوص عنه

وعنه إنما يكره على الإزار أما على القميص فلا حملا للنهي على اللباس الذي كانوا يعتادونه وهو الارتداء فوق المآزر وتعليلا للنهي بخشية انكشاف المنكب وذلك مأمون على المتقمص ونحوه وقد روى أبو الزبير قال رأيت ابن عمر يسدل في الصلاة فيحمل هذا على إن عليه قميصا

ووجه الكراهة ما روى عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن السدل في الصلاة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وإسناده حسن وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود إن أباه كره السدل في الصلاة قال أبو عبيدة وكان أبي يذكر إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ورواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عنه وعن علي أنه رأى قوما قد سدلوا فقال ما لهم كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم رواه سعيد ورواه ابن المبارك ولفظه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة

وعن ابن عمر أنه كان يكره السدل في الصلاة وقال إبراهيم كانوا يكرهون السدل في الصلاة رواهما سعيد وعن ابن مسعود كراهته ذكره ابن المنذر وعلى هذا فإنه يكره السدل سواء كان تحته ثوب أو لم يكن

فان صلى سادلا قال أبو بكر إن لم تبد عورته فلا يعيد باتفاق وقال ابن أبي موسى في الإعادة روايتان أظهرهما لا يعيد

فصل ويكره اشتمال الصماء لما روى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يحتبي الرجل الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وإن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه يعني منه شيء متفق عليه وعن أبي سعيد قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبستين واللبستان اشتمال الصماء والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء رواه البخاري وعن جابر بن إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا ترتدوا الصماء في ثوب واحد رواه أحمد واشتمال الصماء عند أحمد وأصحابه إن يضطبع بالثوب وهو إن يجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه فوق عاتقه الأيسر أو بالعكس لأنه كذلك جاء مفسرا في الحديث إن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب وفي الآخر ليس على أحد شقيه منه شيء وفي لفظ لأبي سعيد من رواية أحمد وأبي داود واللبستان اشتمال الصماء يشتمل في ثوب واحد يضع طرفي الثوب على عاتقه الأيسر ويبرز شقه الأيمن والأخرى إن يحتبي في ثوب واحد ليس عليه غيره يفضي بفرجه إلى السماء وفي رواية إن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويرد طرفيه على منكبه الأيسر وهذا مكروه في الصلاة وخارج الصلاة إذا لم يكن عليه ألا الثوب الذي اشتمل به فأن كان عليه ثوب آخر من سراويل أو إزار وقميص ففي الكراهة روايتان

إحداهما يكره وهي اختيار ابن أبي موسى لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أحدكم إن يشتمل في إزاره إذا ما صلى ألا إن يخالف بطرفيه على عاتقه رواه أحمد وذكر أحمد عن ابن عباس أنه كرهه وإن كان عليه قميص وقد روى سعيد عن ابن عباس أنه كان يكره اشتمال الصماء في الصلاة وفي لفظ كان يكره إن يلتحف الرجل بثوبه في الصلاة فيخرج يده من قبل صدره ولأنه تخصيص لأحد العضوين المتشابهين باللباس فكره كالمشي في نعل واحد

فان قيل الحديث المشهور مقيد بالثوب الواحد فيحمل هذا المطلق عليه ولأن الاضطباع لبسة المحرم فكيف تكون مكروهة فيقال الاضطباع في الثوب الواحد أشد محذورا لأن فيه إبداء المنكب ويخشى معه من ظهور العورة ولا يحصل معه مقصود اللباس ولهذا لا يشرع الاضطباع للطائف طواف القدوم ألا إن يكون تحته ثوب قال أحمد في رواية حنبل الاضطباع إذا كان عليك إزار أو قميص وإذا لم يكن عليك إزار ولا قميص ففعلت ذلك كانت لبسة الصماء تبين شقة الأيسر وفرجه

بل هذه اللبسة محرمة تبطل الصلاة معها قال ابن أبي موسى وغيره إن اضطبع بثوب كان تحته غيره اجزأته صلاته مع الكراهة وإن لم يكن تحته غيره أعاد الصلاة وهذا المعنى معنى قول أحمد كانت لبسة الصماء تبين شقه الأيسر وفرجه وذلك لأن هذا تبدو معه العورة غالبا ويظهر من غير إن يشعر اللابس بذلك

والحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث ولأن الله أمر بالزينة عند الصلاة ومن لبس هذه اللبسة لم يتزين لله في الصلاة

وأما اضطباع المحرم فذلك موضع مخصوص من النهي لما كان فيه أولا من إظهار الجلد ثم صار سنة وشعارا ولهذا لا يشرع ألا في أول طواف يطوفه الأفقي خاصة ولهذا فإنه إذا أراد إن يصلي ركعتي الطواف سوى ردائه والرواية الأخرى إنه لا يكره ألا إذا كان عليه ثوب واحد قال الامدي وغيره هو الصحيح لأن الأحاديث الصحاح المفسرة إنما هي في الثوب الواحد وقد علله في الحديث يبدو أحد شقيه وهذا مفقود في الثوبين

ومن أصحابنا من قال يكره الاضطباع على المئزر ولا يكره على القميص وهذا قول قوي فإن الأغلب على القوم كان الارتداء فوق المآزر وقد نهوا عن الاشتمال ولأن في ذلك كشفا للمنكب في الصلاة وهو مكروه أو مبطل لما تقدم وقد نص أحمد على كراهته ولأن الذي في الحديث كراهة بروز الشق الأيمن ولو لم يكن تحته مئزر لكانت العورة قد تظهر من الناحية اليسرى فكان التعليل بكشف العورة أولى من التعليل ببروز الشق فقط

فان قيل فقد قال أبو عبيد اشتمال الصماء عند العرب إن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا تخرج فيه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه ولا يقدر عليه

وتفسير الفقهاء إن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه قال والفقهاء اعلم بالتأويل وقد ذكر أبو عبد الله السامري من أصحابنا مثل ما حكاه أبو عبيد عن العرب فقال اشتمال الصماء هو إن يلتحف بالثوب ويرفعه إلى حد جانبيه فلا يكون ليده موضع تخرج منه فلذلك تسمى الصماء قال بعض الفقهاء يحتاج أن يخرج يده من صدره فتبدو عورته

والتفسير الذي ذكرتموه مخالف لهذين قلنا

أما التفسير الذي ذكرناه فهو منصوص مفسر في الحديث والتفسير الذي حكاه أبو عبيد عن الفقهاء يدل عليه الحديث أيضا لأنه قال الصماء إن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه وهذا يعم ما إذا اضطبع بالثوب من الناحية الأخرى أو لم يضطبع فإنه إذا اضطبع أبدى منكبه الأيمن وستر منكبه الأيسر وبقي شقه الأيسر غير مستور والصورة التي ذكر أبو عبيد يكون المنكب الأيمن مستورا والمنكب الأيسر لكن الشق الأيسر باديا وظهور العورة فيه أشد لكن المنكبين مستوران وهذا أيضا مما يحرم وتبطل الصلاة معه بلا ريب واشتمال الصماء يعمهما

وأما الذي نقل عن ابن عباس أنه يخرج يده من قبل صدره فإن أخرجها من فوق حاشية الرداء صار مضطبعا وإن أخرجها من تحت الرداء فهو الذي ذكره أبو عبيد وأما التفسير المحكي عن العرب فهو أشبه بالاشتقاق لأن الصخرة الصماء التي لا منفذ فيها ومنه الأصم وهو الذي لا ينفذ الصوت إليه ويؤيده ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه على منكبه فتدعى الصماء

وروى أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصماء اشتمال اليهود واليهود تلتحف ولا تضطبع وهذه الصورة مكروهة أيضا لما يخاف معها من انكشاف العورة وهي السدل المتقدم وربما عرض الشيء فلا يستطيع إن يخرج يده ألا إن تبدو سوءته وهذه اللبسة مكروهة في الصلاة وخارج الصلاة

فظهر إن اشتمال الصماء يعم هذا كله لكن منه ما يحرم ويبطل ومنه ما يكره فقط ومنه ما اختلف فيه كما تقدم

