زاد المعاد/المجلد الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الثاني
ابن القيم

محتويات


فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة[عدل]

هَدْيُه في الزكاة، أكملُ هَدْي في وقتها، وقدْرِها، ونِصابها، وَمَنْ تَجِبُ عليه، ومَصْرِفِها. وقد راعى فيها مصلحةَ أربابِ الأموال، ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طُهرةً للمال ولصاحبه، وقيَّد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمةُ بالمال على مَن أدَّى زكاتَه، بل يحفظُه عليه ويُنميه له، ويدفعُ عنه بها الآفاتِ، ويجعلُها سُورًا عليه، وحِصنًا له، وحارسًا له.

ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال: وهى أكثرُ الأموال دَوَرانًا بين الخلق، وحاجتُهم إليها ضرورية. أحدها: الزرع والثمار.

الثاني: بهيمةُ الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.

الثالث: الجوهران اللَّذان بهما قِوام العالم، وهما الذهب والفضة.

الرابع: أموالُ التجارة على اختلاف أنواعها.

ثم إنه أوجبها مَرَّةً كلَّ عام، وجعل حَوْل الزروع والثمار عند كمالِها واستوائها، وهذا أعدلُ ما يكون، إذ وجوبُها كلَّ شهر أو كُلَّ جمعة يضُرُّ بأرباب الأموال، ووجوبُها في العمر مرة مما يضرُّ بالمساكين، فلم يكن أعدلَ مِن وجوبها كُلَّ عام مرة.

ثم إنه فاوَتَ بين مقادير الواجب بحسب سعى أرباب الأموال في تحصيلها، وسهولةِ ذلك، ومشقته، فأوجب الخُمس فيما صادفه الإنسان مجموعًا محصَّلًا من الأموال، وهو الرِّكاز. ولم يعتبر له حَوْلًا، بل أوجب فيه الخُمسَ متى ظفر به.

وأوجب نصفه وهو العُشر فيما كانت مشقةُ تحصيله وتعبه وكُلفته فوقَ ذلك، وذلك في الثمار والزروع التي يُباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها، ويتولَّى الله سقيها مِن عنده بلا كُلفة من العبد، ولا شراء ماءٍ، ولا إثارة بئرٍ ودولابٍ.

وأوجب نِصف العُشر، فيما تولى العبد سقيَه بالكُلفة، والدوالي، والنواضِح وغيرها.

وأوجب نِصف ذلك، وهو ربعُ العُشر، فيما كان النَّماء فيه موقوفًا على عمل متصلٍ مِن رب المال، بالضرب في الأرض تارة، وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة، ولا ريبَ أن كُلفة هذا أعظم من كُلفة الزرع والثمار، وأيضًا فإن نمو الزرع والثمار أظهرُ وأكثر من نمو التجارة، فكان واجبُها أكثرَ من واجب التجارة، وظهورُ النمو فيما يُسقى بالسماء والأنهار، أكثرُ مما يُسقى بالدوالى والنواضح، وظهورهُ فيما وجد محصلًا مجموعًا، كالكنز، أكثر وأظهر من الجميع.

ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساةَ كلُّ مال وإن قلَّ، جعل للمال الذي تحتمله المواساة نُصُبًا مقدَّرةً المواساة فيها، لا تُجْحِفُ بأرباب الأموال، وتقع موقِعها من المساكين، فجعل للوَرِقِ مائتي درهم، وللذهب عشرين مثقالًا، وللحبوبِ والثمار خمسةَ أوسق، وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ثلاثين بقرة، وللإبل خمسًا، لكن لما كان نِصابها لا يحتمل المواساة من جنسها، أوجب فيها شاة. فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسًا وعشرين، احتمل نصابُها واحدًا منها، فكان هو الواجب.

ثم إنه لما قَدَّرَ سِنَّ هذا الواجب في الزيادة والنقصان، بحسب كثرة الإبل وقلَّتِها من ابن مَخاض، وبنت مَخاض، وفوقه ابنُ لَبُون، وبنت لَبون، وفوقه الحِقُّ والحِقَّة، وفوقَه الجَذَعُ والجَذَعَة، وكلما كثُرت الإبلُ، زاد السِّن إلى أن يصل السِّنُ إلى مُنتهاه، فحينئذٍ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال.

فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قَدْرًا يحتمل المواساة، ولا يُجحِفُ بها، ويكفى المساكين، ولا يحتاجُون معه إلى شئ، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفى الفقراء، فوقع الظلمُ من الطائفتين، الغنيُّ يمنعُ ما وجب عليه، والآخذ يأخذ ما لا يستحقه، فتولَّد من بين الطائفتين ضررٌ عظيم على المساكين وفاقةٌ شديدة، أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة.

والربُّ سبحانه تولَّى قَسْمَ الصدقة بنفسه، وجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، يجمعُها صِنفانِ من الناس، أحدهما: مَن يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة، وضعفها، وكثرتِها، وقِلَّتها، وهم الفقراءُ والمساكين، وفى الرقاب، وابن السبيل. والثاني: مَن يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها، والمؤلَّفةُ قلوبُهم، والغارِمون لإصلاح ذاتِ البَيْن، والغُزاةُ في سبيل الله، فإن لم يكن الآخِذُ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة.

فصل (في من هو أهل لأخذ الزكاة)[عدل]

وكان من هَدْيه ﷺ إذا علم من الرجل أنه مِن أهل الزكاة، أعطاه، وإن سأله أحدٌ من أهل الزكاة ولم يَعْرِفْ حاله، أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظَّ فيها لِغنى ولا لِقوى مكتسِب.

وكان يأخذها من أهلها، ويضعُها في حقها.

وكان من هَدْيه، تفريقُ الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال، وما فضلَ عنهم حُمِلَت إليه، ففرَّقها هو ﷺ، ولذلك كان يبعث سُعاته إلى البوادى، ولم يكن يبعثُهم إلى القُرى، بل أمر معاذ بن جبل أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن، ويُعطيها فقراءهم، ولم يأمره بحملها إليه.

ولم يكن من هَدْيه أن يبعث سُعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة مِن المواشى والزروع والثمار، وكان يبعثُ الخارِصَ فيخرُصُ على أرباب النخيل تمرَ نخيلهم، وينظر كم يجئ منه وَسْقًا، فَيحْسِبُ عليهم من الزكاة بقدره.

وكان يأمر الخارِصَ أن يدعَ لهم الثلثَ أو الرُّبعَ، فلا يخرصه عليهم لما يعرُو النخيلَ مِن النوائب، وكان هذا الخرصُ لكى تُحصى الزكاةُ قبل أن تؤكل الثمارُ وتُصْرَمَ، وليتصرَّف فيها أربابها بما شاؤوا، ويضمنوا قدرَ الزكاة، ولذلك كان يبعث الخارِصَ إلى مَن ساقاه من أهل خيبر وزارعه، فيخرُص عليهم الثمارَ والزروع، ويُضمِّنُهم شطرًها، وكان يبعثُ إليهم عبد الله بن رَواحة، فأرادوا أن يَرشُوه، فقال عبد الله: تُطعمونى السُّحتَ؟، واللهِ لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتُم أبغضُ إليَّ من عِدَّتِكم مِن القِردةِ والخنازير، ولا يحملني بُغضى لكم وحُبِّي إياه، أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السمواتُ والأرض.

ولم يكن من هَدْيه أخذُ الزكاة من الخيل، والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضروات ولا المباطخ والمقاتى والفواكه التي لا تُكال ولا تُدَّخر إلا العنب والرُّطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يُفرِّق بين ما يبس منه وما لم ييبس.

فصل

واختلف عنه ﷺ في العسل، فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء هلالٌ أحد بنى مُتْعان إلى رسول الله ﷺ بعشُور نحل له، وكان سأله أن يَحميَ واديًا يُقال له "سَلَبَة"، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عُمَرُ ابنُ الخطاب رضي الله عنه، كتب إليه سفيانُ ابن وهب يسألُه عن ذلك، فكتب عمر: إن أدَّى إليك ما كان يُؤدِّي إلى رسول الله ﷺ مِن عشُور نَحله، فاحمِ له "سَلَبَة"، وإلا فإنما هو ذُباب غيثٍ يأكلُه مَنْ يَشَاء.

وفي رواية في هذا الحديث: "مِنْ كُل عشر قِرَبٍ قِربة".

وروى ابن ماجه في سننه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه أخَذَ مِن العَسَل العُشْرَ.

وفي مسند الإمام أحمد، عن أبى سيَّارة المتعى، قال: قلت: يا رسول الله؛ إن لي نحلًا. قال: "أَدِّ العُشْرَ". قلتُ: يا رسول الله؛ احْمِها لي، فحماها لي.

وروى عبد الرزاق، عن عبد الله بن مُحَرَّرٍ عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة، قال: كتب رسولُ الله ﷺ إلى أهل اليمن، أن يُؤخَذَ مِنَ العَسَلِ العُشْرُ.

قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذُبابذ قال: قدِمتُ على رسول الله ﷺ، فأسلمتُ ثم قلتُ: يا رسول الله؛ اجعل لقومي من أموالهم ما أسلموا عليه، ففعل رسولُ الله ﷺ، واستعملنى عليهم، ثم استعملنى أبو بكر، ثم عُمَرُ رضي الله عنهما. قال: وكان سعد من أهل السَّراةِ، قال: فكلَّمتُ قومي في العسل. فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خير في ثمرة لا تزكَّى. فقالوا: كم ترى؟ قلتُ: العُشرَ، فأخذت منهم العُشرَ، فلقيتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبرتُه بما كان. قال: فقبضَهُ عمر، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين. ورواه الإمام أحمد، ولفظه للشافعي.

واختلف أهلُ العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري: ليس في زكاة العسل شئ يصح، وقال الترمذي: لا يَصِحُّ عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرُ شئ. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله ﷺ ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وقال الشافعي: الحديثُ في أن في العسل العُشرَ ضعيف، وفي أنه لا يؤخذ منه العُشر ضعيف إلا عن عمر ابن عبد العزيز.

قال هؤلاء: وأحاديثُ الوجوب كلُّها معلولة، أما حديث ابن عمر، فهو من رواية صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار، عن نافع عنه، وصدقة، ضعَّفه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما، وقال البخاري: هو عن نافع، عن النبي ﷺ مرسل، وقال النسائي صدقة ليس بشىء، وهذا حديث منكر.

وأما حديث أبي سيارة المتعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال البخاري: سليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ.

وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر، أن النبي ﷺ أخذ من العسل العُشر، ففيه أسامة بن زيد بن أسلم يرويه عن عمرو، وهو ضعيف عندهم، قال ابن معين: بنو زيد ثلاثتُهم ليسوا بشىء، وقال الترمذي: ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة.

وأما حديث الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة: فما أظهر دلالته لو سلم من عبد الله ابن محرَّر راويه عن الزهري، قال البخاري في حديثه هذا: عبد الله بن محرَّر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شىء يصح.

وأما حديث الشافعي رحمه الله، فقال البيهقي: رواه الصلت بن محمد، عن أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب، عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، وكذلك رواه صفوان ابن عيسى، عن الحارث بن أبي ذباب. قال البخاري: عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب، لم يصح حديثه، وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، كذا قال لي. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب، يحكى ما يدل على أن رسول الله ﷺ لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شىء رآه فتطوع له به أهله. قال الشافعي: واختيارى أن لا يُؤخذ منه، لأن السُنَن والآثار ثابتة فيما يُؤخذ منه، وليست ثابتة فيه فكأنه عفو.

وقد روى يحيى بن آدم، حدثنا حُسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، قال: ليس في العسل زكاةٌ.

قال يحيى: وسئل حسن بن صالح عن العسل؟ فلم ير فيه شيئًا. وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئًا. قال الحُميدي: حدثنا سفيان، حدثنا إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، أنه أتى بوقص البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشىء.

وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاءنا كتابٌ من عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أبى وهو بمِنَى، أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي.

وذهب أحمد، وأبو حنيفة، وجماعة، إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أن هذه الآثار يُقَوِّي بعضُها بعضًا، وقد تعددت مخارجُها، واختلفت طُرقها، ومرسَلُها يُعضَدُ بمسندها. وقد سُئِل أبو حاتم الرازي، عن عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب، يصح حديثه؟ قال: نعم. قال هؤلاء: ولأنه يتولد من نَوَر الشجر والزهر، ويُكال ويُدَّخر، فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار. قالوا: والكلفة في أخذه دون الكلفة في الزرع والثمار، ثم قال أبو حنيفة: إنما يجب فيه العُشر إذا أُخِذ من أرض العُشر، فإن أُخِذ من أرض الخراج، لم يجب فيه شئ عنده، لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراجُ لأجل ثمارها وزرعها، فلم يجب فيها حق آخر لأجلها، وأرض العُشر لم يجب في ذمته حق عنها، فلذلك وجب الحقُّ فيما يكون منها.

وسوَّى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك، وأوجبه فيما أُخِذَ مِن ملكه أو موات، عُشرية كانت الأرض أو خراجية.

ثم اختلف الموجِبون له: هل له نصاب أم لا؟ على قولين. أحدهما: أنه يجب في قليله وكثير، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، والثاني: أن له نصابًا معينًا، ثم اختلف في قدره، فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال.

وقال محمد بن الحسن: هو خمسة أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلًا بالعراقى. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، ثم اختلف أصحابه في الفرق، على ثلاثة أقوال أحدها: أنه ستون رطلًا، والثاني: أنه ستة وثلاثون رطلًا.

والثالث ستة عشر رطلًا، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، والله أعلم.

فصل

وكان ﷺ إذا جاءه الرجل بالزكاة، دعا له فتارة يقول: "اللهم بارك فيه وفى أبله ". وتارة يقول "اللهم صل عليه". ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال في الزكاة بل وسط المال، ولهذا نهى معاذاُ عن ذلك.

فصل (في نهي المتصدق أن يشترى صدقته)[عدل]

وكان ﷺ ينهى المتصدِّق أن يشتريَ صدقته، وكان يُبيح للغنى أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل ﷺ مِن لحم تُصُدِّقَ به على بَريرَةَ وقال: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ولنا مِنْهَا هَدِية".

وكان أحيانًا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، كما جهّز جيشًا فَنَفِدَتِ الإبل، فأمر عبد الله بن عمرو أن يأخذ من قلائص الصدقة.

وكان يَسِمُ إبل الصَّدَقَةِ بيده، وكان يَسِمُها في آذانها.

وكان إذا عراه أمر، استسلف الصدقة من أربابها، كما استسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر[عدل]

فرضها رسولُ الله ﷺ على المسلم، وعلى مَنْ يَمُونُهُ مِنْ صَغِيرٍ وكَبِيرِ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.

وروى عنه: أو صاعًا من دقيق، وروى عنه: نصف صاع من بُرٍّ.

والمعروف: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بُرٍّ مكان الصاع من هذه الأشياء، ذكره أبو داود.

وفي الصحيحين أن معاوية هو الذي قَوَّم ذلك، وفيه عن النبي ﷺ آثار مرسلة، ومسندة، يُقوِّي بعضها بعضًا.

فمنها: حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "صاعٌ مِنْ بُرٍّ أوْ قَمْح على كُلِّ اثنين" رواه الإمام أحمد وأبو داود.

وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مَكَّة: "أَلا إنَّ صَدَقَة الفِطْرِ وَاجِبَةٌ على كُلِّ مُسْلِم، ذَكَرٍ أو أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهُ صَاعًا مِنْ طَعام " قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أَن رسول الله ﷺ، أمَرَ عَمْرو بْنَ حَزْمٍ في زَكَاةِ الفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ. وفيه سليمان بن موسى، وثَّقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم.

قال الحسنُ البصري: خطب ابنُ عباس في آخر رمضانَ على منبر البصرة، فقال: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فكأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا. فَقَالَ: مَنْ هَهُنا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؟ قُومُوا إلَى إخْوَانِكُم فَعَلِّمُوهُم فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فَرضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صاعًا مِن تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أو مملُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، فلما قَدِمَ عَليُّ رضي الله عنه رَأى رُخْصَ السِّعْرِ قَالَ: قَدْ أَوْسَعَ اللهُ عَلَيْكُم، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَىءٍ". رواه أبو داود وهذا لفظه، والنسائي وعنده فقال عَليُّ: أَمَا إذ أَوْسَعَ اللهُ عَلَيْكُم، فَأوْسِعُوا، اجْعَلُوها صَاعًا مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِه. وكان شيخنا رحمه الله: يُقوِّي هذا المذهب ويقول: هو قياس قولِ أحمد في الكفَّارات، أن الواجبَ فيها من البُرِّ نصفُ الواجب من غيره.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ إخراج هذه الصدقة قبلَ صلاة العيد، وفي السنن عنه: أنه قال: "مَنْ أدَّاها قَبْلَ الصَّلاة، فهي زَكَاةٌ مَقْبُولَة، ومَنْ أَدَّاها بَعْدَ الصَّلاة فهي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقاتِ".

وفي الصحيحين، عن ابن عمر، قال: أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ تُؤدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاة.

ومقتضى هذين الحديثين: أنه لا يجوزُ تأخيرُها عن صلاة العيد، وأنها تفوتُ بالفراغ مِن الصلاة، وهذا هو الصواب، فإنه لا مُعارِض لهذين الحديثين ولا ناسخ، ولا إجماع يدفع القولَ بهما، وكان شيخُنا يُقوِّي ذلك وينصرُه، ونظيرُه ترتيبُ الأُضحية على صلاة الإمام، لا على وقتها، وأن مَن ذبح قبلَ صلاة الإمام، لم تكن ذبيحته أُضحيةً بل شاة لحم. وهذا أيضًا هو الصواب في المسألة الأخرى، وهذا هَدْيُ رسول الله ﷺ في الموضعين.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ تخصيصُ المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسِمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحدٌ من أصحابه، ولا مَنْ بعدهم، بل أحدُ القولين عندنا: أنه لا يجوزُ إخراجُها إلا على المساكين خاصة، وهذا القولُ أرجحُ من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع[عدل]

كان ﷺ أعظمَ الناس صدقةً بما ملكت يدُه، وكان لا يستكثِر شيئًا أعطاه للَّهِ تعالى، ولا يستقِلُّه، وكان لا يسألُه أحدٌ شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاء مَنْ لا يخافُ الفقر، وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شىءٍ إليه، وكان سُرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخِذِ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينه كالرِّيح المرسلة.

وكان إذا عرض له مُحتاج، آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه.

وكان يُنوِّع في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارةً بالصدقة، وتارةً بالهدية، وتارةً بشراءِ الشىء ثم يُعطى البائع الثمن والسِّلعة جميعًا، كما فعل ببعير جابر وتارة كان يقترض الشئ، فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر، ويشترى الشىء، فيعطى أكثر من ثمنه، ويقبل الهديَّة ويُكافيء عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطفًا وتنوُّعًا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقُته وإحسانُه بما يملكُه، وبحاله، وبقوله، فيُخْرِجُ ما عنده، ويأمُرُ بالصدقة، ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيلُ الشحيح، دعاه حالُه إلى البذل والعطاء، وكان مَنْ خالطَه وصَحِبه، ورأى هَدْيَه لا يملِكُ نفسه من السماحة والنَّدى.

وكان هَدْيه ﷺ يدعو إلى الإحسان والصدقةِ والمعروف، ولذلك كان ﷺ أشرحَ الخلق صدرًا، وأَطيَبهم نفسًا، وأنعمَهم قلبًا. فإن لِلصدقة وَفِعلِ المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر، وانضاف ذلك إلى ما خصَّه الله بهِ من شرح صدره بالنبوة والرسالة، وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسًا وإخراج حظِّ الشيطان منه.

فصل في أسباب شرح الصدور وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم[عدل]

فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيدُ وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه. قال الله تعالى: { أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّنْ رَبِّه } [1]. وقال تعالى: { فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ } [2].

فالهُدى والتوحيدُ مِن أعظم أسبابِ شرح الصدر، والشِّركُ والضَّلال مِن أعظم أسبابِ ضيقِ الصَّدرِ وانحراجِه، ومنها: النورُ الذي يقذِفُه الله في قلب العبد، وهو نورُ الإيمان، فإنه يشرَحُ الصدر ويُوسِّعه، ويُفْرِحُ القلبَ. فإذا فُقِدَ هذا النور من قلب العبد، ضاقَ وحَرِجَ، وصار في أضيق سجنٍ وأصعبه.

وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي ﷺ، أنه قال: " إذا دَخَلَ النور القلبَ، انْفَسَحَ وانشرحَ ". قالوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رسُولَ اللهِ؟ قال: "الإنَابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزوله". فيُصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النورُ الحِسِّي، والظلمةُ الحِسِّية، هذه تشرحُ الصدر، وهذه تُضيِّقه.

ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسِّعه حتى يكون أَوسعَ من الدنيا، والجهلُ يورثه الضِّيق والحَصْر والحبس، فكلما اتَّسع علمُ العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل عِلم، بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ وهو العلمُ النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسُنهم أخلاقًا، وأطيبُهم عيشًا.

ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبتُه بكلِّ القلب، والإقبالُ عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شىء أشرحُ لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقولُ أحيانًا: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذًا في عيش طيب. وللمحبة تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر، وطيبِ النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا مَن له حِس به، وكلَّما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ، كان الصدرُ أفسحَ وأشرحَ، ولا يَضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارِغين من هذا الشأن، فرؤيتُهم قَذَى عينه، ومخالطتهم حُمَّى روحه.

ومِنْ أعظم أَسباب ضيق الصدر: الإعراضُ عن الله تعالى، وتعلُّقُ القلب بغيره، والغفلةُ عن ذِكره، ومحبةُ سواه، فإن مَن أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّبَ به، وسُجِنَ قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالًا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا، فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذةُ القلب، ونعيم الروح، وغِذاؤها، ودواؤُها، بل حياتُها وقُرَّةُ عينها، وهي محبةُ الله وحدَه بكُلِّ القلب، وانجذابُ قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلِّها إليه.

ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغمُّ النفس، وسِجْنُ القلب، وضِيقُ الصدر، وهي سببُ الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه.

ومن أسباب شرح الصدر دوامُ ذِكره على كُلِّ حال، وفى كُلِّ موطن، فللذِكْر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيب في ضِيقه وحبسه وعذابه.

ومنها: الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدرًا، وأطيبُهم نفسًا، وأنعمُهم قلبًا، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناسِ صدرًا، وأنكدُهم عيشًا، وأعظمُهم همًّا وغمًّا. وقد ضرب رسول الله ﷺ في الصحيح مثلًا للبخيل والمتصدِّق، كمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ، حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابِهُ وَيُعْفِيَ أثَرَهُ، وكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ، لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ. فهذا مَثَلُ انشِراحِ صدر المؤمن المتصدِّق، وانفساح قلبه، ومثلُ ضِيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه.

ومنها: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متَّسِعُ القلب، والجبانُ: أضيق الناس صدرًا، وأحصرُهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذَّة له، ولا نعيم إلا منْ جنس ما للحيوان البهيمى، وأما سرور الروح، ولذَّتُها، ونعيمُها، وابتهاجُها، فمحرَّمٌ على كل جبان، كما هو محرَّم علِي كل بخيلٍ، وعلى كُلِّ مُعرِض عن الله سبحانه، غافلٍ عن ذِكره، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودِينه، متعلق القلبِ بغيره. وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضًا وجنة، وذلك الضيقُ والحصر، ينقلبُ في القبر عذابًا وسجنًا. فحال العبد في القبر. كحال القلب في الصدر، نعيمًا وعذابًا وسجنًا وانطلاقًا، ولا عبرةَ بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدرِ هذا لعارض، فإن العوارِضَ تزولُ بزوال أسبابها، وإنما المعوَّلُ على الصِّفة التي قامت بالقلب تُوجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان. والله المستعان.

ومنها بل من أعظمها: إخراجُ دَغَلِ القَلْبِ من الصفات المذمومة التي تُوجب ضيقه وعذابه، وتحولُ بينه وبين حصول البُرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرحُ صدره، ولم يُخرِجْ تلك الأوصافَ المذمومة من قلبه، لم يحظَ مِن انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوِرَانِ على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.

ومنها: تركُ فضولِ النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطةِ، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلامًا وغمومًا، وهمومًا في القلب، تحصُرُه، وتحبِسه، وتضيِّقهُ، ويتعذَّبُ بها، بل غالِبُ عذابِ الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا اللهُ ما أضيقُ صدَر مَن ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم، وما أنكَدَ عيشَه، وما أسوأ حاله، وما أشدَّ حصرَ قلبه، ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيشَ مَنْ ضرب في كل خَصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همتُّه دائرةً عليها، حائمةً حولها، فلهذا نصيب وافر مِنْ قوله تعالى: { إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم } [3] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: { وإنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [4] وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصيها إلا الله تبارك وتعالى.

والمقصود: أن رسولَ الله ﷺ كان أكملَ الخلق في كلِّ صفة يحصُل بها انشراحُ الصدر، واتِّساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة، وقُرَّةِ العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحسي، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملُهم انشراحًا ولذَّة وقُرَّة عين، وعلى حسب متابعته ينالُ العبد من انشراح صدره وقُرَّة عينه، ولذَّة روحه ما ينال، فهو ﷺ في ذُروة الكمال مِن شرح الصدر، ورفع الذِكْر، ووضع الوِزْر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتِّباعه. والله المستعان.

وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفظ الله لهم، وعصمتِه إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازه لهم، ونصرِه لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقِلُّ ومستكثِر، فمَن وجد خيرًا، فليحمد الله. ومَن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام[عدل]

لما كان المقصودُ مِن الصيام حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعِدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجارى الشيطانِ من العبد بتضييق مجارى الطعام والشراب، وتُحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسكِّنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعلُ شيئًا، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سِرٌّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بَشرٌ، وذلك حقيقةُ الصوم.

وللصوم تأثيرٌ عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدى الشهوات، فهو من أكبر العونِ على التقوى كما قال تعالى: { يأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [5].

وقال النبي ﷺ: "الصَّوْمُ جُنَّة". وأمَرَ مَنِ اشتدَّتْ عليه شَهوةُ النكاح، ولا قُدرة لَه عليه بالصِّيام، وجعله وجَاءَ هذه الشهوة.

والمقصود: أن مصالحَ الصومِ لمَّا كانت مشهودةً بالعقول السليمةِ، والفِطَرِ المستقيمة، شرعه اللهُ لعباده رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّةً.

وكان هَدي رسول الله ﷺ فيه أكَملَ الهَدْي، وأعظمَ تحصيل للمقصود، وأسهلَه على النفوس.

ولما كان فَطْمُ النفوسِ عن مألوفاتِها وشهواتِها مِن أشق الأمور وأصعبها، تأخَّر فرضُه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطَّنَتِ النفوسُ على التوحيد والصلاة، وأَلِفَت أوامِرَ القرآنِ، فَنُقِلَت إليه بالتدريج.

وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفِّي رسول الله ﷺ وقد صامَ تِسع رمضانات، وفُرِضَ أولًا على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعِم عن كُلِّ يوم مسكينًا، ثم نُقِلَ مِن ذلك التخيير إلى تحتُّم الصومِ، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يُطيقا الصيامَ، فإنهما يُفطِران ويُطعمان عن كُلِّ يوم مسكينًا، ورخَّص للمريض والمسافِر أن يُفطرا ويقضيا، ولِلحامِل والْمُرضِعِ إذا خافتا على أنفسهما كَذَلِكَ، فإن خافتا على ولديهما، زادتا مع القضاء إطعام مِسكين لِكُلِّ يوم، فإن فطرهما لم يكن لِخوف مرض، وإنما كان مع الصِّحة، فجُبِر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أوَّل الإسلام.

وكان للصوم رُتَبٌ ثلاث، إحداها: إيجابُه بوصف التخيير.

والثانية تحتُّمه، لكن كان الصائمُ إذا نام قبل أن يَطْعَمَ حَرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ إلى الليلة القابلة، فنُسِخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهي التي استقر عليها الشرعُ إلى يوم القيامة.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ في شهر رمضان، الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريلُ عليه الصلاة والسلام يُدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجودَ بالخير من الريح المرسلة، وكان أجودَ الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يُكْثِرُ فيه مِن الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذِّكرِ، والاعتكاف.

وكان يَخُصُّ رمضانَ من العبادة بما لا يَخُصُّ غيرَه به من الشهور، حتى إنه كان ليُواصل فيه أحيانًا لِيُوَفِّرَ ساعات لَيلِهِ ونهارِه على العبادة، وكان ينهى أصحابَه عن الوصال، فيقولون له إنَّك تُواصل، فيقول: "لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم إني أَبِيتُ وفى رواية: إني أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُني وَيَسْقِيني".

وقد اختلف الناسُ في هذا الطعام والشراب المذكورَيْنِ على قولين:

أحدهما: أنه طعامٌ وشراب حِسِّي للفم، قالوا: وهذه حقيقةُ اللفظ، ولا مُوجِبَ للعدُول عنها.

الثاني: أن المرادَ به ما يُغذِّيه الله به من معارفه، وما يَفيضُ على قلبه مِن لذة مناجاته، وقُرةِ عينه بقُربه، وتنعُّمِه بحبه، والشوقِ إليه، وتوابع ذلك من الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوب، ونعيمُ الأرواح، وقرةُ العين، وبهجةُ النفوسِ والرُّوح والقلب بما هو أعظمُ غذاء وأجودُه وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يُغْنيَ عن غِذاء الأجسام مدةً من الزمان، كما قيل:

لَها أحَادِيثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُهَا ** عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ

لَها بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ ** وَمِنْ حَدِيثِك في أعْقابِهَا حادي

إذا شَكَتْ مِن كَلالِ السَّيْرِ أوْعدَهَا ** رَوْحُ القُدومِ فَتَحْيا عِنْدَ ميعاد

ومَن له أدنى تجربةٍ وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغِذاء الحيواني، ولا سيما المسرورَ الفرحانَ الظافرَ بمطلوبه الذي قد قرَّت عينُه بمحبوبه، وتنعَّم بقربه، والرِّضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إليه كُلَّ وقت، ومحبوبُه حفى به، معتنٍ بأمره، مُكرِمٌ له غايةَ الإكرام مع المحبة التامة له، أفليسَ في هذا أعظمُ غِذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شئ أجلُّ منه، ولا أعظم، ولا أجملُ، ولا أكملُ، ولا أعظمُ إحسانًا إذا امتلأ قلبُ المُحِبِّ بحبُه، ومَلَكَ حبُّه جميعَ أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكَّن حبُّه منه أعظمَ تمكُّن، وهذا حالُه مع حبيبه، أفليس هذا المُحِبُّ عند حبيبه يُطعمُه ويَسقيه ليلًا ونهارًا؟ ولهذا قال: "إني أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنى ويَسْقِينى". ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم، لما كان صائمًا فضلًا عن كونه مواصلًا، وأيضًا فلو كان ذلك في الليل، لم يكن مُواصِلًا، ولقال لأصحابه إذ قَالُوا له: إنَّك تُواصِلُ: "لَسْتُ أواصلُ". ولم يقل: "لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم"، بل أقرَّهم على نسبة الوصال إليه، وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك، بما بيَّنه من الفارق، كما في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، أن رسولَ الله ﷺ واصل في رمضان، فواصلَ الناسُ، فنهاهم، فقيل له: أنت تُواصِلُ، فقال: "إني لَسْتُ مِثْلَكُم إني أُطْعَمُ وأُسْقَى".

وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَال، فقالوا: إنك تُواصِلُ. قال: "إني لَسْتُ مِثْلَكُم إني أُطْعَمُ وَأُسْقَى".

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الوِصَال، فقال رجل من المسلمين: إنكَ يا رسولَ الله تُواصِل، فقال رسولُ الله ﷺ: "وأَيُّكُم مِثْلى، إني أَبيتُ يُطْعِمُنى رَبِّي وَيَسْقِينى".

وأيضًا: فإن النبي ﷺ لما نهاهم عن الوِصَال، فأبوا أن ينتهوا، واصلَ بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: "لو تَأَخَّرَ الهِلال، لزِدْتُّكم ". كالمُنكِّل لهم حينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَال.

وفي لفظ آخر: "لو مُدَّ لنا الشَّهْرُ لوَاصَلْنا وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهم، إني لَسْتَُ مِثْلَكُمْ أو قال: إنَّكُم لَسْتُم مِثْلى فإني أَظَلُّ يُطْعِمُنى ربِّي ويَسْقِينى" فأخبر أنه يُطعَم ويُسقَى، مع كونه مُواصِلًا، وقد فعل فعلهم منكِّلًا بهم، معجِّزًا لهم فلو كان يأكل ويشرب، لما كان ذلك تنكيلًا، ولا تعجيزًا، بل ولا وِصَالًا، وهذا بحمد الله واضح.

وقد نهى رسول الله ﷺ عن الوِصَال رحمة للأُمة، وأذِن فيه إلى السَّحَر، وفي صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري، أنه سَمِعَ النبي ﷺ يقول: "لا تُواصِلوا فَأَيُّكُم أراد أنْ يُواصِل فَلْيُوَاصِل إلى السَّحَر".

فإن قيل: فما حُكمُ هذه المسألة، وهل الوِصَال جائز أو محرَّم أو مكروه؟ قيل: اختلف الناسُ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه جائز إن قَدَرَ عليه، وهو مروى عن عبد الله بن الزبير وغيره من السَلَف، وكان ابن الزبير يُواصِل الأيام، ومِنْ حُجةِ أرباب هذا القول، أن النبي ﷺ واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوِصَال، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أنه نهى عن الوِصَال وقال: "إني لستُ كَهَيْئَتِكُم" فلما أَبَوْا أن يَنْتَهُوا، واصَلَ بِهِمْ يومًا، ثم يومًا، فهذا وِصاله بهم بعد نهيه عن الوِصال، ولو كان النهي للتحريم، لما أَبَوْا أن ينتهوا، ولما أقرَّهم عليه بعد ذلك. قالوا: فلما فعلُوه بعد نهيه وهو يعلَم ويُقِرُّهم، عُلِمَ أنه أراد الرحمة بهم، والتخفيفَ عنهم، وقد قالت عائشةُ: نهى رسول الله ﷺ عن الوِصال رحمة لهم متفق عليه.

وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الوِصال، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، رحمهم الله، قال ابنُ عبد البر وقد حكاه عنهم: إنهم لم يُجيزوه لأحد.

قلت: الشافعي رحمه الله نصَّ على كراهته، واختلف أصحابُه، هل هي كراهة تحريم أو تنزيه على وجهين، واحتج المحرِّمون بنهي النبي ﷺ، قالوا: والنهي يقتضى التحريم. قالوا: وقول عائشة: "رحمة لهم" لا يمنع أن يكون للتحريم، بل يُؤكده، فإن مِن رحمته بهم أن حرَّمه عليهم، بل سائرُ مناهيه للأمة رحمةٌ وحِمْيةٌ وصيانةٌ. قالوا: وأما مُواصلتُه بهم بعد نهيه، فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوِصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، وبيانِ الحِكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، فإذا ظهرت لهم مفسدةُ الوِصال، وظهرت حِكمةُ النهي عنه، كان ذلك أدعى إلى قبولهم، وتركِهم له، فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوِصال، وأحسُّوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهمُّ وأرجحُ مِن وظائف الدِّين من القوةِ في أمر الله، والخشوع في فرائضه، والإتيانِ بحقوقها الظاهرة والباطنة، والجوعُ الشديدُ يُنافى ذلك، ويحولُ بين العبد وبينه، تبيَّن لهم حِكمةُ النهي عن الوِصال والمفسدةُ التي فيه لهم دُونَه ﷺ. قالوا: وليس إقرارُه لهم على الوِصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظمَ مِن إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف، ولئلا يُنَفَّرَ عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسئ في صلاته على الصلاة التي أخبرهم ﷺ أنها ليست بصلاة، وأن فاعلها غيرُ مصلٍّ، بل هي صلاةٌ باطلة في دِينه فأقرَّه عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنه أبلغُ في التعليم والتعلُّم، قالوا: وقد قال ﷺ: "إذا أمَرْتُكم بأَمْرٍ، فأْتوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم، وإذا نَهَيْتُكم عن شئ فاجْتَنِبُوه".

قالوا: وقد ذُكِرَ في الحديث ما يَدُلُّ على أن الوِصال مِن خصائصه. فقال: "إني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم" ولو كان مباحًا لهم، لم يكن من خصائصه.

قالوا: وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنا، وَغَرَبت الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَر الصَّائِم".

وفي الصحيحين نحوه من حديث عبد الله بن أبي أَوفى. قالوا: فجعله مفطرًا حكمًا بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يُحيل الوِصال شرعًا.

قالوا: وقد قال ﷺ: "لا تَزالُ أُمَّتى على الفِطْرة أو لا تَزالُ أُمَّتى بَخَيْر ما عَجَّلُوا الفِطْر".

وفي السنن عن أبي هريرة عنه: "لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ، إنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يُؤخِّرُونَ".

وفي السنن عنه، قال: قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "أَحَبُّ عِبَادِي إليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا". وهذا يقتضى كراهة تأخير الفِطر، فكيف تركُه، وإذا كان مكروهًا، لم يكن عبادة، فإن أقلَّ درجاتِ العبادة أن تكونَ مُستحَبة.

والقول الثالث وهوأعدلُ الأقوال: أن الوِصال يجوز من سَّحَر إلى سَّحَر، وهذا هو المحفوظ عن أحمد، وإسحاق، لحديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: "لا تُواصلوا فأَيُّكم أراد أنْ يُواصِل فليواصل إلى السَّحَر". رواه البخاري وهو أعدلُ الوِصال وأسهلُه علِي الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخَّر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السَّحَر، كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره. والله أعلم.

فصل (في أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد)[عدل]

وكان من هَدْيه ﷺ أن لا يدخُل في صوم رمضان إلا بُرؤيةٍ محقَّقة، أو بشهادة شاهدٍ واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، وصام مرة بشهادة أعرابي، واعتمد على خبرهما، ولم يُكلِّفْهما لفظَ الشهادة. فإن كان ذلك إخبارًا، فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادة، فلم يُكلِّف الشاهدَ لفظَ الشهادة، فإن لم تكن رؤيةٌ، ولا شهادةٌ، أكمل عِدَة شعبان ثلاثين يومًا.

وكان إذا حال ليلةَ الثلاثين دون منظره غيمٌ أو سحاب، أكمل عِدَّة شعبان ثلاثين يومًاً، ثم صامه. ولم يكن يصوم يومَ الإغمام، ولا أمرَ به، بل أمر بأن تُكمَّل عِدة شعبان ثلاثين إذا غُمَّ، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله، وهذا أمرُه، ولا يُنَاقِضُ هذا قوله: "فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فاقْدُرُوا له"، فإن القدر: هو الحِسابُ المقدَّر، والمراد به الإكمال كما قال: "فأَكْمِلُوا العِدَّة" والمراد بالإكمال، إكمالُ عِدَّة الشهر الذي غُمَّ، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: "فأَكْمِلُوا عِدَّة شَعبان". وقال: "لا تَصُوموا حَتَّى تَروهُ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكْمِلوا العِدَّة" والذي أمر بإكمال عِدَّته، هو الشهرُ الذي يغم، وهو عند صيامه وعند الفطر منه، وأصرحُ من هذا قوله: "الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وعِشْرون، فلا تَصُومُوا حَتَّْى تَرَوه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا العِدَّة"، وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دلَّ عليه لفظُه، واعتبارُ ما دلَّ عليه من جهة المعنى. وقال: "الشَّهْرُ ثَلاثون، والشَّهْرُ تِسْعَةٌ وعِشْرون، فإنْ غُمَّ عليكم فَعُدُّوا ثَلاثين".

وقال: "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرٌوْيَتِهِ، وأَفْطِروا لِرُؤيتِهِ، فإن حَالَتْ دَونَه غَمَامَةٌ فأكْمِلُوا ثلاثين".

وقال: "لا تَقدَّموا الشَّهْرَ حَتَّى ترَوُا الهِلال، أوْ تُكْمِلوا العِدَّة، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، أَوْ تُكْمِلوا العِدَّة".

وقالت عائشة رضي الله عنها: "كانَ رسولُ الله ﷺ يتحفَّظُ مِنْ هِلالِ شَعْبَانِ مَا لا يَتَحَفَّظُ مِنْ غيره، ثم يَصُومُ لِرُؤيَتِهِ، فإن غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ شَعْبَانَ ثَلاثينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَام" صححه الدارقطني وابن حبان.

وقال: "صُومُوا لرُؤْيتِه، وأَفْطِروا لِرُؤْيتِه، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فاقْدُرُوا ثَلاثين".

وقال: "لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْه، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْه، فإنْ أُغْمى عَلَيْكُم، فاقْدُرُوا لَهُ".

وقال: "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَان". وفي لفظ: "لا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يدي رَمَضَان بِيَومٍ، أَوْ يَوْمَيْن، إلَّا رَجُلًا كان يَصُومَ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ".

والدليل على أن يومَ الإغمام داخلٌ في هذا النهي، حديثُ ابن عباس يرفعه: "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضان، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإن حَالَتْ دُونَهُ غَمَامَةٌ، فأَكْمِلُوا ثَلاثِينَ" ذكره ابن حبان في صحيحه.

فهذا صريح في أن صومَ يوم الإغمام مِن غير رُؤية، ولا إكمالِ ثلاثين صومٌ قَبْلَ رمضان.

وقال: "لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ إلَّا أَنْ تَرَوُا الهِلالَ، أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّة، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ".

وقال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ حَالَ بَيْنَكُم وَبَيْنَهُ سَحَاب، فَأَكْمِلُوا العِدَّة ثَلاثين، ولا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفي النسائي: من حديث يونس، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فَعُدُّوا ثَلاثين يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا، ولا تَصُومُوا قَبْلَه يَوْمًا، فإن حَال بَيْنَكُم وبينه سَحَابٌ، فَأَكْمِلُوا العِدَّة عِدَّةَ شَعْبَان".

وقال سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، تمارى الناسُ في رؤية هلال رمضان، فقال بعضُهم: اليومَ. وقال بعضهم: غدًا. فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فذكر أنَّه رآه، فقال النبي ﷺ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولْ الله"؟ قال: نعم. فأمَر النبي ﷺ بلالًا، فَنَادَى في النَّاسِ: صُومُوا. ثم قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَعُدُّوا ثَلاثين يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا، ولا تَصُومُوا قَبْلَه يَوْمًا".

وكل هذه الأحاديث صحيحةٌ، فبعضُها في الصحيحين وبعضها في صحيح ابن حبان، والحاكم، وغيرهما، وإن كان قد أُعِلَّ بعضُها بما لا يقدَحُ في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، واعتبار بعضها ببعض، وكلها يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، والمراد منها متفق عليه.

فإن قيل: فإذا كان هذا هَدْيَه ﷺ، فكيف خالفه عُمَرُ بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن عمر، وأنسُ بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكمُ بن أيوب الغفارى، وعائشةُ وأسماء ابنتا أبي بكر، وخالفه سالمُ بن عبد الله، ومجاهد، وطاووس، وأبو عثمان النَّهْدى، ومطرِّف بن الشِّخِّير، وميمون بن مِهران، وبكر بن عبد الله المزنى، وكيف خالفه إمامُ أهلِ الحديث والسُّنَّة، أحمدُ ابنُ حنبل، ونحن نُوجدكم أقوال هؤلاء مسندة؟

فأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة ويقول: ليس هَذَا بالتقدُّم، ولكنَّه التحرِّي.

وأما الرواية عن علي رضي الله عنه، فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدَّراوردى، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين، أن علي بن أبي طالب قال: لأن أصومَ يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أُفْطِرَ يومًا من رمضان.

وأما الرواية عن ابن عمر: ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: كان إذا كان سحابٌ أصبحَ صائمًا، وإن لم يكن سحاب، أصبح مفطرًا.

وفي الصحيحين عنه، أن النبي ﷺ قال: " إذا رَأَيْتُمُوه، فَصُومُوا، وإذا رَأَيْتُمُوه فَأَفْطِرُوا، وإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فاقْدُرُوا له". زاد الإمام أحمد رحمه الله بإسناد صحيح، عن نافع قال: كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا، يَبْعَثُ مَن ينظرُ، فإن رأى، فذاك، وإن لم يَر، ولم يَحُلْ دون منظره سحابٌ ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قَتَر أصبح صائمًا.

وأما الرواية عن أنس رضي الله عنه: فقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: رأيتُ الهِلال إما الظهرَ، وإِما قريبًا منه، فأفطر ناسٌ من الناس، فأتينا أنسَ بن مالِكٍ، فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار مَن أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يومًا، وذلك لأن الحكم بن أيوب، أرسل إليَّ قبلَ صيام الناس: إني صائم غدًا، فكرهتُ الخلافَ عليه، فصمتُ وأنا مُتِمٌّ يومي هذا إلى الليل.

وأما الرواية عن معاوية، فقال أحمد: حدثنا المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني مكحول، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس، أن معاوية ابن أبي سفيان كان يقول: لأن أَصُومَ يومًا مِنْ شعبانَ، أحبُّ إليَّ من أن أُفْطِرَ يومًا مِنْ رمضان.

وأما الروايةُ عن عمرو بن العاص. فقال أحمد: حدثنا زيدُ بن الحباب، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبَيْرَةَ، عن عمرو بن العاص، أنه كان يصومُ اليومَ الذي يُشَك فيه من رمضان وأما الرواية عن أبي هريرة، فقال: حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدى، حدثنا معاويةُ بن صالح، عن أبى مريم مولى أبي هريرة قال: سمعتُ أبا هُريرة يقول: لأن أتعجَّل في صَوْمِ رَمَضَانَ بيوم، أحبُّ إليَّ من أن أتأخر، لأني إذا تَعَجَّلْتُ لم يَفُتْني، وإذا تأخَّرت فاتَني.

وأما الرواية عن عائشة رضي الله عنها، فقال سعيدُ بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خُمير، عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يُشك فيهِ من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أَصُوم يَوْمًا مِن شَعْبَانَ، أحبُّ إليَّ مِن أَنْ أُفْطِرَ يومًا مِنْ رَمَضَانَ.

وأما الرواية عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، فقال سعيد أيضًا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غُمَّ هلالُ رمضان إلا كانت أسماءُ متقدِّمةً بيوم، وتأمُرُ بتقدُّمه.

وقال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء، أنها كانت تصومُ اليوم الذي يُشك فيه من رمضان.

وكل ما ذكرناه عن أحمد، فمن مسائل الفضل بن زياد عنه.

وقال في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابةٌ أو عِلَّة، أصبح صائمًا، وإن لم يكن في السماء عِلَّة، أصبح مفطرًا، وكذلك نقل عنه ابناه صالح، وعبد الله، والمروزى، والفضل بن زياد، وغيرهم.

فالجواب من وجوه.

أحدها: أن يُقال: ليس فيما ذكرتُم عن الصحابة أثرٌ صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلُهم مخالفًا لهَدْي رسول الله ﷺ، وإنما غايةُ المنقولِ عنهم صومُه احتياطًا، وقد صرَّح أنس بأنه إنما صامه كراهةً للخلاف على الأمراء، ولهذا قال الإمام أحمد في رواية: الناسُ تبعٌ للإمام في صومه وإفطاره، والنصوصُ التي حكيناها عن رسول الله ﷺ مِن فعله وقوله، إنما تدُلُّ على أنه لا يجب صومُ يوم الإغمام، ولا تدُلُّ على تحريمه، فَمَنْ أفطره، أخذ بالجواز، ومَنْ صامه، أخذ بالاحتياط.

الثاني: أن الصحابة كان بعضُهم يصومُه كما حكيتُم، وكان بعضُهم لا يصُومه، وأصحُ وأصرحُ مَن رُوى عنه صومُه: عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البر: وإلى قوله ذهب طاووس اليماني، وأحمد بن حنبل، ورُوى مثلُ ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، ولا أعلم أحدًا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم، قال: وممن رُوى عنه كراهةُ صومِ يومِ الشَّكِ، عُمَرُ بنُ الخطاب، وعليُ بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

قلت: المنقول عن عليّ، وعمر، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعًا، وهو الذي قال فيه عمار: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الذي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبا القَاسِم.

فأما صومُ يوم الغيم احتياطًا على أنه إن كان من رمضان، فهو فرضُه وإلا فهو تطوعٌ، فالمنقُولُ عن الصحابة، يقتضى جوازه، وهو الذي كان يفعلُه ابنُ عمر، وعائشة، هذا مع رواية عائشة: أن النبي ﷺ، كان إذا غُمَّ هلالُ شعبان، عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام، وقد رُدَّ حديثُها هذا، بأنه لو كان صحيحًاِ، لما خالفته، وجعل صيامها عِلَّةً في الحديث، وليس الأمرُ كذلك، فإنها لم تُوجب صيامه، وإنما صامته احتياطًا، وفهمت من فعل النبي ﷺ وأمره أن الصيامَ لا يجبُ حتى تكمُل العِدَّة، ولم تفهم هي ولا ابنُ عمر، أنه لا يجوز.

وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمِع الأحاديثُ والآثار، ويدل عليه ما رواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال لهلال رمضان: "إذا رأيتُمُوه فصُوموا، وإذا رأيتُمُوه فأفطروا، فإنْ غُمَّ عليكم، فاقْدُرُوا له ثلاثين يومًا". ورواه ابن أبي روّاد، عن نافع عنه: "فإنْ غُمَّ عليكم، فأكْمِلُوا العِدَّة ثَلاثين ".

وقال مالك وعبيد الله عن نافع عنه: "فاقْدُرُوا لَه". فدل على أن ابن عمر، لم يفهم من الحديثِ وجوب إكمال الثلاثين، بل جوازه، فإنه إذا صام يومَ الثلاثين، فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطًا، ويدل على ذلك، أنه رضي الله عنه، لو فَهِم من قوله ﷺ: "اقْدُرُوا له تسعًا وعشرين، ثم صُومُوا" كما يقولُه الموجبون لصومه، لكان يأمر بذلك أهلَه وغيرهم، ولم يكن يقتصِرُ على صومه في خاصة نفسه، ولا يأمر به، ولبيَّن أن ذلك هو الواجب على الناس.

وكان ابن عباس رضي الله عنه، لا يُصومه ويحتجُّ بقوله ﷺ: "لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثين".

وذكر مالك في موطئه هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر، كأنه جعله مفسِّرًا لحديث ابن عمر، وقوله: "فاقْدُرُوا لَه".

وكان ابن عباس يقول: عجبتُ ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين، وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ" كأنه يُنكِرُ على ابن عمر.

وكذلك كان هذان الصاحبان الإمامان، أحدهما يميل إلى التشديد، والآخر إلى الترخيص، وذلك في غير مسألة. وعبد الله بن عمر: كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يُوافقه عليها الصحابة، فكان يغسِلُ داخل عينيه في الوضوء حتى عَمِيَ من ذلك، وكان إذا مسَح رأسه، أفردَ أُذنيه بماءٍ جديد، وكان يمنعُ مِن دخول الحمَّام، وكان إذا دخله، اغتسل منه، وابن عباس: كان يدخل الحمَّام، وكان ابن عمر يتيمم بضربتين: ضربةٍ للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربة واحدة، ولا على الكفَّين، وكان ابن عباس يُخالفه، ويقول: التيمم ضربة للوجه والكفَّين، وكان ابنُ عمر يتوضأ من قُبلة امرأته، ويُفتى بذلك، وكان إذا قبَّل أولاده، تمضمض، ثمَّ صلَّى، وكان ابنُ عباس يقول: ما أبالى قبَّلتُها أو شَمَمْتُ ريحانًا.

وكان يأمر مَن ذكر أنَّ عليه صلاةً وهو في أخرى أن يُتمَّها ثم يُصلى الصلاة التي ذكرها، ثم يُعيد الصلاة التي كان فيها، وروى أبو يعلى المَوْصِلى في ذلك حديثًا مرفوعًا في مسنده والصواب: أنه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد رويَ عن ابن عمر مرفوعًا ولا يصح، قال: وقد رويَ عن ابن عباس مرفوعًا، ولا يصح. والمقصود: أن عبد الله بن عمر كان يسلُك طريق التَّشديد والاحتياط. وقد روى معمر، عن أيوب، عن نافع عنه، أنه كان إذا أدرك مع الإمام ركعة أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته، سجد سجدتى السهو، قال الزهري: ولا أعلم أحدًا فعله غيره.

قلت: وكأنَّ هذا السجود لِمَا حصَل له مِن الجلوس عقيبَ الركعة، وإنما محلُّه عقيبَ الشفع.

ويدل على أن الصحابة لم يصُومُوا هذا اليوم على سبيل الوجوب، أنهم قالُوا: لأن نَصُومَ يومًا من شعبان، أحبُّ إلينا من أن نُفطر يومًا من رمضان، ولو كان هذا اليومُ من رمضان حتمًا عندهم، لقالُوا: هذا اليوم من رمضان، فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم.

ويدل على انهم إنما صاموه استحبابًا وتحرِّيًا، ما رُوى عنهم من فطره بيانًا للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعتُ ابن عمر يقول: لو صمتُ السنة كُلَّها لأَفْطرتُ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه.

قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بنُ حُميدٍ قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابنَ عمر. قالوا: نَسْبِقُ قبل رمضانَ حتىلا يفوتنا منه شئ؟ فَقَال: أُفٍّ، أُفٍّ، صُومُوا مع الجماعة، فقد صح عن ابنِ عُمَرَ، أنه قال: لا يتقدَّمَنَّ الشهرَ منكم أحدٌ، وصح عنه ﷺ. أنه قال: "صُومُوا لِرُؤية الهِلالِ، وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فَعُدُّوا ثَلاثِينَ يومًا".

وكذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا رأيتم الهِلال، فصُومُوا لرؤيته، وإذا رأيتُمُوه، فأفطِروا، فإن غُمَّ عليكم، فأكْمِلُوا العِدَّة.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فإنْ غُمَّ عليكم، فعُدُّوا ثلاثين يومًا.

فهذه الآثار إن قُدِّرَ أنها معارِضة لتلك الآثار التي رُويت عنهم في الصوم، فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظًا ومعنى، وإن قُدِّرَ أنها لا تعَارُضَ بينها، فههنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غيرِ صورة الإغمام، أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم.

والثانية: حملُ آثارِ الصوم عنهم على التحرِّي والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثارُ صريحة في نفى الوجوب، وهذه الطريقة أقربُ إلى موافقة النصوص، وقواعدِ الشرع، وفيها السلامةُ من التفريق بين يومين متساويين في الشَّكِ، فيُجعلُ أحدهما يوم شك، والثاني يومَ يقين، مع حصولِ الشك فيه قطعًا، وتكليفُ العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعًا، مع شكِّه هل هو منه، أم لا؟ تكليفٌ بما لا يُطاق، وتفريقٌ بين المتماثلين، والله أعلم.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ أمرُ الناس بالصَّوْمِ بشهادةِ الرجل الواحد المسلم، وخروجِهم منه بشهادة اثنين وكان من هَدْيه إذا شهد الشاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد، أن يُفْطِرَ، ويأمرَهم بالفِطر، ويُصلِّي العيد من الغد في وقتها.

وكان يُعجِّلُ الفطر، ويحضُّ عليه، ويتسحَّرُ، ويحُثُّ على السَّحور ويؤخِّرُه، ويُرغِّبُ في تأخيره.

وكان يحضُّ على الفطر بالتمر، فإن لم يجد، فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أُمته ونُصحِهم، فإن إعطاء الطبيعة الشئ الحلو مع خُلُوِّ المعدَة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القُوى به، ولا سيما القوةَ الباصرةَ، فإنها تقوى به، وحلاوةُ المدينة التمرُ، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوتٌ، وأُدْمٌ، ورُطَبُه فاكهة. وأما الماء، فإن الكَبِدَ يحصُل لها بالصَّوْم نوعُ يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعُها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكُلَ بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمُها إلا أَطِبَّاءُ القلوب.

فصل

وكان ﷺ يُفْطِر قبل أن يُصلِّيَ، وكان فِطْرُه على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها، فعلى تمرات، فإن لم يجد، فعلى حسواتٍ من ماءٍ.

ويُذكر عنه ﷺ، أنه كان يقول عِند فطره: "اللهُمَّ لَك صمت وعلي رزقك أفطرت فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" ولا يثبت.

وروي عنه أيضًا، أنه كان يقول: "اللهُمَّ لَكَ صُمْتُ وعَلَى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ "ذكره أبو داود عن معاذ بن زهرة، أنه بلغه، أن النبي ﷺ كان يقول ذلك.

وروي عنه، أنه كان يقول، إذا أفطر: "ذَهَبَ الظَّمَأُ، وابْتَلَّتِ العُروقُ، وثَبَتَ الأجْرُ إن شاء الله تعالى" ذكره أبو داود من حديث الحسين بن واقد، عن مروان بن سالم المقفع، عن ابن عمر.

ويُذكر عنه ﷺ: " إن للصَّائم عِنْدَ فِطْرِه دَعْوَةً ما تُرَدُّ". رواه ابن ماجه.

وصح عنه أنه قال: "إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهنا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ ههنا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". وفُسِّرَ بأَنه قد أفطر حكمًا، وإن لم ينوه، وبأنه قد دخل وقتُ فِطره، كأصبح وأمسى، ونهى الصائِم عن الرَّفَث، والصَّخَب والسِّباب وجوابِ السِّباب، فأمره أن يقول لمن سابَّه: "إني صائم"، فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهرُ، وقيل: بقلبه تذكيرًا لنفسه بالصوم، وقيل: يقوله في الفرض بلسانه، وفى التطوع في نفسه، لأنه أبعد عن الرياء.

فصل

وسافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام وأفطر، وخيَّرَ الصحابة بين الأمرين.

وكان يأمرهم بالفطر إذا دَنَوْا مِنْ عدوهم لِيتقوَّوْا على قتالِهِ فلو اتفق مثلُ هذا في الحَضَر وكان في الفطر قُوة لهم على لقاء عدوِّهم، فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهُما دليلًا: أن لهم ذلك وهو اختيارُ ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لمَّا لَقُوا العدوَّ بظاهر دمشق، ولا ريبَ أن الفِطر لذلك أولى مِن الفطر لمجرد السفر، بل إباحةُ الفطر للمسافر تنبيهٌ على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحقُّ بجوازه، لأن القوة هناك تختصُّ بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظمُ مِن مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلَة بالفطر للمجاهد أعظمُ من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله تعالى قال: { وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ } [6]. والفِطرُ عند اللقاء، من أعظم أسباب القوة.

والنبي ﷺ قد فسَّرَ القوة بالرمي وهو لا يَتِمُّ ولا يحصلُ به مقصوده، إلا بما يُقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي ﷺ قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: "إنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُم، والفِطْر أَقْوَى لَكُم". وكانت رُخْصَةً، ثُمَّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَال: "إنَّكُم مُصَبِّحُو عَدُوِّكُم، والفِطْرُ أَقْوَى لَكُم، فَأَفْطِرُوا" فَكَانَتْ عزمةً فأفطرنا، فعلَّل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقَوْن بها العدوَّ، وهذا سببٌ آخرُ غير السفر، والسفرُ مستقِلٌ بنفسه، ولم يذكره في تعليله، ولا أشار إليه، فالتعليل به اعتبارًا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاءُ وصف القوة التي يُقاوَم بها العدو، واعتبارُ السفر المجرد إلغاءٌ لما اعتبره الشارع وعلَّل به.

وبالجملة، فتنبيهُ الشارع وحِكمته، يقتضى أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العِلَّة، ونبَّه عليها، وصرَّح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويدل عليه، ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: سمعتُ ابنَ عمر يقول: قالَ رسول الله ﷺ لأصحابه يَوْمَ فَتْحِ مَكَّة: "إنَّه يَوْمُ قِتَالٍ فَأَفْطِرُوا" تابعه سعيد بن الربيع، عن شعبة، فعلَّل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهمُ من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال، وأما إذا تجرَّد السفرُ عن الجهاد، فكان رسولُ الله ﷺ يقول في الفطر: هي رُخْصَةٌ مِنَ الله، فمَن أخذ بها، فحسن، ومَن أحبَّ أن يصوم، فلا جُنَاح عليه.

فصل

وسافر رسولُ الله ﷺ في رمضان في أعظم الغزواتِ وأجلّها في غَزَاة بدرٍ، وفى غَزَاة الفتح.

قال عمر بن الخطاب: "غزوْنَا مع رسولِ الله ﷺ في رمضان غزوتين: يَوْمَ بَدْرٍ، والفَتْحَ، فَأَفْطَرْنَا فيهِمَا".

وأما ما رواه الدارقطني وغيرُه، عن عائشة قالت: خرجتُ مع رسولِ الله ﷺ في عُمرة في رمضان فأفطر رسول الله ﷺ وصمت، وقصر وأتممت. فغلط، إما عليها وهو الأظهر، أو منها وأصابها فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: اعتمر رسولُ الله ﷺ في رجب فقالت: يرحم اللهُ أبا عبد الرحمن، ما اعتمرَ رسولُ الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطُّ. وكذلك أيضًا عُمَرُهُ كُلُّها في ذي القَعْدَةِ، وما اعتمر في رمضان قطُّ.

فصل

ولم يكن من هَدْيه ﷺ تقديرُ المسافةِ التي يفطر فيها الصائِمُ بحَدٍّ، ولا صحَّ عنْهُ في ذَلِكَ شئ. وقد أفطر دِحيةُ بن خليفة الكَلْبِي في سَفَرِ ثلاثةِ أميال، وقالَ لمن صامَ: قد رَغِبُوا عَنْ هَدْي مُحَمَّدٍ ﷺ.

وكان الصحابة حين يُنشئون السَّفر، يُفطِرُون مِن غير اعتبار مجاوزةِ البُيوت، ويُخبرون أن ذلك سُّنَّته وهَدْيُه ﷺ، كما قال عُبيد بن جَبْرٍ: ركِبْتُ مع أبى بَصرة الغفارى صاحب رسولِ الله ﷺ في سفينةٍ من الفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ، فلم يُجَاوِزِ البُيُوتَ حَتَّى دَعَا بالسُّفْرَة. قال: اقترِبْ، قلتُ: ألستَ ترى البيوتَ؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سُّنَّةِ رسولِ الله ﷺ؟ رواه أبو داود وأحمد. ولفظ أحمد: ركبتُ مع أبى بَصَرةَ من الفُسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دَنَوْنَا مِن مَرْسَاها، أمر بسُفرته، فقُرِّبَتْ، ثم دعانى إلى الغِذاء وذلك في رمضان. فقلتُ: يا أبا بَصْرَة، والله ما تغيَّبت عنا منازِلُنا بعدُ؟ قال: أترغبُ عن سُّنَّة رسول الله ﷺ؟ فقلتُ: لا. قال: فَكُل. قال: فلم نَزَلُ مُفطِرِينَ حتى بلغنا.

وقال محمد بن كعب: أتيتُ أنسَ بنَ مالك في رمضان وهو يُريد سفرًا، وقد رُحِلَتْ له راحِلَتُه، وقد لَبِسَ ثِيابَ السفر، فدعا بطعامٍ فأكل، فقلتُ له: سُّنَّة؟ قال: سُّنَّة، ثم رَكِبَ. قال الترمذي: حديث حسن،

وقال الدارقطني فيه: فأَكل وقد تقارب غروب الشمس.

وهذه الآثار صريحة في أن مَن أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه.

فصل

وكان مِن هَدْيه ﷺ أن يُدركه الفجر وهو جُنبٌ من أهله، فيغتسِلُ بعد الفجر ويصوم.

وكان يُقبِّلُ بعض أزواجه وهو صائم في رمضان وشبَّه قُبلة الصائِم بالمضمضة بالماء.

وأما ما رواه أبو داود عن مِصْدَع بن يحيى، عن عائشة، أن النبي ﷺ، كان يُقبِّلُها وهو صَائِم، ويَمُصُّ لِسَانَها. فهذا الحديث، قد اختُلِفَ فيه، فضَّعفه طائفة بمِصْدَع هذا، وهو مختلَف فيه، قال السعدي: زائغ جائر عن الطريق، وحسَّنه طائفة، وقالوا: هو ثقة صدوق، روى له مسلم في صحيحه وفى إسناده محمد بن دينار الطاحى البصري، مختلف فيه أيضًا، قال يحيى: ضعيف، وفى رواية عنه، ليس به بأس، وقال غيره: صدوق، وقال ابن عدى: قوله: "ويمص لسانها"، لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه، وفى إسناده أيضًا سعد بن أوس، مختلف فيه أيضًا، قال يحيى: بصرى ضعيف، وقال غيره: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.

وأما الحديث الذي رواه أحمد، وابن ماجه، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ، قالت: سُئِلَ النبي ﷺ عن رجل قبَّل امرأته وهما صائمان، فقال: "قد أفطر" فلا يصح عن رسول الله ﷺ، وفيه أبو يزيد الضِّنِّي رواه عن ميمونة، وهي بنت سعد، قال الدارقطني: ليس بمعروف، ولا يثبت هذا، وقال البخاري: هذا لا أُحدِّث به، هذا حديثٌ منكر، وأبو يزيد رجل مجهول.

ولا يَصِحُّ عنه ﷺ التفريقُ بين الشاب والشيخ، ولم يجئ من وجه يثبت، وأجودُ ما فيه، حديث أبي داود عن نصر بن علي، عن أبى أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل، عن أبى العنبس، عن الأغرِّ، عن أبي هريرة، أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصَّائِم، فرخَّصَ له، وأتاه آخرُ فسأله فنهاه، فإذَا الذي رخَّصَ له شَيْخٌ، وإذا الذي نهاه شاب. وإسرائيل وإن كان البخاري ومسلم قد احتجا به وبقية الستة فعِلَّة هذا الحديث أن بينه وبين الأغرِّ فيه أبا العنبس العدوي الكوفي، واسمه الحارث بن عبيد، سكتوا عنه.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ: إسقاطُ القضاءِ عمن أكلَ وشرِب ناسيًا، وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكلُ والشربُ يُضاف إليه، فَيَفْطِرُ به، فإنما يُفْطِرُ بما فعله، وهذا بمنزلة أكلِهِ وشُربه في نومه، إذ لا تكليفَ بفعل النائم، ولا بفعل الناسي.

فصل

والذي صح عنه ﷺ: أن الذي يُفْطِرُ به الصَّائِمُ: الأكلُ، والشربُ، والحِجامة والقئ، والقرآن دال على أن الجِماعَ مفطر كالأكل والشُّرب، لا يُعرف فيه خِلاف. ولا يَصِحُّ عنه في الكُحل شئ.

وصح عنه أنه كان يستاك وهو صائم.

وذكر الإمام أحمد عنه، أنه كان يَصُبُّ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ.

وكان يتمضمض، ويستنشق وهو صائم. ومنع الصَّائِمَ مِن المُبالغةِ في الاستنشاق. ولا يَصِحُّ عنه أنه احتجَمَ وهو صائم، قاله الإمام أحمد، وقد رواه البخاري في صحيحه قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد قال: لم يسمع الحكمُ حديثَ مِقْسم في الحِجامة في الصيام، يعني حديثَ سعيد، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، "أن النبي ﷺ، احتجم وهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ".

قال مهنا: وسألتُ أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهران، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم مُحْرِمٌ. فقال: ليس بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري، إنما كانت أحاديثُ ميمون بن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثًا.

وقال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله ذكر هذا الحديثَ، فضعَّفه، وقال مهنا: سألتُ أحمد عن حديث قَبيصة، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: احتجم رسولُ الله ﷺ صائمًا مُحْرِمًا. فقال: هو خطأ مِن قِبَل قَبيصة، وسألت يحيى عن قبيصة بن عقبة، فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدِّث به عن سفيان، عن سعيد بن جبير، خطأ من قِبَله. قال أحمد: في كتاب الأشجعي عن سعيد بن جبير مرسلًا أن النبي ﷺ، احتجم وهو محرم، ولا يذكر فيه صائمًا.

قال مهنا: وسألتُ أحمد عن حديث ابنِ عبَّاس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم؟ فقال: ليس فيه "صائم" إنما هو "محرم" ذكره سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس: احتجم رسولُ الله ﷺ على رأسه وهُوَ مُحْرِمٌ، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، احتجم النبي ﷺ وهو محرم. وروح، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاووس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم. وهؤلاء أصحاب ابن عباس، لا يذكرون "صائمًا".

وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا وكيع، عن ياسين الزيات، عن رجل، عن أنس، أن النبي ﷺ احتجم في رمضان بعد ما قال: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ". قال أبو عبد الله: الرجل: أراه أُبان بن أبي عياش، يعني ولا يُحتج به.

وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: روى محمد بن معاوية النيسابورى، عن أبى عوانة، عن السُّدى، عن أنس، أن النبي ﷺ، احتجم وهو صائم، فأنكر هذا، ثم قال: السُّدى، عن أنس، قلت: نعم فَعَجِبَ مِنْ هذا. قال أحمد: وفي قوله: "أفطر الحاجِمُ والمحجومُ" غيرُ حديث ثابت. وقال إسحاق: قد ثبت هذا مِن خمسة أوجه عن النبي ﷺ. والمقصود، أنه لم يصح عنه ﷺ أنه احتجم وهو صائم، ولا صح عنه أنه نهى الصائم عن السواك أوَّل النهار ولا آخره، بل قد روى عنه خلافُه.

ويُذكر عنه: "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّواكُ"، رواه ابن ماجه من حديث مجالد وفيه ضعف.

فصل

وروي عنه ﷺ أنه اكتحل وهو صائم، ورُوي عنه أنه خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثْمِدِ، ولا يَصِحُّ، وروى عنه أنه قال في الإثمد: "لِيَتَّقِهِ الصَّائِم" ولا يصح. قال أبو داود: قال لي يحيى ابن معين: هو حديث منكر.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع[عدل]

كان ﷺ يَصُوم حتى يُقال: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقال: لا يَصُومُ، وما استكمل صِيامَ شهر غيرَ رمضان، وما كان يصومُ في شهر أكثر مما يَصُوم في شعبان.

ولم يكن يخرُج عنه شهر حتى يَصُومَ مِنه.

ولم يَصُمِ الثَّلاثَة الأشهر سردًا كما يفعلُه بعضُ الناس، ولا صام رجبًا قطُّ، ولا استحب صِيامَه، بل رُوى عنه النهي عن صيامه، ذكره ابن ماجه.

وكان يتحرَّى صِيام يوم الاثنين والخميس.

وقال ابنُ عباس رضي الله عنه: كان رسولُ الله ﷺ "لا يُفْطِرُ أَيَّامَ البِيض في سَفَرٍ ولا حَضَر" - ذكره النسائي - وكان يحضُّ على صيامها.

وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: كان رسولُ الله ﷺ "يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كلِّ شهر ثلاثة أيام". ذكره أبو داود والنسائي.

وقالت عائشة: "لم يكن يُبالي مِن أي الشهر صامها". ذكره مسلم، ولا تناقض بين هذه الآثار.

وأما صيامُ عشرِ ذي الحِجَّةِ، فقد اخْتُلِفَ فيه، فقالت عائشة: "ما رأيته صائمًا في العشر قط". ذكره مسلم.

وقالت حفصةُ: "أربعٌ لم يكن يَدَعُهُنَّ رسولُ الله ﷺ: صيامُ يومِ عاشوراءِ، والعشرُ، وثلاثةُ أيامٍ من كل شهر، وركعتا الفجر". ذكره الإمام أحمد رحمه الله.

وذكر الإمام أحمد عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه "كان يَصوم تسعَ ذي الحِجة، ويَصُومُ عاشوراء، وثلاثةَ أيامٍ من الشهر، أو الاثنين من الشهر، والخميس"، وفي لفظ: الخميسين. والمثبِتُ مقدَّم على النافي إن صح.

وأما صيامُ ستة أيام من شوَّال، فصح عنه أنه قال: "صِيامُهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ".

وأما صيامُ يوم عاشوراء، فإنه كان يتحرَّى صومَه على سائِر الأيَّام، ولما قَدِمَ المدينة، وجد اليهودَ تصومُه وتُعظِّمُه، فقال: "نَحْنُ أَحَقُّ بمُوسى مِنْكُم". فصامه، وأمَر بصيامه، وذلك قبلَ فرض رمضان، فلما فُرِضَ رمضان، قال: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ ومَنْ شَاءَ تَرَكَه".

وقد استشكل بعضُ الناس هذا وقال: إنما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقولُ ابن عباس: إنه قدم المدينة، فوجد اليهود صُيَّامًا يومَ عاشوراء؟

وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، أنها قالت: كانت قُريشُ تصومُ يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان عليه الصلاةُ والسلامُ يصُومُه، فلما هاجر إلى المدينة، صامه، وأمرَ بصيامه، فلما فُرِضَ شهرُ رمضانَ قال: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَركَه".

وإشكال آخر، وهو ما ثبت في الصحيحين أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود وهو يتغدَّى فقال: يا أبا محمد؛ ادنُ إلى الغَدَاءِ. فقال: أَوَلَيْسَ اليومُ يومَ عاشُوراء؟ فقال: وهل تدري ما يَوْمُ عاشُوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هُوَ يومٌ كان رسولُ الله ﷺ يَصُومُه قبل أن يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فلما نزل رَمَضَانُ تركه. وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسولَ الله ﷺ حِينَ صام يَوْمَ عاشُوراء وأَمَرَ بِصيامِه، قَالُوا: يا رسولَ الله؛ إنَّهُ يومٌ تُعظِّمُه اليهودُ والنَّصارى، فقال رسولُ الله ﷺ: "إذا كانَ العَامُ المُقْبِل إنْ شَاءَ الله صُمْنَا اليَوْمَ التَّاسِع". فلم يأت العامُ المقبل حتَّى توفِّي رسولُ الله ﷺ. فهذا فيه أن صومَه والأمَر بصيامه قبل وفاته بعام، وحديثُه المتقدِّمُ فيه أن ذلك كان عندَ مَقْدَمِه المدينة، ثم إن ابن مسعود أخبر أن يومَ عاشوراء تُرِكَ بِرمضانَ، وهذا يُخالفه حديثُ ابن عباس المذكور، ولا يُمكن أن يُقال: تُرِكَ فرضُه، لأنه لم يُفرض، لما ثبت في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هذا يَوْمُ عَاشُوراء، ولم يَكْتُبِ الله عليكم صِيامَه، وأَنا صَائِمٌ، فمَن شَاءَ، فَلْيَصُمْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر ". ومعاوية إنما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.

وإشكال آخر: وهو أن مسلمًا روى في صحيحه عن عبد الله بن عباس، أنه لما قيل لِرسول الله ﷺ: إنَّ هذا اليومَ تُعظِّمُه اليهودُ والنصارى قال: "إنْ بَقيتُ إلى قَابِل، لأصُومَنَّ التَّاسِعَ " فلم يأتِ العامُ القابِلُ حتى تُوفِّي رسولُ الله ﷺ، ثم روى مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عباس وهو متوسِّد رداءه في زمزم، فقلتُ له: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: "إذا رَأَيْتَ هِلال المُحرَّم، فاعدُدْ، وأصبح يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا قُلْتُ: هَكَذَا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم".

وإشكال آخر: وهو أن صومَه إن كان واجبًا مفروضًاَ في أول الإسلام، فلم يأمرهم بقضائه، وقد فات تبييتُ النيةِ له من الليل وإن لم يكن فرضًا، فكيف أمرَ بإتمام الإمساك مَنْ كان أكل؟ كما في المسند والسنن من وجوه متعددة، أنه عليه السلام، أمر مَن كان طَعِمَ فيه أن يصُومَ بَقيَّةَ يَوْمِه. وهذا إنما يكون في الواجب، وكيف يَصِحُّ قولُ ابنِ مسعود: فلما فُرِضَ رمضانُ، تُرِكَ عاشوراء، واستحبابه لم يترك؟

وإشكال آخر: وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يومَ التاسع، وأخبر أن هكذا كان يصومُه ﷺ، وهو الذي روى عن النبي ﷺ: "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاء، وخَالِفُوا اليهودَ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" ذكره أحمد. وهو الذي روى: "أمرنا رسول الله ﷺ بصَوْمِ عَاشُورَاء يَوْمَ العَاشِر " ذكره الترمذي.

فالجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتأييدِه وتوفيقه:

أما الإشكالُ الأول: وهو أنَّه لما قَدِمَ المدينة، وجدهم يصُومون يومَ عاشوراء، فليس فيه أن يومَ قدومِه وجدَهم يصومُونه، فإنه إنما قَدِمَ يومَ الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حسابُ أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية، زال الإشكالُ بالكلية، ويكونُ اليومُ الذي نجى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرَّم، فضبطه أهلُ الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مقدَم النبي ﷺ المدينة في ربيع الأول، وصومُ أهلِ الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصومُ المسلمين إنما هو بالشَّهر الهلالى، وكذلك حَجُّهم، وجميع ما تُعتبر له الأشهر من واجب أو مُستحَبٍّ، فقال النبي ﷺ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم"، فظهر حكمُ هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفى تعيينه، وهم أخطؤوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلِف فيه الأشهر.

وأما الإشكال الثاني: وهو أن قريشًا كانت تصومُ عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصُومُه، فلا ريبَ أن قريشًا كانت تُعظِّم هذا اليوم، وكانوا يكسُون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا يعدُّون بالأهلة، فكان عندهم عاشِرَ المحرَّم، فلما قَدِمَ النبي ﷺ المدينة، وجدهم يُعظِّمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليومُ الذي نجَّى الله فيه موسى وقومَه من فرعون، فقال ﷺ: "نحن أحقُّ منكم بموسى"، فصامه وأمر بصيامه تقريرًا لتعظيمه وتأكيدًا، وأخبر ﷺ أنَّه وأُمَّتَه أحقُّ بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شُكرًا للَّه، كنا أحقَّ أن نقتدى به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُخَالِفْهُ شَرْعُنَا.

فإن قيل: من أين لكم أن موسى صامه؟ قلنا: ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما سألهم عنه، فقالوا: يوم عظيم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا للَّه، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: "فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم". فَصَامَهُ، وأَمر بصِيامِه، فلما أقرَّهم على ذلك ولم يُكذبهم، عُلِمَ أن موسى صامه شكرًا للَّه، فانضمَّ هذا القدرُ إلى التعظيم الذي كان له قبل الهجرة، فازداد تأكيدًا حتى بعث رسول الله ﷺ مناديًا يُنادى في الأمصار بصومه، وإمساك مَن كان أكل، والظاهر: أنه حتَّم ذلك عليهم، وأوجبه كما سيأتي تقريره.

وأما الإشكال الثالث: وهو أن رسول الله ﷺ، كان يصومُ يَوْمَ عاشوراء قبل أن ينزِل فَرضُ رمضان، فلما نزل فرضُ رمضان تركه، فهذا لا يُمكن التخلُّص منه إلا بأن صيامه كان فرضًا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروكُ وجوب صومه لا استحبابه، ويتعين هذا ولا بُد، لأنه عليه السلام قال قبل وفاته بعام وقد قيل له إن اليهود يصومونه: "لئِن عِشْتُ إلى قَابِل لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" أي: معه، وقال: "خالِفوا اليهودَ وَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًا بَعْدَهُ"، أي: معه، ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر، فكان يُحب موافقة أهلِ الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ، فعُلِم أن استحبابه لم يُترك.

ويلزم مَن قال إن صومَه لم يكن واجبًا أحدُ الأمرين، إما أن يقولَ بترك استحبابه، فلم يبق مُستحَبًا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه برأيه، وخفى عليه استحبابُ صومه، وهذا بعيد، فإن النبي ﷺ حثَّهم على صيامه، وأخبر أن صومه يُكفِّر السنة الماضية، واستمر الصحابةُ على صِيامه إلى حين وفاته، ولم يُرْوَ عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه، فعُلِمَ أن الذي تُرِكَ وجوبُه لا استحبابه.

فإن قيل: حديث معاوية المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته، وأنه لم يُفرض قط، فالجواب: أن حديث معاوية صريح في نفى استمرار وجوبه، وأنه الآن غيرُ واجب، ولا ينفى وجوبًا متقدمًا منسوخًا، فإنه لا يمتنِعُ أن يقال لما كان واجبًاً، ونُسِخَ وجوبُه: إن الله لم يكتبْه علينا.

وجواب ثان: أن غايته أن يكون النفى عامًا في الزمان الماضى والحاضر، فيُخص بأدلة الوجوب في الماضى، وترك النفى في استمرار الوجوب.

وجواب ثالث: وهو أنه ﷺ، إنما نفى أن يكون فرضُه ووجوبُه مستفادًا من جهة القرآن، ويدلُّ على هذا قوله: "إن الله لم يكتبه علينا"، وهذا لا ينفى الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده، هو ما أخبرهم بأنه كتبه عليهم، كقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } [7]، فأخبر ﷺ أن صومَ يوم عاشوراء لم يكن داخلًا في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا دفعًا لتوهم مَن يتوهم أنه داخل فيما كتبه الله علينا، فلا تناقضَ بين هذا، وبينَ الأمر السابقِ بصيامه الذي صار منسوخًا بهذا الصيام المكتوب، يوضِّح هذا أن معاوية إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به، والذين شهدوا أمره بصيامه، والنداء بذلك، وبالإمساك لمن أكل، شَهِدُوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدَمِه المدينة، وفرض رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، فَتُوفى رسولُ الله ﷺ وقد صام تسعَ رمضانات، فمَن شهد الأمر بصيامه، شهده قبل نزول فرضِ رمضان، ومَن شهد الإخبار عن عدم فرضه، شهِده في آخر الأمر بعد فرض رمضان، وإن لم يُسلك هذا المسلكُ، تناقضت أحاديثُ الباب واضطربت.

فإن قيل: فكيف يكون فرضًا ولم يحصُلْ تبييتُ النية من الليل وقد قال: "لا صِيامَ لِمَنْ لَمْ يُبِيِّتِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْل"؟ فالجواب: أن هذا الحديث مختلفٌ فيه: هل هو مِن كلام النبي ﷺ، أو مِنْ قولِ حفصةَ وعائشة؟ فأَما حديثُ حفصة: فأوقفه عليها معمرٌ، والزهري، وسفيانُ بن عُيينة، ويونسُ بن يزيد الأيلى، عن الزهري، ورفعه بعضُهم وأكثر أهلِ الحديثِ يقولون: الموقوفُ أصحُّ، قال الترمذي: وقد رواه نافع عن ابن عمر قولَه، وهو أصحُّ، ومنهم مَن يُصحح رفعَه لثقة رافعه وعدالته، وحديث عائشة أيضًا: روى مرفوعًا وموقوفًا، واختلف في تصحيح رفعه. فإن لم يثبت رفعُه، فلا كلام، وإن ثبت رفعُه، فمعلومٌ أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يومِ عاشوراء، وذلك تجديدُ حكم واجب وهو التبييتُ، وليس نسخًا لحكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يومِ عاشوراء بنية من النهار، كان قبل فرض رمضان، وقبل فرض التبييت مِن الليلِ، ثمَّ نُسِخَ وَجُوبُ صومِه برمضان، وتجدد وجوب التبييت، فهذه طريقة.

وطريقة ثانية هي طريقةُ أصحاب أبي حنيفة: أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمَّن أمرين: وجوبَ صومِ ذلك اليوم وإجزاء صومِه بنية من النهار، ثم نُسِخ تعيينُ الواجب بواجب آخر، فبقى حكم الإجزاء بنيةٍ من النهار غير منسوخ.

وطريقة ثالثة: وهى أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما عُلِمَ من النهار، وحينئذ فلم يكن التبييتُ ممكنًا، فالنيةُ وجبت وقت تجدُّدِ الوجوب والعلم به، وإلا كان تكليفًا بما لا يُطاق وهو ممتنع. قالُوا: وعلى هذا إذا قامت البينةُ بالرؤية في أثناء النهار. أجزأ صومه بنية مقارِنة للعلم بالوجوب، وأصلُه صومُ يومِ عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها أصحُّ الطرق، وأقربُها إلى موافقة أُصول الشرع وقواعده، وعليها تَدُلُّ الأحاديثُ، ويجتمِعُ شملُها الذي يُظن تفرقه، ويُتخلص من دعوى النسخ بغير ضرورة، وغير هذه الطريقة لا بُدَّ فيه من مخالفة قاعدة مِن قواعد الشرع، أو مخالفة بعض الآثار. وإذا كان النبي ﷺ لم يأمر أهل قُباء بإعادة الصلاة التي صلَّوا بعضها إلى القِبْلة المنسوخة إذ لم يبلُغهم وجوبُ التحول، فكذلك مَن لم يبلغه وجوبُ فرضِ الصوم، أو لم يتمكن مِن العلم بسبب وجوبه، لم يُؤمر بالقضاء، ولا يُقال: إنه ترك التبييتَ الواجِبَ، إذ وجوبُ التبييت تابع للعلم بوجوب المبيّت، وهذا في غاية الظهور.

ولا ريبَ أن هذه الطريقةَ أصحُّ مِن طريقة مَن يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يُجزئ صيامُه بنية من النهار، ثم نُسِخَ الحكمُ بوجوبه، فنُسِخَتْ متعلقاتُه، ومن متعلقاته إجزاء صيامِه بنية من النهار، لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال المتبوع، زالت توابعُه وتعلقاتُه، فإن إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار لم يكن من متعلقات خصوصِ هذا اليوم، بل من متعلِّقات الصومِ الواجب، والصومُ الواجب لم يَزُلْ، وإنما زال تعيينه، فنُقِل من محل إلى محل، والإجزاء بنيةٍ من النهار وعدمِه من توابع أصل الصوم لا تعيينه.

وأصحُّ مِن طريقة مَن يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قط، لأنه قد ثبت الأمرُ به، وتأكيدُ الأمر بالنداء العام، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكلُّ هذا ظاهر، قوى في الوجوب، ويقول ابن مسعود: إنه لما فُرِضَ رمضان تُرِكَ عاشوراء. ومعلوم أن استحبابه لم يُترك بالأدلة التي تقدَّمت وغيرها، فيتعين أن يكون المتروكُ وجوبه، فهذه خمس طرق للناس في ذلك. والله أعلم.

وأما الإشكال الرابع: وهو أن رسول الله ﷺ قال: "لئِن بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"، وأنه توفى قبل العام المقبل، وقول ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان يصوم التاسع، فابن عباس روى هذا وهذا، وصحَّ عنه هذا وهذا، ولا تنافي بينهما، إذ من الممكن أن يصومَ التاسِعَ، ويخبر أنه إن بقى إلى العام القابل صامه، أو يكون ابنُ عباس أخبر عن فعله مستندًا إلى ما عزم عليه، ووعد به، ويصِحُّ الإخبارعن ذلك مقيدًا، أي: كذلك كان يفعل لو بقى، ومطلقًا إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين، فلا تنافي بين الخبرين.

وأما الإشكال الخامس: فقد تقدَّم جوابه بما فيه كفاية.

وأما الإشكال السادس: وهو قول ابن عباس: اعدُدْ وأصبح يوم التاسع صائمًا. فمَن تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبيَّن له زوالُ الإشكال، وسعةُ علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليومَ التاسع،

بل قال للسائل: صُمِ اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليومُ العاشر الذي يعدُّه الناسُ كلُّهم يومَ عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومُه كذلك. فإما أن يكون فِعلُ ذلك هو الأَوْلى، وإما أن يكون حَمْلُ فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدلُّ على ذلك أنه هو الذي روى: "صُومُوا يومًا قبله ويومًا بعده"، وهو الذي روى: أمرنا رسولُ الله ﷺ بصيام عاشوراء يوم العاشر. وكل هذه الآثار عنه، يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، ويُؤيِّد بعضُها بعضًا.

فمراتب صومه ثلاثة: أكملُها: أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومٌ، ويلى ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثرُ الأحاديث، ويلى ذلك إفرادُ العاشر وحده بالصوم.

وأما إفراد التاسع، فمن نقص فهم الآثار، وعدمِ تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب.

وقد سلك بعضُ أهل العلم مسلكًا آخر فقال: قد ظهر أن القصدَ مخالفةُ أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصلُ بأحد أمرين: إما بنقلِ العاشر إلى التاسع، أو بصيامِهما معًا. وقوله: "إذا كان العامُ المقبلُ صُمنا التاسِع": يحتمِل الأمرين. فتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يتبيَّن لنا مرادُه، فكان الاحتياطُ صيامَ اليومين معًا، والطريقة التي ذكرناها، أصوبُ إن شاء الله، ومجموع أحاديثِ ابن عباس عليها تدلُّ، لأن قوله في حديث أحمد: "خالِفوا اليًَهُودَ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ"، وقوله في حديث الترمذي: "أُمِرْنَا بِصِيامِ عاشوراء يوم العاشر" يبين صحة الطريقة التي سلكناها. والله أعلم.

فصل

وكان مِن هَدْيه ﷺ: إفطارُ يَوْمِ عرفة بعرفة، ثبت عنه ذلك في الصحيحين.

وروي عنه أنه"نهى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ" رواه عنه أهل السنن.

وصح عنه أن"صيامِه يُكفِّرُ السنة الماضِيةَ والبَاقِيةَ" ذكره مسلم.

وقد ذُكر لِفطره بعرفة عِدَّةُ حِكمٍ.

منها: أنه أقوى على الدعاء.

ومنها: أن الفِطرَ في السفر أفضلُ في فرض الصوم، فكيف بنفله.

ومنها: أن ذلك اليومَ كان يومَ الجمعة، وقد نَهى عن إفراده بالصَّوم، فأحب أن يرى الناسُ فطره فيه تأكيدًا لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومُه لكونه يَوْمَ عرفة لا يوم جمعة، وكان شيخنا رحمه الله يسلُك.

مسلكًا آخر، وهو أنه يومُ عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه، كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختصُّ بمن بعرفة دون أهل الآفاق. قال: وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه أهلُ السنن: "يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وأيَّام مِنَى، عِيدُنَا أَهْلَ الإسْلامِ". ومعلوم: أن كونه عيدًا، هو لأهل ذلك الجمع، لاجتماعهم فيه. والله أعلم.

فصل

وقد رُوي أنه ﷺ كان يصومُ السبتَ والأحد كثيرًا، يقصِدُ بذلك مخالفة اليهود والنصارى كما في المسند، وسنن النسائي، عن كُريب مولى ابن عباس قال: أرسلنى ابنُ عباس رضي الله عنه، وناسٌ من أصحاب النبي ﷺ إلى أمِّ سلمة أسألها؟ أي الأيَّامِ كَانَ النبي ﷺ أكثَرها صِيامًا؟ قالت: يومُ السبت والأحد، ويقول: "إنَّهُمَا عِيدٌ للمُشْرِكِين، فَأَنا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُم".

وفي صحة هذا الحديث نظر، فإنه من رواية محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقد استُنْكِرَ بعضُ حديثه. وقد قال عبد الحق في "أحكامه" من حديث ابن جريج، عن عباس بن عبد الله بن عباس، عن عمَّه الفضل: زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا. ثم قال: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: هو كما ذكر ضعيف، ولا يُعرف حال محمد بن عمر، وذكر حديثه هذا عن أم سلمة في صيام يوم السبت والأحد، وقال: سكت عنه عبد الحق مصححًا له، ومحمد بن عمر هذا، لا يُعرف حاله، ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر، ولا يُعرف أيضًا حاله، فالحديث أراه حسَنًا. والله أعلم.

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن بُسر السُّلمي، عن أخته الصَّمَّاء، أن النبي ﷺ قال: "لا تَصُومُوا يَوْم السَّبْتِ إلَّا فيما افتُرِضَ عليكم، فإنْ لَمْ يَجِد أَحَدُكُم إلَّا لِحاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْه".

فاختلف الناس في هذين الحديثين. فقال مالك رحمه الله: هذا كذب، يريد حديث عبد الله بن بُسر، ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: هو حديث مضطَرِب، وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارُض بينه وبين حديث أمِّ سلمة، فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهي أن يُخص يومَ السبت بالصوم، وحديثُ صِيامه، إنما هو مع يوم الأحد. قالوا: ونظيرُ هذا أنه نهى عن إفراد يَوْمِ الجمعة بالصوم، إلا أن يَصومَ يومًا قبله أو يومًا بعده، وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه مَن قال: إن صومه نوعُ تعظيم له، فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في صومه، فإن التعظيم إنما يكون إذا أُفِردَ بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده، وأما إذا صامه مع غيره، لم يكن فيه تعظيمٌ. والله أعلم.

فصل

ولم يكن من هَدْيه ﷺ سردُ الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لا صَامَ ولا أَفْطر". وليس مرادُه بهذا مَنْ صامَ الأيامَ المحرَّمة، فإنه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيتَ مَنْ صَامَ الدَّهْر؟ ولا يُقال في جواب من فعل المحرَّم: لا صامَ ولا أَفْطر، فإن هذا يُؤذن بأنه سواءٌ فِطْرُه وصومُه لا يُثَاب عليه، ولا يُعاقَب، وليس كذلك مَنْ فعل ما حرَّم الله عليه مِن الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرَّم من الصوم، وأيضًا فإن هذا عند مَن استحب صوم الدهر قد فعل مستحبًا وحرامًا، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرَّمًا بالنسبة إلى أيام التحريم، وفى كلٍّ منهما لا يُقال: "لا صَامَ ولا أَفْطَر" فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.

وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناةٌ بالشرع، غيرُ قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل شرعًا، وبمنزلة أيَّامِ الحيض، فلم يكن الصحابةُ لِيسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن لِيُجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: "لا صَام ولا أَفْطَر"، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم.

فهَدْيُه الذي لا شك فيه، أن صيامَ يوم، وفِطرَ يومٍ أفضلُ من صوم الدهر، وأحبُّ إلى الله. وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهًا، لزم أحدُ ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحبَّ إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه، لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: "إنَّ أَحَبَّ الصِّيام إلى اللهِ صِيامُ داوُدَ"، وإنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساويًا له في الفضل وهو ممتنع أيضًا، وإما أن يكون مباحًا متساويَ الطرفين لا استحبابَ فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع، إذ ليس هذا شأنَ العبادات، بل إما أن تكون راجحةً، أو مرجوحة. والله أعلم.

فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ سِتَّةَ أيَّامٍ مِنْ شَوَّال، فَكأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ". وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: "إنَّ ذلِكَ يَعْدِلُ صَوْمَ الدَّهْرِ"، وذلك يدل على أنَّ صوم الدهر أفضلُ مما عُدِلَ به، وأنه أمرٌ مطلوب، وثوابُه أكثرُ من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به مَنْ صام هذا الصيام.

قيل: نفسُ هذا التشبيه في الأمر المقدَّر، لا يقتضى جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضى التشبيه به في ثوابه لو كان مستحَبًا، والدليل عليه مِن نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر بمنزلة صيامِ الدهر، إذ الحسنةُ بعشر أمثالها، وهذا يقتضى أن يحصُل له ثوابُ مَن صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أن هذا حرامٌ قطعًا، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ به حصولُ هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وكذلك قولُه في صيام ستةِ أيام من شوَّال، إنه يَعْدِلُ مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: { مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [8]، فهذا صيامُ ستة وثلاثين يومًا، تعدِل صِيام ثلاثمائة وستين يومًا، وهو غيرُ جائز بالاتفاق، بل قد يجئُ مثلُ هذا فيما يمتنع فعلُ المشبَّه به عادة، بل يستحيلُ، وإنما شبَّه به مَن فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله لمن سأله عن عمل يعدِل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ أن تقومَ ولا تَفْتُر، وأن تَصُومَ ولا تُفْطِرَ"؟ ومعلوم أن هذا ممتنع عادة، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يومًا شرعًا، وقد شبَّه العملَ الفاضل بكل منهما يزيدُه وضوحًا: أنَّ أحب القيام إلى الله قيام داود، وهو أفضل مِن قيام الليل كُلِّه بصريح السُّنَّة الصحيحة، وقد مثَّل مَنْ صلَّى العشاء الآخرة، والصُّبح في جماعة، بمن قام الليل كلَّه. فإن قيل: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعرى: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ حَتَّى تكونَ هكَذَا، وقَبَضَ كَفَّه". وهو في مسند أحمد؟

قيل: قد اختُلِف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضُيِّقَتْ عليه حصرًا له فيها، لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبتهِ عن هَدْي رسول الله ﷺ، واعتقاده أن غيرَه أفضل منه. وقال آخرون: بل ضُيِّقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورجَّحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأن الصائم لما ضيَّق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضيَّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنه ضيَّق طرقها عنه، ورجَّحت الطائفةُ الأولى تأويلها، بأن قالت: لو أراد هذا المعنى، لقال ضُيِّقَتْ عنه، وأما التضييق عليه، فلا يكون إلا وهو فيها. قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة مَن لم يصم. والله أعلم.

فصل

وكان ﷺ يدخل على أهله فيقول: "هَلْ عِنْدَكُم شَىْءٌ"؟ فإن قالوا: لا. قال: "إني إذًا صَائِم"، فينشئ النية للتطوع من النهار، وكان أحيانًا ينوي صوم التطوع، ثم يُفْطِرُ بعدُ، أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها بهذا وهذا، فالأول: في صحيح مسلم، والثاني: في كتاب النسائي. وأما الحديث الذي في السنن عن عائشة: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتين، فَعَرَض لنا طعامٌ اشتهيناه، فَأَكَلْنَا مِنه، فجاء رسولُ الله ﷺ، فَبَدَرَتْني إليه حَفْصَةُ، وكانت ابنَةَ أَبِيها، فقالت: يا رسول الله، إنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْن فَعَرَضَ لنا طَعَامٌ اشتهيناه فَأَكَلْنَا مِنْه، فقال: "اقْضِيا يَوْمًا مَكَانَهُ"، فهو حديث معلول.

قال الترمذي: رواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبد الله بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحُفَّاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلًا لم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح. ورواه أبو داود، والنسائي، عن حَيْوَة بن شُريح، عن ابن الهاد، عن زُمَيْلٍ مولى عُروة، عن عروة، عن عائشة موصولًا، قال النسائي: زُميل ليس بالمشهور، وقال البخاري: لا يُعرف لزُميل سماع من عروة، ولا ليزيد بن الهاد من زُميل، ولا تقوم به الحُجَّة.

وكان ﷺ إذا كان صائمًا ونزل على قوم، أتمَّ صيامه، ولم يُفْطِرْ، كما دخل على أم سُلَيمٍ، فأتته بتمر وسمن، فقال: "أَعِيدوا سَمْنَكُم في سِقَائِه، وتَمْرَكُم في وِعَائِه، فإني صَائِم". ولكنَّ أمَّ سُلَيم كانت عنده بمنزلة أهل بيته، وقد ثبت عنه في الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طعام وَهُوَ صائِمٌ فَلْيَقُلْ: إني صَائِم".

وأما الحديثُ الذي رواه ابنُ ماجه، والترمذي، والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها ترفعُه: "مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ، فَلا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إلَّا بإذْنِهِمْ"، فقال الترمذي: هذا الحديث منكر، لا نعرف أحدًا من الثقات روى هذا الحديثَ عن هِشام بنِ عُروة.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ، كراهةُ تخصيصِ يومِ الجُمْعَةِ بالصَّومِ فِعلًا منه وقولًا، فصح النهي عن إفراده بالصَّوم، من حديث جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وجُويرية بنت الحارث، وعبد الله بن عمرو، وجُنادة الأزدى وغيرهم، وشرب يومَ الجمعة وهو على المنبر، يُريهم أنه لا يصومُ يومَ الجمعة، ذكره الإمام أحمد، وعلل المنع من صومه بأنه يومُ عيد، فروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يَوْمُ الجُمْعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُم يَوْمَ صِيامِكُم إلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَه أَوْ بَعْدَه".

فإن قيل: فيومُ العيد لا يُصام مع ما قبله ولا بعده. قيل: لما كان يومُ الجمعة مشبَّهًا بالعيد، أخذ من شبهه النهي عن تحرِّي صيامِه، فإذا صامَ ما قبله أو ما بعده، لم يكُنْ قد تحرَّاه، وكان حكمُه حكمَ صوم الشهر، أو العشر منه، أو صوم يومٍ، وفطر يوم، أو صوم يوم عرفة وعاشوراء إذا وافق يومَ جمعة، فإنه لا يُكره صومُه في شئ من ذلك.

فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن مسعود؟ قال "ما رأيت رسول الله ﷺ يُفطِر في يَوْمِ الجُمُعَةِ" رواه أهل السنن. قيل: نقبله إن كان صحيحًا، ويتعيَّن حملُه على صومه مع ما قبله أو بعده، ونردُّه إن لم يصح، فإنه من الغرائب. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف[عدل]

لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقِّفًا على جمعيَّته على الله، وَلَمِّ شَعثه بإقباله بالكليَّة على الله تعالى، فإن شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على الله تعالى، وكان فُضولُ الطعام والشراب، وفُضولُ مخالطة الأنام، وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام، مما يزيدُه شَعَثًا، ويُشَتِّتُهُ في كُلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يُضعِفُه، أو يعوقه ويُوقِفه؛ اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهِبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرِغُ مِن القلب أخلاطَ الشهواتِ المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذِكره وحبه، والإقبالُ عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولى عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُر في تحصيل مراضيه وما يُقرِّب منه، فيصيرُ أُنسه بالله بدَلًا عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

ولما كان هذا المقصود إنما يتمُّ مع الصوم، شُرِع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يُنقل عن النبي ﷺ، أنه اعتكف مفطرًا قَطُّ، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم.

ولم يذكر اللهُ سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسولُ الله ﷺ إلا مع الصوم.

فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهورُ السَلَف: أن الصومَ شرطٌ في الاعتكاف، وهو الذي كان يُرجِّحه شيخُ الإسلام أبو العباس بن تيمية.

وأما الكلامُ، فإنه شُرِعَ للأمة حبسُ اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة.

وأما فُضول المنام، فإنه شُرِعَ لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبةً، وهو السهر المتوسِّطُ الذي ينفع القلبَ والبدن، ولا يَعُوقُ عن مصلحة العبد، ومدارُ رياضة أربابِ الرياضات والسلوكِ على هذه الأركان الأربعة، وأسعدُهم بها مَنْ سلك فيها المِنهاجَ النبويَّ المحمديَّ، ولم ينحرِفْ انحراف الغالين، ولا قصَّر تقصير المفرِّطين، وقد ذكرنا هَدْيه ﷺ في صيامه وقيامه وكلامه، فلنذكر هَدْيه في اعتكافه.

كان ﷺ يعتكِف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفَّاه الله عَزَّ وجَلَّ، وتركه مرة، فقضاه في شوَّال.

واعتكف مرة في العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير، يلتمس ليلة القدر، ثم تبيَّن له أنها في العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عَزَّ وجَلَّ.

وكان يأمر بخباءٍ فيُضرب له في المسجد يخلُو فيه بربه عَزَّ وجَلَّ.

وكان إذا أراد الاعتكاف، صلَّى الفجر، ثم دخله، فأمر به مرة، فَضُرِب فأمر أزواجه بأخبيتِهنَّ، فضُرِبت، فلما صلَّى الفجر، نظر، فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه فَقُوِّضَ، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوَّال.

وكان يعتكِفُ كل سنة عشرة أيام، فلما كان في العام الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين يومًا، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنةٍ مرة، فلما كان ذلك العام عارضة به مرَّتين، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن أيضًا في كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرَتَّين.

وكان إذا اعتكف، دخل قُبَّته وحدَه، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجِّله، وتغسله وهو في المسجد وهى حائض، وكانَتْ بعضُ أزواجه تزورُه وهو معتكِفٌ، فإذَا قامت تذهبُ، قامَ معها يَقْلِبُها، وكان ذلك ليلًا.

ولم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتكف لا بِقُبلَةٍ ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشُه، ووضِع له سريرُه في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته، مرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّجُ عليه ولا يَسْأَلُ عنه. واعتكف مرة في قبة تُركية، وجعل على سدتها حصيرًا، كلّ هذا تحصيلًا لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعلُه الجهالُ من اتخاذ المعتكف موضِعَ عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون. والله الموفق.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره[عدل]

اعتمر ﷺ بعدَ الهِجرة أرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ في ذي القعْدة، الأولى: عُمرةُ الحُديْبِيَة، وهي أولاهُن سنةَ سِت، فصدَّه المشركون عن البيت، فنحرَ البُدْنَ حيثُ صُدَّ بالحُديبيةِ، وحَلَقَ هو وأصحابُه رؤوسهم، وحلُّوا من إحرامهم، ورجع مِن عامه إلى المدينة.

الثانية: عُمْرَةُ القَضِيَّةِ في العام المقبل، دخل مكة فأقام بها ثلاثًا، ثمَّ خَرَجَ بعد إكمال عُمرتِه.

واختُلِف: هل كانت قضاءً للعُمرة التي صُدَّ عنها في العام الماضى، أم عُمرةً مستأنَفة؟ على قولين للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهُما: أنها قضاء، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. والثانية: ليست بقضاء، وهو قول مالك رحمه الله، والذين قالوا: كانت قضاءً، احتجوا بأنها سميت عُمرة القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم، وقال آخرون: القضاء هنا، من المقاضاة، لأنه قاضى أهلَ مكة عليها، لا إنه مِنْ قَضَى قَضَاءً. قالوا: ولهذا سميَّت عُمرةَ القضيَّة. قالوا: والذين صُدُّوا عن البيت، كانوا ألفًا وأربعمائة، وهؤلاء كلُّهم لم يكونوا معه في عُمرة القضية، ولو كانت قضاءً، لم يتخلَّف منهم أحد، وهذا القولُ أصح، لأن رسول الله ﷺ لم يأمُرْ مَن كان معه بالقضاء.

الثالثة: عُمرتُه التي قرنها مع حَجَّتِه، فإنه كان قارنًا لبضعة عشر دليلًا، سنذكرها عن قريب إن شاء الله.

الرابعة: عُمرتُه من الجِعْرَانَةِ، لما خرج إلى حُنين، ثم رجع إلى مكة، فاعتمر مِن الجِعْرَانَةِ داخلًا إليها.

ففي الصحيحين عن أنس بنِ مالك قال: "اعتمَر رسولُ الله ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ في ذي القِعْدَةِ، إلَّا التي كانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الحُدَيْبيةِ أو زَمَنَ الحُدَيْبِيةِ في ذي القِعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ العَامِ المُقْبل في ذي القِعْدَةِ، وعُمْرَةٌ مِنَ الجِعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ في ذي القعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِه".

ولم يُناقِضَ هذا ما في الصحيحين عن البَّراء بن عازب قال: "اعتمر رسولُ الله ﷺ في ذي القعْدَةِ قبل أن يحجَّ مرتين"، لأنه أراد العُمْرة المفردَة المستقِلَّة التي تمَّت، ولا ريب أنهما اثنتانِ، فإن عُمرة القِران لم تكن مستقِلَّةٌ، وعُمرَة الحديبية صُدَّ عنها، وحيل بينه وبين إتمامها، ولذلك قال ابنُ عباس: "اعتمر رسولُ الله ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِية، وعمرُةَ القضاءِ مِنْ قابل، والثالثة من الجِعْرَانَةِ، والرابِعة مع حَجَّته". ذكره الإمام أحمد.

ولا تناقض بين حديث أنس: "أنهن في ذي القِعْدة، إلا التي مع حَجَّته"، وبينَ قول عائشة، وابن عباس: "لم يعتمِر رسول الله ﷺ إلا في ذي القِعْدَة"، لأن مبدأ عُمْرة القِران، كان في ذي القِعْدة، ونهايتُها كان في ذي الحِجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها.

فأما قول عبد الله بن عمر "إن النبي ﷺ اعتمر أربعًا، إحداهُن في رجب". فوهم منه رضي الله عنه. قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه "يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ عُمرةً قطُّ إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط".

وأما ما رواه الدارقطني، عن عائشة قالت: "خرجتُ مع رسول الله ﷺ في عُمرة في رمضان فأفطَر وصُمتُ، وقصَر وأتممتُ، فقلتُ: بأبى وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقَصَرْتَ وأتممتُ، فقال: "أحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ". فهذا الحديث غلط، فإن رسول الله ﷺ لم يعتمِرْ في رمضان قطُّ، وعُمَرُهُ مضبوطةُ العددِ والزمان، ونحن نقول: يرحَمُ الله أُمَّ المؤمنين، ما اعتمر رسولُ الله ﷺ في رمضان قطُّ، وقد قالت عائشةُ رضي الله عنها "لم يعتمِرْ رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة". رواه ابن ماجه وغيره.

ولا خلاف أن عُمَرَهُ لم تَزِد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب، لكانت خمسًا، ولو كان قد اعتمر في رمضان، لكانت ستًا، إلا أن يُقال: بعضُهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضُهن في ذي القِعْدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع: اعتمارُه في ذي القِعْدة كما قال أنس رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها، وقد روى أبو داود في سننه عن عائشة، "أن النبي ﷺ اعتمر في شوَّال". وهذا إذا كان محفوظًا فلعلَّه في عُمرة الجِعْرَانَةِ حين خرج في شوَّال، ولكن إنما أحرم بها في ذي القِعْدة.

فصل

ولم يكن في عُمْرِهِ عُمْرَةٌ واحِدة خارجًا من مكة كما يفعلُ كثيرٌ من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَرُهُ كُلُّها داخلًا إلِي مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم يُنقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة في تلك المدة أصلًا.

فالعُمْرة التي فعلها رسولُ الله ﷺ وشرعها، هي عُمْرةُ الداخل إلى مكة، لا عُمْرةُ مَن كان بها فيخرُج إلى الحل لِيعتمرَ، ولم يفعل هذا على عهده أحد قطُّ إلا عائشة وحدها بين سائر مَن كان معه، لأنها كانت قد أُهلَّت بالعُمرة فحاضت، فأمرها، فأدخلت الحجَّ على العُمرة، وصارت قارِنة، وأخبرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعُمْرتها، فوجدت في نفسها أن يَرجعَ صواحباتها بحج وعُمْرة مستقلين، فإنهنَّ كنَّ متمتعات ولم يحضن ولم يقرِنَّ، وترجعُ هي بعُمْرة في ضمن حَجَّتها، فأمر أخاها أن يُعمِرَها من التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمِرْ هو من التنعيم في تلك الحجَّة ولا أحد ممن كان معه، وسيأتي مزيد تقرير لهذا وبسط له عن قريب إن شاء الله تعالى.

فصل

دخل رسول الله ﷺ مكة بعد الهجرة خمسَ مرات سِوى المرةِ الأولى، فإنه وصل إلى الحُديبية، وصُدَّ عن الدخول إليها، أحرم في أربع مِنهنَّ مِن الميقات لا قبله، فأحرم عام الحُديبية من ذي الحُليفة، ثم دخلها المرة الثانية، فقضى عُمْرته، وأقام بها ثلاثًا، ثم خرج، ثم دخلها في المرة الثالثة عامَ الفتح في رمضان بغير إحرام، ثم خرج منها إلى حُنين، ثم دخلها بعُمْرة من الجِعرانة ودخلها في هذه العُمْرة ليلًا، وخرج ليلًا، فلم يخرج من مكة إلى الجِعرانة ليعتمِر كما يفعلُ أهلُ مكة اليوم، وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى مكة، ولما قضى عُمْرته ليلًا، رجع من فوره إلى الجِعرانة، فبات بها، فلما أصبح وزالتِ الشمسُ، خرج من بطن سَرِفَ حتى جامَع الطريق [9]، ولهذا خفيت هذه العُمرة على كثير من الناس.

والمقصود، أن عُمَرَهُ كلَّها كانت في أشهر الحج، مخالفةً لهَدْي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العُمْرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجُور، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضلُ منه في رجب بلا شك.

وأما المفاضلةُ بينه وبين الاعتمار في رمضان، فموضع نظر، فقد صح عنه أنه أمر أم مَعقِل لما فاتها الحجُ معه، أن تعتمِرَ في رمضان، وأخبرها أَنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّة.

وأيضًا: فقد اجتمع في عُمْرة رمضان أفضلُ الزمان، وأفضلُ البقاع، ولكنَّ الله لم يكن لِيختار لنبيه ﷺ في عُمَرِهِ إلَّا أولى الأوقات وأحقَّها بها، فكانت العُمْرةُ في أشهر الحج نظيرَ وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصَّها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها، والعمرةُ حجٌّ أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهرُ الحج، وذو القِعْدة أوسطُها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمَن كان عنده فضلُ علم، فليرشد إليه.

وقد يُقال: إن رسول الله ﷺ كان يشتغِل في رمضان مِن العبادات بما هو أهمُّ مِن العُمْرة، ولم يكن يُمكنه الجمعُ بين تلك العبادات وبينَ العُمرة، فأخَّر العُمرة إلى أشهر الحج ووفَّر نفسه على تلك العبادات في رمضانَ مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأُمته والرأفة بهم، فإنه لو اعتمرَ في رمضان، لبادرت الأُمة إلى ذلك، وكان يشُقُّ عليها الجمعُ بين العُمْرةِ والصومِ، ورُبما لا تسمح أكثرُ النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصًا على تحصيل العُمْرة وصومِ رمضان، فتحصُل المشقةُ، فأخَّرها إلى أشهر الحج، وقد كان يترُك كثيرًا من العمل وهو يُحب أن يعمله، خشية المشقة عليهم.

ولما دخل البيت، خرج منه حزينًا، فقالت له عائشة في ذلك؟ فقال: "إني أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلى أُمّتى"، وهمَّ أن ينزل يستسقى مع سُقاة زمزم للحاج، فخاف أن يُغْلَب أَهلُها على سِقايتهم بعده. والله أعلم.

فصل

ولم يُحفظ عنه ﷺ، أنه اعتمر في السنة إلا مرَّة واحدة، ولم يعتمِرُ في سنة مرتين، وقد ظن بعضُ الناس أنه اعتمَرَ في سنة مرتين، واحتج بما رواه أبو داود في سننه عن عائشة، "أن رسول الله ﷺ، اعتمَرَ عُمْرَتَين: عُمْرة في ذي القِعْدة، وعُمْرة في شوّال". قالوا: وليس المرادُ بها ذكرَ مجموع ما اعتمر، فإن أنسًا، وعائشة، وابن عباس، وغيرهم قد قالوا: إنه اعتمر أربَعَ عُمَرٍ، فعُلِمَ أن مُرادَها به أنه اعتمر في سنة مرتين، مرة في ذي القِعْدة، ومرة في شوَّال، وهذا الحديث وهم، وإن كان محفوظًا عنها، فإن هذا لم يقع قطُّ، فإنه اعتمرَ أربع عُمَرٍ بلا ريب: العُمْرةُ الأولى كانت في ذي القِعْدة عُمرة الحديبية، ثم لم يعتمِرْ إلى العام القابل، فاعتمر عُمْرة القضية في ذي القِعْدة، ثم رجع إلى المدينة ولم يخرُج إلى مكة حتى فتحها سنةَ ثمان في رمضان، ولم يعتمِرْ ذلك العام، ثم خرج إلى حُنين في ست من شوَّال وهزَم الله أعداءه، فرجع إلى مكة، وأحرم بعُمْرة، وكان ذلك في ذي القِعْدة كما قال أنس وابنُ عباس، فمتى اعتمر في شوال؟ ولكن لقي العدوَّ في شوَّال، وخرج فيه من مكة، وقضى عُمرته لما فرغ من أمر العدوِّ في ذي القِعْدة ليلًا، ولم يَجْمَعْ ذلك العامَ بين عُمرتين، ولا قَبلَه ولا بعدَه، ومَنْ له عِناية بأيامه ﷺ وسيرته وأحواله، لا يشكُّ ولا يرتابُ في ذلك.

فإن قيل: فبأى شئ يستحِبُّون العُمْرة في السنة مِرارًا إذا لم يُثبتوا ذلك عن النبي ﷺ؟ قيل: قد اختُلِف في هذه المسألة، فقال مالك: أكره أن يعتمِرَ في السنة أكثرَ من عُمرة واحدة، وخالفه مُطرِّف من أصحابه وابنُ المَوَّاز، قال مطرِّف: لا بأس بالعُمرة في السنة مِرارًا، وقال ابن الموَّاز: أرجو أن لا يكون به بأس، وقد اعتمرت عائشةُ مرَّتين في شهر، ولا أرى أن يُمنع أحدٌ من التقرب إلى الله بشئ من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير في موضع، ولم يأت بالمنع منه نص، وهذا قولُ الجمهور، إلا أن أبا حنيفة- رحمه الله تعالى- استثنى خمسة أيام لا يُعتمر فيها: يوم عرفة، ويومَ النحر، وأيام التشريق، واستثنى أبو يوسف رحمه الله تعالى: يومَ النحر، وأيامَ التشريق خاصة، واستثنت الشافعية البائِت بمِنَى لرمى أيام التشريق. واعتمرت عائشة في سنة مرتين. فقيل للقاسم: لم ينكر عليها أحد؟ فقال: أَعَلى أُمِّ المؤمنين؟، وكان أنس إذا حَمَّمَ رَأْسَه، خرج فاعتمر.

ويُذكر عن علي رضي الله عنه، أنه كان يعتمر في السنة مِرارًا، وقد قال ﷺ: "العُمَرَةُ إلى العُمْرَة كَفَّارَةٌ لما بَيْنَهُمَا". ويكفى في هذا، أن النبي ﷺ، أعمرَ عائشة من التَّنعيم سوى عمرتِها التي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحد، ولا يُقال: عائشة كانت قد رفضت العُمْرة، فهذه التي أهلَّت بها من التنعيم قضاء عنها، لأن العُمْرة لا يَصِحُ رفضُها. وقد قال لها النبي ﷺ: "يَسَعُكِ طَوَافُك لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك" وفي لفظ: "حَلَلْتِ مِنْهمَا جَميعًا".

فإن قيل: قد ثبت في صحيح البخاري: أنه ﷺ قال لها: "ارفُضى عُمْرَتَك وانقُضى رَأْسَكِ وامْتَشِطى"، وفي لفظ آخر: "انقُضى رَأسَكِ وامتشطى"، وفي لفظ: "أَهِلِّي بالحَجِّ، ودَعى العُمْرَة"، فهذا صريح في رفضها من وجهين، أحدهما: قوله: "ارفُضيها ودعيها"، والثاني: أمره لها بالامتشاط.

قيل: معنى قوله: "ارفُضيها": اتركي أفعالها والاقتصار عليها، وكوني في حَجَّة معها، ويتعين أن يكونَ هذا هو المراد بقوله: "حَلَلْتِ مِنْهُما جَمِيعًا"، لما قضت أعمالَ الحج، وقوله: "يَسَعُكِ طَوافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ"، فهذا صريح في أن إحرام العُمْرة لم يُرفض، وإنما رُفضَتْ أعمالُها والاقتصارُ عليها، وأنها بانقضاء حجَّها انقضى حجُّها وعمرتُها، ثم أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها، إذ تأتي بعُمْرة مستقِلَّة كصواحباتها، ويوضح ذلك إيضاحًا بيِّنًا، ما روى مسلم في صحيحه، من حديث الزهري، عن عروة، عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع، فحِضتُ، فلم أزل حائضًا حتى كان يومُ عرفة، ولم أُهِلَّ إلَّا بعُمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقُضَ رأسى وامتشِطَ، وأُهِلَّ بالحج، وأترك العُمْرة، قالت: ففعلتُ ذلك، حتى إذا قضيتُ حَجِّي، بعث معى رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمِرَ من التنعيم مكانَ عُمرتى التي أدركنى الحجُّ ولم أُهِلَّ منها. فهذا حديثٌ في غاية الصحة والصراحة، أنها لم تكن أحلَّت من عُمْرتها، وأنها بقيت مُحْرِمة حتى أدخلت عليها الحجّ، فهذا خبرُها عن نفسها، وذلك قولُ رسول الله ﷺ لها، كُلٌّ منهما يوافق الآخر، وبالله التوفيق.

وفي قوله ﷺ: "العُمْرةُ إلى العُمْرةِ كفَّارةٌ لما بينهما، والحَجُّ المبرورُ ليس له جزاء إلا الجنة" دليلٌ على التفريق بين الحج والعُمْرة في التكرار، وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العمرةُ كالحج، لا تُفعل في السنة إلا مرة، لسًوَّى بينهما ولم يُفرِّق.

وروى الشافعي رحمه الله، عن علي رضي الله عنه، أنه قال: اعْتَمِرْ في كل شهر مرة. وروى وكيع، عن إسرائيل، عن سُويد بن أبي ناجية، عن أبى جعفر، قال: قال علي رضي الله عنه: "اعْتَمِرْ في الشَّهْرِ إنْ أَطَقْتَ مرارًا". وذكر سعيد بن منصور، عن سفيان بن أبي حسين، عن بعض ولد أنس، أن أنسًا كان إذا كان بمكة فَحَمَّمَ رَأْسُهُ، خَرَجَ إلى التَّنْعِيمِ فاعْتَمَرَ.

فصل في سياق هديه ﷺ في حجته[عدل]

لا خلاف أنَّه لم يَحُجَّ بعد هجرته إلى المدينة سِوى حَجَّةٍ واحدة، وهي حَجة الوَداع، ولا خلاف أنها كانت سنةَ عشر.

واختُلِفَ: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: "حجَّ النبي ﷺ ثلاثَ حِجج، حَجَّتَيْن قبل أن يُهاجر، وحَجَّة بعد ما هاجر معها عُمْرة". قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمدًا يعني البخاري عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثوري، وفى رواية: لا يُعدُّ الحديث محفوظًا.

ولما نزل فرضُ الحج. بادر رسول الله ﷺ إلى الحجِّ من غير تأخير، فإنَّ فرضَ الحج تأخَّر إلى سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ } [10]، فإنها وإن نزلت سنةَ ستٍّ عام الحديبية، فليس فيها فرضيَّةُ الحج، وإنما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمام العُمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضى وجوبَ الابتداء، فإن قيل: فَمِنْ أين لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورةِ آل عمران نزل عامَ الوفود، وفيه قَدِم وفدُ نجران على رسول الله ﷺ، وصالحهم على أداءِ الجزية، والجزية إنما نزلت عامَ تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدرُ سورة آل عمران، وناظرَ أهل الكتاب، ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدلُّ عليه أن أهلَ مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُواْ المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } [11]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية، ونزولُ هذه الآيات، والمناداةُ بها، إنما كان في سنة تسع، وبعث الصِّدِّيق يؤذِّن بذلك في مكة في مواسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السَلَف، والله أعلم.

فصل

ولما عزم رسول الله ﷺ على الحجِّ أعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا للخروج معه، وسمِع ذلك مَنْ حول المدينة، فَقَدِمُوا يُريدون الحجَّ مع رسولِ الله ﷺ، ووافاه في الطريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانُوا مِن بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدَّ البصر، وخرجَ من المدينة نهارًا بعد الظهر لِسِتٍّ بَقِينَ مِن ذي القِعْدةِ بعد أن صلَّى الظهرَ بها أربعًا، وخطبهم قبل ذلك خُطبةً علَّمهم فيها الإحرام وواجباتِه وسننه.

وقال ابن حزم: وكان خروجُه يومَ الخميس، قلتُ: والظاهر: أن خروجَه كان يوم السبت، واحتج ابنُ حزم على قوله بثلاث مقدمات، إحداها: أن خروجه كان لِسِتٍّ بَقِينَ من ذي القعدة، والثانية: أن استهلال ذي الحِجة كان يومَ الخميس، والثالثة: أن يوم عرفة كان يومَ الجمعة، واحتج على أن خروجه كان لسِت بقين من ذي القِعْدة، بما روى البخاري من حديث ابن عباس: "انطلق النبي ﷺ مِن المدينة بعد ما تَرَجَّلَ وادَّهَنَ، " فذكر الحديث، وقال: وذلك لخمس بَقين من ذي القِعْدة.

قال ابن حزم: وقد نصَّ ابنُ عمر على أن يَوْمَ عرفة، كان يَوْمَ الجمعة، وهو التاسع، واستهلال ذي الحِجة بلا شك ليلة الخميس، فآخر ذي القِعْدة يوم الأربعاء، فإذا كان خرُوجُه لسِتِّ بَقين من ذي القِعْدة، كان يومَ الخميس، إذ الباقى بعده ستُّ ليالٍ سواه.

ووجه ما اخترناه، أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لِخمسٍّ بَقين وهى: يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قوله: يكون خروجه لسبعٍّ بقين. فإن لم يَعِدْ يوم الخروج، كان لستٍّ، وأيُّهما كان، فهو خلافُ الحديث. وإن اعتبر الليالى، كان خروجُه لسِت ليال بقين لا لخمس، فلا يَصِحُّ الجمعُ بين خروجه يوم الخميس، وبينَ بقاء خمس من الشهر البتة، بخلافِ ما إذا كان الخروجُ يوم السبت، فإن الباقى بيوم الخروج خمسٌ بلا شك، ويدلُّ عليه أن النبي ﷺ ذكر لهم في خطبته على مِنبره شأن الإحرام، وما يلبَسُ المحرِمُ بالمدينة، والظاهر: أن هذا كان يومَ الجمعة، لأنه لم يُنقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخُطبة، وقد شهد ابنُ عمر رضي الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة على منبره. وكان مِن عادته ﷺ أن يُعلِّمهم في كلِّ وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي يليها خروجُه، والظاهر: أنه لم يكن لِيدَعَ الجمعة وبينه وبينها بعضُ يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلقُ، وهو أحرصُ الناس على تعليمهم الدِّين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمعُ بينه وبين الحج ممكنٌ بلا تفويت، والله أعلم.

ولما علم أبو محمد بن حزم، أن قول ابن عباس رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها: خرج لخمس بَقين من ذي القِعْدة، لا يلتئمُ مع قوله أوَّله بأن قال: معناه أن اندفاعه من ذي الحُليفة كان لخمس، قال: وليس بين ذي الحُليفة وبين المدينة إلا أربعةُ أميال فقط، فلم تُعَدْ هذه المرحلة القريبة لِقلَّتها، وبهذا تأتلِف جميعُ الأحاديث. قال: ولو كان خروجُه من المدينة لخمسٍ بقين لذي القِعْدة، لكان خروجُه بلا شك يَوْمَ الجمعة، وهذا خطأ، لأن الجمعة لاتصلَّى أربعًا، وقد ذكر أنس، أنهم صلُّوا الظهر معه بالمدينة أربعًا. قال: ويزيده وضوحًا، ثم ساق من طريق البخاري، حديث كعب بن مالك: "قلَّما كان رسولُ الله ﷺ يخرُج في سفر إذا خرج، إلا يومَ الخميس"، وفي لفظ آخر: أن رسول الله ﷺ كان يُحب أن يخرُج يومَ الخميس، فبطل خروجه يومَ الجمعة لما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجُه يوم السبت، لأنه حينئذ يكون خارجًا من المدينة لأربعٍ بَقين من ذي القِعدة، وهذا ما لم يقله أحد.

قال: وأيضًا قد صحَّ مبيتُه بذي الحُليفة الليلَة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة، فكان يكون اندفاعه من ذي الحُليفة يوم الأحد، يعني: لو كان خروجُه يوم السبت، وصح مبيتُه بذي طُوى ليلةَ دخوله مكة، وصحَّ عنه أنه دخلها صُبح رابعة من ذي الحِجَّة، فعلى هذا تكونُ مدةُ سفره من المدينة إلى مكة سبعةَ أيام، لأنه كان يكون خارجًا من المدينة لو كان ذلك لأربع بَقين لذي القِعْدة، واستوى على مكة لثلاث خَلَوْنَ من ذي الحِجة، وفى استقبال الليلة الرابعة، فتلك سبعُ ليالٍ لا مزيد، وهذا خطأ بإجماع، وأمرٌ لم يقله أحد، فصحَّ أن خروجه كان لِستٍ بقين من ذي القِعْدة وائتلفت الرواياتُ كلُّها، وانتفى التعارُض عنها بحمد الله، انتهى.

قلت: هي متآلفة متوافقة، والتعارض مُنتفٍ عنها مع خروجه يومَ السبت، ويزولُ عنها الاستكراه الذي أوَّلها عليه كما ذكرناه. وأما قول أبى محمد بن حزم: "لو كان خروجُه من المدينةِ لخمسٍ بَقين من ذي القِعْدة، لكان خروجُه يومَ الجمعة، " إلى آخره فغيرُ لازم، بل يصح أن يخرُج لخمس، ويكون خروجه يوم السبت، والذي غرَّ أبا محمد أنه رأى الرواي قد حذف التاء من العدد، وهي إنما تُحذف من المؤنث، ففهم لخمس ليال بقين، وهذا إنما يكون إذا كان الخروجُ يوم الجمعة، فلو كان يوم السبت، لكان لأربع ليال بقين، وهذا بعينه ينقلِبُ عليه، فإنه لو كان خروجُه يوم الخميس، لم يكن لخمس ليال بقين، وإنما يكون لست ليال بقين، ولهذا اضطر إلى أن يُؤوِّل الخروج المقيَّد بالتاريخ المذكور بخمس على الاندفاع من ذي الحُليفة، ولا ضرورة له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهرُ ذي القِعْدة كان ناقصًا، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمس بقين منه بناءً على المعتاد من الشهر، وهذه عادةُ العرب والناس في تواريخهم، أن يُؤرِّخُوا بما بقى من الشهر بناءً على كماله، ثم يقع الإخبار عنه بعد انقضائه، وظهور نقصه كذلك، لئلا يختلِف عليهم التاريخُ، فيصِحُّ أن يقول القائلُ: يوم الخامس والعشرين، كتب لخمس بقين، ويكون الشهر تسعًا وعِشرين، وأيضًا فإن الباقى كان خمسة أيام بلا شك بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت الليالى والأيام في التاريخ، غلَّبت لفظَ الليالى لأنها أولُ الشهر، وهي أسبقُ من اليوم، فتذكر الليالي، ومرادُها الأيام، فيصِحُّ أن يُقال: لخمسٍ بَقين باعتبار الأيام، ويُذكَّر لفظ العدد باعتبار الليالى، فصحَّ حينئذ أن يكون خروجه لخمسٍ بقين، ولا يكون يوم الجمعة. وأما حديثُ كعب، فليس فيه أنه لم يكن يخرُج قطُّ إلا يومَ الخميس، وإنما فيه أن ذلك كان أكثرَ خروجه، ولا ريب أنه لم يكن يتقيَّد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس.

وأما قوله: لو خرج يومَ السبت، لكان خارجًا لأربع، فقد تبيَّن أنه لا يلزم، لا باعتبار الليالى، ولا باعتبار الأيام.

وأما قوله: "إنه بات بذي الحُليفة الليلة المستقبَلَة مِن يوم خروجه من المدينة". إلى آخره، فإنه يلزم من خروجه يوم السبت أن تكون مدةُ سفره سبعة أيام، فهذا عجيبٌ منه، فإنه إذا خرج يومَ السبت وقد بقى من الشهر خمسةُ أيام، ودخل مكة لأربع مَضين مِن ذي الحِجة، فبين خروجه من المدينة ودخوله مكة تسعة أيام، وهذا غيرُ مشكل بوجه من الوجوه، فإن الطريق التي سلكها إلى مكة بين المدينة وبينها هذا المقدار، وسيرُ العرب أسرعُ من سير الحضر بكثير، ولا سيما مع عدم المحامل والكجاوات والزوامِل الثِّقال. والله أعلم.

عدنا إلى سياق حَجِّه، فصلَّى الظهر بالمدينة بالمسجد أربعًا، ثم ترجَّل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه، وخرج بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحُليفة، فصلَّى بها العصر ركعتين، ثم بات بها وصلَّى بها المغرب، والعشاء، والصبح، والظهر، فصلَّى بها خمس صلوات، وكان نساؤه كُلُّهن معه، وطاف عليهن تِلك الليلة، فلما أراد الإحرام، اغتسل غُسلًا ثانيًا لإحرامه غير غُسل الجِماع الأول، ولم يذكر ابن حزم أنه اغتسل غير الغُسل الأول للجنابة، وقد ترك بعضُ الناس ذِكره، فإما أن يكون تركه عمدًا، لأنه لم يثبت عنده، وإما أن يكون تركه سهوًا منه، وقد قال زيدُ بن ثابت: "إنه رأى النبي ﷺ تجرَّد لإهلاله واغتسل". قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وذكر الدارقطني عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرِمَ، غسل رأسه بخطمى وأُشْنَان. ثم طيَّبته عائشة بيدها بِذَرِيرَةٍ وطيبٍ فيه مسك في بدنه ورأسه، حتى كان وبيص المِسك يُرى في مفارقه ولِحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلَّى الظهر ركعتين، ثم أهَلَّ بالحجِّ والعُمرة في مصلاه"، ولم يُنقل عنه أنه صلَّى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر.

وقلَّد قبل الإحرام بُدنه نعلين، وأشعرَها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةَ سَنامِها، وسَلَتَ الدَّمَ عنها.

وإنما قلنا: إنه أحرم قارنًا لِبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك.

أحدها: ما أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر، قال: "تمتَّع رسولُ الله ﷺ في حَجَّة الوداع بالعُمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ مِن ذي الحُليفة، وبدأ رسولُ الله ﷺ فأَهَلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجَّ، " وذكر الحديث.

وثانيها: ما أخرجاه في الصحيحين أيضًا، عن عروة، عن عائشة أخبرته عن رسولِ الله ﷺ، بمثل حديث ابن عمر سواء.

وثالثها: ما روى مسلم في صحيحه من حديث قُتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه قرن الحجَّ إلى العُمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: "هكذا فعل رسولُ الله ﷺ ".

ورابعها: ما روى أبو داود، عن النفيلى، حدثنا زهير هو ابن معاوية حدثنا إسحاق عن مجاهد "سئل ابنُ عمر: كم اعتمرَ رسولُ الله ﷺ؟ فقال: مرتين. فقالت عائشةُ: لقد عَلِمَ ابنُ عمر أن رسولَ الله ﷺ اعتمر ثلاثًا سِوى التي قرن بحَجَّته".

ولم يُناقض هذا قولَ ابن عمر: "إنَّه ﷺ، قرن بين الحجِّ والعُمرة"، لأنه أراد العُمْرة الكاملة المفردة، ولا ريب أنهما عُمرتان: عُمرةُ القضاء وعُمرةُ الجِعرانة، وعائشة رضي الله عنها أرادت العُمْرتين المستقلَّتَيْنِ، وعُمرَة القِران، والتي صُدَّ عنها، ولا ريب أنها أربع.

وخامسها: ما رواه سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ "حجَّ ثلاثَ حِجج: حَجَّتينِ قبل أن يُهاجر، وحَجَّة بعد ما هاجر معها عُمرة" رواه الترمذي وغيره.

وسادسها: ما رواه أبو داود، عن النُّفيلى، وقتيبة قالا: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "اعتمر رسولُ الله ﷺ أربعَ عُمَرٍ: عُمرةَ الحُديبية، والثانية: حين تواطؤُوا على عُمرةٍ مِن قابل، والثالثة من الجِعرانة، والرابعة التي قرن مع حَجَّته".

وسابعها: ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بوادى العَقيق يقول: "أتاني اللَّيْلَة آتٍ من ربي عَزَّ وجلَّ، فقال: صَلِّ في هَذَ الوادي المُبارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ".

وثامنها: ما رواه أبو داود عن البرَّاء بن عازب قال: "كنت مع علي رضي الله عنه حين أَمَّرَهُ رسولُ الله ﷺ على اليمن، فأصبتُ معه أَوَاقيَّ مِن ذهَبٍ، فلما قَدِمَ عليٌّ من اليمن على رسول الله ﷺ قال: وجدتُ فاطمة رضي الله عنها قد لَبِسَتْ ثيابًا صَبِيغَات، وقد نضحت البيت بِنَضُوحٍ، فقالت: مالك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابَه فأحَلُّوا، قال: فقلتُ لها: إني أهللتُ بإهلال النبي ﷺ قال: فأتيتُ النبي ﷺ، فقال لي: "كيف صنعتَ"؟ قال: قُلتُ: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ، قال: "فإني قد سُقْتُ الهَدْيَ، وقَرَنْتُ، "، وذكر الحديث.

وتاسعها: ما رواه النسائي عن عمران بن يزيد الدمشقى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن مسلم البطين، عن علي بن الحُسين، عن مروان بن الحكم قال: "كنتُ جالسًا عند عثمان، فسمع عليًا رضي الله عنه يُلبِّي بِعُمرة وحَجَّةٍ، فقال: ألم تَكُن تُنْهَى عَنْ هَذَا؟ قال: بلَى لكنى سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بهما جميعًا، فلم أدَعْ قولَ رسولِ الله ﷺ لِقَوْلِكَ".

وعاشرها: ما رواه مسلم في صحيحه مِن حديث شُعبة، عن حُميد بن هِلال قال: سمعتُ مُطرِّفًا قال: قال عمران بن حصين: أُحدِّثك حديثًا عسى اللهُ أن ينفعكَ به: إنَّ رسول الله ﷺ "جمع بين حَجَّةٍ وعُمْرة، ثم لم يَنْهَ عنه حتَّى ماتَ، ولم يَنْزِلْ قُرآن يُحرِّمُ".

وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "إنما جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ الحجِّ والعُمْرة، لأنه علم أنه لا يَحُجُّ بَعدها". وله طرق صحيحة إليهما.

وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث سُراقة بنِ مالك قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"، قَالَ: وَقَرَنَ النبي ﷺ في حَجَّة الوَادَعِ. إسناده ثقات.

وثالثُ عشرها: ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي طَلحَةَ الأنصاري"أن رسولَ الله ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَة" ورواه الدارقطني، وفيه الحجاج بن أرطاة.

ورابعُ عشرها: ما رواه أحمد مِن حديث الهرْمَاس بن زياد الباهلي"أنَّ رسول الله ﷺ قرن في حَجَّةِ الوَادَعِ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَة".

وخامسُ عشرها: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال: "إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحجِّ والعُمْرَة، لأنه علم أنه لا يحُجُّ بعد عامِه ذلك" وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيلَ إلى تخطئته بغير دليل.

وسادسُ عشرها: ما رواه الإمام أحمد، مِن حديث جابر بن عبد الله، "أن رسولَ اللهِ ﷺ قَرَنَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا واحِدًا". ورواه الترمذي، وفيه الحجاجُ بنُ أرطاة، وحديثُه لا ينزِل عن درجةِ الحَسَنِ ما لم ينفرِدْ بشئ، أو يُخالف الثِّقات.

وسابعُ عشرها: ما رواه الإمام أحمد، من حديث أُمِّ سلمة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقُول: "أَهِلُّوا يا آلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ في حَجٍّ".

وثامن عشرها: ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ لمسلم، عن حفصةَ قالت: قلتُ للنبي ﷺ: ما شأنُ النَّاسِ حلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قال: "إني قَلَّدْتُ هَدْيي، ولَبَّدْتُ رَأسى، فلا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ"، وهذا يدل على أنه كان في عُمرةٍ معها حَج، فإنه لا يَحلُّ من العُمْرة حتى يَحِلَّ من الحَج، وهذا على أصل مالك والشافعي ألزمُ، لأن المعتمِر عُمرةً مفردة، لا يمنعه عندهما الهديُ من التحلل، وإنما يمنعه عُمْرة القِران، فالحديثُ على أصلهما نص.

وتاسعُ عشرها: ما رواه النسائي، والترمذي، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه سمِعَ سعدَ بن أبي وقاص، والضحاكَ بن قيس عامَ حجَّ معاويةُ بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعُمْرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنعُ ذلك إلا مَنْ جَهِلَ أمرَ اللهِ، فقال سعد: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أخي. قال الضحاك: فإن عمرَ بنَ الخطاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسولُ الله ﷺ وصنعناها معه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ومراده بالتمتع هنا بالعُمْرة إلى الحَج: أحدُ نوعيه، وهو تمتُّع القِران، فإنه لغةُ القرآن، والصحابة الذين شهدوا التنزيلَ والتأويل شهِدوا بذلك، ولهذا قال ابنُ عمر: تمتع رسولُ الله ﷺ بالعُمْرة إلى الحَجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعُمْرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، وكذلك قالت عائشة، وأيضًا: فإن الذي صنعه رسول الله ﷺ، هو مُتعة القِران بلا شك، كما قطع به أحمد، ويدل على ذلك أن عمران بن حصين قال: "تمتَّع رسول الله ﷺ، وتمتَّعنا معه" متفق عليه. وهو الذي قال لمطرِّف: "أُحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعَك به، إن رسولَ الله ﷺ، جمع بَيْن حَجٍّ وعُمْرَةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عَنْهُ حتَّى مَاتَ". وهو في صحيح مسلم، فأخبر عن قِرانه بقوله: تمتَّع. وبقوله: جمع بين حج وعُمْرة.

ويدل عليه أيضًا: ما ثبت في الصحيحين عن سعيد بن المسيِّب قال: "اجتمع عليٌّ وعثمانُ بعُسْفَان، فقال: كان عثمانُ ينهى عن المُتعة أو العُمرة، فقال عليّ: ما تُريد إلى أمر فعله رسولُ الله ﷺ تنهى عنه؟ قال عثمانُ: دعنا مِنْك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلما أن رأى عليٌّ ذلك، أهلَّ بِهِما جميعًا". هذا لفظ مسلم.

ولفظ البخاري "اختلف عليّ وعُثمان بعُسْفَانَ في المُتعة، فقال عليُّ: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسولُ الله ﷺ، فلما رأى ذلك عليٌّ، أهلَّ بهما جميعا".

وأخرج البخاري وحدَه من حديث مروان بنِ الحكم قال: "شهدتُ عثمان وعليًا، وعثمانُ ينهى عن المُتعة، وأن يُجْمَعَ بينهما، فلما رأى عليٌّ ذلك، أهلَّ بهما: لبَّيْكَ بعُمْرَةٍ وحَجَّة، وقال: ما كنتُ لأَدَعَ سُّنَّة رسولِ الله ﷺ لِقول أحد".

فهذا يُبيِّن، أن مَن جمع بينهما، كان متمتِّعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله رسولُ الله ﷺ، وقد وافقه عثمانُ على أن رسولَ الله ﷺ فعل ذلك، فإنه لما قال له: ما تُريد إلى أمر فعله رسولُ الله ﷺ تنهى عنه، لم يقل له: لم يفعلْه رسولُ الله ﷺ، ولولا أنه وافقه على ذلك، لأنكره، ثم قصد عليّ إلى موافقة النبي ﷺ، والاقتداء به في ذلك، وبيان أن فعله لم يُنسخ، وأهلَّ بهما جميعًا تقريرًا للاقتداء به ومتابعته في القِران، وإظهارًا لسُّنَّة نهى عنها عثمان متأوِّلًا، وحينئذ فهذا دليل مستقل تمام العشرين.

الحادي والعشرون: ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حَجَّة الوداع، فأهللنا بعُمرة، ثم قال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ كانَ مَعَه هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ منهما جَمِيعًا".

ومعلوم: أنه كان معه الهَدْيُ، فهو أولى مَن بادر إلى ما أمر به، وقد دل عليه سائرُ الأحاديث التي ذكرناها ونذكرها.

وقد ذهب جماعة من السَلَف والخَلَف إلى إيجاب القِران على مَن ساق الهَدْيَ، والتمتع بالعُمْرة المفردة على مَن لم يَسُق الهديَ، منهم: عبدُ الله بن عباس وجماعة، فعندهم لا يجُوز العدولُ عما فعله رسول الله ﷺ، وأمر به أصحابه، فإنه قرن وساق الهَدْي، وأمر كُلَّ مَن لا هَدْيَ معه بالفسخ إلى عُمْرة مفردة، فالواجب: أن نفعل كما فعل، أو كما أمر، وهذا القول أصحُّ مِن قول مَن حرَّم فسخ الحج إلى العُمْرة من وجوه كثيرة، سنذكرها إن شاء الله تعالى.

الثاني والعشرون: ما أخرجاه في الصحيحين أبى قِلابة، عن أنس بن مالك. قال: "صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ونحنُ معه بالمدينة الظهرَ أربعًا، والعصرَ بذي الحُليفة ركعتين، فباتَ بها حتَّى أصبح، ثم ركِبَ حتَّى استوت به راحِلتُه على البيداء، حَمِدَ الله وسبَّح وكبَّر ثمَّ أهلَّ بحَجٍّ وعُمْرة، وأهلَّ الناسُ بهما، فلما قَدمنَا، أمرَ الناس، فحلُّوا، حتى إذا كان يومُ التَّرْويَةِ أهلُّوا بالحَج".

وفي الصحيحين أيضًا: عن بكر بن عبد الله المزنى، عن أنس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُلبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعًا، قال بكر: فحدثتُ بذلك ابنَ عمر، فقال: لبَّى بالحَجِّ وحدَه، فلقيتُ أنسًا، فحدَّثتُه بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدُّوننا إلا صِبْيانًا، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا". وبين أنس وابن عُمر في السِّنِّ سنةٌ، أو سنةٌ وَشيءٌ.

وفي صحيح مسلم، عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحُميد، أنهم سمِعوا أنسًا قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ أهلَّ بهما: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا".

وروى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ معًا".

وروى النسائي من حديث أبي أسماء، عن أنس قال: "سمعت النبي ﷺ يُلَبِّي بِهِمَا".

وروى أيضًا من حديث الحسن البصري، عن أنس: "أن النبي ﷺ أهلَّ بالحَجِّ والعُمْرة حين صلَّى الظهر".

وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن أنس أن النبي ﷺ، أهلَّ بحَجٍّ وعُمْرة. ومن حديث سُليمان التيمي عن أنس كذلك، وعن أبى قدامة عن أنس مثله، وذكر وكيع: حدثنا مُصعب بن سليم قال: سمعت أنسًا مثله، قال: وحدثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البناني، عن أنس مثله، وذكر الخشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى قزعة، عن أنس مثله.

وفي صحيح البخاري، عن قتادة، عن أنس "اعتمر رسولُ الله ﷺ أربَع عُمَر، فذكرها وقال: وعُمْرة مع حَجَّته. " وقد تقدَّم.

وذكر عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة وحُميد بن هلال، عن أنس مثله، فهؤلاء ستة عشر نفسًا من الثقات، كُلُّهم متَّفِقون عن أنس، أن لفظ النبي ﷺ كان إهلالًا بحَجٍّ وعُمرة معًا، وهم الحسن البصري، وأبو قِلابة، وحُميد بن هلال، وحُميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البُنانى، وبكر بن عبد الله المزنى، وعبد العزيز بن صُهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بنُ سليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة وهو سُويد بن حجر الباهلي.

فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله ﷺ الذي سمعه منه، وهذا عليّ والبرّاء يُخبران عن إخباره ﷺ عن نفسه بالقِران، وهذا على أيضًا، يُخبر أَن رسولَ الله ﷺ فعله، وهذا عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، يُخبر عن رسولِ الله ﷺ، أن ربَّه أمره بأن يفعله، وعلَّمه اللَّفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا على أيضًا يخبر، أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يُلبِّي بهما جميعًا، وهؤلاء بقيةُ مَنْ ذكرنا يخبرون عنه، بأنه فعله، وهذا هو ﷺ يأمُرُ به آله، ويأمر به مَن ساق الهَدْي.

وهؤلاء الذين رَوَوُا القِران بغاية البيان: عائشة أم المؤمنين، وعبدُ الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعليِّ، وتقرير عليّ له، وعِمران بن الحُصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهِرماس بن زياد، وأُمُّ سلمة، وأنسُ بن مالك، وسعدُ بن أبي وقاص، فهؤلاء هم سبعةَ عشر صحابيًا رضي الله عنهم، منهم مَن روى فعله، ومنهم مَن روى لفظ إحرامه، ومنهم مَن روى خبره عن نفسه، ومنهم مَن روى أمره به.

فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر، وجابرًا، وعائشة، وابن عباس؟ وهذه عائشةُ تقول: "أهلَّ رسول الله ﷺ بالحج" وفي لفظ "أفرد الحج" والأول فيالصحيحين والثاني في مسلم وله لفظان، هذا أحدهما والثاني"أهلَّ بالحج مُفرِدا"، وهذا ابنُ عمر يقول: "لبَّى بالحجِّ وحدَه". ذكره البخاري، وهذا ابن عباس يقول: "وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج" رواه مسلم، وهذا جابر يقول: "أفرد الحج" رواه ابن ماجه.

قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث الباقين لم تتعارض، فهب أن أحاديث مَن ذكرتم لا حُجة فيها على القِران، ولا على الإفراد لتعارضها، فما الموجبُ للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها؟ فكيف وأحاديثُهم يُصدِّقُ بعضُها بعضًا ولا تعارض بينها، وإنما ظنَّ مَن ظن التعارض لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم، وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم.

ورأيت لشيخ الإسلام فصلًا حسنًا في اتفاق أحاديثهم نسوقه بلفظه، قال: والصوابُ أن الأحاديث في هذا الباب متفقة ليست بمختلفة إلا اختلافًا يسيرًا يقع مثلُه في غير ذلك، فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتَّع، والتمتع عندهم يتناولُ القِران، والذين رُوى عنهم أنه أفرد، رُوى عنهم أنه تمتع، أما الأول: ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيِّب قال: اجتمع على وعثمان بعُسفانَ، وكان عثمان ينهى عن المُتعة أو العُمرة، فقال علي رضي الله عنه: "ما تريد إلى أمر فعله رسولُ الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا مِنك. فقال: إني لا أستطيعُ أن أدَعك. فلما رأى عليُّ رضى عنه ذلك، أهلَّ بهما جميعًا"هذا يُبين أن مَن جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي ﷺ، ووافقه عثمان على أن النبي ﷺ فعل ذلك، لكن كان النزاعُ بينهما: هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل شُرِع فسخُ الحج إلى العُمْرة في حقنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتفق عليٌّ وعثمان، على أنه تمتَّع، والمراد بالتمتع عندهم القِران، وفي الصحيحين عن مطرِّف قال: قال عِمران بن حصين "إن رسول الله ﷺ جمع بين حجٍّ وعُمْرة، ثم إنه لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه". وفى رواية عنه: تمتَّع رسولُ الله ﷺ وتمتعنا معه، فهذا عِمران وهو من أجلِّ السابقين الأوَّلين، أخبر أنه تمتع، وأنه جمع بين الحجِّ والعُمْرة، والقارِن عند الصحابة متمتِّع، ولهذا أوجبوا عليه الهَدْيَ، ودخل في قوله تعالى: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } [12]، وذكر حديث عمر عن النبي ﷺ: "أتاني آتٍ من ربي فقال: صَلِّ في هذَا الوَادِي المُبارَكِ وقل: عُمْرَةٌ في حَجَّة".

قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر، وعثمان، وعليّ، وعِمران بن حُصين، رويَ عنهم بأصح الأسانيد، أن رسول الله ﷺ قرن بين العُمرة والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعًا، وهذا أنس يذكر أنه سِمع النبي ﷺ يُلبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعًا.

وما ذكره بكرُ بن عبد الله المزنى، عن ابن عمر، أنه لبَّى بالحج وحده، فجوابه أن الثقات الذين هم أثبتُ في ابن عمر من بكر مثل سالم ابنه، ونافع رَوَوْا عنه أنه قال: تمتَّع رسولُ الله ﷺ بالعُمْرة إلى الحج، وهؤلاء أثبتُ في ابن عمر من بكر. فتغليطُ بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ونافع عنه، وأولى من تغليطه هو على النبي ﷺ، ويُشبه أن ابن عمر قال له: أفردَ الحج، فظن أنه قال: لبَّى بالحج، فإن إفراد الحج، كانوا يُطلقونه ويُريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك رد منهم على مَن قال: إنه قرن قِرانًا طاف فيه طوافين، وسعى فيه سعيين، وعلى مَن يقول: إنه حلَّ من إحرامه، فرواية مَن روى من الصحابة أنه أفرد الحج، تردُّ على هؤلاء، يبين هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحجِّ مُفردًا، وفى رواية: أهل بالحجِّ مفردًا.

فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبي ﷺ أهلَّ بحج مفردًا، قيل: فقد ثبت بإسناد أصحَّ من ذلك، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ تمتع بالعُمْرة إلى الحَج، وأنه بدأ، فأهلَّ بالعُمْرة ثم أهلَّ بالحَج، وهذا مِن رواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وما عارض هذا عن ابن عمر، إما أن يكون غلطًا عليه، وإما أن يكون مقصُوده موافقًا له، وإما أن يكون ابن عمر لما علم أن النبي ﷺ لم يَحِلَّ، ظنَّ أنه أفرد، كما وَهِمَ في قوله: إنه اعتمر في رجب، وكان ذلك نسيانًا منه، والنبي ﷺ لما يَحِلَّ من إحرامه، وكان هذا حال المفرد ظن أنه أفرد، ثم ساق حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه: "تمتَّع رسولُ الله ﷺ، " الحديث. وقول الزهري: وحدثني عُروة، عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه قال: فهذا مِن أصح حديثٍ على وجه الأرض، وهو من حديث الزهري أعلم أهلِ زمانه بالسُّنَّة، عن سالم، عن أبيه، وهو من أصح حديث ابن عمر وعائشة.

وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين "أن النبي ﷺ اعتمر أربعَ عُمَر، الرابعة مع حَجَّته". ولم يعتمِرْ بعد الحَجِّ باتفاق العلماء، فيتعينُ أن يكون متمتِّعًا تمتُّع قِران، أو التمتع الخاص.

وقد صح عن ابن عمر، أنه قرن بين الحَجِّ والعُمْرة، وقال: "هكذا فعل رسولُ الله ﷺ " رواه البخاري في الصحيح.

قال: وأما الذين نُقِلَ عنهم إفراد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثلاثة نُقِلَ عنهم التمتع، وحديث عائشة وابن عمر: أنه تمتع بالعُمْرة إلى الحَجِّ أصحُّ من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفرادُ أعمال الحج، أو أن يكون وقعَ منه غلط كنظائره، فإن أحاديث التمتع متواترة رواها أكابرُ الصحابة، كعمر، وعثمان، وعلى، وعِمران بن حصين، ورواها أيضًا: عائشة، وابنُ عمر، وجابر، بل رواها عن النبي ﷺ بضعة عشر من الصحابة.

قلت: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على أن النبي ﷺ اعتمر أربع عُمَر، وإنما وهم ابنُ عمر في كون إحداهن في رجب، وكلهم قالوا: وعُمْرة مع حَجَّته، وهم سوى ابن عباس. قالوا: إنه أفرد الحج، وهم سوى أنس، قالوا: تمتع. فقالوا: هذا، وهذا، وهذا، ولا تناقض بين أقوالهم، فإنه تمتعَ تَمَتُّعَ قِران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين النسكين، وكان قارنًا باعتبار جمعه بين النسكين، ومفردًا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين، ومتمتِّعًا باعتبار ترفُّهه بترك أحد السفرين.

ومَن تأمل ألفاظَ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر بعضها ببعض، وفهم لغةَ الصحابة، أسفر له صُبْحُ الصواب، وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب، والله الهادى لسبيل الرشاد، والموفق لطريق السداد.

فمَن قال: إنه أفرد الحج وأراد به أنه أتى بالحج مفردًا، ثم فرغ منه، وأتى بالعُمْرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثيرٌ من الناس، فهذا غلط لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة الحديث. وإن أراد به أنه حَجَّ حَجًّا مفردًا، لم يعتمِرْ معه كما قاله طائفة من السَلَف والخَلَف، فوهم أيضًا، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده كما تبَيَّن، وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده ولم يفرد للعُمْرة أعمالا، فقد أصاب، وعلى قوله تدل جميع الأحاديث. ومَن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحَجِّ طوافًا على حدة، وللعُمْرة طوافًا على حدة، وسعى للحَجِّ سعيًا، وللعُمْرة سعيًا، فالأحاديث الثابتة ترد قوله، وإن أراد أنه قرن بين النسكين، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقولُه هو الصواب.

ومَن قال: إنه تمتَّع، فإن أراد أنه تمتَّع تَمَتُّعًا حلَّ منه، ثم أحرم بالحَجِّ إحرامًا مستأنفًا، فالأحاديث تردُّ قوله وهو غلط، وإن أراد أنه تمتع تمتعًا لم يَحِلَّ منه، بل بقى على إحرامه لأجل سَوْق الهَدْي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قولَه أيضًا، وهو أقلُّ غلطًا، وإن أراد تمتع القِران، فهو الصوابُ الذي تدل عليه جميع الأحاديث الثابتة، ويأتلف به شملُها، ويزول عنها الإشكالُ والاختلاف.

فصل

غَلِط في عُمَر النبي ﷺ خمسُ طوائف.

إحداها: مَن قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عُمَرَهُ مضبوطةٌ محفوظة، لم يخرُج في رجب إلى شئ منها البتة.

الثانية: مَن قال: إنَّه اعتمر في شوَّال، وهذا أيضًا وهم، والظاهر والله أعلم أن بعضَ الرواة غَلِطَ في هذا، وأنه اعتكف في شوَّال فقال: اعتمر في شوَّال، لكن سياق الحديث، وقوله: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَرٍ: عُمْرة في شوَّال، وعُمْرتين في ذي القِعْدَة" يدل على أن عائشة، أو مَنْ دونها، إنما قصد العُمْرة.

الثالثة: مَن قال: إنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد حَجه، وهذا لم يقُلْه أحد من أهل العلم، وإنما يظنُّه العوام، ومن لا خِبرة له بالسُّنَّة.

الرابعة: مَن قال: إنَّه لم يعتمِرْ في حَجَّته أصلًا، والسُّنَّة الصحيحةُ المستفيضة التي لا يُمكن ردُّها تُبطِلُ هذا القول.

الخامسة: مَن قال: إنَّه اعتمر عُمْرة حلَّ منها، ثم أحرم بعدها بالحج من مكة، والأحاديث الصحيحةُ تُبطِلُ هذا القول وترده.

فصل

ووهم في حَجه خمسُ طوائف.

الطائفة الأولى: التي قالت: حَجَّ حَجًّا مفردًا لم يعتمِرْ معه.

الثانية: مَن قال: حجَّ متمتعًا تمتعًا حلَّ منه، ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره.

الثالثة: مَن قال: حج متمتعًا تمتعًا لم يَحِلَّ منه لأجل سَوْق الهَدْي، ولم يكن قارنًا، كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب "المغني" وغيره.

الرابعة: مَن قال: حجَّ قارنًا قِرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين.

الخامسة: مَن قال: حجَّ حَجًّا مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم.

فصل

وغلط في إحرامه خمسُ طوائف.

إحداها: مَن قال: لبَّى بالعُمرة وحدَها، واستمر عليها.

الثانية: مَن قال: لبَّى بالحَجِّ وحده، واستمر عليه.

الثالثة: مَن قال: لبَّى بالحَجِّ مُفردًا، ثم أدخل عليه العُمْرة، وزعم أن ذلك خاص به.

الرابعة: مَن قال: لبَّى بالعُمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحَج في ثاني الحال.

الخامسة: مَن قال: أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعيِّن فيه نُسُكًا، ثم عيَّنه بعد إحرامه.

والصوابُ: أنه أحرم بالحَجِّ والعُمرة معًا مِنْ حين أنشأ الإحرام، ولم يحلَّ حتى حلَّ منهما جميعًا، فطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا. وساق الهَدْي، كما دلَّت عليه النصوصُ المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمُه أهلُ الحديث. والله أعلم.

فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال وبيان منشأ الوهم والغلط[عدل]

أما عُذر مَن قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ اعتمر في رجب متفق عليه. وقد غلَّطته عائشةُ وغيرُها، كما في الصحيحين عن مجاهد، قال: دخلتُ أنا وعُروةُ بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالسًا إلى حُجْرَةِ عائشة، وإذا ناسٌ يُصلُّون في المسجد صلاةَ الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعة. ثم قُلنا له: كم اعتمر رسولُ الله ﷺ؟ قال: أربعًا. إحداهن: في رجب، فكرهنا أن نَرُدَّ عليه. قال: وسمعنا استنانَ عائشةَ أُمِّ المؤمنين في الحُجْرَةِ، فقال عروةُ: يا أُمَّه أو يا أُمَّ المؤمنين ألا تسمعينَ ما يقولُ أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقولُ؟ قال: يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ اعتمر أربَع عُمَرٍ، إحداهن في رجب. قالت: يرحَمُ اللهُ أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عُمْرةً قطُّ إلا وهو شاهِدٌ، وما اعتمر في رجب قط. وكذلك قال أنس، وابنُ عباس: إن عُمَرَه كُلَّها كانت في ذي القِعْدة، وهذا هو الصواب.

فصل

وأما مَنْ قال: اعتمر في شوَّال، فعذُره ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ، لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهُنَّ في شوَّال، واثنتين في ذي القِعْدة. ولكن هذا الحديث مرسل، وهو غلط أيضًا، إما مِن هشام، وإما مِن عُروة أصابه فيه ما أصاب ابن عمر. وقد رواه أبو داود مرفوعًا عن عائشة، وهو غلط أيضًا لا يَصِحُّ رفعُه. قال ابنُ عبد البر: وليس روايته مسندًا مما يُذكر عن مالك في صحة النقل. قلت: ويدلُّ على بطلانه عن عائشة: أن عائشة، وابن عباس، وأنسَ بنَ مالك قالوا: لم يعتَمِرْ رسولُ الله ﷺ إلا في ذي القِعْدة. وهذا هو الصواب، فإن عُمْرة الحُدَيْبِيَةِ وعُمرة القَضِيَّة، كانتا في ذي القِعْدة، وعُمرة القِران إنما كانت في ذي القِعْدة، وعُمرة الجِعْرَانَة أيضًا كانت في أوَّل ذي القِعْدة، وإنما وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوَّال للقاء العدو، وفرغ من عدوه، وقسم غنائِمَهم، ودخلَ مكة ليلًا معتمِرًا من الجِعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيت عُمْرتُه هذه على كثير من الناس، وكذلك قال مُحرِّشٌ الكعبيُّ. والله أعلم.

فصل

وأما مَن ظن أنه اعتمر مِن التنعيم بعد الحج، فلا أعلم له عُذرًا، فإن هذا خلافُ المعلومِ المستفيض من حَجَّته، ولم ينقلْه أحدٌ قط، ولا قاله إمامٌ، ولعل ظانَّ هذا سَمِع أنه أفرد الحَجَّ، ورأى أن كلَّ مَنْ أفرد الحَج مِن أهلِ الآفاق لا بُد له أن يخرُج بعده إلى التنعيم، فنَزَّل حَجَّة رسول الله ﷺ على ذلك، وهذا عينُ الغَلَطِ.

فصل

وأما مَن قال: إنه لم يعتمرْ في حَجته أصلًا، فعذرُه أنه لما سمع أنه أفرد الحج، وعلم يقينًا أنه لم يَعتمِرْ بعد حَجته قال: إنه لم يعتمِرْ في تلك الحَجة اكتفاءً منه بالعُمْرة المتقدِّمة، والأحاديثُ المستفيضة الصحيحة ترُدُّ قولَه كما تقدَّم من أكثر من عشرين وجهًا، وقد قال: "هذه عمرةٌ استمتعنا بها" وقالت حفصة: ما شأن الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ أنت من عُمرتك؟ وقال سراقة بن مالك: تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة، وعِمران بن حصين، وابن عباس، وصرَّح أنس، وابن عباس، وعائشة، أنه اعتمر في حَجته وهى إحدى عُمَرِهِ الأربع.