فصل

يكره للمصلي تغطية الوجه سواء كان رجلا أو أمرأة فيكره النقاب والبرقع للمرأة في الصلاة لأن مباشرة المصلي بالجبهة والأنف أما واجب أو مؤكد الاستحباب ولأن الرجل إذا قام إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه وإن الرحمة تواجهه فينبغي له إن يباشر ذلك بوجهه من غير وقاية وقد كره له تغميض العين فتغطية الوجه أولى وقد روى الفقهاء في كتبهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا غطى لحيته في الصلاة فقال اكشف لحيتك فإن اللحية من الوجه

ويكره التلثم على الفم لما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى إن يغطي الرجل فاه في الصلاة رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه تشبه بفعل المجوس في عبادة النيران ويخاف معه من ترك تجويد القراءة والذكر والدعاء لا سيما والملك يضع فاه على فيه

وهل يكره التلثم على الأنف على روايتين

إحداهما يكره لأن ابن عمر كره تغطية الأنف ولأنه عضو في الوجه يسجد عليه فاشبه الجبهة ولأن مباشرته إذا قلنا بوجوب السجود عليه واجبة أو سنة مؤكدة فإن سجد على الحائل كان مكروها وإن حسر اللثام احتاج إلى عمل ولأنه ربما حصلت معه غنة في الحروف ولأنه من الوجه وهو ابلغ من اللحية

والثانية لا يكره تغطيته لأن النهي إنما جاء في الفم وقد روى أحمد بإسناده عن قتادة حدثني عكرمة عن ابن عباس كان يغطي انفه يعني في الصلاة قال قتادة وكان سعيد بن المسيب وعطاء يكرهان ذلك ولأنه يمكن الإفصاح بحروف القران والذكر معه هذه طريقة الجماعة

وأما الآمدي فقال روي عنه هو ما كان على الفم والأنف

وروي عنه على الأنف فحسب فعلى قوله إذا كان على الفم وحده لم يكره وهذا غلط على المذهب

فصل

ويكره شد الوسط بالزنار والخيط ونحو ذلك مما يشبه زي أهل الذمة في أشهر الروايتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب في عدة مواضع

وعنه لا يكره لحديث الحزام ولأنه لم يرد في ذلك نهي

وأما ما لا يشبه شدهم كالحبل والمنديل والمنطقة التي تسميها العامة الحياصة فلا يكره نص عليه وعليه أصحابنا

وقال ابن عقيل والسامري يكره بالزنار والحياصة ونحوها وليس بشيء بل يستحب لمن ليس تحت قميصه مئزر ولا سراويل إن يحتزم لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يصلي أحدكم ألا وهو محتزم احتج به أحمد وعن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنايم حتى تقسم وعن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض وإن يصلي الرجل بغير حزام رواه أبو داود وذكر أحمد عن ابن عمر أنه كان يصلي وعليه القميص يأتزر بالمنديل فوقه وعن الشعبي قال كان يقال شد حقويك في الصلاة ولو بعقال وعن يزيد بن الأصم مثله رواهما الخلال وقد روى حرب قال قلت لأحمد الرجل يشد وسطه بخيط ويصلي قال على القباء لا بأس به وكرهه على القميص وذهب لما أنه من زي اليهود فذكرت له السفر وأنا أشد ذلك على الوسط فرخص فيه قليلا أما المنطقة والعمامة ونحو ذلك فلم يكرهه إنما كره الخيط وقال هو أشنع فقد كره ما وافق زي أهل الكتاب وهو الخيط على القميص ونحوه ولم يكره على القباء لأنه ليس من زيهم ولم يكره ما سوى الخيط ونحوه ورخص في الخيط على القميص عند الحاجة

وكذلك ذكر القاضي قال نص أحمد على كراهة الخيط على القميص لما فيه من التشبه بأهل الكتاب لأن من عادتهم شد الوسط بالزنار ولم يكره شد القباء والمنطقة لأن هذا عادة المسلمين

وأطلق جماعة من أصحابنا الكراهة على عموم كلامه في سائر الروآيات

فصل

ويكره إسبال القميص ونحوه إسبال الرداء وإسبال السراويل والإزار ونحوهما إذا كان على وجه الخيلاء وأطلق جماعة من أصحابنا لفظ الكراهة وصرح غير واحد منهم بأن ذلك حرام وهذا هو المذهب بلا تردد