فصل

وأما مَن قال: إنه اعتمر عُمْرة حلَّ منها، كما قاله القاضي أبو يعلى ومَنْ وافقه، فعذرُهم ما صحَّ عن ابن عمر وعائشة، وعِمرانَ بنِ حصين وغيرهم أنه ﷺ تمتَّع، وهذا يحتمِل أنه تمتُّعٌ حَلَّ منه، ويحتمل أنه لم يَحِلَّ، فلما أخبر معاويةُ أنه قصر عن رأسه بمِشْقَص على المروة، وحديثه في الصحيحين دلَّ على أنه حَلَّ من إحرامه، ولا يُمكنُ أن يكونَ هذا في غير حَجَّةِ الوداع، لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، والنبي ﷺ لم يكن زمن الفتح مُحرِمًا، ولا يمكن أن يكون في عُمْرة الجعْرانةِ لوجهين:

أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديثِ الصحيح: "وذلك في حَجَّته".

والثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح: "وذلك في أيام العشر"، وهذا إنما كان في حَجته، وحمل هؤلاء رواية مَن روى أن المتعة كانت له خاصة، على أن طائفةً منهم خصُّوا بالتحليل من الإحرام مع سَوْق الهَدْي دون مَنْ ساق الهَدْيَ من الصحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخُنا أبو العباس. وقالوا: مَن تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة، تبيَّن له أن النبي ﷺ لم يَحِلَّ، لا هو ولا أحدٌ ممن ساق الهَدْي.

فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجته[عدل]

أما مَن قال: إنه حجَّ حجًا مفردًا، لم يعتمِرْ فيه، فعذره ما في الصحيحين عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مَعَ رسولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوداع، فَمِنَّا مَنْ أهلَّ بعُمْرة، ومِنَّا مَنْ أهلَّ بحَجٍّ وعُمْرة، ومِنَّا مَنْ أهلَّ بحَج، وأهلَّ رسولُ الله ﷺ بالحَجِّ. وقالوا: هذا التقسيمُ والتنويع، صريح في إهلاله بالحَجِّ وحده.

ولمسلم عنها: "أن رسول الله ﷺ، أهلَّ بالحَجِّ مُفردًا".

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ لبَّى بالحجِّ وَحْدَهُ".

وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أهلَّ بالحج".

وفي سنن ابن ماجه، عن جابر "أن رسول الله ﷺ، أفرد الحج".

وفي صحيح مسلم عنه "خرجنا مَعَ رسول الله ﷺ لا نَنْوِي إلا الحَجَّ، لسنا نعرِفُ العُمْرَةَ".

وفي صحيح البخاري، عن عُروة بن الزبير قال: "حَجَّ رسولُ الله ﷺ، فأخبرتنى عائشةُ أنَّ أوَّل شئ بدأ به حين قَدِمَ مكة، أنه توضَّأ، ثم طافَ بالبيت، [13]، ثم حجَّ أبو بكر رضي الله عنه، فكان أوَّل شئ بدأ به، الطَّوَافُ بالبيت، ثم لم تكُن عُمرةٌ، ثم عُمَرُ رضي الله عنه مِثلُ ذلك، ثم حجَّ عُثمانُ، فرأيتُه أوَّلُ شئ بدأ به الطُوافُ بالبَيْتِ، ثم لم تَكُن عُمرةٌ، ثم مُعاوية، وعبد الله بنُ عمر، ثم حججتُ مع أبى: الزبيرِ بن العوّام، فكان أوَّل شئ بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تَكُن عُمرةُ، ثم رأيتُ فعل ذلك ابنُ عمر، ثم لم ينقُضْها عُمْرَةً، وهذا ابن عُمر عندهم، فلا يسألُونَه ولا أحد ممن مَضَى ما كانُوا يبدؤون بشئ حين يَضَعُون أقدامهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت، ثم لا يَحِلُّون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمَانِ، لا تبدآن بشئ أوَّل مِن البَيْتِ تطُوفان به، ثم إنهما لا تَحِلَّانِ، وقد أخبرتنى أُمِّي أنها أهلَّت هي وأُختُها والزُبيرُ، وفلانٌ، وفلانٌ بعُمْرة، فلما مسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. ".

وفي سنن أبي داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، ووُهَيْبُ بنُ خالد، كلاهما عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت "خرجْنَا مع رَسُولِ الله ﷺ مُوَافِين لِهلالِ ذي الحِجَّة، فلما كان بذي الحُليفةِ قال: ( مَنْ شَاءَ أَنْ يُهلَّ بحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، ومَنْ أرادَ أَنْ يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بعُمْرَةِ")، ثم انفرد وُهَيْب في حديثه بأن قال عنه ﷺ: "فإني لولا إني أَهْدَيْتُ، لأَهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ". وقال الآخر: "وأَمَّا أنا فأُهِلُّ بالحَجِّ". فصحَّ بمجموع الروايتين، أنه أهلَّ بالحَجِّ مفردًا.

فأرباب هذا القولِ عذرُهم ظاهر كما ترى، ولكن ما عذرُهم في حُكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: "سُقتُ الهَدْيَ وقرنت"، وخبر مَن هو تحت بطن ناقته، وأقربُ إليه حينئذ من غيره، فهو من أصدق الناس يسمعهُ يقول: "لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ"، وخبر مَنْ هو مِنْ أعلم النَّاسِ عنه ﷺ، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين يُخبر أنه أهلَّ بهما جميعًا، ولبَّى بهما جميعًا، وخبرُ زوجته حفصةَ في تقريره لها على أنه معتمِرٌ بعُمرة لم يَحِلَّ منها، فلم يُنْكِرْ ذلك عليها، بل صدَّقها، وأجابها بأنه مع ذلك حاج، وهو ﷺ لا يُقِرُّ على باطل يسمعُه أصلًا، بل يُنْكرُه، وما عذرهم عن خبره ﷺ عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، يأمُره فيه أن يُهِلَّ بحَجَّةٍ في عُمْرَةٍ، وما عذرهم عن خبر مَن أخبر عنه من أصحابه، أنه قرن، لأنه علم أنه لا يحُجُّ بعدها، وخبر مَن أخبر عنه ﷺ أنه اعتمَر مع حجَّته، وليس مع مَن قال: إنه أفرد الحجَّ شئٌ من ذلك البتّة، فلم يَقُلْ أحدٌ منهم عنه: إني أفردت، ولا أتاني آتٍ من ربي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحدٌ: ما بالُ الناسِ حَلُّوا، ولم تَحِلَّ مِن حَجَّتك، كما حَلُّوا هم بعُمرة، ولا قال أحدٌ: سمعتُه يقول: لبَّيْكَ بعُمرة مفردة البتة، ولا بحَج مفرد، ولا قال أحدٌ: إنه اعتمر أربع عُمَر الرابعة بعد حَجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يُخبِرُ عن نفسه بأنه قارن، ولا سبيلَ إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه. ومعلوم قطعًا أن تطرُّقَ الوهم والغلطِ إلى مَن أخبر عما فهمه هو مِن فعله يظنُّه كذلك أولى من تَطَرَّق التكذيب إلى مَن قال: سمعتُه يقول كذا وكذا وإنه لم يسمعه، فإن هذا لا يتطرق إليه إلا التكذيبُ، بِخلافِ خبرِ مَن أخبر عما ظنَّه مِن فعله وكان واهمًا، فإنه لا يُنسب إلى الكذب، ولقد نزَّه الله عليًا، وأنسًا، والبرّاء، وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول كذا ولم يسمعوه، نزَّهه ربّه تبارك وتعالى، أن يرسل إليه: أن افعل كذا وكذا ولم يفعله، هذا مِن أمحل المُحال، وأبطلِ الباطل، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يُخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد، فإنه ليس في عمله زيادةٌ على عمل المفرد. ومَن روى عنهم ما يُوهِم خلاف هذا، فإنه عبَّر بحسب ما فهمه، كما سمع بكر بن عبد الله بنَ عمر يقول: أفرد الحج، فقال: لبَّى بالحجِّ وحده، فحمله على المعنى. وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه: إنه تمتَّع، فبدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ، فهذا سالم يُخبرُ بخلاف ما أخبر به بكر، ولا يَصِحُّ تأويل هذا عنه بأنه أمر به، فإنه فسَّره بقوله: وبدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ، وكذا الذين رَوَوُا الإفراد عن عائشة رضي الله عنها، فهما: عُروة، والقاسم، وروى القِران عنها عروةُ، ومجاهد، وأبو الأسود يروى عن عُروة الإفراد، والزهري يروى عنه القِران. فإن قدَّرنا تساقُطَ الروايتين، سلمت رواية مجاهد، وإن حُمِلَتْ رِوايةُ الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج، تصادقت الروايات وصدَّق بعضها بعضًا، ولا ريب أن قول عائشة، وابن عمر: أفرد الحجَّ، محتمل لثلاثة معان:

أحدها: الإهلال به مفردًا.

الثاني: إفرادُ أعماله.

الثالث: أنه حجَّ حَجةً واحدة لم يَحُجَّ معها غيرها، بخلافِ العُمْرة، فإنها كانت أربع مرات.

وأما قولهما: تمتَّع بالعُمرة إلى الحج، وبدأ فأهلَّ بالعُمْرة، ثم أهلَّ بالحج، فحكيا فِعلَه، فهذا صريح لا يحتمِل غير معنى واحد، فلا يجوز ردُّه بالمجمل، وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة، أنه أهلَّ بالحجِّ ما يُناقض رواية مجاهد وعُروة عنها أنه قرن، فإن القارِن حاج مُهِل بالحجِّ قطعًا، وعُمْرته جزء من حَجته، فمن أخبر عنها أنه أهلَّ بالحج، فهو غيرُ صادق، فإن ضُمت رِواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود، ثم ضُمتا إلى رواية عُروة، تبيَّن من مجموع الروايات أنه كان قارنًا، وصدَّق بعضُّها بعضًا، حتى لو لم يحتَمِلْ قولُ عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا، لَوَجَبَ قَطْعًا أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر: اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة: إنه ﷺ اعتمر في شوَّال، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلًا إلى تكذيب رواتها ولا تأويلها وحملها على غير ما دلَّت عليه، ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التي قد اضطربت على رواتها، واختُلِفَ عنهم فيها، وعارضهم مَنْ هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها.

وأما قول جابر: إنه أفرد الحَجَّ، فالصريحُ من حديثه ليس فيه شئ من هذا، وإنما فيه إخبارُه عنهم أنفسهم أنهم لا ينوون إلا الحج، فأين في هذا ما يدل على أن رسول الله ﷺ لبَّى بالحجِّ مفردًا.

وأما حديثه الآخرُ الذي رواه ابن ماجه، أن رسول الله ﷺ أفرد الحَج، فله ثلاث طرق. أجودها: طريق الدراوردى عن جعفر بن محمد عن أبيه، وهذا يقينًا مختصر من حديثه الطويل في حَجَّة الوداع، ومروى بالمعنى، والناس خالفوا الدراوردى في ذلك. وقالوا: أهلَّ بالحَجِّ، وأهلَّ بالتوحيد. والطريق الثاني: فيها مُطرِّف بن مُصعب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن جعفر ومُطرِّف، قال ابن حزم: هو مجهول، قلتُ: ليس هو بمجهول، ولكنه ابنُ أخت مالك، روى عنه البخاري، وبشر بن موسى، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن عدى: يأتي بمناكير، وكأنَّ أبا محمد ابن حزم رأى في النسخة مُطرِّف بن مُصعب فجهله، وإنما هو مُطرِّف أبو مصعب، وهو مطرِّف ابن عبد الله بن مطرِّف بن سليمان بن يسار، وممن غَلِطَ في هذا أيضًا، محمد بن عثمان الذهبى في كتابه "الضعفاء" فقال: مُطرِّف بن مُصعب المدني عن ابن أبي ذئب منكر الحديث. قلتُ: والرواي عن ابن أبي ذئب، والدراوردى، ومالك، هو مُطرِّف أبو مُصعب المدني، وليس بمنكر الحديث، وإنما غرَّه قولُ ابنِ عدى: يأتي بمناكير، ثم ساق له منها ابنُ عدى جملة، لكن هي من روايةِ أحمد بن داود بن صالح عنه، كذَّبه الدارقطني، والبلاء فيها منه.

والطريق الثالث: لحديث جابر فيها محمد بن عبد الوهَّاب يُنظر فيه مَن هو وما حالُه عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفى، فهو ثقة عند ابن معين، ضعيف عند الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة، ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استشهد به مسلم، قال ابنُ حزم: وإن كان غيره، فلا أدري مَن هو؟ قلت: ليس بغيره، بل هو الطائفى يقينًا، وبكلِّ حال فلو صح هذا عن جابر، لكان حكمه حكم المرويِّ عن عائشة وابنِ عمر، وسائر الرواة الثقات، إنما قالوا: أهلَّ بالحَجِّ، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: أفرد الحَج، ومعلوم أن العُمرة إذا دخلت في الحجِّ، فمَن قال: أهلَّ بالحَج، لا يُناقِضُ مَن قال: أهلَّ بهما، بل هذا فصَّل، وذاك أجمل. ومَن قال: أفرد الحجَّ، يحتمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحدٌ قطُّ عنه: إنه سمعه يقول: "لبَّيْكَ بِحَجَّةٍ مفردة"، هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو وُجِدَ ذلك لم يُقَدَّمْ على تلك الأساطين التي ذكرناها والتي لا سبيلَ إلى دفعها البتة، وكان تغليطُ هذا أو حملُه على أول الإحرام، وأنه صار قارنًا في أثنائه متعينًا، فكيف ولم يثبُت ذلك، وقد قدَّمنا عن سُفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قرن في حَجَّة الوداع. رواه زكريا الساجى، عن عبد الله بن أبي زياد القَطَوانى، عن زيد ابن الحُباب، عن سفيان، ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهلَّ بالحَجِّ، وأفرد بالحَجِّ، ولبَّى بالحَجِّ، كما تقدَّم.

فصل

فحصل الترجيحُ لرواية مَن روى القِران لوجوه عشرة.

أحدها: أنهم أكثرُ كما تقدَّم.

الثاني: أن طُرق الإخبار بذلك تنوّعت كما بيَّناه.

الثالث: أن فيهم مَن أخبر عن سماعه ولفظه صريحًا، وفيهم مَن أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم مَن أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم يجئ شئٌ من ذلك في الإفراد.

الرابع: تصديقُ روايات مَن روى أنه اعتمر أربع عُمَر لها.

الخامس: أنها صريحة لا تحتمِلُ التأويل، بخلاف روايات الإفراد.

السادس: أنها متضمِّنة زيادةً سكت عنها أهلُ الإفراد أو نَفَوْها، والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت، والمُثْبِتُ مقدَّم على النافى.

السابع: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابنُ عمر، وجابر، وابنُ عباس، والأربعة رَوَوُا القِران، فإن صِرنا إلى تساقُطِ رواياتهم، سَلِمَتْ رواية مَن عداهم للقِران عن معارض، وإن صِرنا إلِي الترجيح، وجب الأخذُ برواية مَن لم تضطِرب الروايةُ عنه ولا اختلفت، كالبرَّاء، وأنس، وعمرَ بن الخطاب، وعِمران بن حصين، وحفصة، ومَن معهم ممن تقدَّم.

الثامن: أنه النُّسُك الذي أُمِرَ به من ربِّه، فلم يكن ليعدل عنه.

التاسع: أنَّه النُّسُك الذي أُمر به كُلُّ مَن ساق الهَدْي، فلم يكن لِيأمرهم به إذا سَاقُوا الهَدْي، ثم يسوق هو الهَدْي ويُخالفه.

العاشر: أنَّه النُّسُك الذي أَمر به آله وأهلَ بيتِهِ، واختاره لهم، ولم يكن لِيختارَ لهم إلا ما اختارَ لنفسه.

وَثَمَّتَ ترجيحٌ حادي عشر، وهو قوله: "دخلت العُمْرة في الحَجِّ إلى يوم القيامة"، وهذا يقتضى أنها قد صارت جُزءًا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يُفصل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحجِّ كما يكون الداخل في الشئ معه.

وترجيح ثاني عشر: وهو قولُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصُّبَيّ ابن معبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعُمرة، فأنكر عليه زيد بن صُوحان، أو سلمان ابن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيتَ لسُّنَّة نبيك محمد ﷺ، وهذا يُوافق رواية عمر عنه ﷺ أن الوحي جاءه من الله بالإهلالِ بهما جميعًا، فدلَّ على أن القِران سُّنَّتُه التي فَعَلَها، وامتثلَ أمرَ الله له بِها.

وترجيح ثالث عشر: أن القارنَ تقعُ أعمالُه عن كُلٍّ من النسكين، فيقع إحرامُه وطوافُه وسعيُه عنهما معًا، وذلك أكملُ مِن وقوعه عن أحدهما، وعمل كل فعل على حِدة.

وترجيح رابع عشر: وهو أن النُّسُكَ الذي اشتمل على سَوْق الهَدْي أفضلُ بلا ريب مِن نُسُكٍ خلا عن الهَدْي، فإذا قَرنَ، كان هَدْيُه عن كل واحد من النسكين، فلم يَخْلُ نُسُكٌ منهما عن هَدْي، ولهذا والله أعلم أمرَ رسولُ الله ﷺ مَن ساق الهَدْي أن يُهِلَّ بالحَجِّ والعُمْرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البرَّاء بقوله: "إني سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرنْتُ".

وترجيح خامس عشر: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضلُ من الإفراد لوجوه كثيرة منها: أنه ﷺ أمرهم بفسخ الحَجِّ إليه، ومُحالٌ أن يَنْقُلَهُم من الفاضِل إلى المفضُول الذي هو دونه. ومنها: أنه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله: "لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرى مَا اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْيَ ولَجَعَلْتُها عُمْرةً". ومنها: أنه أَمر به كُلَّ مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ. ومنها: أن الحجَّ الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القِران لمن ساق الهَدْيَ، والتمتع لمن لم يَسُق الهَدْي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهَدْي، فهو أفضلُ مِن متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين: لا هَدْي إلا ما جمع فيه بين الحِلِّ والحَرَم. فإذا ثبت هذا، فالقارِن السائق أفضلُ من متمتع لم يسق، ومِن متمتع ساق الهَدْي لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوقُ الهَدْي مِن أدنى الحِلِّ، فكيف يُجعل مُفرِدٌ لم يَسُقْ هَدْيًا، أفضل من متمتِّع ساقه من أدنى الحل؟ فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات، وهذا بحمد الله واضح.

فصل

وأما قول مَن قال: إنه حَجَّ متمتعًا تمتعًا حلَّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يومَ التَّرويةِ بالحجِّ مع سَوْق الهَدْي، فعذره ما تقدَّم من حديث معاوية، أنه قصَّرَ عن رسول الله ﷺ بِمِشْقَصٍ في العشر وفي لفظ: وذلك في حُجَّته. وهذا مما أنكره الناسُ على معاوية، وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعدِّدة كلها تدل على أنه ﷺ لم يَحِلَّ من إحرامه إلَّا يوم النحر، ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: "لَوْلا أَنَّ مَعيَ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ "، وقوله: " إني سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ فَلا أُحِلُّ حتَّى أَنْحَرَ". وهذا خبرٌ عن نفسه، فلا يدخله الوهمُ ولا الغلطُ، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبرًا يخالِفُ ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجمُّ الغفيرُ، أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير ولا حلق، وأنه بقى على إحرامه حتى حَلَق يومَ النحر، ولعل معاوية قصَّرَ عن رأسه في عمرة الجِعْرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نسى، فظن أن ذلك كان في العشر، كما نسى ابنُ عمر أن عُمَرَهُ كانت كلُّها في ذي القِعْدةَ. وقال: كانت [14] في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائزٌ على مَن سوى الرسول ﷺ. فإذا قام الدليل عليه، صار واجبًا.

وقد قيل: إن معاوية لعله قصَّرَ عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلَّاقُ يوم النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا أيضًا مِن وهمه، فإن الحلَّاق لا يُبقى غلطًا شعرًا يُقصَّر منه، ثم يُبقى منه بعد التقصير بقية يوم النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة أحد الشِّقين، وبقية الصحابة اقتسموا الشِّقَ الآخر، الشعرة، والشعرتين، والشعرات، وأيضًا فإنه لم يسعَ بين الصَّفا والمروةِ إلا سعيًا واحدًا وهو سعيُه الأول، لم يسعَ عقب طوافِ الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحَجِّ قطعًا، فهذا وهم مَحْضٌ. وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط وخطأ، أخطأ فيه الحسن ابن عليٍّ، فجعله عن معمر، عن ابن طاووس، وإنما هو عن هشام ابن حُجير، عن ابن طاووس، وهشام: ضعيف.

قلت: والحديثُ الذي في البخاري عن معاوية: قصَّرْتُ عن رأس رسولِ الله ﷺ بمشْقَصٍ، وَلَمْ يَزِدْ على هَذَا، والذي عند مسلم: قَصَّرْتُ عَنْ رَأسِ رَسُولِ الله ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى المَرْوَةِ. وليس في الصحيحين غير ذلك.

وأما روايةُ مَن روى: "فى أيام العشر" فليست في الصحيح، وهي معلولة، أو وهم من معاوية. قال قيس بن سعد راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه، والناس يُنكِرُونَ هذا على معاوية. وصدق قيس، فنحن نحلِفُ باللهِ: إن هذا ما كان في العشر قطُّ.

ويشبه هذا وهم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن أبى شيخ الهُنائى، أن معاوية قال لأصحاب النبي ﷺ: هل تعلمُون أنَّ النبي ﷺ نَهَى عَنْ كَذَا، وَعَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قالوا: نَعَم. قال: فَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ؟ قَالوا: أَمَّا هذِهِ، فَلا، فَقَالَ: أَما إنَّهَا مَعَهَا وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُم. ونحن نَشْهَدُ باللهِ: إن هذا وهم مِن معاوية، أو كذبٌ عليه، فلم ينهَ رسولُ الله ﷺ عن ذلك قطُّ، وأبو شيخ شيخ لا يُحتج به، فضلًا عن أن يقدَّم على الثقات الحفَّاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير واسمه خيوان ابن خلدة بالخاء المعجمة وهو مجهول.

فصل

وأما مَن قال: حجَّ متمتُّعًا تمتُّعًا لم يَحِلَّ منه لأجل سَوْق الهَدْي كما قاله صاحب "المغني" وطائفة، فعذرُهم قولُ عائشة وابن عمر: تمتَّع رسولُ الله ﷺ. وقول حفصة: ما شأن الناس حلُّوا ولم تَحلَّ من عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسولُ الله ﷺ وصنعناها معهُ، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحَجِّ: هي حلال؟ فقال له السائلُ: إن أباكَ قد نهى عنها، فقال: أرأيتَ إن كان أبى نهى عنها، وصَنَعَهَا رسولُ الله ﷺ، أأمَر أبى تَتَّبِعُ، أم أمَر رسولِ اللهِ ﷺ؟ فقال الرجل: بل أمرَ رسول الله ﷺ. فقال: لقد صَنَعَها رسولُ اللهِ ﷺ.

قال هؤلاء: ولولا الهَدْيُ لحلَّ كما يحلُّ المتمتعُ الذي لا هَدْيَ معه، ولهذا قال: "لولا أنَّ مَعيَ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ" فأخبر أن المانع له مِن الحلِّ سوقُ الهَدْي، والقارنُ إنما يمنعه من الحلِّ القِرانُ لا الهَدْيُ، وأربابُ هذا القول قد يُسمُّون هذا المتمتَع قارنًا، لِكونه أحرَم بالحَجِّ قبل التحلل من العُمْرةِ ولكنَّ القِران المعروفَ أن يُحرِم بهما جميعًا، أو يُحرمِ بالعُمْرة، ثم يُدخِلَ عليها الحَج قبل الطواف.

والفرق بين القارِن والمتمتع السائق من وجهين، أحدهما: من الإحرام، فإن القارن هو الذي يُحرِم بالحَجِّ قبل الطواف، إما في ابتداء الإحرام، أو في أثنائه.

والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعيٌ واحد، فإن أتى به أولًا، وإلا سعى عقيبَ طواف الإفاضة، والمتمتعُ عليه سعى ثانٍ عند الجمهور. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يكفيه سعى واحد كالقارن، والنبي ﷺ لم يسعَ سعيًا ثانيًا عقيبَ طوافِ الإفاضة، فكيف يكونُ متمتعًا على هذا القولِ.

فإن قيل: فعلى الرواية الأخرى، يكون متمتعًا، ولا يتوجه الإلزام، ولها وجه قوى من الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر قال: لم يطفِ النبي ﷺ، ولا أصحابهُ بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا. طوافَه الأول هذا، مع أنَّ أكثرَهم كانُوا متمتِّعين. وقد روى سفيانُ الثوري، عن سلمةَ بن كُهيل قال: حلف طاووس: ما طاف أحدٌ من أصحاب رسولِ الله ﷺ لِحَجِّه وعُمرته إلا طوافًا واحدًا.

قيل: الذين نظروا أنه كان متمتعًا تمتعًا خاصًا، لا يقولُون بهذا القول، بل يُوجِبون عليه سَعيين، والمعلومُ مِن سُّنَّته ﷺ، أنه لم يسعَ إلا سعيًا واحدًا، كما ثبت في الصحيح، عن ابن عمر، أنه قرن، وقدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلِقْ ولا قصَّر، ولا حَلَّ مِن شئ حرم منه، حتى كان يومُ النحر، فنحَرَ وحلَق رأسه، ورأى أنه قد قضى طوافَ الحجِّ والعُمْرة بطوافِه الأول، وقال: هكذا فعل رسولُ الله ﷺ. ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حَجَّه وعُمْرته: الطوافُ بين الصفا والمروة بلا ريب.

وذكر الدارقطني، عن عطاء ونافع، عن ابن عمر، وجابر: أن النبي ﷺ، إنما طاف لحَجِّه وعُمرته طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا، ثم قَدِمَ مكة، فلم يسعَ بينهما بعد الصَّدَرِ فهذا يدل على أحدِ أمرين، ولا بُد إما أن يكون قارنًا، وهو الذي لا يُمكن مَن أوجبَ على المتمتع سعيينِ أن يقولَ غيرَه، وإما أن المتمتع يكفيه سعيٌ واحد، ولكن الأحاديث التي تقدَّمت في بيان أنه كان قارنًا صريحةٌ في ذلك، فلا يُعدَل عنها.

فإن قيل فقد روى شعبةُ، عن حُميد بن هلال، عن مُطرِّف، عن عِمران بن حُصين، أن النبي ﷺ، طاف طوافين، وسعى سعيين. رواه الدارقطني عن ابن صاعد: حدثنا محمد بن يحيى الأزدى، حدثنا عبد الله بن داود، عن شعبة. قيل: هذا خبر معلول وهو غلط. قال الدارقطني: يقال: إن محمد بن يحيى حدَّث بهذا من حفظه، فوهم في متنه والصواب بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ قرن بين الحَجِّ والعُمرة والله أعلم. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يدل على أن هذا الحديث غلط.

وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قدامة، إنما ذهب إلى أنَّ رسولَ الله ﷺ كان متمتعًا، لأنه رأى الإمام أحمد قد نصَّ على أن التمتعَ أفضلُ مِن القِران، ورأى أن الله سُبحانه لم يكن لِيختارَ لِرسوله إلا الأفضلَ، ورأى الأحاديثَ قد جاءت بأنه تمتع، ورأى أنها صريحةٌ في أنه لم يَحِلَّ، فأخذ من هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعًا خاصًا لم يَحِلَّ منه، ولكن أحمد لم يُرجح التمتع، لكون النبي ﷺ حجَّ متمتعًا، كيف وهو القائل: لا أشكُّ أن رسولَ الله ﷺ كان قارنًا، وإنما اختار التمتع لِكونه آخِرَ الأمرين مِن رسول الله ﷺ، وهو الذي أمر به الصحابة أن يَفسخُوا حَجَّهم إليه، وتأسَّف على فوته.

ولكن نقل عنه المَرْوَزِي، أنه إذا ساق الهَدْيَ، فالقِران أفضل، فمِن أصحابه مَنْ جَعل هذا رواية ثانية، ومِنهم مَن جعل المسألة روايةً واحدةً، وأنه إن ساق الهَدْيَ، فالقِران أفضلُ، وإن لم يَسُقْ فالتمتُّع أفضلُ، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصولِ أحمد، والنبي ﷺ لم يتمنَّ أنه كان جعلها عُمْرةٌ مع سوقه الهَدْيَ، بل ودَّ أنه كان جعلها عُمْرة ولم يَسُقِ الهديَ.

بقى أن يُقال: فأيُّ الأمرين أفضلُ، أن يسوقَ ويَقْرِنَ، أو يترك السَّوْق ويتمتَّعَ كما ودَّ النبي ﷺ أنه فعله.

قيل: قد تعارض في هذه المسألة أمرانِ.

أحدُهما: أنه ﷺ قرن وساق الهَدْي، ولم يكن الله سبحانه لِيختار له إلا أفضلَ الأمور، ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى، وخيرُ الهَدْي هَدْيه ﷺ.

والثاني قوله: "لو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرى ما اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً". فهذا يقتضى، أنه لو كان هذا الوقتُ الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه، لكان أحرم بعُمْرة ولم يَسُق الهَدْي، لأن الذي استدبره هو الذي فعله، ومضى فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامَهُ، فبيَّن أنه لو كان مستقبلًا لما استدبره، وهو الإحرام بالعُمْرة دون هَدْي، ومعلوم أنه لا يختارُ أن ينتقِلَ عن الأفضل إلى المفضولِ، بل إنما يختارُ الأفضلَ، وهذا يَدلُّ على أن آخِر الأمرينِ منه ترجيحُ التمتع.

ولمن رجَّح القِرانَ مع السَّوقِ أن يقولَ: هو ﷺ لم يَقُلْ هذا، لأجل أن الذي فعله مفضولٌ مرجُوح، بل لأن الصحابة شقَّ عليهم أن يَحِلُّوا من إحرامهم مع بقائه هو مُحِرمًا، وكان يختار موافقتهم لِيفعلوا ما أُمِرُوا به مع انشراحٍ وقبول ومحبة، وقد ينتقِل عن الأفضل إلى المفضول، لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب، كما قال لعائشة: "لَوْلا أنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بَجَاهِلَّيةٍ لَنَقَضْتُ الكَّعْبَةَ وجَعَلْتُ لهَا بَابَيْنِ" فهذا تركُ ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف، فصار هذا هو الأَوْلى في هذه الحال، فكذلك اختيارُه للمُتعة بلا هَدْي. وفى هذا جمع بين ما فعله وبين ما ودَّه وتمنَّاه، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين، أحدُهما بفعله له، والثاني: بتمنِّيه وودِّه له، فأعطاه أجرَ ما فعله، وأجرَ ما نواه من الموافقة وتمنَّاه، وكيف يكون نُسُكٌ يتخلَّلُه التَّحللُ ولم يَسُقْ فيه الهَدْيَ أفضلَ مِن نُسُكٍ لم يتخلَّله تحلُّل، وقد ساق فيه مائةَ بَدَنةٍ، وكيف يكون نُسُكٌ أفضل في حقه من نُّسُك اختاره الله له، وأتاه به الوحيُ من ربه.

فإن قيل: التمتع وإن تخلله تحلل، لكن قد تكرَّرَ فيه الإحرامُ، وإنشاؤه عبادة محبوبة للرب، والقِران لا يتكرر فيه الإحرام؟

قيل: في تعظيم شعائر الله بسوق الهَدْي، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام، ثم إن استدامته قائمةٌ مقام تكرُّره، وسوقُ الهَدْي لا مقابل له يقومُ مقامه.

فإن قيل: فأيُّما أفضلُ، إفراد يأتي عقيبَه بالعُمْرة أو تمتع يَحِلُّ منه، ثم يُحِرمُ بالحج عقيبَه؟

قيل: معاذ الله أن نظن أن نُسُكًا قطُّ أفضلُ من النُّسُكِ الذي اختاره الله لأفضل الخلق، وسادات الأُمَّة، وأن نقول في نُسُك لم يفعله رسولُ الله ﷺ، ولا أحد من الصحابة الذين حَجُّوا معه، بل ولا غيرُهم من أصحابه: إنه أفضلُ مما فعلوه بأمره، فكيف يكون حَج على وجه الأرض أفضلَ مِن الحَجِّ الذي حجَّه النبي صلواتُ الله عليه، وأُمِرَ به أفْضَلُ الخلق، واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه، وودَّ أنه كان فعله، لا حَجَّ قطُّ أكملُ من هذا. وهذا وإن صح عنه الأمر لمن ساق الهَدْيَ بالقِران، ولمن لم يسقْ بالتمتع، ففي جوازِ خِلافه نظر، ولا يُوحشْك قِلَّةُ القائلين بوجوب ذلك، فإن فيهم البحرَ الذي لا يَنْزِفُ عبدَ الله بن عباس وجماعةً من أهل الظاهر، والسُّنَّة هي الحَكَمُ بين الناس. والله المستعان.

فصل

وأما مَن قال: إنه حَجَّ قارِنًا قِرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعُذْرُه ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر: أنه جمع بين حَجٍّ وعُمْرة معًا، وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين. وقال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ صنع كما صنعت.

وعن علي بن أبي طالب، أنه جمع بينهما، وطافَ لهما طوافين، وسَعَى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنعَ كما صنعتُ.

وعن علي رضي الله عنه أيضًا أن النبي ﷺ كان قارنًا، فطاف طوافَيْنِ، وسعى سعيين.

وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: طافَ رسولُ الله ﷺ لحَجَّته وعُمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود.

وعن عِمران بن حُصين: أن النبي ﷺ طاف طوافَيْنِ، وسعى سعيين.

وما أحسن هذا العذرَ، لو كانت هذه الأحاديثُ صحيحةً، بل لا يَصِحُّ منها حرف واحد.

أما حديث ابن عمر، ففيه الحسن بن عُمارة، وقال الدارقطني: لم يروه عن الحكم غيرُ الحسن بن عُمارة، وهو متروك الحديث.

وأما حديثُ علي رضي الله عنه الأول، فيرويه حفص بن أبي داود. وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث، وقال ابن خراش: هو كذَّاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف.

وأما حديثه الثاني: فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبى عن أبيه عن جده قال الدارقطني: عيسى بن عبد الله يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث.

وأما حديث علقمة عن عبد الله، فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد، عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدارقطني: وأبو بردة ضعيف، ومَنْ دونه في الإسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذَّاب خبيث. وقال الرازي والنسائي: متروك الحديث.

وأما حديث عِمران بن حصين، فهو مما غَلِطَ فيه محمد بن يحيى الأزدى، وحدَّث به من حفظه، فوهم فيه، وقد حدَّث به على الصواب مِرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعى.

وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من حديث الدراوردى، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرَنَ بين حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ، أَجْزَأَهُ لَهُمَا طَوافٌ واحِدٌ". ولفظ الترمذي: "مَنْ أَحْرَمَ بالحَجِّ والعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوافٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عنهما، حَتَّى يَحِلَّ مِنهما جَميعًا".

وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرجنا مَعَ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوداع، فأهللنا بعُمرة، ثم قال: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهلَّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلّ حتَّى يَحلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فطاف الَّذِينَ أَهَلُّوا بالعُمْرةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثم طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنَّمَا طَافُوا طَوَافًا واحِدًا".

وصحَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لِعائِشة: "إنَّ طوافَكِ بالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ".

وروى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسولَ الله ﷺ، طاف طوافًا واحِدًا لحَجِّه وعُمرته. وعبد الملك: أحد الثقات المشهورين، احتج به مسلم، وأصحاب السنن. وكان يقال له: الميزان، ولم يُتكلم فيه بضعف ولا جرح، وإنما أُنكر عليه حديثُ الشفعة، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عنه عَارُهَا.

وقد روى الترمذي عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قَرنَ بين الحجِّ والعُمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا وهذا، وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، والخلق عنه. قال الثوري: وما بقيَ أحد أعرفُ بما يخرُجُ من رأسه منه، وعيب عليه التدليسُ، وقلَّ من سَلِمَ منه. وقال أحمد: كان من الحفاظِ، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وهو صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: إذا قال: حدَّثنا، فهو صادق لا نرتابُ في صدقه وحفظه. وقد روى الدارقطني، من حديث ليث بن أبي سليم قال: حدثني عطاء، وطاووس، ومجاهد، عن جابرٍ، وعن ابن عمر، وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يَطُفْ هو وأصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحِدًا لعُمْرتهم وحَجهم. وليث بن أبي سليم، احتج به أهلُ السنن الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابنُ معين: لا بأس به، وقال الدارقطني: كان صاحبَ سُنَّة، وإنما أنكروا عليه الجمعَ بين عطاء وطاووس ومجاهد فحسب. وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: مضطرِب الحديث، ولكن حدَّث عنه الناس، وضعَّفه النسائي، ويحيى في رواية عنه، ومثل هذا حديثه حسن. وإن لم يبلغ رتبة الصحة.

وفي الصحيحين عن جابر قال: دخل رسولُ الله ﷺ على عائشة، ثم وجدَها تبكى فَقَالَ: "ما يُبْكِيكِ"؟ فقالت: قد حِضْتُ وقد حَلَّ الناس ولم أَحِلَّ ولم أطُفْ بالبَيْتِ، فقال: "اغْتَسِلى ثُمَّ أهلِّي" ففعلت، ثم وقفت المواقِفَ حتى إذا طهُرت، طافت بالكعبة وبالصفا والمَرْوَةِ، ثم قال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا".

وهذا يدل على ثلاثة أُمور، أحدها: أنها كانت قارنة، والثاني: أن القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحد. والثالث: أنه لا يجب عليها قضاءُ تِلك العُمْرةِ التي حاضت فيها، ثم أدخلت عليها الحجَّ، وأنها تَرْفُض إحرام العُمْرة بحيضها، وإنما رفضت أعمالها والاقتصارَ عليها، وعائشة لَم تَطُفْ أولًا طوافَ القُدوم، بل لم تَطُفْ إلا بعْدَ التَّعريفِ، وسعت مع ذلك، فإذا كان طوافُ الإفاضة والسعيُ بعدُ يكفى القارِنَ، فلأن يكفيه طوافُ القدوم مع طواف الإفاضة، وسعي واحد مع أحدهما بطريق الأَوْلى، لكن عائشة تعذَّر عليها الطواف الأول، فصارت قصَّتها حُجَّةً، فإن المرأة التي يتعذَّر عليها الطوافُ الأول، تفعلُ كما فعلت عائشة، تُدخِلُ الحَجَّ على العُمْرة، وتصيرُ قارنةً، ويكفيها لهما طوافُ الإفاضة والسعيُ عقيبه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبين أنه ﷺ لم يَطُفْ طَوافينِ، ولا سعى سعيين قولُ عائشة رضي الله عنها: وأما الذين جمعوا الحَجَّ والعُمْرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا متفق عليه وقول جابر: لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول" "رواه مسلم" وله لعائشة: "يُجْزِئ عَنْكِ طَوافُكِ بالصَّفَا والمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ" "رواه مسلم" وقوله لها في رواية أبي داود: "طَوافُكِ بالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جميعًا". وقوله لها في الحديث المتفق عليه لما طافت بالكعبة وبين الصفا والمروة: "قد حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جميعًا" قال: والصحابة الذين نقلوا حجةَ رسول الله ﷺ. كُلُّهم نقلوا أنهم لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أمرهم بالتحليلِ إلا مَن ساق الهَدْي. فإنه لا يَحلُّ إلا يومَ النَّحْرِ، ولم يَنْقُلْ أحد منهم أن أحدًا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى. ومن المعلوم، أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله. فلما لم ينقله أحدٌ من الصحابة، عُلِمَ أنه لم يكن.

وعمدة مَن قال بالطوافين والسعيين، أثرٌ يرويه الكوفيون، عن عليّ، وآخر عن ابن مسعود رضي الله عنهما.

وقد روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، أن القارنَ يكفيه طوافٌ واحد، وسعيٌ واحد، خلاف ما روى أهل الكوفة، وما رواه العراقيون، منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون، ولهذا طعن علماءُ النقل في ذلك حتى قال ابنُ حزم: كل ما رُوى في ذلك عن الصحابة، لا يَصِحُّ منه ولا كلمةٌ واحدة. وقد نُقِلَ في ذلك عن النبي ﷺ، ما هو موضوع بلا ريب. وقد حلف طاووس: ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لحَجَّته وعُمْرته إلا طوافًا واحدًا، وقد ثبت مثلُ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم رضي الله عنهم، وهُمْ أعلمُ الناس بحَجة رسول الله ﷺ، فلم يُخالفوها، بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصَّفَا والمروة إلا مرةً واحدة.

وقد تنازع الناسُ في القارن والمتمتع، هل عليهما سعيان أو سَعيٌ واحد؟ على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره.

أحدها: ليس على واحد منهما إلا سعى واحد، كما نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله. قال عبد الله: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين، فهو أجود. وإن طاف طوافًا واحدًا، فلا بأس. قال شيخنا: وهذا منقول عن غير واحد من السَلَف.

الثاني: المتمتع عليه سعيان والقارن عليه سعى واحد، وهذا هو القول الثاني في مذهبه، وقول مَن يقوله من أصحاب مالك والشافعي رحمهما الله.

والثالث: أن على كل واحدٍ منهما سعيين، كمذهب أبي حنيفة رحمه الله، ويُذكر قولًا في مذهب أحمد رحمه الله، والله أعلم. والذي تقدَّم هو بسط قول شيخنا وشرحه. والله أعلم.

فصل

وأما الذين قالوا: إنه حجَّ حجًا مفرِدًا اعتمر عقَيبه من التنعيم، فلا يُعلم لهم عذرٌ البتة إلا ما تقدَّم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادَة المفردين أن يعتَمِرُوا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك.

فصل

وأما الذين غلطوا في إهلاله، فمَن قال: إنه لبَّى بالعُمْرة وحدها واستمر عليها، فعذرُه أنه سمع أن رسول الله ﷺ تمتع، والمتمتع عنده مَن أهلَّ بعُمْرة مفردة بشروطها. وقد قالت له حفصة رضي الله عنها: ما شأن النَّاسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ مِن عُمرتك؟ وكل هذا لا يدل على أنه قال: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، ولم يَنْقُلْ هذا أحد عنه البتة، فهو وهم محض، والأحاديثُ الصحيحةُ المستفيضةُ في لفظه في إهلاله تُبْطِلُ هذا.

فصل

وأما مَن قال: إنه لبَّى بالحَجِّ وحده واستمر عليه، فعذُره ما ذكرنا عمن قال: أفرد الحَجَّ ولبَّى بالحَجِّ، وقد تقدّم الكلامُ على ذلك، وأنه لم يقل أحد قط إنه قال: لَبَّيْكَ بحَجَّة مفردة، وإن الذين نقلوا لفظه، صرَّحوا بخلاف ذلك.

فصل

وأما مَن قال: إنه لبَّى بالحجِّ وحده، ثم أدخل عليه العُمْرة، وظن أنه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ابتداء إحرامه، ثم إنه أتاه آتٍ من ربِّه تعالى فقال: قل: عُمْرة في حَجة، فأدخل العُمْرة حينئذ على الحَجِّ، فصار قارنًا. ولهذا قال للبرَّاء بن عازب: "إني سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ"، فكان مفرِدًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه، وأيضًا فإن أحدًا لم يَقُل إنه أهَلَّ بالعُمْرة، ولا لبَّى بالعُمْرة، ولا أفرد العُمْرة، ولا قال: خرجنا لا ننوى إلا العُمْرة، بل قالوا: أَهلَّ بالحَجِّ، ولبَّى بالحَجِّ، وأفرد الحَجَّ، وخرجنا لا ننوى إلا الحجّ، وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولًا بالحَجَِّ، ثم جاءه الوحي من ربه تعالى بالقِران، فلبَّى بهما فَسمعه أنس يُلبِّي بهما، وصدق، وسمعته عائشةُ، وابنُ عمر، وجابر يُلبِّي بالحَجِّ وحده أولًا وصدقوا.

قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزولُ عنها الاضطراب.

وأربابُ هذِه المقالة لا يُجيزونَ إدخال العُمْرة على الحج، ويرونه لغوًا، ويقولون: إن ذلك خاص بالنبيِّ ﷺ دون غيره. قالوا: ومما يدل على ذلك: أن ابن عمر قال: لبَّى بالحَجِّ وحده، وأنس قال: أهلَّ بهما جميعًا، وكلاهما صادق فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقِران سابقًا على إهلاله بالحَجِّ وحده، لأنه إذا أحرم قارنًا، لم يمكن أن يحْرِم بعد ذلك بحَجٍّ مفرد، وينقل الإحرام إلى الإفراد، فتعيَّن أنه أحرم بالحجِّ مُفرِدًا، فسمعه ابنُ عمر، وعائشة، وجابر، فنقلوا ما سَمِعُوه، ثم أدخل عليه العُمرة، فأهلَّ بهما جميعًا لما جاءه الوحي من ربه، فسمِعه أنس يهل بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه قرن، وأخبر عنه مَن تقدم ذِكره من الصحابة بالقِران، فاتفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطرابُ والتناقضُ. قالوا: ويدلُّ عليه قولُ عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ. فقال: "مَن أراد منكم أن يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمرةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرادَ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، ومَنْ أَرادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ". قالت عائشةُ: فأهلَّ رسول الله ﷺ بحج، وأهلَّ به ناس معه، فهذا يدل على أنه كان مُفِردًا في ابتداء إحرامه، فعُلِم أن قِرانه كان بعد ذلك.

ولا رَيبَ أن في هذا القولِ من مخالفة الأحاديث المتقدِّمة، ودعوى التخصيصِ للنبي ﷺ بإحرام لا يَصحُّ في حقِّ الأُمة ما يردُّه ويُبطله، ومما يردُّه أن أنسًا قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظهر بالبيداء، ثم ركب، وصَعِدَ جبل البيداء، وأهلَّ بالحَجِّ والعُمْرة حين صلَّى الظهر.

وفي حديث عمر، أن الذي جاءهُ مِن ربهِ قال له: "صَلِّ في هَذَا الوادي المُبارَكِ وقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ". فكذلك فعل رسولُ الله ﷺ، فالذي روى عمر أنه أُمِرَ به، وروى أنس أنه فعله سواء، فصلَّى الظُّهر بذي الحُليفة، ثم قال: "لبيك حَجًّا وعُمْرة".

واختلف الناسُ في جواز إدخالِ العُمرةِ على الحَجِّ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، أشهرهما: أنه لا يَصِحُّ، والذين قالوا بالصحِّة كأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، بَنَوْه على أُصولهم، وأن القارِن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، فإذا أدخل العُمْرة على الحَجِّ، فقد التزم زيادة عملِ على الإحرام بالحَجِّ وحدَه، ومَن قال: يكفيه طوافٌ واحد، وسعيٌ واحد، قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادَة عمل، بل نُقصانه، فلا يجوز، وهذا مذهب الجمهور.

فصل

وأما القائلون: إنه أحرم بعُمْرة، ثم أدخل عليها الحَجَّ، فعُذرهم قولُ ابنِ عمر: "تمتَّع رسولُ الله ﷺ في حَجَّة الوداع بالعُمْرة إلى الحَجِّ، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُليفة، وبدأ رسولُ الله ﷺ فأ هلَّ بالعُمْرةِ ثم أهلَّ بالحَجِّ" متفق عليه.

وهذا ظاهر في أنه أحرم أولًا بالعُمْرة، ثم أدخل عليها الحَجَّ، ويُبين ذلك أيضًا أن ابن عمر لما حَجَّ زمن ابن الزبير أهلَّ بعُمرة ثم قال: أُشْهِدُكم أنى قد أوجبتُ حَجًّا مع عُمْرتى، وأهدى هَدْيًا اشتراه بقُدَيْد، ثم انطلق يُهِلُّ بهما جميعًا حتى قَدِمَ مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلقْ ولم يُقصِّرْ، ولم يَحِلَّ من شئ حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن ذلك قد قضى طوافَ الحَج والعُمْرة بطَوافه الأول. وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. فعند هؤلاء، أنه كان متمتعًا في ابتداء إحرامه، قارِنًا في أثنائه، وهؤلاء أعذُر مِن الذين قبلهم، وإدخالُ الحجِّ على العُمرة جائز بلا نزاع يُعرف، وقد أمر النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها بإدخال الحج على العُمرة، فصارت قارِنةً، ولكن سياقُ الأحاديث الصحيحة، يردُّ على أرباب هذه المقالة. فإن أنسًا أخبر أنه حين صلى الظهر أهلَّ بهما جميعًا، وفي الصحيح عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع مُوَافِينَ لهِلال ذي الحِجَّة، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ أَرادَ مِنْكُم أَنْ يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فلوْلا إني أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" قالت: وكان مِن القوم مَن أهلَّ بعُمْرة، ومنهم مَن أهلَّ بالحج، فقالت: فكنت أنا ممن أهلَّ بعُمْرة، وذكرت الحديث رواه مسلم فهذا صريح في أنه لم يُهِل إذ ذاك بعمرةٍ، فإذا جمعت بين قولِ عائشة هذا، وبين قولها في الصحيح: تمتع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع، وبَيْنَ قولها: وأهلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ، والكُلُّ في الصحيح، علمتَ أنها إنما نفت عُمْرةً مفردة، وأنها لم تنف عُمْرة القِران، وكانوا يُسمونها تمتعًا كما تقدَّم، وأن ذلك لا يُناقض إهلالَه بالحج، فإن عُمْرة القِران في ضمنه، وجزء منه، ولا يُنافي قولها: أفرد الحَج، فإن أعمالَ العُمْرة لما دخلت في أعمال الحَج، وأُفِردَتْ أعمالُه، كان ذلك إفرادًا بالفعل.

وأما التلبية بالحَجِّ مفرِدًا، فهو إفراد بالقول، وقد قيل: إن حديثَ ابنِ عمر: أن رسول الله ﷺ تمتع في حَجَّة الوداع بالعُمْرة إلى الحَجِّ، وبدأ رسولُ الله ﷺ فأهلَّ بالعُمْرة، ثم أهلَّ بالحَج، مروى بالمعنى من حديثه الآخر، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حَجه في فتنة ابن الزبير، وأنه بدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم قال: ما شأنُهما إلا واحد، أُشهِدُكم أنى قد أوجبت حَجًّا مع عُمرتى، فأهلَّ بهما جميعًا، ثم قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسولُ الله ﷺ. وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، وسَعيٌ واحد، فَحُمِلَ على المعنى، ورُوى به: أن رسولَ الله ﷺ بدأ فأهلَّ بالعُمْرة، ثم أهلَّ بالحَجِّ، وإنما الذي فعل ذلك ابنُ عمر، وهذا ليس ببعيد، بل متعيِّن، فإن عائشة قالت عنه: "لولا أن مَعِي الهَدْيَ لأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" وأنس قال عنه: إنه حين صلَّى الظهر، أوجب حَجًّا وعُمْرة، وعمر رضي الله عنه، أخبر عنه أن الوحي جاءه من ربه فأمره بذلك.

فإن قيل: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حديث سالم، عن ابن عمر؟

قيل: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه ﷺ طاف طوافًا واحدًا عن حَجِّه وعُمْرته، وهذا هو الموافقُ لِرواية عروة عنها في الصحيحين، وطاف الَّذين أهلُّوا بالعُمْرة بالبيت وبينَ الصَّفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنَى لحَجِّهم، وأما الذين جمعوا الحَجَّ والعُمْرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، فهذا مثلُ الذي رواه سالم عن أبيه سواء. وكيف تقول عائشة: إن رسول الله ﷺ بدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحَجِّ، وقد قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "لَوْلا أَنَّ مَعِيَ الهَدْيَ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" وقالت: وأهلَّ رسولُ الله ﷺ بالحَجِّ؟ فَعُلِمَ، أنه ﷺ لم يُهِلَّ في ابتدء إحرامه بعُمْرة مفردة. والله أعلم.

فصل

وأما الذين قالوا: إنَّه أحرم إحرامًا مطلقًا، لم يعيِّن فيه نُسكًا، ثم عيَّنه بعد ذلك لما جاءه القضاء وهو بين الصَّفَا والمروة، وهو أحدُ أقوال الشافعي رحمه الله، نص عليه في كتاب اختلاف الحديث. قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو ما بين الصَّفَا والمروة، فأمر أصحابَه أن مَن كان منهم أهلَّ ولم يكن معه هَدْي أن يجعله عُمْرةً، ثم قال: ومن وصف انتظار النبي ﷺ القضاء، إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلبًا للاختيار فيما وسَّع الله من الحَجِّ والعُمْرة، فيُشبه أن يكون أحفظ، لأنه قد أُتى بالمتلاعِنَيْنِ، فانتظر القضاء، كذلك حُفِظَ عنه في الحَجِّ ينتظِرُ القضاء، وعذر أرباب هذا القول، ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حَجًّا ولا عُمْرة" وفي لفظ: "يُلَبِّي لا يذكر حَجًّا ولا عُمْرة" وفى رواية عنها: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحَجَّ، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسولُ الله ﷺ مَنْ لم يكن معه هَدْي إذا طاف بالبيت وبين الصَّفَا والمروة أن يَحِلَّ".

وقال طاووس: خرج رسولُ الله ﷺ من المدينة لا يُسمِّي حَجًّا ولا عُمْرة ينتظِرُ القضاءَ، فنزل عليه القضاءُ وهو بين الصَّفَا والمروة، فأمر أصحابَه مَن كان منهم أهلَّ بالحَجِّ ولم يكن معه هَدْي أن يجعلها عُمْرة، الحديثَ.

وقال جابر في حديثه الطويل في سياق حَجَّة النبي ﷺ: فصلَّى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القَصْواءَ حتى إذا استوت به ناقتُه على البيداءِ نَظرتُ إلى مدِّ بصرى بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثلُ ذلك، وعن يَسارِه مثلُ ذلك، ومِنْ خلفه مِثلُ ذلك، ورسولُ الله ﷺ بين أظهُرِنا، وعليه يَنْزِلُ القرآنُ وهو يعلم تأويلَه، فما عَمِلَ به من شئ، عَمِلْنَا بِهِ، فأهلَّ بالتوحيدِ: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لا شَريكَ لَكَ". وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهِلُّون به، ولَزِمَ رسولُ الله ﷺ تلبيتُه فأخبر جابر، أنه لم يزد على هذه التلبية، ولم يذكرُ أنه أضاف إليها حَجًّا ولا عُمْرة، ولا قِرانًا، وليس في شئ من هذه الأعذار ما يُناقض أحاديث تعيينه النُّسُكَ الذي أحرم به في الابتداء، وأنه القِران.

فأما حديثُ طاووس، فهو مرسَل لا يُعارَضُ به الأساطينُ المسندَاتُ، ولا يُعرف اتصاله بوجه صحيح ولا حسن. ولو صح، فانتظارُه للقضاء كان فيما بينه وبين الميقات، فجاءه القضاء وهو بذلك الوادي، أتاه آتٍ مِنْ ربه تعالى فقال: "صَلِّ في هَذَا الوادي المُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ"، فهذا القضاءُ الذي انتظره، جاءه قبل الإحرام، فعيَّن له القِرانَ. وقول طاووس: نزل عليه القضاءُ وهو بين الصَّفَا والمروة، هو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه، فإن ذلك كان بوادى العقيق، وأما القضاءُ الذي نزل عليه بين الصَّفا والمروة، فهو قضاءُ الفسخ الذي أمرَ به الصحابةَ إلى العُمْرة، فحينئذ أمر كُلَّ مَنْ لم يكن معه هَدْي منهم أن يفسَخَ حَجَّهُ إلى عُمْرة وقال: "لو اسْتَقْبَلْتُ منْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لما سُقْتُ الهَدْي وَلَجَعَلْتُها عُمْرَةً"، وكان هذا أمرَ حتم بالوحي، فانهم لما توقَّفوا فيه قال: "انظُرُوا الذي آمرُكُمْ بِهِ فَاْفعَلُوه".

فأما قول عائشة: خرجنا لا نذكر حَجًّا ولا عُمْرة. فهذا إن كان محفوظًا عنها، وجب حمله على ما قبل الإحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها، أن منهم مَن أهلَّ عند الميقات بحَجٍّ، ومنهم مَنْ أهلّ بعُمْرة، وأنها ممن أهلَّ بعُمْرة. وأما قولها: نلبِّي لا نذكر حَجًّا ولا عُمْرة، فهذا في ابتداء الإحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعًا فإن الذين سمعوا إحرامَ رسول الله ﷺ وما أهلَّ به، شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا سبيل إلى رد رواياتهم. ولو صح عن عائشةَ ذلك، لكان غايتُه أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته وحفظه غيرها من الصحابة فأثبته، والرجالُ بذلك أعلمُ من النساء.

وأما قول جابر رضي الله عنه: وأهلَّ رسولُ الله ﷺ بالتوحيد، فليس فيه إلا إخبارُه عن صفة تلبيته، وليس فيه نفيٌ لتعيينه النُّسُكَ الذي أحرم به بوجه من الوجوه. وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفى التعيين، لكانت أحاديثُ أهلِ الإثبات أولى بالأخذ منها، لكثرتها، وصحتها، واتصالها، وأنها مُثْبِتَة مبيِّنة متضمنة لزيادة خفيت على مَن نفى، وهذا بحمد الله واضح، وبالله التوفيق.

فصل

ولبَّد رسول الله ﷺ رأسه بالغِسْل وهو بالغين المعجمة على وزن كِفلٍ وهو ما يُغسل به الرأس مِن خَطْمِيٍّ ونحوه يُلبَّدُ به الشعر حتى لا ينتشِر، وأهلَّ في مُصلاه، ثم ركب على ناقته، وأهلَّ أيضًا، ثم أهلَّ لما استقلَّت به على البيداء. قال ابن عباس: وايمُ الله. لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء.

وكان يُهِلَّ بالحَجِّ والعُمرة تارة، وبالحَجِّ تارة، لأن العُمْرة جزء منه، فمن ثَمَّ قيل: قَرَنَ، وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، قال ابن حزم: كان ذلك قبلَ الظُّهر بيسير، وهذا وهم منه، والمحفوظُ: أنه إنما أهلَّ بعد صلاة الظهر، ولم يقل أحد قط إن إحرَامه كان قبل الظهر، ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابنُ عمر: ما أهلَّ رسول اللهِ ﷺ إلا مِن عند الشجرة حين قام به بعيرُه. وقد قال أنس: إنه صلَّى الظهرَ، ثم ركب، والحديثان في الصحيح.

فإذا جمعت أحدَهما إلى الآخر، تبيَّن أنَّه إنما أهلَّ بعدَ صلاةِ الظُّهر، ثم لبَّى فقال: "لبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيك لا شَريكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ". ورفع صوتَه بهذه التلبيةِ حتى سَمِعَها أصحابُه، وأمرَهم بأمر الله له أن يرفعُوا أصواتَهم بالتلبية.

وكان حَجَّه على رَحْل، لا في مَحْمِلٍ، ولا هَوْدَج، ولا عمَّارِية وزَامِلتُه تحته. وقد اختُلِف في جواز ركوبِ المُحْرِم في المَحْمِلِ، والهَوْدَجِ، والعَمَّارِية، ونحوها على قولين، هما روايتان عن أحمد أحدهما: الجوازُ وهو مذهبُ الشافعي وأبي حنيفة. والثاني: المنع وهو مذهب مالك.

فصل

ثم إنَّه ﷺ خيَّرهم عند الإحرام بين الأنساكِ الثلاثة، ثم ندبَهم عند دُنوِّهم من مكة إلى فسخ الحَج والقِران إلى العُمْرة لمن لم يكن معه هَدْيٌ، ثم حتَّم ذلك عليهم عند المروةِ.

وولَدَتْ أسماءُ بِنتُ عُميسٍ زوجةُ أبي بكر رضي الله عنها بذي الحُليفة محمَّدَ بن أبي بكر، فأمرها رسولُ الله ﷺ أن تغتسِلَ، وتَسْتَثْفِرَ بثوب، وتُحرم وتُهِلَّ. وكان في قِصتها ثلاثُ سُنن، إحداها: غسلُ المحرم، والثانية: أن الحائضَ تغتسِل لإحرامها، والثالثة: أن الإحرام يَصِحُّ مِن الحائض.

ثم سار رسولَ الله ﷺ وهو يُلبِّي بتلبيتِه المذكورةِ، والناسُ معه يزيدُون فيها ويَنقُصُون، وهو يُقِرُّهم ولا يُنكِرُ عليهم.

ولزم تلبيتَه، فلما كانُوا بالرَّوحاء، رأى حِمار وحْشٍ عَقيرًا، فقال: "دَعوه فإنَّه يُوشِكُ أَنْ يأتي صَاحِبُه" فَجاء صَاحِبُه إليَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يا رسُولَ الله، شَأْنَكُم بِهَذَا الحِمارِ، فَأَمرَ رَسُولُ الله ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ.

وفي هذا دليل على جواز أكلِ المُحْرِمِ مِن صيد الحَلال إذا لم يَصِدْه لأجله، وأما كونُ صاحبه لم يُحْرِم، فلعلَّه لم يمرَّ بذي الحُليفة، فهو كأبي قتادة في قصته، وتدل هذه القصةُ على أن الهِبة لا تفتقِرُ إلى لفظ: وهبتُ لك، بل تَصِحُّ بما يَدُلُّ عليها، وتدل على قسمته اللحم مع عظامه بالتحرِّي، وتَدُلُّ على أن الصيدَ يُملَكُ بالإثبات، وإزالة امتناعه، وأنه لمن أثبته لا لمن أخذه، وعلى حِلِّ أكلِ لحم الحِمار الوحشي، وعلى التوكيل في القِسمة، وعلى كون القاسم واحدا.

فصل

ثم مضى حتى إذا كان بالأُثَايةِ بين الرُّويثَةِ والعَرْجِ، إذا ظبيٌ حَاقِفٌ في ظِلٍّ فيه سهم، فأمر رجلًا أن يقف عنده لا يَرِيبُه أحدٌ من الناس، حتى يُجاوِزوا. والفرقُ بين قصة الظبى، وقصةِ الحمار، أن الذي صاد الحمار كان حلالًا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال وهم محرِمون، فلم يأذنْ لهم في أكله، ووكَّل مَن يَقِفُ عنده، لئلا يأخذه أحدٌ حتى يُجاوزوه.

وفيه دليل: على أن قتلَ المُحْرِم للصيد يجعلُه بمنزلة الميتة في عدم الحِلِّ، إذ لو كان حلالًا، لم تَضِعْ مالِيَّتُه.

فصل

ثم سار حتى إذا نزل بالعَرْجِ، وكانت زِمالتُه وزِمَالَةُ أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى جانبه، وعائشةُ إلى جانبه الآخر، وأسماءُ زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظِر الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرُك؟ فقال: أضللتُه البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تُضِلُّه. قال: فَطفِق يضربُه ورسولُ الله ﷺ يتبسَّم، ويقول: انظُروا إلى هذا المُحْرِم ما يصنَعُ، وما يزيد رسولُ الله ﷺ على أن يقول ذلك ويتبسم. ومن تراجم أبي داود على هذه القصة، باب "المحرم يؤدِّب غلامه".

فصل

ثم مضى رسولُ الله ﷺ، حتى إذا كان بالأبواءِ، أهدى له الصَّعبُ بن جَثَّامَةَ عَجُزَ حِمَارٍ وحشي، فردَّه عليه، فقال: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ". وفي الصحيحين: "أنه أهدى له حِمارًا وحشيًا"، وفي لفظ لمسلم: "لحم حمار وحْشٍ".

وقال الحُميدي: كان سفيانُ يقولُ في الحديث: أُهْدِيَ لرسولِ الله ﷺ لحمُ حِمار وحْشٍ، وربما قال سفيان: يقطُرُ دمًا، وربما لم يقُلْ ذلك، وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حِمارَ وحش، ثم صار إلى لحم حتَّى مات. وفى رواية: شقَّ حِمارِ وحشٍ، وفى رواية: رِجل حمار وحشٍ.

وروى يحيى بن سعيد، عن جعفر، عن عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِي عن أبيه، عن الصَّعبِ، أُهدى للنبي ﷺ عَجُزَ حِمارِ وحْشٍ وهو بالجُحفة، فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح.

فإن كان محفوظًا، فكأنه ردَّ الحي، وقبل اللَّحم.

وقال الشافعي رحمه الله: فإن كان الصَّعبُ بن جَثَّامة أهدى للنبي ﷺ الحمارَ حيًّا، فليس للمُحْرِم ذبحُ حمار وحش، وإن كان أهدى له لحم الحمار، فقد يحتمِلُ أن يكون علم أنه صِيد له، فردَّه عليه، وإيضاحه في حديث جابر. قال: وحديثُ مالك: أنه أُهدى له حمارًا أثبتُ من حديث مَن حدَّث أنه أُهدى له من لحم حمار.

قلت: أما حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر، فغلط بلا شك، فإن الواقعةَ واحدة، وقد اتفق الرواةُ أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذَّة المنكرة.

وأما الاختلافُ في كون الذي أهداه حيَّا، أو لحمًا، فرواية مَن روى لحمًا أولى لثلاثة أوجه.

أحدها: أن راويها قد حفظها، وضبطَ الواقعةَ حتى ضبطها: أنه يقطر دمًا، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يُؤبه له.

الثاني: أن هذا صريح في كونه بعضَ الحِمار، وأنه لحم منه، فلا يُناقض قوله: أُهدى له حمارًا، بل يُمكن حمله على رواية مَن روَى لحمًا، تسمية للحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة.

الثالث:: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنَّما اختلفوا في ذلك البعض، هل هو عجزُه، أو شِقُّه، أو رِجله، أو لحم منه؟ ولا تناقضَ بين هذه الروايات، إذ يمكن أن يكون الشِّق هو الذي فيه العَجُز، وفيه الرِّجل، فصح التعبيرُ عنه بهذا وهذا، وقد رجع ابنُ عيينة عن قوله: "حمارًا" وثبت على قوله: "لحم حمار" حتى مات.

وهذا يدل على أنه تبيَّن له أنه إنما أُهدى له لحمًا لا حيوانًا، ولا تعارض بين هذا وبين أكله لما صاده أبو قتادة، فإنَّ قصة أبي قتادة كانت عام الحُديبية سنة ست، وقصة الصَّعب قد ذكر غيرُ واحد أنها كانت في حَجَّة الوداع، منهم: المحبُّ الطبري في كتاب "حجة الوداع" له. أو في بعض عُمَره وهذا مما يُنظر فيه. وفى قصة الظبى وحمار يزيد بن كعب السلمى البَهزى، هل كانت في حَجَّة الوداع، أو في بعض عُمَره والله أعلم؟ فإن حُمِل حديث أبي قتادة على أنه لم يصده لأجله، وحديث الصَّعب على أنه صيد لأجله، زال الإشكالُ، وشهد لذلك حديث جابر المرفوع: "صَيْدُ البَرِّ لَكُم حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ". وإن كان الحديثُ قد أُعِلَّ بأن المطلب ابن حنطب راويه عن جابر لا يُعرف له سماع منه، قاله النسائي.

قال الطبري في "حَجة الوداع" له: فلما كان في بعض الطريق، اصطاد أبو قتادة حمارًا وحشيًا، ولم يكن مُحرمًا، فأحلَّه النبي ﷺ لأصحابه بعد أن سألهم: هل أمره أحد منكم بشئ، أو أشار إليه؟ وهذا وهم منه رحمه الله، فإن قِصة أبي قتادة إنما كانت عام الحُديبية، هكذا روى في الصحيحين من حديث عبد الله ابنه عنه قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عامَ الحُديبية، فأحرم أصحابُه ولم أحرِم، فذكر قِصة الحمار الوحشي.

فصل

فلما مرَّ بوادى عُسْفَان: قال: "يا أبا بكر؛ أي وادٍ هذا"؟ قال: وادى عُسْفان. قال: "لقد مَرَّ به هُودٌ وصَالِحٌ على بَكْرَيْنِ أَحْمَرَيْن خُطُمُهُما اللِّيفُ وَأُزُرُهُم العبَاءُ، وأرْدِيتُهُم النِّمارُ، يُلَبُّونَ يَحَجُّونَ البَيْتَ العَتِيقَ" ذكره الإمام أحمد في المسند.

فلما كان بَسَرِفَ، حاضت عائشةُ رضي الله عنها، وقد كانت أهلَّت بعُمْرة، فدخل عليها النبي ﷺ وهى تبكى، قال: "ما يُبْكِيكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ"؟ قالت: نَعَمْ، قال: "هَذَا شئٌ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفى بالبَيْتِ".

وقد تنازع العلماءُ في قصة عائشة: هل كانت متمتعة أو مفرِدة؟ فإذا كانت متمتعةً، فهل رفضت عُمْرتَها، أو انتقلت إلى الإفراد، وأدخلت عليها الحَجَّ، وصارت قارنةً، وهل العُمرة التي أتت بها مِن التنعيم كانت واجبة أم لا؟ وإذا لم تكن واجبةً، فهل هي مُجزِئةٌ عن عُمْرة الإسلام أم لا؟ واختلفوا أيضًا في موضع حيضها، وموضع طُهرها، ونحن نذكر البيان الشافى في ذلك بحول الله وتوفيقه.

واختلف الفقهاءُ في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعُمْرة، فحاضت، ولم يُمكنها الطوافُ قبلَ التعريفِ، فهل ترفُضُ الإحرامَ بالعُمْرة، وتُهِلُّ بالحَجِّ مفردًا، أو تُدخل الحج على العُمْرة وتصير قارِنة؟ فقال بالقول الأول: فقهاءُ الكُوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز. منهم: الشافعي ومالك، وهو مذهبُ أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه.

قال الكوفيون: ثبت في الصحيحين، عن عُروة، عن عائشة، أنها قالت: "أهللتُ بعُمْرة، فقدِمتُ مكَّةَ وأنا حائِض لم أَطُفْ بالبَيْتِ ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: "انقُضِي رَأسَكِ، وامْتَشِطِي، وأَهلِّي بالحَجِّ، ودَعِي العُمْرَةَ". قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَّما قَضَيْتُ الحَجَّ، أرْسَلَنى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحمنَ بن أبي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ مِنْه. فَقَالَ: "هذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك". قالوا: فهذا يدلُّ على أنها كانت متمتعة، وعلى أنها رفضت عُمْرتها وأحرمَتْ بالحَجِّ، لقوله ﷺ: "دعى عُمْرَتَكِ" ولقوله: "انقُضى رَأسَكِ وامْتَشِطِي"، ولو كانت باقية على إحرامها، لما جاز لها أن تمتشِطَ، ولأنه قال للعُمْرة التي أتت بها من التنعيم: "هذه مكانُ عُمْرَتِكِ". ولو كانت عُمْرَتُها الأولى باقية، لم تكن هذه مكانَها، بل كانت عُمْرةً مستقلةً.

قال الجمهور: لو تأملتم قِصةَ عائشة حقَّ التأمُّلِ، وجمعتُم بين طرقها وأطرافها، لتبيَّن لكم أنها قرنت، ولم ترفُضِ العُمْرة، ففي صحيح مسلم: عن جابر رضي الله عنه، قال: أهلَّت عائشة بعُمْرة، حتى إذا كانت بِسَرِفَ، عَرَكَتْ، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فوجدها تبكى، فقال: "ما شأنُكِ"؟ قالت: شأنى أنى قد حِضتُ وقد أَحلَّ الناس، ولم أَحِلَّ، ولم أطُفْ بِالبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلى الحَجِّ الآنَ، قال: "إنَّ هذَا أمر قد كَتَبَهُ اللهُ على بَناتِ آدَمَ، فاغْتَسِلى، ثُمَّ أَهلِّي بالحَجِّ" ففعلت، ووقفتِ المواقِف كُلَّها، حتى إذا طهُرت، طافت بالكعبةِ وبالصّفا والمروة. ثم قال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعُمْرَتكِ" قالت: يا رسولَ الله إني أَجِدُ في نفسي أنى لم أطف بالبيت حتى حججتُ. قال: "فاذَْهَبْ بِها يا عَبْدَ الرَّحْمَن فَأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ ".

وفي صحيح مسلم: من حديث طاووس عنها: أهللتُ بعُمرة، وقَدِمْتُ ولم أَطُفْ حتَّى حِضْتُ، فَنَسَكْتُ المَناسِكَ كُلَّها، فقالَ لها النبي ﷺ يَوْمَ النَّفر: " يَسَعُكِ طَوَافُكِ لَحِجِّكِ وعُمْرَتِكِ".

فهذه نصوص صريحة، أنها كانت في حَجٍّ وعُمْرة، لا في حَجٍّ مفرد، وصريحة في أن القارِن يكفيه طوافٌ واحد، وسعيٌ واحِد، وصريحةٌ في أنها لم ترفُضْ إحرامَ العُمْرة، بل بقيت في إحرامها كما هي لم تَحِلَّ منه. وفى بعض ألفاظ الحديث: "كوني في عُمْرَتِك، فَعَسى اللهُ أنْ يَرزُقَكيها". ولا يناقض هذا قوله: "دَعي عُمْرَتَكِ". فلو كان المرادُ به رفضَها وتركَها، لما قال لها: "يسعُكِ طوافُكِ لِحَجِّك وعُمرتِكِ"، فعُلِم أن المراد: دعى أعمالها ليس المرادُ به رفضَ إحرامها.

وأما قوله: "انقُضِي رَأْسَكِ وامتَشِطِي"، فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيه أربعة مسالك:

أحدُها: أنه دليل على رفض العُمْرة، كما قالت الحنفية.

المسلك الثاني: أنه دليلٌ على أنه يجوز للمُحْرِم أن يمشُط رأسه، ولا دليلَ من كتاب ولا سُّنَّة ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمهِ وهذا قولُ ابن حزم وغيره.

المسلك الثالث: تعليلُ هذه اللفظة، وردُّها بأن عروةَ انفرد بها، وخالف بها سائرَ الرواة، وقد روى حديثَها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. قالوا: وقد روى حماد بن زيد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، حديثَ حيضها في الحج فقال فيه: حدثني غيرُ واحد، أن رسول الله ﷺ قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَاْمتَشِطِي" وذكر تمام الحديث، قالوا: فهذا يدلُّ على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة.

المسلك الرابع: أن قوله: "دَعِي العُمْرَةَ"، أي دَعِيها بحالها لا تخرجى منها، وليس المرادُ تركَها، قالوا: ويدل عليه وجهان:

أحدُهما: قوله: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك".

الثاني: قوله: "كوني في عُمرَتِكِ". قالوا: وهذا أولى مِن حمله على رفضها لسلامته من التناقض. قالوا: وأما قولُه: "هذِه مَكَانُ عُمْرَتِكِ".

فعائشة أحبَّت أن تأتي بعُمْرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافَها وقع عن حَجَّتها وعُمْرتها، وأن عُمْرتها قد دخلت في حَجِّها، فصارت قارنة، فأبت إلا عُمْرةً مفردةً كما قصدت أولًا، فلما حصل لها ذلك، قال: "هذِه مَكَانُ عُمْرَتِكِ".

وفي سنن الأثرم، عن الأسود، قال: قلتُ لِعائشة: اعتمرتِ بَعْدَ الحَجّ؟ قالت: واللهِ ما كانت عُمْرةٍ، ما كانت إلا زيارةً زُرتُ البَيْتَ.

قال الإمام أحمد: إنما أعمر النبي ﷺ عائشةَ حين ألحَّت عليه، فقالت: يَرْجِعُ الناسُ بنسكين، وأرجِعُ بِنُسُكٍ؟، فقال: "يا عبد الرحمن، أعْمِرْها" فنظر إلى أدنى الحِلِّ، فأعمرها مِنْه.

فصل

واختلف الناسُ فيما أحرمت به عائشة أولًا على قولين:

أحدهما: أنه عُمرة مفردة، وهذا هو الصواب لِما ذكرنا من الأحاديث. وفي الصحيح عنها، قالت: خرجنا معَ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الودَاع مُوافين لهلال ذي الحِجَّةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ أرادَ مِنْكُم أن يُهِلَّ بِعُمْرَة، فَلْيُهِلَّ فَلَوْلا إني أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ". قالت: وَكان مِنَ القَوْمِ مَنْ أهلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، قَالت: فكُنْتُ أنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بعُمْرَةٍ، "، وَذكَرَتِ الحَدِيثَ. وقوله في الحديث: "دَعِي العُمْرَةَ وأهِلِّي بالحَجِّ" قاله لها بِسَرِفَ قريبًا من مكة وهو صريح في أن إحرامها كان بعُمْرة.

القول الثاني: أنها أحرمت أولًا بالحَجِّ وكانت مُفرِدة، قال ابنُ عبد البَرِّ: روى القاسِمُ بنُ محمد، والأسودُ بن يزيد، وعَمْرَةُ كلُّهم عن عائشة ما يَدُلّ على أنها كانت مُحْرِمة بحَجٍّ لا بعُمْرة، منها: حديثُ عَمرة عنها: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ، لا نرى إلا أنَّه الحَجُّ، وحديثُ الأسود بن يزيد مثله، وحديث القاسم: "لبَّينَا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ بالحَجِّ. قال: وغلَّطوا عُروة في قوله عنها: "كُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ"، قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمعَ هؤلاء يعني الأسودَ، والقاسم، وعَمرة على الروايات التي ذكرنا، فعلمنا بذلك أن الروايات التي رُويت عن عُروة غلط، قال: ويُشبه أن يكون الغلطُ، إنما وقع فيه أن يكون لم يُمكنها الطوافُ بالبيت، وأن تَحِلَّ بعُمرةٍ كما فعل مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ، فأمرها النبي ﷺ أن تتركُ الطَّوافَ، وتمضى على الحَجِّ، فتوهَّمُوا بهذا المعنى أنها كانت معتمِرة، وأنها تركت عُمْرتَها، وابتدأت بالحَجِّ. قال أبو عمر: وقد روى جابرُ بن عبد الله، أنها كانت مُهٍلَّةً بعُمْرةٍ، كما روى عنها عُروة. قالوا: والغلطُ الذي دخل على عُروة، إنما كان في قوله: "انقُضِي رَأْسَكِ، وامْتَشِطى، وَدَعِي العُمْرَة، وأهِلِّي بالحَجِّ".

وروى حماد بن زيد، عن هِشام بن عُروة، عن أبيه: حدثني غيرُ واحد، أن رسول الله ﷺ قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقُضِي رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي، وافْعَلى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ". فبيَّن حماد، أن عُروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة.

قلت: مِن العجب ردّ هذه النصوصِ الصحيحةِ الصريحةِ التي لا مدفع لها، ولا مطعنَ فيها، ولا تحتمِل تأويلًا ألبتة بلفظ مجمل ليس ظاهرًا في أنها كانت مفرِدة، فإن غايَة ما احتجَّ به مَن زعم أنها كانت مُفرِدة، قولُها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا أنَّه الحَجّ، فيا للّه العجب، أيُظَن بالمتمتِّع أنه خرج لغير الحَجّ، بل خرج للحجّ متمتعًا، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنِعُ أن يقول: خرجتُ لِغسلِ الجنابة؟ وصدقت أمُّ المؤمنين رضي الله عنها، إذ كانت لا ترى إلا أنَّه الحَجُّ حتَّى أحرمت بعُمرة، بأمره ﷺ، وكلامُها يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا.

وأما قولُها: لبَّينَا مع رسول الله ﷺ بالحجِّ، فقد قال جابر عنها في الصحيحين: إنها أهلَّت بعُمرة، وكذلك قال طاووس عنها في صحيح مسلم، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الرواياتُ عنها، فروايةُ الصحابة عنها أولى أن يُؤخذَ بها مِن رواية التابعين، كيف ولا تعارُض في ذلك البتة، فإن القائلَ: فعلنا كذا، يصدق ذلك منه بفعله، وبفعل أصحابه.

ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ بالعُمْرة إلى الحَجِّ، معناه: تمتع أصحابُه، فأضاف الفعلَ إليه لأمره به، فهلَّا قُلتم في قول عائشة: لبَّينا بالحَجِّ، أن المرادَ به جنسُ الصحابة الَّذين لَبَّوْا بالحجِّ، وقولها: فعلنا، كما قالت: خرجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ، وسافرنا معه ونحوه. ويتعينُ قطعًا إن لم تكن هذه الرواية غلطًا أن تُحمل على ذلك للأحاديثِ الصحيحةِ الصريحة، أنها كانت أحرمت بعُمرة وكيف يُنسب عُروة في ذلك إلى الغلط، وهم أعلمُ الناس بحديثها، وكان يسمعُ منها مشافهةً بلا واسِطة.

وأما قوله في رواية حماد: حدثني غيرُ واحد أن رسولَ الله ﷺ قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ" فهذا إنما يحتاجُ إلى تعليله، وردِّه إذا خالف الرواياتِ الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدَّقها، وشهد لها أنها أحرمت بعُمرة، فهذا يدل على أنه محفوظ، وأنَّ الذي حدَّث به ضبطه وحفظه، هذا مع أن حمادَ بن زيد انفرد بهذه الرواية المعلَّلة، وهي قوله: فحدثني غيرُ واحد، وخالفه جماعة، فرووه متصلًا عن عُروة، عن عائشة. فلو قُدِّرَ التعارضُ، فالأكثرون أولى بالصواب، فيا للّه العجب، كيف يكون تغليطُ أعلم الناسِ بحديثها وهو عُروة في قوله عنها: "وكنت فيمن أهلَّ بعُمْرة" سائغًا بلفظ مجمل محتمل، ويُقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياقُ القِصة من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها؟، فهؤلاء، أربعة رووا عنها، أنها أهلَّت بعمرة: جابر، وعُروة، وطاووس، ومجاهد، فلو كانت روايةُ القاسم، وعَمرة، والأسود، معارضة لرواية هؤلاء، لكانت روايتُهم أولى بالتقديم لكثرتهم، ولأن فيهم جابرًا، ولفضل عُروة، وعلمه بحديث خالته رضي الله عنها.