قال أبو عبد الله لم أحدث عن فلان كان سراويله شراك نعله وقال ما أسفل من الكعبين في النار والسراويل بمنزلة الإزار لا يجر شيئا من ثيابه

فأما إن كان على غير وجه الخيلاء بل كان على علة أو حاجة أو لم يقصد الخيلاء والتزين بطول الثوب ولا غير ذلك فعنه أنه لا بأس به وهو اختيار القاضي وغيره وقال في رواية حنبل جر الإزار وإرسال الرداء في الصلاة إذا لم يرد الخيلاء لا بأس به وقال ما أسفل من الكعبين في النار والسراويل بمنزلة الرداء لا يجر شيئا من ثيابه

ومن أصحابنا من قال لا يحرم إذا لم يقصد به الخيلاء لكن يكره وربما يستدل بمفهوم كلام أحمد في رواية ابن الحكم في جر القميص والإزار والرداء سواء إذا جره لموضع الحسن ليتزين به فهو الخيلاء وأما إن كان من قبح في الساقين كما صنع ابن مسعود أو علة أو شيء لم يتعمده الرجل فليس عليه من جر ثوبه خيلاء فنفى عنه الجر خيلاء فقط

والأصل في ذلك قوله تعالى { إن الله لا يحب كل مختال فخور } وقوله تعالى { ولا تمش في الأرض مرحا } وقال سبحانه و{ كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس }

فذم الله سبحانه وتعالى الخيلاء والمرح والبطر وإسبال الثوب تزينا موجب لهذه الأمور وصادر عنها وعن ابن عمر رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر إن أحد شقي إزاري يسترخي ألا إن أتعاهد ذلك منه فقال انك لست ممن يفعل ذلك خيلاء متفق عليه وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة رواه البخاري وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا متفق عليه وفي رواية لأحمد والبخاري ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار وعن أبي هريرة قال بينما رجل يصلي مسبلا إزاره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فتوضأ فذهب فتوضا ثم جاء ثم قال اذهب فتوضا فقال له الرجل يا رسول الله مالك أمرته إن يتوضأ ثم سكت عنه قال أنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبلا رواه أبو داود وعن ابن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حل ولا حرام رواه أبو داود وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وهذه منصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة والمطلق منها محمول على المقيد وإنما أطلق ذلك لأن الغالب ان ذلك إنما يكون مخيلة

ومن كره الإسبال مطلقا احتج بعموم النهي عن ذلك والأمر بالتشمير فعن أبي جري جابر بن سليم الهجيمي قال رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا ألا صدروا عنه قلت من هذا قالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين قال لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الميت قلت أنت رسول الله قال أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإن أصابك عام سنة فدعوته انبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قال قلت اعهد إلى قال لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة قال ولا تحقرن من المعروف ولو إن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الأزر فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة وإن أمرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه رواه الخمسة ألا ابن ماجة وقال الترمذي حسن صحيح

وعن عبد الله بن عمر قال مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء فقال يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال زد فزدت فما زلت اتحراها بعد فقال له بعض القوم إلى أين قال إلى أنصاف الساقين رواه مسلم وعن ابن الحنيظلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الرجل خريم الاسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذه شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى نصف ساقيه رواه أحمد وأبو داود ولأن الإسبال مظنة الخيلاء فكره كما يكره مظان سائر المحرمات

ومن لم ير بذلك باسا احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر انك لست ممن يفعل ذلك خيلاء وعن أبي وائل إن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال له ارفع فقال له الرجل وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك فقال عبد الله إني لست مثلك أن لساقي حموشة وأنا أؤم الناس فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأقبل على الرجل ضربا بالدرة وقال أترد على ابن مسعود أترد على ابن مسعود ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه وما سوى ذلك فهو باق على الإباحة وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة وإنما كلامنا فيمن يتفق عنه عدم ذلك

فصل وبكل حال فالسنة تقصير الثياب وحد ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب فما كان فوق الكعب فلا بأس به وما تحت الكعب في النار لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي جري وابن عمر ولما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إزره المؤمن إلى نصف الساق لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن حذيفة رضي الله عنه قال اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي أو ساقي فقال هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفر فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين رواه الخمسة ألا أبو داود قال الترمذي حديث حسن صحيح وعن سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تحت الكعبين من الإزار في النار رواه أحمد والنسائي

وأما الكعبان انفسهما فقد قال بعض أصحابنا يجوز إرخاؤه إلى أسفل الكعب وأما المنهي عنه ما نزل عن الكعب وقد قال أحمد أسفل من الكعبين في النار وقال ابن حرب سألت أبا عبد الله عن القميص الطويل فقال إذا لم يصب الأرض لأن أكثر الأحاديث فيها ما كان أسفل من الكعبين في النار وعن عكرمة قال رأيت ابن عباس يأتزر فيضع حاشية إزاره من مقدمه على ظهر قدمه ويرفع من مؤخره فقلت لم تأتزر هذه الأزرة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزرها رواه أبو داود

وقد روي عن عبد الله أنه قال لم أحدث عن فلان لأن سراويله كان على شراك نعله وهذا يقتضي كراهة ستر الكعبين أيضا لقوله في حديث حذيفة لا حق للإزار بالكعبين وقد فرق أبو بكر وغيره من أصحابنا في الاستحباب بين القميص وبين الإزار فقال يستحب أن يكون طول قميص الرجل إلى الكعبين أو إلى شراك النعلين وطول الإزار إلى مراق الساقين وقيل إلى الكعبين

ويكره تقصير الثوب الساتر عن نصف الساق قال إسحاق بن إبراهيم دخلت على أبي عبد الله وعلي قميص قصير أسفل من الركبة وفوق نصف الساق فقال ايش هذا وأنكره وفي رواية ايش هذا لم تشهر نفسك وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال حد آزره المؤمن بأنها إلى نصف الساق وامر بذلك وفعله ففي زيادة الكشف تعرية لما يشرع ستره لا سيما إن فعل تدينا فإن ذلك تنطع وخروج عن حد السنة واستحباب لما لم يستحبه الشارع

ويكره إسبال العمامة أيضا قاله أصحابنا لما تقدم من الأحاديث العامة وقد جاء ذكرها مصرحا به في حديث ابن عمر

فصل

فأما النساء فإن إطالة الذيول لهن سنة نص عليه لما روت أم سلمة أنها قالت يا رسول الله كيف يصنع النساء بذيولهن قال يرخين شبرا فقالت إذا تنكشف اقدماهن قال يرخينه ذراعا لا يزدن عليه رواه الخمسة ألا ابن ماجة وقال الترمذي حسن صحيح

وعن ابن عمر قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين في الذيل شبرا ثم استزدنه فزادهن شبرا فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا رواه أبو داود والنسائي وفي رواية لأحمد إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه عن الذيل فقال اجعلنه شبرا فقلن إن شبرا لا يستر من عورة فقال اجعلنه ذر فكانت إحداهن إذا أرادت إن تتخذ ذراعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا

ولهذا قال أصحابنا اقل ذيل المرأة شبر وأكثره ذراع

قال بعض أصحابنا هذا في حق من مشى بين الرجال كنساء العرب اللاتي يمشين بين الحلل والصحراء فأما نساء المدن اللاتي في بيوتهن ولا يراهن رجل أجنبي فيكون ذيلها كذيل الرجل

فصل

يكره للرجل الأحمر المشبع حمرة في جميع أنواع اللباس من الثياب والفرش والأكسية وآلات الدواب والأغطية وغير ذلك ولا بأس بذلك للنساء