ومن العجب قوله: إن النبي ﷺ لما أمرها أن تترك الطوافَ، وتمضيَ على الحَجِّ، توهَّموا لهذَا أنَّها كانت معتمِرة، فالنبي ﷺ إنما أمرها أن تدعَ العُمْرة وتُنشئ إهلالًا بالحَجِّ، فقال لها: "وأهلِّي بالحَجِّ" ولم يقل: استمرى عليه، ولا امضى فيه، وكيف يُغلَّط راوى الأمر بالامتشاط بمجرَّد مخالفته لمذهب الرادِّ؟ فأين في كتاب اللهِ وسُّنَّة رسوله، وإجماع الأُمة ما يُحرِّم على المُحْرِم تسريحَ شعره، ولا يَسوغ تغليطُ الثقات لنصرة الآراء، والتقليد. والمُحْرِم وإن أمن من تقطيع الشعر، لم يُمنع مِن تسريح رأسه، وإن لم يأمن من سقوط شئ من الشعر بالتسريح، فهذا المنعُ منه محلُّ نزاع واجتهاد، والدليل يَفْصِلُ بين المتنازعين، فإن لم يدل كتاب ولا سُّنَّة ولا إجماع على منعه، فهو جائز.

فصل

وللناس في هذه العُمرة التي أتت بها عائشةُ من التنعيم أربعةُ مسالك.

أحدها: أنها كانت زيادة تطييبًا لقلبها وجبرًا لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حَجِّها وعُمْرتها، وكانت متمتعة، ثم أدخلت الحَجَّ على العُمْرة، فصارت قارِنة، وهذا أصحُّ الأقوالِ، والأحاديثُ لا تدل على غيره، وهذا مسلك الشافعي وأحمد وغيرهما.

المسلك الثاني: أنها لما حاضت، أمرها أن ترفُضَ عُمْرتَهَا، وتنتقِلَ عنها إلى حَجٍّ مفرد، فلما حلَّت من الحَج، أمرها أن تعتمِر قضاءً لعُمْرتها التي أحرمت بها أولًا، وهذا مسلكُ أبي حنيفة ومَن تبعه، وعلى هذا القول، فهذه العُمْرةُ كانت في حقِّها واجبة، ولا بُد منها، وعلى القول الأول كانت جائزة، وكل متمتعة حاضت ولم يمكنها الطوافُ قبل التعريف، فهي على هذين القولين، إما أن تُدْخِلَ الحَجَّ على العُمْرة، وتصيرَ قارنة، وإما أن تنتقلَ عن العُمْرة إلى الحَجِّ، وتصيرَ مفرِدة، وتقضى العُمْرة.

المسلك الثالث: أنها لما قرنت، لم يكن بُدٌّ من أن تأتي بعُمْرة مفردة، لأن عُمرة القارن لا تُجزئ عن عُمْرة الإسلام، وهذا أحد الروايتين عن أحمد.

المسلك الرابع: أنها كانت مُفرِدة، وإنما امتنعت من طوافِ القُدوم لأجل الحيض، واستمرت على الإفراد حتى طهُرت، وقضت الحَجَّ وهذه العُمْرةُ هي عُمْرة الإسلام، وهذا مسلك القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكية، ولا يخفى ما في هذا المسلك مِن الضعف، بل هو أضعفُ المسالك في الحديث.

وحديث عائشة هذا، يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك:

أحدها: اكتفاء القارِن بطواف واحد وسعى واحد.

الثاني: سقوطُ طوافِ القدوم عن الحائض، كما أن حديثَ صفيَّة زوج النبي ﷺ أصل في سُقوط طواف الوداع عنها.

الثالث: أن إدخالَ الحجِّ على العُمْرة للحائض جائز، كما يجوز للطاهر، وأولى، لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك.

الرابع: أن الحائضَ تفعل أفعال الحجِّ كلَّها، إلا أنها لا تطوفُ بالبيت.

الخامس: أن التنعيم مِن الحِلِّ.

السادس: جوازُ عُمْرتين في سنة واحدة، بل في شهر واحد.

السابع: أن المشروعَ في حق المتمتِّع إذا لم يأمنِ الفوات أن يُدْخِلَ الحجَّ على العُمْرة، وحديث عائشة أصل فيه.

الثامن: أنه أصل في العُمْرة المكية، وليس مع مَن يستحبُّها غيره، فإن النبي ﷺ لم يعتمر هو ولا أحد ممن حَجَّ معه من مكة خارجًا منها إلا عائشةَ وحدها، فجعل أصحابُ العُمْرة المكية قصة عائشة أصلًا لقولهم، ولا دلالة لهم فيها، فإن عُمْرتها إما أن تكون قضاءًَ للعُمْرة المرفوضة عند مَن يقول: إنها رفضتها، فهي واجبة قضاءً لها، أو تكون زيادة محضة، وتطييبًا لقلبها عند مَن يقول: إنها كانت قارِنة، وأن طوافها وسعيها أجزأها عن حَجِّها وعُمْرتها. والله أعلم.

فصل

وأما كونُ عُمرتها تلك مجزئةً عن عُمرة الإسلام، ففيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد، والذين قالوا: لا تُجزئ، قالوا: العُمْرةُ المشروعة التي شرعها رسولُ الله ﷺ وفعلها نوعان لا ثالثَ لهما: عُمرة التمتع وهى التي أذن فيها عند الميقات، وندب إليها في أثناء الطريق، وأوجبها على مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ عند الصفا والمروة، الثانية: العُمْرة المفردة التي يُنشأ لها سفر، كعُمَره المتقدِّمة، ولم يُشرع عُمْرة مفردة غير هاتين، وفى كلتيهما المعتمِر داخل إلى مكة، وأما عُمْرة الخارج إلى أدنى الحِلِّ، فلم تُشرع، وأما عُمرة عائشة، فكانت زيارة محضة، وإلا فعُمرة قِرانها قد أجزأت عنها بنصِّ رسول الله ﷺ، وهذا دليل على أن عُمْرة القارِن تُجزئ عن عُمْرة الإسلام، وهذا هو الصواب المقطوع به، فإن النبي ﷺ قال لعائشة: "يَسَعُكِ طَوافُكِ لحجِّكِ وعُمرتِكِ" وفي لفظ: "يجزئك" وفي لفظ: "يَكْفِيك". وقال: "دخلتِ العُمرةُ في الحجِّ إلى يوم القِيامَة" وأمر كلَّ مَن ساق الهَدْي أن يقرِنَ بين الحَجِّ والعُمْرة، ولم يأمر أحدًا ممن قرن معه وساق الهَدْي بعُمْرة أخرى غير عُمْرة القِران، فصحَّ إجزاء عُمرة القارن عن عُمرة الإسلام قطعًا، وبالله التوفيق.

فصل

وأما موضُع حيضِها، فهو بِسَرِفَ بلا ريب، وموضعُ طُهرها قد اختُلِف فيه، فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها، وروى عُروة عنها أنها أظلّها يومُ عرفة وهى حائض ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابنُ حزم على معنيين، فطُهْر عرفة: هو الاغتسال للوقوف بها عنده، قال: لأنها قالت: تطهَّرتُ بعرفة، والتطهر غيرُ الطُهرِ، قال: وقد ذكر القاسم يوم طُهرها، أنه يوم النحر، وحديثُه في صحيح مسلم. قال: وقد اتفق القاسمُ وعروةُ على أنها كانت يومَ عرفة حائضًا، وهما أقربُ الناس منها، وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافين هلال ذي الحِجَّة، فذكرت الحديث، وفيه: فلما كانت ليلةُ البطحاء، طَهُرَتْ عائِشةُ، وهذا إسناد صحيح. لكن قال ابنُ حزم: إنه حديث منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: إنها طَهُرت ليلةَ البطحاء، وليلةُ البطحاء كانت بعد يومِ النحر بأربع ليال، وهذا محالٌ إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست مِن كلام عائشة، فسقط التعلُّق بها، لأنها ممن دون عائشة، وهي أعلمُ بنفسها، قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيبُ بن خالد، وحماد بن زيد، فلم يذكرا هذه اللفظة.

قلت: يتعين تقديمُ حديث حمَّاد بن زيد ومَن معه على حديث حمَّاد بن سلمة لوجوه:

أحدها: أنه أحفظُ وأثبت من حمَّاد بن سلمة.

الثاني: أن حديثَهم فيه إخبارُها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها.

الثالث: أن الزهري روى عن عُروة عنها الحديثَ، وفيه: فلم أزل حائضًا حتى يومُ عرفة، وهذه الغاية هي التي بيَّنها مجاهد والقاسم عنها، لكن قال مجاهد عنها: فتطهرت بعرفة، والقاسم قال: يوم النحر.

فصل

عدنا إلى سياق حَجَّته ﷺ. فلما كان بِسَرِف، قال لأصحابه: "مَنْ لَمْ يكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَلا ". وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات.

فلما كان بمكة، أمر أمرًا حتمًا: مَنْ لا هَدْي معه أن يجعلها عُمْرة، ويَحِلَّ من إحرامه، ومَن معه هَدْي، أن يُقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شئ البتة، بل سأله سُراقة بنُ مالك عن هذه العُمرة التي أمرهم بالفسخ إليها، هل هي لِعَامِهِمْ ذَلِكَ، أَمْ لِلأبَدِ: قال: "بَلْ لِلأبَد، وإن العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحجِّ إلَى يَوْمِ القِيامَة".

وقد روي عنه ﷺ الأمرَ بفسخِ الحَجِّ إلى العُمْرة أربعةَ عشرَ مِن أصحابه، وأحاديثُهم كلُّها صحاح، وهم: عائشةُ، وحفصة أُمَّا المؤمنين، وعليُّ بن أبي طالب، وفاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ، وأسماءُ بنت أبي بكر الصِّدِّيق، وجابرُ بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، والبراءُ بن عازب، وعبدُ الله بن عمر، وأنسُ بن مالك، وأبو موسى الأشعرى، وعبدُ الله ابن عباس، وسَبْرَةُ بنُ معبَدٍ الجُهنى، وسُرَاقةُ بن مَالِكٍ المُدْلِجِيُّ رضي الله عنهمْ. ونحن نشير إلى هذه الأحاديث.

ففي الصحيحين: عن ابن عباس، قَدِمَ النبي ﷺ وأصحابه صَبِيحَةَ رابعةٍ مُهلِّين بالحَجِّ، فأمرهم أن يجعلُوها عُمْرة، فتعاظَم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله؛ أي الحلِّ؟ فقال: "الحِلُّ كُلُّه".

وفي لفظ لمسلم: قدِم النبي ﷺ وأصحابُه لأربع خَلَوْنَ من العشر إلى مكة، وهم يُلبُّون بالحج، فأمرهم رسولُ الله ﷺ أن يجعلوها عُمرةً، وفي لفظ: وأمر أصحابه أن يجعلوا إحرامهم بعُمْرة إلا مَن كان معه الهَدْي.

وفي الصحيحين عن جابر بنِ عبد الله: أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحجِّ، وليس مع أحد منهم هَدْي غير النبي ﷺ وطلحة، وقَدِمَ علي رضي الله عنه من اليمن ومعه هَدْي، فقال: أهللتُ بما أهلَّ به النبي ﷺ، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عُمْرة، ويطوفوا، ويقصروا، ويَحِلُّوا إلا مَن كان معه الهَدْيُ، قالوا: ننطلِقُ إلى مِنَى وَذَكَرُ أحدنا يقطُرُ؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، ولَوْلا أنَّ معيَ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ". وفي لفظ: فقام فينا فقال: "لَقَدْ عَلِمْتُم إني أَتْقاكُم للّه، وأَصْدَقُكُم، وأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلا أنَّ معيَ الهَدْي لحَلَلْت كَما تَحِلُّون، ولَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لم أَسُق الهَدْيَ، فحُلُّوا" فَحَلَلْنا، وسَمعنا وأطعَنا، وفي لفظ: أمرنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أحللْنا، أن نُحْرِمَ إذا تَوجَّهْنَا إلى مِنَى. قال: فأَهْلَلْنا من الأَبْطَح، فَقَالَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِك بْنِ جُعْشُم: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ للأَبَدِ؟ قال: "لِلأبَدِ". وهذه الألفاظُ كلُّها في الصحيح وهذا اللفظُ الأخير صريح في إبطال قولِ مَنْ قال: إن ذلك كان خاصًا بهم، فإنه حينئذ يكون لِعامهم ذلك وحده لا للأبد، ورسولُ الله ﷺ يقول: إنَّهُ لِلأبَدِ.

وفي المسند: عن ابن عمر، قَدِمَ رسول الله ﷺ مكة وأصحابُه مُهلِّينَ بالحجِّ، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ شَاءَ أنْ يَجْعَلَها عُمْرَةً إلَّا مَنْ كَانَ مَعَه الهَدْيُ". قالُوا: يا رسولَ الله؛ أيروحُ أحدُنا إلى مِنَى وَذَكَرُه يَقطُرُ مَنيًّا؟ قال: "نَعَمْ" وسَطَعتِ المَجامِرُ.

وفي السنن: عن الرَّبيع بن سَبْرَة، عَنْ أَبِيه: خرجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ، حتى إذا كُنَّا بعُسفان، قال سُراقة بن مَالك المُدْلجيُّ: يا رسول الله؛ اقْضِ لنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأنَّما وُلِدُوا اليَوْمَ، فَقَال: "إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُم في حَجَّة عُمْرَةً، فإذا قَدِمْتم، فَمن تَطَوَّفَ بالبَيْتِ وسَعَى بيْن الصَّفَا والمَرْوَة، فَقدْ حَلَّ إلَّا مَنْ مَعَهُ هَدْي ".

وفي الصحيحين عن عائشة: خرجْنَا معَ رسولِ الله ﷺ، لا نَذْكُرُ إلا الحَجَّ، فذكرتِ الحديثَ، وفيه: فلما قَدِمْنَا مكة، قال النبي ﷺ لأصحابه: "اجْعَلوهَا عُمْرَةً" فأحلَّ الناسُ إلا مَنْ كان معه الهَدْي، وذكَرَتْ باقى الحديث.

وفي لفظ للبخاري: خرجْنَا مع رسول الله ﷺ لا نَرى إلا الحَجَّ، فلما قَدِمْنَا تطوَّفْنَا بالبيت، فأمر النبي ﷺ مَن لم يكن ساق الهَدْي أن يَحِلَّ، فحلَّ مَن لم يكن ساقَ الهَدْي ونساؤه لم يَسُقْن، فأحللن.

وفي لفظ لمسلم: "دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وهو غضبانُ، فقلتُ: مَنْ أغضَبكَ يا رسولَ اللهِ أدخله الله النار. قال: أوَما شَعَرْتِ إني أمَرْتُ النَّاسَ بأَمْرٍ، فإذا هُم يَتَرَدَّدُون، ولو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرى ما اسْتَدْبَرْتُ. ما سُقْتُ الهَدْيَ معى حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أحِلَّ كما حَلُّوا". وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، قالت: سمعتُ عائشة تقولُ: خرجْنَا معَ رسولِ ﷺ لخمس ليالٍ بَقِينَ مِن ذي القِعْدة، ولا نَرى إلا أنه الحَجُّ، فلما دَنَونا مِن مكة، أمرَ رسولُ الله ﷺ مَن لم يكن معه هَدْي إذا طافَ بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يَحِلَّ، قال يحيى بن سعيد: فذكرتُ هذا الحديثَ للقاسم بن محمد، فقال: أتتك واللهِ بالحديثِ على وجهه.

وفي صحيح مسلم: عن ابن عمر، قال: حدَّثتنى حفصةُ، أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقُلْتُ: ما مَنَعَكَ أَنْ تَحِلَّ؟ فقال: "إني لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيى، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الهَدْيَ".

وفي صحيح مسلم: عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، خرجنا مُحرِمِينَ، فقال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَقُمْ عَلَى إحْرامِه، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ "، وذكرتِ الحديث.

وفي صحيح مسلم أيضًا: عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجْنَا مَعَ رَسولِ الله ﷺ، نَصْرُخُ بالحجِّ صُراخًا، فلما قَدِمْنَا مكَّة أمَرنا أن نَجْعَلَها عُمْرةً إلا مَنْ سَاقَ الهَدْيَ، فلما كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إلى مِنَى، أهللنَا بالحَجِّ.

وفي صحيح البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أهَلَّ المُهاجرُونَ والأَنْصارُ، وأزواجُ النبي ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع، وأهللنَا فلما قَدِمْنَا مَكَّة، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "اجْعَلُوا إهْلالَكُم بالحَجِّ عُمْرَةً إلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْي"، وذكر الحديث.

وفي السنن عن البرَّاء بن عازب: خرجَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه، فأحرمْنَا بالحجِّ، فلما قَدِمنَا مكة، قال: "اجْعَلوا حَجَّكُم عُمْرَة". فقال الناسُ: يا رسول اللهِ؛ قد أحرمنا بالحَجِّ، فكيف نجعلُها عُمْرَةً؟ فقال: "انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلوهُ" فردَّدُوا عليه القولَ، فَغَضِبَ، ثم انطلق حتَّى دخل على عائشة وهو غَضْبانُ، فرأتِ الغضَب في وجهه فقَالت: مَنْ أَغْضَبَكَ أغضبه اللهُ، فَقَالَ: "وَمَا لي لا أَغْضَبُ وأَنَا آمُرُ أَمْرًا فَلا يُتَّبَعُ".

ونحن نُشهِدُ الله علينا أنَّا لو أحرمنا بحَجٍّ لرأينا فرضًا علينا فسخهُ إلى عُمْرة تفاديًا مِن غضبِ رسولِ الله ﷺ، واتباعًا لأمره. فواللهِ ما نُسِخَ هذا في حَياتِهِ ولا بَعْدَهُ، ولا صحَّ حَرْفٌ واحِد يُعارضه، ولا خصَّ به أصحابَه دُونَ مَنْ بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لِسان سُراقة أن يسأله: هل ذلك مختصٌ بهم؟ فأجاب بأنَّ ذلك كائن لأبد الأبد.

فما ندري ما نُقدِّم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكَّد الذي غضب رسول الله ﷺ على مَن خالفه.

وللّه دَرُّ الإمام أحمد رحمه الله إذ يقول لسلمة بن شبيب وقد قال له: يا أبا عبد الله؛ كُلُّ أمرِك عندي حَسن إلا خَلَّةً واحِدةً: قال: وما هي؟ قال: تقولُ بفسخ الحَجِّ إلى العُمْرة. فقال: يا سلمة؛ كنتُ أرى لكَ عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا عن رسول الله ﷺ، أأتركُها لِقَوْلكَ؟

وفي السنن عن البرَّاء بن عازب، أن عليًا رضي الله عنه لما قَدِمَ على رَسُولِ الله ﷺ من اليمن، أدرك فاطمةَ وقد لبست ثيابًا صَبِيغًا، ونَضَحَتِ البَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقَالَ: مَا بَالُكِ؟ فَقالَت: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَر أصْحَابَه فَحَلُّوا.

وقال ابن أبي شيبة: حدَّثنا ابنُ فضيل، عن يزيد، عن مجاهد، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ الزبير: أفرِدُوا الحَجَّ، ودَعُوا قولَ أعماكُم هَذَا. فقال عبدُ اللهِ ابنُ عباس: إن الذي أعمى الله قلبَه لأنتَ، ألا تسألُ أُمَّك عَنْ هذا؟ فأرسلَ إليها، فقالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاس، جِئنا مَعَ رسول اللهِ ﷺ حُجَّاجًا، فجعلناها عُمْرَةً، فحللنا الإحلالَ كُلَّه، حتَّى سَطَعَتِ المَجَامِرُ بَيْنَ الرِّجَالِ والنِّساء.

وفي صحيح البخاري عن ابن شِهاب، قال: دخلتُ على عطاء أستفتِيه، فقال: حدثني جابرُ بنُ عبد الله: أنه حجَّ مع النبي ﷺ يوم ساق البُدن معه، وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال لهم: "أَحِلُّوا مِنْ إحْرامِكُم بِطَوَافٍ بالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والْمروَة، وقَصِّرُوا، ثُمَّ أقِيمُوا حَلالًا، حَتَّى إذَا كَانَ يَومُ التَّرْوِيَةِ، فأهِلُّوا بالحَجِّ واجْعَلُوا التي قَدِمْتُم بها مُتْعَةٌ". فقالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فقال: "افْعَلُوا مَا آمُرُكُم به، فَلَوْلا أنى سُقْتُ الهَدْي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذي أَمَرْتُكُم بِهِ، وَلَكِنْ لا يحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه"، ففعلُوا.

وفي صحيحه أيضًا عنه: أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحَجِّ، وذكر الحديث. وفيه: فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عُمرةً، ويطوفوا، ثم يقصِّروا إلا مَن ساق الهَدْي: فقالوا: أننطلق إلى مِنَى وذَكَرُ أحَدنا يقطُر؟ فبلَغ النبي ﷺ فقال: "لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرى مَا اسْتَدْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ ولوْلا أنَّ معى الهَدْي، لأَحْلَلْتُ".

وفي صحيح مسلم عنه في حَجة الوداع: حتى إذا قَدِمنا مكَّة، طُفنا بالكعبة وبالصَّفا والمروة، فأمرنَا رسولُ الله ﷺ، أن يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لم يكُن معه هَدْي، قال: فقُلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه"، فواقعنا النِّسَاءَ، وتَطيَّبنَا بالطِّيب، ولَبِسْنَا ثيابَنا، ولَيْس بيننا وبَيْنَ عَرفة إلا أربعُ ليال، ثم أهللنا يَوْمَ التروية.

وفي لفظ آخَر لمسلم: "فمَنْ كَانَ منْكُم لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْها عُمْرَةً، فحلَّ الناسُ كُلُّهُم وقصَّروا إلا النبي ﷺ ومَنْ كَان مَعَهُ هَدْي، فلما كان يَوْمُ التروية، توجَّهُوا إلى مِنَى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ.

وفي مسند البزار بإسناد صحيح: عن أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ، أهلَّ هُوَ وأصحابُه بالحَجِّ والعُمْرة، فلما قدموا مكة، طافوا بالبيت والصفا والمروة، وأمرهم رسولُ الله ﷺ أن يَحِلُّوا، فهابوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ: "أَحِلُّوا فَلَوْلا أَنَّ مَعى الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ"، فأحلُّوا حَتَّى حَلُّوا إلى النِّسَاءِ.

وفي صحيح البخاري: عن أنس، قال: "صلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ونحنُ معه بالمدينة الظهرَ أربعًا، والعصر بذي الحُليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلتُه على البيداءِ، حَمِدَ الله، وسبَّح، ثم أهلَّ بحَجٍّ وعُمرة، وأهلَّ الناسُ بهما، فلما قَدِمْنَا أمر الناس فحلُّوا، حتى إذا كان يومُ التَّروية، أهلُّوا بالحَجِّ"، وذكر باقى الحديث.

وفي صحيحه أيضًا: عن أبي موسى الأشعرى، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى قومي باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ"؟ فَقُلْتُ: أَهْلَلْتُ بإِهَلالِ النبي ﷺ. فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْي"؟ قلتُ: لا، فأمرني، فطُفْتُ بالبَيْتِ وَبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ أمرني فَأَحْلَلْتُ.

وفي صحيح مسلم: أن رجلًا من بنى الهُجَيْمِ قال لابن عبَّاس: ما هَذِه الفُتيا التي قَدْ تشغَّبَت بالنَّاس، أنَّ مَنْ طَافَ بالبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُّنَّة نَبِيِّكُم ﷺ وإنْ رَغِمْتُم.

وصدق ابنُ عباس، كُلُّ مَن طاف بالبيت ممن لا هَدْي معه مِن مفرِد، أو قارِن، أو متمتِّع، فقد حلَّ إما وجوبًا، وإما حكمًا، هذه هي السُّنَّة التي لا رادَّ لها ولا مدفع، وهذا كقوله ﷺ: "إذَا أدْبَرَ النَّهارُ مِنْ هاهنا، وأقْبَلَ الليل مِنْ هاهنا، فقد أفْطَرَ الصَّائِم"، إما أن يكون المعنى: أفطر حكمًا، أو دخل وقت إفطاره، وصار الوقتُ في حقه وقتَ إفطار. فهكذا هذا الذي قد طاف بالبيت، إما أن يكون قد حلَّ حُكمًا، وإما أن يكون ذلك الوقت في حقه ليس وقتَ إحرام، بل هو وقتُ حِلٍّ ليس إلا، ما لم يكن معه هَدْي، وهذا صريحُ السُّنَّة.

وفي صحيح مسلم أيضًا عن عطاء قال: كان ابنُ عباس يقولُ: لا يطوف بالبيتِ حَاج ولا غيرُ حاجٍّ إلا حَلَّ. وكانَ يقولُ: هُوَ بَعْدَ المُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وكان يأخذُ ذلك مِن أمر النبي ﷺ، حين أمرهم أن يَحِلَّوا في حَجَّةِ الوَدَاع.

وفي صحيح مسلم: عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "هذه عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ فَقَدْ دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةَ".

وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء، عنِ ابن عباس قال: مَنْ جَاءَ مُهِلًا بالحَجِّ، فإنَّ الطَّوافَ باليَيْتِ يُصَيِّرُه إلى عُمْرَةٍ شَاءَ أوْ أَبَى، قُلْتُ: إن النَّاسَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَالَ: هِيَ سُّنَّة نَبِّيهِمْ وإنْ رَغِمُوا.

وقد روى هذا عنِ النبي ﷺ مَنْ سمَّيْنا وغيرهم، وروى ذلك عنهم طوائفُ مِن كبار التابعين، حتى صار منقولًا نقلًا يرفع الشكَّ، ويُوجب اليقينَ، ولا يُمكن أحدًا أن ينكره، أو يقول: لم يقع، وهو مذهبُ أهل بيت رسولِ الله ﷺ، ومذهبُ حَبْر الأُمة وبحرها ابنِ عباس وأصحابهِ، ومذهبُ أبي موسى الأشعرى، ومذهبُ إمام أهل السُّنَّة والحديث أحمد بن حنبل وأتباعه، وأهل الحديث معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبرى قاضى البصرة، ومذهب أهل الظاهر.

والذين خالفوا هذه الأحاديث، لهم أعذار.

العذر الأول: أنها منسوخة.

العذر الثاني: أنها مخصوصة بالصحابة، لا يجوزُ لِغيرهم مشاركُتهم في حكمها.

العذر الثالث: معارضُتها بما يَدُلُّ على خلاف حُكمها، وهذا مجموعُ ما اعتذروا به عنها.

ونحن نذكر هذه الأعذار عُذْرًا عُذْرًا، ونبيِّنُ ما فيها بمعونة الله وتوفيقه.

أما العذر الأول، وهو النسخ، فيحتاج إلى أربعة أُمور، لم يأتوا منها بشئ يحتاج إلى نصوص أُخر، تكون تِلك النصوصُ معارضة لهذه، ثم تكونُ مع هذه المعارضة مقاومة لها، ثم يُثبت تأخرُّها عنها. قال المدَّعون للنسخ: قال عمر بن الخطاب السِّجستانى: حدثنا الفريابى، حدثنا أبان بن أبي حازم، قال: حدثني أبو بكر بن حفص، عن ابن عُمر، عن عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه قال لما ولى: "يا أيُّها الناس؛ إن رسولَ الله ﷺ، أحلَّ لنا المتُعة ثم حرَّمها علينا" رواه البزار في مسنده عنه.

قال المبيحون للفسخ: عجبًا لكم في مُقاومة الجبال الرَّواسى التي لا تُزعزِعُها الرِّياحُ بِكَثِيبٍ مَهيلِ، تسفيه الرَّياحُ يمينًا وشمالًا، فهذا الحديثُ، لا سند ولا متن، أما سندُه، فإنه لا تقومُ به حُجة علينا عند أهلِ الحديث، وأما متنُه، فإن المراد بالمتعة فيه مُتعة النساء التي أحلَّها رسولُ الله ﷺ، ثم حرَّمها، لا يجوز فيها غيرُ ذلك البتة، لوجوه.

أحدها: إجماعُ الأُمة على أنَّ مُتعة الحَجِّ غيرُ محرَّمة، بل إما واجبة، أو أفضلُ الأنساك على الإطلاق، أو مستحبة، أو جائزة، ولا نعلم للأُمة قولًا خامسًا فيها بالتحريم.

الثاني: أن عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه، صحَّ عنه مِن غير وجه، أنه قال: لو حججتُ لتمتعتُ، ثم لو حججتُ لتمتعتُ. ذكره الأثرم في سننه وغيره.

وذكر عبد الرزاق في مصنفه: عن سالم بن عبد الله، أنه سئل: أنهى عمر عن مُتعة الحَجّ؟ قال: لا، أَبَعْدَ كِتابِ الله تعالى؟ وذكر عن نافع، أن رجلًا قال له: أنهى عمر عن مُتعة الحج؟ قال: لا. وذكر أيضًا عن ابن عباس، أنه قال: هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المُتعة يعني عمَر سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ، ثم حججتُ، لتمتَّعتُ.

قال أبو محمد بن حزم: صحَّ عن عمر الرجوعُ إلى القول بالتمتع بعد النهي عنه، وهذا محال أن يرجعَ إلى القول بما صح عنده أنه منسوخ.

الثالث: أنه من المحال أن ينهى عنها، وقد قال ﷺ لمن سأله: هل هي لِعامِهم ذلك أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد"، وهذا قطع لتوهم ورود النسخ عليها، وهذا أحدُ الأحكام التي يستحيل ورود النسخ عليها، وهو الحكمُ الذي أخبر الصادق المصدوق باستمراره ودوامه، فإنه لا خلف لِخبره.

فصل

العذر الثاني: دعوى اختصاصِ ذلك بالصحابة، واحتجوا بوجوه:

أحدها: ما رواه عبدُ اللهِ بنُ الزبير الحُميدي، حدثنا سُفيان، عن يحيى بن سعيد، عن المُرَقِّعِ، عن أبى ذر أنه قال: كان فسخُ الحجِّ مِن رسولِ الله ﷺ لنَا خاصة.

وقال وكيع: حدثنا موسى بن عُبيدة، حدثنا يعقوب بنُ زيد، عن أبى ذر قال: لم يَكُنْ لأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يَجْعَلَ حَجَّتَهُ عُمْرَةً، إنَّها كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا أَصْحَابَ مَحَمَّدٍ ﷺ.

وقال البزار: حدّثنا يوسف بن موسى، حدثنا سلمةُ بنُ الفضل، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأسدي، عن يزيد بن شريك، قُلنا لأبي ذر: كيف تمتَّع رسولُ الله ﷺ وأنتُم معه؟ فقال: ما أَنْتُمْ وَذَاكَ، إنَّما ذَاكَ شَئٌ رُخِّصَ لَنَا فيه، يعني المتعة.

وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي بكر التيمي، عن أبيه والحارث بن سويد قالا: قال أبو ذر في الحجِّ والمتعةِ: رخصةٌ أعطاناها رسولُ الله ﷺ.

وقال أبو داود: حدثنا هنّاد بن السِّرِي، عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليمان أو سليم بن الأسود أن أبا ذر كان يقولُ فيمن حَجَّ ثُمَّ فَسَخَها إلى عُمْرَةٍ، لم يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وفي صحيح مسلم: عن أبى ذر. قال: كانَتِ المُتْعَةُ في الحَجِّ لأَصْحَابِ مُحَمَّد ﷺ خَاصَّةً. وفي لفظ: "كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً"، يعني المُتْعَةَ في الحَجِّ، وفي لفظ آخر: "لا تَصِحُّ المُتْعَتَانِ إلَّا لَنَا خَاصةً"، يعني مُتْعَةَ النِّسَاءِ ومُتْعَةَ الحَجِّ. وفي لفظ آخر: "إنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصّةً دُونَكُم"، يعني مُتْعَةَ الحَجِّ.

وفي سنن النسائي بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبى ذر، في مُتعِة الحجِّ: لَيْسَتْ لَكُمْ، ولَسْتُم مِنْهَا في شَئٍ، إنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا أصحابَ رسول الله ﷺ.

وفي سنن أبي داود والنسائي، من حديث بلال بن الحارث قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيتَ فسخَ الحجِّ إلى العُمرة لنا خاصَّة، أم للناس عامة؟ فقال رسولُ الله ﷺ: " بَلْ لَنَا خًَاصَّة "، ورواه الإمام أحمد.

وفي مسند أبى عوانة بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سُئِلَ عُثْمَانُ عن مُتْعَةِ الحَجِّ فَقَال: كَانَتْ لَنَا، لَيْسَتْ لَكُمْ.

هذا مجموعُ ما استدلوا به على التخصيص بالصحابة.

قال المجوِّزون للفسخ، والموجِبُون له: لا حُجة لكم في شئ من ذلك، فإنَّ هذه الآثار بين باطل لا يَصِحُّ عمن نُسِب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غيرِ معصوم لا تُعارَض به نصوصُ المعصوم.

أما الأول: فإن المُرَقِّع ليس ممن تقوم بروايته حُجة، فضلًا عن أن يُقدَّم على النصوص الصحيحة غيرِ المدفوعة. وقد قال أحمد بن حنبل وقد عُورِضَ بحديثه: ومَن المُرقِّع الأسدي؟ وقد روى أبو ذر عن النبي ﷺ، الأمر بفسخ الحَجّ إلى العُمْرة. وغاية ما نقل عنه إنْ صح: أنّ ذلك مختصٌّ بالصحابة، فهو رأيه. وقد قال ابن عباس، وأبو موسى الأشعرى: إنَّ ذلك عام للأُمة، فرأى أبى ذر معارَض برأيهما، وسلمت النصوصُ الصحيحةُ الصريحة، ثم من المعلوم أن دعوى الاختصاص باطلةٌ بنص النبي ﷺ أن تلك العُمْرة التي وقع السؤال عنها وكانت عُمْرة فسخ لأبد الأبد، لا تَختصُّ بقَرن دونَ قرن، وهذا أصح سندًا من المروى عن أبى ذر، وأولى أن يُؤخذ به منه لو صحَّ عنه.

وأيضًا. فإذا رأينا أصحابَ رسول الله ﷺ قد اختلفوا في أمر قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعله وأمر به، فقال بعضُهم: إنه منسوخ أو خاص، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقولُ مَن ادَّعى نسخَه أو اختصاصَه مخالف للأصل، فلا يُقبَلُ إلا ببرهان، وإنَّ أقلَّ ما في الباب معارضتُه مَن ادَّعى بقاءه وعمومه، والحجةُ تفصِل بين المتنازعين، والواجبُ الردُّ عند التنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إن الفسخ منسوخ أو خاص، وقال أبو موسى وعبد الله بن عباس: إنه باقٍ وحكمُه عام، فعلى مَن ادَّعى النسخ والاختصاص الدليل.

وأما حديثه المرفوع حديث بلال بن الحارث فحديث لا يكْتَبُ، ولا يُعارَض بمثله تلك الأساطين الثابتة.

قال عبد الله بن أحمد: كان أبى يرى للمُهِلِّ بالحج أن يفسخَ حجَّه إن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة. وقال في المتعة: هي آخِرُ الأمرين من رسول الله ﷺ. وقال ﷺ.: "اجْعَلُوا حَجَّكُم عُمْرَةً". قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، يعني قوله: "لنا خاصة"؟ قال: لا أقول به، لا يُعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديثُ بلال بن الحارث عندي يثبتُ. هذا لفظه.

قلت: ومما يدل على صحة قول الإمام أحمد، وأن هذا الحديث لا يَصِحُّ أن النبي ﷺ أخبر عن تلك المُتعة التي أمرهم أن يفسخوا حَجَّهم إليها أنها لأَبَدِ الأبدِ، فكيف يثبُت عنه بعد هذا أنها لهم خاصة؟ هذا من أمحل المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَة"، ثم يثبت عنه أن ذلك مختص بالصحابة دون مَن بعدهم: فنحن نَشْهَدُ باللهِ، أن حديث بلال بن الحارث هذا، لا يصح عن رسول الله ﷺ وهو غلط عليه، وكيف تُقدَّم روايةُ بلال بن الحارث، على روايات الثقات الأثبات، حملةِ العلم الذين رووا عن رسول الله ﷺ خلافَ روايته، ثم كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله ﷺ، وابنُ عباس رضي الله عنه يُفتى بخلافه، ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام، وأصحابُ رسول الله ﷺ متوافِرون، ولا يقول له رجلٌ واحد منهم: هذا كان مختصًا بنا، ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة، أن أبا ذر كان يرى اختصاص ذلك بهم؟

وأما قول عثمان رضي الله عنه في متعة الحج: إنها كانت لهم ليست لغيرهم، فحكمه حكم قول أبى ذر سواء، على أن المروى عن أبى ذر وعثمان يحتمل ثلاثة أُمور:

أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهو الذي فهمه مَنْ حرَّم الفسخ.

الثاني: اختصاصُ وجوبه بالصحابة، وهو الذي كان يراه شيخنا قدَّس اللهُ روحه يقول: إنهم كانوا قد فُرِض عليهم الفسخ لأمر رسول الله ﷺ لهم به، وحتمه عليهم، وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله. وأما الجواز والاستحباب، فللأُمة إلى يوم القيامة، لكنْ أبَى ذلك البحرُ ابنُ عباس، وجعل الوجوب للأُمة إلى يوم القيامة، وأن فرضًا على كل مفرد وقارن لم يسق الهَدْي، أن يحلَّ ولا بد، بل قد حَلَّ وإن لم يشأ، وأنا إلى قوله أميلُ منى إلى قول شيخنا.

الاحتمال الثالث: أنه ليس لأحد من بعد الصحابة أن يبتدئ حجًا قارِنًا أو مفردًا بلا هَدْي، بل هذا يحتاج معه إلى الفسخ، لكن فرض عليه أن يفعل ما أَمَرَ به النبي ﷺ أصحابه في آخر الأمر من التمتع لمن لم يَسُقِ الهَدْيَ، والقِران لمن ساق، كما صح عنه ذلك. وأمّا أن يَحرم بحج مفرد، ثم يفسخه عند الطواف إلى عُمرة مُفردةٍ، ويجعله متعة، فليس له ذلك، بل هذا إنما كان للصحابة، فإنهم ابتدؤوا الإحرام بالحج المفرد قبل أمر النبي ﷺ بالتمتع والفسخ إليه، فلما استقر أمره بالتمتع والفسخ إليه، لم يكن لأحد أن يُخالفه ويُفرد، ثم يفسخه.

وإذا تأملتَ هذين الاحتمالين الأخيرين، رأيتهما إما راجحين على الاحتمال الأول، أو مساويين له، وتسقط معارضةُ الأحاديث الثابتة الصريحة به جملة، وبالله التوفيق.

وأما ما رواه مسلم في صحيحه عن أبى ذر: أن المتعة في الحج كانت لهم خاصَّة. فهذا، إن أريد به أصل المتعة، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين، بل المسلمون متفقون على جوازها إلى يوم القيامة. وإن أريد به متعة الفسخ، احتمل الوجوه الثلاثة المتقدِّمة. وقال الأثرم في سننه: وذكر لنا أحمد بن حنبل، أن عبد الرحمن بن مهدى حدَّثه عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبى ذر، في متعة الحج، كانت لنا خاصة. فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ذر، هي في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } [15].

قال المانعون من الفسخ: قول أبى ذر وعثمان: إن ذلك منسوخ أو خاص بالصحابة، لا يُقال مثلُه بالرأي، فمع قائله زيادة علم خفيت.

على مَن ادَّعى بقاءه وعمومه، فإنه مستصحِب لحال النص بقاءً وعمومًا، فهو بمنزلة صاحب اليد في العَيْن المدَّعاة، ومدَّعى فسخه واختصاصه بمنزلة صاحب البيِّنة التي تُقدَّم على صاحب اليد.

قال المجوِّزون للفسخ: هذا قول فاسد لا شك فيه، بل هذا رأى لا شك فيه، وقد صرَّح بأنه رأى مَنْ هو أعظمُ من عثمان وأبى ذر عِمرانُ بن حصينْ، ففي الصحيحين واللفظ للبخاري: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ونزل القُرآنُ، فقال رجل برأيه ما شاء. ولفظ مسلم: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ: يعني مُتعة الحج، وأمرنا بها رسولُ الله ﷺ، ثم لم تنزل آية تنسخ مُتعة الحج، ولم ينه عنها رسولُ الله ﷺ حتى مات، قال رجلٌ برأيه ما شاء. وفي لفظ: يريد عمر.

وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها، وقال له إن أباك نهى عنها: أَأَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبَعَ أو أَمْرُ أَبي؟

وقال ابن عباس لمن كان يُعارِضه فيها بأبي بكر وعمر: يُوشِكُ أن تَنْزِلَ عليكم حِجَارَةٌ من السماء، أقولُ: قالَ رسولُ الله ﷺ، وتقولُون: قال أبو بكر وعمر؟ فهذا جوابُ العلماء، لا جوابُ مَن يقول: عثمانُ وأبو ذر أعلمُ برسول الله ﷺ منكم، فهلَّا قال ابنُ عباس، وعبدُ الله بن عمر: أبو بكر وعمرُ أعلمُ برسول الله ﷺ منا، ولم يكن أحدٌ مِن الصحابة، ولا أحدٌ من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍ عن رسولِ الله ﷺ، وهم كانوا أعلمَ باللهِ ورسوله، وأتقى له من أن يُقَدِّمُوا على قول المعصوم رأيَ غيرِ المعصوم، ثم قد ثبت النصُّ عن المعصوم، بأنها باقية إلى يوم القيامة. وقد قال ببقائها: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسعدُ بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن المسيِّب، وجمهور التابعين، ويدل على أن ذلك رأى محض لا يُنسب إلى أنه مرفوع إلى النبي ﷺ، أن عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه لما نهى عنها قال له أبو موسى الأشعرى: يا أمير المؤمنين؛ ما أحدثتَ في شأنِ النُّسُك؟ فقال: إن نَأخُذْ بِكِتَاب رَبِّنَا، فإنَّ الله يقُول: { وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ } [16]، وإنْ نَأْخُذْ بِسُّنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ، فإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ، فَهَذَا اتِّفَاقٌ من أبي موسى وعمر، على أن منع الفسخ إلى المتعة والإحرام بها ابتداءً، إنما هو رأى مِنه أحدثه في النُّسُك، ليس عن رسول الله ﷺ. وإن استدل له بما استدل، وأبو موسى كان يُفتى الناسَ بالفسخ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كُلِّها، وصدرًا من خلافة عمر حتى فاوض عمرُ رضي الله عنه في نهيه عن ذلك، واتفقا على أنه رأى أحدثه عمر رضي الله عنه في النُسُك، ثم صحَّ عنه الرجوعُ عنه.

فصل

وأما العذر الثالث: وهو معارضةُ أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها، فذكروا منها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الزهري، عن عُروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في حَجة الوداع، فمنا مَن أهلَّ بعُمرة، ومنا مَنْ أهلَّ بحج، حتى قَدِمْنَا مكة فقالَ رسولُ الله ﷺ: "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وأهْدَى، فلا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَه، ومَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتمَّ حَجَّه"، وذكر باقى الحديث.

ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه أيضًا من حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عُروة عنها: خَرجنا مع رسولِ ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداع، فمِنا مَن أهلَّ بعُمرة، ومنَّا من أهلَّ بحج وعُمرة، ومِنا مَنْ أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أهلَّ بعمرة فحلَّ، وأمَّا مَنْ أهلَّ بحجٍّ، أو جَمَعَ الحجَّ والعُمرة، فلم يَحِلُّوا حتى يومُ النحر.

منها: ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر العبدى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطِب، عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ لِلحجِّ على ثلاثة أنواع: فمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بعُمرةٍ وحَجَّةٍ، ومنا مَن أهلَّ بِحَجِّ مُفرد، ومِنَّا مَنْ أهلَّ بعُمرة مفردة، فمَن كانَ أهلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ معًا، لم يحِلَّ مِن شئٍ مما حَرُمَ منه حتَّى قضى مناسِكَ الحجِّ، ومَنْ أهلَّ بحجٍّ مفرد، لم يَحِلَّ مِن شئ مما حَرُمَ منه حتى قضى مناسِكَ الحج، ومَنْ أهلَّ بعُمرةٍ مفردةٍ، فطافَ بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، حلَّ مما حرُم منه حتى استقبل حَجًّا.

ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب، عن عمرو بنِ الحارِث، عن محمد بن نَوْفَلٍ، أنَّ رجُلًا مِن أهلِ العِراق، قال له: سل لي عُروة بن الزبير، عن رجل أهلَّ بالحجِّ، فإذا طافَ بالبيت، أيحِلُّ أم لا؟ فذكَر الحديث، وفيه: قد حجَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فأخبرتنى عائشة، أن أول شئ بدأ به حين قَدِمَ مكة، أنه توضأ، ثمَّ طَافَ بالبَيْتِ. ثم حجَّ أبو بكر، ثم كان أوَّلَ شئٍ بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرَةٌ. ثم عُمَرُ مثلُ ذلك. ثم حجَّ عثمانُ، فرأيتُه أوَّلُ شئ بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرةٌ. ثم معاوية وعبدُ الله بنُ عمر، ثم حججتُ مع أبى الزبير بن العوَّام، فكان أوَّلَ شئ بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرَةٌ، ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار، يفعلُون ذلك، ثم لم تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثم آخِرُ مَنْ رأيت فعل ذلك ابنُ عمر، ثم لم ينقُضْها بعُمرة، فهذا ابنُ عمرَ عندهم، أفلا يسألونه؟ ولا أحدٌ ممن مضى ما كانوا يَبدؤون بشىء حِينَ يضعون أقدامَهم أوَّلَ مِنَ الطَّواف بالبَيْتِ، ثم لا يَحِلُّون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمَانِ لا تَبْدآنِ بشىءٍ أوَّلَ من الطواف بالبيت، تطوفان بِه ثم لا تَحِلَّانِ.

فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديثَ الفسخ، ولا مُعارضة فيها بحمد الله ومَنِّهِ.

أما الحديثُ الأول وهو حديث الزهري، عن عُروة، عن عائشة فَغَلِطَ فيه عبدُ الملك بن شعيب، أو أبوه شعيب، أو جَدُّه الليث، أو شيخه عقيل، فإن الحديث رواه مالك ومعمر، والناسُ، عن الزهري، عن عروة، عنها وبيَّنُوا أن النبي ﷺ أمر مَنْ لم يَكُنْ معه هَدْي إذا طاف وسعى، أن يَحِلَّ. فقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ، عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لِخَمس ليالٍ بقين لذي القِعدة، ولا نرى إلا الحجَّ، فلما دنونا من مكة، أمر رسولُ الله ﷺ مَنْ لم يكن معه هَدْي، إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، أن يَحِلَّ وذكر الحديث. قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديثَ لقاسم بن محمد، فقال: أتتك واللهِ بالحديثِ على وجهه.

وقال منصور: عن إبراهيم، عن الأسود، عنها، خرجنا مع رسول اللهِ ﷺ ولا نرى إلا الحجَّ، فلما قَدِمْنَا، تَطَوَّفْنَا بالبَيْتِ، فأمر النبي ﷺ مَن لم يكن ساق الهَدْيَ، أن يَحِلَّ، فحلَّ مَنْ لم يكن ساق الهَدْيَ، ونساؤه لم يَسُقْنَ فأحْلَلْنَ.

وقال مالك ومعمر كلاهُما عن ابن شهاب، عن عُروة، عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حَجة الوداع، فأهللنا بعُمرة، ثم قال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَة، ولا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ منهما جَميعًا".

وقال ابن شهاب عن عُروة عنها بمثل الذي أخبر به سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ. ولفظه: تمتع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحَجِّ، فأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحُليفة، بدأ رسولُ الله ﷺ، فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحَجِّ، وتمتَّع الناسُ مع رسولِ الله ﷺ بالعُمرة إلى الحَجِّ، فكانَ مِنَ الناس مَنْ أهدى، فساق معه الهَدْيَ، ومنهم مَن لم يُهْدِ، فلمَّا قَدِمَ النبي ﷺ مَكَّةَ، قال الناس: "مَنْ كَانَ مِنْكُم أهْدى، فإنَّه لا يَحِلُّ مِنْ شئ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومَنْ لمْ يَكُنْ أهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة، وَليُقصِّرْ وَلْيَحِلَّ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ ولْيُهْدِ، فمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِه"، وذكر باقى الحديث.

وقال عبد العزيز الماجِشُون: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ، لا نَذْكُرُ إلا الحَجَّ، فذكر الحديث. وفيه، قالت: فلما قَدمْتُ مَكَّة، قال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "اجْعَلُوها عُمْرَةً، فأحَلَّ النَّاسُ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْي".

وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن عائشة: خرجنا مع رَسُولِ اللهِ ﷺ لا نذْكُر إلا الحَجَّ، فلما قَدِمْنَا، أُمِرْنَا أَنْ نَحِلَّ، وذكرَ الحديثَ.

وقال عبد الرحمن بن القاسم: عن أبيه، عن عائشة: خرجنا مَعَ رسول الله ﷺ، ولا نذكر إلا الحَجَّ، فلما جِئْنَا سَرِفَ، طَمِثْتُ. قالت: فدخلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي. فقال: "ما يُبْكِيك"؟ قالت: فَقُلْتُ: واللهِ لَوِدِدْتُ إني لا أَحُجُّ العَامَ فذكر الحديثَ. وفيه: فلما قَدِمْتُ مكة، قال النبي ﷺ: "اجْعَلُوهَا عُمْرةً"، قالت: فَحَلَّ الناسُ إلَّا مْن كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ.

وكل هذه الألفاظ في الصحيح، وهذا موافق لما رواه جابر، وابن عمر، وأنس، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو سعيد، وأسماء، والبراء، وحفصة، وغيرهم، من أمره ﷺ أصحابَه كُلَّهم بالإحلال، إلا مَنْ ساق الهَدْي، وأن يجعلوا حجهم عُمْرَةً. وفى اتفاق هؤلاء كُلِّهم، على أن النبي ﷺ، أمر أصحابه كلَّهم أن يحلوا، وأن يجعلوا الذي قدموا به مُتعةً، إلا مَنْ ساق الهَدْي، دليلٌ على غلط هذه الرواية، ووهمٍ وقع فيها، يُبين ذلك أنها من رواية الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، والليث بعينه، هو الذي روى عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عنها مثلَ ما رواه، عن الزهري عن سالم، عن أبيه، في تمتع النبي ﷺ، وأمره لمن لم يكن أهدى أن يَحِلَّ.

ثم تأملنا، فإذا أحاديث عائشة يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، وإنما بعضُ الرواة زاد على بعض، وبعضهم اختصر الحديث، وبعضُهم اقتصر على بعضه، وبعضهم رواه بالمعنى. والحديث المذكور: ليس فيه منع مَنْ أهلَّ بالحجِّ من الإحلال، وإنما فيه أمره أن يُتِمَّ الحج، فإن كان هذا محفوظًا، فالمراد به بقاؤه على إحرامه، فيتعين أن يكون هذا قبل الأمر بالإحلال، وجعله عمرة، ويكون هذا أمرًا زائدًا قد طرأ على الأمر بالإتمام، كما طرأ على التخيير بين الإفراد والتمتع والقِران، ويتعين هذا ولا بُد، وإلا كان هذا ناسخًا للأمر بالفسخ، والأمر بالفسخ ناسخًا للإذن بالإفراد، وهذا محالٌ قطعًا، فإنه بعد أن أمرهم بالحِلِّ لم يأمرهم بنقضه، والبقاءِ على الإحرام الأول، هذا باطل قطعًا، فيتعيَّنُ إن كان محفوظًا أن يكون قبل الأمر لهم بالفسخ، ولا يجوز غير هذا البتة. والله أعلم.

فصل

وأما حديثُ أبي الأسود، عن عروة، عنها. وفيه: "وأما مَنْ أهلَّ بحجٍّ أو جمعَ الحجَّ والعُمرة، فلم يَحِلُّوا حتى كان يوم النحر". وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها: "فمَن كان أهلَّ بحجٍّ وعُمرة معًا، لم يَحِلَّ من شئ مما حَرُمَ منه حتى يَقْضِيَ مَناسِكَ الحَجِّ، ومَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرِدٍ كَذَلِكَ". فحديثان، قد أنكرهما الحفاظُ، وهما أهلٌ أن يُنكَرا، قال الأثرم: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عُروة، عن عائشة: "خرجنا مع رسول اللهِ ﷺ، فمنَّا مَنْ أَهلَّ بالحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ والعُمرَةِ، وأَهلَّ بالحَجِّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ، فأحلُّوا حِينَ طَافُوا بِالبَيْتِ وَبالصَّفَا والمَرْوَةِ. وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلَمْ يَحِلُّوا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ"، فقال أحمد بن حنبل: أَيْش في هذا الحديثِ مِن العَجَبِ، هذا خطأ، فقال الأثرم: فقلتُ له: الزهري، عن عروة، عن عائشة، بخلافه؟ فقال: نعم، وهشام بن عروة. وقال الحافظ أبو محمد بن حزم: هذان حديثان منكران جدًا، قال: ولأبي الأسود في هذا النحو حديثٌ لا خفاء بِنُكرَتِه، وَوَهْنِهِ، وبُطلانه. والعجب كيف جاز على مَن رواه؟ ثم ساق من طريق البخاري عنه، أن عبد الله مولى أسماء، حدّثه أنه كان يَسْمَعُ أسماء بنتَ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما تقول كُلما مَرَّتْ بالحَجُونِ: صلَّى الله على رسوله: لقد نزلنا معه هاهنا، ونحنُ يومئذ خِفافٌ، قليلٌ ظهرُنا، قليلةٌ أزوادُنا، فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة، والزبيرُ، وفلان، وفلان. فلما مسحنا البيتَ، أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلَنْا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ.

قال: وهذه وهلةٌ لا خفاءَ بها على أحد ممن له أقلُّ علم بالحديثِ لوجهين باطلين فيه بلا شك:

أحدُهما: قوله: فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة، ولا خلاف بين أحد من أهل النقل، في أن عائشة لم تعتمر في أول دخولها مكة، ولذلك أعمرها من التنعيم بعد تمام الحج ليلة الحصبة، هكذا رواه جابر بن عبد الله، ورواه عن عائشة الأثبات، كالأسود بن يزيد، وابن أبي مُليكة، والقاسم بن محمد، وعروة، وطاووس، ومجاهد.

الموضع الثاني: قوله فيه: فلما مسحنا البيتَ، أحللنا، ثم أهللنا من العشى بالحج، وهذا باطل لا شكَّ فيه، لأن جابرًا، وأنسَ بن مالك، وعائشة، وابنَ عباس، كُلُّهم روَوْا أن الإحلال كان يومَ دخولهم مكة، وأن إحلالهم بالحجِّ كان يوم التروية، وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيام بلا شك.

قلت: الحديثُ ليس بمنكر ولا باطل، وهو صحيح وإنما أُتى أبو محمد فيه مِن فهمه، فإن أسماء أخبرت أنها اعتمرت هي وعائشة، وهكذا وقع بلا شك. وأما قولها: فلما مسحنا البيت أحْلَلْنَا، فإخبار منها عن نفسها، وعمن لم يُصبه عذرُ الحيض الذي أصابَ عائشة، وهي لم تُصرِّحْ بأن عائشة مسحت البيت يوم دخولهم مكة، وأنها حلَّت ذلك اليوم، ولا ريبَ أن عائشة قدمت بعُمرة، ولم تزل عليها حتى حاضتْ بِسَرِفَ، فأدخلت عليها الحجَّ، وصارت قارِنةً. فإذا قيل: اعتمرت عائشة مع النبي ﷺ، أو قدمت بعمرة، لم يكن هذا كذبًا.

وأما قولها: ثم أهللنا مِن العَشِيِّ بالحج، فهي لم تَقُلْ: إنهم أَهلُّوا من عشى يوم القدوم، ليلزم ما قال أبو محمد، وإنما أرادت عشيَّ يوم التروية. ومثل هذا لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يُصرَّح فيه بعشى ذلك اليوم بعينه، لعلم الخاص والعام به، وأنه مما لا تذهبُ الأوهام إلى غيره، فردُّ أحاديث الثقات بمثل هذا الوهم مما لا سبيل إليه.

قال أبو محمد: وأسلمُ الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة، يعني اللذين أنكرَهُما، أن تُخرَّجَ روايتهما على أن المراد بقولها: إن الَّذينَ أهلَّوا بحجٍّ، أو بحجٍّ وعُمرة، لم يَحِلُّوا حتى كان يومُ النحر حين قَضَوْا مناسِك الحج، إنما عنت بذلك مَنْ كان معه الهَدْي، وبهذا تنتفى النُّكرةُ عن هذين الحديثين، وبهذا تأتلِف الأحاديثُ كلها، لأن الزهري عن عُروة يذكر خلاف ما ذكره أبو الأسود عن عروة، والزهري بلا شك أحفظُ من أبي الأسود، وقد خالف يحيى بن عبد الرحمن عن عائشة في هذا الباب مَنْ لا يُقرَن يحيى بن عبد الرحمن إليه، لا في حفظ، ولا في ثقة، ولا في جَلالة، ولا في بطانة لعائشة، كالأسود ابن يزيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأَبى عمرو ذكوان مولى عائشة، وعَمْرَةَ بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة، وهؤلاء هم أهلُ الخصوصية والبطانة بها، فكيف؟ ولو لم يكونوا كذلك، لكانت روايتُهم أو روايةُ واحد منهم، لو انفرد هي الواجبُ أن يؤخذ بها، لأن فيها زيادة على رواية أبي الأسود ويحيى، وليس مَن جَهَلَ، أو غَفَلَ حُجَّةَ على مَن علم، وذكر وأخبر، فكيف وقد وافق هؤلاء الجِلَّةُ عن عائشة فسقط التعلُّق بحديث أبي الأسود ويحيِي اللذين ذكرنا.

قال: وأيضًا، فإن حديثى أبي الأسود ويحيى، موقوفان غير مسندين، لأنهما إنما ذكرا عنها فعل مَن فعل ما ذكرت، دون أن يذكُرا أن النبي ﷺ، أمرهم أن لا يَحِلُّوا، ولا حُجَّة في أحد دون النبي ﷺ، فلو صحَّ ما ذكراه، وقد صح أمرُ النبي ﷺ مَنْ لا هَدْي معه بالفسخ، فتمادى المأمورون بذلك، ولم يَحِلُّوا لكانوا عصاة للّه تعالى، وقد أعاذهم الله من ذلك، وبرَّأهم منه، فثبت يقينًا أن حديث أبي الأسود ويحيى، إنما عنى فيهما: مَن كان معه هَدْي، وهكذا جاءت الأحاديثُ الصحاح التي أوردناها، بأنه ﷺ أمر مَن معه الهَدْي، بأن يجمع حجًا مع العُمرة، ثم لا يَحِلَّ حتى يحلَّ منهما جميعًا. ثم ساق من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها ترفعه: "مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَا"، قال: فهذا الحديث كما ترى، من طريق عروة، عن عائشة، يُبين ما ذكرنا أنه المراد بلا شك، في حديث أبي الأسود، عن عروة وحديث يحيى عن عائشة، وارتفع الآن الإشكال جملة، والحمد للّه رب العالمين.

قال: ومما يُبيِّنُ أن في حديثِ أبي الأسود حذفًا قوله فيه: عن عُروة: "أن أُمَّه وخالَته والزُّبير، أقبلوا بعُمرة فقط، فلما مسحُوا الركن، حلُّوا". ولا خلاف بين أحد، أن مَن أقبل بعُمرة لا يَحِلُّ بمسحِ الرّكن، حتى يسعى بين الصَّفا والمَرْوَةِ بعد مسح الركن، فصحَّ أن في الحديث حذفًا بيَّنه سائرُ الأحاديث الصحاح التي ذكرنا، وبطل التشغيبُ به جملة. وبالله التوفيق.

فصل

وأما ما في حديث أبي الأسود، عن عروة، من فعل أبي بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار، وابن عمر، فقد أجابه ابن عباس، فأحسن جوابه، فيُكتفى بجوابه. فروى الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، تمتعَ رسولُ الله ﷺ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعُمَرُ عن المُتعة. فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقول: قال أبو بكر وعمر.

وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعمر، عن أيوب، قال: قال عُروة لابن عباس: ألا تتَّقى الله تُرَخِّصُ في المُتعة؟، فقال ابنُ عباس: سل أُمَّك يا عُرَيَّةُ. فقال عُروة: أمَّا أبو بكر وعمر، فلم يفعلا، فقال ابنُ عباس: واللهِ ما أراكم مُنتهين حتى يُعَذِّبَكُمُ الله، أُحدِّثُكم عن رسول الله ﷺ، وتُحدِّثُونا عن أبي بكر وعمر؟ فقال عُروة: لَهُما أعلمُ بِسُّنَّةِ رسول الله ﷺ، وأتبعُ لها منك.

وأخرج أبو مسلم الكجي عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عُروة بن الزبير، قال لرجل مِن أصحابِ رسول الله ﷺ: تأمُرُ النَّاس بالعُمرَةِ في هؤلاء العَشْرِ، وليس فيها عُمرة؟، قال: أوَ لا تَسألُ أُمَّك عن ذلك؟ قال عُروة: فإن أبا بكر وعُمَرَ لم يفعلا ذلك، قال الرجل: مِن هاهنا هلكتُم، ما أرى الله عزَّ وجلَّ إلا سَيُعَذِّبُكُم، إني أحدِّثكم عن رسولِ الله ﷺ، وتُخبروني بأبي بكر وعمر. قال عروةُ: إنهما واللهِ كانا أعلَم بِسُّنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ مِنْكَ، فسكت الرجلُ.

ثم أجاب أبو محمد بن حزم عُروة عن قوله هذا، بجواب نذكره، ونذكر جوابًا أحسَن منه لشيخنا.

قال أبو محمد: ونحن نقول لعروة: ابنُ عباس أعلمُ بِسُنَّةِ رسول الله ﷺ، وبأبي بكر وعمَر منك، وخيرٌ منك، وأولى بهم ثلاثتهم منك، لا يشكُّ في ذلك مسلم. وعائشةُ أم المؤمنين، أعلم وأصدق منك. ثم ساق من طريق الثوري، عن أبى إسحاق السَّبِيعى، عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استُعْمِلَ على المَوْسِمِ؟ قالوا: ابن عباس. قالت: هو أعلم الناس بالحج. قال أبو محمد: مع أنه قد روى عنها خلاف ما قاله عروة، ومَن هو خير من عروة، وأفضل، وأعلم، وأصدق، وأوثق. ثم ساق من طريق البزار، عن الأشج، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن ليث، عن عطاء، وطاووس، عن ابن عباس: تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وأول مَن نهى عنها معاوية.

ومن طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس: تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر حتى مات، وعمر وعثمان كذلك، وأول مَن نهى عنها معاوية.

قلت: حديث ابن عباس هذا، رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي. وقال: حديث حسن.

وذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: قال أُبيُّ بن كعب، وأبو موسى لعمر بن الخطاب: ألا تقومُ فتبيِّنَ للنَّاسِ أمرَ هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بَقى أحد إلا وقد عَلِمَهَا، أما أنا فأفعلُها.

وذكر علي بن عبدِ العزيز البغوى، حدثنا حجاجُ بن المنهال، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن حماد بن أبي سليمان أو حميد عن الحسن، أن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة، وقال: الكعبة غَنِيَّةٌ عن ذلِكَ المالِ، وأراد أن يَنْهى أهل اليمن أن يَصْبِغُوا بالبَولِ، وأراد أن ينهى عن مُتعة الحج، فقال أُبيُّ بنُ كعب: قد رأى رسولُ الله ﷺ وأصحابُه هذا المالُ، وبه وبأصحابه الحاجةُ إليه، فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذْه، وقد كان رسولُ الله ﷺ وأصحابُه يلبَسون الثيابَ اليمانية، فلم ينهَ عنها، وقد علم أنها تُصْبَغُ بالبول، وقد تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ فلم ينه عنها، ولم يُنْزِلِ اللهُ تعالى فيها نهيًا.

وقد تقدَّم قولُ عمر: لو اعتمرتُ في وسط السنة، ثم حججتُ لتمتعتُ، ولو حججتُ خمسين حَجة، لتمتعتُ. ورواه حماد بن سلمة عن قيس، عن طاووس، عن ابن عباس، عنه: لو اعتمرتُ في سنة مرتين، ثم حججت، لجعلت مع حَجتى عُمرة. والثوري، عن سلمة بن كهيل، عن طاووس، عن ابن عباس، عنه: لو اعتمرتُ، ثم اعتمرتُ، ثم حججت، لتمتعت. وابن عيينة: عن هشام بن حُجير، وليث، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: هذا الذي يزعمُون أنه نهى عن المتعة يعني عمر سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ، ثم حججت، لتمتعت. قال ابن عباس: كذا وكذا مرة، ما تمت حجة رجل قط إلا بمتعة.

وأما الجواب الذي ذكره شيخنا، فهو أن عُمَرَ رضي الله عنه، لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: إنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكم وعُمرتِكم أن تَفْصِلُوا بينهما، فاختار عُمَرُ لهم أفضلَ الأُمور، وهو إفرادُ كل واحد منهما بسفر يُنشئه له من بلده، وهذا أفضل من القِران والتمتع الخاص بدون سَفرة أُخرى، وقد نصَّ على ذلك: أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي رحمهم الله تعالى وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان عُمر يختاره للناس، وكذلك علي رضي الله عنهما.

وقال عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى: { وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ للَّهِ } [17] قالا: إتمامهُما أن تُحرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهلِكِ وقد قال ﷺ لعائشة في عُمرتها: "أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ" فإذا رجع الحاجُّ إلى دُوَيْرَةِ أهلِه، فأنشأ العُمرة منها، واعتمر قبل أشهرِ الحجِّ، وأقام حتى يحجَّ، أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حجَّ، فهاهنا قد أتى بكل واحدٍ من النسكين من دُويرةِ أهله، وهذا إتيانٌ بهما على الكمال، فهو أفضلُ من غيره.

قلت: فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظنَّ مَن غَلِطَ منهم أنه نهى عن المتعة، ثم مِنهم مَن حمل نَهيه على متعة الفسخ، ومنهم مَن حمله على تركِ الأولى ترجيحًا للإفراد عليه، ومنهم مَن عارض رواياتِ النهي عنه بروايات الاستحباب، وقد ذكرناها، ومنهم مَن جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرهما من المسائل، ومنهم مَن جعل النهي قولًا قديمًا، ورجع عنه أخيرًا، كما سلك أبو محمد بن حزم، ومنهم مَن يَعُدُّ النهي رأيًا رآه من عنده لكراهته أن يَظَلَّ الحاجُّ مُعرِسِينَ بِنسائهم في ظِلِّ الأرَاكِ.

قال أبو حنيفة: عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: بينما أنا واقف مع عُمَرَ بن الخطاب بعرفة عشيةَ عرفة، فإذا هو برجل مُرَجِّلٍ شعرَه، يفوحُ منه ريحُ الطِّيب، فقال له عمر: أمحرِمٌ أنت؟ قال: نعم. فقال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم، إنما المحرِمُ الأشْعَثُ الأَغْبَرُ الأدْفَرُ. قال: إني قَدِمتُ متمتِّعًا، وكان معى أهلي، وإنما أحرمتُ اليومَ، فقال عمر عند ذلك: لا تتمتَّعُوا في هذه الأيام، فإني لو رَخَّصْتُ في المُتعة لهم، لعرَّسُوا بِهِنَّ في الأراك، ثم راحوا بِهِنّ حُجَّاجًا. وهذا يبين، أن هذا من عمر رأى رآه.

قال ابن حزم: فكان ماذا؟ وحبذا ذلك؟ وقد طاف النبي ﷺ على نسائه، ثم أصبح محرِمًا، ولا خلاف أن الوطء مباح قبل الإحرام بطرفة عين والله أعلم.

فصل

وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين، نذكرهُما ونبيِّنُ فسادهما.

الطريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصحابَةُ ومَنْ بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياطُ يقتضى المنعَ منه صِيانةً للعبادة عما لا يجوزُ فيها عند كثير من أهل العلم، بل أكثرهم.

والطريقة الثانية: أن النبي ﷺ أمرهم بالفسخ لِيبيِّن لهم جوازَ العُمرة في أشهر الحج، لأن أهْلَ الجاهلية كانوا يكرهون العُمرة في أشهر الحج، وكانوا يقُولون: إذا بَرَأَ الدَّبَرُ، وعَفَا الأَثَرُ، وانْسَلَخَ صَفَرُ، فقد حلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فأمرهم النبي ﷺ بالفسخ، ليبين لهم جوازَ العُمرة في أشهر الحج، وهاتان الطريقتان باطلتان.

أما الأولى: فلأن الاحتياطَ إنما يشرع، إذا لم تتبين السُّنَّةُ، فإذا تبيَّنت فالاحتياطُ هو اتِّباعُها وتركُ ما خالفها، فإن كان تركُها لأجل الاختلاف احتياطًا، فتركُ ما خالفها واتَباعُها، أحوطُ وأحوطُ، فالاحتياطُ نوعان: احتياطٌ للخروج مِن خلاف العلماء، واحتياطٌ للخروج من خِلاف السُّنَّة، ولا يخفى رُجحانُ أحدهما على الآخر.

وأيضًا. فإن الاحتياط ممتنعٌ هنا، فإنَّ للناس في الفسخ ثلاثةَ أقوال:

أحدها: أنه محرَّم.

الثاني: أنه واجب، وهو قولُ جماعة من السَلَف والخَلَف.

الثالث: أنه مستحَبٌ، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف مَن حرَّمه أولى بالاحتياط بالخروج من خلاف مَن أوجبه، وإذا تعذَّر الاحتياطُ بالخروج من الخلاف، تعيَّن الاحتياطُ بالخروج من خلاف السُّنَّة.

فصل

وأما الطريقة الثانية: فأظهرُ بُطلانًا من وجوه عديدة.

أحدُها: أن النبي ﷺ اعتمر قبل ذلك عُمَرَهُ الثلاث في أشهر الحج في ذي القِعْدَة، كما تقدَّم ذلك، وهو أوسطُ أشهرِ الحج، فكيف يُظن أن الصحابة لم يعلموا جوازَ الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العُمرة، وقد تقدَّم فعله لذلك ثلاثَ مرات؟

الثاني: أنه قد ثبت في الصحيحين، أنه قال لهم عند الميقات: "مَنْ شَاءَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلُ، ومَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلِّ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ " فبيَّن لهم جوازَ الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات، وعامةُ المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ؟ ولعمرُ الله إن لم يكونوا يعلمون جوازَها بذلك، فهم أجدرُ أن لا يعلموا جوازَها بالفسخ.

الثالث: أنه أمَرَ مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ أن يتحلَّل، وأمرَ مَن ساق الهَدْيَ أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهديُ مَحِلَّه، ففرق بين محرِم ومحرِم، وهذا يدل على أن سوقَ الهَدْي هو المانعُ من التحلل، لا مجردُ الإحرام الأول، والعِلَّة التي ذكروها لا تختص بمحرِم دوم محرم، فالنبيُّ ﷺ جعل التأثير في الحِل وعدمه للهَدْي وجودًا وعدمًا لا لغيره.

الرابع: أن يقال: إذا كان النبي ﷺ قصَد مخالفَة المشركين، كان هذا دليلًا على أن الفسخَ أفضلُ لهذه العِلَّة، لأنه إذا كان إنما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان يكونُ دليلًا على أن الفسخ يبقى مشروعًا إلى يوم القيامة، إما وجوبًا وإما استحبابًا، فإن ما فعله النبي ﷺ وشرعه لأُمته في المناسك مخالفةً لهَدْي المشركين، هو مشروع إلى يوم القيامة، إما وجوبًا أو استحبابًا، فإن المشركين كانوا يُفِيضُون من عرفةَ قبل غروب الشمس، وكانوا لا يُفيضون من مزدلفة حتى تَطْلُع الشمسُ، وكانوا يقولون: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرَ، فخالفهم النبي ﷺ، وقال: "خَالَفَ هَدْيُنا هدْيَ المُشْرِكِين، فَلَمْ نُفِضْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ".

وهذه المخالفة، إما ركن، كقول مالك، وإما واجبٌ يَجبرُه دم، كقول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد القولين، وإما سُّنَّة، كالقول الآخر له.

والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سُّنَّة باتفاق المسلمين، وكذلك قريشٌ كانت لا تَقفُ بعرفة، بل تفيض من جَمْع، فخالفهم النبي ﷺ، ووقف بعرفاتٍ، وأفاضَ منها، وفى ذلك نزل قوله تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } [18]، وهذه المخالفة من أركانِ الحجِّ باتفاق المسلمين، فالأمُور التي نُخَالِفُ فيها المشركين هي الواجبُ أو المستحبُّ، ليس فيها مكروه، فكيف يكون فيها مُحرَّم؟ وكيف يُقال: إن النبي ﷺ أمر أصحابه بِنُسُكٍ يُخالِفُ نُسُك المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه، أفضلَ مِن الذي أمرهم به؟ أو يقال: مَنْ حجَّ كما حج المشركون فلم يتمتع، فحجُّه أفضلُ مِن حجِّ السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، بأمرِ رسول الله ﷺ.

الخامس: أنه قد ثبت في الصحيحين عنه، أنه قال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْم القِيامَة". وقيل له: عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا، أم لِلأبَدِ؟ فَقَالَ: "لا، بَلْ لأَبدِ الأَبَدِ، دَخَلَت العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْم القِيامَة".

وكان سؤالهم عن عُمْرة الفسخ، كما جاء صريحًا في حديث جابر الطويل. قال: حتى إذا كان آخرُ طوافه عَلَى المروَةِ، قال: "لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُق الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً، فمَنْ كَانَ مِنْكُم لَيْسَ مَعَهُ هَدْي، فَلْيُحِلَّ، وَلْيَجْعَلْها عُمْرَةً"، فقامَ سُراقة بنُ مالك فقال: يا رسول الله؛ ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فشبَّكَ رسولُ الله ﷺ أصابِعَه واحِدَةً في الأخرى، وقال: "دَخَلَتِ العُمْرَة في الحَجِّ مَرَّتيْن، لا بَلْ لأَبَدِ الأَبَد".

وفي لفظ: قَدِمَ رسولُ ﷺ صبح رابِعةٍ مَضَتْ مِن ذي الحِجة، فأمرنا أن نحلَّ، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفةَ إلا خَمْسٌ أَمَرَنَا أنْ نُفْضِيَ إلى نِسَائِنا، فَنَأْتيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا المَنِيَّ. فذكر الحديثَ. وفيه: فقال سُراقة بنُ مالك: لِعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: "لأبد".

وفي صحيح البخاري عنه: أن سُراقة قال للنبي ﷺ: ألَكُمْ خَاصَةً هَذِهِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "بل لِلأَبَدِ" فبيَّن رسولُ الله ﷺ، أن تلك العُمرة التي فسخ مَن فسخ منهم حجّه إليها لِلأبد، وأن العُمرة دخلت في الحجِّ إلى يومِ القيامة. وهذا يُبيِّن أن عمرة التمتع بعضُ الحج.

وقد اعترض بعضُ الناس على الاستدلال بقوله: "بَلْ لأبَدِ الأَبَدِ" باعتراضين، أحدهما: أن المراد، أن سقوطَ الفرض بها لا يختصُّ بذلك العام، بل يُسقِطُه إلى الأبد، وهذا الاعتراضُ باطل، فإنه لو أراد ذلك لم يَقُلْ: للأبد، فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معيَّنة، بل إنما يكون لجميع المسلمين، ولأنه قال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلَى يَوْم القِيَامَةِ"، ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤالَ عن تكرار الوجوب، لما اقتصروا على العُمرة، بل كان السؤالُ عن الحج، ولأنهم قالوا له: "عُمرتنا هذه لِعامِنَا هَذَا، أم لِلأَبَدِ"؟ ولو أرادوا تكرار وجوبها كُلَّ عام، لقالُوا له، كما قالوا له في الحج: أكلَّ عام يا رسولَ اللهِ؟ ولأجابهم بما أجابهم به في الحجِّ بقوله: "ذَرُونى مَا تَرَكْتُكُم، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ". ولأنهم قالوا له: هذه لكم خاصة. فقال: "بَلْ لأَبَدِ الأبَد". فهذا السؤال والجواب، صريحان في عدم الاختصاص.

الثاني: قوله: إن ذلك إنما يُريد به جوازَ الاعتمار في أشهرِ الحجِّ، وهذا الاعتراضُ أبطلُ مِن الذي قبله، فإن السائلَ إنما سأل النبي ﷺ فيه عن المُتعة التي هي فَسخُ الحجِّ، لا عن جواز العُمرة في أشهرِ الحجِّ، لأنه إنما سأله عَقِبَ أمره مَن لا هَدْيَ معه بفسخ الحجِّ، فقال له سراقةُ حينئذ: هذا لِعامِنَا، أم للأبد؟ فأجابه ﷺ عن نفس ما سأله عنه، لا عمَّا لم يسأله عنه. وفي قوله: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"، عقب أمره مَن لا هَدْي معه بالإحلال، بيانٌ جليٌ أن ذلك مستمِر إلى يومِ القِيامَة، فبطل دعوى الخُصوص. وبالله التوفيق.

السادس: أن هذه العِلَّة التي ذكرتموها، ليست في الحديثِ، ولا فيه إشارةٌ إليها، فإن كانت باطلةً، بطل اعتراضُكم بها، وإنْ كانت صحيحةً، فإنها لا تلزم الاختصاص بالصحابة بوجه مِن الوجوه، بل إن صحَّتْ اقتضت دوامَ معلولها واستمراره، كما أن الرَّمَلَ شُرِعَ لِيُرِيَ المشركينَ قوَّتَه وقوَّةَ أصحابه، واستمرت مشروعيتُه إلى يوم القيامة، فبطل الاحتجاجُ بتلك العِلَّة على الاختصاص بهم على كل تقدير.

السابع: أنَّ الصحابَةَ رضي الله عنهم، إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العُمرة في أشهر الحجِّ على فعلهم لها معه ثلاثةَ أعوام، ولا بإذنه لهم فيها عند الميقات حتى أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العُمرة، فَمَنْ بعدهم أحرى أن لا يَكْتَفيَ بذلك حتى يَفْسَخَ الحجَّ إلى العُمرة، اتِّباعًا لأمر النبي ﷺ، واقتداءً بأصحابه، إلا أن يقولَ قائل: إنَّا نحن نكتفى من ذلك بدون ما اكتفى به الصحابَة، ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه، وهذا جهلٌ نعوذُ بالله منه.

الثامن: أنه لا يُظَنُّ برسول الله ﷺ، أن يأمر أصحابَه بالفسخ الذي هو حرام، لِيعلِّمهم بذلك مباحًا يُمكن تعليمُه بغير ارتكاب هذا المحظور، وبأسهل منه بيانًا، وأوضح دلالةً، وأقل كلفةً.

فإن قيل: لم يكن الفسخ حين أمرهم به حرامًا. قيل: فهو إذًا إما واجب أو مستحَب. وقد قال بكل واحد منهما طائفة، فمَن الذي حرَّمه بعد إيجابه أو استحبابه، وأيُّ نص أو إجماع رفع هذا الوجوبَ أو الاستحبابَ، فهذه مطالبة لا محيص عنها.

التاسع: أنه ﷺ قال: "لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً"، أفترى تجدَّد له ﷺ عند ذلك العلم بجواز العمرة في أشهر الحج، حتى تأسَّف على فواتها؟ هذا من أعظم المحال.

العاشر: أنه أمر بالفسخ إلى العُمرة، مَن كان أفرد، ومَنْ قرن، ولم يَسُقِ الهَدْي. ومعلوم: أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته، فكيف يأمره بفسخِ قِرانه إلى عُمرة ليبيِّن له جواز العُمرة في أشهر الحج، وقد أتى بها، وضم إليها الحج؟

الحادي عشر: أن فسخ الحجِّ إلى العُمرة، موافق لقياس الأصول، لا مخالف له. ولو لم يرد به النصُّ، لكان القياسُ يقتضى جوازه، فجاء النصُّ به على وفق القياس، قاله شيخ الإسلام، وقرره بأن المحرِم إذا التزم أكثرَ مما كان لزمه، جاز باتفاق الأئمة. فلو أحرم بالعُمرة، ثم أدخل عليها الحج، جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحجِّ، ثم أدخل عليه العُمرة، لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو حنيفة يُجوِّز ذلك، بناءً على أصله في أن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين. قال: وهذا قياس الرواية المحكيَّةِ عن أحمد في القارن: أنه يطوفُ طوافين، ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك، فالمحرِمُ بالحج لم يلتزم إلا الحج. فإذا صار متمتعًا، صار ملتزمًا لعُمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكثرَ مما كان عليه، فجازَ ذلك. ولما كان أفضلَ، كان مستحبًا، وإنما أشكل هذا على مَن ظنَّ أنه فسخ حجًا إلى عُمرة، وليس كذلك، فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عُمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخُ جائز لمن كان مِن نِيَّته أن يحج بعد العُمرة، والمتمتع من حين يحرم بالعُمرة فهو داخل في الحج، كما قال النبي ﷺ: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَة". ولهذا، يجوز له أن يصومَ الأيامَ الثلاثةَ مِن حين يُحرِمُ بالعُمرة، فدل على أنه في تلك الحال في الحج.

وأما إحرامُه بالحج بعد ذلك، فكما يبدأ الجُنبُ بالوضوء، ثم يغتسِلُ بعده. وكذلك كان النبي ﷺ يفعل، إذا اغتسل من الجنابة. وقال لِلنسوة في غسل ابنته: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، ومَوَاضِع الوُضُوءِ مِنْهَا ". فغسل مواضع الوضوء بعض الغسل.

فإن قيل: هذا باطل لثلاثة أوجه. أحدها: أنه إذا فسخ، استفاد بالفسخ حِلًا كان ممنوعًا منه بإحرامه الأول، فهو دون ما التزمه.

الثاني: أن النُّسُكَ الذي كان قد التزمه أولًا، أكملُ مِن النُّسُكِ الذي فسخ إليه، ولهذا لا يحتاج الأول إلى جُبران، والذي يُفسخ إليه، يحتاج إلى هَدْي جُبرانًا له، ونُسُكٌ لا جُبران فيه، أفضلُ من نُسُكٍ مجبور.

الثالث: أنه إذا لَم يَجُزْ إدخالُ العُمرة على الحج، فلأن لا يجوزَ إبدالها به وفسخه إليها بطريق الأَوْلى والأحرى.

فالجواب عن هذه الوجوه، من طريقين، مجمل ومفصَّل. أما المجمل: فهو أن هذه الوجوه اعتراضات على مجرد السُّنَّة، والجواب عنها بالتزام تقديم الوحي على الآراء، وأن كل رأى يُخالف السُّنَّة، فهو باطل قطعًا، وبيان بطلانه لمخالفة السُّنَّة الصحيحة الصريحة له، والآراء تبع للسُّنَّة، وليست السُّنَّة تبعًا للآراء.

وأما المفصَّل: وهو الذي نحن بصدده، فإنَّا التزمنا أن الفسخَ على وفق القياس، فلا بد من الوفاء بهذا الالتزام، وعلى هذا فالوجه الأول جوابه: بأن التمتع وإن تَخلَّله التحلل فهو أفضل من الإفراد الذي لا حِلَّ فيه، لأمر النبي ﷺ مَن لا هَدْي معه بالإحرام به، ولأمره أصحابه بفسخ الحجِّ إليه، ولتمنِّيه أنه كان أحرم به، ولأنه النُّسكُ المنصوصُ عليه، في كتاب الله، ولأن الأُمَّة أجمعت على جوازه، بل على استحبابه، واختلفُوا في غيره على قولين، فإن النبي ﷺ، غَضِبَ حين أمرهم بالفسخ إليه بعدَ الإحرام بالحجِّ، فتوقَّفوا، ولأنه من المُحال قطعًا أن تكون حَجَّة قطُّ أفضلَ من حَجَّة خيرِ القرون، وأفضل العالمين مع نبيِّهم ﷺ، وقد أمرهم كُلَّهم بأن يجعلوها متعة إلا مَنْ ساق الهَدْي، فمن المحال أن يكون غيرُ هذا الحج أفضلَ منه، إلا حَجَّ من قرن وساق الهَدْي، كما اختاره اللهُ سبحانه لنبيِّه، فهذا هو الذي اختاره الله لنبيِّه، واختار لأصحابه التمتعَ، فأيُّ حجٍّ أفضلُ من هذين. ولأنه من المحال أن ينقُلَهم من النُّسُكِ الفاضِل إلى المفضول المرجوحِ، ولوجوه أُخَر كثيرة ليس هذا موضِعَها، فرجحان هذا النُّسُكِ أفضلُ من البقاء على الإحرام الذي يفوته بالفسخ، وقد تبين بهذا بطلانُ الوجه الثاني.

وأما قولُكم: إنه نُسُك مجبور بالهَدْي، فكلام باطل من وجوه.

أحدها: أن الهَدْيَ في التمتع عبادة مقصودة، وهو مِن تمام النُسُك، وهو دم شُكران لا دم جُبران، وهو بمنزلة الأُضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنُّسُكُ المشتمِل على الدم، بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، فإنه ما تُقُرِّبَ إلى الله في ذلك اليوم، بمثل إراقة دم سائل.

وقد روى الترمذي وغيره، من حديث أبي بكر الصِّدِّيق، أن النبي ﷺ سُئِل: أي الحجِّ أَفْضَلُ؟ فقال: "العَجُّ والثَّجُّ". والعجُّ رفعُ الصوت بالتلبية، والثَّجُّ: إراقةُ دم الهَدْي. فإن قيل: يُمكِنُ المفردُ أن يُحصِّلَ هذه الفضيلة. قيل: مشروعيتها إنما جاءت في حق القارِن والمتمتِّع، وعلى تقدير استحبابها في حقه، فأين ثوابُها من ثواب هَدْي المتمتع والقارن؟

الوجه الثاني: أنه لو كان دمَ جُبران، لما جاز الأكلُ منه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أكلَ مِن هَدْيه، فإنه أَمَرَ مِن كل بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرِ، فأكلَ مِن لحمها، وشَرِبَ مِن مَرَقِهَا، وإن كان الواجبُ عليه سُبْعَ بدنة، فإنَّه أكَلَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةِ مِنَ المِائة، والواجبُ فيها مُشاعٌ لم يتعيَّن بقسمة، وأيضًا: فإنه قد ثبت في الصحيحين: أنه أطعَم نِسَاءَه مِنَ الهَدْي الذي ذَبحَهُ عَنْهُنَّ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، احتج به الإمام أحمد، فثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أنَّه أهدى عَنْ نسائه، ثم أرْسَلَ إليهنَّ مِن الهَدْي الذي ذَبَحَهُ عَنْهُنَّ، وأيضًا: فإن سبحانه وتعالى قال فيما يُذبح بمِنَى مِنَ الهَدِي: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ } [19]، وهذا يتناولُ هَدْيَ التمتع والقِران قطعًا إن لم يختصَّ به، فإن المشروعَ هناك ذبحُ هَدْي المُتعة والقِران. ومن هاهنا واللهُ أعلمُ أمر النبي ﷺ، من كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فُجعِلَتْ في قِدر امتثالًا لأمر ربه بالأكل لِيَعُمَّ به جميع هَدْيه.

الوجه الثالث: أن سبب الجُبران محظورٌ في الأصل، فلا يجوز الإقدامُ عليه إلا لعذر، فإنه إما تركُ واجب، أو فعلُ محظور، والتمتُع مأمور به، إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره، أو أمر استحباب عند الأكثرين، فلو كان دَمُهُ دَمَ جُبران. لم يَجُزِ الإقدامُ على سببه بغير عذر، فبطل قولُهم: إنه دمجُبران، وعُلِم أنه دم نُسُك، وهذا وسَّعَ الله به على عباده، وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء الإحرام لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقة، فهو بمنزلة القصر والفِطر في السفر، وبمنزلة المسح على الخُفَّين، وكان من هَدْي النبي ﷺ وهَدْي أصحابه فعلُ هذا وهذا، "واللهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ، كَما يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُهُ" فمحبتُه لأخذ العبد بما يَسَّرَه عليه وسهَّله له، مثلُ كراهته منه لارتكاب ما حرَّمه عليه ومنعه منه، والهَدْيُ وإن كان بدلًا عن ترفُّهه بسقُوط أحد السفرين، فهو أفضلُ لمن قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحجٍّ مفرد ويعتمِر عقيبه، والبدل قد يكون واجبًا كالجمعة عند مَن جعلها بدلًا، وكالتيمم للعاجز عن استعمال الماء، فإنه واجب عليه وهو بدل، فإذا كان البدلُ قد يكون واجبًا، فكونه مستحَبًا أولى بالجواز، وتخلل التحلُّلِ لا يمنع أن يكون الجميعُ عبادة واحدة كطواف الإفاضة، فإنه ركن بالاتفاق، ولا يُفعل إلا بعد التحلُّل الأول، وكذلك رميُ الجمار أيام مِنَى، وهو يُفعل بعد الحِلِّ التام، وصومُ رمضان يتخلَّله الفطرُ في لياليه، ولا يمنع ذلك أن يكون عبادةً واحدة، ولهذا قال مالك وغيره: إنه يجزئ بِنِيَّة واحدة للشهر كله، لأنه عبادة واحدة. والله أعلم.

فصل

وأما قولُكم: إذا لم يجز إدخالُ العُمرة على الحجِّ، فلأن لا يجوزَ فسخُه إليها أولى وأحرى، فنسمع جَعَجَعَةً ولا نرى طِحنًا. وما وجهُ التلازُم بين الأمرين، وما الدليلُ على هذه الدعوى التي ليس بأيديكم برهانٌ عليها؟ ثم القائلُ بهذا إن كان مِن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، فهو غيرُ معترف بفساد هذا القياس. وإن كان من غيرهم، طولب بصحة قياسه فلا يجد إليه سبيلًا، ثم يُقال: مُدْخِلُ العُمرة قد نقص مما كان التزمه، فإنه كان يطوفُ طوافًا للحجِّ، ثم طوافًا آخر للعمرة. فإذا قرن، كفاه طوافٌ واحد وسعيٌ واحد بالسُّنَّة الصحيحة، وهو قول الجمهور، وقد نقص مما كان يلتزمه. وأما الفاسخ، فإنه لم ينقُضْ مما التزمه، بل نقل نُسُكه إلى ما هو أكملُ منه، وأفضلُ، وأكثر واجبات، فبطل القياسُ على كل تقدير، وللّه الحمد.

فصل

عُدنا إلى سِياق حَجَّته ﷺ.

ثمَّ نهض ﷺ إلى أن نزل بذي طُوى وهى المعروفة الآن بآبار الزاهر، فبات بها ليلةَ الأحد لأربع خَلَوْنَ من ذي الحِجة، وصلَّى بها الصُّبح، ثم اغتسلَ مِنْ يومه، ونهض إلِي مكة، فدخلها نهارًا مِن أعلاها مِن الثنيَّة العُليا التي تُشْرِفُ على الحَجُونِ، وكان في العُمرة يدخل من أسفلها، وفى الحج دخل من أعلاها، وخرج مِن أسفلها، ثم سار حتى دخلَ المسجد وذلك ضحىً.

وذكر الطبراني، أنه دخلَه من بابِ بنى عبد مناف الذي يُسمِّيه الناسُ اليومَ بابَ بنى شيبة.

وذكر الإمام أحمد: أنه كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى، استقبل البيت فدعا.

وذكر الطبراني: أنه كان إذا نظر إلى البيت، قال: "اللهُمَّ زدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْريفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْريمًا وَمَهَابَةً". وروى عنه، أنه كان عند رؤيته يرفعُ يديه، ويُكبِّر ويقُول: "اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومِنْكَ السَّلامُ حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلام، اللهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَكْريمًا وتَشْريفًا وتَعْظيمًا وبِرًّا" وهو مرسل، ولكن سمع هذا سعيدُ بن المسِّيب من عُمَرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه يقوله.

فلما دخل المسجد، عَمَدَ إلى البيت ولم يركع تحيةَ المسجد، فإنَّ تحيةَ المسجدِ الحرام الطَّوافُ، فلما حاذى الحجَر الأسود، استلمه ولم يُزاحِمْ عليه، ولم يتقدّم عنه إلى جهة الرُّكن اليماني، ولم يرفع يديه، ولَم يَقُلْ: نويتُ بطوافى هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتَّكْبير كما يفعله مَن لا علم عنده، بل هو مِن البِدَع المُنكرات، ولا حاذى الحَجَرَ الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجَعله على شِقه، بل استقبلَه واستلمه، ثم أخذ عن يمينه، وجعل البيتَ عن يساره، ولم يدعُ عند الباب بدُعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عِند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقَّتَ لِلطَّوَافِ ذِكرًا معينًا، لا بفعله، ولا بتعليمِه، بل حُفِظَ عنه بين الركنين: { رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّار } [20] ورمَل في طوافه هَذَا الثلاثة الأشواط الأول، وكان يُسرع في مشيه، ويُقارِبُ بين خُطاه، واضطبع بردائه فجعل طرفيه على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود، أشار إليه أو استلمه بمحجنه، وقبّل المحجن، والمحجنُ عصا محنيَّة الرأس. وثبت عنه، أنه استلم الركن اليماني. ولم يثبتْ عنه أنه قبَّله، ولا قبَّل يده عند استلامه، وقد روى الدارقطني، عن ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يُقبِّلُ الركن اليماني، ويضع خده عليه"، وفيه عبد الله بن مسلم بن هُرمز، قال الإمام أحمد: صالحُ الحديثِ، وضعَّفه غيره. ولكن المرادَ بالرُّكن اليماني ههنا، الحجرُ الأسود، فإنه يُسمَّى الركنَ اليماني ويُقالُ له مع الركن الآخر: اليمانيان، ويقال له مع الركن الذي يلى الحِجر من ناحية الباب: العراقيان، ويقال للرُّكنين اللذين يليان الحِجر: الشاميان. ويقال للركن اليماني، والذي يلى الحِجر مِن ظهر الكعبة: الغربيان، ولكن ثبت عنه، أنه قبَّل الحجر الأسود. وثبت عنه، أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم قبَّلها، وثبت عنه، أنه استلمه بمحجن، فهذه ثلاث صفات، وروي عنه أيضًا، أنه وضع شفتيه عليه طويلًا يبكي.

وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد: أنه كان إذا استلم الرُّكن اليماني، قال: "بسْم الله والله أكْبَر".

وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: "اللهُ أكبَر".

وذكر أبو داود الطيالسي، وأبو عاصم النبيل، عن جعفَر بن عبد الله بن عثمان قال: "رأيتُ محمد بن عباد بن جعفر قَبَّلَ الحَجَرَ وسَجَدَ عليه، ثُمَّ قال: رأيتُ ابنَ عباس يُقبِّلُه ويسجُد عليه، وقال ابن عبَّاس: رأيتُ عمر بن الخطاب قبَّلَه وسجَدَ عليه. ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فعل هكذا ففعلتُ".

وروى البيهقي عن ابن عباس: "أنه قبَّل الرُكن اليماني، ثم سَجَدَ عليه، ثم قبَّله، ثم سَجَدَ عليه ثلاثَ مرات".

وذكر أيضًا عنه، قال: "رأيتُ النبي ﷺ سجد على الحَجَر".

ولم يستلِمْ ﷺ ولم يَمَسَّ مِن الأركان إلا اليمانيين فقط. قال الشافعي رحمه الله: ولم يَدَعْ أحدٌ استلامَهما هِجرة لبيتِ الله، ولكن اسْتَلَم ما استَلَمَ رسولُ الله ﷺ، وأَمْسَكَ عَمَّا أَمْسَكَ عَنْهُ.

فصل

فلما فرغ مِن طوافه، جاء إلى خلفِ المقام، فقرأ: { وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلى } [21]، فصلَّى ركعتين، والمَقَامُ بينه وبينَ البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتى الإخلاص وقراءته الآية المذكورة بيانٌ منه لتفسير القرآن، ومراد الله منه بفعله ﷺ، فلما فرغ من صَلاته، أقبل إلى الحجر الأسودِ، فاستلمه.

ثم خرج إلى الصَّفا مِن الباب الذي يقابله، فلما قَرُب منه. قرأ: " { إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ الله } [22] أبدأ بما بدأ الله به"، وفى رواية النسائي: "ابدؤوا"، بصيغة الأمر. ثم رَقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبلَ القِبلة، فوحَّدَ الله وكبَّره، وقال. "لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَريكَ لَه، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شئٍ قدير، لا إله إلَّا اللهُ وحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وحْدَه". ثم دعا بين ذلك، وقال مِثلَ هذا ثلاثَ مرات.

وقام ابنُ مسعود على الصَّدْع، وهو الشِّقُّ الذي في الصَّفا. فقيل له: "هاهنا يا أبَا عبد الرحمن؟ قال: هَذَا والذي لا إلَه غَيْرُه مَقَامُ الذي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورةُ البقرة" ذكره البيهقي.

ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبَّت قدماه في بطن الوادي، سعى حتَّى إذا جاوز الوادي وأَصْعَد، مشى. هذا الذي صحَّ عنه، وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين في أول المسعى وآخره. والظاهر: أن الوادي لم يتغير عن وضعه، هكذا قال جابر عنه في صحيح مسلم. وظاهر هذا: أنه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في صحيحه عن أبى الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقولُ: طافَ النبي ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع على رَاحِلَتِه بالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ لِيَراهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ ولِيَسْألُوه فَإن النَّاسَ قد غشوْه، وروى مسلم عن أبى الزبير عن جابر: "لم يطف رسول الله ﷺ، ولا أصحابُه بين الصَّفَا والمروة إلا طَوَافًا واحِدًا طوافه الأول".

قال ابنُ حزم: لا تعارُض بينهما، لأن الراكب إذا انصبَّ به بعيرُه، فقد انصبَّ كُلُّه، وانصبَّتْ قدماه أيضًا مع سائر جسده.

وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسنُ مِن هذا، وهو أنه سَعَى ماشيًا أولًا، ثم أتمَّ سعيَه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي صحيح "مسلم": عن أبى الطُّفيل، قال: "قلت لابن عباس: أخبرني عن الطَّوافِ بين الصَّفَا والمروةِ راكبًا، أسُّنَّة هو؟ فإن قومَك يزعمُون أنه سُّنة. قال: صدقُوا وكذبُوا قال: قُلْتُ: ما قَوْلُك صَدقُوا وكذبُوا؟ قال: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْه النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَى خَرَجَ العَوَاتِقُ مِنَ البُيُوتِ. قال: وكانَ رسولُ الله ﷺ لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَما كَثُرَ عَلَيْهِ، رَكِبَ، والمشي والسَّعى أفضلُ".

فصل

وأما طوافُه بالبيت عند قدومه، فاختُلِفَ فيه، هل كان على قدميه، أو كان راكبًا؟ ففي صحيح مسلم: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "طافَ النبي ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع حَوْلَ الكعبة على بعيره يستلِمُ الرُّكْنَ كراهية أن يُضْرَبَ عنْه الناسُ".

وفي سنن أبي داود: عن ابن عباس، قال: "قَدِمَ النبي ﷺ مكة وهو يَشْتَكِي، فَطافَ على راحلِته، كلَّمَا أتى على الرُّكْنِ، استلمه بمِحْجَنٍ، فلما فَرَغَ مِن طوافه، أناخ، فصلَّى ركعتين. قال أبو الطفيل: رأيتُ النبي ﷺ يطوفُ حولَ البيتِ على بعيره، يَسْتَلِمُ الحجر بمِحْجنِه، ثم يقبِّله". رواه مسلم دون ذِكر البعير. وهو عند البيهقي، بإسناد مسلم بِذِكْرِ البَعيرِ. وهذا واللهُ أعلم في طواف الإفاضة، لا في طوافِ القُدوم، فإن جابرًا حكى عنه الرملَ في الثلاثة الأُوَل، وذلك لا يكون إلا مع المشي.

قال الشافعي رحمه الله: أما سُبعه الذي طافه لمقدَمِه، فعلى قدميه، لأن جابرًا حكى عنه فيه، أنه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، فلا يجوز أن يكون جابرٌ يحكى عنه الطواف ماشيًا وراكبًا في سُبعٍ واحد. وقد حفظ أن سُبعه الذي ركب فيه في طوافه يومَ النحر، ثم ذكر الشافعي: عن ابن عُيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ أمَرَ أصحابَه أن يُهَجِّروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا على راحلته يستلم الرُّكن بِمحْجَنِهِ، أحسِبه قال: فيقبِّل طرف المحجن.

قلت: هذا مع أنه مرسل، فهو خلاف ما رواه جابر عنه في الصحيح أنه طاف طوافَ الإفاضة يوم النحر نهارًا، وكذلك روت عائشة وابنُ عمر، كما سيأتي وقول ابن عباس: إن النبي ﷺ قدم مكة وهو يشتكى، فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلمه. هذا إن كان محفوظًا، فهو في إحدى عُمَره، وإلا فقد صح عنه الرمل في الثلاثة الأُوَل من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعى: إنه رمل على بعيره، فإن مَن رمل على بعيره، فقد رمل، لكن ليس في شئ من الأحاديثِ أنه كان راكبًا في طواف القدوم. والله أعلم.

فصل

وقال ابن حزم: وطاف ﷺ بين الصفا والمروة أيضًا سبعًا، راكبًا على بعيره يَخُبُّ ثلاثًا، ويمشى أربعًا، وهذا مِن أوهامه وغلطه رحمه الله، فإن أحدًا لم يقُلْ هذا قطُّ غيره، ولا رواه أحد عن النبي ﷺ البتة. وهذا إنما هو في الطواف بالبيت، فغلِط أبو محمد، ونقله إلى الطواف بين الصفا والمروة. وأعجبُ من ذلك، استدلالُه عليه بما رواه من طريق البخاري، عن ابن عمر، "أن النبي ﷺ طافَ حينَ قَدِم مكة، واستلم الركنَ أوَّل شئ، ثم خَبَّ ثلاثةَ أطواف، ومشى أربعًا، فركع حين قَضَى طوافَه بالبيت، وصلَّى عند المَقَام رَكعتين، ثم سلَّم فانصرف، فأتى الصَّفا، فطاف بالصَّفا والمروةِ سبعة أشواط، " وذكر باقى الحديث. قال: ولم نجد عدد الرَّمَل بين الصَّفا والمروة منصوصًا، ولكنه متفق عليه. هذا لفظه.

قلت: المتفقُ عليه: السعيُ في بطن الوادي في الأشواط كلِّها. وأما الرَّمَلُ في الثلاثة الأُوَل خاصَّة، فلم يقُله، ولا نقله فيما نعلمُ غيرُه. وسألت شيخنا عنه، فقال: هذا مِن أغلاطه، وهو لم يحجَّ رحمه الله تعالى.

ويشبه هذا الغلطَ، غلطُ مَن قال: إنه سعى أربَع عشرةَ مرة، وكان يحتسِبُ بذهابه ورجوعِه مرة واحدة. وهذا غلط عليه ﷺ، لم ينقله عنه أحد، ولا قاله أحدٌ من الأئمة الذين اشتهرت أقوالُهم، وإن ذهب إليه بعضُ المتأخرين من المنتسبين إلى الأئمة. ومما يبين بُطلان هذا القول، أنه ﷺ لا خلاف عنه، أنه ختم سعيه بالمروة، ولو كان الذهابُ والرجوعُ مرة واحدة، لكان ختمُه إنما يقع على الصَّفا.

وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة، رَقِيَ عليها، واستقبل البيتَ، وكبَّر اللهَ ووحَّده، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلما أكمل سعيه عند المروة، أمرَ كُلَّ مَن لا هَدْي معه أن يَحِلَّ حتمًا ولا بُدَّ، قارنًا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يَحِلُّوا الحِلَّ كُلَّهُ مِن وَطْءِ النِّساء، والطِّيب، ولُبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التَّرْوِيَةِ، ولم يَحِلَّ هو مِن أجلِ هَدْيه. وهناك قال: "لو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرى ما اسْتَدْبَرْتُ لما سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَجعَلْتُها عُمْرَةً".

وقد روي أنه أحلَّ هو أيضًا، وهو غلط قطعًا، قد بينَّاه فيما تقدم.

وهُناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصِّرين مرة. وهناك سأله سراقةُ بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لِعامِهم خاصة، أم للأبد؟ فقال: "بَلْ لِلأبد". ولم يَحِلَّ أبو بكر، ولا عُمر، ولا عليٌّ، ولا طلحةُ، ولا الزبيرُ من أجل الهَدْي.

وأما نساؤه ﷺ، فأحللن، وكُنَّ قارنات، إلا عائشة فإنها لم تَحِلَّ من أجل تعذُّرِ الحل عليها لحيضها، وفاطمة حلَّت، لأنها لم يكن معها هَدْي، وعلي رضي الله عنه لم يَحِلَّ مِن أجل هَدْيه، وأمر ﷺ مَن أهل بإهلالِ كإهلاله أن يُقيم على إحرامه إن كان معه هَدْي، وأن يَحِلَّ إن لم يكن معه هَدْي.

وكان يُصلِّي مدة مُقَامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازِل فيه بالمسلمين بظَاهِر مكَّة، فأقام بظاهر مكة أربعةَ أيَّام يَقْصُرُ الصَّلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فلما كان يومُ الخميس ضُحىً، توجَّه بمن معه مِن المسلمين إلى مِنَى، فأحرم بالحجِّ مَنْ كان أحلَّ منهم مِن رحالهم، ولم يدخُلُوا إلى المسجد، فأحرمُوا منه، بل أحرمُوا ومكةُ خلفَ ظهورهم، فلما وصل إلى مِنَى، نزل بها، وصلَّى بها الظهرَ والعصرَ، وبات بها، وكان ليلةَ الجمعة، فلما طلعتِ الشمسُ، سار منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضبٍّ على يمين طريق النَّاس اليوم، وكان مِن أصحابه الملبِّي، ومنهم المُكبِّرُ، وهو يسمَعُ ذلك ولا يُنْكِرُ على هؤلاء ولا على هؤلاء، فوجد القُبَّة قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَة بأمره، وهي قرية شرقى عرفات، وهي خرابٌ اليوم، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمسُ، أمر بناقته القَصواء فَرُحِلتْ، ثم سار حتى أتى بَطن الوادي من أرض عُرَنَةَ.

فخطب النَّاسَ وهو على راحِلته خُطبة عظيمة قرَّرَ فيها قواعِد الإسلام، وهَدَمَ فيها قواعِدَ الشِّرْكِ والجاهلية، وقرَّر فيها تحريمَ المحرَّمات التي اتفقت المِللُ على تحريمها، وهي الدِّماءُ، والأموالُ، والأعراض، ووضع فيها أُمورَ الجاهلية تحتَ قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كُلَّه وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وذكر الحقَّ الذي لهن والذي عليهن، وأن الواجبَ لهن الرزقُ والكِسوةُ بالمعروف، ولم يُقدِّر ذلك بتقدير، وأباح للأزواج ضربَهن إذا أَدْخَلْن إلى بيوتهن مَنْ يكرهه أزواجُهن، وأوصى الأُمَّة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يَضِلِّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه، واستنطقهم: بماذا يقولُون، وبماذا يشهدون، فقالوا: نشهد أنك قد بَلَّغَت وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فرفع أُصبعه إلى السماء، واستشهد اللهَ عليهم ثلاثَ مرات، وأمرهم أن يُبَلِّغ شاهدُهم غائبَهم.

قال ابن حزم: وأرسلت إليه أمُّ الفضل بنت الحارث الهِلالية وهي أمُّ عبد الله بن عباس، بقدح لبن، فشربه أمامَ النَّاس وهو على بعيره فلما أتم الخُطبة، أمر بلالًا فأقام الصلاة، وهذا من وهمه رحمه الله، فإن قِصة شربه اللبن، إنما كانت بعد هذا حين سار إلى عرفة ووقف بها، هكذا جاء في الصحيحين مصرَّحًا به عن ميمونة: "أن الناسَ شَكُّوا في صِيام النبي ﷺ يومَ عرفة، فأرسلت إليه بحِلاب وهو واقِف في الموقف، فشرِب منه والناسُ ينظرون". وفي لفظ: "وهو واقف بعرفة".

وموضعُ خُطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب بِعُرَنَة، وليست من الموقف، وهو ﷺ نزَل بِنَمِرَةَ، وخطب بِعُرَنَة، ووقف بِعَرفَة، وخطب خُطبة واحدة، ولم تكن خطبتين، جلس بينهما، فلما أتمها، أمَرَ بلالًا فأذَّن، ثم أقام الصلاة، فصلَّى الظهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يومَ الجمعة، فدل على أن المسافِر لا يُصلِّي جمعة، ثم أقام فصلَّى العصر ركعتين أيضًا ومعه أهل مكة، وصلُّوْا بصَلاتِه قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع، ومَن قال: إنه قال لهم: "أتِمُّوا صَلاتَكُم فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ"، فقد غلط فيه غلطًا بيِّنًا، ووهم وهما قبيحًا. وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين.

ولهذا كان أصحَّ أقوالِ العلماء: أن أهل مَكّة يَقْصُرُون ويجمعون بعرفة، كما فعلُوا مع النبي ﷺ، وفى هذا أوضحُ دليل، على أن سفر القصر لا يتحدَّدُ بمسافةٍ معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنُّسُكِ في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثيرُ لما جعله الله سببًا وهو السفرُ، هذا مقتضى السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون.

فلما فرغ من صلاته، ركب حتى أتى الموقفَ، فوقف في ذيل الجبل عند الصَّخَراتِ، واستقبل القِبْلة، وجعل حَبْلَ المُشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذَ في الدُّعاء والتضرُّع والابتهال إلى غروب الشمس، وأمر النَّاس أن يرفعُوا عن بطن عُرَنَةَ، وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك، بل قال: "وقَفْتُ هاهنا وعَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ".

وأرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها مِن إرث أبيهم إبراهيم وهنالك أقبل ناسٌ من أهل نَجْدٍ، فسألوه عن الحجِّ، فقال: "الحَجُّ عَرَفَةُ، مَن جَاء قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، تَمَّ حَجُّهُ، أيَّامُ مِنَى ثَلاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، فلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عليه".

وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أنَّ خَيْرَ الدُّعَاء دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ.

وذكر من دعائه ﷺ في الموقف: "اللهُمَ لَكَ الحَمْدُ كالذي نَقُولُ، وخَيْرًا مِمَّا نقُولُ، اللهُمَّ لَكَ صلاتي وَنسكي، ومحياي، ومماتي، وَإليكَ مآبي، ولَكَ ربِّي تُراثي، اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمْرِ، اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تِجِئ به الرِّيحُ" ذكره الترمذي.

ومما ذُكِرَ مِن دُعائه هناك: "اللهُمَّ تَسْمَعُ كَلامى، وتَرَى مَكَانى، وتَعْلَمُ سرِّي وعَلانيتى، لا يخفى علَيْكَ شَئٌ مِنْ أَمْرى، أَنا البَائسُ الفَقيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجيرُ، وَالوَجلُ المُشفِقُ، المقِرُّ المعترِفُ بِذُنُوبى، أَسْأَلكَ مَسْألةَ المِسْكين، وأبْتَهِلُ إليْكَ ابْتهالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ الضرِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وذلَّ جَسَدُهُ، ورَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللهُمَّ لا تَجْعلنى بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًا، وكُن بي رَؤُوفًا رحيمًا، يا خيْرَ المَسْؤُولين، ويَا خَيْرَ المُعْطِينَ " ذكره الطبراني.

وذكر الإمام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: كان أكثرُ دُعاءِ النبي ﷺ يَوْمَ عَرَفة: " لا إله إلَّا اللهُ وحدَهْ لا شرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحمدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شئ قَدِير".

وذكر البيهقي من حديث علي رضي الله عنه، أنه ﷺ قال: "أَكْثَرُ دُعائى ودُعاءِ الأَنْبيَاء مِنْ قبلي بِعَرَفَةَ: لا إله إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَئ قَدِير، اللهُمَّ اجْعَل في قَلبى نُورًا، وفى صدري نُورًا، وفى سَمْعى نُورًا، وفى بَصَرى نُورًا، اللهُمَّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، ويَسِّرْ لي أَمْرى، وأعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْواسِ الصَّدْرِ، وشَتَات الأمْر، وفِتْنةِ القَبْرِ، اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ في اللَّيْل، وشَرِّ ما يَلِجُ في النَّهارِ، وشَرِّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّياحُ، وشَرِّ بَوائِق الدَّهْر".

وأسانيدُ هذه الأدعية فيها لين.

وهناك أُنزِلَتْ عليه: { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا } [23].

وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرِم فمات، فأمر رسول الله ﷺ أن يُكفَّنَ في ثَوْبَيْهِ، ولا يُمَسَّ بِطِيبٍ، وأن يُغَسَّل بمَاءٍ وَسِدْرٍ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا وَجْهُهُ، وأَخْبَرَ أَنَّ الله تَعَالَى يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّي.

وفي هذه القصة اثنا عشر حُكمًا.

الأول: وجوبُ غسلِ الميت، لأمر رسول الله ﷺ به.

الحكم الثاني: أنه لا يَنْجُسُ بالموت، لأنه لو نجس بالموت لم يَزِدْهُ غسلُه إلا نجاسة، لأن نجاسة الموتِ للحيوان عينية، فإن ساعد المنجِّسون على أنه يَطْهُرُ بالغَسل، بطل أن يكون نَجسًا بالموت، وإن قالوا: لا يطهُرُ، لم يزد الغسلُ أكفانَه وثيابه وغاسله إلا نجاسة.

الحكم الثالث: أنَّ المشروعَ في حقِّ الميت، أن يُغسَّل بماءٍ وسِدْرٍ لا يُقتصر به على الماء وحده، وقد أمر النبي ﷺ بالسدر في ثلاثة مواضع، هذا أحدُها. والثاني: في غسل ابنته بالماءوالسدر. والثالث: في غسل الحائض.

وفي وجوب السِّدرِ في حقِّ الحائِض قولان في مذهب أحمد.

الحكم الرابع: أنَّ تغيَّر الماء بالطاهرات، لا يسلُبُه طهوريَّتَه، كما هو مذهب الجمهور، وهو أنصُّ الروايتين عن أحمد، وإن كان المتأخِّرون من أصحابه على خلافها. ولم يأمر بغسله بعد ذلك بماءٍ قَراح، بل أمر في غَسلِ ابنته أن يجعلْنَ في الغسلة الأخيرة شيئًا من الكافور، ولو سلبه الطَّهورِيَّة، لنهى عنه، وليس القصدُ مجردَ اكتساب المَاء من رائحته حتى يكونَ تغير مجاورة، بل هو تطييب البدنِ وتصليبه وتقويتُه، وهذا إنما يحصُل بكافُور مخالِط لا مجاوِر.

الحكم الخامس: إباحةُ الغسل للمحرم، وقد تناظر في هذا عبدُ اللهِ بنُ عباس، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ، فَفَصَلَ بينهما أبُو أيوب الأنصاري، بأنَّ رسولَ الله ﷺ اغتسلَ وهو مُحْرِمٌ. واتفقوا على أنه يغتسِل من الجنابة، ولكن كره مالك رحمه الله أن يُغَيِّبَ رأسه في الماء، لأنه نوع سِتر له، والصحيحُ أنه لا بأس به، فقد فعله عمرُ بن الخطاب وابنُ عباس.

الحكم السادس: أن المحرم غيرُ ممنوع من الماء والسِّدْرِ. وقد اختُلِفَ في ذلك، فأباحه الشافعي، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، ومنع منه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل، أهدى، وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعل، فعليه صدقة.

وللمانعين ثلاث علل.

إحداها: أنه يقتُل الهَوَامَّ من رأسه، وهو ممنوع من التفلِّي.

الثانية: أنه ترفُّه، وإزالةُ شَعَثٍ يُنافى الإحرام.

الثالثة: أنه يستَلِذُّ رائحتَه، فأشبه الطِّيب، ولا سيما الخطمي.

والعلل الثلاث واهية جدًا، والصواب: جوازه للنص، ولم يُحرِّم اللهُ ورسوله على المحرِم إزالة الشَّعَثِ بالاغتسال، ولا قتل القمل، وليس السِّدْرُ من الطيب في شئ.

الحكم السابع: أن الكفنَ مقدَّم على الميراث، وعلى الدَّيْن، لأن رسولَ الله ﷺ أمر أن يُكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دَيْنٍ عليه، ولو اختلف الحالُ، لسأل.

وكما أن كِسوته في الحياة مقدَّمة على قضاء دَينه، فكذلك بعد الممات، هذا كلامُ الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا يُعَوَّلُ عليه.

الحكم الثامن: جواز الاقتصارِ في الكفن على ثوبين، وهما إزارٌ ورداء، وهذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجوز أقلُّ من ثلاثة أثواب عند القدرة، لأنه لو جاز الاقتصارُ على ثوبين، لم يجز التكفين بالثلاثة لمن له أيتام، والصحيح خلاف قوله، وما ذكرهُ يُنقض بالخشن مع الرفيع.

الحكم التاسع: أن المحرم ممنوعٌ من الطِّيب، لأن النبي ﷺ نهى أن يُمَسَّ طيبًا، مع شهادته له أنه يُبعث ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرِم مِن الطِّيب.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: "لا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّه وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَان".

وأمر الذي أحرم في جُبَّة بعد ما تضمَّخَ بالخَلُوق، أن تُنْزَعَ عَنْهُ الجُبَّةُ، ويُغْسَلَ عَنْهُ أَثَرُ الخَلُوقِ. فعلى هذه الأحاديث الثلاثة مدارُ منع المحرِم من الطيب. وأصرحُها هذه القصة، فإن النهي في الحديثين الأخيرين، إنما هو عن نوع خاصٍّ من الطيب، لا سيما الخَلوقَ، فإن النهي عنه عام في الإحرام وغيره.

وإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يُقرب طيبًا، أو يمس به، تناول ذلك الرأسَ، والبدن، والثياب، وأما شمُّه من غير مسٍّ، فإنما حرَّمه مَن حرَّمه بالقياس، وإلا فلفظُ النهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعَ معلومٌ فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمُه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمه يدعو إلى ملامسته في البدنِ والثياب، كما يحرم النظر إلى الأجنبية، لأنه وسيلة إلى غيره، وما حَرُمَ تحريم الوسائِل، فإنه يُباح للحاجة، أو المصلحة الرَّاجِحة، كما يُباح النظر إلى الأَمَة المُستَامَةِ، والمخطُوبة، ومن شَهِدَ عليها، أو يعاملها، أو يَطُبُّها. وعلى هذا، فإنما يُمنع المحرمُ مِن قصد شمِّ الطيب للترفُّه واللَّذة، فأما إذا وصلت الرائحةُ إلى أَنفه من غير قصد منه، أو شمَّه قصدًا لاستعلامه عند شرائه، لم يُمنع منه، ولم يجب عليه سدُّ أنفه، فالأول: بمنزلة نظر الفجأة، والثاني: بمنزلة نظر المُستام والخاطب، ومما يُوضِّح هذا، أن الذين أباحوا للمحرم استدامَة الطيب قبل الإحرام، منهم مَن صرَّح بإباحة تعمُّد شَمِّه بعد الإحرام، صرَّح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: في "جوامع الفقه" لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم طيبًا تطيَّب به قبل إحرامه، قال صاحب "المفيد": إن الطِّيب يتصلُ به، فيصير تبعًا له ليدفع به أذى التعب بعد إحرامه، فيصير كالسَّحور في حق الصائم يدفعُ به أذى الجوع والعطش في الصوم، بخلاف الثوب، فإنه بائن عنه.

وقد اختلف الفقهاء، هل هو ممنوع من استدامته، كما هو ممنوع من ابتدائه، أو يجوز له استدامتُه؟ على قولين. فمذهب الجمهور: جوازُ استدامته اتباعًا لما ثبت بالسُّنَّة الصحيحة عن النبي ﷺ أنه كان يتطيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثم يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ في مَفَارِقِه بَعْدَ إحْرَامِه. وفي لفظ: "وهو يُلبِّي" وفي لفظ: "بَعْدَ ثَلاثٍ". وكل هذا يدفع التأويل الباطلَ الذي تأوَّله مَن قال: إن ذلك كان قبل الإحرام، فلما اغتسل، ذهب أثره. وفي لفظ: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن يُحرِمَ، تَطيَّبَ بأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثم يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ في رَأْسِهِ وَلِحيَتِهِ بَعْدَ ذلِكَ. وللَّه ما يصنعُ التقليدُ، ونصرة الآراء بأصحابه.

وفي لفظ.

وقال آخرون منهم: إن ذلك كان مختصًا به، ويردُّ هذا أمران، أحدهما: أنَّ دعوى الاختصاص، لا تُسْمَعُ إلا بِدليل.

والثاني: ما رواه أبو داود، عن عائشة، "كنا نخرُجُ مع رسولِ ﷺ إلى مكة، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بالسُّكِّ المُطَيَّبِ عِنْدَ الإحْرَامِ، فَإذَا عَرِقَتْ إحدَانَا، سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النبي ﷺ فَلا يَنْهَانَا".

الحكم العاشر: أن المُحرِم ممنوع مِن تغطية رأسه، والمراتبُ فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق، وجائزٌ بالاتفاق، ومختلَف فيه، فالأول: كلُّ متصل ملامس يُرادُ لستر الرأس، كالعِمَامَةِ، والقُبَّعَةِ، والطَّاقيةِ، والخُوذَةِ، وغيرها.

والثاني: كالخيمة، والبَيْتِ، والشَّجَرةِ، ونحوها، وقد صحَّ عنِ النبي ﷺ، أنه ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ وهُوَ مُحْرِمٌ، إلا أن مالكًا منع المحرِم أن يضَعَ ثوبَه على شجرة لِيستَظِلَّ به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابُهُ المحرِم أن يَمْشِيَ في ظِلِّ المَحْمِلِ.

والثالث: كالمَحْمِل، والمَحَارَةِ، والهَوْدَجِ، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قولُ الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، والثاني: المنع. فإن فعل، افتدى، وهو مذهبُ مالكٍ رحمه الله. والثالث: المنع، فإن فعل، فلا فِديةَ عليه، والثلاثةُ رواياتٌ عن أحمد رحمه الله.

الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختُلِف في هذه المسألة. فمذهب الشافعي وأحمد في رواية: إباحته، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية: المنع منه، وبإباحته قال ستة من الصحابة: عثمانُ، وعبدُ الرحمن بن عوف، وزيدُ بن ثابت، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص، وجابرٌ رضي الله عنهم. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حيًا، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتًا، لم يجز تغطيةُ وجهه، قاله ابنُ حزم، وهو اللائق بظاهريته.

واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: "ولا تُخَمِّرُوا رَأسَه"، وأجابوا عن قوله: "ولا تُخَمِّروا وجهه"، بأن هذه اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألتُه عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلا أنه قال: "لا تُخَمِّروا رَأْسَهُ، ولا وَجْهَه". قالوا: وهذا يدل على ضعفها. قالوا: وقد روي في هذا الحديث: "خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلا تُخَمِّروا رَأْسَهُ".

الحكم الثاني عشر: بقاءُ الإحرامِ بعد الموت، وأنه لا ينقطِعُ به، وهذا مذهبُ عثمانَ، وعليٍّ، وابن عباس، وغيرهم رضي الله عنهم، وبه قال أحمدُ، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: ينقطع الإحرامُ بالموت، ويُصنع به كما يُصنع بالحَلال، لقوله ﷺ: "إذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثٍ".

قالوا: ولا دليلَ في حديث الذي وقصته راحلتُه، لأنه خاص به، كما قالُوا في صلاته على النَّجَاشِيِّ: إنها مختصة به.

قال الجمهور: دعوى التخصيص على خلاف الأصلِ، فلا تُقبل، وقوله في الحديث: "فإنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُلبِّيًا"، إشارة إلى العِلَّة. فلو كان مختصًا به، لم يُشر إلى العِلَّة، ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليلُ بالعِلَّة القاصرة. وقد قال نظير هذا في شُهداء أُحُد، فقال: "زَمِّلُوهُمْ في ثيابهِم، بكُلُوُمهم، فإنَّهُم يُبْعَثُونَ يَومَ القيامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ". وهذا غيرُ مختص بهم، وهو نظيرُ قوله: "كَفِّنُوهُ في ثَوْبيهِ، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا". ولم تقولوا: إن هذا خاص بشهداء أُحُد فقط، بل عدَّيتم الحكم إلى سائر الشهداء مع إمكان ما ذكرتم من التخصيص فيه. وما الفرق؟ وشهادة النبي ﷺ في الموضعين واحدة، وأيضًا: فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع والحكمة التي رتب عليها المعاد، فإن العبد يُبعث على ما مات عليه، ومَن مات على حالة بُعِث عليها فلو لم يرد هذا الحديث، لكان أصول الشرع شاهدة به. والله أعلم.

فصل

عدنا إلى سِياق حَجَّته ﷺ.

فلما غربت الشمسُ، واستحكم غروبُها بحيثُ ذهبت الصُّفرة، أفاض من عرفة، وأردف أُسامةَ بنَ زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، وضمَّ إليه زِمام ناقتِه، حتى إن رأسَها ليُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ وهُو يقول: "أَيُّهَا النَّاسُ؛ عَلَيْكُم السَّكِينَةَ، فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإيضَاع". أي: ليس بالإسراع.

وأفاض من طريق المَأزِمَيْنِ، ودخل عَرَفة من طريق ضَبّ.

وهكذا كانت عادته صلواتُ الله عليه وسلامُه في الأعيادِ، أن يُخالف الطريق، وقد تقدَّم حكمةُ ذلك عند الكلام على هَدْيه في العيد.

ثم جعل يسيرُ العَنَقَ، وهو ضربٌ من السَّير ليس بالسَّريعِ، ولا البَطئ. فإذا وجد فَجْوةً وهو المتَّسعُ، نَصَّ سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوةً من تلك الرُّبى، أرخى للناقة زِمامها قليلًا حتى تصعد.

وكان يُلبِّي في مسيره ذلك، لم يقطع التلبيةَ. فلما كان في أثناء الطريق، نزل صلواتُ اللهِ وسلامه عليه، فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقال له أسامة: الصلاة يا رَسول الله، فقال: "الصلاة - أو المُصَلَّى - أَمَامَك".

ثم سار حتى أتى المزدلفة، فتوضأ وضوء الصَّلاة، ثم أمر بالأذان، فأذَّن المؤذِّنُ، ثم أقام، فَصَلَّى المغربَ قبل حطِّ الرِّحَال، وتبريكِ الجمال، فلما حطُّوا رِحالهم، أمر فأقيمتِ الصَّلاةُ، ثم صلَّى عِشاء الآخِرة بإقامة بلا أذان، ولم يُصلِّ بينهما شيئًا. وقد رُوى: أنه صلَّاهما بأذانين وإقامتين، ورُوى بإقامتين بلا أذان، والصحيح: أنه صلاهما بأذان وإقامتين، كما فعل بعرفة.

ثم نام حتى أصبح، ولم يُحْى تلك الليلة، ولا صحَّ عنه في إحياء لَيْلتَي العيدين شئ.

"وأَذِنَ في تلك الليلة لِضعفةِ أهلِه أن يتقدَّمُوا إلى مِنَى قَبْلَ طُلوعِ الفجر، وكانَ ذلك عِند غيبوبةِ القَمَرِ، وأمرهم أن لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تطلُعَ الشَّمسُ" حديث صحيح صححه الترمذي وغيره.

وأما حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: "أرسلَ رسولُ الله ﷺ بأُمِّ سلمةَ ليلةَ النَّحرِ، فرمَتِ الجمرَة قَبْلَ الفَجْرِ، ثم مَضَت، فأفاضَت، وكان ذلك اليومُ الذي يكونُ رسول الله ﷺ، تعنى عندها" رواه أبو داود، فحديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيرُه، ومما يدلُّ على إنكاره أن فيه: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تُوافى صلاةَ الصُّبح يوم النحر بمكة. وفى رواية: "تُوافيه بمكة"، وكان يومَها، فأحب أن تُوافِيَه، وهذا من المحال قطعًا.

قال الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنتِ أُم سلمة: "أن النبي ﷺ أمرها أن تُوافيه يومَ النحر بمكة"، لم يُسنده غيره، وهو خطأ.

وقال وكيع: عن أبيه مرسلًا: "إن النبي ﷺ، أمرها أن تُوافِيَه صلاةَ الصبح يومَ النحر بمكة"، أو نحو هذا، وهذا أعجبُ أيضًا، أن النبي ﷺ يوم النحر وقت الصُّبح، ما يصنعُ بمكة؟ ينكر ذلك. قال: فجئتُ إلى يحيى بن سعيد، فسألتُه، فقال: عن هشام عن أبيه: "أمرها أن تُوافى" وليس "تُوافيه" قال: وبين ذَيْنِ فرق. قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال: هكذا سفيان عن هشام عن أبيه. قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع: "تُوافيه"، وإنما قال وكيع: توافى مِنَى. وأصاب في قوله: "تُوافى" كما قال أصحابه، وأخطأ في قوله: "مِنَى".

قال الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عِمران، عن سليمان ابن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: "أخبرتنى أُم سلمة، قالت: قدَّمنى رسولُ الله ﷺ فيمن قدَّم من أهله لَيلَة المزدلِفَة.

قالت: فرميتُ بليل، ثم مضيتُ إلى مكة، فصليتُ بها الصبح، ثم رجعتُ إلى مِنَى".

قلت: سليمان بن أبي داود هذا: هو الدمشقى الخولانى، ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشئ. وقال عثمان بن سعيد: ضعيف.

قلت: ومما يدل على بطلانه، ما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: "استأذنتْ سَوْدةُ رسولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ المزدَلِفَة، أن تَدْفَعَ قَبْلَه، وقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وكَانَتِ امْرَأة ثَبِطَةً، قالَت: فأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وحُبِسْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، ولأَنْ أَكُونَ اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ". فهذا الحديث الصحيحُ، يُبيِّن أن نساءه غير سودة، إنما دفعن معه.

فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيرُه عنها، أن رسول الله ﷺ "أمر نِساءَه أن يخرُجْنَ مِنْ جَمْع لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَيرمِينَ الجمرة، ثم تُصبح في منزلها، وكانت تصنعُ ذلك حتى ماتت".

قيل: يرده محمد بن حميد أحد رواته، كذَّبَه غيرُ واحد. ويردُّه أيضًا: حديثُها الذي في الصحيحين وقولها: "وَدِدْتُ أنى كنت استأذنتُ رسولَ الله ﷺ، كما استأذَنْته سودة".

وإن قيل: فَهَبْ أنكم يُمكنكم ردُّ هذا الحديث، فما تصنعونَ بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أُم حبيبة، أن رسول الله ﷺ، بعث بها مِن جَمْعٍ بليل. قيل: قد ثبت في الصحيحين أن رسولَ الله ﷺ قَدَّم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، وكَانَ ابْنُ عبَّاسِ فيمَن قدَّم. وثبت أنه قدَّم سودَة، وثبت أنه حبس نِساءه عنده حتى دفعن بدفعه. وحديثُ أُم حبيبةَ، انفرد به مسلم. فإن كان محفوظًا، فهي إذًا من الضعفة التي قدَّمها.

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإمامُ أحمد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: "بعث به مع أهله إلى مِنَى يَوْمَ النَّحْرِ، فَرَمَوُا الجمرة مع الفجر". قيل: نُقدِّمُ عليه حديثَه الآخر الذي رواه أيضًا الإمامُ أحمد، والترمذي وصححه، أن النبي ﷺ قدَّم ضعفةَ أهلِهِ وقال: "لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسَ". ولفظ أحمد فيه: قَدَّمَنَا رسولُ الله ﷺ أُغَيْلِمَةَ بنى عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: "أَيْ بُني؛ لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس". لأنه أصح منه، وفيه نهى النبي ﷺ عن رمى الجمرة قبل طلوع الشمس، وهو محفوظ بذكر القصة فيه. والحديث الآخر إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر، ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بَيْنَ هذه الأحاديث، فإنه أمر الصبيان أن لا يرمُوا الجمرة حتى تطلُعَ الشمس، فإنه لا عُذر لهم في تقديم الرمي، أما مَن قدَّمه من النساء، فرمَيْنَ قبل طلوعِ الشَّمْسِ للعُذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحَطْمِهِم، وهذا الذي دلت عليه السُّنَّة جواز الرمي قبل طلوع الشمس، للعذر بمرض، أو كِبَرٍ يَشُقُّ عليه مزاحمةُ الناس لأجله، وأما القادِرُ الصحيحُ، فلا يجوز له ذلك.

وفي المسألة ثلاثة مذاهب، أحدها: الجوازُ بعد نصف الليل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، والثاني: لا يجوزُ إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة رحمه الله، والثالث: لا يجوزُ لأهل القدرة إلا بعدَ طلوعِ الشمس، كقول جماعة من أهل العلم. والذي دلَّت عليه السُّنَّة، إنما هو التعجيلُ بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليسَ مع مَن حدَّه بالنصف دليل. والله أعلم.

فصل

فلما طلع الفجرُ، صلَّاها في أول الوقت لا قبلَه قطعًا بأذان وإقامة يومَ النحر، وهو يومُ العيد، وهو يومُ الحجِّ الأكبر، وهو يومُ الأذان ببراءة الله ورسولِه مِن كُلِّ مشرك.

ثم ركِبَ حتى أتى موقِفَه عند المَشْعَرِ الحَرَامِ، فاستقبل القِبْلة، وأخذ في الدُّعاء والتضرُّع، والتكبير، والتهليلِ، والذِّكرِ، حتى أسفر جدًّا، وذلك قبلَ طُلوع الشمس.

وهنالك سأله عُرْوَةُ بنُ مُضَرِّس الطَّائى، فقال: يا رسُولَ اللهِ؛ إني جِئْتُ مِنْ جَبَلَىْ طيِّءٍ، أكْلَلْتُ رَاحِلتى، وأتْعَبْتُ نفسي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْه، فَهَلْ لي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وقَفَ بعَرَفَةَ قَبْلَ ذلِكَ ليلًا أوْ نَهارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّه، وقَضى تَفَثَه". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وبهذا احتج مَن ذهب إلى أن الوقوفَ بمُزدلفَة والمبيتَ بها، ركن كعرفة، وهو مذهبُ اثنين مِن الصحابة، ابنِ عباس، وابن الزُّبير رضي الله عنهما، وإليه ذهب إبراهيمُ النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسنُ البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهرى، وأبى عُبيد القاسم بن سلَّام، واختاره المحمَّدان: ابنُ جرير، وابن خُزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية، ولهم ثلاثُ حجج، هذه إحداها، والثانية: قوله تعالى: { فاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ } [24].

والثالثة: فعلُ رسول الله ﷺ الذي خرج مخرجَ البيانِ لهذا الذِّكر المأمور به.

واحتجَّ مَن لم يره رُكنًا بأمرين، أحدهما: أن النبي ﷺ مدَّ وقتَ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضى أن مَن وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان، صح حَجُّه، ولو كان الوقوفُ بمزدلفة رُكنًا لم يصحَّ حَجُّه.

الثاني: أنه لو كان ركنًا، لاشترك فيه الرجالُ والنساءُ، فلما قَدَّمَ رسولُ الله ﷺ النساء بالليل، عُلِمَ أنه ليس برُكن، وفى الدليلين نظر، فإن النبي ﷺ إنما قدَّمهن بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة، والواجبُ هو ذلك. وأما توقيتُ الوقوف بعرفة إلى الفجر، فلا يُنافى أن يكونَ المبيت بمزدلفة رُكنًا، وتكونُ تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلواتِ، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة.

فصل

وقف ﷺ في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كُلَّها موقف، ثم سار مِن مُزْدَلِفَةَ مُرْدِفًا للفضل بن العباس وهو يُلبِّي في مسيره، وانطلق أُسامةُ بن زيد على رجليه في سُبَّاقِ قُريش.

وفي طريقه ذلك أمر ابنَ عباس أن يَلْقُطَ له حَصى الجِمار، سبعَ حصياتٍ، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعلُ مَن لا عِلم عنده، ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات مِنْ حَصَى الخَذْفِ، فجعل يَنْفُضُهُنَّ في كَفِّهِ ويَقُولُ: "بأَمْثَال هؤلاء فارْموا، وإيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّين، فإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الغُلُوُّ في الدِّين".

وفي طريقه تلك، عَرَضَتْ له امرأةٌ مِن خَثْعَمَ جَمِيلةٌ، فسألته عن الحجِّ عَنْ أبيها وَكانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فأَمَرَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَصَرَفَهُ إلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَكَان الفَضْلُ وَسِيمًا، فَقِيلَ: صَرَف وجْهَهُ عَنْ نَظَرِهَا إلَيْهِ، وقِيلَ: صَرَفَهُ عَنْ نَظَرِهِ إلَيْهَا، وَالصَّوَابُ: أنَّه فَعَلَهُ للأمْرَين، فإنه في القِصة جعل يَنْظُرُ إليها وتَنْظُرُ إلَيْه.

وسأله آخرُ هنالك عن أُمِّه، فقال: إنَّها عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فإن حَمَلْتُها لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وإنْ رَبَطْتُها خَشِيتُ أنْ أَقْتُلَها، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلى أُمِّك دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ"؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَحُجَّ عنْ أُمِّكَ".

فلما أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّك ناقتَه وأسرع السَير، وهذه كانت عادتَه في المواضع التي نزل فيها بأسُ اللهِ بأعدائه، فإن هُنالِكَ أصابَ أصحابَ الفيل ما قصَّ الله علينا، ولذلك سُمِّي ذلك الوادي واديَ مُحَسِّر، لأن الفيل حَسَرَ فيه، أي: أعيى، وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سُلوكه الحِجْرَ دِيارَ ثمود، فإنه تقنَّع بثوبه، وأسرع السَّيْرَ.

ومُحَسِّر: برزخٌ بين مِنَى وبين مُزدَلِفة، لا مِن هذه، ولا مِن هذه، وعُرَنَةُ: برزخ بين عرفة والمشعرِ الحرام، فبين كُلِّ مشعرين برزخ ليس منهما، فمِنَى: من الحرم، وهي مَشعر، ومُحَسِّر: من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة: حرم ومشعر، وعُرَنَةُ ليست مَشعرًا، وهي من الحل، وعرفة: حِل ومشعر.

وسلك ﷺ الطريقَ الوُسطى بين الطريقين، وهي التي تخرُج على الجمرة الكُبرى، حتى أتى مِنَى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفلِ الوادي، وجعل البَيْتَ عن يسارِه، ومِنَى عن يمينه، واستقبلَ الجمرةَ وهو على راحلته، فرماها راكبًا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حصاةٍ، وحينئذ قطع التلبية.

وكان في مسيره ذلك يُلَبِّي حتى شرع في الرمي، ورمى وبلالٌ وأُسامةُ معه، أحدهما آخِذٌ بِخِطام ناقته، والآخر يُظلِّلُه بثوب من الحر.

وفي هذا: دليل على جواز استظلال المُحْرِمِ بالمَحْمِلِ ونحوهِ إن كانت قصة هذا الإظلال يَومَ النَّحر ثابتة، وإن كانت بعده في أيام مِنَى، فلا حُجَّة فيها، وليس في الحديث بيانٌ في أي زمن كانت. والله أعلم.

فصل

ثم رجع إلى مِنَى، فخطب الناسَ خُطبة بليغة أعلمهم فيها بحُرمة يومِ النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحُرمة مكةَ على جميع البلاد، وأمرهم بالسَّمْعِ والطَّاعَةِ لِمَن قَادَهُم بِكِتَابِ اللهِ، وأَمَرَ النَّاسَ بِأخْذِ مَنَاسِكِهِمْ عَنه، وقال: "لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هذا".

وعلَّمهُم مناسكهم، وأنزلَ المهاجرين والأنصار منازلَهم، وأمرَ الناسَ أن لا يَرْجعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُهُم رِقَابَ بَعْضٍ، وَأَمَرَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ، وأَخْبَرَ أَنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ.

وقال في خطبته: "لا يَجْنى جَانٍ إلا على نَفْسِه".

وأنزل المهاجرين عن يمين القِبْلة، والأنصارَ عن يسارها، والناسُ حولهم، وفتح الله له أسماعَ الناس حتى سمعها أهلُ مِنَى في منازلهم.

وقال في خطبته تلك: "اعْبُدوا رَبَّكم، وصَلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا شَهْرَكُم، وأَطيعُوا ذا أَمْرِكُم، تَدْخُلوا جَنَّة رَبِّكُم".

وودع حينئذ الناس، فقالوا: حَجة الوداع.

وهناك سُئلَ عمن حلق قبل أن يَرميَ، وعمَّن ذبح قبل أن يَرميَ، فقال: "لا حَرَجَ" قال عبدُ اللهِ بن عمرو: "ما رأيتُه ﷺ سئِلَ يومئذٍ عن شئ إلا قال: "افْعَلُوا وَلا حَرَجَ".

قال ابن عباس: "إنه قيل له ﷺ في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: "لا حَرَجَ".

وقال أُسامة بنُ شريك: "خرجتُ مع النبي ﷺ حاجًا، وكان الناسُ يأتونه، فَمِنْ قَائِل: يا رسولَ الله سعيتُ قبل أن أطوفَ، أو قدَّمت شيئًا أو أخرَّتُ شيئًا، فكان يقول: "لا حَرَجَ لا حَرَجَ إلا على رَجُلٍ اقترضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِم وهُوَ ظَالِمٌ، فذِلكَ الذي حَرِجَ وهَلَكَ".

وقوله: سعيتُ قبل أن أطوف، في هذا الحديث ليس بمحفوظ. والمحفوظ: تقديم الرمي، والنحر، والحلق بعضها على بعض.

ثم انصرف إلى المَنْحَرِ بمِنَى، فنحر ثلاثًا وستين بَدَنَة بيده، وكان ينحرُها قائِمةً، معقولةً يدُها اليُسرى. وكان عددُ هذا الذي نحره عددَ سِنى عمره، ثم أمسك وأمر عليًا أن يَنْحَرَ ما غبر من المائة، ثم أمر عليًا رضي الله عنه، أن يتصدقَ بِجلالِها ولُحومِها وجُلودِها في المساكين، وأمره أن لا يُعِطيَ الجَزَّار في جِزَارتِها، شيئًا منها، وقال: نَحْنُ تُعْطِيهِ مِن عِنْدِنَا، وقَالَ: "مَنْ شاءَ اقْتَطَعَ".

فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديثِ الذي في "الصحيحي" عن أنس رضي الله عنه، قال: "صلَّى رسولُ الله ﷺ الظهرَ بالمدينة أربعًا، والعصرَ بذي الحُليفة ركعتين، فباتَ بها، فلما أصبحَ، رَكِبَ راحِلته، فجعل يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ، فلما عَلا عَلَى البيداء، لبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، فلما دَخَلَ مَكَّةَ، أَمَرَهُم أَن يَحِلُّوا، ونَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنِ قِيامًا، وضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْن". فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين.

قال أبو محمد بنُ حزم: مخرج حديث أنس، على أحد وجوهٍ ثلاثةٍ.

أحدها: أنه صلَّى الله عليه وسلم لم ينحر بِيده أكثرَ مِن سبع بُدن، كما قال أنس، وأنه أمر مَن ينحرُ ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكانِ، وأمر عليًا رضي الله عنه، فنحرَ ما بقى.

الثاني: أن يكون أنس لم يُشاهد إلا نحره ﷺ سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمامَ نحره ﷺ للباقى، فأخبر كُلٌ منهما بما رأى وشاهد.

الثالث: أنه ﷺ نحر بيده منفردًا سبع بُدن كما قال أنس، ثم أخذ هو وعليّ الحربة معًا، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غَرَفَةُ بن الحارث الكندي: "أنه شاهد النبي ﷺ يومئذ قد أخذ بأعلى الحَرْبَةِ وأمر عليًا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن ثم انفرد عليٌّ بنحر الباقى من المائة"، كما قال جابر. والله أعلم.

فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديثِ الذي رواه الإمامُ أحمد، وأبو داود عن عليّ قال: "لما نَحَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بُدْنَه، فنحر ثلاثِينَ بِيَدِهِ، وأمرني فنحرتُ سَائِرَها".

قلنا: هذا غلطٌ انقلب على الرواي، فإن الذي نحرَ ثلاثين: هو عليّ، فإن النبي ﷺ نحر سبعًا بيده لم يُشاهده عليّ، ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى، فبقى من المائة ثلاثون، فنحرها عليّ، فانقلب على الرواي عددُ ما نحره عليّ بما نحره النبي ﷺ.

فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبي ﷺ، قال: "إنَّ أعْظَمَ الأيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحر، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ". وهو اليومُ الثاني. قال: وقُرِّبَ لِرسُولِ اللهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْن إلَيْهِ بأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ؟ فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُها قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَع".

قيل: نقبله ونصدِّقه، فإن المائة لم تُقَرَّبْ إليه جُملة، وإنما كانت تُقرَّب إليه أرْسَالًا، فقُرِّبَ منهن إليه خمسُ بَدَنَات رَسَلًا، وكان ذلك الرَّسَلُ يُبَادِرْنَ ويَتَقَرَّبْنَ إلَيْهِ لِيبدَأ بكُلِّ واحدة منهن.

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين، من حديث أبي بكرةَ في خُطبة النبي ﷺ يومَ النحرِ بمِنَى، وقال في آخره: "ثُمَّ انْكَفَأَ إلى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وإلى جُزَيْعَةٍ مِنَ الغَنَمِ فقسمها بَيْنَنَا " لفظه لمسلم.

ففي هذا، أن ذبح الكبشينِ كان بمكة، وفى حديث أنس، أنه كان بالمدينة.

قيل: في هذا طريقتانِ للناس.

إحداهما: أن القول: قولُ أنس، وأنه ضحَّى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين، وأنه صلَّى العيد، ثم انكفأ إلى كبشينِ، ففصَّل أنس، وميَّز بين نحرِه بمكة للبُدن، وبين نحره بالمدينة للكبشين، وبيَّن أنهما قِصتان، ويدل على هذا أن جميعَ مَن ذكر نحر النبي ﷺ بمِنَى، إنما ذكروا أنه نَحَرَ الإبِلَ، وهو الهَدْيُ الذي ساقه، وهو أفضلُ من نحر الغنم هناك بلا سوق، وجابر قد قال في صفة حَجَّة الوداع: إنه رجع من الرمي فنحر البُدن، وإنما اشتبه على بعض الرواة، أن قصة الكبشين كانت يومَ عيد، فظن أنه كان بمِنَى فوهِم.

الطريقة الثانية: طريقة ابن حزم، ومَن سلك مسلكه. أنهما عملانِ متغايِرَانِ، وحديثان صحيحان، فذكر أبو بكرة تضحيَته بمكة، وأنس تضحيتَه بالمدينة. قال: وذبح يومَ النحر الغنَم، ونحر البقرَ والإبلَ، كما قالت عائشة: ضحَّى رسولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ عن أزواجه بالبقر، وهو في الصحيحين.

وفي صحيح مسلم: "ذبحَ رسولُ الله ﷺ عن عائشة بقرةً يَوْمَ النحر".

وفي السنن: "أنَّه نحرَ عَنْ آلِ محمَّدٍ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بقرةً واحِدَة".

ومذهبُه: أن الحاجَّ شُرِعَ له التضحيةُ مع الهَدْي، والصحيحُ إن شاء الله: الطريقةُ الأولى، وهَدْي الحاج له بمنزلة الأُضحية للمقيم، ولم يَنْقُلْ أحدٌ أن النبي ﷺ، ولا أصحابَه، جمعوا بين الهَدْيِ والأُضحية، بل كان هَدْيهُم هو أضاحيهم، فهو هَدْي بمِنَى، وأُضحيةٌ بغيرها.

وأما قول عائشة: "ضحَّى عن نِسائه بالبقر"، فهو هَدْي أُطْلِقَ عليه اسمُ الأُضحية، وأنهن كُنَّ متمتعاتٍ، وعليهن الهَدْيُ، فالبقرُ الذي نحره عنهن هو الهَدْيُ الذي يلزمُهن.

ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع: إشكال، وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة.

وأجاب أبو محمد بن حزم عنه، بجواب على أصله، وهو أن عائشة لم تكن معهن في ذلك، فإنها كانت قارنة وهُنَّ متمتعاتٌ، وعنده لا هَدْيَ على القارِن، وأيَّدَ قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هِشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة: "خرجنا مع رسولِ الله ﷺ مُوافين لهِلال ذي الحِجَّةِ، فكنتُ فيمن أهلَّ بِعُمرة، فخرجنا حتى قَدِمنَا مكَّةَ، فأدركنى يومُ عرفة وأنا حائضٌ لم أَحِلَّ من عُمرتى، فشكوتُ ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: "دعى عُمْرَتَك وانْقُضى رَأسَكِ، وامْتَشِطى، وأهلِّي بالحَجِّ". "قالت: ففعلتُ، فلما كانت ليلةُ الحَصْبَةِ وقد قضى الله حَجَّنا، أرسلَ معى عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردَفني، وخرج إلى التَّنعِيم، فأهللتُ بعُمرة، فقضى الله حَجَّنَا وعُمرتنا، ولم يكن في ذلك هَدْي ولا صَدقةٌ ولا صَوْمٌ".

وهذا مسلك فاسد تفرَّد به ابن حزم عن الناس. والذي عليه الصحابةُ، والتابعون ومَن بعدهم أن القارِن يلزمه الهَدْيُ، كما يلزم المتمتِّع، بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة كما تقدَّم، وأما هذا الحديثُ، فالصحيح: أن هذا الكلامَ الأخيرَ من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحا به، فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، فذكرت الحديث. وفى آخره: قال عروة في ذلك: "إنه قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هَدْيٌ، ولا صِيام، ولا صدقة".

قال أبو محمد: إن كان وكيع جعل هذا الكلامَ لهشام، فابنُ نمير، وعبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكُلٌّ منهما ثقة، فوكيع نسبه إلى هشام، لأنه سمع هشامًا يقوله، وليس قولُ هشام إياه بدافع أن تكون عائشةُ قالته، فقد يَروى المرءُ حديثًا يُسنده، ثم يُفتى به دون أن يُسنده، فليس شئ من هذا بمتدافع، وإنما يتعلَّل بمثلِ هذا مَن لا يُنْصِفُ، ومَن اتبع هواه، والصحيح من ذلك: أن كُلَّ ثقة فمصدَّق فيما نقل. فإذا أضاف عبدة وابنُ نمير القولَ إلى عائشة، صُدِّقَا لعدالتهما، وإذا أضافه وكيع إلى هِشام، صُدِّقَ أيضًا لعدالته، وكُلٌ صحيح، وتكون عائشة قالته، وهشام قاله.

قلت: هذه الطريقةُ هي اللائقةُ بظاهريته، وظاهرية أمثاله ممن لا فِقه له في عِلل الأحاديث، كفقه الأئمة النُّقَّاد أطباء علله، وأهل العناية بها، وهؤلاء لا يلتفِتُون إلى قول مَن خالفهم ممن ليس له ذوقُهم ومعرفتُهم بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصَّيارِفِ النُّقَّاد، الذين يُميزون بين الجيِّدِ والردئ، ولا يلتفِتُون إلى خطإ مَن لم يعرِف ذلك.

ومن المعلوم، أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجًا، يحتملِ أن يكون من كلامهما، أو من كلام عُروة، أو من هشام، فجاء وكيع، ففصَّل وميَّز، ومَن فصَّل وميَّز، فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره، نعم لو قال ابنُ نمير وعبدة: قالت عائشةُ، وقال وكيع: قال هشامٌ، لساغ ما قال أبو محمد، وكان موضِعَ نظر وترجيح.

وأما كونهن تسعًا وهى بقرة واحدة، فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ، أحدها: أنها بقرة واحدة بينهن، والثاني: أنه ضحَّى عنهن يومئذ بالبقر، والثالث: دخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه.

وقد اختلف الناسُ في عدد مَن تُجزئ عنهم البَدَنَة والبقرة، فقيل: سبعة وهو قولُ الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وقيل: عشرة، وهو قول إسحاق. وقد ثبت أن رسولَ الله ﷺ، قَسَمَ بينهم المغانِم، فَعَدَلَ الجَزُورَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ. وثَبت هذا الحديثُ، أنه - صلَّى الله عليه وسلم - ضحَّى عن نسائه وهن تِسع ببقرة.

وقد روى سفيانُ عن أبى الزُّبير عن جابر "أنهم نحرُوا البَدَنَةَ في حَجِّهم مع رَسُولِ الله ﷺ عَنْ عشرةٍ"، وهو على شرط مسلم ولم يخرجه، وإنما أخرج قوله: "خرجنا مع رَسُولِ الله ﷺ مُهلِّينَ بالحجِّ معنا النساءُ والوِلدانُ، فلما قَدِمنا مكة، طُفنا بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، وأَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أنَ نشترِك في الإبلِ والبقرِ كُلُّ سبعةٍ منا في بَدَنة".

وفي المسند: من حديث ابن عباس: "كنَّا مع النبي ﷺ في سفر، فحضَرَ الأضحى، فاشتركْنَا في البقرةِ سَبْعَةً، وفى الجَزُورِ عشرة". ورواه النسائي والترمذي، وقال: حسن غريب.

وفي الصحيحين عنه: "نحرنَا مع رَسُولِ الله ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، البَدَنَةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعة".

وقال حذيفةُ: "شَرَّكَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجته بين المسلمين، في البقرة عن سبعة". ذكره الإمامُ أحمد رحمه الله.

وهذه الأحاديث، تُخَرَّجُ على أحد وجوه ثلاثة، إما أن يُقالِ: أحاديثُ السبعة أكثرُ وأَصَحُّ، وإما أن يُقال: عَدْلُ البعيرِ بعشرة مِن الغنم، تقويمٌ في الغنائم لأجل تعديلِ القِسمة، وأما كونُه عن سبعة في الهدايا، فهو تقديرٌ شرعي، وإما أن يُقال: إن ذلك يختلِفُ باختلاف الأزمِنة، والأمكِنة، والإبل، ففي بعضِها كان البعيرُ يَعْدِلُ عشر شياه، فجعله عن عشرة، وفى بعضها يَعْدِلُ سبعة، فجعله عن سبعة. والله أعلم.

وقد قال أبو محمد: إنه ذبح عن نسائه بقرةً للهَدْي، وضحَّى عنهن ببقرة، وضحَّى عن نفسه بكبشين، ونحر عن نفسه ثلاثًا وستين هَدْيًا، وقد عرفتَ ما في ذلك من الوهم، ولم تكن بقرة الضَّحِية غيرَ بقرة الهَدْي، بل هي هي، وهَدْيُ الحاجِّ بمنزلة ضحية الآفاقي.

فصل

ونحر رسولُ الله ﷺ بِمَنْحَرِهِ بمِنَى، وأعلمهم "أن مِنَى كُلَّها مَنْحَرٌ، وأَنَّ فِجاجَ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ" وفى هذا دليلٌ على أن النحرَ لا يختصُّ بمِنَى، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه، كما أنه لمَّا وقف بعرفة قال: "وَقَفْتُ هاهنا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". ووقَفَ بمزدَلِفَة، وقال: "وَقَفْتُ هاهنا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ" وسُئل ﷺ أن يُبنى له بمِنَى بِنَاءٌ يُظِلُّه مِنَ الحَرِّ، فَقَال: "لا، مِنَى مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ".

وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها، وأن مَن سبق إلى مكان منها فهو أحقُّ به حتى يرتَحِلَ عنه، ولا يَمْلِكُه بذلك.

فصل

فلما أكملَ رسولُ الله ﷺ نحره، استدعى بالحلَّاق، فحلق رأسه، فَقَالَ لِلحلَّاق - وهو مَعْمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونَظَر في وَجْهِهِ- وقَالَ: "يَا مَعْمَرُ؛ أَمْكَنَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَفى يَدِكَ المُوسَى" فَقَالَ معمر: أمَا والله يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ ذلك لَمِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيَّ ومَنِّهِ، قَالَ: "أَجَلْ إذًا أَقَرُّ لَكَ" ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله.

وقال البخاري في صحيحه: وزعموا أن الذي حَلَقَ لِلنبي ﷺ، معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف، انتهى، فقال للحلاق: "خُذْ، وأَشَارَ إلى جَانِبِه الأَيْمَنِ، فَلما فَرَغَ مِنْه، قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيه، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الحَلَّاق، فَحَلَقَ جَانِبهُ الأيْسَر، ثُّمَّ قالَ: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه"، هكذا وقع في صحيح مسلم.

وفي صحيح البخاري: عن ابن سيرين، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ، لما حلق رأسه، كان أبو طلحة أول مَن أخذ من شعره".

وهذا لا يُناقِضُ روايةِ مسلم، لِجواز أن يُصيب أبا طلحة مِن الشِّقِّ الأيمنِ، مثلُ ما أصاب غيرَه، ويختصُّ بالشِّقِ الأيسرِ، لكن قد روى مسلم في صحيحه أيضًا من حديث أنس، قال: "لما رَمَى رسولُ الله ﷺ الجمرَة ونحرَ نُسُكَه، وحلَقَ، ناولَ الحَلَّاقَ شِقَّه الأَيْمَنَ فحلقه، ثم دعا أبا طلحةَ الأنصاريَّ، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقال: "احْلِقْ" فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس". ففي هذه الرواية، كما تري أن نصيب أبي طلحة كان الشِّقَّ الأيمنَ، وفى الأولى: أنه كان الأيسر. قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، رواه مسلم مِن رواية حفص بن غياث، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: "أن النبي ﷺ، دفع إلى أبي طلحة شَعْرَ شِقِّه الأَيْسَرِ"، ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، "أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقِّه الأيمن". قال: ورواية ابن عَون، عن ابن سيرين أراها تُقوِّي رواية سفيان. والله أعلم.

قلت: يريدُ برواية ابن عون، ما ذكرناه عن ابن سيرين، من طريق البخاري، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة، هو الشِّقَّ الذي اختص به. والله أعلم.

والذي يقْوَي أن نصيبَ أبي طلحة الذي اختص به كان الشِّقَّ الأَيْسَرَ، وأَنَّه ﷺ عمَّ، ثمَّ خَصَّ، وهذه كانت سُنَّته في عطائه، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ، فإن في بعضِها أنه قال للحلاقِ: "خُذْ" وأشَارَ إلى جَانِبِه الأَيْمَنِ، فقسم شعره بَيْنَ مَنْ يليه، ثم أشار إلى الحلَّاق إلى الجانِبِ الأيسر، فحلقه فأعطاه أُمَّ سُليمٍ، ولا يُعارض هذا دفعُه إلى أبي طلحة، فإنها امرأتُه.

وفي لفظ آخر: فبدأ بالشِّقِّ الأيمن، فوزَّعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر. فصنع به مثلَ ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه.

وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شَعْرَ شِقِّ رأْسه الأيسر، ثم قلَّم أظفاره وقسمها بين الناس، وذكر الإمام أحمد رحمه الله، من حديث محمد بن عبد الله بن زيد، أن أباه حدَّثه، "أنه شَهِدَ النبي ﷺ عند المنحر، ورجُلٌ من قريش وهو يَقْسِمُ أضاحِيَ، فلم يُصِبْهُ شئٌ ولا صاحبه، فحلق رسولُ الله ﷺ رأسَه في ثوبه، فأعطاه، فقسم منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه، قال: فإنَّه عِنْدَنا مخضوب بالحِنَّاء والكَتَم، يعني شعرَه".

ودعا للمحَلِّقِينَ بالمغْفِرَةِ ثَلاثًا، وَلِلمُقَصِّرِين مَرَّةً، وحلق كثيرٌ من الصحابة، بل أكثرُهم، وقصَّر بعضُهم، وهذا مع قوله تعالى: { لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } [25]، ومع قول عائشة رضي الله عنها: "طيَّبتُ رسولَ الله ﷺ لإحرامه قبل أن يُحْرِمَ، ولإحلاله قَبْلَ أن يَحلَّ"، دليل على أن الحلق نُسُكٌ وليس بإطلاق من محظور.

فصل

ثم أفاض ﷺ إلى مكة قبل الظهر راكبًا، فطاف طوافَ الإفَاضَةِ، وهو طوافُ الزِّيَارةِ، وهو طَوافُ الصَّدَر، ولم يطُفْ غيَره، ولم يسع معه، هذا هو الصوابُ، وقد خالف في ذلك ثلاثُ طوائف: طائفة زعمت أنه طاف طوافين، طوافًا للقُدوم سوى طواف الإفاضة، ثم طاف للإفاضة، وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطوافِ لكونه كان قارنًا، وطائفة زعمت أنه لم يَطُفْ في ذلك اليوم، وإنما أخَّر طوافَ الزيارة إلى الليل، فنذكُرُ الصَّوابَ في ذلك، ونبين منشأ الغلط وبالله التوفيق.

قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: فإذا رَجَعَ - أعنى المتمتعَ - كم يطوفُ ويسعى؟ قال: يطوفُ ويسعى لحجه، ويطوف طوافًا آخر للزيارة، عاودناه في هذا غير مرة، فثبت عليه.

قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: وكذلك الحكمُ في القارن والمفرِد إذا لم يكونا أتيا مكة قبلَ يومِ النَّحرِ، ولا طافا للقدوم، فإنّهما يبدآن بطواف القُدوم قبل طواف الزيارة، نص عليه أحمد رحمه الله، واحتجَّ بما روت عائشةُ رضي الله عنها، قالت: "فطاف الذينَ أهلُّوا بالعُمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن مِنىً لحَجِّهم، وأما الذين جَمَعُوا الحجَّ والعُمرَة، فإنما طافُوا طوافًا واحدًا"، فحمل أحمدُ رحمه الله قولَ عائشة، على أن طوافَهم لحجهم هو طوافُ القدوم، قال: ولأنه قد ثبت أن طوافَ القدوم مشروع، فلم يكن طواف الزيارة مسقطًا له، كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبُّس بالصلاة المفروضة.

وقال الخرقي في مختصره: وإن كان متمتعًا، فيطوف بالبيت سبعًا وبِالصَّفا والمروة سبعًا كما فعل للعُمرة، ثم يعود فيطوف بالبيت طوافًا ينوى به الزيارة، وهو قوله تعالى: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ } [26]، فمن قال: إن النبي ﷺ كان متمتعًا كالقاضي وأصحابه عندهم، هكَذا فعلَ، والشيخ أبو محمد عنده، أنه كان متمتعًا التمتعَ الخاص، ولكن لم يفعل هذا، قال: ولا أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروعُ طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم يُنْقَلْ عن النبي ﷺ ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، ولا أمر النبي ﷺ به أحدًا، قال: وحديث عائشة دليل على هذا، فإنها قالت: "طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا مِن مِنَى لحجهم" وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافًا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طوافَ القُدوم، لكانت قد أخلَّت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركنُ الحج الذي لا يَتِمُّ إلا به، وذكرت ما يُستغنى عنه، وعلى كل حال، فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يُستدل به على طوافين؟ وأيضًا فإنها لما حاضت، فقرنت الحجَّ إلى العُمرة بأمر النبي ﷺ -ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبي ﷺ، ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب، لَشُرِعَ في حقِّ المعتمر طوافُ القدوم مع طواف العُمرة، لأنه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع الذي يَعُودُ إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به، انتهى كلامه.

قلت: لم يرفع كلامُ أبي محمد الإشكال، وإن كان الذي أنكره هو الحق كما أنكره، والصوابُ في إنكاره، فإن أحدًا لم يقل: إن الصحابة لما رجعوا مِن عرفة، طافوا للقدوم وسَعَوْا، ثم طافُوا للإفاضة بعده، ولا النبي ﷺ، هذا لم يقع قطعًا، ولكن كان منشأ الإشكال، أن أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارِن، فأخبرت أن القارِنين طافوا بعد أن رجعوا من مِنَى طوافًا واحدًا، وأن الذين أهلُّوا بالعُمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن مِنَى لحجِّهم، وهذا غيرُ طواف الزيارة قطعًا، فإنه يشترِك فيه القارنُ والمتمتع، فلا فرق بينهما فيه، ولكِنَّ الشيخ أبا محمد، لما رأى قولَها في المتمتعين: إنهم طافُوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن مِنَى، قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق، ولكن لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام، أُدرِجت في الحديث، وهذا لا يتبين، ولو كان، فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال. فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرَّقت به بين المتمتع والقارن، هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يُضيفوا إليه طوافًا آخر يَوم النحر، وهذا هو الحقُّ، وأخبرت عن المتمتعين، أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع مِن مِنَى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا قولُ الجمهور، وتنزيل الحديثِ على هذا، موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي ﷺ: "يَسَعُكِ طَوافُكِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ "، وكانت قارنة، ويوافق قول الجمهور.