والمعصفر المشبع من هذا النوع نص على ذلك في عدة مواضع قال وقد سئل عن لباس المعصفر المشبع اكره لباسه وسئل عن الأكسية المصبوغة كالدم فقال إذا كانت حمرة تشابه المعصفر يكره ذلك وفي موضع آخر أنه كره المعصفر كراهة شديدة للرجال وقال أيضا يكره المعصفر للرجال ولا يكره للنساء وسئل عن المعصفر للنساء فلم ير به باسا وقال المروذي صبغت بطانة جبتي حمراء فقال لم صبغتها حمراء قلت للرقاع التي فيها قال وأي شيء تبالي إن يكون فيها رقاع وقال أول من لبس الثياب الحمر قارون وآل فرعون ثم قرا { فخرج على قومه في زينته } قال في ثياب حمر قلت له الثوب الأحمر تغطى به الجنازة ترى إن اخذ به قال نعم قال وامرني أبو عبد الله إن اشتري له تكة لا يكون فيها حمرة قال وأمرني إن اشتري له مدا فقال لا تكون فيه حمرة وقد نقل عنه أحمد بن واصل المقرئ أنه سئل عن كساء اسود له علم احمر فقال لا بأس به قال القاضي فظاهر رواية المروذي أنه كره العلم الأحمر أجراء له مجرى طراز الذهب وظاهر رواية المقرىء أنه لم يكرهه وأجراه مجرى الطراز الحرير

وهذه الكراهة في الجملة قول عامة الأصحاب وذكر القاضي في موضع من خلافه وبعض من اتبعه إن المعصفر لا يكره للرجال والنساء وإن النهي كان خاصا لعلي لقوله في الحديث لم ينهه ولا إياك وإنما نهاني

ومن أصحابنا من قال إنما يكره المعصفر خاصة فأما ما صبغ بالحمرة من مدر وغيره فلا بأس به سواء صبغ قبل النسج أو بعده وهذا اختيار أبي محمد رحمه الله وقد أومأ إليه في رواية حنبل فقال قد لبس النبي صلى الله عليه وسلم بردة حمراء كذلك الترمذي في حديث الرجل الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أحمران قال معنى هذا الحديث عند أهل العلم انهم كرهوا لبس المعصفر ورأوا إن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس إذا لم يكن معصفرا وذلك لأن المعصفر صحت في كراهته أحاديث كثيرة في حق علي وغيره للرجال دون النساء فعن عبد الله بن عمرو قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها رواه أحمد ومسلم والنسائي وفي رواية لمسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال أمك أمرتك بهذا قلت اغسلهما قال بل احرقهما

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ريطة مضرجة بالعصفر فقال ما هذه قال فعرفت ما كره قال فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها ثم أتيته فأخبرته فقال ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء رواه أبو داود وابن ماجة وقال هشام بن الغاز المضرجة التي ليست بمشبعة ولا الموردة وقال الخطابي المضرج الذي ليس صبغه بالمشبع التام وإنما هو لطخ عق به يقال تضرج الثوب إذا تلطخ بدم ونحوه والريطة ملاة ليست بفلقتين إنما نسج واحد وقال الجوهري يقال ضرجت الثوب تضريجا إذا صبغته بالحمرة وهو دون المشبع وفوق الموردة وفي رواية عن عبد الله بن عمرو قال رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب مصبوغ بعصفر مورد قال ما هذا فانطلقت فأحرقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعت بثوبك فقلت أحرقته قال أفلا كسوته بعض أهلك وعن ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المقدم وهو المشبع بالعصفر رواه أحمد وابن ماجة وعن علي بن أبي طالب قال نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القس وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر رواه أحمد ومسلم وفي رواية صحيحة نهاني عن المعصفر المقدم

قالوا وأما الأحمر غير المعصفر فلا بأس به لما روى البراء بن عازب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الجمعة إلى شحمة أذنيه ورايته في حلة حمراء لم أر شيئا قط احسن منه رواه الجماعة وعن أبي جحيفة قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالابطح وهو في قبة له حمراء ثم ركزت له عنزة فخرج وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء فكأني انظر إلى بريق ساقيه قال فصلى بنا إلى العنزة الظهر أو العصر ركعتين متفق عليه وعن عامر بن أبي هلال المزني قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى على بغلة وعليه برد احمر وعلي رضي الله عنه أمامه يعبر عنه رواه أحمد وأبو داود وعن انس قال كان احب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة متفق عليه