ولكن يُشكِلُ عليه حديث جابرٍ الذي رواه مسلم في صحيحه: لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافَه الأول. هذا يوافق قول مَن يقول: يكفى المتمتع سعيٌ واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله، نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا، فيقال: عائشة أثبتت، وجابر نفى، والمثبِت مُقدَّم على النافي، أو يقال: مراد جابر مَن قرن مع النبي ﷺ وساق الهَدْي، كأبي بكرٍ وعمر وطلحة وعلي رضي الله عنهم، وذوي اليسار، فإنهم إنما سَعَوْا سعيًا واحدًا. وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلَّلُ حديث عائشة، بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام وهذه ثلاثة طرق للناس في حديثها. والله أعلم.

وأما مَن قال: المتمتع يطوفُ ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحجِّ قبل خروجه إلى مِنَى، وهو قولُ أصحاب الشافعي، ولا أدري أهُوَ منصوصٌ عنه أم لا؟ قال أبو محمد: فهذا لم يفعله النبي ﷺ، ولا أحد من الصحابة البتة، ولا أمرهم به، ولا نقله أحد، قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكَّة أن يطُوفوا، ولا أن يَسْعوا بين الصَّفا والمروةِ بعد إحرامهم بالحجِّ حتى يَرْجِعُوا من مِنَى. وعلى قول ابن عباس: قول الجمهور، ومالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وإسحاق، وغيرهم.

والذين استحبُّوه، قالوا: لما أحرم بالحج، صار كالقادم، فيطوفُ ويسعى للقُدوم. قالوا: ولأن الطواف الأولَ وقع عن العُمرة، فيبقى طوافُ القدوم، ولم يأت به. فاستُحِبَّ له فِعْلُه عقيبَ الإحرامِ بالحجِّ، وهاتان الحُجَّتانِ واهيتانِ، فإنه إنما كان قارنًا لما طاف لِلعُمرة، فكان طوافُه للعُمرة مغنيًا عن طواف القدوم، كمن دخل المسجد، فرأى الصلاة قائمة، فدخل فيها، فقامت مقامَ تَحية المسجد، وأغنته عنها.

وأيضًا فإن الصحابة لما أحرموا بالحَجِّ مع النبي ﷺ، لم يطُوفوا عقيبَه، وكان أكثرهم متمتعًا. وروى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، أنه إن أحرم يومَ التروية قبل الزوال، طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزوال، لم يَطُفْ، وفَرَّق بين الوقتين، بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى مِنَى، فلا يشتغِل عن الخروج بغيره، وقبل الزوال لا يخرج فيطوف، وقولُ ابن عباس والجمهور هو الصحيح الموافق لعمل الصحابة، وبالله التوفيق.

فصل

والطائفة الثانية قالت: إنه ﷺ سَعَى مع هذا الطواف وقالوا: هذا حُجَّة في أن القارن يحتاج إلى سعيينِ، كما يحتاج إلى طوافينِ، وهذا غلطٌ عليه كما تقدم، والصواب: أنه لم يَسْعَ إلا سعيَه الأول، كما قالته عائشةُ، وجابر، ولم يَصِحَّ عنه في السعيين حرفٌ واحد، بل كلُّها باطلة كما تقدَّم، فعليك بمراجعته.

فصل

والطائفة الثالثة: الذين قالوا: أخَّرَ طوافَ الزيارة إلى الليل، وهم طاووس، ومجاهد، وعروة، ففي سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي الزبير المكي، عن عائشة وابن عباس أن النبي ﷺ، أخَّرَ طوافَه يومَ النحر إلى الليل. وفي لفظ: طوافَ الزِّيارة، قال الترمذي: حديث حسن.

وهذا الحديث غلطٌ بيِّن خلاف المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يَشُكُّ فيه أهلُ العلم بحَجَّته ﷺ، فنحنُ نذكر كلامَ الناسِ فيه، قال الترمذي في كتاب "العلل" له: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، وقلت له: أَسَمعَ أبو الزبير من عائشة وابن عباس؟ قال: أمَّا مِن ابن عباس، فنعم، وفى سماعه من عائشة نظر. وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذ نهارًا، وإنما اختلفُوا: هل صلَّى الظهر بمكة أو رجع إلى مِنَى، فصلَّى الظهرَ بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابنُ عمر يقولُ: إنه رجع إلى مِنَى، فصلَّى الظهرَ بها، وجابرٌ يقول: إنه صلَّى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية: "أبى الزبير" هذه التي فيها أنه أخَّر الطوافَ إلى الليل، وهذا شئ لم يُروَ إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس لم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة، وقد عهد أنه يروى عنها بواسطة، ولا عن ابن عباس أيضًا، فقد عُهِدَ كذلك أنه يروي عنه بواسطة، وإن كان قد سمع منه، فيجب التوقُّفُ فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عباس مما لا يَذْكُرُ فيه سماعَه منهما، لِما عُرِفَ به من التدليس، لو عُرِفَ سماعُه منها لِغير هذا، فأمَّا ولم يَصِحَّ لنا أنه سمع من عائشة، فالأمر بيِّن في وجوب التوقف فيه، وإنما يختلِف العلماء في قبول حديث المدلِّس إذا كان عمن قد علم لِقاؤه له وسماعُه منه. هاهنا يقول قوم: يُقبل، ويقول آخرون: يُرد ما يُعنعِنُه عنهم حتى يتبيَّن الاتصالُ في حديث حديث، وأما ما يُعَنْعِنُه المدلِّسُ، عمن لم يُعلم لِقاؤه له ولا سماعُه منه، فلا أعلم الخلافَ فيه بأنه لا يُقبل. ولو كنا نقول بقول مسلم: بأن مُعَنْعَن المتعاصِرَيْنِ محمولٌ على الاتصال ولو لم يُعلم التقاؤهما، فإنما ذلك في غير المدلِّسين، وأيضًا فلما قدمناه مِن صحة طواف النبي ﷺ يومئذ نهارًا، والخلاف في رد حديث المدلِّسين حتى يُعلم اتصالُه، أو قبوله حتَّى يعلم انقطاعه، إنما هو إذا لم يُعارضه ما لا شكَّ في صحته وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته، انتهى كلامه.

ويدل على غلط أبى الزُّبيرِ على عائشة، أن أبا سلمة بنَ عبد الرحمن روى عن عائشة، أنَّها قالت: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ. وروى محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها: أن النبي ﷺ، أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلًا، وهذا غلط أيضًا.

قال البيهقي: وأصحُّ هذه الرواياتِ حديثُ نافع عن ابن عمر، وحديثُ جابر، وحديث أبي سلمة عن عائشة، يعني: أنه طاف نهارًا.

قلتُ: إنما نشأ الغلطُ مِن تسمية الطوافِ، فإن النبي ﷺ أخَّرَ طوافَ الوَدَاع إلى الليل، كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة. قالت: خرجنا مع النبي ﷺ فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ، فدعا عَبْدَ الرحمن بن أبي بكر، فقال: "اخْرُجْ بأخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، ثم افْرُغَا مِن طَوَافِكُما، ثم ائتياني هاهنا بالمُحَصَّبِ" قالت: فَقَضَى الله العُمرة، وفرغنا مِن طوافنا في جَوْفِ اللَّيل، فأتيناه بالمحَصَّبِ، فقال: "فَرَغْتُمَا"؟ قُلنا: نعم. فأذَّن في الناسِ بالرحيل، فمرَّ بالبيتِ، فطافَ به، ثم ارتحلَ متوجهًا إلى المدينة.

فهذا هو الطواف الذي أخَّره إلى الليل بلا ريب، فغلط فيه أبو الزبير، أو مَنْ حدَّثه بِه، وقال: طواف الزيارة، والله الموفق.

ولم يَرْمُلْ ﷺ في هذا الطواف، ولا في طَوافِ الوَدَاعِ، وإنما رَمَلَ في طوافِ القُدوم.

فصل

ثمَّ أتى زمزمَ بعد أن قضى طوافَه وهم يسقون، فقال: "لَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ، لنَزَلْتُ فَسَقَيْتُ مَعَكُمْ" ثُمَّ ناولُوه الدَّلْوَ، فَشَربَ وهُوَ قَائِم.

فقيل: هذَا نسخٌ لنهيه عن الشرب قائمًا، وقيل: بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأَوْلى، وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر.

وهل كان في طوافه هذا راكبًا أو ماشيًا؟ فروى مسلم في صحيحه، عن جابر قال: "طافَ رسولُ اللهِ ﷺ بالبَيْتِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على رَاحِلته يَستلِم الرُّكنَ بِمحْجَنِه لأن يراه الناسُ وليُشْرِفَ، ولِيسألُوه، فإنَّ الناسَ غَشُوْهُ".

وفي الصحيحين، عن ابنِ عباس قال: "طافَ النبي ﷺ في حَجة الوداع، على بعير يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمحْجَنٍ".

وهذا الطواف ليس بطواف الوداع، فإنه كان ليلًا، وليس بطواف القُدوم لوجهين.

أحدهما: أنه قد صحَّ عنه الرَّمَلُ في طواف القدوم، ولم يقل أحد قطُّ: رَمَلَتْ بِه رَاحِلَتُه، وإنما قالوا: رَمَلَ نَفْسُهُ.

والثاني: قول الشريد بن سويد: "أفضتُ مع رسولِ الله ﷺ، فما مَسَّتْ قدماه الأرْضَ حتَّى أتى جَمْعًا".

وهذا ظاهره، أنه من حين أفاض معه، ما مسَّت قدماه الأرض إلى أن رجع، ولا ينتقِضُ هذا بركعتي الطواف، فإن شأنَهما معلوم.

قلت: والظاهر: أن الشريد بن سويد، إنما أراد الإفاضة معه من عرفة، ولهذا قال: حتى أتى جَمْعًا وهى مزدلفة، ولم يُرد الإفاضة إلى البيت يومَ النحر، ولا ينتقِضُ هذا بنزوله عند الشِّعب حين بال، ثم رَكِبَ لأنه ليس بنزول مستقر، وإنما مسَّت قدماه الأرضَ مسًا عارِضًا. والله أعلم.

فصل

ثم رجع إلى مِنَى، واختُلِفَ أين صلَّى الظهر يومئذ، ففي الصحيحين: عن ابنِ عُمر، أنه ﷺ أفاضَ يوم النحر، ثم رجع، فصلَّى الظهرَ بِمنَى.

وفي صحيح مسلم: عن جابر، أنه ﷺ صلَّى الظُّهرَ بمكَّة وكذلك قالت عائشةُ.

واختُلِفَ في ترجيح أحدِ هذينِ القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم: قول عائشة وجابر أولى وتَبِعَه على هذا جماعة، ورجَّحوا هذا القولَ بوجوه.

أحدها: أنه روايةُ اثنين، وهما أولى من الواحد.

الثاني: أن عائشة أخصُّ الناسِ به ﷺ، ولها من القُرب والاختصاص به والمزية ما ليس لغيرها.

الثالث: أن سياق جابر لِحَجَّةِ النبي ﷺ من أولها إلى آخرها، أتمُّ سياق، وقد حَفِظَ القِصَّةَ وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتَّى ضبط منها أمرًا لا يتعلَّق بالمناسك، وهو نزولُ النبي ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ في الطَّريق، فقَضَى حاجَته عند الشِّعب، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، فمَن ضبط هذا القدر، فهو بضبط مكانِ صلاته يومَ النحر أولى.

الرابع: أن حَجَّة الوداع كانت في آذار، وهو تساوى الليلِ والنهارِ، وقد دفع مِن مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى مِنَى، وخطب بها الناسَ، ونحر بُدْنًا عظيمة، وقَسمَها، وطُبِخَ له من لحمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلَقَ رأسَه، وتطيَّب، ثم أفاض، فطافَ وشرب من ماء زمزم، ومِن نبيذ السِّقاية، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدارٍ يُمكِنُ معه الرجوعُ إلى مِنى، بحيثُ يُدرِكُ وقت الظهر في فصل آذار.

الخامس: أن هذين الحديثينِ، جاريانِ مجرى الناقِل والمبقى، فقد كانت عادتُه ﷺ في حَجته الصلاةَ في منزله الذي هو نازِل فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو خارج عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ.

ورجَّحت طائفة أخرى قول ابن عمر لوجوه:

أحدها: أنه لو صلَّى الظُّهر بمكة، لم تُصَلِّ الصحابة بِمنَى وحدانًا وزَرَافاتٍ، بل لم يكن لهم بُدٌّ من الصلاة خلفَ إمام يكون نائبًا عنه، ولم يَنْقُلْ هذا أحدٌ قطٌّ، ولا يقول أحد: إنه استناب مَن يُصلِّي بهم، ولولا علمُه أنه يرجع إليهم فيُصلِّي بهم، لقال: إن حَضَرَتِ الصلاةُ ولستُ عندكم، فليُصلِّ بكم فلان، وحيث لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلَّى الصحابة هناك وحدانًا قطعًا، ولا كان مِن عادتهم إذا اجتمعوا أن يُصلُّوا عِزِين، عُلِمَ أنهم صلُّوا معه على عادتهم.

الثاني: أنه لو صلَّى بمكة، لكان خَلْفَهُ بعضُ أهل البلد وهم مقيمون، وكان يأمرهم أن يُتِمُّوا صلاتهم، ولم يُنقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم، وحيث لم يُنقل هذا ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعًا، عُلِمَ أنه لم يُصلِّ حينئذ بمكة، وما ينقلُه بعض مَن لا علم عنده، أنه قال: "يا أَهْلَ مَكَّة أَتِمُّوا صَلاتَكُم فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ"، فإنما قاله عامَ الفتح، لا في حَجته.

الثالث: أنه من المعلوم، أنه لما طاف، ركع ركعتي الطواف، ومعلوم أن كثيرًا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعله لما ركع ركعتي الطواف، والناس خلفه يقتدُون به، ظن الظانُّ أنها صلاةُ الظهر، ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر، وهذا الوهمُ لا يُمكن رفعُ احتماله، بخلاف صلاته بِمنَى، فإنها لا تحتمِل غير الفرض.

الرابع: أنه لا يُحفظ عنه في حَجه أنه صلَّى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يُصلِّي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مُدّة مقامه كان يُصلِّي بهم أين نزلوا لا يُصلِّي في مكان آخر غير المنزل العام.

الخامس: أن حديث ابن عمر، متفق عليه، وحديث جابر، من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر، أصح منه، وكذلك هو في إسناده، فإن رواته أحفظ، وأشهر، وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عُبيد الله بن عمر العمري، وأين يقع حفظ جعفر مِن حفظ نافع؟

السادس: أن حديث عائشة، قد اضطربَ في وقت طوافه، فرُوى عنها على ثلاثة أوجه، أحدها: أنه طاف نهارًا، الثاني: أنه أخَّر الطَّواف إلى الليل، الثالث: أنه أفاض مِن آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة، بخلاف حديث ابن عمر.

السابع: أن حديثَ ابنِ عمر أصحُّ منه بلا نزاع، فإن حديثَ عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يُصرِّحْ بالسماع، بل عنعنه، فكيف يُقدَّم على قول عُبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر.

الثامن: أن حديث عائشة، ليس بالبيِّن أنه -صلَّى الله عليه وسلم- صلَّى الظهر بمكة، فإن لفظه هكذا: "أفاض رسولُ الله ﷺ مِن آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهر، ثم رجع إلى مِنَى، فمكث بها ليالي أيامِ التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات"، فأين دلالة هذا الحديثِ الصريحة، على أنه صلَّى الظهرَ يومئذ بمكة، وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: "أفاض يوم النحر، ثم صلَّى الظهر بمِنَى"، يعني راجعًا. وأين حديثٌ اتفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديثٍ اختُلِف في الاحتجاج به. والله أعلم.

فصل

قال ابن حزم: وطافت أمُّ سلمة في ذلك اليوم على بعيرها مِن وراء الناس وهى شَاكية، استأذنت النبي ﷺ في ذلك اليوم، فأذن لها، واحتج عليه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث زينب بنت أُم سلمة، عن أُم سلمة، قالت: شكوتُ إلى النبي ﷺ، أني أشتكى، فقال: "طُوفي مِنْ وَراءِ النَّاس وأَنْتِ رَاكبة" قالت: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ البَيْتِ، وهُوَ يَقْرَأُ: { وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } [27]، ولا يتبيَّنُ أن هذا الطوافَ هُوَ طوافُ الإفاضَة، لأن النبي ﷺ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور، ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعُه أمُّ سلمة من وراء الناس، وقد بيَّن أبو محمد غلطَ مَن قال: إنه أخَّره إلى الليل، فأصاب في ذلك.

وقد صح من حديث عائشة، أنَّ النبي ﷺ، أرسل بأُمِّ سلمة ليلةَ النحر، فرمت الجمرةَ قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت فكيف يلتئمُ هذا مع طوافها يومَ النحر وراءَ الناس، ورسولُ الله ﷺ إلى جانب البيت يُصلِّي ويقرأ في صلاته: { وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } [28]؟ هذا مِن المُحال، فإن هذه الصلاةَ والقراءة، كانت في صلاة الفجر، أو المغربِ، أو العشاءِ، وأمَّا أنها كانت يومَ النحر، ولم يكن ذلك الوقت رسولُ الله ﷺ بمكة قطعًا، فهذا من وهمه رحمه الله.

فطافت عائشة في ذلك اليوم طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا أجزأها عن حَجِّها وعُمرتها، وطافت صفيَّةُ ذلك اليوم، ثُمَّ حاضت فأجزأها طوافُها ذلك عن طواف الوداع، ولم تُوَدِّعْ، فاستقرَّت سُنَّتُه ﷺ في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف - أو قبل الوقوف -، أن تَقْرِنَ، وتكتفيَ بطواف واحد، وسعي واحد، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع.

فصل

ثم رجع ﷺ إلى مِنَى مِن يومه ذلك، فباتَ بها، فلما أصبَحَ، انتظرَ زوالَ الشَّمْسِ، فلما زالت، مشى مِن رحله إلى الجمَارِ، ولم يَرْكَبْ، فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فرماها بسبع حَصَياتٍ واحدةً بعدَ واحدةٍ، يقول مع كُلِّ حصاة: "اللهُ أكْبَرُ"، ثم تقدَّم على الجمرة أمامها حتى أسهلَ، فقام مستقبلَ القِبْلة، ثم رفعَ يديهِ وَدَعَا دُعاءًا طَوِيلًا بقدر سُورَةِ البقرة، ثم أتى إلى الجَمرة الوُسطى، فرماها كذلك، ثم انحدرَ ذاتَ اليَسارِ مما يلي الوادي، فوقفَ مستقبِلَ القِبْلة رافعًا يديه يدعو قريبًا مِن وقُوفِه الأولِ، ثم أتى الجمرَة الثَّالِثَة وهي جمرة العَقبة، فاستبطن الوادي، واستعرض الجَمرة، فجعل البَيْتَ عَن يسارِه، ومِنَى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك.

ولم يِرمِها مِن أعلاها كما يفعل الجُهَّال، ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيتَ وقت الرمي كما ذكره غيرُ واحد من الفقهاء.

فلما أكمل الرمي، رجع مِن فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل - وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة، فرغ الرميُ، والدعاءُ في صُلب العبادة قبل الفراغ منها أفضلُ منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سُنَّته في دعائه في الصلاة، إذ كان يدعو في صُلبها، فأما بعد الفراغ منها، فلم يثبت عنه أنه كان يعتادُ الدعاء، ومَن روى عنه ذلك، فقد غَلِط عليه، وإن رُوى في غير الصحيح أنه كان أحيانًا يدعو بدعاءٍ عارِض بعد السلام، وفى صحته نظر.

وبالجملة فلا ريبَ أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها، وعلَّمها الصِّدِّيق، إنما هي في صُلب الصلاة، وأما حديثُ معاذ بن جبل: "لا تَنْسَ أنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلى ذِكْركَ وشُكْرِكَ، وَحُسْن عِبادتِك"، فدُبُر الصلاة يُراد به آخرها قبل السلام منها، كدُبُر الحيوان، ويراد به ما بعد السلام كقوله: "تُسَبِّحُونَ اللهَ وتكبِّرونَ وتحمدونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ"، الحديث، والله أعلم.

فصل

ولم يزل في نفسي، هل كان يرمى قبلَ صلاة الظهر أو بعدَها؟ والذي يغلِبُ على الظن، أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يَرجع فيُصلِّي، لأن جابرًا وغيرَه قالوا: كانَ يرمي إذا زالتِ الشمس، فعقَّبوا زوالَ الشمس برميه. وأيضًا، فإن وقت الزوال للرمي أيامَ مِنَى، كطلوع الشمس لرمى يوم النحر، والنبي ﷺ يومَ النحر لما دخل وقتُ الرمي، لم يُقَدِّمْ عليه شيئًا من عِبادات ذلك اليوم، وأيضًا فإن الترمذي، وابنَ ماجه، رويا في "سننهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسولُ الله ﷺ يرمى الجِمارَ إذا زالت الشمس. زاد ابن ماجه: قَدْرَ ما إذا فرغ من رميه صلَّى الظهر، وقال الترمذي: حديث حسن، ولكن في إسناد حديث الترمذي: الحجاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه: إبراهيمُ ابن عثمان أبو شيبة، ولا يُحتج به، ولكن ليس في الباب غيرُ هذا.

وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمى يوم النحر راكبًا، وأيام مِنَى ماشيًا في ذهابه ورجوعه.

فصل

فقد تضمَّنت حَجَّته ﷺ سِتَّ وقفات للدعاء.

الموقف الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية.

فصل

وخطب ﷺ الناس بمِنَى خطبتين: خطبةً يوم النحر وقد تقدَّمت، والخطبَة الثانية: في أوسط أيَّامِ التشريق، فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطُها، أي: خيارها، واحتج مَن قال ذلك: بحديث سَرَّاء بنت نبهان، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أتدرون أيُّ يَوْمٍ هذَا"؟ -قَالَت: وهُو اليَوْمُِ الَّذي تَدْعُونَ يَوْمَ الرُّؤوس- قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هذَا أوْسَطُ أيَّامِ التَّشْريقِ، هَلْ تَدْرُونَ أيُّ بَلَد هذَا"؟ قالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: "هذَا المَشْعَرُ الحَرَامُ"، ثُمَّ قَال: "إنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عامي هذَا، ألا وَإنَّ دمَاءَكُم، وأَمْوالَكُم، وَأَعْرَاضَكُم عَلَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذَا، في شهركم هذا، في بَلَدِكُمْ هذَا، حَتَّى تَلْقُوْا رَبَّكم، فَيَسْأَلَكُم عَنْ أَعْمالِكُم، ألا فَلْيُبَلِّغْ أَدْنَاكُم أقصاكم، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ"؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينة، لَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ ﷺ. رواه أبو داود.

ويوم الرؤوس: هو ثاني يوم النحر بالاتفاق.

وذكر البيهقي، من حديث موسى بن عُبيدة الرّبَذِي، عن صدقة بن يسار، عن ابنِ عمر، قال: أُنْزِلَتْ هَذِه السُّورَةُ: { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ } [29]، على رسولِ الله ﷺ في وسط أيَّامِ التشريقِ، وعُرِفَ أنه الوداعُ، فأمر براحلته القَصْواء، فَرُحِلَتْ، واجتمع الناسُ فقال: "يا أيها النَّاسُ"، ثم ذكر الحديث في خطبته.

فصل

واستأذنه العباسُ بنُ عبد المطلب أن يَبيت بمكة ليالي مِنَى مِن أجل سقايته، فأذن له.

واستأذنه رِعاءُ الإبِلِ في البيتوتة خارِجَ مِنَى عند الإبل، فأرخص لهم أن يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا رميَ يومين بَعْدَ يوم النحر يرمُونَه في أحدهما.

قال مالك: ظننتُ أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمُون يومَ النَّفْرِ.

وقال ابنُ عيينة: في هذا الحديث رخَّص للرِّعاء أن يرموا يومًا، ويَدَعوا يومًا فيجوز لِلطَّائفتين بالسُّنَّة تركُ المبيت بمِنَى، وأما الرمي، فإنهم لا يتركُونه، بل لهم أن يُؤخِّروه إلى الليل، فيرمُون فيه، ولهم أن يجمعوا رميَ يومين في يوم، وإذا كان النبي ﷺ قد رخَّصَ لأهل السقاية، وللرِّعاء في البيتوتة، فمَن له مال يخافُ ضياعه، أو مريض يَخافُ مِن تخلُّفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم.

فصل

ولم يتعجل ﷺ في يومين، بل تأخر حتَّى أكمل رميَ أيامِ التشريق الثلاثَةَ، وأفاض يومَ الثلاثاء بعد الظهر إلى المُحَصَّبِ، وهو الأبطح، وهو خَيْف بني كِنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قُبَةً هناك، وكان على ثَقَلِه توفيقًا مِن الله عَزَّ وجَلَّ، دون أن يأمرَه به رسولُ الله ﷺ، فصلَّى الظُّهر، والعصرَ، والمغربَ، والعِشاء، ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ليلًا سحرًا، ولم يَرْمُلْ في هذا الطَّوافِ، وأخبرته صفية أنها حائض، فقال: "أحَابِسَتُنا هي"؟ فقالُوا له: إنها قَدْ أَفَاضَتْ قال: "فَلْتَنْفِرْ إذًا". ورَغِبَتْ إليه عائشةُ تلك الليلة أن يُعْمِرَها عُمرة مفردَة، فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأَ عن حجِّها وعُمرتها، فأبت إلا أن تعتمِرَ عُمرة مفردة، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يُعْمِرَها مِن التنعيم، فَفَرَغَتْ مِن عُمرتها لَيلًا ثمَّ وافَتِ المُحَصَّبَ مَعَ أخيها، فأتيا في جَوْفِ الليلِ، فقال رسولُ الله ﷺ: "فَرَغْتُمَا"؟ قالت: نَعَمْ، فنادَى بالرَّحِيل في أصحابه، فارتحلَ الناسُ، ثم طافَ بالبيت قبلَ صَلاةَ الصُّبح هذا لفظ البخاري.

فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا، وبين حديث الأسود عنها الذي في الصحيح أيضًا؟ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ، ولم نَرَ إلا الحَجَّ، فذكرتِ الحديثَ، وفيه: فلما كانت ليلة الحَصْبَةِ، قلتُ: يا رسول الله؛ يرجعُ النَّاس بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، وأَرْجعُ أَنا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالي قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لا. قَالَ: "فاذْهَبي مَعَ أخِيكِ إلَى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيني رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وأَنَا مُنْهَبطَةٌ عَلَيْهَا، أوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا.

ففي هذا الحديث، أنهما تلاقيا في الطَّريق، وفى الأول، أنه انتظرها في منزله، فلما جاءت نادى بالرحيلِ في أصحابه، ثم فيه إشكالٌ آخر، وهو قولُها: لقيني وهو مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وأَنَا مُنْهَبطَة عليها، أو بالعكس، فإن كانَ الأول، فيكون قد لقيها مُصعِدًا منها راجعًا إلى المدينة، وهي منهبطة عليها للعُمرة، وهذا يُنَافى انتظاره لها بالمحصَّب.

قال أبو محمد بن حزم: الصوابُ الذي لا شك فيه، أنها كانت مُصْعِدَةً مِنْ مَكَّة، وهو منهبِط، لأنها تقدَّمت إلى العُمرة، وانتظرها رسولُ الله ﷺ حتى جاءت، ثم نهضَ إلى طواف الوَداع، فلقيها منصرِفة إلى المحصَّبِ عن مكة، وهذا لا يصح، فإنها قالت: وهو منهبط منها، وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصَّب، والخروج من مكة، فكيف يقول أبو محمد: إنه نهض إلى طواف الوَداع وهو منهبط مِن مكة؟ هذا محال. وأبو محمد لم يحج، وحديث القاسم عنها صريح كما تقدَّم في أن رسولَ الله ﷺ انتظرها في منزله بعد النَّفْرِ حتى جاءت، فارتحل، وأذَّن في الناسِ بالرحيل، فإن كان حديثُ الأسود هذا محفوظًا، فصوابُه: لقيني رسولُ الله ﷺ، وأنا مُصعِدة من مكة، وهو منهبط إليها، فإنها طافت وقضت عُمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته قد أخذ في الهُبوط إلى مكَّة للوداع، فارتحل، وأذَّن في النَّاسِ بالرحيل، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا. وقد جُمِعَ بينهما بجمعين آخرين، وهما وهم.

أحدهما: أنه طاف للوداع مرتين: مرةً بعد أن بعثها، وقبل فراغها، ومرة بعد فراغها للوداع، وهذا مع أنه وَهمٌ بيِّن، فإنه لا يرفع الإشكال، بل يزيده فتأمله.

الثاني: أنه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة خوفَ المشقة على المسلمين في التحصيب، فَلَقِيَتْهُ وهى منهبطة إلى مكة، وهو مصعد إلى العَقبة، وهذا أقبحُ من الأول، لأنه ﷺ لم يخرج من العقبة أصلًا، وإنما خرج من أسفل مكة من الثَّنِيَّةِ السُّفلى بالاتفاق. وأيضًا: فعلى تقدير ذلك، لا يحصُل الجمع بين الحديثين.

وذكر أبو محمد بن حزم أنه رجع بعد خروجه مِن أسفل مكة إلى المحصَّب، وأمر بالرحيل، وهذا وهم أيضًا، لم يَرجعْ رسول الله ﷺ بَعْدَ وداعه إلى المحصَّب، وإنما مرَّ مِن فوره إلى المدينة.

وذكر في بعض تآليفه، أنه فعل ذلك، ليكون كالمحلِّق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه، فإنه بات بذي طُوى، ثم دخل من أعلى مكة، ثم خرج من أسفلها، ثم رجع إلى المحصَّب، ويكون هذا الرجوعُ من يماني مكة حتى تحصُل الدائرةُ، فإنه ﷺ لما جاء، نزل بذي طُوى، ثم أتى مكَّة مِن كَدَاء، ثم نزل به لما فرغ من الطواف، ثم لما فرغ من جميع النُّسُكِ، نزل به، ثم خرج من أسفل مَكَّة وأخذ من يمينها حتى أتى المحصَّب، ويحمل أمرُه بالرحيل ثانيًا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصِّب قومًا لم يرحلوا، فأمرهم بالرحيل، وتوجه مِن فوره ذلك إلى المدينة.

ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يُضحَك منه، ولولا التنبيهُ على أغلاط من غِلَطَ عليه ﷺ لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام. والذي كأنك تراه مِن فعله أنه نزل بالمحصَّب، وصلَّى به الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاء، ورقد رقدةً، ثم نهض إلى مكة، وطاف بها طواف الوداع ليلًا، ثم خرج مِن أسفلها إلى المدينة، ولم يرجعْ إلى المحصَّب، ولا دار دائرة، ففي صحيح البخاري: عن أنس، أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ورقد رَقدة بالمحصَّب، ثم ركب إلى البيت، وطاف به.

وفي الصحيحين: عن عائشة: خرجنا مَعَ رسولِ الله ﷺ، وذكرتِ الحديثَ، ثم قالت: حِين قضى اللهُ الحجَّ، ونَفَرْنَا مِن مِنَى، فنزلنا بالمحصَّب، فَدَعَا عَبْدَ الرحمنِ بن أبي بكر فقال له: " اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحرَمَ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُما، ثُمَّ ائتِيَانِي هاهنا بِالمُحَصَّب". قالَتْ فَقَضَى اللهُ العُمْرَةَ، وفرغنا مِنْ طَوَافِنَا في جَوْفِ اللَّيْلِ، فأتيناه بالمُحَصَّبِ. فَقَالَ: "فَرغْتُمَا "؟ قُلنَا: نَعَمْ. فَأَذَّنَ في النَّاسِ بالرَّحِيل، فَمَرَّ بِالبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، ثُمَّ ارتَحَلَ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ.

فهذا من أصح حديث على وجه الأرض، وأدلِّه على فساد ما ذكره ابنُ حزم، وغيرُه مِن تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها، ودليل على أن حديثَ الأسود غيرُ محفوظ، وإن كان محفوظًا، فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق.

وقد اختلف السَلَفُ في التحصيب هل هو سُنَّة، أو منزل اتفاق؟ على قولين. فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسولَ الله ﷺ قال حين أراد أن يَنفِرَ مِنْ مِنَى: "نَحْنُ نَازِلُون غَدًا إن شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بني كنانة حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفْر ". يعني بذلك المحصَّب، وذلك أن قريشًا وبني كنانة، تقاسَموا على بني هاشم، وبني المطلب، ألَّا يُناكحوهم، ولا يكونَ بينهم وبينهم شيءٌ حتى يُسلموا إليهم رسولَ الله ﷺ، فقصدَ النبي ﷺ إظهارَ شعائِرِ الإسلام في المكان الذي أظهرُوا فيه شعائِر الكُفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه، أن يُقيم شِعارَ التَّوحيد في مواضع شَعائِر الكُفر والشِّرك، كما أمر النبي ﷺ أن يُبنَى مسجدُ الطَّائِفِ مَوْضِعَ اللَّات والعُزَّى.

قالوا: وفي صحيح مسلم: عن ابن عمر، أن النَّبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، كانوا ينزلونه. وفى رواية لمسلم، عنه: أنه كان يرى التَّحصِيبَ سُنَّةٌ.

وقال البخاري عن ابن عمر: كان يُصَلِّي به الظهرَ، والعصرَ، والمغرب، والعشاء، ويَهْجَعُ، ويذكر أن رسولَ الله ﷺ فعل ذلك.

وذهب آخرون - منهم ابنُ عباس وعائشةُ - إلى أنه ليس بِسُّنَّة، وإنما هو منزل اتفاق، ففي الصحيحين عن ابن عباس، لَيْسَ المُحَصَّبُ بِشَيءٍ، وإنَّما هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.

وفي صحيح مسلم: عن أبي رافع، لم يأمُرْني رسولُ اللهِ ﷺ أن أنزلَ بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربتُ قُبَّتَه، ثم جاء فنزل. فأنزله الله فيه بتوفيقه، تصديقًا لقول رسوله: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بني كنانة"، وتَنْفِيذًا لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، ومَوَافَقَةً مِنْهُ لِرَسُولِه صلوات الله وسلامه عليه.

فصل

هاهنا ثلاثُ مسائل: هل دخل رسولُ اللهِ ﷺ البيت في حَجَّته، أم لا؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع، أم لا؟ وهل صَلَّى الصُّبح ليلةَ الوَداع بمكة، أو خارجًا منها؟

فأما المسألة الأولى، فزعم كثيرٌ من الفقهاء وغيرهم، أنه دخل البيت في حَجَّتِه، ويرى كثيرٌ من الناس أن دخولَ البيتِ مِنْ سُنن الحج اقتداءً بالنبيّ ﷺ. والذي تَدُلُّ عليه سُنَّتُه، أنه لم يَدْخُلِ البيتَ في حَجته ولا في عُمرته، وإنما دخله عام الفتح، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ يوم فتح مكة على ناقة لأُسامة، حتى أناخَ بفناء الكعبة، فدعا عُثمان بن طلحة بالمفتاح، فجاءه به، ففتح، فدخلَ النبي ﷺ، وأسامةُ، وبلالٌ، وعثمانُ بن طلحة، فأجافُوا عليهم الباب مَلِيًّا، ثم فتحوه. قال عبدُ الله: فبادرتُ الناس، فوجدتُ بلالًا على الباب. فقلت: أين صلَّى رسول الله ﷺ؟ قال: بين العمودين المقدَّمين. قال: ونسيتُ أن أسأله، كمْ صلَّى.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ، لما قَدم مكة، أبى أن يَدْخُلَ البيتَ وفيه الآلِهَة، قال: فأمر بِهَا فَأُخْرِجَت، فأخَرجُوا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وإسماعيلَ في أيْدِيهِمَا الأَزْلامُ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قَاتَلَهُمُ الله، أَمَا واللهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِما بِها قَطُّ ". قال: فَدَخَلَ البَيْتَ، فكَبَّرَ في نَوَاحِيه، ولم يُصَلِّ فِيهِ.

فقيل: كان ذلك دُخولين، صلَّى في أحدهما، ولم يُصلِّ في الآخر.

وهذه طريقةُ ضعفاء النقد، كلما رأوْا اختلافَ لفظ، جعلُوه قِصة أخرى، كما جعلوا الإسراء مِرارًا لاختلاف ألفاظه، وجَعَلُوا اشتراءَه مِن جابر بَعيرَه مِرارًا لاختلاف ألفاظِه، وجعلوا طوافَ الوَداع مرَّتين لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك.

وأما الجهابذة النُّقاد، فيرغبُون عن هذه الطريقةِ، ولا يجبُنُون عن تغليط مَنْ ليس معصومًا مِن الغَلَطِ ونسبته إلى الوهم، قال البخاري وغيرُه من الأئمة: والقولُ قولُ بلال، لأنه مثبت شاهدَ صلاته، بخلاف ابن عباس. والمقصود: أن دخوله البيت إنما كان في غزوةِ الفتح، لا في حَجَّهِ ولا عُمَرِهِ، وفي صحيح البخاري، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلتُ لعبد الله بن أبي أوفى: أدخلَ النبي ﷺ في عُمْرَتِهِ البَيْتَ؟ قال: لا.

وقالت عائشةُ: خرجَ رسولُ الله ﷺ مِن عندي وهو قَرِيرُ العَيْنِ، طيِّبُ النَّفْسِ، ثم رجع إليَّ وهو حزينُ القلب، فقلتُ: يا رَسُولَ الله؛ خرجتَ من عندي وأنتَ كذا وكذا. فقال: "إني دخلتُ الكعبة، وَوَدِدْتُ إني لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، إني أَخَافُ أَنْ أَكونَ قَدْ أَتْعَبْتُ أُمَّتي مِنْ بَعْدِي"، فهذا ليس فيه أنه كان في حَجته، بل إذا تأملتَهُ حقَّ التأمُّلِ، أطلعَكَ التَّأمُّلُّ على أنه كان في غَزاة الفتح، والله أعلم، وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تُصَلِّي في الحِجْرِ رَكْعَتَيْنِ.

فصل

وأما المسألة الثانية: وهى وقوفُه في الملتزم، فالذي روى عنه، أنه فعله يوم الفتح، ففي سنن أبي داود، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: "لما فتح رسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، انطلقتُ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ قَد خَرَجَ مِنَ الكَعْبَةِ هُوَ وأَصْحَابُه وقد استلَمُوا الرُّكْنَ مِنَ البَابِ إلى الحَطِيم، وَوَضَعُوا خُدُودَهُم على البَيْتِ، ورسولُ الله ﷺ وَسطَهُم".

وروى أبو داود أيضًا: مِن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: "طُفْتُ مَعَ عَبدِ الله، فَلَّما حَاذَى دُبُرَ الكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلا تَتَعَوّذُ؟ قال: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النار، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِراعَيْهِ هَكَذا، وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، وقَالَ: هَكَذَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ".

فهذا يحتمِل أن يكونَ في وقت الوداع، وأن يكونَ في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرُهما: إنه يُستحَب أن يَقِفَ في الملتزم بعد طواف الوَداع ويدعو، وكان ابنُ عباس رضي الله عنهما يلتزِمُ ما بين الرُّكن والبَابِ، وكان يقول: لا يلتزمُ ما بينهما أحدٌ يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إيَّاه، والله أعلم.

فصل

وأما المسألة الثالثة: وهى موضِعُ صلاته ﷺ صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع، ففي الصحيحين: عَن أمِّ سلمة، قالت: شكوتُ إلى رَسولِ الله ﷺ إني أشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". قالت: فطُفتُ ورسولُ الله ﷺ حِينئذ يُصلِّي إلى جنبِ البَيْتِ، وهُوَ يَقْرَأ ب { وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } [30] فهذا يحتمِل، أن يكونَ في الفجر وفى غيرها، وأن يكونَ في طواف الوَداعِ وغيرِه، فنظرنا في ذلك، فإذا البخاري قد روى في صحيحه في هذه القصة، أنه ﷺ لما أراد الخُروج، ولم تكن أُمُّ سلمة طافت بالبيت، وأرادتِ الخُروج، فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ: "إذا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلى بَعِيرِكِ، والنَّاسُ يُصَلُّونَ" فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. وهذا محال قطعًا أن يكون يومَ النحر، فهو طواف الوَداع بلا ريب، فظهر أنَّه صلَّى الصُّبْحَ يومئذ عند البيت، وسمعته أُم سلمة يقرأ فيها بالطور.

فصل

ثم ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينَةِ، فلما كانَ بالرَّوحَاءِ، لقي ركبًا، فسلَّم عليهم، وقال: "مَنِ القَوْمُ"؟ فَقَالُوا: المُسْلِمُونَ، قالوا: فَمَنِ القَوْمُ؟ فَقَالَ: "رَسُولُ الله ﷺ "، فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبياّ لَهَا مِنْ مِحفَّتِها، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِهَذَا حَج؟ قال: "نَعَمْ، ولَكِ أَجْرٌ".

فلما أتى ذَا الحُلَيْفَةِ، باتَ بِهَا، فَلَمَّا رَأى المَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وقال: "لا إله إلَّا اللهُ وًَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَئٍ قَدِير، آيبِوُن تَائِبونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنا حَامدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه". ثم دخلها نهارًا مِن طَرِيق المُعَرَّسِ، وخَرَج مِن طرِيق الشَّجَرَةِ والله أعلم.

فصل في الأوهام[عدل]

فمنها: وهم لأبي محمد بن حزم في حَجَّة الوداع، حيث قال: إن النبي ﷺ أعْلَم النَّاسَ وقتَ خروجه "أنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ، تَعْدِلُ حَجَّةً" وهذا وَهْمٌ ظاهر، فإنَه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حَجَّته، إذ قال لأُمِّ سِنَان الأَنْصَارِية: ما مَنَعَكِ أنْ تَكوني حَجَجْتِ مَعَنا؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إلَّا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدي وَابْني عَلَى نَاضِحٍ، وتَرَكَ لَنَا ناضحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ. قَالَ: "فإذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فاعْتَمري، فإنّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَقْضى حَجَّةً" هكذا رواه مسلم في صحيحه.

وكذلِكَ أيضًا قال هذا لأُمِّ معقلِ بعد رجوعه إلَى المدينة، كما رواه أبو داود، من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدَّته أم مَعْقِلٍ، قالت: لما حجَّ رسولُ الله ﷺ حجَّة الوَدَاع، وكان لنا جمل، فجعله أبو مَعْقِل في سبيل الله، فأصابنا مرضٌ، فهلك أبو مَعْقِل، وخرج رسول الله ﷺ، فلما فَرَغَ من حَجِّهِ، جئتُه، فَقال: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجى مَعَنا"؟ فقالت: لقد تهيَّأنا، فهلَكَ أبو مَعقِل، وكان لنا جمل وهو الذي نَحُجُّ عليه، فأوصى به أبو مَعْقل في سبيل الله. قال: "فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ فإنَّ الحَجَّ في سَبيلِ الله، فَأمَّا إذْ فَاتَتْكِ هذِه الحَجَّةُ مَعَنَا فاعْتَمرى في رَمَضَانَ، فإنَّها كحَجَّة".

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر له، وهو أنَّ خروجه كان يومَ الخميس لِستٍ بَقِين من ذي القِعْدَةِ، وقد تقدَّم أنه خرج لخمس، وأن خروجه كان يومَ السبت.

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر لبعضهم: ذكر الطبري في "حَجة الوداع" أنه خرج يومَ الجمعة بعد الصَّلاة. والذي حمله على هذا الوهم القبيح، قوله في الحديث: "خرج لِستٍ بقين"، فظن أن هذا لا يُمكن إلا أن يكون الخروجُ يومَ الجمعة، إذ تمامُ الست يوم الأربعاء، وأولُ ذي الحِجة كان يوم الخميس بلا ريب، وهذا خطأ فاحش، فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه، أنه صلَّى الظهرَ يومَ خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُليفة ركعتين، ثبت ذلك في الصحيحين.

وحكى الطبري في حَجته قولًا ثالثًا: إن خروجه كان يومَ السبت، وهو اختيارُ الواقدي، وهو القول الذي رجحناه أولًا، لكن الواقدي، وهم في ذلك ثلاثة أوهام، أحدها: أنه زعم أن النبي ﷺ صلَّى يومَ خروجه الظهر بذي الحُليفة ركعتين، الوهم الثاني: أنه أحرم ذلكَ اليومَ عَقيبَ صلاةِ الظهر، وإنما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحُليفة، الوهم الثالث: أن الوقفة كانت يومَ السبت، وهذا لم يقلْه غيره، وهو وَهْمٌ بيِّنٌ.

فصل

ومنها وَهْمٌ للقاضى عياض رحمه الله وغيره: أنه ﷺ، تطيَّب هُناكَ قبل غسله، ثم غسل الطِّيب عنه لما اغتسل، ومنشأ هذا الوهم، مِن سياق ما وقع في صحيح مسلم في حديثِ عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ، ثُمَّ طافَ عَلى نِسائِه بَعدَ ذلِك، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا".

والذي يردُّ هذا الوهم، قولُها: طيَّبتُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامه، وقولُها: كأنى أنظر إلى وَبِيصِ الطِّيب - أي: بريقه - في مفارِق رسول الله ﷺ وهو مُحرِم، وفي لفظ: وهو يُلبِّي بعد ثلاثٍ من إحرامه، وفي لفظ: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرم، تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثم أرَى وَبيصَ الطِّيبِ في رأسه ولحيته بعد ذلك، وكل هذه الألفاظ ألفاظُ الصحيح.

وأما الحديثُ الذي احتج به، فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتَشِرِ، عن أبيه، عنها: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا". وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه.

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر لأبي محمد بن حزم: أنه ﷺ أحرم قبل الظهر، وهو وَهْمٌ ظاهر، لم يُنقل في شىء من الأحاديث، وإنما أهلَّ عقيب صلاة الظهر في موضع مُصلاه، ثم ركب ناقته، واستوت به على البيداء وهو يُهِلُّ، وهذا يقينًا كان بعد صلاة الظهر، والله أعلم.

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر له وهو قوله: وساق الهَدْي مع نفسه، وكان هَدْيَ تطوع، وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة، أن القارِن لا يلزمه هَدْي، وإنما يلزم المتمتع، وقد تقدَّم بطلانُ هذا القول.

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر لمن قال إنه لم يُعيِّن في إحرامه نُسُكًا، بل أطلقه، ووَهْمٌ مَن قال: إنه عيَّن عُمرة مفردة كان متمتعًا بها، كما قاله القاضي أبو يعلى، وصاحب "المغني" وغيرهما، ووَهْمُ مَن قال: إنه عيَّن حَجًّا مفردًا مجردًا لم يعتمِر معه، ووَهْمُ مَن قال: إنه عيَّن عُمرة، ثم أدخل عليها الحَجَّ، ووَهْمُ مَن قال: إنه عيَّن حجًا مفردًا، ثم أدخل عليه العُمرة بعد ذلك، وكان مِن خصائصه، وقد تقدَّم بيانُ مستند ذلك، ووجهُ الصوابِ فيه. والله أعلم.

فصل

ومنها وَهْمٌ لأحمد بن عبد الله الطبري في "حَجة الوداع" له: أنهم لما كانوا ببعض الطريق، صاد أبو قتادة حِمارًا وحشيًا ولم يكن محرمًا، فأكل منه النبي ﷺ، وهذا إنما كان في عُمرة الحُديبية، كما رواه البخاري.

فصل

ومنها وَهْمٌ آخر لبعضهم، حكاه الطبري عنه ﷺ أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وهو غلط، فإنما دخلها يوم الأحد صُبح رابعةٍ من ذي الحِجة.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن قال: إنه ﷺ حلَّ بعد طوافه وسعيه، كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابُه، وقد بيَّنا أن مستند هذا الوهم وَهْمُ معاوية، أو مَنْ روى عنه أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بِمِشْقَصٍ على المروة في حجته.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه ﷺ كان يُقَبِّل الرُّكن اليماني في طوافه، وإنما ذلك الحجرُ الأسود، وسماه اليماني، لأنه يُطلق عليه، وعلى الآخر اليمانيين، فعبَّر بعضُ الرواة عنه باليماني منفردًا.

فصل

ومنها وَهْمٌ فاحش لأبي محمد بن حزم أنه رَمَلَ في السعى ثلاثة أشواط ومشى أربعة، وأعجبُ من هذا الوهم وهمُه في حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه طاف بين الصفَّا والمروة أربعةَ عشر شوطًا، وكان ذهابُه وإيابُه مرةً واحدة، وقد تقدَّم بيانُ بطلانه.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم، أنَّه ﷺ صلَّى الصُّبْحَ يومَ النَّحر قبل الوقت، ومُسْتَنَدُ هذا الوهم، حديثُ ابن مسعود، أن النبي ﷺ صلَّى الفجر يومَ النحر قبلَ ميقاتها وهذا إنما أراد به قبلَ ميقاتها الذي كانت عادتُه أن يُصليَها فيه، فعجَّلها عليه يومئذ، ولا بُدَّ من هذا التأويل، وحديث ابن مسعود، إنما يدل على هذا، فإنه في صحيح البخاري عنه، أنه قال: "هُمَا صَلاتَانِ تُحَوَّلانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلاةُ المَغْرِب بَعْدَمَا يأتي الناسُ المُزْدَلِفة، والفَجْرِ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. وقال في حديث جابر في حجَّة الوداع: فصلَّى الصُّبحَ حين تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بأَذَانٍ وَإقَامَةٍ".

فصل

ومنها وَهْمُ مَن وَهِمَ في أنه صلَّى الظُّهر والعًَصْرَ يومَ عرفة، والمغربَ، والعِشاء، تلك الليلة، بأذانين وإقامتين، ووَهْمُ مَن قال: صلَّاهما بإقامتين بلا أذان أصلًا، ووَهْمُ مَن قال: جمع بينهما بإقامَةٍ واحِدة، والصحيح: أنه صلَّاهُما بأذان واحد، وإقامة لِكلِّ صلاة.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه خطب بعرفة خُطبتين، جلس بينهما، ثمَّ أذَّن المؤذِّنُ، فلما فرغ، أخذ في الخُطبة الثانية، فلما فرغ منها، أقام الصَّلاة، وهذا لم يجئ في شئ من الأحاديث البتة، وحديث جابر صريح، في أنه لما أكمل خُطبته أذَّن بلال، وأقامَ الصلاة، فصلَّى الظهر بعد الخطبة.

فصل

ومنها وَهْمٌ لأبي ثور: أنه لما صَعِدَ، أذَّن المؤذِّن، فلما فرغ، قام فخطب، وهذا وهم ظاهر، فإن الأذان إنما كان بعد الخطبة.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن روى، أنه قدَّم أُمَّ سلمة ليلةَ النحر، وأمرها أن تُوافيَه صلاة الصبح بمكة، وقد تقدَّم بيانه.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم، أنه أخَّر طواف الزيارة يومَ النحر إلى الليل، وقد تقدَّم بيانُ ذلك، وأن الذي أخَّره إلى الليل، إنما هو طوافُ الوَداع، ومستند هذا الوهم - والله أعلم - أن عائشة قالت: "أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ من آخر يومه"، كذلك قال عبدُ الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، فحمل عنها على المعنى، وقيل: أخَّر طواف الزيارة إلى الليل.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن وَهِمَ وقال: إنه أفاض مرتين: مرَّة بالنهار، ومرةً مع نسائه بالليل، ومستند هذا الوهم، ما رواه عمر بن قيس، عن عبد الرحمنِ ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، "أن النبي ﷺ، أَذِنَ لأصحابه، فزارُوا البيتَ يَوْمَ النَّحرِ ظهيرةً، وزارَ رسولُ الله ﷺ مع نسائه ليلًا".

وهذا غلط، والصحيح عن عائشة خلاف هذا: أنه أفاض نهارًا إفاضة واحدة، وهذه طريقة وخيمة جدًا، سلكها ضِعافُ أهل العلم المتمسكون بأذيال التقليد. والله أعلم.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم، أنه طاف للقدوم يومَ النحر، ثم طافَ بعده للزيارة، وقد تقدَّم مستندُ ذلك وبطلانُه.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف. واحتج بذلك على أن القارِن يحتاجُ إلى سعيين، وقد تقدَّم بطلانُ ذلك عنه، وأنه لم يسع إلا سعيًا واحدًا، كما قالت عائشةُ وجابر رضي الله عنهما.

فصل

ومنها - على القول الراجح - وَهْمُ مَن قال: إنه صلَّى الظهر يومَ النحر بمكة، والصحيح: أنه صلاها بمِنَى كما تقدَّم.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه لم يُسرِعْ في وادى مُحَسِّرٍ حين أفاض من جَمْع إلى مِنَى، وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب، ومستند هذا الوهم قولُ ابن عباس: إنما كان بدْءُ الإيضَاع من قِبَلِ أهل البادية، كانوا يقِفون حافتى الناس حتى علَّقوا القِعَابَ والعِصِيَّ والجِعَابَ، فإذا أفاضوا، تقعقعت تلك فنفروا بالناس، ولقد رؤى رسولُ الله ﷺ، وإن ذِفْرَى ناقته لَيَمَسُّ حَارِكَها وهو يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ عَلَيْكُم السَّكِينَة". وفى رواية: "إنَّ البِرَّ لَيْسَ بِايجَافِ الخَيْلِ وَالإبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ"، فَمَا رَأَيْتُها رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنَى، رواه أبو داود.

ولذلك أنكره طاووس والشعبي، قال الشعبي: حدثني أُسامة بن زيد، أنه أفاض مع رسولِ الله ﷺ مِن عرفة، فلم ترفع راحلتُه رِجلها عاديةً حتى بلغ جَمْعًا. قال: وحدثني الفضلُ بنُ عباس، أنه كان رديفَ رسولِ الله ﷺ في جَمْع، فلم ترفع راحلتُه رجلها عادية حتَّى رمى الجمرة. وقال عطاء: إنما أحدث هؤلاء الإسراع، يُريدون أن يفوتوا الغُبار. ومنشأ هذا الوهم اشتباهُ الإيضاع وقتَ الدفع من عرفة الذي يفعله الأعرابُ وجفاةُ الناس بالإيضاع في وادى مُحَسِّرٍ، فإن الإيضَاعَ هناك بدعة لم يفعلْه رسولُ الله ﷺ، بل نهى عنه، والإيضاعُ في وادى محسِّر سُنَّة نقلها عن رسول الله ﷺ: جابر، وعلى بن أبي طالب، والعباسُ بن عبد المطلب رضي الله عنهم، وفعله عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، وكان ابن الزبير يُوضِع أشدَّ الإيضاعِ، وفعلته عائشةُ وغيرُهم مِن الصحابة، والقولُ في هذا قولُ مَن أثبت، لا قولُ مَن نفى. والله أعلم.

فصل

ومنها وَهْمُ طاووس وغيره: أن النبي ﷺ كان يُفيضُ كُلَّ ليلة من ليالى مِنَى إلى البيت، وقال البخاري في صحيحه: ويُذكر عن أبى حسان، عن ابنِ عباس أنَّ النبي ﷺ "كان يزورُ البيتَ أيامَ مِنَى" ورواه ابنُ عَرْعَرَةَ، دفع إلينا مُعاذُ بنُ هِشام كتابًا قال: سمعتُه من أبى ولم يقرأه، قال: وكان فيه عن أبى حسان، عن ابن عباس أن رسولَ الله ﷺ "كان يزورُ البيت كُلَّ ليلةٍ ما دام بمِنَى". قال: وما رأيتُ أحدًا واطأه عليه، انتهى.

ورواه الثوري في جامعه عن ابن طاووس عن أبيه مرسلًا، وهو وَهْمٌ، فإن النبي ﷺ لم يَرْجِعْ إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة، وبقى في مِنَى إلى حين الوَداع، والله وأعلم.

فصل

ومنها وَهْمٌ مَن قال: إنه ودَّع مرتين، ووَهْمُ مَن قال: إنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه، فبات بذي طُوَى، ثم دخل من أعلاها، ثم خرج من أسفلها، ثم رجع إلى المحصَّب عن يمين مكة، فكملت الدائرة.

فصل

ومنها وَهْمُ مَن زعم: أنه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة، فهذه كلُّها من الأوهام نبهَّنا عليها مفصَّلًا ومجملًا، وبالله التوفيق.

فصول: في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة[عدل]

(فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا)[عدل]

وهي مختصة بالأزواج الثمانيةِ المذكورةِ في سُورة "الأنعام" ولم يُعرف عنه ﷺ، ولا عن الصَّحابة هَدْي، ولا أُضحية، ولا عقيقةٌ مِن غيرها، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات.

إحداها: قوله تعالى: { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنعَامِ } [31].

والثانية: قولُه تعالى: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } [32].

والثالثة: قولُه تعالى: { وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا، كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ، إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج } [33] ثم ذكرها.

الرابعة: قولُه تعالى: { هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ } [34].

فدلَّ على أنَّ الذي يبلُغ الكعبةَ من الهَدْي هو هذه الأزواجُ الثمانية وهذا استنباطُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والذبائح التي هي قُرْبة إلى الله وعبادة: هي ثلاثة: الهَدْيُ، والأُضحية، والعقيقةُ.

فأهدى رسول الله ﷺ الغنَم، وأهدى الإبل، وأهدى عن نسائه البقرَ، وأهدى في مقامه، وفى عُمرته، وفى حَجته، وكانت سُنَّتُه تقليدَ الغنم دون إشعارها.

وكان إذا بعث بهَدْيِه وهو مُقيم لم يَحْرُمْ عَلَيْهِ شىء كان مِنه حَلالًا.

وكان إذا أهدى الإبل، قلَّدها وأَشْعَرَها، فيشُقُّ صفحة سَنَامِها الأيمنِ يسيرًا حتى يَسيلَ الدم. قال الشافعي: والإشعار في الصفحة اليمنى، كذلك أشعر النبي ﷺ.

وكان إذا بعث بهَدْيهِ، أمرَ رسولَه إذا أشرف على عَطَبٍ شىءٌ منه أن يَنحره، ثم يَصْبغَ نعلَه في دمه، ثم يجعلَه على صفحته، ولا يأكل منه هو، ولا أحدٌ من أهل رفقته ثم يقسِمُ لحمه، ومنعه من هذا الأكل سدًا للذريعة، فإنه لعلَّه ربَّما قصَّر في حفظه ليُشارِفَ العطَب، فينحره، ويأكل منه، فإذا علم أنه لا يأكلُ منه شيئًا، اجتهَد في حفظه.

وشرَّك بين أصحابه في الهَدْي كما تقدَّم: البدنةُ عن سبعة، والبقرةُ كذلك.

وأباح لسائق الهَدْي ركوبَه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يَجِدَ ظهرًا غيرَه وقال علي رضي الله عنه: يشربُ مِن لَبنها ما فضَل عن ولدها.

وكان هَديُه ﷺ نحرَ الإبل قيامًا، مقيَّدة، معقولَة اليُسرى، على ثلاث، وكان يُسمِّي اللهَ عِند نحره، ويُكبِّرُ، وكان يذبح نُسُكه بيده، وربما وكَّل في بعضه، كما أمر عليًا رضي الله عنه أن يذبح ما بقى من المائة. وكان إذا ذبح الغنم، وضع قدَمه على صِفاحها ثم سمَّى وكبَّر، وذبح، وقد تقدَّم أنه نحر بمِنَى وقال: " إنَّ فِجاجَ مَكَّةَ كُلَّهَا مَنْحَرٌ" وقال ابنُ عباس: مناحِرُ البُدن بمكة، ولكنها نُزِّهَتْ عن الدماء، ومِنَى مِن مكة، وكان ابنُ عباس ينحرُ بمكة.

وأباحَ ﷺ لأُمَّتِه أن يأكُلوا من هَداياهم وضحاياهم، ويتزوَّدوا منها، ونهاهم مرةً أن يدَّخِروا منها بعد ثلاثٍ لدافَّةٍِ دَفَّتْ عليهم ذلكَ العامَ مِن الناس، فأحبَّ أن يُوسِّعوا عليهم.

وذكر أبو دواد من حديث جُبير بن نفير، عن ثوبان قال: ضَحَّى رسولُ اللهِ ﷺ ثم قَالَ: "يا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَنَا لَحْمَ هذِهِ الشَّاةِ " قال: فَمَا زِلْتُ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ.

وروى مسلم هذه القصة، ولفظه فيها: أن رسولَ الله ﷺ قال له في حَجة الوداع: "أَصْلِحْ هذَا اللَّحْمَ " قال: فَأصْلحْتُه، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ المَدِينَة.

وكان رُبَّما قسم لُحوم الهَدْي، ورُبما قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ" فعل هذا، وفعل هذا، واستدل بهذا على جواز النُّهبة في النِّثار في العُرس ونحوه، وفُرِّقَ بينهما بما لا يَتَبَّينُ.

فصل

وكان مِن هَدْيه ﷺ ذبحُ هَدْي العُمرة عند المروةِ، وهَدْيِ القِران بمِنَى، وكذلك كان ابنُ عمر يفعل، ولم ينحر هَدْيَه ﷺ قطُّ إلا بعد أن حَلَّ، ولم ينحره قبل يومِ النحر، ولا أحدٌ مِن الصحابة البتة، ولم ينحره أيضًا إلا بعد طُلوع الشمس، وبعد الرمي، فهي أربعة أُمور مرتبة يوم النحر، أولها: الرمي، ثم النَّحرُ، ثمَّ الحلقُ، ثم الطوافُ، وهكذا رتَّبها ﷺ ولم يُرخِّص في النحر قبل طلوعِ الشمس البتة، ولا ريبَ أن ذَلكَ مخالف لهَدْيِه، فحكمُه حكمُ الأُضحية إذا ذُبحت قبلَ طلوعِ الشمسِ.

فصل وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي[عدل]

فإنه ﷺ لم يكن يَدَعُ الأُضحية، وكان يُضَحِّي بكبشين، وكان ينحرُهما بعد صلاة العيد، وأخبر أن: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَىءٍ، وإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ". هذا الذي دلَّت عليه سُنَّتُه وهَدْيُه، لا الاعتبارُ بوقت الصلاة والخطبة، بل بنَفس فِعلها، وهذا هو الذي ندينُ الله به، وأمرهم أن يَذبحوا الجَذَعَ مِن الضَّأْنِ والثَّنِيَّ مِمَّا سِوَاهُ، وهي المُسِنَّة.

وروي عنه أنه قَال: "كُلُّ أيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ" لكنَّ الحديثَ مُنقطعٌ لا يثبُت وصلُه.

وأما نهيهُ عن ادِّخارِ لحومِ الأضاحى فوقَ ثلاثٍ، فلا يدُل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط، لأن الحديث دليل على نهى الذابح أن يدَّخِرَ شيئًا فوق ثلاثة أيام مِن يوم ذبحه، فلو أخَّر الذبح إلى اليوم الثالث، لجاز له الادِّخارُ وقتَ النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام، والَّذين حدَّدوه بالثلاث، فهموا من نهيه عن الادِّخار فوقَ ثلاث أنَّ أولها من يوم النحر، قالوا: وغيرُ جائز أن يكون الذبحُ مشروعًا في وقت يحرُم فيه الأكلُ، قالوا: ثم نُسِخَ تحريم الأكل فبقى وقت الذبح بحاله.

فيقال لهم: إن النبي ﷺ لم يَنْهَ إلا عن الادِّخارِ فوق ثلاث، لم ينه عن التضحية بعد ثلاث، فأين أحدهما من الآخر، ولا تلازم بين ما نهى عنه، وبين اختصاصِ الذبح بثلاث لوجهين.

أحدهما: أنه يسوغُ الذبحُ في اليوم الثاني والثالثِ، فيجوزُ له الادِّخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح، ولا يَتِمُّ لكم الاستدلالُ حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر، ولا سبيلَ لكم إلى هذا.

الثاني: أنه لو ذبح في آخر جزءٍ من يوم النحر، لساغ له حينئذ الادِّخارُ ثلاثة أيامٍ بعده بمقتضى الحديث، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أيامُ النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وهو مذهبُ إمام أهلِ البصرةِ الحسنِ، وإمام أهل مكة عطاءِ بن أبي رباح، وإمامِ أهلِ الشام الأوزاعي، وإمامِ فقهاء أهلِ الحديث الشافعي رحمه الله، واختاره ابنُ المنذر، ولأن الثلاثة تختصُّ بكونها أيام مِنَى، وأيام الرمي، وأَيام التشريق، ويحرُم صيامُها، فهي إخوة في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. وروى من وجهين مختلفين يَشُدُّ أحدُهما الآخر عن النبي ﷺ أنه قال: " كُلُّ مِنَى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيامِ التَّشريِقِ ذَبْحٌ"، وروى من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع، ومن حديث أُسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر.

قال يعقوب بن سفيان: أُسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون، وفى هذه المسألة أربعةُ أقوال، هذا أحدُها.

والثاني: أنَّ وقتَ الذبح، يومُ النَّحر، ويومانِ بعده، وهذا مذهبُ أحمد، ومالك، وأبي حنيفة رحمهم الله، قال أحمد: هو قولُ غيرِ واحدٍ من أصحابِ محمدٍ ﷺ، وذكره الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.

الثالث: أنَّ وقتَ النحر يومٌ واحد، وهو قولُ ابنِ سيرين، لأنه اختصَّ بهذه التسميةِ، فدلَّ على اختصاص حكمِها به، ولو جاز في الثلاثة، لقيل لها: أيامُ النحر، كما قيل لها: أيامُ الرمي، وأيامُ مِنَى، وأيامٍُ التشريقِ، ولأن العيد يُضاف إلى النَّحر، وهو يومٌ واحد، كما يقال: عيد الفطر.

الرابع: قولُ سعيدِ بنِ جبير، وجابرِ بن زيد: أنه يوم واحد في الأمصار، وثلاثةُ أيام في مِنَى، لأنها هناك أيام أعمالِ المناسكِ من الرمي والطواف والحلقِ، فكانت أيامًا للذبح، بخلاف أهلِ الأمصار.

فصل

ومن هَدْيه ﷺ: أن مَن أراد التَّضحيةَ، ودخل يومُ العشر، فلا يأخُذْ مِن شعره وبشره شيئًا، ثبت النهي عن ذلك في صحيح مسلم وأما الدارقطني فقال: الصحيحُ عندي أنه موقوف على أُمِّ سلمة.

وكان مِن هَدْيه ﷺ اختيارُ الأُضحيةِ، واستحسانُها، وسلامُتها مِن العُيوب، ونهى أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الأَذُنِ والقَرْنِ، أي: مقطوعة الأذن، ومكسورة القَرن، النصف فما زاد، ذكره أبو داود، وأمرَ أَنْ تُسْتَشْرَفَ العَيْنُ والأُذُنُ، أي: يُنظر إلى سلامتها، وأن لا يُضحَّى بِعَوْرَاءَ، ولا مُقابَلَة، ولا مُدَابَرَة، ولا شرقاءَ، ولا خَرْقَاءَ. والمُقَابَلَةُ: هي التي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِها، والمُدَابَرَةُ: التي قُطِعَ مُؤَخَّرُ أُذُنِهَا، والشَّرُقَاءُ: التي شُقَّتْ أُذُنُها، والخَرْقَاءُ: التي خُرِقَتْ أُذُنُها. ذكره أبو داود.

وذكر عنه أيضًا: "أَرْبَعٌ لا تُجْزِئُ في الأَضَاحِي: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، والمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، والعَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُهَا، والكَسيرَةُ التي لا تُنْقى، والعَجْفَاءُ التي لا تُنْقى" أي: من هزالها لا مُخَّ فيها.

وذكر أيضًا أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن المُصْفَرةِ، والمُسْتَأْصَلَةِ، والبَخْقَاء، والمُشَيَّعَةِ، والكَسْراء. فالمُصُفَرة: التي تُستأصل أذُنها حتى يَبْدُوَ صِمَاخُها، والمُستَأْصَلَةُ: التي استُؤصِلَ قَرْنُها مِنْ أَصْلِهِ، والبَخْقَاء: التي بخقت عينُها، والمشيَّعة: التي لا تتبع الغنم عَجَفًا وضَعْفًا، والكَسْرَاءُ: الكَسِيرة، والله أعلم.

فصل

وكان مِن هَدْيه ﷺ أن يُضحِّيَ بالمُصلَّى، ذكره أبو داود عن جابر أنه شَهِدَ معه الأضحى بالمصلَّى، فلما قَضَى خُطبته نزل مِن منبره، وأُتى بِكَبْشٍ، فذبحه بيده وقال: "بِسْمِ الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، هذَا عَنِّي وَعَمَّن لَمْ يُضَحِّ مِنْ أمتى" وفي الصحيحين أنَّ النبي ﷺ كان يَذْبَحُ وينحَرُ بالمصَلَّى.

وذكر أبو داود عنه: أنه ذبح يومَ النحر كبشيْنِ أقرنين أمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَينِ، فلما وجَّهَهُمَا قال: "وجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، ومَا أَنَا مِنَ المُشْركِينَ، إنَّ صلاتي وَنسكي وَمحياي وَمماتي للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَريكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ" ثُمَّ ذَبَح.

وأمَر الناسَ إذا ذبحوا أن يُحسِنُوا الذبح، وإذا قتلُوا أن يُحسِنوا القِتلة، وقال: "إن اللهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ".

وكان من هَدْيه ﷺ أن الشاة تُجزِئُ عَنًِ الرَّجُلِ، وعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ولو كَثُرَ عددُهم، كما قال عطاءُ بن يسار: سألتُ أبا أيوبٍ الأنصاري: "كيف كانت الضَّحايا على عهدِ رسولِ الله ﷺ؟ فقال: إنْ كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة[عدل]

فى الموطأ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ العَقِيقَةِ، فقالَ: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ" كأنه كَرِهَ الاسم، ذكره عن زيد بن أسلم، عن رجل من بنى ضَمْرَةَ، عن أبيه. قال ابن عبد البر: وأحسنُ أسانيده ما ذكره عبد الرزاق: أنبأ داود ابن قيس، قال: سمعتُ عمرو بن شعيب يُحدِّث عن أبيه، عن جده قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عَنِ العَقِيقَةِ، فقال: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ" وكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَنْسُكُ أَحَدُنَا عَنْ وَلَدِهِ؟ فَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أنَ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ، فَلْيَفْعَلْ: عَنِ الغُلام شَاتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاة".

وصح عنه من حديث عائِشَةَ رضي الله عنها: "عَنِ الغُلام شَاتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ".

وقال: "كُلُّ غُلام رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، ويُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى".

قال الإمام أحمد: معناه أنه محبوسٌ عن الشفاعة في أبويه، والرهن في اللُّغة: الحبس، قال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [35]، وظاهر الحديثِ أنه رهينةٌ في نفسه، ممنوعٌ محبوس عن خير يُراد به، ولا يلزمُ من ذلك أن يُعاقَب على ذلك في الآخرة، وإن حُبِسَ بترك أبويه العقيقةَ عما ينالُه مَنْ عَقَّ عنه أبواه، وقد يفوتُ الولَد خير بسبب تفريطِ الأبوين وإن لم يكن مِن كسبه، كما أنَّه عند الجِماع إذا سمَّى أبوه، لم يضرَّ الشيطانُ ولَدَه، وإذا ترك التسميةَ، لم يحصل للولد هذا الحِفْظُ.

وأيضًا فإنَّ هذا إنما يدُلُّ على أنها لازمة لا بُد منها، فشبه لزومَها وعدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن. وقد يَسْتَدِلُّ بهذا مَن يرى وجوبَها كالليث بن سعْد والحسن البصري، وأهل الظاهر. والله أعلم.

فإن قيل: فكيف تصنعون في رواية همَّام عن قتادة في هذا الحديث: "ويُدَمَّى" قال همام: سُئِلَ قتادةُ عن قوله: و"يُدَمَّى" كيف يصنعُ بالدم؟ فقال: إذا ذُبِحَت العقيقةُ، أُخِذَتْ منها صوفة، واستُقبِلَت بها أوداجُها، ثم تُوضعُ على يافوخِ الصَّبيِّ حتى تَسِيلَ على رأسه مثلَ الخيط، ثم يُغسل رأسه بعد ويُحلق. قيل: اختَلَف الناسُ في ذلك، فمِن قائل: هذا من رواية الحسن عن سَمُرَةَ، ولا يَصِحُّ سماعُه عنه، ومِن قائل: سماعُ الحسن عن سَمُرَةَ حديث العقيقة هذا صحيح، صحَّحه الترمذي، وغيرُه، وقد ذكره البخاري في صحيحه عن حبيب بن الشهيد قال: قال لي محمَّدُ بنُ سيرين: اذهب فَسَلِ الحَسَنَ ممن سمِع حديثَ العقيقة؟ فسأله فقال: سمعته من سَمُرَة.

ثم اختُلِفَ في التدميةِ بعدُ: هل هي صحيحة، أو غلط؟ على قولين.

فقال أبو داود في سننه: هي وهم مِن همَّام بن يحيى. وقوله: "ويُدَمَّى"، إنما هو "ويُسَمَّى" وقال غيرُه: كان في لسان هَمَّام لُثْغَةٌ فقال: "ويُدَمَّى" وإنما أراد أن يُسمَّى، وهذا لا يصِح، فإن همامًا وإن كان وَهِمَ في اللفظ، ولم يُقِمْه لِسانُه، فقد حكى عن قتادة صفةَ التدمية، وأنه سئل عنها فأجاب بذلك، وهذا لا تحتمِلُه اللُّغة بوجه، فإن كان لفظُ التدمية هنا وَهْمًا، فهو من قتادة، أو من الحسن، والذين أثبتوا لفظَ التدمية قالوا: إنه من سُنَّة العقيقة، وهذا مروى عن الحسن وقتادة، والذين منعوا التدمية، كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: "ويُدَمَّى" غلط، وإنما هو: "ويُسمَّى"، قالوا: وهذا كان مِن عملِ أهلِ الجاهلية، فأبطله الإسلامُ، بدليل ما رواه أبو داود، عن بُريدة بنِ الحُصَيْبِ قال: كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لأَحَدِنَا غُلامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللهُ بالإسْلام، كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُه بِزَعْفَرَان. قالوا: وَهَذَا وإنْ كَانَ في إسناده الحسين بن واقد ولا يُحتَجُّ به، فإذا انضاف إلى قولِ النبي ﷺ: "أَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى". والدم أذى، فكيف يأمرهم أن يلطِّخوه بالأذى؟ قالوا: ومعلومٌ أن النبي ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ، وَلَمْ يُدَمِّهِمَا، ولا كانَ ذلكَ مِنْ هَدْيه وهَدْيِ أصحابِه، قالوا: وكيفِ يكونُ مِن سُنَّته تنجيسُ رأسِ المولود، وأين لهذا شاهدٌ ونظيرٌ في سُنَّته؟ وإنما يَليقُ هذا بأهلِ الجَاهلية.

فصل

فإن قيل: عَقُّه عن الحسن والحُسينِ بِكبش كبشٍ، يَدُلُّ على أن هَدْيه أن على الرأسِ رأسًا، وقد صحح عبدُ الحق الإشبيلى من حديثِ ابنِ عبَّاس وأنسٍ أنَّ النبي ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ بِكَبْشٍ، وعَنِ الحُسينِ بِكَبْشٍ وكَانَ مولدُ الحسن عامَ أُحُدٍ والحسين في العام القابل منه.

وروى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال: عَقَّ رسولُ اللهِ ﷺ عن الحسنِ شاة، وقال: "يا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً"، فوزنَّاه فَكَانَ وزنُه دِرهمًا أوْ بعضَ دِرهمَ، وهذا وإن لم يكن إسناده متصلًا فحديثُ أَنس وابن عباس يكفيان. قالُوا: لأنه نُسُكٌ، فكان على الرأس مثلُه، كالأُضحية ودمِ التمتع. فالجواب أن أحاديثَ الشّاتين عن الذكر، والشاة عن الأُنثى، أولى أن يؤخذ بها لوجوه.

أحدُها: كثرتُها، فإن رواتَها: عائشةُ، وعبدُ الله بن عمرو، وأمَُّ كُرْزِ الكعبية، وأسماءُ.

فروى أبو داود عن أمِّ كُرز قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: " عَنِ الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيةِ شَاةٌ".

قال أبو داود: وسمعتُ أحمد يقولُ: مُكافئتانِ: مستويتانِ أو مقاربتان، قلتُ: هو مكَافَأتانِ بفتح الفاء، ومكَافِئَتان بكسرها، والمحدِّثون يختارونَ الفتحَ، قال الزمخشرى: لا فرقَ بين الروايتين، لأن كل مَنْ كافأْته، فقد كافأَك. وروى أيضًا عنها ترفعُه: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا" وسمعتُه يقول: "عَن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ، لا يَضُرُّكُم أذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إنَاثًا"، وعنها أيضًا ترفعه: "عَنِ الغُلامِ شَاتَانِ مِثْلانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ"، وقال الترمذي: حديثٌ صحيح.

وقد تقدَّم حديثُ عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه في ذلك، وعَنْ عائِشة أنَّ النبي ﷺ أَمرَهُم عَنِ الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَاريَةِ شَاةٌ. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وروى إسماعيل بن عَيَّاش، عن ثابتِ بنِ عَجلان، عن مجاهد عن أسماء، عَن النبي ﷺ قال: "يُعَقُّ عَنِ الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ".

قال مهنا: قلتُ لأحمد: مَن أسماء؟ فقال: ينبغي أن تكون أسماءَ بنتَ أبي بكر.

وفي كتاب الخلال: قال مهنا: قلتُ لأحمد: حدثنا خَالِدُ بنُ خِداش، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث أن أيوب ابن موسى حدَّثه، أن يزيد بن عبد المزنى حدَّثه، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "يُعَقُّ عَنِ الغُلامِ، وَلا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ"، وقال: "فى الإبِلِ الفَرَعُ، وَفى الغَنَمِ الفَرَعُ" فقال أحمد: ما أعرفه، ولا أعرِفُ عبد بن يزيد المزنى، ولا هذا الحديث، فقلتُ له: أتنكره؟ فقال: لا أعرِفه، وقصةُ الحسنِ والحسين رضي الله عنهما حديثُ واحد.

الثاني: أنها من فعل النبي ﷺ، وأحاديثُ الشاتين من قَوله، وقولُه عام، وفِعْلُه يحتمل الاختصاص.

الثالث: أنها متضمِّنة لزيادة، فكان الأخذُ بها أولى.

الرابع: أن الفعل يدُلُّ على الجواز، والقول على الاستحباب، والأخذُ بهما ممكن، فلا وجه لتعطيل أحدهما.

الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أُحُد والعام الذي بعده، وأم كُرز سَمِعَتْ مِن النبي ﷺ ما روته عام الحُديبية سنة ست بعد الذبح عن الحسن والحسين، قاله النسائي في كتابه الكبير.

السادس: أن قِصة الحسنِ والحُسين يحتمِل أن يُراد بها بيان جنسِ المذبوح، وأنه مِن الكِباش لا تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: ضحَّى رسولُ الله ﷺ عن نسائه بقرة، وكن تِسعًا، ومرادها: الجنس لا التخصيص بالواحدة.

السابع: أن الله سُبْحَانَه فضَّل الذَّكَرَ على الأُنثى، كما قال: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } [36]، ومقتضى هذا التفاضل ترجيحُه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشريعةُ بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأُنثيين، في الشهادة، والميراثِ، والديةِ، فكذلك أُلْحِقَتِ العقيقةُ بهذه الأحكام.

الثامن: أن العقيقة تُشبه العِتق عن المولود، فإنه رهينٌ بعقيقته، فالعقيقةُ تَفُكُّه وتعتِقه، وكانَ الأولى أن يُعَقَّ عن الذكر بشاتين، وعن الأُنثى بشاة، كما أن عِتق الأُنثيين يقومُ مقام عِتق الذكر. كما في جامع الترمذي وغيره عن أبى أُمامة قال: قال رسولُ الله ﷺ: "أيُّمَا امْرىءٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا، كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأيُّمَا امْرِيءٍ مُسْلِمٍ أَعْتَق امْرَأتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجزى كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وأَيُّمَا امْرأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرأَةً مُسْلِمَةً كانت فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ، يُجْزى كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا" وهذا حديث صحيح.

فصل

ذكر أبو داود في "المراسيل" عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقَّتْها فاطِمةُ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما: "أَنِ ابْعَثُوا إلَى بَيْتِ القَابِلَةِ بِرِجْلٍ وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا".

فصل

وذكر ابنُ أيمن مِن حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ، وهذا الحديثُ قال أبو داود في "مسائله": سمعتُ أحمد حدََّّثهم بحديث الهيثم بنِ جميل، عن عبد الله بن المثنى عن ثُمامة عن أنس أن النبي ﷺ عَقَّ عن نفسه، فقال أحمد: عبد الله بن محرز عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عَقَّ عن نفسه، قال مهنا: قال أحمد: هذا منكر، وضعَّف عبد الله بن المحرر.

فصل

ذكر أبو داود عن أبى رافع قال: "رأيتُ النبي ﷺ أَذَّنَ في أُذُنِ الحَسَنِ بن علي حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّه فَاطِمَةُ رضي الله عنها بِالصَّلاةِ".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تسمية المولود وختانه[عدل]

قد تقدَّم قولُه في حديث قتادة عن الحسن، عن سَمُرَةَ في العقيقة: "تُذْبَحُ يَوْمَ سًَابِعِهِ وَيُسَمَّى" قال الميموني: تذاكرنا لِكَم يُسَمَّى الصبيُّ؟ قال لنا أبو عبد الله: يُروى عن أنس أنه يُسمَّى لثلاثة، وأما سَمُرة، فقال: يُسمَّى في اليوم السابع، فأمّا الخِتَان، فقال ابنُ عبّاس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يُدرِكَ، قال الميموني: سمعتُ أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يُختن الصبيُّ يومَ سابعه، وقال حنبل: إن أبا عبد الله قال: وإن خُتِنَ يومَ السابع، فلا بأس، وإنما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود، وليس في هذا شىء. قال مكحول: ختن إبراهيمُ ابنه إسحاق لسبعة أيام، وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة، ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار خِتان إسحاق سُنَّة في ولده، وخِتان إسماعيل سُنَّة في ولده، وقد تقدَّم الخلافُ في ختان النبي ﷺ متى كان ذلك.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى[عدل]

ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَلِكَ إلَّا اللهُ".

وثبت عنه أنه قال: " أحَبُّ الأسْمَاءِ إلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وهَمَّامٌ، وأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةٌ".

وثبت عنه أنه قال: "لا تُسَمِينَّ غُلامَكَ يَسَارًا وَلا رَبَاحًا وَلا نَجِيحًا وَلا أَفْلَحَ، فَإنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّتَ هُوَ؟ فَلا يَكُونُ، فَيُقَالُ: لا".

وثبت عنه أنه غيَّر اسم عاصية، وقال: "أنتِ جَميلَةٌ".

وكان اسم جُوَيْريَةَ: بَرَّةً، فغيَّره رسول الله ﷺ باسم جُوَيْرِيَة.

وقالت زينبُ بنتُ أمِّ سلمة: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُسَمَّى بِهذا الاسمِ، فَقَالَ: "لا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِّر مِنْكُم".

وغيَّر اسم أَصْرَم بزُرعةَ، وغيَّرَ اسمَ أبى الحَكَم بأبى شُرَيْحٍ.

وغيَّرَ اسم حَزْن جدِّ سعيد بن المسيب وجعله سَهلًا فأبَى، وقال "السَّهْلُ يُوطَأ وَيُمْتَهَنُ".

قال أبو داود: وغيَّرَ النبي ﷺ اسمَ العَاصِ وعَزِيز وعَتْلَةَ وشَيطَان والحَكَم وغُراب وحُباب وشِهاب، فسماه هِشامًا، وسمِّي حربًا سِلْمًا، وسمَّى المضطجعَ المنبعِثَ، وأرضًا عَفْرَةً سمَّاها خَضِرَةً، وشِعْبُ الضَّلالَةِ سماه شِعْبَ الهُدى، وبنو الزِّنية سماهم بني الرِّشدة، وسمَّي بنى مُغوِيَةَ بني رِشْدَةَ.

فصل في فقه هذا الباب[عدل]

لما كانت الأسماءُ قوالِبَ للمعاني، ودالَّةً عليها، اقتضتِ الحكمةُ أن يكونَ بينها وبينها ارتباطٌ وتناسبٌ، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحضِ الذي لا تعلُّقَ له بها، فإن حِكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقِعُ يشهد بِخَلافه، بل للأسماء تأثيرٌ في المسميَات، وَلِلْمُسَمَّيَاتِ تأثُّر عن أسمائها في الحُسن والقبح، والخِفَّة والثِّقَل، واللطافة والكَثَافة، كما قيل:

وقلَّما أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ** إلَّا وَمَعْنَاهُ إن فَكَّرتَ في لَقَبِهْ

وكان ﷺ يستحِبُّ الاسم الحسَن، وأمر إذا أَبْرَدُوا إليهِ بَرِيدًا أن يَكُونَ حَسَنَ الاسْمِ حَسَنَ الوَجْهِ. وكانَ يأخذ المعاني من أسمائِهَا في المنامِ واليقظة، كما رأى أنه وأصحابَه في دار عُقبة بن رافِع، فأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ، فأَوَّله بأن لهم الرفعةَ في الدنيا، والعاقبةَ في الآخرةِ، وأنَّ الدِّينَ الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطَابَ، وتَأوَّلَ سُهولة أمرِهم يومَ الحديبية مِن مجيئ سُهيل بن عمرو إليه.

وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجلٌ يحلُبها، فقال: "ما اسْمُكَ"؟ قال: مُرَّة، فقال: "اجْلِسْ"، فَقَامَ آخَرُ فقال: "ما اسْمُكَ"؟ قال: أظنه حَرْب، فقال: "اجْلِسْ"، فَقَامَ آخرُ فقال: "ما اسْمُكَ"؟ فقال: يَعِيشُ، فَقَال: "احلُبها".

وكان يكره الأمكِنةَ المنكرةَ الأسماء، ويكره العُبُورَ فيها، كمَا مَرَّ في بعضِ غزواته بين جبلين، فسأل عن اسميهما فقالوا: فاضِحٌ ومُخزٍ، فعدلَ عنهما، ولَم يَجُزْ بينهما.

ولما كان بين الأسماء والمسميَّاتِ مِن الارتباط والتناسُبِ والقرابةِ، ما بين قوالب الأشياءِ وحقائِقها، وما بينَ الأرواحِ والأجسامِ، عَبَرَ العَقْلُ مِن كل منهما إلى الآخر، كما كان إياسُ بن معاوية وغيرُه يرى الشخصَ، فيقولُ: ينبغي أن يكونَ اسمُه كَيْتَ وكَيْتَ، فلا يكاد يُخطىءُ، وضِدُّ هذا العبور من الاسم إلى مسماه، كما سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا عن اسمه، فقال: جَمْرَةُ، فقال: واسمُ أبيك؟ قال: شِهَابٌ، قال: مِمَّن؟ قال: مِنَ الحُرَقَةِ، قال: فمنزلُك؟ قال: بِحرَّة النَّار، قال: فأينَ مسكنُكَ؟ قال: بِذَاتِ لَظَى. قال: اذهَبْ فقد احترق مسكنك، فذهب فوجد الأمرَ كذلك، فَعَبَرَ عمر من الألفاظ إلى أرواحها ومعانيها، كما عَبَرَ النبي ﷺ من اسم سُهيل إلى سهولة أمرهم يَوْم الحُديبية، فكان الأمرُ كذلك، وقد أمر النبي ﷺ أُمَّته بتحسين أسمائهم، وأخبر أنهم يُدعَوْنَ يومَ القِيَامَةِ بها، وفى هذا - والله أعلم - تنبيهٌ على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء، لتكون الدعوة على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسنِ، والوصفِ المناسِبِ له.

وتأمل كيف اشتُقَّ للنبي ﷺ مِن وصفه اسمان مطابقان لمعناه، وهما أحمد ومحمَّد، فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة محمَّد، ولِشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد، فارتبط الاسمُ بالمسمى ارتباطَ الروحِ بالجسد، وكذلك تكنيتُه ﷺ لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل كنية مطابقة لوصفه ومعناه، وهو أحقُّ الخَلْقِ بهذه الكُنية، وكذلِك تكنيةُ الله عَزَّ وجَلَّ لعبد العُزَّى بأبى لهب، لما كان مصيره إلى نار ذاتِ لهب، كانت هذه الكُنية أليقَ به وأوفقَ، وهو بها أحقُّ وأخلقُ.

ولما قَدِمَ النبي ﷺ المدينة، واسمها يَثْرِبُ لا تُعرف بغير هذا الاسم، غيَّره ب "طيبة" لمَّا زال عنها ما في لفظ يثرِب من التثريب بما في معنى طَيبة من الطِّيب، استحقت هذا الاسم، وازدادت به طيبًا آخر، فأثَّر طِيبُها في استحقاق الاسم، وزادها طِيبا إلى طيبها.

ولما كان الاسمُ الحسنُ يقتضى مسمَّاه، ويستدعيه من قرب، قال النبي ﷺ لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده: "يَابَنى عَبْد اللهِ، إنَّ اللهَ قَدْ حَسَّنَ اسْمَكُم واسْمَ أَبِيكُم" فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم، وبما فيه من المعنى المقتضى للدعوة، وتأمل أسماءَ الستة المتبارِزين يومَ بدر كيف اقتضى القَدَرُ مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ، فكان الكفارُ: شيبة، وعُتبةَ، والوليدَ، ثلاثة أسماء من الضعف، فالوليدُ له بداية الضعف، وشيبة له نهاية الضعف، كما قال تعالى: { اللهُ الذي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً } [37] وعُتْبة من العتب، فدلت أسماؤهم على عتبٍ يَحِلُّ بهم، وضَعْفٍ ينالُهم، وكان أقرانهم من المسلمين: عليٌ، وعبيدةُ، والحارِث، رضي الله عنهم، ثلاثة أسماء تُناسب أوصافهم، وهي العلو، والعبودية، والسعى الذي هو الحرث فعَلَوْا عليهم بعبوديتهم وسعيهم في حرث الآخرة، ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثِّرًا فيه، كان أحبُّ الأسماءِ إلى اللهِ ما اقتضى أحبَّ الأوصاف إليه، كعبدِ الله، وعبدِ الرحمن، وكان إضافةُ العبودية إلى اسم الله، واسم الرحمن، أحبَّ إليه من إضافتها إلى غيرهما، كالقاهر، والقادر، فعبدُ الرحمن أحبُّ إليه من عبد القادر، وعبدُ اللهِ أحبُّ إليه من عَبْدِ ربِّه، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبوديةُ المحضة، والتعلُّقُ الذي بين اللهِ وبينَ العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجودُه وكمالُ وجوده، والغايةُ التي أوجده لأجلها أن يتألّه له وحده محبةً وخوفًا، ورجاءًا وإجلالًا وتعظيمًا، فيكون عَبْدًا لِلَّهِ وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيلُ أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمتُه غضَبه وكانت الرحمةُ أحبَّ إليه من الغضب، كان عبدُ الرحمن أحبَّ إليه من عبد القاهر.

فصل

ولما كان كلُّ عبد متحركًا بالإرادة، والهمُّ مبدأُ الإرادة، ويترتب على إرادته حركتُه وكسبُه، كان أصدقَ الأسماء اسمُ همَّام واسمُ حارث، إذ لا ينفكُّ مسماهما عن حقيقة معناهما، ولما كان المُلْكُ الحقُّ لِلَّهِ وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضَعه عند الله، وأغضَبه له سمُ "شاهان شاه" أي: ملكُ الملوك، وسلطانُ السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله، فتسميةُ غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يُحب الباطلَ.

وقد ألحقَ بعض أهل العلم بهذا: "قاضي القضاة" وقال: ليس قاضي القضاة إلا مَن يقضي الحقّ وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون.

ويلى هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب: سيِّدُ الناس، وسيِّدُ الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ خاصة، كما قال: "أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْرَ" فلا يجوز لأحد قطُّ أن يقول عن غيره: إنَّه سيِّدُ الناس وسيِّدُ الكل، كما لا يجوز أن يقول: إنَّه سيِّد ولدِ آدم.

فصل

ولما كان مسمى الحربِ والمُرَّة أكرَه شئ للنفوس وأقبَحَها عندها، كان أقبحُ الأسماء حربًا ومُرَّة، وعلى قياس هذا حنظلة وحَزْن، وما أشبههما، وما أجدرَ هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها، كما أثَّر اسم "حَزْن" الحزونة في سعيد بن المسيِّب وأهلِ بيته.

فصل

ولما كان الأنبياءُ ساداتِ بنى آدم، وأخلاقُهم أشرفَ الأخلاق، وأعمالُهم أَصَحَّ الأعمال، كانت أسماؤهم أشرفَ الأسماء، فندب النبي ﷺ أُمَّته إلى التسمى بأسمائهم، كما في سنن أبي داود والنسائي عنه: "تَسَمَّوْا بأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ" ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسمَ يُذَكِّرُ بمسمَّاه، ويقتضى التعلُّقَ بمعناه، لكفى به مصلحةً مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذِكرها، وأن لا تُنسى، وأن تُذكِّر أسماؤُهم بأوصافهم وأحوالهم.

فصل

وأما النهي عن تسمية الغلام ب: يسار وأفلحَ ونجيح ورباح، فهذا لمعنى آخر قد أشار إليه في الحديث، وهو قوله: "فإنك تقولُ: أَثَمَّتَ هو؟ فيُقال: لا" - والله أعلم - هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع، أو مدرجةٌ من قول الصحابي، وبكل حال فإن هذه الأسماء لما كانت قد تُوجب تطيُّرًا تكرَهه النفوس، ويَصُدُّها عما هي بصدده، كما إذا قلت لرجل: أعندك يَسار، أو رَبَاح، أو أفلَح؟ قال: لا، تطيَّرت أنْتَ وهو مِن ذلك، وقد تقع الطِّيَرةُ لا سيما على المتطيِّرين، فقلَّ مَن تطيَّر إلا ووقعت به طِيرَتُه، وأصابه طائرُه، كما قيل:

تَعَلَّمْ أنَّه لا طَيْرَ إلَّا ** عَلَى مُتَطَيِّرٍ فَهُو الثُّبُورُ

اقتضت حكمةُ الشارع، الرءوف بأُمَّته، الرحيمِ بهم، أن يمنعَهم من أسبابٍ تُوجب لهم سماعَ المكروه أو وقوعَه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تُحَصِّلُ المقصودَ من غير مفسدة، هذا أولى، مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه، بأن يُسمى يسارًا مَن هو مِن أعسر الناس، ونجيحًا مَن لا نجاح عنده، ورَبَاحًا مَن هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله، وأمر آخر أيضًا وهو أن يُطالَب المسمَّى بمقتضى اسمه، فلا يُوجد عنده، فيجعل ذلك سببًا لذمِّة وسبِّه، كما قيل:

سَمَّوْكَ مِنْ جَهْلِهِم سَدِيدًا ** والله مَا فِيكَ مِن سَدَادِ

أنتَ الذي كَوْنُه فَسَادًا ** في عَالَمِ الكَوْنِ والفَسَادِ

فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمَّى به، ولى من أبيات:

وسَمَّيْته صَالِحًا فاغْتَدَى ** بِضِدِّ اسْمِهِ في الوَرَى سَائِرًا

وَظَنَّ بأنَّ اسْمَهُ سَاتِرٌ ** لأوْصَافِهِ فَغَدَا شَاهِرًا

وهذا كما أن من المدح ما يكون ذمًا وموجِبًا لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس، فإنه يُمدح بما ليس فيه، فتُطالبه النفوسُ بما مُدِحَ به، وتظنّه عنده، فلا تجدهُ كذلك، فتنقلِبُ ذَمًّا، ولو تُرِكَ بغير مدح، لم تحصُلْ له هذه المفسدة، ويُشبه حاله حال مَن ولى وِلاية سيئة، ثم عُزِلَ عنها، فإنه تَنْقُصُ مرتبتُه عما كان عليه قبل الولاية، وينقُصُ في نفوس الناس عما كان عليه قبلها، وفى هذا قال القائل:

إذَا مَا وَصَفْتَ امْرَءًا لامْرئٍ ** فَلا تَغْلُ في وَصْفِهِ وَاقْصِدِ

فَإنَّْكَ إنْ تَغْلُ تَغْلُ الظُّنُ ** ونُ فيهِ إلى الأمَدِ الأَبْعَدِ

فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظَّمْتَه ** لِفَضْلِ المَغِيبِ عَنِ المَشْهَدِ

وأمر آخر: وهو ظنُّ المسمى واعتقادُه في نفسه أنه كذلك، فيقعُ في تزكية نفسه وتعظيمها وترفُّعِهَا على غيره، وهذا هو المعنى الذي نهى النبي ﷺ لأجله أن تُسمى "بَرَّة" وقال: "لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُم، الله أعْلَمُ بِأَهْلِ البِرِّ مِنْكُم".

وعلى هذا فتُكره التسمية بالتَّقي والمتَّقي والمُطيعِ والطائع والراضي والمُحسن والمخلِص والمنيب والرشيدِ والسديد. وأما تسميةُ الكفار بذلك، فلا يجوز التمكينُ منه، ولا دُعاؤُهُم بشئٍ من هذه الأسماء، ولا الإخبارُ عنهم بها، والله عَزَّ وجَلَّ يغضَب مِن تسميتهم بذلك.

فصل

وأما الكُنْية فهي نوعُ تكريم لِلمَكْنِّي وتنويهٌ به كما قال الشاعر:

أَكْنِيهِ حينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَه ** وَلا أُلِقِّبُهُ وَالسَّوْءَةُ اللَّقَبُ

وكنَّى النبي ﷺ صُهيبًا بأبى يحيى، وكًَنَّى عليًا رضي الله عنه بأبى تراب إلى كنيته بأبى الحسن، وكانت أحبَّ كنيته إليه، وكنَّى أخا أنسِ بن مالك وكان صغيرًا دون البلوغ بأبى عُمير.

وكان هَدْيُه ﷺ تكنيةَ مَن له ولد، ومَن لا ولد له، ولم يثبُت عنه أنه نهى عن كُنية إلا الكنية بأبى القاسم، فصح عنه أنه قال: "تسمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيتِي" فاختلف الناسُ في ذلك على أربعة أقوال:

أحدها: أنه لا يجوزُ التَّكَنِّي بكُنيته مطلقًا، سواء أفردها عن اسمه، أو قرنها به، وسواء محياه وبعدَ مماته، وعمدتُهم عمومُ هذا الحديث الصحيح وإطلاقُه، وحكى البيهقي ذلك عن الشافعي، قالوا: لأن النهي إنما كان لأَنَّ معنى هذه الكُنية والتسمية مختصةٌ به ﷺ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "واللهِ لا أُعْطِي أَحَدًا، وَلا أَمْنَعُ أحَدًا، وَإنَّمَا أنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ" قالوا: ومعلوم أن هذه الصفة ليست على الكمال لغيره، واختلف هؤلاء في جواز تسمية المولود بقاسم، فأجازه طائفة، ومنعه آخرون، والمجيزون نظروا إلى أنَّ العِلَّة عدمُ مشاركة النبي ﷺ فيما اختصَّ به من الكُنية، وهذا غيرُ موجود في الاسم، والمانعون نظروا إلى أن المعنى الذي نهى عنه في الكُنية موجود مثله هنا في الاسم سواء، أو هو أولى بالمنع، قالوا: وفي قوله: "إنما أنا قاسم" إشعار بهذا الاختصاص.

القول الثاني: أن النهي إنما هو عن الجمع بين اسمه وكُنيته، فإذا أُفِرد أحدُهما عن الآخر، فلا بأس. قال أبو داود: باب مَن رأى أن لا يجمع بينهما، ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "مَن تسمَّى باسمى فلا يَتَكَنَّ بكُنيتى، ومَن تكنَّى بكُنيتى فلا يتسَمَّ باسمى" ورواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وقد رواه الترمذي أيضًا من حديث محمد ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ولفظه: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أن يَجْمَعَ أحَدٌ بَيْنَ اسمِهِ وكُنيته، ويُسمِّي مُحمَدًا أبا القاسم. قال أصحابُ هذا القول: فهذا مقيِّد مفسِّر لما في الصحيحين من نهيه عن التكنى بكُنيته، قالوا: ولأن في الجمع بينهما مشاركةً في الاختصاص بالاسم والكُنية، فإذا أُفْرِدَ أحدُهما عن الآخر، زال الاختصاص.

القول الثالث: جوازُ الجمع بينهما وهو المنقولُ عن مالك، واحتجَّ أصحابُ هذا القول بما رواه أبو داود، والترمذي من حديث محمد ابن الحنفية، عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله؛ إنْ وُلِدَ لي وَلَدٌ مِنْ بَعْدِكَ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأَكْنِيةِ بِكُنْيَتِكَ؟ قال: "نعم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: جاءت امرأة، إلى النبي ﷺ فقالت: يا رَسُولَ الله؛ إني وَلَدْتُ غُلامًا فسميتُه محمدًا وكنًَّيته أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنك تكره ذلك؟ فقال: "ما الذي أحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي"، أو "مَا الذي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي"؟ قال هؤلاء: وأحاديث المنع منسوخة بهذين الحديثين.

القول الرابع: أن التكني بأبى القاسم كان ممنوعًا منه في حياة النبي ﷺ، وهو جائز بعد وفاته، قالوا: وسببُ النهي إنَّما كان مختصًا بحياته، فإنه قد ثبت في الصحيح من حديث أنس قال: نادى رجل بالبَقيع: يا أبا القاسم، فالتفتَ إليه رسولُ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله إني لَمْ أَعْنِكَ، إنما دعوتُ فلانًا، فقال رسول الله ﷺ: "تسمَّوْا باسْمِي وَلا تَكنَّوا بكُنيتى" قالوا: وحديثُ عليّ فيه إشارة إلى ذلك بقوله: إن وُلِدَ مِنْ بعدك وَلَدٌ، ولم يسأله عمن يولد له في حياته، ولكن قال علي رضي الله عنه في هذا الحديث،: "وكانت رخصة لي" وقد شذَّ مَن لا يُؤبَه لقوله، فمنع التسمية باسمه ﷺ قياسًا على النهي عن التكَّنى بكُنيته، والصواب أن التسمى باسمه جائز، والتكنى بكُنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشدُّ، والجمعُ بينهما ممنوع منه، وحديثُ عائشة غريب لا يُعارَض بمثله الحديث الصحيح، وحديث علي رضي الله عنه في صحته نظر، والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح، وقد قال عليّ: إنها رخصة له، وهذا يدل على بقاء المنع لمن سواه، والله أعلم.

فصل

وقد كره قومٌ من السَلَف والخَلَف الكنيةَ بأبى عيسى، وأجازها آخرون، فروى أبو داود عن زيد بن أسلم أن عُمَرَ بنَ الخطاب ضرب ابنًا له يُكنى أبا عيسى، وأن المغيرةَ بنَ شعبة تكنَّى بأبى عيسى، فقال له عمر: أما يكفيك أن تُكْنَى بأبى عبد الله؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ كنَّانى، فقال: إن رسولَ الله قَد غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخر، وإنَّا لفى جَلْجَتِنَا فلم يَزَل يُكنَّى بأبى عبد الله حتى هَلَكَ.

وقد كنَّى عائشة بأُمِّ عَبْدِ الله، وكان لنسائه أيضًا كُنَى كأُمِّ حبيبة وأُمّ سلمة.

فصل

ونهى رسولُ الله ﷺ عن تسمية العِنَبِ كَرْمًا وقال: "الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِنِ" وهذا لأن هذه اللفظةَ تَدُلُّ على كثرة الخير والمنافع في المسمَّى بها، وقلبُ المؤمن هو المستحِقُّ لذلك دون شجرة العِنَب، ولكن: هل المرادُ النهي عن تخصيصِ شجرة العِنب بهذا الاسم، وأن قلب المؤمن أولى به منه، فلا يُمنع من تسميته بالكَرْم كما قال في "المِسكين" و"الرَّقُوب" و"المُفلِسِ"؟ أو المرادُ أنَّ تسميته بهذا مع اتخاذ الخمرِ المحرَّم منه وصف بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشراب الخبيثِ المحرَّمِ، وذلك ذريعةٌ إلى مدح ما حرَّم الله وتهييجِ النفوس إليه؟ هذا محتمل، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ، والأولى أن لا يُسمى شجرُ العنب كَرْمًا.

فصل

قال ﷺ: " لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرَابُ عَلَى اسم صَلاتِكُم، أَلا وَإنَّهَا العِشَاءُ، وَإنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا العَتَمَةَ"، وصح عنه أنه قال: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ والصُّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَو حَبْوًا" فقيل: هذا ناسخ للمنع، وقيل بالعكس، والصواب خلافُ القولين، فإن العلم بالتاريخ متعذِّر، ولا تعارُضَ بين الحديثين، فإنه لم يَنْهَ عن إطلاق اسم العتمة بالكُلِّية، وإنما نهى عن أن يُهْجَرَ اسمُ العِشَاء، وهو الاسمُ الذي سمَّاها الله به في كتابه، ويَغْلِبَ عليها اسمُ العَتَمَةِ، فإذا سُميت العِشَاءَ وأُطلق عليها أحيانًا العتمة، فلا بأس، والله أعلم.

وهذا محافظة منه ﷺ على الأسماء التي سمَّى الله بها العبادات، فلا تُهجر، ويؤثر عليها غيرُها، كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص، وإيثار المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما اللهُ به عليم، وهذا كما كان يُحافظ على تقديم ما قدَّمه الله وتأخيرِ ما أخرَّه، كما بدأ بالصفا، وقال: "أَبْدَأ بمَا بَدَأ اللهُ بِهِ" وبدأ في العيد بالصلاة. ثم جعل النَّحْرَ بعدها، وأخبر أن: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهَا، فَلا نُسَكَ لَهُ" تقديمًا لما بدأ اللهُ به في قوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ } [38] وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرِّجلين، تقديمًا لما قدَّمه الله، وتأخيرًا لما أخَّره، وتوسيطًا لما وسَّطه، وقدَّم زكاة الفطر على صلاة العيد تقديمًا لما قدَّمه في قوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } [39] ونظائرهُ كثيرة.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ[عدل]

كان يتخيَّر في خِطابه، ويختارُ لأُمته أحسنَ الألفَاظ، وأجملها، وألطفها، وأبعَدها من ألفاظ أهلِ الجفاء والغِلظة والفُحش، فلم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صَخَّابًا ولا فَظًّا.

وكان يكرهُ أن يُسْتَعْمَلَ اللفظُ الشريفُ المصونُ في حقِّ مَنْ ليس كذلك، وأن يُسْتَعمل اللفظُ المَهينُ المكروه في حقِّ مَن ليس مِن أهله.

فمِن الأول منعهُ أن يُقال للمنافق: "يا سيدنا" وقال: "فإنَّه إنْ يكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُم عَزَّ وَجَلَّ"، ومنعُه أن تُسمى شجرةُ العِنب كَرْمًا، ومنعُه تسمية أبي جهل بأبى الحَكَم، وكذلك تغييره لاسم أبى الحكم من الصحابة: بأبى شريح، وقال: "إنَّ الله هو الحكم، وإليه الحكمُ".

ومِن ذلك نهيُه للمملوك أن يقول لسيِّده أو لسيدته: ربِّي وَرَبَّتِي، وللسَّيِّدِ أن يقول لمملوكِهِ: عَبْدِي، ولَكِن يَقُولُ المالِكُ: فَتَايَ وفَتأتي، ويَقُولُ المملوكُ: سيِّدى وسيِّدتى، وقال لمن ادَّعى أنه طبيب: "أنْتَ رجلٌ رَفِيقٌ، وَطَبِيبُها الذي خَلَقَهَا"، والجاهِلون يُسمُّون الكافرَ الذي له عِلْمٌ بشئ من الطبيعة حكيمًا، وهو مِن أسفه الخلق.

ومن هذا قولُه للخطيب الذي قال: مَنْ يُطع اللهَ وَرَسُولَه فَقَدْ رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهِمَا فَقَد غَوَى: "بئسَ الخَطِيبُ أنْتَ".

ومن ذلك قولُه: "لا تَقُولُوا: مَاشَاءَ اللهُ وشَاءَ فُلانٌ، وَلَكِن قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ مَا شَاءَ فُلانٌ"، وقال له رجل: ما شَاءَ اللهُ وشِئْتَ، فَقَالَ: "أَجَعلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُل: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ".

وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قولُ مَن لا يتوقَّى الشرك: أنا باللهِ وَبِكَ، وأنا في حَسْبِ اللهِ وحَسْبِكَ، وما لي إلا اللهُ وأنتَ، وأنا متوكِّل على الله وعليك، وهذا من اللهِ ومِنك، واللهُ لي في السماء وأنت لي في الأرض، وواللهِ وحياتِك، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائِلُهَا المخلوقَ نِدًّا للخالق، وهي أشدُّ منعًا وقُبْحًا من قوله: ما شَاءَ اللهُ وشئتَ.

فأما إذا قال: أنا باللهِ، ثم بك، وما شاء اللهُ، ثم شئتَ، فلا بأس بذلك، كما في حديث الثلاثة: "لا بَلاغَ لي اليَوْمَ إلا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ"، وكما في الحديث المتقدِّم الإذن أن يقال: ما شاء اللهُ ثم شاءَ فلان.

فصل في النهي عن سب الدهر[عدل]

وأما القِسْمُ الثاني وهو أن تُطلق ألفاظُ الذمِّ على مَن ليس مِن أهلها، فمثلُ نهيه ﷺ عن سبِّ الدهرِ، وقال: "إنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ"، وفى حديث آخر: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينى ابْنُ آدَمَ فَيَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أَقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهَارَ"، وفى حديث آخر " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ".

فى هذا ثلاثُ مفاسد عظيمة. إحداها: سَبُّه مَنْ ليس بأهلٍ أن يُسَب، فإن الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ مِن خلق الله، منقادٌ لأمره، مذلَّلٌ لتسخيره، فسابُّه أولى بالذمِّ والسبِّ منه.

الثانية: أن سبَّه متضمِّن للشرك، فإنه إنما سبَّه لظنَّه أنه يضرُّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرَّ مَن لا يستحق الضرر، وأعطى مَن لا يستحقُّ العطَاءَ، ورفع مَن لا يستحقُّ الرِّفعة، وحرم مَن لا يستحِقُ الحِرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعارُ هؤلاء الظلمة الخونة في سبِّه كثيرةٌ جدًا، وكثيرٌ من الجُهَّال يُصرِّح بلعنه وتقبيحِه.

الثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقعُ على مَن فعل هذه الأفعال التي لو اتَّبَعَ الحقُّ فيها أهواءَهم لفسدتِ السماواتُ والأرض، وإذا وقعت أهواؤُهم، حَمِدُوا الدهرَ، وأَثْنَوْا عليه. وفى حقيقةِ الأمر، فَربُّ الدهر تعالى هو المعطى المانِعُ، الخافِضُ الرافعُ، المعزُّ المذِلُّ، والدهرُ ليس له من الأمر شئ، فمسبَّتهم للدهر مسبَّة للَّه عَزَّ وجَلَّ، ولهذا كانت مؤذيَةً للربِّ تعالَى، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قالَ الله تَعالَى: يُؤْذِينى ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأَنَا الدَّهْرُ"، فسابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما. إما سبُّه لِلَّهِ، أو الشِّركُ به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبُّ مَن فعله، فقد سبَّ الله.

ومن هذا قولُه ﷺ: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ البَيْتِ، فَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: بسْمِ اللهِ، فَإنَّهُ يَتَصَاغَرُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ".

وفي حديث آخر: " إنَّ العَبْدَ إذَا لَعَنَ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: إنَّكَ لَتَلْعَنُ مُلَعَّنًا".

ومثل هذا قولُ القائل: أخزى الله الشيطان وقبَّح اللهُ الشيطان، فإن ذلك كله يفرحه ويقول علم ابن آدم أني قد نلته بقوتي، وذلك مما يعينه على إغوائه، ولا يفيده شيئًا، فأرشد النبي ﷺ من مسه شىء من الشيطان أن يذكر الله تعالى، ويذكر اسمه، ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك أنفع له، وأغيظ للشيطان.

(فصل: في النهي عن قول الرجل خبثت نفسي)[عدل]

مِن ذلك: نهيُه ﷺ أن يقولَ الرجل: "خَبُثَتْ نفسي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نفسي" ومعناهما واحد: أي: غَثَتْ نفسي، وساء خُلُقُها، فكره لهم لفظَ الخُبث لما فيه من القُبح والشنَاعة، وأرشدهم إلى استعمال الحسن، وهجران القبيح، وإبدالِ اللفظ المكروه بأحسن منه.

ومِن ذلك نهيه ﷺ عن قول القائل بعد فواتِ الأمر: "لَو إني فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا" وقال: "إنَّ "لو" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" وأرشده إلى ما هو أنفعُ له من هذه الكلمة، وهو أن يقول: "قَدَّرَ اللهُ ومَا شَاءَ فَعَلَ".

وذلك لأن قوله: لو كنتُ فعلتُ كذا وكذا، لم يَفُتْنِي ما فاتنى، أو لم أقع فيما وقعتُ فيه، كلامٌ لا يُجدى عليه فائدةً البتة، فإنه غيرُ مستقبِل لما استدبر من أمره، وغيرُ مستقِيل عَثْرَتَه ب "لو"، وفى ضمن "لو" ادعاء أن الأمر لو كان كما قدَّره في نفسه، لكان غيرَ ما قضاه الله وقدَّرَه وشاءه، فإنَّ ما وقع مما يتمنَّى خلافَه إنما وقع بقضاء الله وقَدَرِه ومشيئته، فإذا قال: لو أنى فعلتُ كذا، لكان خلافَ ما وقع فهو مُحال، إذ خلافُ المقدَّر المقْضيِّ مُحال، فقد تضمَّن كلامُه كذبًا وجهلًا ومُحالًا، وإن سَلِمَ من التكذيب بالقَدَر، لم يَسْلَم مِن معارضته بقوله: لو أنى فعلتُ كذا، لدفعتُ ما قَدَّر اللهُ عليَّ.

فإن قيل: ليس في هذا ردٌ للقَدَر ولا جَحدٌ له، إذ تلك الأسبابُ التي تمنَّاها أيضًا مِن القَدَر، فهو يقول: لو وقفتُ لهذا القَدَر، لاندفع به عنِّي ذلك القَدَرُ، فإن القَدَرَ يُدفع بعضُه ببعض، كما يُدفع قَدَرُ المرضِ بالدواءِ، وقدرُ الذنوب بالتوبةِ، وقدرُ العدوِّ بالجهاد، فكلاهما من القَدَر.

قيل: هذا حقّ، ولكن هذا ينفعُ قبل وقوعِ القَدَر المكروه، وأما إذا وقع، فلا سبيلَ إلى دفعه، وإن كان له سبيلٌ إلى دفعه أو تخفيفه بقَدَر آخر، فهو أولى به من قوله: لو كنتُ فعلته، بل وظيفتُه في هذه الحالة أن يستقبلَ فعلَه الذي يدفع به أو يخفف أثرَ ما وقع، ولا يتمنَّى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجزٌ محضٌ، والله يلومُ على العجز، ويُحب الكَيْسَ، ويأمر به، والكَيْسُ: هو مباشرةُ الأسباب التي ربطَ اللهُ بها مُسِّبباتِها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتحُ عمل الخيرِ، وأما العجزُ، فإنه يفتحُ عملَ الشيطان، فإنه إذا عَجَزَ عما ينفعُه، وصار إلى الأمانى الباطِلة بقوله: لَوْ كَانَ كَذَا وكَذَا، ولو فعلتُ كَذَا، يُفتح عليه عمل الشيطان، فإن بابَه العجزُ والكسل، ولهذا استعاذ النبي ﷺ منهما، وهما مفتاحُ كلِّ شر، ويصدر عنهما الهمُّ، والحَزَنُ، والجُبْنُ، والبُخْلُ، وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وغَلَبَةُ الرِّجَالِ، فمصدرُها كُلها عن العجز والكسل، وعنوانها "لو"، فلذلك قال النبي ﷺ: "فإن "لو" تفتحُ عمل الشيطان" فالمتمنِّي مِن أعجز الناس وأفلسهم، فإن التمنى رأسُ أموال المفاليسِ، والعجزُ مفتاح كُلِّ شر.

وأصل المعاصي كُلها العجزُ، فإن العبدَ يَعجِز عن أسباب أعمالِ الطاعات، وعن الأسباب التي تُبْعِدُه عن المعاصي، وتحول بينه وبينها، فيقعُ في المعاصي، فجمع هذا الحديثُ الشريف في استعاذته ﷺ أُصولَ الشر وفروعه، ومبادِيَه وغاياتِه، وموارِدَه ومصادرَه، وهو مشتمل على ثمانى خصال، كُلُّ خصلتين منها قرينتان فقال: "أعُوذُ بِكَ مِنَ الهمِّ والحَزَنِ " وهما قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب ينقسِمُ باعتبار سببه إلى قمسين، فإنه إما أن يكون سببُه أمرًا ماضيًا، فهو يُحدِثُ الحَزَنَ، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يُحدِث الهم، وكلاهما مِن العجز، فإن ما مضى لا يُدفع بالحزن، بل بالرضى، والحمد، والصبر، والإيمان بالقَدَر، وقول العبد: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وما يُستقبل لا يُدفع أيضًا بالهمِّ، بل إما أن يكون له حيلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع منه، ويلبسُ له لباسه، ويأخذُ له عُدته، ويتأهّبُ له أُهبته اللائقة به، ويَسْتَجِنُّ بجُنَّةٍ حصينة من التوحيد، والتوكل، والانطراح بين يدي الرب تعالى والاستسلام له والرضى به ربًا في كل شئ، ولا يرضى به ربًا فيما يحب دون ما يكره، فإذا كان هكذا، لم يرضَ به ربًا على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبدًا على الإطلاق، فالهمُّ والحَزَنُ لا ينفَعَانِ العبد البتة، بل مضرَّتُهما أكثرُ من منفعتهما، فإنهما يُضعفان العزم، ويُوهنان القلبَ، ويحولان بينَ العبدِ وبين الاجتهاد فيما ينفعُه، ويقطعان عليه طريقَ السير، أو يُنكسانه إلى وراء، أو يَعوقَانِهِ ويَقِفَانه، أو يَحْجُبانه عن العَلَمِ الذي كلَّما رآهُ، شمَّر إليه، وجدَّ في سيره، فهما حِمل ثقيل على ظهر السائر، بل إن عاقه الهمُّ والحزن عن شهواته وإراداته التي تضرُّهُ في معاشه ومعاده، انتفع به من هذا الوجه، وهذا من حكمة العزيز الحكيم أن سلَّط هذَيْن الجندَيْنِ على القلوب المعرضة عنه، الفارغَةِ من محبته، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأُنسِ به، والفِرار إليه، والانقطاع إليه، ليردَّهَا بما يبتليها به من الهموم والغمومِ، والأحزانِ والآلام القلبية عن كثير من معاصيها وشهواتها المُرْدِية، وهذه القلوبُ في سجن من الجحيم في هذه الدار، وإن أريد بها الخيرُ، كان حظُّها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلَّص إلى فضاء التوحيد، والإقبال على الله، والأُنس به، وجعل محبته في محل دبيبِ خواطِر القلب ووساوسه، بحيث يكون ذِكْرُه تعالى وحُبُّه وخوفُه ورجاؤُه والفرحُ به والابتهاجُ بذكره، هو المستولي على القلب، الغالبَ عليه، الذي متى فقده، فقد قُوتَهُ الذي لا قِوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ولا سبيلَ إلى خلاصِ القلب من هذه الآلام التي هي أعظمُ أمراضِه وأفسدُها له إلا بذلك، ولا بلاغَ إلا بالله وحدَه، فإنه لا يُوصِل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصرِف السيئات إلا هو، ولا يدُلُّ عليه إلا هو، وإذا أرادَ عَبْدَه لأمر، هيَْأَهُ له، فمنه الإيجاد، ومنه الإعداد، ومنه الإمداد، وإذا أقامه في مقام أي مقام كان، فبحمده أقامه فيه وبحكمته أقامه فيه، ولا يليق به غيرُه ولا يصلُح له سواه، ولا مانِع لما أعطى اللهُ، ولا مُعطِيَ لما منع، ولا يمنع عبدَه حقًا هو للعبد، فيكون بمنعه ظالمًا له، بل إنما منعه لِيتوسَّل إليه بمحابِّه ليعبُدَه، وليتضرَّع إليه، ويتذلَّل بين يديه، ويتملَّقه، ويُعطى فقرَه إليه حقَّه، بحيث يشهد في كل ذرَّةٍ من ذَرَّاته الباطنةِ والظاهرةِ فاقة تامةً إليه على تعاقُب الأنفاس، وهذا هو الواقعُ في نفس الأمر، وإن لم يشهده العبدُ فلم يمنع الربُّ عبده ما العبدُ محتاج إليه بخلًا منه، ولا نقصًا مِن خزائنه، ولا استئثارًا عليه بما هو حقٌّ للعبد، بل منعه ليردَّه إليه، ولِيعزَّه بالتَّذَلُّلِ له، وليُغنيَه بالافتقار إليه، ولِيَجْبُرَهُ بالانكسار بين يديه، وليُذيقَه بمرارةِ المنع حلاوةَ الخضوع له، ولذةَ الفقر إليه، وليُلبسه خلعة العبودية، ويولِّيه بعز له أشرفَ الولايات، ولِيُشْهِدَهُ حكمته في قُدرته، ورحمتَه في عزته، وبِرَّه ولطفَه في قهره، وأنَّ منعه عطاءٌ، وعزلَه تولية، وعقوبتَه تأديبٌ، وامتحانَه محبةٌ وعطية، وتسليطَ أعدائه عليه سائقٌ يسوقه به إليه.

وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه، وحكمتهُ وحمدُه أقاماه في مقامه الذي لا يليقُ به سِوَاه، ولا يَحْسُنُ أن يتخطَّاه، واللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ مواقعَ عطائِهِ وفضله، واللهُ أعلمُ حيثُ يجعل رسالتَهُ { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّن بَيْنِنَا، ألَيْسَ اللهُ بأَعْلَمَ بِالشَّاكِربنَ } [40]، فهو سبحانه أعلمُ بمواقع الفضل، ومحالِّ التخصيص، ومحالِّ الحِرمان، فبحمده وحكمته أعطى، وبحمده وحكمته حَرَم، فمن ردَّه المنعُ إلى الافتقار إليه والتذلُّلِ له، وتملُّقهِ، انقلب المنعُ في حقه عطاءًا، ومَن شغله عطاؤهُ، وقطعه عنه، انقلب العطاءُ في حقِّه منعًا، فكلُّ ما شغل العبدَ عن الله، فهو مشؤوم عليه، وكلُّ ما ردَّه إليه فهو رحمة به، والربُّ تعالى يُريد من عبده أن يفعل، ولا يقع الفعلُ حتى يُريد سبحانَه مِن نفسه أن يُعينَه، فهو سُبحانه أراد منَّا الاستقامةَ دائمًا، واتخاذَ السبيل إليه، وأخبرنا أن هذا المرادَ لا يقع حتى يُريد من نفسه إعانَتنا عليها ومشيئته لنا، فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل، وإرادة من نفسه أن يُعينه، ولا سبيلَ له إلى الفعل إلا بهذه الإرادة، ولا يملِك منها شيئًا، كما قال تعالى: { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [41] فإن كان مع العبد روح أخرى، نِسبتُها إلى روحه، كنسبة روحِه إلى بدنه يستدعى بها إرادَةَ الله من نفسه أن يفعلَ به ما يكون به العبدُ فاعلًا، وإلا فمحلُّه غير قابلٍ للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاءُ، فمَن جاء بغير إناءٍ، رجع بالحِرمَانِ، ولا يلومنَّ إلا نفسه.

والمقصودُ أنَّ النبي ﷺ استعاذ مِن الهمِّ والحَزَنِ، وهما قرينانِ، ومِنَ العَجزِ والكَسَلِ، وهما قرينان، فإنَّ تَخلُّفَ كمالِ العبد وصلاحِهِ عنه، إما أن يكون لِعدم قدرته عليه، فهو عجز، أو يكونَ قادرًا عليه، لكن لا يُريدُ فهو كسل، وينشأ عن هاتين الصفتين، فواتُ كُلِّ خير، وحصولُ كلِّ شر، ومن ذلك الشر تعطيلُه عن النفع ببدنه، وهو الجبن، وعن النفع بماله، وهو البخل، ثم ينشأ له بذلك غلبتان: غلبة بحق، وهي غلبة الدَّيْن، وغلبة بباطل، وهي غلبةُ الرِّجال، وكلُّ هذه المفاسد ثمرة العجز والكسل، ومن هذا قولُه في الحديث الصحيحِ للرجل الذي قضى عليه، فقال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَقَالَ: "إنَّ الله يَلُومُ عَلَى العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ، فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، فهذا قال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعمَ الوكيلُ بعد عجزه عن الكَيْس الذي لو قام به، لقضى له على خصمه، فلو فعلَ الأسبابَ التي يكون بها كَيِّسًا، ثمَّ غُلِبَ فقال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ، لكانت الكلمةُ قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليلَ، لما فعل الأسباب المأمورَ بها، ولم يعجِزْ بتركِها، ولا بتركِ شئ منها، ثم غلبهُ عدوُّه، وألقَوْه في النار، قال في تلك الحال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ فوقعت الكلمةُ موقعها، واستقرت في مظانِّها، فأثَّرت أثرها، وترتَّب عليها مقتضاها.

وكذلك رسولُ الله ﷺ وأصحابُه يوم أُحُد لما قيل لهم بعد إنصرافهم من أُحُد: إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوِّهم، وأعطَوهم الكَيْسَ من نفوسهم، ثم قالوا: حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ.

فأثرت الكلِمة أثرَهَا، واقتضت موجبَها، ولهذا قال تعالى: { وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [42]، وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فجعل التوكل بعد التقوى الذي هو قيامُ الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكَّل على الله فهو حسبُه، وكما قال في موضع آخر: { وَاتَّقُوا اللهَ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ } [43] فالتوكل والحسب بدون قيام الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مشوبًا بنوعٍ من التوكل، فهو توكُّل عجز، فلا ينبغي للعبد أن يجعلَ توكُّلَهُ عجزًا، ولا يجعلَ عجزَه توكلًا، بل يجعل توكُّلَه مِن جملة الأسباب المأمور بها التي لا يَتِمُّ المقصودُ إلا بها كلِّها.

ومن هاهنا غلط طائفتان من الناس، إحداهما: زعمت أن التوكلَ وحده سبب مستقلّ كافٍ في حصول المراد، فعطَّلت له الأسبابَ التي اقتضتها حِكمةُ الله الموصلة إلى مسبِّباتها، فوقعوا في نوع تفريط وعجز بحسب ما عطَّلوا من الأسباب، وضَعُفَ توكُّلُهم من حيث ظنوا قوتَه بانفراده عن الأسباب، فجمعوا الهمَّ كُلَّه وصيَّروه همًا واحدًا، وهذا وإن كان فيه قوة من هذا الوجه، ففيه ضَعفٌ من جهة أُخرى، فكلما قوى جانبُ التوكل بإفراده، أضعفه التفريطُ في السبب الذي هو محلُّ التوكل، فإن التوكلَ محلُّه الأسباب، وكمالُه بالتوكل على الله فيها، وهذا كتوكل الحرَّاثِ الذي شق الأرض، وألقى فيها البِذر، فتوكل على الله في زرعه وإنباتِه، فهذا قد أعطى التوكُّل حقه، ولم يضعُف توكُّله بتعطيل الأرض وتخليتها بورًا، وكذلك توكُّل المسافر في قطع المسافة مع جِدِّه في السَّيْرِ، وتوكُّل الأكياس في النجاة من عذاب الله والفوزِ بثوابه مع اجتهادهم في طاعته، فهذا هو التوكلُ الذي يترتَّبُ عليه أثرُه، ويكون اللهُ حَسْبَ مَن قام به. وأما توكلُ العجز والتفريطِ، فلا يترتبُ عليه أثرُه، وليس الله حَسْبَ صاحِبه، فإن الله إنما يكون حَسْبَ المتوكِّل عليه إذا اتّقاه، وتقواه فعلُ الأسباب المأمور بها، لا إضاعتُها.

والطائفة الثانية: التي قامت بالأسباب، ورأت ارتباطَ المسبِّبات بها شرعًا وقدَرًا، وأعرضت عن جانب التوكل، وهذه الطائفةُ وإن نالت بما فعلته من الأسباب ما نالته، فليس لها قوةُ أصحابِ التوكل، ولا عونُ الله لهم وكفايتُه إياهم ودفاعُه عنهم، بل هي مخذولةٌ عاجزة بحسب ما فاتها من التوكّل.

فالقوّةُ كلُّ القُوَّة في التوكل على الله كما قال بعضُ السَلَف: مَن سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، فالقوةُ مضمونة للمتوكِّل، والكفاية والحَسْبُ والدفع عنه، وإنما يَنْقُصُ عليه من ذلك بقدر ما يَنْقُصُ من التقوى والتوكل، وإلا فمع تحققه بهما لا بد أن يجعل الله له مخرجًا مِن كُلِّ ما ضاق على الناس، ويكونُ اللهُ حسبَه وكافيه، والمقصودُ أن النبي ﷺ أرشد العبدَ إلى ما فيه غايةُ كماله، ونيلُ مطلوبه، أن يحرصَ على ما ينفعُه، ويبذُلَ فيه جهده، وحينئذ ينفعُه التحسُّب وقولُ: "حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ" بخلاف مَن عجز وفرَّط حتى فاتته مصلحته، ثم قال: "حَسْبِي اللهُ وَنِعْمَ الوَكيلٌُ" فإن الله يلومه، ولا يكون في هذا الحال حَسْبَه، فإنما هو حَسَبُ مَن اتَّقاه، وتوكَّل عليه.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر[عدل]

كان النبي ﷺ أكملَ الخلق ذِكْرًا للّه عَزَّ وجَلَّ، بل كان كلامُه كُلُّهُ في ذِكر الله وما والاه، وكان أمرُهُ ونهيُه وتشريعُه للأمة ذِكْرًا منه لِلَّهِ، وإخبارُهُ عن أسماءِ الربِّ وصِفاتِه، وأحكامِهِ وأفعاله، ووعدِه ووعيده، ذِكرًا منه له، وثناؤُه عليه بآلائه، وتمجيدُه وحمدُه وتسبيحُه ذكرًا منه له، وسؤالُه ودعاؤه إياه، ورغبتُه ورهبتُه ذِكرًا منه له، وسكوته وصمتُه ذِكرًا منه له بقلبه، فكان ذاكرًا للّه في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذِكْرُهُ لِلًَّهِ يجرى مع أنفاسه، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، وفى مشيه وركوبه ومسيره، ونزولِه وظعنه وإقامته.

وكان إذا استيقظَ قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أحْيانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ".

وقالت عائشةُ: كان إذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ، كَبَّر اللهَ عَشْرًا، وحَمِدَ الله عَشْرًا، وقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ" عَشْرًا، "سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" عَشْرًا، واسْتَغْفَرَ اللهَ عَشْرًا، وهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنيَا، وَضِيقِ يَوْمِ القِيَامَةِ" عَشْرًا، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصلاة.

وقالت أَيْضًا: كَانَ إذا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "لا إلهَ إلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهُمَّ زِدْنِي عِلَمًا وَلا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ " ذكرهما أبو داود.

وأخبر أنَّ مَن استيقظَ من اللّيْل فَقَالَ: "لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، الحمدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ } [44]" - ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ اغْفِر لي - أَوْ دعا بدعاء آخر، - استُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلاتُه" ذكره البخاري.

وقال ابنُ عباس عنه ﷺ لَيْلَةَ مَبيتِهِ عِنْدَهُ: إنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَظَ، رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَواتِيمُ مِنْ سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ": { إنَّ في خَلْقِ السَّموَاتِ والأرْضِ } [45] إلى آخِرِها. ثم قال: " اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَاواتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌ، اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي مَا قَدَّمتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إلهِي، لا إلهَ إلَّا أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".

وقد قالت عائشةُ رضي الله عنها: كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ قال: " اللهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، إهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".

ورُبَّمَا قالت: كان يفتتِحُ صلاتَهُ بِذَلكَ، وكانَ إذا أوتر، ختم وتره بعدَ فَراغِهِ بِقولِه: "سُبْحَانَ الملِكِ القُدُّوسِ" ثلاثًا، ويَمُدُّ بالثَّالِثَةِ صَوْتَه.

وكَانَ إذَا خَرجَ مِن بَيتِهِ يَقُولُ: "بسم الله، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أوْ أُضَلَّ، أَو أزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ" حَدِيث صحيح.

وقال ﷺ: " مَنْ قَالَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ " حديث حسن.

وقال ابنُ عباس عنه ليلةَ مبيته عِندهُ: إنَّهُ خرج إلى صَلاةِ الفجر وهُو يَقُولُ: "اللهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، واجْعَلْ في لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُورًا، واجْعَلْ في بَصَرِي نُورًا، واجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، ومِنْ أمَامِي نُورًا، واجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورًا، اللهُمَّ أعْظِمْ لي نُورًا".

وقال فُضيل بن مرزوق، عَن عَطِيَّة العَوْفِي، عن أبي سعيد الخدري قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: "مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ إلى الصَّلاةِ فَقَالَ: اللهُمَّ إنِي أسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا إلَيْكَ، فَإني لَمْ أَخْرُجْ بَطَرًا وَلا أشَرًا، وَلا ريَاءً، وَلا سُمْعَةً، وَإنَّمَا خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لي ذُنُوبِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، إلَّا وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَأَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَقْضِي صَلاتَه".

وذكر أبو داود عنه ﷺ أنه كان إذا دخل المسجدَ قال: "أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ، وبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإذَا قَالَ ذلِكَ قال الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَوْمِ".

وقال ﷺ: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النبي ﷺ وَلْيَقُلْ: اللهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إني أسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".

وَذُكر عنه: "أنَّهُ كانَ إذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذنوبى، وافْتَحْ لي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإذَا خَرَجَ صَلَّى عَلى مُحمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّم، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبِي وَافْتَح لي أبْوَابَ فَضْلِكَ ".

وكَانَ إذَا صلَّى الصُّبْحَ، جَلَسَ في مُصلَّاه حَتَّى تطلُعَ الشَّمْسُ يَذْكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.

وكان يقول إذَا أَصْبَحَ: "اللهُمَّ بِكَ أصْبَحْنَا، وَبِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ النُّشُورُ" حديث صحيح.

وكان يَقُولُ: "أصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أسْأَلُكَ خَيْرَ مَا في هذَا اليَوْم، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّ هذَا اليَوْمِ، وَشرِّ مَا بَعْدَهُ، رَبِّ أعُوذُ بِكًَ مِنَ الكَسَلِ، وَسُوءِ الكِبَر، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، وعَذَابٍ في القَبْرِ، وإذَا أمْسَى قَالَ: أمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ، " إلى آخِرِهِ. ذكره مسلم.

وقال له أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: مُرْني بِكَلِمَاتٍ أقُولُهُنَّ إذَا أصْبَحْتُ وإذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: قُلْ: "اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَىءٍ وَمَلِيكَهُ وَمَالِكه، أشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا أنْتَ، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ نفسي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكهِ، وأنْ أقْتَرِفَ عَلَى نفسي سُوءًا أوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ" قال: "قُلْهَا إذَا أَصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ، وإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ" حديث صحيح.

وقال ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىءٌ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ - ثَلاتَ مَرَّاتٍ - إلَّا لَمْ يَضُرَّهُ شَىْء " حديث صحيح.

وقال: " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أنْ يُرْضِيَهُ" صححه الترمذي والحاكم.

وقال: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: اللهُمَّ إني أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أنَّكَ أنتَ اللهُ الذي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَعْتَقَ اللهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ، وَإنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَعْتَقَ اللهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ، وإنْ قَالَهَا ثَلاثًا، أَعْتَقَ اللهُ ثَلاثَة أَرْبَاعِهِ مِنَ النَّارِ، وَإنْ قَالَهَا أرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ " حديث حسن.

وقالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أوْ بأحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِيْنَ يُمْسِي، فَقَدْ أدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ" حديث حسن.

وكَانَ يدعو حينَ يُصبح وحينَ يُمْسِي بهذِهِ الدعَواتِ: "اللهُمَّ إني أسْأَلُكَ العَافِيَةَ في الدُّنْيَا والآخِرَة، اللهُمَّ إني أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِية في ديني وَدُنْيَايَ وَأهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهُمَّ احْفظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يمينى وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي " صححه الحاكم.

وقال: "إذَا أصْبَحَ أحَدُكُم، فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، اللهُمَّ إني أَسْأَلُكَ خَيْرَ هذَا الْيَوْمِ: فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَه وَهِدَايَتَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إذَا أمْسَى، فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ" حديث حسن.

وذكرَ أبو داود عنه أنه قال لِبعض بناتِهِ: "قُولِي حِيْنَ تُصْبِحِينَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَىْءٍ قديرٌ، وأنّ الله قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا، فَإنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ ".

وقال لرجل من الأنصار: " ألا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إذَا قُلْتَهُ أذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "قُل إذَا أصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ: اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجَالِ" قال: فقلتُهن، فأذهب الله همِّي وقضًَى عنى دَيْني.

وكان إذا أصبح قال: "أصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلامِ، وَكَلِمَةِ الإخْلاصِ، ودِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِلَّةِ أبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ".

هكذا في الحديث: "ودين نبينا محمَّد ﷺ " وقد استشكله بعضُهم وله حُكْمُ نظائِره كقوله في الخُطَبِ والتشهُّد في الصلاة: "أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله" فإنه ﷺ مكلَّف بالإيمان بأنه رسولُ الله ﷺ إلى خلقه، ووجوبُ ذلك عليه أعظمُ من وجوبه على المرسَل إليهم، فهو نبي إلى نفسه وإلى الأُمَّة التي هو منهم، وهو رسول الله إلى نفسه وإلى أُمَّته.

ويُذكَرُ عنه ﷺ أنه قال لِفاطمة ابنتهِ: "مَا يَمْنَعُكِ أنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ: أنْ تَقُولِي إذَا أصْبَحْتِ وَإذَا أمْسَيْتِ: يَا حَيٌُّ، يَا قَيُّومُ بك أستغيث، فأصلح لي شأنى، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ".

ويُذكرُ عنه ﷺ أنه قال لِرجل شكا إليهِ إصابةَ الآفاتِ: "قُل: إذَا أصْبَحْتَ: بِسْمِ اللهِ عَلَى نفسي، وَأَهْلِي وَمَالِي، فَإنَّهُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَىءٌ".

ويُذكَر عنه أنه كان إذَا أصبح قالَ: "اللهُمَّ إني أسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا".

ويُذكر عنه ﷺ: إن العبد إذا قالَ حِينَ يُصبِحُ ثلاثَ مرات: "اللهُمَّ إني أَصْبَحْتُ مِنْكَ في نِعْمَةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ، فَأَتْمِمْ عَلَيَّ نِعْمَتَكَ وَعَافِيَتَكَ وَسِتْرَكَ في الدُّنيَا والآخِرَةِ، وإذَا أمْسى، قالَ ذلِك، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ".

وَيذكر عنه ﷺ أنه قال: " مَنْ قَالَ في كُلِّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللهُ لا إلَه إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ - سَبْعَ مَرَّاتٍ - كَفَاهُ اللهُ مَا أهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ".

ويُذكر عنه ﷺ أنه من قالَ هذِهِ الكَلِمَاتِ في أوَّلِ نَهَارِهِ، لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ: "اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إله إلَّا أنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وَأنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا، اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نفسي، وَشَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، وقَد قِيلَ لأبي الدرداء: قدِ احترق بيتُك فقالَ: ما احترقَ، ولم يكن اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِيفعل، لِكَلِمَاتٍ سمعتهُنَّ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ فذكرها.

وقالَ: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أنْ يَقُولَ العبدُ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إلهَ إلَّا أنْتَ خَلَقْتَنِي وَأنَا عَبْدُكَ، وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لي إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلَّا أَنْتَ، مَنْ قالَهَا حِينَ يُصْبِحُ موقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ".

"ومَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ - مِائَةَ مَرَّةٍ - لَمْ يَأْتِ أَحدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أوْ زَادَ عَلَيْهِ".

وَقَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرَ مَرَّاتٍ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ الله لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ بها عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَكَانَتْ كَعِدْل عَشْر رِقَابٍ، وَأَجَارهُ اللهُ يَوْمَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا أمْسَى فَمِثْلُ ذلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ".

وقال: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ: لا إلَه إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدلَ عَشْر رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مائةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْ مِائَةُ سَيِّئَة، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذلِكَ حتى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ".

وفي المسند وغيرهِ أنه ﷺ علَّم زيدَ بن ثابت، وأمره أن يتعَاهَدَ بهِ أهله في كلِّ صباح: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ في يَدَيْكَ، وَمِنْكَ وَبِكَ وَإلَيْكَ، اللهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ، أوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ، فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يدي ذلِكَ كُلّه، ما شِئْتَ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِكَ، إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ مَا صَلَّيْتَ مِنْ صَلاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتَ مِنْ لَعْنَةٍ، فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، أَنْتَ وَليى في الدُّنْيَا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ، اللهُمَّ فَاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ. فَإني أعْهَدُ إلَيْكَ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُكَ - وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا - بِإني أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ المُلْكُ، وَلَكَ الحَمْدُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أنَّ وَعْدَكَ حَقٌ، وَلِقَاءَكَ حَقٌ، وَالسَّاعَةُ حَقٌ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّكَ تَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وَأشْهَدُ أنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نفسي تَكِلْنِي إلى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإني لا أثِقُ إلَّا برَحْمَتِكَ، فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي كُلَّهَا إنه لا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلَّا أنْتَ، وَتُبْ عَليَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمٍُ".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند لبس الثوب ونحوه[عدل]

كانَ ﷺ إذَا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه، عِمامةً، أو قميصًا، أو رِدَاءً، ثم يقول: "اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرُ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ، وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" حديث صحيح.

ويُذكر عنه أنه قال: "مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَسَانِي هذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّة، غَفَرَ الله له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

وفي جامع الترمذي عن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي، وَأتجَمَّلُ بِهِ في حَيأتي، ثُمَّ عَمَدَ إلَى الثَّوْبِ الذي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ به، كَانَ في حِفْظِ اللهِ، وفى كَنَفِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، حَيًّا وَمَيْتًا".

وصحَّ عنه أنه قال لأُمِّ خالد لما ألبسها الثوب الجديد: " أبْلِي وَأَخْلِقِي، ثم أبلى وأخلقى - مَرَّتَيْنِ ".

وفي سنن ابن ماجه أنه ﷺ رأى على عُمَر ثوبًا فقالَ: "أَجَدِيدٌ هذَا، أمْ غَسِيلٌ"؟ فَقَالَ: بَلْ غَسِيلٌ، فقالَ: "الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، ومُتْ شَهِيدًا".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى منزله[عدل]

لم يكن ﷺ لِيفجأ أهله بغتةً يتخوَّنُهم، ولكن كان يدخلُ على أهله على عِلْم منهم بدخوله، وكان يُسَلِّمُ عليهم، وكان إذا دخل، بدأ بالسؤال، أو سأل عنهم، وربما قال: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ"؟ وربما سكت حتى يحضرَ بين يديه ما تيسّر.

ويُذكر عنه ﷺ أنه كان يقولُ إذا انقلب إلى بيته: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الذي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، أسْأَلُكَ أنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّار".

وثبت عنه ﷺ أنه قال لأنَس: "إذَا دَخلْتَ عَلَى أهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَيَ أهْلِكَ ". قال الترمذي: حديث حسَن صحيح.

وفي السنن عنه ﷺ: " إذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إني أَسْأَلُكَ خَيْرَ المَوْلَجِ، وَخَيْرَ المَخْرَجِ، بِسْمِ اللهِ وَلَجْنَا، وعَلَى الله رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ".

وفيها عنه ﷺ: "ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى الله: رَجُلٌ خَرَجَ غَازيًا في سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ حَتَّى يَتَوفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ وَغَنِيمةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى المَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى الله حَتَّى يَتَوفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلامٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى الله " حديث صحيح.

وصح عنه ﷺ: "إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَر اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاء" ذكره مسلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند دخوله الخلاء[عدل]

ثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقولُ عند دخوله الخلاء: "اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ".

وذكر أحمد عنه أنه أمر مَنْ دخل الخلاء أن يقولَ ذلك.

ويُذكر عنه: " لا يَعْجِزْ أحَدُكُم إذَا دَخَلَ مَرْفِقَهُ أنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ، الخَبيث المُخْبِثِ، الشَّيْطَانِ الرَّجِيم".

ويُذكر عنه ﷺ قال: " سَتْرُ مَا بَيْنَ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ".

وثبت عنه ﷺ أن رجلًا سلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.

وأخبر أن الله سبحانه يمقُت الحديث على الغائط: فَقَالَ: "لا يَخْرُج الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كَاشِفينَ عَنْ عَوْرَاتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ".

وقد تقَدَّمَ أنه كان لا يستقْبِلُ القِبْلة ولا يستدبِرُهَا ببولٍ ولا بغائط، وأنه نهى عن ذلك في حديث أبي أيوب، وسلمان الفارسى، وأبي هريرة، ومعقل بن أبي معقل، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهم، وعامةُ هذه الأحاديث صحيحةٌ، وسائُرها حسن، والمعارِضُ لها إما معلول السندِ، وإما ضعيفُ الدلالة، فلا يُرد صريحُ نهيه المستفيضُ عنه بذلك، كحديث عِراك عن عائشة: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ أن أناسًا يكرهون أن يستقبلوا القِبْلة بفرُوجهم، فقال: "أَوَ قد فعلُوها؟ حوِّلوا مَقْعَدَتى قِبَلَ القِبْلَةِ" رواه الإمام أحمد وقال: هو أحسن ما رُوى في الرخصة وإن كان مرسلًا، ولكن هذا الحديث قد طعن فيه البخاري وغيرُه من أئمة الحديث، ولم يُثِبتُوه، ولا يقتضى كلامُ الإمام أحمد تثبيتَه ولا تحسينَه. قال الترمذي في كتاب "العلل الكبير" له: سألتُ أبا عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ فيه اضطراب، والصحيحُ عندي عن عائشة من قولها انتهى.

قلت: وله عِلَّة أُخرى، وهي انقطاعه بين عراك وعائشة، فإنه لم يسمع منها، وقد رواه عبد الوهَّاب الثقفي عن خالد الحذَّاء عن رجل عن عائشة، وله عِلَّة أخرى، وهي ضعف خالد بن أبي الصلت.

ومن ذلك حديثُ جابرٍ: "نهى رسولُ الله ﷺ أن تُستقبل القِبْلةُ ببولٍ، فرأيتهُ قبل أن يُقبض بعام يستقبلها"، وهذا الحديث استغربه الترمذي بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب "العلل": سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث صحيح، رواه غيرُ واحد عن ابن إسحاق، فإن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق، لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه، فهي واقعة عين، حكمُها حكم حديث ابن عمر لما رأى رسولَ الله ﷺ يقضى حاجَته مستدبر الكعبة، وهذا يحتمِلُ وجوهًا ستة: نسخُ النهي به، وعكسُه، وتخصيصُه به ﷺ، وتخصيصُه بالبنيان، وأن يكونَ لعذر اقتضاه لمكان أو غيره، وأن يكون بيانًا، لأن النهي ليس على التحريم، ولا سبيلَ إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديثُ جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها، فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتَمَلِ، وقولُ ابنِ عمر: إنما نهى عن ذلك في الصحراء، فَهْمٌ منه لاختصاص النهي بها، وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارَض بفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قولِ أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرِّقين بين الفضاء والبنيان، فإنه يقال لهم: ما حدُّ الحاجز الذي يجوزُ ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حدٍّ فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوِّزًا لذلك، لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضًا فإن النهي تكريمٌ لجهة القِبْلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان، وليس مختصًا بنفسِ البيت، فكم من جبل وأكَمَةٍ حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جُدرانُ البنيان وأعظم، وأما جهةُ القِبْلة، فلا حائل بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النهي، لا على البيت نفسه فتأمله.

فصل

وكان إذا خرج من الخلاء قال: "غُفْرَانَكَ"، ويُذكر عنه أنه كان يقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى، وَعَافَانِي " ذكره ابن ماجه.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء[عدل]

ثبت عنه ﷺ أنه وضع يديه في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال للصحابة: "تًَوَضَّؤوا بِسْمِ اللهِ".

وثبت عنه أنه قال لجابر رضي الله عنه: "نَادِ بِوَضُوءٍ" فجئ بالماء فقالَ: "خُذْ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عليَّ وقُلْ: بِسْمِ الله" قال: فَصَبَبْتُ عَلَيه، وقُلْتُ: بسم الله، قال: فرأيتُ الماء يَفورُ مِنْ بَيْنَ أصَابِعه.

وذكر أحمد عنه من حديث أبي هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم: " لا وُضُوءَ لِمَن لًَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ".

وفي أسانيدها لين.

وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: " مَن أسْبَغَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لاشَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيَّهَا شَاءَ " ذكره مسلم.

وزاد الترمذي بعد التشهد: "اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ" وزاد الإمام أحمد: ثمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّمَاءِ. وزاد ابن ماجه مع أحمد: قول ذلك ثلاث مرات.

وذكر بقيُّ بن مَخْلد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وضُوئِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبحَمْدِكَ أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، كُتِبَ في رَقٍّ وطُبعَ.

عَلْيْهَا بِطَابعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ العَرْشِ فَلَمْ يُكْسَرْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"، ورواه النسائي في كتابه الكبير من كلام أبي سعيد الخدري، وقالَ النسائي: باب ما يقول بعد فراغه من وضوئه، فذكر بعض ما تقدم. ثم ذكر بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعرى قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بوضوءٍ فتوضَّأَ، فسمعتُه يقول ويدعو: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لي في دَارى، وبَارِكْ لي في رِزْقِي " فقلتُ: يا نبي اللهِ: سمعتُك تدعو بكذا وكذا، قال: "وهَلْ تَرَكَتْ مِنْ شَىْءٍ"؟ وقالَ ابن السني: باب ما يقول بين ظهرانى وضوئه فذكره.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره[عدل]

ثبت عنه ﷺ أنه سنَّ التأذين بترجيع وبغير ترجيع، وشرع الإقَامَةَ مثنى وفُرادى، ولكن الذي صح عنه تثنيةُ كلمةِ الإقَامَةِ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ" ولم يصح عنهُ إفرادُهَا البتة، وكذلك صحَّ عنه تكرارُ لفظ التكبير في أول الأذان أربعًا، ولم يَصِحَّ عنه الاقتصارُ على مرتين، وأما حديثُ: "أُمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ وَيُوتِرَ الإقَامَةَ" فلا ينافى الشفع بأربع، وقد صحّ التربيعُ صريحًا في حديث عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وأبى محذورة رضي الله عنهم.

وأما إفرادُ الإقامة، فقد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما، استثناءُ كلمة الإقامة، فقال: إنما كانَ الأذانُ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ مرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقَامةُ مرَّةً مرَّةً، غيرَ أنه يقول: قَد قَامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ".

وفي صحيح البخاري عن أنس: "أُمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، ويُوتِرَ الإقَامَةَ، إلا الإقَامَة".

وصح من حديث عبد الله بن زيد وعمر في الإقامة: "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ".

وصح من حديث أبي محذورة تثنيةُ كلمةِ الإقامة مع سائر كلماتِ الأذان.

وكُلُّ هذه الوجوه جائزة مجزئة لا كراهة في شئ منها، وإن كان بعضُها أفضلَ مِن بعض، فالإمام أحمد أخذ بأذان بلال وإقامته، والشافعي، أخذ بأذان أبى محذورة وإقامة بلال، وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبى محذورة، ومالك أخذ بما رأى عليه عملَ أهل المدينة من الاقتصار على التكبير في الأذان مرتين، وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة، رحمهم الله كلهم، فإنهم اجتهدوا في متابعة السُّنَّة.

فصل

وأمّا هَدْيُه ﷺ في الذِّكر عند الأذان وبعدَه، فشرع لأُمَّته منه خمسة أنواع:

أحدها: أن يقول السامع كما يقول المؤذِّن، إلا في لفظ: "حيّ على الصلاة"، "حيّ على الفلاح" فإنه صح عنه إبدالُهما ب "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ" ولم يجئ عنه الجمعُ بينها وبين: "حيّ على الصلاة"، "حيّ على الفلاح" ولا الاقتصارُ على الحيعلة، وهَدْيُه ﷺ الذي صح عنه إبدالُهما بالحوقلة، وهذا مقتضى الحكمة المطابقةِ لحال المؤذِّن والسامع، فإن كلمات الأذان ذِكْرٌ، فَسَنَّ للسامع أن يقولها، وكلمة الحيعلة دعاءٌ إلى الصلاة لمن سمعه، فَسَنَّ للسامع أن يَسْتَعِينَ على هذه الدعوة بكلمة الإعانة وهى: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِّي العظيم".

الثاني: أن يقول: وأَنَا أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، رَضِيتُ بِالله رَبًا، وَبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَأَخْبَرَ أنَّ مَنْ قَالَ ذلِكَ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ.

الثالث: أن يُصلِّيَ على النبي ﷺ بعدَ فَراغه من إجابة المؤذِّن، وأكْمَلُ ما يُصلَّى عليه بِهِ، ويصل إليه، هي الصلاة الإبراهيمية كما علَّمه أُمَّته أن يُصلُّوا عليه، فلا صلاةَ عليه أكملُ منها وإن تحذلق المتحذلقون.

الرابع: أن يقولَ بعد صلاته عليه: "اللهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الذي وعَدْتَهُ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَادَ" هكذا جاء بهذا اللفظ: "مقامًا محمودًا" بلا ألف ولا لام، وهكذا صح عنه ﷺ.

الخامس: أن يدعوَ لنفسه بعد ذلك، ويسألَ الله من فضله، فإنه يُسْتَجَاب له، كما في السنن عنه ﷺ: "قُلْ كَمَا يَقُولُونَ - يعني المُؤَذِّنِينَ - فَإذَا انْتَهيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ".

وذكر الإمام أحمد عنه ﷺ: " مَنْ قَالَ حينَ يُنَادِي المُنَادِي: اللهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّة وَالصَّلاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنْهُ رِضَىً لا سَخَطَ بَعْدَهُ، اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَه".

وقَالت أمُّ سلمة رضي الله عنها: علَّمنى رسولُ الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: "اللهُمَّ إنَّ هذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْلى" ذكره الترمذي.

وذكر الحاكم في المستدرك من حديث أبي أُمامة يرفعه أنه كان إذا سمع الأذان قال: "اللهُمَّ رَبِّ هَذِهِ الدَّعْوةِ التَّامَّةِ المُسْتَجَابَةِ، والمُسْتَجَابِ لَهَا، دَعْوةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التَّقْوَى، تَوَفَّنى عَلَيْهَا وَأَحْيِنِي عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَالِحِي أهْلِهَا عَمَلًا يَوْمَ القِيَامَةِ"، وذكره البيهقي من حديث ابن عمر موقوفًا عليه.

وذُكر عنه ﷺ أنه كان يقول عند كلمةِ الإقامة: "أقَامَهَا اللهُ وأدَامَهَا".

وفي السنن عنه ﷺ: "الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بينَ الأذَانِ والإقامَةِ" قالوا فما نقولُ يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا الله العَافِيةَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ" حديث صحيح.

وفيها عنه: "سَاعَتَانِ، يَفْتَحُ اللهُ فِيهمَا أبْوابَ السَّمَاءِ وقَلَّما تُرَدُّ عَلَى دَاعٍ دَعْوتُه: عِنْدَ حُضُورِ النِّدَاءِ، والصَّفِّ في سَبِيلِ الله".

وقد تقدَّم هَدْيُه في أذكار الصلاة مفصَّلًا والأذكارِ بعد انقضائها، والأذكار في العيدين، والجنائز، والكسوف، وأنه أمر في الكسوف بالفزع إلى ذكر الله تعالى، وأنه كان يسبِّح في صلاتها قائمًا رافعًا يديه يُهلِّل ويُكبِّر ويَحْمَدُ ويدعو حتى حُسِر عن الشمس، والله أعلم.

فصل

وكان ﷺ يُكثِرُ الدعاء في عَشْرِ ذي الحِجَّة، ويأمُر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد.

ويُذكر عنه أنه كان يُكبِّر من صلاة الفجر يومَ عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، فيقول: "اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، والله أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ" وهذا وإن كان لا يصح إسناده، فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع التكبير، وأما كونه ثلاثًا، فإنما رُوى عن جابر وابن عباس مِن فعلهما ثلاثًا فقط، وكِلاهما حسن، قال الشافعي: إن زاد فقال: "الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّه كثيرًاَ، وسُبْحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، مخلصين له الدِّينَ ولو كره الكافرون، لا إله إلا اللهُ وحدَهُ، صدَقَ وعده، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، لا إله إلا الله واللهُ أكبرُ" كان حسنًا.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند رؤية الهلال[عدل]

يُذكر عنه أنه كان يقول: "اللهُمَّ أَهِلَّه عَلَيْنَا بِالأمْنِ والإيمَانِ، والسَّلامَةِ والإسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ" قال الترمذي: حديثٌ حسن.

ويُذكر عنه أنه كان يقول عند رؤيته: "اللهُ أكْبَرُ، اللهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ والإيمَانِ، والسَّلامَةِ والإسْلامِ والتَّوْفِيقِ لِمَا يُحبُّ ربُّنا ويَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللهُ" ذكره الدارمي.

وذكر أبو داود عن قتادة أنه بلغه أن نبي الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالذي خَلَقَكَ" - ثَلاثَ مَرَّاتٍ- ثُمَّ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي ذَهَبَ بشهرِ كَذَا، وَجَاءَ بشَهْرِ كَذَا". وفى أسانيدها لين.

ويُذكر عن أبي داود وهو في بعض نسخ سننه أنه قال: ليس في هذا البابِ عن النبي ﷺ حديثٌ مسند صحيح.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطعام قبله وبعده[عدل]

كان إذا وضع يده في الطعام قال: "بسْمِ اللهِ" ويأمر الآكل بالتسمية، ويقول "إذَا أكَلَ أحَدُكُم، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تعَالَى، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ في أوَّلِه وَآخِرِهِ" حديث صحيح.

والصحيحُ وجوبُ التسمية عند الأكل، وهو أحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة، ولا مُعارِضَ لها، ولا إجماعَ يسوِّغُ مخالفتها ويُخْرِجُهَا عن ظاهرها، وتارِكُهَا شريكهُ الشيطان في طعامه وشرابه.

فصل

وهاهنا مسألة تدعو الحاجة إليها، وهي أن الآكلين إذا كانوا جماعة، فسمَّى أحدُهم، هل تزولُ مشاركة الشيطان لهم في طعامهم بتسميته وحدَه، أم لا تزول إلا بتسمية الجميع؟ فنصَّ الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، وجعله أصحابُه كردِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وقد يُقال: لا تُرفع مشاركةُ الشيطان للآكل إلا بتسميته هو، ولا يكفيه تسميةُ غيره، ولهذا جاء في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامًا، فجاءت جارية كأنما تُدْفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطعام، فأخذَ رسولُ الله ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابي كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فأخذ بيده، فقالَ رسول الله ﷺ: "إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهذَا الأعْرَابيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، والذي نفسي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يدي مَعَ يَدَيْهِمَا" ثم ذكرَ اسمَ الله وأكل، ولو كانت تسمية الواحد تكفى، لما وضع الشيطان يده في ذلك الطعام.

ولكن قد يُجاب بأن النبي ﷺ لم يكن قد وضع يده وسمَّى بعدُ، ولكنَّ الجارية ابتدأت بالوضع بغيرِ تسمية، وكذلك الأعرابيُّ، فشاركهما الشيطانُ، فمِن أين لكُم أن الشيطان شارك مَن لم يُسمِّ بعد تسمية غيره؟، فهذا مما يُمكن أن يُقالَ، لكن قد روى الترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأكلُ طعامًا في سِتَّةِ من أصحابه، فجاء أعرابي، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أمَا إنَّه لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُم"، ومِن المعلوم أن رسولَ الله ﷺ وأولئك الستة سَمَّوا، فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسمِّ، شاركه الشيطانُ في أكله فأكل الطعام بِلُقمتين، ولو سمَّى لكفى الجميع.

وأمّا مسألةُ ردِّ السلام، وتشميتِ العاطس، ففيها نظر، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذَا عَطَسَ أحَدُكُم، فَحَمِدَ الله فَحَقٌ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أنْ يُشَمِّتَهُ" وإن سُلِّمَ الحُكم فيهما، فالفرقُ بينهما وبين مسألة الأكل ظاهِرٌ، فإن الشيطانَ إنما يتوصل إلى مشاركة الآكِل في أكله إذا لم يُسمِّ، فإذا سمَّى غيرُه، لم تجُز تسميةُ مَن سمَّى عمن لم يُسمِّ مِن مقارنة الشيطانِ له، فيأكل معه، بل تَقِلُّ مشاركة الشيطان بتسمية بعضهم، وتبقى الشركةُ بين مَن لم يُسمِّ وبينه، والله أعلم.

ويُذكر عن جابر عن النبي ﷺ: "مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ عَلَى طَعَامِهِ، فَلْيَقْرَأ: { قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ } [46] إذَا فَرَغَ" وفى ثبوت هذا الحديث نظر.

وكان إذا رُفِعَ الطعامُ من بين يديه يقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنىً عَنْه رَبُّنا" عَزَّ وَجَلَّ. ذكره البخاري.

وربمَا كانَ يقول: "الحَمْدُ للَّهِ الذي أطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ".

وكان يقول: "الحَمْدُ للَّهِ الذي أطْعَمَ وَسَقَى وسوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا ".

وذكر البخاري عنه أنه كان يقولُ: "الحَمْدُ للَّهِ الذي كَفَانَا وَآوَانا"، وذكر الترمذي عنه أنه قال: "مَنْ أكَلَ طَعامًا فَقَالَ: الحَمْدُ للّهِ الذي أَطْعَمَنِي هَذَا مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " حديث حسن.

ويُذكر عنه أنه كان إذَا قُرِّبَ إليه الطعامُ قال: "بِسْمِ اللهِ" فإذَا فَرَغَ مِن طعامه قال: "اللهُمَّ أطٌعَمْتَ وَسَقَيْتَ، وأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وهَدَيْتَ وأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الحَمْدُ عَلى مَا أَعْطَيْتَ" وَإسْناده صحيح.

وفي السنن عنه أنه كان يقولُ إذا فرغ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الذي مَنَّ عَلَيْنَا وَهَدَانَا، والذي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، ومِنْ كُلِّ الإحْسَانِ آتَانَا" حديث حسن.

وفي السنن عنه أيضًا: "إذَا أكَلَ أَحَدُكُم طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهَ اللهُ لَبَنَا، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فإنه ليس شئ ويُجزِئ عن الطعام والشراب غير اللبن " حديث حسن.

ويُذكر عنه أنه كَانَ إذَا شَرِبَ في الإنَاءِ تَنَفَّسَ ثَلاثَة أنْفَاسٍ، ويَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ نَفَسٍ، وَيَشْكُرُهُ في آخِرِهِنَّ.