والأول هو المذهب المعروف المنصوص لما احتج به أحمد من قوله سبحانه { فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون } الآية قال جابر بن عبد الله في القرمز وقال إبراهيم والحسن في ثياب حمر على لفظ أحمد وقال مجاهد على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم المعصفرات وكذلك ذكر قتادة وابن زيد وغيرهما أنه خرج وعلى دوابه وجنده الأرجوان والمعصفرات قال ابن زيد وكان ذلك أول يوم رؤيت المعصفرات فيما كان يذكر لنا ومعلوم إن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا في سياق الذم له والعيب لما خرج فيه من الزينة فعلم إن الثياب الحمر معيبة عند الله مذمومة ولا معنى لكراهتها ألا ذلك وعن عبد اله بن عمرو قال مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن رافع بن خديج رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم راى الحمرة قد ظهرت فكرهها وفي رواية قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى ابلنا اكيسة فيها خيوط عهن حمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفر ابلنا فاخذنا الاكيسة ونزعناها عنها رواه أحمد وأبو داود من حديث محمد بن عمرو بن عطاء عن رجل من بني حارثة عنه وعن حريث بن الابج السليحي ان أمرأة من بني اسد قالت كنت يوما عند زينب أمرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما راى المعرة رجع فلما رأت ذلك زينب علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره ما فعلت فأخذت فغسلت ثيابها ووارت كل حمرة ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع فاطلع فلما لم ير شيئا دخل رواه أبو داود وعن عمران بن حصين ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا اركب الارجوان ولا البس المعصفر ولا البس المكفف رواه أحمد وأبو داود وعن البراء بن عازب ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المياثر الحمر متفق عليه وعن مالك بن عمير قال كنت قاعدا عند علي قال فجاء صعصعة بن صوحان فسلم ثم قام فقال يا امير المؤمنين انهنا عما نهاك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير ونهانا عن القسي والميثرة وعن الحرير وحلق الذهب رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن علي قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب وعن لبس القسي والميثرة الحمراء رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن عبيدة عن علي رضي الله عنه قال نهى عن مياثر الارجوان رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح وفي رواية عن علي قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب وعن لبس الحمرة وفي لفظ الحمراء وعن القراءة في الركوع والسجود وفي رواية عن لباس القسي والمياثر والمعصفر رواهما عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وعن أبي بردة ان عليا قال نهاني النبي صلى الله عليه وسلم ان اجعل خاتمي في هذه أو التي تليها واوما إلى الوسطى والتي تليها ونهاني عن لبس القسي وعن جلوس على المياثر قال يعني عليا فأما القسي فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام واما المياثر فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطايف الأرجوان

فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر وذلك يقتضي ان تكون الحمرة مؤثرة في النهي والحديث عام في المياثر الحمر سواء كانت حريرا أو لم تكن ولو كان المراد بها الحرير فتخصيصه الحمر بها دليل على ان الاحمر من الحرير أشد كراهة من غيره وذلك يقتضي ان يكون للحمرة تأثير في الكراهة وكذلك قوله في حديث عمران لا اركب الارجوان وهو الاحمر ولالبس المعصفر ودليل على أن الحمرة مؤثرة ثم أحاديث علي في بعضها عن القسي والميثرة الحمر والحرير وفي بعضها عن القسي والمعصفرة وفي بعضها عن القسي والميثرة الحمراء وفي بعضها عن مياثر الارجوان وهي كلها دليل على ان المياثر هي الحمر وإن لم تكن حريرا وإن مناط الحكم حمرتها لا مجرد كونها حرير وذلك ان الارجوان هو الاحمر الشديد الحمرة كان اشتقاقه من الارج وهو توهج رائحة الطيب لأن الاحمر يسطع لونه ويتوقد كما تسطع الرائحة الزكية في الارائج قال أبو عبيد الارجوان الشديد الحمرة والنهرمان دونه في الحمرة والمفدم المشبع حمرة والمضرج دونه ثم المورد بعده ثم قول علي رضي الله عنه في حديث اخر نهى عن لبس الحمرة والحمراء وعن الميثرة الحمراء بدل قوله المعصفر دليل على ان المعصفر إنما نهاه عنه لحمرته فتارة يعبر عنها باسمه الخاص وتارة يعبر عنه بالاسم العام الذي هو مناط الحكم وعن الحسن رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اياكم والحمرة فإنها من احب الزينة إلى الشيطان رواه الخلال وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيطان يحب الحمرة والحمرة من زينة الشيطان