فصل

وكان ﷺ إذا دخل على أهلِهِ رُبَّمَا يسأْلُهم: "هَلْ عِنْدَكُم طَعَامٌ"؟ وَمَا عَابَ طَعَامًا قطٌّ، بَلْ كَانَ إذَا اشتهاهُ أكَلَهُ، وإنْ كَرِهَهُ تَرَكهُ وَسَكَت، وربما قال: "أجِدُنى أعَافُهُ إني لا أَشْتَهِيهِ".

وكان يمدح الطعامَ أحيانًا، كقوله لما سأل أهلَهُ الإدامَ، فقالُوا: ما عِندنا إلا خَلٌّ، فدعا به فجعل يأكُلُ مِنْهُ ويقُولُ: "نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ"، وليس في هذا تفضيل له على اللبن واللَّحم والعَسَل والمَرَق، وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر فيها، ولو حَضَرَ لحم أو لبن، كان أولى بالمدح منه، وقال هذَا جبرًا وتطييبًا لقلب مَن قدَّمه، لا تفضيلًا له على سائر أنواع الإدام.

وكان إذا قُرٍّبَ إليه طعام وهو صائم قال: "إني صَائِمٌ"، وأمر مَن قُرِّبَ إليه الطعامُ وهو صائم أن يُصَلِّيَ، أي يدعو لمن قدَّمه، وإن كان مفطرًا أن يأكل منه.

وكان إذا دُعيَ لِطعام وتبعه أحد، أعلمَ به ربَّ المنزل، وقال: "إنَّ هذَا تَبِعَنَا، فَإنْ شِئْتَ أنْ تأذَنَ لَهُ، وَإنْ شِئْتَ رَجَعَ".

وكانَ يتحدَّث على طعامه، كما تقدَّم في حديث الخل، وكما قال لِربيبه عمر ابن أبي سلمة وهو يُؤاكِلهُ: "سَمِّ اللهَ، وكُلْ ممَّا يَليك".

وربما كان يُكرِّر على أضيافه عرضَ الأكل عليهم مِرارًا، كما يفعلهُ أهلُ الكرم، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شُرب اللبن وقولِهِ له مِرارًا: "اشْرَبْ" فَمَا زَالَ يَقُولُ: "اشْرَبْ" حَتَّى قَالَ: وَالذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أجدُ لَهُ مَسْلَكًا.

وكان إذا أكل عند قوم لم يخرُج حتى يَدْعُوَ لهم، فدعا في منزل عبد الله ابن بُسر، فقالَ: "اللهُمَّ بَارِكْ لَهُم فِيمَا رَزَقْتَهُم، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ" ذكره مسلم.

ودعا في منزل سعد بنِ عُبادة فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُم الأبْرَارُ، وصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ".

وذكر أبو داود عنه ﷺ أنه لما دعاه أبو الهيثم بن التَّيهان هو وأصحابهُ فأكلوا، فلما فرغُوا قال: "أثِيبُوا أخَاكُمْ" قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما إثابتهُ؟ قال: "إنَّ الرَّجلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، فأُكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذلِكَ إثَابَتُهُ".

وصح عنه ﷺ أنه دخل منزله ليلَةً، فالتمس طعامًا فلم يجده، فقال: " اللهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي".

وَذُكِرَ عنه أن عَمْرو بنَ الحَمِق سقاه لبنًا فقال: "اللهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ "، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.

وكان يدعو لمن يُضيف المساكينَ، ويثنى عليهم، فقالَ مرَّة: "ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هذَا رحِمَهُ اللهُ"، وقال للأنصاري وامرأته اللَّذَيْنِ آثرا بقُوتِهما وقُوتِ صِبيانهما ضَيْفَهُمَا: "لَقَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ".

وكَانَ لا يأْنَفُ مِن مؤاكلة أحدٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، حُرًا أو عبدًا، أعرابيًا أو مهاجرًا، حتى لقد روى أصحاب السنن عنه أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القَصعة فقال: "كُلْ بِسْمِ اللهِ ثِقَةً بِاللهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ".

وكان يأمُرُ بالأكل باليمين، وينهى عن الأكل بالشمال، ويقول: " إنَّ الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بشِمَالِهِ "، ومقتضى هذا تحريمُ الأكل بها، وهو الصحيح، فإن الآكلَ بِهَا، إما شيطان، وإما مشبَّه به، وصحَّ عنه أنه قال لرجل أكل عنده، فأكل بشماله: "كُلْ بِيَمينِكَ"، فقال: لا أستطيعُ، فقال: "لا اسْتَطَعْتَ" فما رفع يده إلى فيه بعدها، فلو كان ذلك جائزًا، لما دعا عليه بفعله، وإن كان كِبْرُهُ حمله على ترك امتثال الأمر، فذلك أبلغُ في العصيان واستحقاق الدعاء عليه.

وأمر مَن شَكَوْا إليه أنهم لا يشبعُونَ: أن يجتمِعُوا على طعامهم ولا يتفرَّقُوا، وأن يذكُروا اسمَ اللهِ عليه يُبارك لهم فيه.

وصحَّ عنه أنه قال: "إنَّ الله لَيرضَى عَنِ العَبْدِ يَأْكُلُ الأَكْلَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا".

وروي عنه أنه قال: "أَذِيبُوا طَعَامَكُم بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ والصَّلاةِ، وَلا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قلُوبُكُم" وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحًا والواقع في التجربة يشهدُ به.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان وتشميت العاطس[عدل]

ثبت عنه ﷺ في الصحيحين عن أبي هريرة أن " أفْضَلَ الإسْلامِ وَخَيْرَهُ إطْعَامُ الطًَّعَامِ، وَأَنْ تَقْرَأَ السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ".

وفيهما "أن آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا خلقَه اللهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى أولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَسَلِّم عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمِعْ مَا يُحيُّونَكَ بِهِ، فَإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، فَزَادُوهُ: "وَرَحْمةُ اللهِ".

وفيهما أنه ﷺ "أمَرَ بِإفْشَاءِ السَّلام وأخبرهم أنهم إذا أفشوا السلام بَيْنَهُمُ تَحَابُّوا، وَأنَّهُمُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلا يُؤمِنُونَ حَتَّى يَتَحَابُّوا".

وقال البخاري في صحيحه: قال عمَّار: ثلاثٌ مَنْ جمعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ: الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلام لِلعَالَم، والإنْفَاقُ مِنَ الإقْتَارِ.

وقد تضمنت هذه الكلماتُ أصول الخير وفروعه، فإن الإنصاف يُوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفَّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وأن لا يُطالبهم بما ليس له، ولا يُحمِّلهم فوق وُسعهم، ويُعامِلَهم بما يُحِبُّ أن يعامِلوه به، ويُعفيهم مما يُحبُّ أن يُعْفُوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكُمُ بِهِ لنفسه وعليها، ويدخلُ في هذا إنصافُه نفسه من نفسه، فلا يدَّعى لها ما ليسَ لها، ولا يُخبثها بتدنِيسه لها، وتصغيرهِ إياها، وتحقيرِها بمعاصي الله، ويُنميها ويكبِّرُها ويرفعُها بطاعة الله وتوحيده، وحبِّه وخوفِهِ، ورجائِهِ، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وإيثارَ مرضاتِهِ ومحابِّه على مراضى الخلق ومحابِّهم، ولا يكونُ بها مع الخلق ولا مع الله، بل يعزِلُهَا من البين كما عزلها اللهُ، ويكون بالله لا بنفسه في حُبه وبُغضه، وعطائه ومنعه، وكلامِهِ وسكوتِهِ، ومدخلهِ ومخرجِهِ، فينجى نفسه مِن البين، ولا يرى لها مكانةً يعمل عليها، فيكون ممن ذمهم الله بقوله: { اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } [47] [48] [49] فالعبدُ المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحقُ المنافع والأعمال لسيده، ونفسُه ملك لسيده، فهو عامل على أن يؤديَ إلى سيده ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلًا، بل قد كُوتب على حقوق مُنَجَّمَةٍ، كلما أدَّى نجمًا حلَّ عليه نجمٌ آخر، ولا يزال المكاتَبُ عبدًا ما بقى عليه شئ من نجوم الكتابة.

والمقصود أن إنصافه من نفسه يُوجب عليه معرفَة ربه، وحقَّه عليه، ومعرفةَ نفسه، ومَا خُلِقَتْ له، وأن لا يُزاحِم بها مالكَها، وفاطرَها ويدَّعى لها الملكة والاستحقاق، ويزاحم مرادَ سيده، ويدفعَه بمراده هو، أو يقدِّمه ويؤثِرَه عليه، أو يقسِم إرادته بين مراد سيده ومُراده، وهي قسمة ضِيزى، مِثل قسمة الذِينَ قالوا: { هَذَا لِلَّهِ بَزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُركَائِنَا، فَمَا كَانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلَى الله، وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [50].

فلينظر العبد لا يكونُ مِن أهل هذه القسمة بين نفسه وشُركائه وبين الله لجهله وظلمه وإلا لُبِّسَ عليه، وهو لا يشعرُ، فإن الإنسان خُلِقَ ظلومًا جهولًا، فكيف يُطلَبُ الإنصافُ ممن وصفُهُ الظلمُ والجهل؟، وكيف يُنصِفُ الخلَقَ مَن لم يُنْصِفِ الخَالِقَ؟، كما في أَثر إلهي يقول اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "ابْنَ آدَمَ مَا أنْصَفْتَنى، خَيْرِي إلَيْكَ نَازِلٌ، وشَرُّكَ إليَّ صَاعِدٌ، كَمْ أَتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَأَنَا غَنِيٌ عَنْكَ، وَكَمْ تَتَبَغَّضَ إليَّ بِالمَعاصي وَأنْتَ فَقِيرٌ إليَّ، ولا يَزَالُ المَلَكُ الكَرِيمُ يَعْرُجُ إليَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ".

وفي أثَر آخر: "ابْن آدَمَ مَا أنْصَفْتَنِي، خَلَقتُكَ وَتَعْبُدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُكَ وَتَشْكُرُ سِوَايَ".

ثم كيف يُنصِفُ غيرَه مَن لم يُنْصِفْ نفسه، وظَلَمَهَا أقبحَ الظُّلْم، وسعَى في ضررها أعظمَ السعى، ومنعَهَا أعظم لذَّاتِهَا من حيث ظن أنه يُعطيها إيَّاهَا، فأتعبها كُلَّ التعب، وأشقاها كُلَّ الشقاء من حيث ظن أنه يُريحها ويُسعدها، وجدَّ كل الجدِّ في حِرمانها حظَّها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودسَّاها كُلَّ التدسيةِ، وهو يظنُّ أنه يُكبرها ويُنميها، وحقَّرها كلَّ التحقير، وهو يظنُّ أنه يعظِّمها، فكيف يُرجى الإنصافُ ممن هذا إنصافُه لنفسه؟ إذا كان هذا فعلَ العبد بنفسه، فماذا تراه بالأجانب يفعل.

والمقصود أن قول عمار رضي الله عنه: "ثلاث مَن جمعهن، فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار"، كلام جامع لأصول الخير وفروعه.

وبذل السلام للعالَم يتضمن تواضعَه وأنَّه لا يتكبَّر على أحد، بل يبذُلُ السلام للصغير والكبير، والشريفِ والوضيعِ، ومَن يعرِفه ومَن لا يعرفه، والمتكبِّر ضِدُّ هذا، فإنه لا يَرُدُّ السلام على كُلِّ مَن سلَّم عليهِ كبرًا منه وتِيهًا، فكيف يبذُلُ السلامَ لِكل أحد.

وأما الإنفاق من الإقتار، فلا يصدرُ إلا عن قوةِ ثِقة بالله، وأنَّ الله يُخلِفُه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكُّل، ورحمة، وزُهد في الدنيا، وسخاءِ نفس بها، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرةً منه وفضلًا، وتكذيبًا بوعد مَن يعدُه الفقر، ويأمر بالفحشاء، والله المستعان.

فصل

وثبت عنه ﷺ أنه مرَّ بِصبيان، فسلَّم عليهم، ذكره مسلم. وذكر الترمذي في جامعه عنه ﷺ: "مرَّ يَوْمًا بجماعةِ نسوة، فألوى بيده بالتسليم".

وقال أبو داود: عن أسماء بنت يزيد: " مرَّ علينا النبي ﷺ في نسوة، فسلَّم علينا "، وهي رواية حديثِ الترمذي، والظاهر أن القصة واحدة وأنه سلَّم عليهن بيده.

وفي صحيح البخاري: أن الصحابة كانوا ينصرِفُونَ مِن الجمعة فيَمُرُّونَ عَلَى عجوز في طريقهم، فَيُسلِّمونَ عليها، فتُقدِّم لهم طعامًا من أُصول السلق والشًَّعِيرِ.

وهذا هو الصوابُ في مسألة السلام على النساء: يُسلِّم على العجوز وذواتِ المحارم دونَ غيرهن.

فصل

وثبت عنه في صحيح البخاري وغيره تسليمُ الصغير على الكبير، والمارِّ على القاعد، والراكب على الماشى، والقليلِ على الكثير.

وفي جامع الترمذي عنه: يُسلِّم الماشى على القائم.

وفي مسند البزار عنه: يسلِّم الراكبُ على الماشى، والماشى على القاعِد، والماشيان أيهما بدأ، فهو أفضل.

وفي سنن أبي داود عنه: "إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بالسَّلامِ".

وكان في هَديه ﷺ السلامُ عند المجيء إلى القوم، والسلامُ عند الانصراف عنهم، وثبت عنه أنه قال: " إذَا قَعَدَ أحَدُكُمْ، فَلْيُسَلِّمْ، وَإذَا قَامَ، فَلْيُسَلِّمْ، وَلَيْسَتِ الأُولَى أحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ".

وذكر أبو داود عنه: "إذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيُسَلِّم عَلَيْهِ، فَإنْ حَالَ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أو جِدَارٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أيْضًا".

وقال أنس: "كانَ أصحابُ رَسُولِ الله ﷺ يَتَمَاشَوْنَ، فَإذَا اسْتَقْبَلْتَهُم شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ، تَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ".

ومن هَدْيه ﷺ أن الداخِل إلى المسجد يبتدئُ بركعتين تحيةَ المسجد، ثم يجئُ فيُسلِّم على القوم، فتكون تحيةُ المسجد قبلَ تحية أهله، فإن تلك حقُّ اللهِ تعالى، والسلامُ على الخلق هو حقٌ لهم، وحقُّ اللهِ في مثل هذا أحقُّ بالتقديم، بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعًا معروفًا، والفرقُ بينهما حاجةُ الآدمي وعدمُ اتساع الحق المالي لأداء الحقين، بخلاف السلام.

وكانت عادةُ القوم معه هكذا، يدخلُ أحدهم المسجدَ، فيُصلى ركعتين، ثم يجئُ، فيسلِّم على النبي ﷺ، ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عيه وسلم بَيْنَمَا هُو جَالِس في المسجدِ يَوْمًا قال رِفاعة: ونحن معه إذ جاء رجلٌ كالبدوى، فصلَّى، فأخَفَّ صلاته، ثمَّ انصَرفَ فَسَلَّمَ عَلَى النبي ﷺ، فَقَالَ النبي ﷺ: "وَعَلَيْكَ فَارْجعْ، فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلَّ ". وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته، ولم يُنكر عليه تأخيرَ السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة.

وعلى هذا: فيُسَن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاثُ تحيات مترتبة: أن يقولَ عند دخولِه: بسم الله والصلاةُ على رسول الله. ثم يصلِّي ركعتينِ تحيةَ المسجد، ثم يُسلِّمُ على القوم.

فصل

"وكان إذا دخَلَ على أهله باللَّيل، يُسلِّم تسلِيمًا لا يُوقِظُ النَّائِمَ، ويُسْمِعُ اليَقْظَانَ" ذكره مسلم.

فصل

وذكر الترمذي عنه عليه السلام: "السَّلامُ قَبْلَ الكَلام".

وفي لفظ آخر: "لا تَدْعُوا أحَدًا إلى الطَّعَامِ حَتَّى يُسلِّمَ". وهذا وإن كان إسناده وما قبله ضعيفًا، فالعمل عليه.

وقد روى أبو أحمد بإسناد أحسن منه من حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ﷺ: " السَّلامُ قَبْلَ السُّؤالِ، فَمَنْ بَدَأَكُم بالسُّؤَال قَبْلَ السَّلامِ، فَلا تُجِيبُوهُ".

ويُذكر عنه أنه كانَ لا يَأذَنُ لِمَن لَمْ يَبْدأْ بالسَّلامِ، ويُذكر عنه: "لا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدأْ بالسَّلامِ".

وأجود منها ما رواه الترمذي عن كَلَدَةَ بنْ حَنْبَلٍ، أنَّ صفوان بن أُمية بعثه بِلَبَنٍ وَلَبأ وَجِدَايَةٍ وَضَغَابِيْسَ إلى النبي ﷺ والنبي ﷺ بأعْلَى الوَادِي قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيّهِ، وَلَمْ أُسَلِّمْ، وَلَمْ أَسْتَأذِنْ، فَقَالَ النبي ﷺ: "ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ"؟، قال: هذا حديث حسن غريب.

وكان إذَا أتى باب قوم، لم يسْتَقْبِل البابَ مِن تلقاء وجهه، ولكن مِن رُكته الأيمن، أو الأَيْسَرِ، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُم، السَّلامُ عَلَيْكُمْ".

فصل

وكان يُسلِّم بنفسه على مَن يُواجهه، ويُحَمِّلُ السَّلامَ لمن يُريد السَّلام عليه مِن الغائبين عنه، ويتحمَّل السلامَ لمن يبلِّغه إليه، كما تحمَّل السلام مِن الله عَزَّ وجَلَّ على صِّدِّيقةِ النساء خديجةَ بنت خويلد رضي الله عنها لما قال له جبريلُ: "هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أتَتْكَ بِطَعَامٍ، فَاقْرَأْ [51] السَّلامَ مِنْ ربِّهَا" [52] وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ ".

وقال للصِّدِّيقة الثانية بنت الصِّديق عائشةَ رضي الله عنها: "هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأْ عَلَيْكِ السَّلامَ" فَقَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، يَرَى مَا لا أرَى.

فصل

وكان هديُه انتهاء السلام إلى: "وبركاتُهُ"، فذكر النسائي عنه "أن رجلًا جاء فقال: السَّلامُ عليكم، فَرَدَّ عَلَيْهِ النبي ﷺ وَقَالَ: "عَشْرَةٌ" ثُمَّ جلس، ثم جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النبي ﷺ وَقَالَ: "عِشْرُونَ" ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وبَرَكَاتُه، فَرَدَّ عَلَيْهِ رسُولُ الله ﷺ، وَقَالَ: "ثَلاثُونَ" رواهُ النسائي، والترمذي من حديث عمران بن حصين، وحسَّنه.

وذكره أبو داود من حديثِ معاذِ بن أنسِ، وزاد فيه: "ثُمَّ أتى آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: "أرْبًَعُونَ" فقَالَ: هكذَا تكُونُ الفَضَائِلُ". ولا يثبت هذا الحديثُ، فإن له ثلاث علل: إحداها: أنه من رواية أبى مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتج به. الثانية: أن فيه أيضًا سهلَ بن معاذ وهو أيضا كذلك، الثالثة: أن سعيد بن أبي مريم أحدَ رواته لم يجزم بالرواية بل قال: أظنُّ أنى سمعتُ نافع بن يزيد.

وأضعفُ مِن هذَا الحديثُ الآخر عن أنس: كان رجل يمُر بالنبي ﷺ يقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، فيقولُ له النبي صَلى الله عَليه وسلم: "وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه وَمَغْفِرَتُه وَرضْوَانُه" فقيل له: يا رسول الله؛ تُسَلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ فقال: "ومَا يَمْنَعُنى مِنْ ذلِكَ، وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا"، وكَانَ يَرْعَى عَلَى أصْحَابِهِ.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ أن يُسلِّمَ ثلاثًا كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ "إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ سَلَّمَ ثَلاثًا"، ولعل هذا كان هَدْيَه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغُهم سلام واحد، أو هَدْيَه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظنَّ أن الأولَ لم يحصُل به الإسماع كما سلَّم لما انتهى إلى منزل سعد بن عُبادة ثلاثًا، فلما لم يُجبه أحد رجع، وإلا فلو كان هَدْيُه الدائمُ التسليمَ ثلاثًا لكان أصحابُه يُسلِّمونَ عليه كذلك، وكان يُسلِّمُ على كُلِّ مَن لقيه ثلاثا، وإذا دخل بيته ثلاثًا، ومَن تأمل هَدْيَه، علِم أن الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السلامِ كان منه أمرًا عارضًا في بعض الأحيان، والله أعلم.

فصل

وكان يبدأ مَن لقيه بالسلام، وإذا سلَّم عليه أحدٌ، ردَّ عليهِ مِثلَ تحيته أو أفضلَ منها على الفور من غير تأخير، إلا لِعذر، مثل حالة الصلاة، وحالة قضاء الحاجة.

وكان يُسمِعُ المسلم ردَّهُ عليه، ولم يكن يَرُدُّ بيده ولا رأسه ولا أصبعه إلا في الصلاة، فإنه كان يرد على مَن سلَّم عليه إشارة، ثبتَ ذلك عنه في عدة أحاديث، ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا بشئ باطل لا يصح عنه كحديث يرويه أبو غطفان - رجل مجهول - عن أبي هريرة عنه ﷺ: " مَنْ أَشَارَ في صَلاتِهِ إشَارَةً تُفْهمُ عَنْهُ، فَلْيُعِدْ صَلاتَهُ" قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يُشير في الصلاة، رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبي ﷺ.

فصل

وكان هَدْيه في ابتداء السلام أن يقول: "السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ"، وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام.

قال أبو جُرَيَّ الهُجيميُّ: أتيتُ النبي ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فَإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحيةُ المَوْتَى" حديث صحيح.

وقد أشكل هذا الحديثُ على طائفة، وظنُّوهُ معارضًا لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: "السَّلامُ عَلَيْكُم" بتقديم السلام، فظنوا أن قوله: " فإن عليكَ السلام تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن المشروع، وغلِطُوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظَنَّ التعارض، وإنما معنى قوله: "فإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن الواقع، لا المشروعُ، أي: إن الشعراء وغيرَهم يحيُّون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:

عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ** وَرَحْمَتُهُ مَا شاءَ أنْ يَتَرحَّما

فَمَا كَانَ قَيْسُ هُلْكُه هُلْكَ واحِدٍ ** وَلَكنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تهدَّمَا

فكره النبي ﷺ أن يُحيَّى بتحية الأموات، ومِن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم بها.

وكان يردُّ على المُسلِّمِ: "وَعَلَيْكَ السَّلامُ" بالواو، وبتقديم "عَلَيْكَ" على لفظ السلام.

وتكلم الناسُ هاهنا في مسألة، وهي لو حذف الرادُّ "الواو" فقالَ: "عَلَيْكَ السَّلامُ" هَلْ يكونُ صحيحًا؟ فقالت طائفة منهم المتولي وغيرُه: لا يكون جوابًا، ولا يسقط به فرضُ الردِّ، لأنه مخالِف لسُنَّة الردِّ، ولأنه لا يُعلم: هل هو رد، أو ابتداء تحية؟ فإن صورته صالحة لهما، ولأن النبي ﷺ قال: "إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُم أَهْلُ الكِتَابِ، فَقُولُوا: "وعَلَيْكُم" فهذا تنبيهٌ منه على وجوب الردِّ على أهلِ الإسلام، فإن "الواو" في مثل هذا الكلام تقتضي تقريرَ الأول، وإثبات الثاني، فإذا أُمِرَ بالواو في الرد على أهل الكتاب الذين يقولون: السام عليكم، فقالَ: "إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُم أهْلُ الكِتَابِ، فَقُولُوا: وعَلَيْكُم" فَذِكْرُها في الردِّ على المسلمين أولى وأحرى.

وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك ردٌ صحيح، كما لو كان بالواو، ونص عليه الشافعي رحمه الله في كتابه الكبير، واحتج لهذا القول بقوله تعالى: { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا } [53]، قَالَ سَلامٌ أي: سلام عليكم، لا بد من هذا، ولكن حسُنَ الحذفُ في الرد، لأجل الحذف في الابتداء، واحتجوا بما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّم عَلَى أُولَئِكَ النَّفَر مِن المَلائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، فَزَادُوهُ: "وَرَحْمَةُ اللهِ". فقد أخبرَ النبي ﷺ أن هذه تحيتُهُ وتحيةُ ذُرِّيته، قالوا: ولأن المسلَّم عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أن يُحيِّي المُسلِّمَ بمثل تحيته عدلًا، وبأحسنَ منها فضلًا، فإذا ردَّ عليه بمثل سلامه، كان قد أتى بالعدلِ.

وأما قوله: " إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم "، فهذا الحديثُ قد اختُلِفَ في لفظة "الواو" فيه، فروى على ثلاثة أوجه، أحدها: بالواو، قال أبو داود: كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، فقال فيه: "فعليكم"، وحديث سفيان في الصحيحين ورواه النسائي من حديث ابن عُيينة عن عبد الله بن دينار بإسقاط "الواو"، وفي لفظ لمسلم والنسائي: فقل: "عليك" - بغير واو.

وقال الخطابي: عامةُ المحدِّثين يروونه: "وعليكم" بالواو، وكان سفيان ابن عيينة يرويه: "عليكم" بحذف الواو، وهو الصوابُ، وذلك أنه إذا حذف الواو، صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوا، لأن الواو حرفٌ للعطف والاجتماع بين الشيئين، انتهى كلامه.

وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكل، فإن "السَّام" الأكثرون على أنه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيانٌ لعدم الاختصاص، وإثبات المشاركة، وفى حذفِهَا إشعار بأن المسلِّم أحقُّ به وأولى من المسلَّم عليه وعلى هذا فيكون الإتيانُ بالواو هو الصواب، وهو أحسنُ من حذفها، كما رواه مالك وغيرُهُ، ولكن قد فُسِّر السَّام بالسآمة، وهي الملالة وسآمة الدين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بدَّ، ولكن هذا خلافُ المعروف من هذه اللفظة في اللغة، ولهذا جاء في الحديث: "إنَّ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ" ولا يختلفون أنه الموت، وقد ذهب بعض المُتحذلقين إلى أنه يرد عليهم السِّلام - بكسر السين - وهى الحجارة، جمع سِلَمة، وردُّ هذا الرَّدُّ متعيَّن.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب[عدل]

صَحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "لا تَبْدَؤوهُمْ بِالسَّلامِ، وَإذَا لَقيتُموهُمْ في الطَّرِيقِ، فاضْطَّروهُمْ إلَى أضْيَقِ الطَّرِيقِ"، لكن قَد قِيل: إن هذا كان في قضيةٍ خاصةٍ لمَّا سارُوا إلى بنى قُريظة قال: "لا تَبْدَؤوهُمْ بالسَّلام" فهل هذا حُكْمٌ عام لأهْلِ الذمّة مطلقًا، أو يختَصُّ بِمَنْ كانَتْ حالُه بمثل حالِ أولئك؟ هذا موضِعُ نظر، ولكن قد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تَبْدَؤوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، وَإذَا لَقِيْتُم أحَدَهُم في الطَّريق، فَاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ" والظَّاهر أن هذا حكم عام.

وقد اختلف السَلَفُ والخَلَفُ في ذلك، فقال أكثرُهم: لا يُبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يُردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وأبي أُمامة، وابْنِ مُحَيْرِيز، وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله، لكن صاحبُ هذا الوجه قال: يُقال له: السَّلامُ عَلَيْكَ، فقط بدونِ ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوزُ الابتداءُ لِمصلحة راجحة مِن حاجة تكون له إليه، أو خوف مِن أذاه، أو لِقرابةٍ بينهما، أو لِسببٍ يقتضِي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمَة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمْتَ، فقد سلَّمَ الصالحونَ، وإن تركتَ، فقد ترك الصَّالِحون.

واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهورُ على وجوبه، وهو الصوابُ، وقالت طائفة: لا يجبُ الردُّ عليهم، كما لا يجبُ على أهل البدع وأولى، والصواب الأول، والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهلِ البدع تعزيرًا لهم، وتحذيرًا منهم، بخلاف أهل الذمة.

فصل

وثبت عنه ﷺ أنه مرَّ على مجلس فيه أخلاطٌ مِن المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّم عليْهم.

وصحّ عنه أنه كتب إلى هِرَقلَ وَغَيْرِهِ: "السَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى".

فصل

ويُذكُر عنه ﷺ أنه قال: " يُجْزِيءُ عَنِ الجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُم، وَيُجْزِيءُ عَن الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُم" فذهب إلى هذا الحديثِ مَنْ قال: إن الردَّ فرضُ كِفاية يقومُ فيه الواحدُ مقام الجميع، لكن ما أحسنه لو كان ثابتًا، فإن هذا الحديث رواه أبو داودَ مِن رواية سعيد بن خالد الخزاعي المدني، قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ إذا بلَّغَهُ أحدٌ السلامَ عن غيره أن يردَّ عليه وعلى المبلِّغ، كما في السنن أن رجلًا قال له: إنَّ أبى يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَقَالَ لهُ: "عَلَيْكَ وَعَلَى أبِيكَ السَّلامَ".

وكان من هَدْيه تركُ السَّلام ابتداءً ورَدًا على مَن أحدث حدثًا حتى يتوبَ منه، كما هجر كعبَ بنَ مالك وصاحبَيْه، وكان كعب يُسلِّم عليه، ولا يَدرى هَلْ حَرَّكَ شَفتيه بردِّ السَّلامِ عَلَيْهِ أم لا؟

وسلَّم عليه عمارُ بنُ ياسرٍ، وقد خَلَّقه أهلُهُ بزَعفران، فلم يردَّ عليه، فقال: "اذْهبْ فاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ".

وهجر زينب بنت جحش شهرين وبعضَ الثالث لمَّا قال لها: "أعْطِي صفيَّة ظهَرًا" لما اعتلَّ بعيرُها، فَقَالت: أنَا أعْطِي تِلْكَ اليهودِيَّةَ؟، ذكرهما أبو داود.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان[عدل]

وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "الاسْتِئذَانُ ثَلاثٌ، فَإنْ أُذِنَ لَكَ وَإلَّا فارْجِعْ".

وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَر".

وصحَّ عنه ﷺ أنه أراد أن يفَقَأ عَيْنَ الذي نَظَر إلَيْهِ مِنْ جُحْرٍ في حجرته، وقال: " إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَر".

وصحَّ عنه أنه قال: "لَوْ أنَّ امْرءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ".

وصحَّ عنه أنه قال: "مَنِ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ في بَيْتِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِم، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أنْ يَفْقَؤوا عَيْنَهُ".

وصحَّ عنه أنه قال: "مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَفَقَؤوا عَيْنَهُ، فلا دِيةَ لَهُ، ولا قِصَاصَ".

وصح عنه: التسليمُ قبل الاستئذان فعلًا وتعليمًا، واستأذن عليه رجلٌ، فقالَ: أَأَلِجُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ لِرَجُلٍ: "اخْرُجْ إلى هَذَا، فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَان"، فَقَالَ لَهُ: قل: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟ فسمعه الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ له النبي ﷺ فَدَخَلَ.

ولمَّا اسْتَأْذَنَ عليه عُمَرُ رضي الله عنه، وهو في مَشْرُبِتَهِ مُؤلِيًا مِنْ نِسَائِهِ، قال: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رسول الله، السَّلامُ عليكم، أيَدْخُلُ عُمَرُ؟

وقد تقدَّم قولهُ ﷺ لِكَلَدَةَ بْنِ حَنْبَل لما دخل عليه ولم يُسلِّم: "ارْجعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُم أَأَدْخُل"؟

وفي هذه السنن ردٌ على مَن قال: يُقدَّمُ الاستئذان على السلام، وردٌ على مَن قال: إن وقعت عينُه على صاحب المنزل قبل دخوله، بدأ بالسَّلام، وإن لم تقع عينه عليه، بدأ بالاستئذان، والقولان، مخالفان للسُّنَّة.

وكان من هَدْيه ﷺ إذا استأذَنَ ثلاثًا ولم يُؤذن له، انصرف، وهو ردٌ على مَن يقول: إن ظنَّ أنهم لم يسمعوا، زاد على الثلاث، وردٌ على مَن قال: يُعيدُهُ بلفظٍ آخر، والقولان مخالفان للسُّنَّة.

فصل

وكان من هَدْيه أن المستأذِنَ إذا قِيلَ له: مَنْ أنْتَ؟ يقول: فلانُ بنُ فلان، أو يذكر كُنيته، أو لَقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جِبْرِيلُ للملائكة في ليلة المعراج لما استفتح بابَ السماء فسألوه: مَنْ؟ فقال: جِبريلُ، واستمر ذلك في كل سماء سماء.

وكذلك في الصحيحين لما جَلَس النبي ﷺ في البُسْتَان، وجاء أبو بكر رضي الله عنه، فاستأذن فقال: "مَن"؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر، فاستأذنَ فقالَ: "مَن"؟ قال: عمر، ثم عثمانُ كذلك.

وفي الصحيحين، عن جابر: أتيتُ النبي ﷺ، فدققتُ البابَ فقال: "مَن ذا"؟ فقلت: أنَا، فَقَالَ: "أنَا أنَا"، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا.

ولما استأذنت أُمُّ هانئ، قال لها: "مَنْ هذِهِ"؟ قالت: أُمُّ هانئ، فلم يكره ذِكرها الكُنية، وكذلك لما قال لأبي ذر: "مَنْ هَذَا"؟ قَالَ: أَبُو ذر، وكذلك لما قال لأبي قتادة: "مَنْ هَذَا"؟ قال: أبو قتادة.

فصل

وقد روى أبو داود عنه ﷺ من حديث قتادة، عن أبى رافع، عن أبي هريرة: " رَسُولُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ إذْنُه". وفي لفظ: "إذَا دُعِيَ أحَدُكُم إلى طَعَامٍ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإنَّ ذلِكَ إذْنٌ لَهُ. وهذا الحديث فيه مقال، قال أبو علي اللؤلؤي: سمعتُ أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبى رافع. وقال البخاري في صحيحه: وقال سعيد: عن قتادة، عن أبى رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "هو إذنه"، فذكره تعليقًا لأجل الانقطاع في إسناده.

وذكر البخاري في هذا الباب حديثًا يدلُّ على أن اعتبار الاستئذان بعد الدعوة، وهو حديثُ مجاهد عن أبي هريرة: دخلتُ مع النبي ﷺ، فوجدتُ لبنًا في قدح، فقال: "اذْهَبْ إلى أهْلِ الصُّفّةِ، فادْعهُمُ إليَّ" قال: فَأَتَيْتُهم، فدعوتُهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخَلُوا.

وقد قالت طائفةٌ: بأن الحديثين على حالين، فإن جاء الداعي على الفور مِن غير تراخ، لم يحتج إلى استئذان، وإن تراخى مجيئه عن الدعوة، وطال الوقتُ، احتاجَ إلى استئذان.

وقال آخرون: إن كان عند الداعي مَن قد أذِنَ له قبل مجئ المدعو، لم يحتج إلى استئذان آخر، وإن لم يكن عنده مَن قد أذِنَ له، لم يدخل حتى يستأذن.

وكان رسولُ الله ﷺ، إذا دخل إلى مَكَان يُحب الانفراد فيه، أمَرَ مَن يُمْسِكُ البابَ، فلم يَدخلْ عليه أحد إلا بإذن.

فصل

وأما الاستئذانُ الذي أمر الله به المماليكَ، ومَنْ لم يَبْلُغِ الحُلُمَ، في العوراتِ الثلاثِ: قبلَ الفجر، ووقتَ الظهيرة، وعند النوم، فكان ابنُ عباس يأمرُ به، ويقول: ترك الناسُ العملَ بها، فقالت طائفة: الآيةُ منسوخة، ولم تأتِ بحُجة، وقال طائفة: أمرُ ندبٍ وإرشاد، لا حتم وإيجاب، وليس معها ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره، وقالت طائفة: المأمور بذلك النساءُ خاصة، وأما الرجالُ، فيستأذِنون في جميع الأوقات، وهذا ظاهرُ البطلان، فإن جمع "الذين" لا يختص به المؤنث، وإن جاز إطلاقُه عليهن مع الذكور تغليبًا. وقالت طائفة عكس هذا: إن المأمورَ بذلك الرجال دون النساء، نظرًا إلى لفظ: "الذين" في الموضعين، ولكن سياقُ الآية يأباه فتأمله.

وقالت طائفة: كان الأمرُ بالاستئذان في ذلك الوقت للحاجة، ثم زالت، والحكمُ إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالها، فروى أبو داود في سننه أن نفرًا من أهل العراق قالوا لابن عباس: يا ابن عباس، كيف ترى هذه الآية التي أُمِرْنَا فيها بِمَا أُمِرْنَا، ولا يَعملُ بها أحدٌ: { يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [54] الآية. فقال ابنُ عباس: إن الله حَكيمٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يُحِبُّ السِّتْرَ، وكان الناسُ ليسَ لِبيُوتهم سُتُور ولا حِجَال، فربمَا دخلَ الخادِمُ، أو الولدُ أو يتيمُة الرجل، والرجلُ على أهله، فأمرهم اللهُ بالاستئذان في تلك العَوَرَاتِ، فجاءهم اللهُ بالسُّتُور والخير، فلم أر أحدًا يَعْمَلُ بذلك بَعْدُ.

وقد أنكر بعضُهم ثبوتَ هذا عن ابن عباس، وطعن في عِكرمة، ولم يصنع شيئًا، وطعن في عَمْرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وقد احتج به صاحبا الصحيح، فإنكارُ هذا تعنُّت واستبعاد لا وجه له.

وقالت طائفة: الآية محكمة عامة لا مُعارِضَ لها ولا دافع، والعملُ بها واجب، وإن تركه أكثرُ الناس.

والصحيح: أنه إن كان هناك ما يقوم مقامَ الاستئذانِ من فتح باب فتحُه دليل على الدخول، أو رفع ستر، أو تردُّد الداخل والخارج ونحوه، أغنى ذلك عن الاستئذان، وإن لم يكن ما يقومُ مقامه، فلا بُد منه، والحكم معلَّلٌ بعلَّة قد أشارت إليها الآية، فإذا وُجِدَتْ، وُجِدَ الحكمُ، وإذا انتفت انتفى. والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار العطاس[عدل]

ثبت عنه ﷺ: "إنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُم وَحَمِدَ الله، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِم سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وأمَّا التَّثَاؤُبُ، فإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أحدُكُم، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ أَحَدَكُم إذَا تَثَاءَبَ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ" ذكره البخاري.

وثبت عنه في صحيحه: " إذا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُل: يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم".

وفي الصحيحين عن أنس: "أنه عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلانِ، فشمَّتَ أحَدَهُمَا، ولم يُشمِّتِ الآخَر، فَقَالَ الذي لم يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ، فَلَمْ تُشَمِّتْنِي، فَقَالَ: "هَذَا حَمِدَ اللهَ، وأنْتَ لَمْ تَحْمَدِ الله".

وثبت عنه في صحيح مسلم: "إذا عَطَسَ أحَدُكُم فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لَمْ يَحْمَدِ الله، فَلا تُشَمِّتُوهُ".

وثبت عنه في صحيحه: من حديث أبي هريرة: "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌ: إذَا لَقِيتَهُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإذَا دَعَاك فَأجبْهُ، وَإذَا اسْتَنْصَحَكَ، فانْصَحْ لَهُ، وَإذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ، فَعُدْه، وَإذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ".

وروى أبو داودعنه بإسناد صحيح: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُه: يَرْحَمُكَ الله، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم".

وروى الترمذي، أن رَجُلًا عَطَسَ عِندَ ابنِ عمر، فقال: الحَمْدُ لِلَّه، والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: وأنَا أقُولُ: الحمدُ لِلَّهِ والسلامُ على رَسُول الله ﷺ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رسولُ الله ﷺ، وَلَكِن عَلَّمَنَا أنْ نَقُولَ: الحمْدُ لِلَّهِ على كُلِّ حال.

وذكر مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "كَانَ إذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللهُ وإيَّاكُم، ويَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ".

فظاهر الحديثِ المبدوء به: أن التشميتَ فرضُ عَيْن على كُلِّ مَنْ سمع العاطس يحمَدُ الله، ولا يُجْزِئ تشميتُ الواحد عنهم، وهذا أحدُ قولي العلماء، واختاره ابن أبي زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له.

وقد روى أبو داود: أن رجلًا عَطَسَ عند النبي ﷺ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: "وَعَلَيْكَ السَّلامُ وعَلَى أُمِّكَ"، ثُمَّ قَالَ: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم، فَلْيَحْمَدِ الله" قال: فذكر بَعضَ المَحَامِدِ، وليقُلْ لَهُ، مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَلَيَرُدَّ - يعني عَلَيْهِم - يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ".

وفي السلام على أُمِّ هذا المُسلِّم نُكتةٌ لطيفةٌ، وهي إشعارُه بأن سلامَه قد وقع في غير موقعه اللائق بِه، كما وقع هذا السلامُ على أُمِّه، فكما أن سلامه هَذَا في غير موضعه كذلك سلامه هو.

ونكتةٌ أخرى ألطفُ منها، وهي تذكيرُه بأُمِّه، ونسبه إليها، فكأنه أُمِّيٌ محض منسوب إلى الأُم، باقٍ على تربيتها لم تربِّه الرجالُ، وهذا أحدُ الأقوال في الأُمِّي، أنه الباقى على نسبته إلى الأُم.

وأما النبي الأُمِّي: فهو الذي لا يُحسِنُ الكِتَابة، ولا يقرأ الكِتَابَ.

وأمَّا الأُمِّيُّ الذي لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفه، فهو الذي لا يُصحح الفاتحة، ولو كان عالمًا بعلوم كثيرة.

ونظيرُ ذكر الأُم هاهنا ذكرُ هَنِ الأب لمن تعزَّى بعزاءِ الجاهلية فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وكَانَ ذِكرُ هَنِ الأب هاهنا أحسن تذكيرًا لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذي خَرَجَ منه، وهو هَنُ أبيه، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأُم هاهنا أحسنُ تذكيرًا له، بأنه باقٍ على أُمِّيته. والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.

ولما كان العاطِسُ قد حصلت له بالعُطاسِ نعمةُ ومنفعةُ بخروج الأبخرة المحتقِنة في دِماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواءً عَسِرَةً، شُرعَ له حمدُ الله على هَذِهِ النعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها.

ولهذا يقال: سمَّته وشمَّته - بالسين والشين - فقيل: هما بمعنىً واحد، قاله أبو عبيدة وغيره. قال: وكلُّ داعٍ بخير، فهو مُشمِّتٌ ومُسَمِّتٌ. وقيل: بالمهملة دعاء له بحُسن السَّمتِ، وبعوده إلى حالته من السكون والدعة، فإن العُطاس يُحدث في الأعضاء حركةً وانزعاجًا. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرفَ الله عنه ما يُشمِّتُ به أعداءَه، فشمَّته: إذا أزال عنه الشماتة، كقرَّد البعيرَ: إذا أزال قُرادَه عنه.

وقيل: هو دعاء له بثباته على قوائمه في طاعة الله، مأخوذ من الشوامِت، وهي القوائم.

وقيل: هو تشميتٌ له بالشيطانِ، لإغاظته بحمْدِ اللهِ على نِعمة العُطاس، وما حصل له به من محابِّ الله، فإن الله يُحبه، فإذا ذكر العبدُ اللهَ وحَمِدَه، ساء ذلك الشيطان من وجوه، منها: نفسُ العُطاس الذي يُحبُّه اللهُ، وحمدُ اللهِ عليه، ودعاءُ المسلمين له بالرحمة، ودعاؤه لهم بالهداية، وإصلاحُ البال، وذلك كُلُّه غائظ للشيطان، محزن له، فتشميتُ المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته، فسمى الدعاءُ له بالرحمة تشميتًا له، لما في ضمنه من شماتته بعدوه، وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطِسُ والمشمِّت، انتفعا به، وعَظُمَتْ عندهما منفعةُ نعمةِ العُطاس في البدن والقلب، وتبيَّن السِّرُّ في محبة الله له، فلِلَّهِ الحمْدُ الذي هو أهلُه كما ينبغي لكريم وجهه وعِزِّ جلاله.

فصل

وكان من هَدْيه ﷺ في العُطاس ما ذكره أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة: كانَ رَسُولُ الله ﷺ " إذَا عَطَس، وَضَعَ يَدَهُ أوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ، أو غَضَّ بِهِ صَوْتَه ". قال الترمذي: حديث صحيح.

ويُذكر عنه ﷺ: أنَّ التَثَاؤُبَ الشَّدِيدَ، والعَطْسَةَ الشَّدِيدَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ.

ويُذكر عنه: أنَّ الله يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّثَاؤُبِ والعُطَاسِ.

وصحَّ عنه: أنه عطسَ عنده رجلٌ، فقال له: "يَرْحَمُكَ اللهُ". ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فقالَ: "الرَّجُلُ مَزْكُوم ". هذا لفظ مسلم أنه قال في المرة الثانية، وأما الترمذي: فقال فيه عَنْ سلمة بن الأكوع: عَطَس رجلٌ عِند رسولِ الله ﷺ وأنا شاهد، فقالَ رسولُ الله ﷺ: "يَرْحَمُكَ اللهُ"، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةَ، فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ: "هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقد روى أبو داود عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا عليه: "شَمِّتْ أخَاكَ ثلاثًا، فَمَا زَادَ، فَهُوَ زُكَامٌ".

وفي رواية عن سعيد، قال: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي ﷺ بمعناه. قال أبو داود: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. انتهى. وموسى بن قيس هذا الذي رفعه هو الحضرمي الكوفي يُعرف بعُصفور الجنَّة. قال يحيى ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به.

وذكر أبو داود، عن عُبيد بن رِفاعة الزُّرَقي عن النبي ﷺ، قال: "تُشَمِّتُ العَاطِسَ ثَلاثًا، فَإنْ شِئْتَ، فَشَمِّتْهُ، وإنْ شِئْتَ فَكُفَّ"، ولكن له عِلّتان، إحداهما: إرساله، فإن عبيدًا هذا ليست له صحبة، والثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تكلم فيه.

وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه: "إذَا عَطَسَ أحَدُكُم، فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُه، فإنْ زادَ عَلَى الثَّلاثَةِ، فَهُوَ مَزْكُومٌ، ولا تُشَمِّتْهُ بَعْدَ الثَّلاث"، وهذا الحديثُ هو حديثُ أبي داود الذي قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وهو حديث حسن.

فإن قيل: إذا كان به زُكام، فهو أولى أن يُدعى له ممن لا عِلَّة به؟ قيل: يُدعى له كما يُدعى للمريض، ومَن بِه داء ووجع.

وأما سُنَّة العُطاس الذي يُحبه الله، وهو نِعمة، ويدلُّ على خِفة البدنِ، وخرُوج الأبخرة المحتَقِنَةِ، فإنما يكون إلى تمام الثلاث، وما زاد عليها يُدعى لصاحبه بالعافية.

وقوله في هذا الحديث: "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ" تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأن الزكمة عِلَّة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيهٌ له على هذه العِلَّة ليتداركها ولا يهملها، فيصعُبَ أمرُهَا، فكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى.

وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: أن العاطِسَ إذا حَمدَ اللهَ، فسمعه بعضُ الحاضرين دون بعض، هل يُسَنُّ لمن لم يسمعه تشميتُه؟ فيه قولان، والأظهر: أنه يُشمته إذا تحقَّق أنه حَمِدَ الله، وليس المقصودُ سماعَ المشمِّت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميتُ، كما لو كان المشمت أخرسَ، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي ﷺ قال: "فإن حَمِدَ الله، فشمِّتوه" هذا هو الصواب.

الثانية: إذا ترك الحمد، فهل يُستحبُّ لمن حضره أن يُذكِّرَه الحمد؟ قال ابن العربي: لا يُذكِّره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووى: أخطأ مَن زعم ذلك، بل يُذكِّره، وهو مروى عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البرِّ والتقوى، وظاهر السُّنَّة يقوى قول ابن العربي لأنَّ النبي ﷺ لم يُشمِّتِ الذي عَطَسَ وَلَمْ يَحْمَدِ الله، ولم يذكِّره، وهذا تعزير له، وحرمانٌ لبركة الدعاء لمَّا حرم نفسه بركة الحمد، فنسى الله، فصرفَ قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيرُه سُنَّة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمِها، والإعانة عليها.

فصل

وصحَّ عنه ﷺ: "أنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ، يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، فكان يقولُ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بالَكُم".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار السفر وآدابه[عدل]

صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "إذَا هَمَّ أحَدُكُم بِالأمْر، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللهُمَّ إني أَسْتَخْيِرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيوب، اللهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَم أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لي في ديني وَمَعَاشِي، وَعَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لي، وَيًَسِّرْهُ لي، وَبَارِكْ لي فيه، وإنْ كُنْتُ تَعْلَمُه شَرًا لي في ديني ومَعَاشى، وَعَاجلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهٌُ، وَاقْدُرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنى به" قال: ويُسَمِّي حاجته، قال: رواه البخاري.

فعوَّض رسول الله ﷺ أُمَّته بهذا الدعاء، عما كان عليه أهلُ الجاهلية من زجر الطَّيْرِ والاستسقامِ بالأزلام الذي نظيرُه هذه القرعة التي كان يفعلُها إخوانُ المشركين، يطلُبون بها عِلمَ ما قُسِمَ لهم في الغيب، ولهذا سُمى ذلك استقسامًا، وهو استفعال من القَسْم، والسين فيه للطلب، وعوَّضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيدٌ وافتقارٌ، وعبوديةٌ وتوكُّلٌ، وسؤالٌ لِمن بيده الخيرُ كلُّهُ، الذي لا يأتي بالحسناتِ إلا هو، ولا يصرِفُ السيئات إلا هُو، الذي إذا فتح لعبده رحمة لم يستطِع أحدٌ حبسَها عنه، وإذا أمسكها لم يستطع أحدٌ إرسالَها إليه من التطيرِ والتَّنْجيمِ، واختيارِ الطالع ونحوه. فهذا الدعاءُ، هو الطالِعُ الميمونُ السعيد، طالِعُ أهل السعادة والتوفيق، الذين سبقت لهم من الله الحسنى، لا طالِع أهل الشِرك والشقاء والخِذلان، الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فسوف يعلمون.

فتضمن هذا الدعاءُ الإقرار بوجوده سبحانَه، والإقرارَ بصفاتِ كماله من كمال العِلم والقُدرة والإرادة، والإقرار بربوبيته، وتفويضَ الأمر إليه، والاستعانةَ به، والتوكُّلَ عليه، والخروجَ من عُهدة نفسه، والتبَّرِّي مِن الحَوْل والقوة إلا به، واعترافَ العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها، وإرادتِهِ لها، وأن ذلك كلَّه بيد وَليِّه وافطِرِهِ وإلههِ الحقِّ.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللهِ ورضَاهُ بما قَضَى الله، ومِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ الله، وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى الله".

فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمونُ الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوانُ السعادة. وعنوان الشقاء أن يكتنِفَه تركُ التوكل والاستخارة قبله، والسخط بعده، والتوكّل قبل القضاء. فإذا أُبرم القضاء وتم، انتقلت العبودية إلى الرضا بعده، كما في المسند، وزاد النسائي في الدعاء المشهور: "وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاء". وهذا أبلغ من الرضا بالقضاء، فإنه قد يكون عزمًا فإذا وقع القضاءُ، تنحل العزيمةُ، فإذا حصل الرضا بعد القضاء، كان حالًا أو مقامًا.

والمقصودُ أن الاستخارة تَوكُّلٌ على الله وتفويضٌ إليه، واستقسَام بقُدرته وعلمه، وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضا به ربًا، الذي لا يذوق طعم الإيمان مَنْ لم يكن كذلك، وإنْ رضى بالمقدورِ بعدها، فذلك علامةُ سعادته.

وذكر البيهقي وغيره، عن أنس رضي الله عنه قال: لم يُرد النبي ﷺ سَفَرًا قطُّ إلا قال حين ينهض من جلوسه: " اللهُمَّ بِكَ انْتَشَرْتُ، وَإلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وبِكَ اعْتَصَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، اللهُمَّ أنْتَ ثِقَتِي، وأنْتَ رَجَائِي، اللهُمَّ اكْفِنى مَا أَهَمَّنِي وَمَا لا أَهْتَمُّ لَهُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤكَ، ولا إلَه غَيْرُكَ، اللهُمَّ زَوِّدنى التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْر أَيْنَمَا تَوَجَّهْتُ "، ثم يخرج.

فصل

وكانَ إذا ركب راحِلته، كبَّر ثلاثًا، ثم قال: "سُبْحَانَ الذي سَخَّر لَنَا هذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيْن، وَإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون". ثم يقول: "اللهُمَّ إني أَسْأَلُكَ في سَفَرِنَا هذَا البِرَّ والتَّقْوَى، ومِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هذا، واطْو عنَّا بُعْدَه، اللهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللهُمَّ اصْحَبْنَا في سَفَرِنَا، واخلُفْنَا في أهْلِنَا". وإذَا رجع قالهنَّ وزاد فيهنَّ: "آيِبُونَ تائِبُون، عابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ".

وذكر أحمد عنه ﷺ أنه كانَ يقول: "أنْتَ الصَّاحبُ في السَّفَر، وَالخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّبْنَةِ في السَّفَرِ والكآبَةِ في المُنْقَلَبِ، اللهُمَّ اقْبِضْ لَنَا الأرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ"، وَإذَا أراد الرجوع قال: "آيبون تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ"، وإذَا دخل أهْلَهُ قالَ: "تَوْبًا تَوْبًا، لِرَبِّنَا أوْبًا، لا يُغادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا".

وفي صحيح مسلم: أنه كان إذا سافر يقول: "اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِن وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَمنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ومِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، ومِنْ سُوءِ المَنْظَر في الأهْلِ والمال ".

فصل

وكانَ إذَا وَضَعَ رِجْلَه في الرِّكَابِ لِرُكُوبِ دَابَّتِهِ، قال: "بِسْمِ الله"، فَإذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ"- ثَلاثًا- "الله أكْبَرُ"- ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: "سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون"- ثمَّ يقولُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ"- ثَلاثًا- "الله أكْبَرُ" ثَلاثًا، ثمَّ يَقُولُ: "سُبْحَانَ الله"- ثلاثًا، ثمَّ يقول: "لا إلَه إلَّا أنْتَ سُبْحَانَكَ إني كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، سُبْحَانَكَ إني ظَلَمْتُ نفسي، فَاغْفِرْ لِي، إنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنْتَ".

وكانَ إذَا ودَّعَ أصحابَه في السفر يقولُ لأحدهم: "أَسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ، وَخَواتيمَ عَمَلِكَ".

وجاء إليه رجل وقال: يا رسولَ الله: إني أُرِيدُ سَفَرًا، فَزَوِّدْنِي. فقال: " زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى". قال: زِدْنِي. قال: "وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ" قال: زدني. قال: "ويَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ ".

وقال له رجل: إني أريدُ سفرًا، فقال: "أُوصيك بتقْوَى الله، والتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ"، فلمَّا ولَّى، قال: "اللهُمَّ ازْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ".

وكان النبي ﷺ وأصحابُه، إذَا عَلوُا الثنايا، كبَّرُوا، وَإذَا هَبَطُوا، سبَّحُوا، فوضعت الصلاة على ذلك.

وقال أنس: كان النبي ﷺ إذا عَلا شَرَفًا مِنَ الأرْضِ، أو نَشْزًا قال: "اللهُمَّ لَكَ الشَّرَفُ عَلَى كلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ".

وكان سيرُه في حَجَّه العَنَقَ، فإذَا وَجَدَ فجوةً، رَفَعَ السَّيرَ فوقَ ذلكَ، وكَانَ يقول: "لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رفْقَةً فيها كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ".

وكان يكرهُ للمُسَافر وحْدَهُ أن يسيرَ بالليل، فقالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسَُ ما في الوحْدَةِ ما سَار أحَدٌ وَحْدَه بِلَيْلٍ".

بل كان يَكْرَهُ السفرَ للواحد بلا رفقة، وأخبر: "أنَّ الوَاحِدَ شَيْطَانٌ والاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، والثَّلاثَةُ رَكْبٌ".

وكان يقول: " إذَا نَزَلَ أحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بكَلماتِ الله التَّامَّات مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَئ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ". ولفظ مسلم: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثم قَالَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَىءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزله ذلك".

وذكر أحمد عنه أنه كانَ إذَا غزَا أو سافر، فَأدرَكَهُ الليل، قال: "يا أرضُ رَبِّي وَرَبُّكِ الله، أَعُوذُ باللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وشَرِّ ما خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ ما دَبَّ عَلَيْكِ، أعوذُ بالله مِنْ شَرِّ كُلِّ أسَدٍ وأَسْود، وَحَيّةٍ وَعَقْرَبٍ، ومِنْ شَرِّ سَاكِنِ البَلَد، ومِنْ شَرِّ وَالد، ومَا وَلَدَ".

وكان يقولُ: "إذا سَافَرْتم في الخِصْب، فَأَعْطُوا الإبَلَ حَظَّهَا مِنَ الأرض، وَإذَا سَافَرْتُمْ في السَّنَةِ، فبادروا نِقْيَها ". وفي لفظ: "فأسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وإذَا عَرَّسْتُم، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأوَى الهَوَامِّ باللَّيْلِ ".

وكان إذا رأى قريةً يُريد دخولها قال حين يراها: "اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأرْضين السَّبْعِ ومَا أَقْلَلْنَ، ورَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيحِ وَمَا ذَرَيْن، إنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِهَا، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فيهَا".

وكانَ إذا بدا له الفجرُ في السَّفرِ، قال: "سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ الله وحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بالله مِنَ النَّارِ". وكان يَنْهَى أن يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، مخَافَةَ أنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ.

وَكَانَ يَنْهى المَرْأَةَ أنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَوْ مَسَافَةَ بَرِيدٍ.

وكانَ يَأْمُرُ المُسَافِرَ إذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، أن يُعَجِّلَ الأوْبَةَ إلَى أهْلِهِ.

وَكَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِهِ يُكَبِّر عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، آيُبونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ".

وكان ينهى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلًا إذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهُمْ. وفي الصحيحين: كان لا يَطْرُقُ أهْلَه لَيْلًا يَدْخُلُ عَلَيْهنَّ غُدْوَةً أوْ عَشِيَّةً.

وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ يُلَقَّى بِالْوِلْدَانِ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ، قالَ عبد الله بنُ جعفر: وإنه قَدِمَ مَرَّةً مِن سفر، فَسُبِقَ بي إليه، فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثم جِئَ بأَحَدِ ابنى فاطمَةَ، إما حَسَن وإما حُسين، فأردفه خلفَه، قالَ: فدخلنا المَدِينَةَ ثَلاثَةً على دَابَّةٍ.

وكان يعتنِق القَادِمَ مِنْ سَفَرِهِ، ويُقَبِّلُه إذا كَان مِنْ أهْلِهِ. قال الزهري: عن عُروة، عن عائشة: قدم زيدُ بنُ حارثة المدينةَ، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، فأتاه، فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إليه رسولُ الله ﷺ عُريانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، واللهِ ما رأيته عُريانًا قَبْلَه ولا بَعْدَه، فاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ.

قالت عائشةُ: لما قَدِمَ جعفرٌ وأصحابُه، تلقاه النبي ﷺ، فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ.

قال الشعبي: وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ إذا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ، تَعَانَقُوا.

وكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالمَسْجِدِ، فَرَكعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار النكاح[عدل]

ثبت عنه ﷺ أنه علَّمهم خطبة الحاجة: " الحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ الله، فَلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ يَقْرَأُ الآيَاتِ الثَّلاثَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ } [55]، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُم مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ، إنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [56]، { يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا اتَّقُوا الله وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [57].

قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة.

وقال: "إذَا أفَادَ أحَدُكُم امْرَأةً، أو خَادِمًا، أو دابَّةً، فَلْيَأْخُذْ بناصِيَتِها، وَلْيَدْعُ الله بِالبَرَكَةِ، وَيُسَمِّي الله عَزَّ وَجَلَّ، وَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إني أسْأَلُكَ خَيْرَها، وخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ".

وكان يقولُ للمتزوج: "بَارَكَ الله لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ ".

وقال: "لَو أنَّ أحَدَكم إذا أراد أنْ يأتي أَهْلَه، قال: بِسْمِ الله، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فإنه إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقول من رأى ما يعجبه من أهله وماله[عدل]

يُذكر عن أنس أنه قال: "ما أنعم الله عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهلٍ، ولا مَالٍ، أو ولدٍ، فيقول: ما شَاءَ الله، لا قُوَّة إلَّا باللهِ، فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ المَوْتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ } [58]".

فصل فيما يقول مَن رأى مبتلى[عدل]

صحَّ عنه ﷺ أنه قال: " ما مِنْ رَجُلٍ رأى مُبْتَلى فقالَ: الحمْدُ لِلَّهِ الذي عَافَانِي ممَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثير ممَّن خَلَقَ تَفْضِيلًا، إلَّا لَمْ يْصِبْه ذَلِكَ البَلاءُ كَائِنًا مَا كَانَ".

فصل فيما يقوله من لحقته الطيرة[عدل]

ذُكِرَ عنه ﷺ أنه ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدهُ، فَقَالَ: " أحْسَنُهَا الفَأْلُ وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإذَا رَأَيْتَ مِنَ الطِّيَرَةِ مَا تَكْرَهُ فَقُلْ: اللهُمَّ لا يأتي بالحَسَنَاتِ إلَّا أنْتَ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إلَّا أنْتَ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِكَ".

وكَانَ كَعب يقول: " اللهُمَّ لا طَيْرَ إلَّا طَيْرُكَ، وَلا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ، وَلا رَبَّ غَيرُكَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِكَ، والذي نفسي بِيَدِهِ، إنَّهَا لرأْسُ التَّوَكُّلِ، وكَنْزُ العَبْدِ في الجَنَّةِ، ولا يقُولُهُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمْضِي إلَّا لَمْ يَضُرَّهُ شَىء".

فصل فيما يقوله من رأى في منامه ما يكرهه[عدل]

صَحَّ عنهُ ﷺ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فمَنْ رَأى رُؤيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شَيْئًا، فَلّيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثلاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإنَّهَا لا تَضُرُّهُ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أحَدًا. وَإنْ رَأَى رُؤيَا حَسَنَةً، فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا إلَّا مَنْ يُحِبُّ".

وَأَمَرَ مَنْ رَأى مَا يَكْرَهُهُ أنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الذي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ.

فأمره بخمسةِ أشياء: أن ينفُثَ عَنْ يساره، وَأن يستعيذَ باللهِ من الشَّيطان، وأن لا يُخبر بها أحدًا، وأن يتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه، وأن يقومَ يُصلِّي، ومتى فعل ذلك، لم تضرَّه الرؤيا المكروهة، بل هذا يدفَعُ شرَّها.

وقال: "الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فإذَا عُبِّرَتْ، وَقَعَتْ، ولا يَقُصُّهَا إلَّا على وَادٍّ، أوْ ذي رَأْى".

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذَا قُصَّت عليه الرؤيا، قال: اللهُمَّ إنْ كَانَ خَيْرًا فَلَنَا، وإنْ كَانَ شَرًّا، فَلِعَدُوِّنَا.

ويُذكر عن النبي ﷺ: "مَنْ عُرِضَتْ عَلَيهِ رُؤْيَا، فَلْيَقُلْ لِمَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ خَيْرًا".

ويُذكر عنه أنه كان يقول للرائى قبل أن يعبرُها له: "خَيْرًا رَأَيْتَ " ثم يَعْبُرُهَا.

وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان أبو بكر الصِّدِّيق إذا أراد أن يَعْبُر رُؤيا، قال: إن صَدَقَتْ رُؤياكَ، يكونُ كذا وكذا.

فصل فيما يقوله ويفعله من ابتلي بالوسواس وما يستعين به على الوسوسة[عدل]

روى صالحُ بن كَيْسان، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود يرفعه: "إنَّ لِلمَلَكِ الموَكَّلِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمّةً، وَلِلْشَّيْطَانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ إيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، وَرَجَاءُ صَالِحِ ثَوابه، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ، إيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بالحَقِّ، وقُنُوطٌ مِنَ الخَيْرِ، فَإذَا وجَدْتُمْ لَمَّةَ المَلَكِ، فَاحْمدُوا الله، وسَلُوه مِنْ فَضْلِهِ، وَإذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ، فَاسْتَعِيذُوا بِالله وَاسْتَغْفِرُوه".

وقال له عثمانُ بن أبي العاص: يا رَسُولَ الله؛ إنَّ الشيطانَ قد حال بيني وَبَيْنَ صلاتي وقِراءتي، قال: "ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ له: خِنْزَبٌ، فَإذَا أحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، واتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلاثًا".

وشكى إليه الصحَابَةُ أنَّ أحدهم يَجِدُ في نفسِهِ- يُعرِّض بالشىء- لأن يَكُونَ حُمَمَةً أحبُّ إليه من أنْ يتَكلَّمَ به، فقال: "الله أكْبَرُ، الله أكْبَرُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الذي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ".

وأرشد من بُلي بشىءٍ مِن وسوسة التسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذَا الله خَلَق الخلق، فمَن خَلَقَ الله؟ أن يقرأ: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } [59].

كذلك قال ابنُ عباسٍ لأبي زُميل سماك بن الوليد الحنفى وقد سأله: ما شىءٌ أجِدُهُ في صدري؟ قال: ما هُو؟ قال: قلتُ: واللهِ لا أتكلَّمُ به. قال: فقال لي: أشىء مِن شَك؟ قلتُ: بلى، فَقَالَ لي: ما نَجا مِنْ ذلِكَ أحد، حتى أنزلَ الله عَزَّ وجَلَّ: { فَإن كُنتَ في شَكٍّ مِّمَّا أنْزَلْنَا إلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } [60] قال: فقال لي: فإذا وجدتَ في نفسك شيئًا، فَقُلْ: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } [61]. فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلانِ التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلةَ المخلوقات في ابتدائها تنتهى إلى أولٍ ليس قَبلَه شئ، كما تنتهي في آخرِها إلى آخر ليس بعَده شئ، كما أن ظهورَه هو العلوُّ الذي ليس فوقَه شئ، وبُطونَه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شئ، ولو كان قبله شئ يكون مؤثرًا فيه، لكان ذلك هو الربَّ الخلاق، ولا بدَّ أن ينتهيَ الأمر إلى خالقٍ غيرِ مخلوقٍ، وغنى عن غيره، وكلُّ شىء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شئ قائم به، موجود بذاته، وكل شئ موجود به. قديمٌ لا أول له، وكُلُّ ما سواه فوجودهُ بعد عدمه، باقٍ بذاته، وبقاءُ كل شىء به، فهو الأوَّلُ الذي ليس قبله شىء، والآخر الذي ليس بعده شئ، الظاهر الذي ليس فوقَه شئ، الباطنُ الذي ليس دونه شئ.

وقال ﷺ: " لا يَزالُ النَّاسُ يَتَسَاءلونَ حَتَّى يقول قائِلُهم: هذا الله خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ الله؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ وَلْيَنْتَهِ"، وقدْ قال تَعالى: { وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ } [62].

ولما كان الشيطانُ على نوعين: نوعٍ يُرى عيانًا وهو شيطانُ الإنس، ونوعٍ لا يُرى وهو شيطانُ الجن، أمرَ سبحانه وتعالى نبيَّه ﷺ أن يكتَفيَ مِن شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسنُ، ومن شيطان الجن بالاستعاذة باللهِ منه، وجمع بينَ النوعين في سورة الأعراف، وسورة المؤمنين، وسورة فصلت، والاستعاذة في القراءة والذِّكر أبلغُ في دفع شر شياطين الجن، والعفوُ والإعراضُ والدفعُ بالإحسان أبلغُ في دفع شرِّ شياطينِ الإنس. قال:

فما هو إلا الاسْتِعاذَةُ ضَارِعًا ** أَو الدَّفْعُ بالحُسْنى هُمَا خَيْرُ مَطْلُوبِ

فَهذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ ما يُرَى ** وَذَاكَ دَوَاءُ الدَّاء مِنْ شَرِّ مَحْجُوبِ

فصل في ما يقوله ويفعله مَن اشتد غضبه[عدل]

أمره ﷺ أن يُطفئ عَنْهُ جَمْرَةَ الغضب بالوُضُوءِ، والقعودِ إنْ كَانَ قَائِمًا، والاضطِجَاع إن كَانَ قَاعِدًا، والاستعاذةِ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ.

ولما كان الغضبُ والشهوةُ جمرتين مِن نارٍ في قلبِ ابن آدم، أمر أن يُطفئهما بالوضوء، والصلاة، والاستعاذةِ من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: { أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } [63] الآية. وهذا إنما يحمل عليه شدَّة الشهوةِ، فأمرهم بما يُطفئون بها جمرتها، وهو الاستعانةُ بالصبرِ والصلاة، وأمر تعالى بالاستعاذةِ من الشيطان عند نزغاته، ولما كانت المعاصي كلها تتولد مِن الغضب والشهوة، وكان نهايةُ قوةِ الغضبِ القتل، ونهايةُ قوةِ الشهوة الزِّنى، جمع الله تعالى بين القتل والزِّنى، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، وسورة الفرقان، وسورة الممتحنة.

والمقصودُ: أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شرَّ قوتَى الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة.

فصل

وكان ﷺ إذا رَأَى مَا يُحِبُّ، قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ". وَإذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".

فصل

وكان ﷺ يدعو لِمَن تقرَّب إليه بما يُحِبُّ وبما يُنَاسِبُ، فلما وَضَعَ لهُ ابن عبَّاس وَضُوءَهُ قال: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّين، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ".

ولمَّا دَعَّمَهُ أبو قَتَادَة في مَسيرِهِ بالليل لمَّا مالَ عن راحِلته، قال: "حَفِظَكَ الله بِما حَفِظَتَ بِهِ نَبِيَّه".

وقال: "مَنْ صُنِعَ إليهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ".

واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة مالًا، ثم وفَّاه إياه، وقال: "بَارَكَ الله لَكَ في أهْلِكَ وَمالِكَ، إنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ والأدَاءُ".

ولمَّا أرَاحَهُ جَرِيرُ بن عبد الله البَجَلِي مِن ذي الخَلَصَةِ: صَنَمِ دَوْس، بَرَّكَ عَلَى خَيْلِ قَبِيلَتِهِ أَحْمس وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.

وكان ﷺ إذا أُهديت إليه هديةٌ فقبلها، كافأ عليها بأكثر منها، وإن ردّهَا اعتذَرَ إلى مُهْدِيهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ لِلصَّعْبِ ابن جَثَّامةَ لما أَهْدَى إلَيْهِ لَحْمَ الصَّيْدِ: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ" والله أعلمُ.

فصل

وأمر ﷺ أُمَّته إذا سَمِعُوا نَهِيقَ الحِمَارِ أن يتعوَّذُوا باللهِ منَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، وإذَا سَمِعُوا صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، أَنْ يَسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ.

ويُروى عنه ﷺ أنه أَمَرَهُم بالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رؤية الحَرِيق، فَإنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُه.

وكره ﷺ لأَهل المجلسِ أن يُخْلُوا مَجْلِسَهُم مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ، وقال: " مَا مِنْ قَوْمٍ يقومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فيهِ إلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفةِ الحِمارِ".

وقال: "مَنْ قَعَدَ مَقعَدًا لم يَذكُرِ الله فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةٌ، ومَنِ اضطجع مضجعًا لا يذكرُ الله فيه، كانت عليه من الله تِرَةٌ".

والتِّرَةُ: الحسرة.

وفي لفظ: " وما سَلَكَ أَحَدٌ طَرِيقًا لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ، إلَّا كَانَتْ عَلَيْهِ تِرَةٌ".

وقالَ ﷺ: "مَنْ جَلَسَ في مَجْلسٍ، فَكَثُرَ فيهِ لَغَطُهُ، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وبحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إله إلَّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إلا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسه ذَلِكَ ".

وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم أنه ﷺ كَانَ يقُولُ ذلِكَ إذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله؛ إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُه فِيمَا مَضَى. قال: "ذَلِكَ كَفَّارةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ".

فصل

وشكى إليه خالدُ بنُ الوليد الأرقَ بالليل، فقال له: "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فقل: اللهُمَّ رَبِّ السماوات السَّبْعِ وَما أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِين وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقكَ كُلِّهِم جَميعًا مِنْ أنْ يَفْرُطَ أَحَدٌ مِنْهُم عَلَيَّ، أَوْ أَنْ يَطْغى عَلَيَّ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَناؤُكَ، ولا إلهَ إلَّا أنْتَ".

وكان ﷺ يُعَلِّمُ أصحابَه من الفزع: " أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَامَّة مِنْ غَضَبِهِ وَمِنْ شَرِّ عباده، ومن شرِّ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين، وأنْ يَحْضُرُون".

ويُذكر أن رجلًا شَكَى إلَيْهِ ﷺ أنه يفزع في مَنَامِه، فقال: "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فقل، " ثم ذكرها، فقالها فذهب عنه.

فصل في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال[عدل]

فَمِنْهَا: أن يقول: خَبُثَتْ نفسي، أَوْ جَاشَتْ نفسي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ.

ومنها: أن يُسَمِّي شَجَرَ العِنَبِ كَرْمًا، نَهَى عَنْ ذلِكَ، وقال: "لا تَقُولُوا: الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: العِنْبُ والحَبَلةُ ".

وكرِه أن يقولَ الرجلُ: هلكَ النَّاسُ. وقال: "إذَا قَالَ ذلِكَ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ". وفى معنى هذا: فسد الناسُ، وفسد الزمانُ ونحوهُ.

ونهى أن يُقَالَ: ما شَاءَ الله، وَشَاءَ فُلانٌ، بَلْ يُقَالُ: مَا شَاءَ الله، ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ الله وَشِئْتَ، فَقَالَ: "أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟، قل: مَا شَاءَ الله وَحْدَهُ".

وفي معنى هذَا: لولا الله وفلانٌ، لما كانَ كذا، بل هو أقبحُ وأنكر، وكذلك: أنا باللهِ وبفُلان، وأعوذُ باللهِ وبفُلان، وأنا في حَسْبِ الله وحَسْبِ فلان، وأنا متَّكِل على الله وعلى فلان، فقائلُ هذا، قد جعل فلانًا نِدًّا للهِ عَزَّ وجَلَّ.

ومنها: أن يُقال: مُطِرْنا بَنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، بل يقُولُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمتهِ.

ومنها: أن يحلِفَ بغير الله. صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ".

ومنها: أن يقول في حَلِفِهِ: هو يَهُودِي، أو نصرانى، أو كافر، إن فعل كذا.

ومنها: أن يقولَ لِمسلمٍ: يا كَافِرُ.

ومنها: أن يقولَ للسلطان: مَلِكُ المُلُوكِ. وعلى قياسه: قاضى القضاة.

ومنها: أن يقول السَّيِّدُ لِغلامه وجارِيته: عَبْدِي، وأمَتِي، ويقول الغلامُ لسيده: ربى، وليقُل السَّيِّدُ: فَتَاى وفتأتي، وليَقُلِ الغلامُ: سيِّدى وسيِّدتى.

ومنها: سبُّ الرِّيحِ إذَا هبَّتْ، بل يسألُ الله خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، ويَعُوذُ باللهِ مِنْ شرِّهَا وشر ما أُرسلت به.

ومنها: سبُّ الحُمَّى، نهى عنه، وقال: "إنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كمَا يُذْهِبُ الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ".

ومنها: النهي عن سب الدِّيكِ، صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "لا تَسُبُّوا الدِّيكَ، فَإنَّهُ يُوقِظُ للصَّلاةِ".

ومنها: الدعاء بدعوى الجاهلية، والتَّعَزِّي بعزائهم، كالدُّعَاء إلى القبائل والعَصبِيَّة لها وللأنساب، ومثلهُ التعصبُ لِلمذاهب، والطرائِقِ، والمشايخ، وتفضيلُ بعضها على بعض بالهوى والعصبية، وكونُهُ منتسبًا إليه، فيدعو إلى ذلك، ويُوالى عليه، ويُعادِي عليه، وَيزِنُ الناس به، كُلُّ هذا مِن دعوى الجاهلية.

ومنها: تسميةُ العِشَاء بِالعَتَمَةِ تسمية غالبة يُهجَرُ فيها لفظُ العِشَاء.

ومنها: النهي عَن سِبَابِ المُسْلِم، وأن يتناجى اثنَانِ دُونَ الثَّالِث. وأن تُخْبِرَ المرأةُ زَوْجَها بِمَحَاسِنِ امرأةٍ أُخْرَى.

ومنها: أن يقولَ في دُعائه: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي إنْ شِئْتَ، وارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ".

ومنها: الإكثارُ مِنَ الحَلِفِ.

ومنها: كراهةُ أن يقول: قَوْسُ قُزَح، لِهذَا الذي يُرى في السَمَاء.

ومنها: أن يسأل أحَدًا بِوَجهِ الله.

ومنها: أن يسمِّيَ المدينة بيثرب.

ومنها: أن يُسألَ الرجلُ فيم ضرَبَ امرأته، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

ومنها: أنْ يقول: صُمْتُ رمضانَ كُلَّهُ، أو قمتُ اللَّيْلَ كُلَّهُ.

فصل

ومن الألفاظِ المكروهَةِ الإفصاحُ عَنِ الأشياءِ التي ينبغي الكنايةُ عنها بأسمائها الصَّريحة:

ومنها: أن يقولَ: أطالَ الله بقاءَك، وأدامَ أيَّامَكَ، وعِشتَ ألفَ سنة، ونحو ذلك.

ومنها: أن يقول الصائِمُ: وحقِّ الذي خَاتِمه على فمِ الكافر.

ومنها: أن يقول للمُكُوس: حقوقًا. وأن يقول لِمَا يُنْفِقُهُ في طاعةِ الله: غَرِمْتُ أو خَسِرْتُ كَذَا وَكَذَا، وأن يقولَ: أنفقتُ في هذه الدنيا مالًا كثيرًا.

ومنها: أن يقولَ المفتى: أحلَّ اللهُ كذَا، وحرّم الله كذا في المسائل الاجتهادية، وإنما يقولُه فيما ورد النصُّ بتحريمه.

ومنها: أن يُسَمِّيَ أدلةَ القرآن والسُّنَّة ظواهِرَ لفظية ومجازاتٍ، فإن هذه التسمية تُسْقِطُ حُرمتَها مِن القلوب، ولا سيما إذا أضَافَ إلى ذلك تسمية شُبَهِ المتكلمينَ والفلاسفة قَواطِعَ عَقلية، فلا إله إلا الله، كم حَصَلَ بهاتين التسميتين مِن فساد في العقول والأديان، والدنيا والدين.

فصل

ومنها: أن يُحدِّث الرجلُ بجِمَاع أهله، وما يكونُ بينه وبينها، كما يفعله السَّفَلَةُ.

ومما يُكره من الألفاظ: زعموا، وذكروا، وقالوا، ونحوه.

ومما يُكره منها أن يقول للسلطان: خليفةُ الله، أو نائِبُ الله في أرضه، فإن الخليفة والنائبَ إنما يكونُ عن غائب، واللهُ سبحانه وتعالى خليفةُ الغَائِبِ في أهلهِ، ووكيلُ عبده المؤمن.

فصل

وليحذر كُلَّ الحذر من طغيان "أنا"، و"لى"، و"عندي"، فإن هذه الألفاظَ الثلاثةَ ابتُلى بها إبليسُ، وفرعون، وقارون: ف { أنَا خَيْرٌ مِنْهُ } [64] لإبليس، و { لي مُلْكُ مِصْرَ } [65] لفرعون، و { إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عندي } [66] لقارون. وأحسنُ ما وُضِعَت "أنا" في قول العبد: أنا العبدُ المذنب، المخطئ، المستغفر، المعترِف، ونحوه. و"لى"، في قوله: لي الذنب، ولى الجُرم، ولى المسكنةُ، ولى الفقرُ والذل. و"عندي" في قوله: "اغْفِرْ لي جِدِّي، وَهَزْلِي، وخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذلِكَ عِنْدِي".

هامش

  1. الزمر: 22
  2. الأنعام: 125
  3. الانفطار: 13
  4. الانفطار: 14
  5. البقرة: 183
  6. الأنفال: 60
  7. البقرة: 183
  8. الأنعام: 160
  9. طريق جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِف
  10. البقرة: 196
  11. التوبة: 28
  12. البقرة: 196
  13. ثم لم تكن عُمْرَةٌ
  14. إحداهن
  15. البقرة: 196
  16. البقرة: 196
  17. البقرة: 196
  18. البقرة: 199
  19. الحج: 28
  20. البقرة: 201
  21. البقرة: 125
  22. البقرة: 158
  23. المائدة: 3
  24. البقرة: 198
  25. الفتح: 27
  26. الحج: 29
  27. الطور: 1-2
  28. الطور: 1-2
  29. النصر: 1
  30. الطور: 1-2
  31. المائدة: 1
  32. الحج: 28
  33. الأنعام: 142-143
  34. المائدة: 95
  35. المدثر: 38
  36. آل عمران: 36
  37. الروم: 54
  38. الكوثر: 2
  39. الأعلى: 13-14
  40. الأنعام: 53
  41. التكوير: 29
  42. الطلاق: 2-3
  43. المائدة: 11
  44. العَلِيِّ العَظِيمِ
  45. آل عمران: 190
  46. الإخلاص: 1
  47. هود: 93، 121
  48. الأنعام: 135
  49. الزمر: 39
  50. الأنعام: 136
  51. عَلَيْهَا
  52. ومِنِّي
  53. الذاريات: 24-25
  54. النور: 58
  55. آل عمران: 102
  56. النساء: 1
  57. الأحزاب: 70-71
  58. الكهف: 39
  59. الحديد: 3
  60. يونس: 94
  61. الحديد: 3
  62. فصلت: 36
  63. البقرة: 44
  64. الأعراف: 12، ص: 76
  65. الزخرف: 51
  66. القصص: 78


زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الأول | المجلد الثاني | المجلد الثالث | المجلد الرابع | المجلد الخامس | فهرس