وعن سعيد بن أبي هند قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الحمرة ويحب الخضرة وعن ابن عمر أنه راى على ابن له ثوبا معصفرا فنهاه وابصر على أهله ثيابا معصفرة فلم ينههم رواهن وكيع وهذان المرسلان من وجهين مختلفين وقد اعتضدا بقول الصحابة وذلك يؤكد الاحتجاج بها ويقتضي تعاضدها على الدلالة وأيضا ان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن المعصفرة فغيره من الاحمر المشبع أولى بالنهي منه اذ ليس في المعصفر ما يكره منه سوى لونه وليس هو باشدها حمرة فغيره من الأحمر الذي يساويه في لونه وبريقه أو يزيد عليه أولى ان ينهى عنه والتفريق بينهما تفريق بين الشيئين المتماثلين وذلك غير جائز وأيضا فإن هذا اللون يوجب الخيلاء والبطر والمرح والفخر فكان منهيا عنه كالحرير والذهب ولهذا ابيح هذا للنساء كما ابيح لهن الحرير والذهب

فأما الخفيف الحمرة مثل المورد ونحوه فقد ذهبت بهجته وتوقده وصار قريبا من الاصفر فلا يكره والأحاديث التي جاءت في الرخصة في الاحمر محمولة على هذا فإنه يسمى احمر وإن كانت حمرته خفيفة وعلى ما يكون بعضه احمر مثل البرود التي فيها خطوط حمر وهذا معنى قولهم حلة حمراء

وهل هذه كراهة تحريم أو تنزيه فيه وجهان ويبنى على ذلك صحة الصلاة فيه وفيها وجهان

احدهما تصح قاله طائفة من أصحابنا لأنه لم يجيء في ذلك تصريح بالتحريم ولو كان حراما لصرح بتحريمه كما صرح بتحريم الذهب والحرير فإن الفرق بينه وبين الحرير ظاهر في الحديث

والثاني لا تصح الصلاة فيه قال أبو بكر يعيد كل من صلى في ثوب نهي عن الصلاة فيه كالمعصفر والاحمر والغصب ونحوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك نهيا مطلقا وموجب النهي التحريم لا سيما وقد قرنه بالقسي وبخاتم الذهب فإن ظاهره يدل على ان المعصفر والحرير والذهب من باب واحد كيف وسبب الكراهة فيها واحد وقد امتنع من رد السلام على لابسها وإنما يترك رد السلام المفروض على المتلبس بمعصية وقد أمر عبد الله بن عمرو باتلافها ولو كان الانتفاع بها جائزا لم يامره باتلاف ماله فعلم أن ذلك كاراقة الخمر وإنما لم ياذن له في الغسل والله أعلم لأن اللون لا يزول بالغسل مرة أو مرتين

واما قوله في الرواية الاخرى لما اخبره أنه حرقها هلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء فيحتمل ان يكون لما استاذن النبي صلى الله عليه وسلم في غسلها ليلبسها بعد الغسل اراد صلى الله عليه وسلم ان يقطع طمعه في اللبس قبل الغسل وبعده وإن يعرفه ان اتلافه المضرج وإخراجه عن ملكه هو الواجب دون الغسل فلما راه قد سمح بذلك قال فإن كنت كذلك فإن تعطيه بعض أهلك خير من ان تتلفه

فصل

فأما الاصفر فلا يكره سواء صبغ بزعفران أو غيره وكذلك الاحمر المورد ونحوه نص عليه في مواضع وقال لا بأس بالمورد ومكان يصبغ بالزعفران وقيل الثوب المصبوغ بالزعفران للرجل فلم ير به بأسا وهول قو أكثر أصحابة حتى جعلها الخلال رواية واحدة ونقل صالح عنه أنه سأله ايصلي الرجل وعليه القميص المصبوغ بالنشاستج فقال قد نهى النبي