زاد المعاد/المجلد الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الأول
ابن القيم


مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

محتويات


حسبي الله ونعم الوكيل

مقدمة المؤلف[عدل]

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين ومالك يوم الدين الذي لا فوز إلا في طاعته ولا عز إلا في التذلل لعظمته ولا غنى إلا في الإفتقار إلى رحمته ولا هدى إلا في الإستهداء بنوره ولا حياة إلا في رضاه ولا نعيم إلا في قربه ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبه الذي إذا أطيع شكر وإذا عصي تاب وغفر وإذا دعي أجاب وإذا عومل أثاب.

والحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته وأقرن له بالإلهية جميع مصنوعاته وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته وبدائع آياته وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ولا إله إلاالله وحده لا شريك له في إلهيته كما لا شريك له في ربوبيته ولا شبيه له في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان من سبحت له السماوات وأملاكها والنجوم وأفلاكها والأرض وسكانها والبحار وحيتانها والنجوم والجبال والشجر والدواب والآكام والرمال وكل رطب ويابس وكل حي وميت { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } [1].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسماوات وخلقت لأجلها جميع المخلوقات وبها أرسل الله تعالى رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب وهي الحق الذي خلقت له الخليقة وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب وعليها يقع الثواب والعقاب وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة ولأجلها جردت سيوف الجهاد وهي حق الله على جميع العباد فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وعنها يسأل الأولون والآخرون فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين.

فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارا وعملا وجواب الثانية بتحقيق أن محمدا رسول الله معرفة وإقرارا وانقياد وطاعة.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم أرسلة الله رحمة للعالمين وإماما للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعتَه وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسدَّ دون جنَته الطرق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدرَه، ورفع له ذِكْره، ووضع عنه وِزره، وجعل الذِّلَةَ والصَّغار على من خالف أمره. ففي المسند من حديث أبي منيب الجُرَشي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: " بُعِثْتُ بالسَّيفِ بَينَ يدِي الساعةِ حتى يُعْبَدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وجُعِلَ رِزقي تحتَ ظِلَ رمُحي، وجُعِلَ الذِّلَةُ والصَّغَار على مَنْ خالف أمري، ومن تشبَّه بِقَومٍ، فهو منهم " وكما أنَّ الذِّلة مضروبة على من خالف أمره، فالعِزَّة لأهل طاعته ومتابعته، قال الله سبحانه: { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ } [2]. وقال تعالى: { وَلِلّهِ الْعِزّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [3]. وقال تعالى: { فَلا تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السّلْمِ وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ } [4]. وقال تعالى: { يَأَيّهَا النّبِيّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [5] أي: اللهُ وحده كافيك، وكافي أتباعِك، فلا تحتاجون معه إلى أحد.

وهنا تقديران، أحدُهما: أن تكون الواو عاطفة ل (مَنْ) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهدُه كثيرة، وَشُبَهُ المنع منه واهِية.

والثاني: أن تكون الواو وَاوَ (مع) وتكون (مَن) في محل نصب عطفًا على الموضع، (فإن حسبك) في معنى (كافيك)، أي: اللهُ يكفيك ويكفي مَنِ اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، قال الشَّاعر:

إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ العَصَا ** فَحَسْبُكَ وَالضحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّد

وهذا أصحُّ التقديرين.

وفيها تقدير ثالث: أن تكون (مَنْ) في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبُهُم اللهُ.

وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون "مَنْ" في موضع رفع عطفًا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبُك الله وأتباعُك، وهذا وإن قاله بعضُ الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حملُ الآية عليه، فإن "الحسب" و"الكفاية" للّه وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: { وَإِن يُرِيدُوَاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الّذِيَ أَيّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } [6]. ففرَّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسبَ له وحدَه، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل مِن عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: { الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [7]. ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولَهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعُك حسبُك، وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يُشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يُشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا مِن أمحل المحال وأبطل الباطل، ونظيرُ هذا قولُه تعالى: { وَلَوْ أَنّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ } [8]. فتأمل كيف جعل الإِيتاء للّه ولرسوله، كما قال تعالى: { وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ } [9]. وجعل الحسبَ له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسولُه، بل جعله خالصَ حقِّه، كما قال تعالى: { إِنّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ } [10]. ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحدَه، كما قال تعالى: { فَإذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وإِلى رَبِّكَ فَارغَب } [11]، فالرغبةُ، والتوكل، والإِنابةُ، والحسبُ للَّهِ وحده، كما أن العبادةَ والتقوى، والسجود للّه وحدَه، والنذر والحلف لا يكون إلا للّه سبحانه وتعالى. ونظيرُ هذا قوله تعالى: { أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [12]. فالحسبُ: هو الكافي، فأخبر سبحانه وتعالى أنَّه وحده كافٍ عبدَه، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ والأدلة الدَّالة على بطلان هذا التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر هاهنا.

والمقصودُ أن بحسب متابعة الرسول تكونُ العزَّة والكفاية والنُّصرة، كما أن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ والفلاح والنجاة، فالله سبحانه علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شَقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاحُ والعزَّة، والكفاية والنصرة، والوِلاية والتأييد، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلةُ والصَّغار، والخوفُ والضلال، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة. وقد أقسم ﷺ بأن "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يَكُونَ هو أَحَبَّ إِلَيْهِ مِن وَلَده وَوَالِدِه وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" وأقسم الله سبحانه بأن لا يؤمنُ مَن لا يُحكِّمه في كل ما تنازع فيه هو وغيرُه، ثم يَرضى بحُكمه، ولا يَجِدُ في نفسه حرجًا ممّا حكم به ثم يُسلم له تسليمًا، وينقاد له انقيادًا وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [13]. فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره ﷺ، بل إذا أمر، فأمرُه حتم، وإنما الخِيَرَةُ في قول غيره إذا خفي أمرُه، وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكونُ قولُ غيره سائغَ الاتباع، لا واجب الاتباع، فلا يجب على أحد اتباعُ قول أحد سواه، بل غايتُه أنَّه يسوغ له اتباعُه، ولو تَرَكَ الأخذ بقول غيره، لم يكن عاصيًا للّه ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعُه، ويحرم عليهم مخالفتُه، ويجب عليهم تركُ كل قول لقوله؟ فلا حكم لأحد معه، ولا قولَ لأحد معه، كما لا تشريع لأحد معه، وكلُّ من سواه، فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغًا محضًا ومخبرًا لا منشئًا ومؤسسًا، فمن أنشأ أقوالًا، وأسس قواعدَ بحسب فهمه وتأويله، لم يجب على الأمّةِ اتباعُها، ولا التحاكم إليها حتى تُعرَض على ما جاء به الرسولُ، فإن طابقته، ووافقته، وشهد لها بالصحة، قُبِلَتْ حينئذٍ، وإن خالفته، وجب ردُّها واطِّراحُها، فإن لم يتبين فيها أحدُ الأمرين، جُعِلَتْ موقوفة، وكان أحسنُ أحوالها أن يجوزَ الحكمُ والإِفتاء بها وتركه، وأما أنه يجب ويتعين، فكلا، ولما.

وبعدُ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى هوالمنفردُ بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال الله تعالى: { وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [14]. وليس المراد هاهنا بالاختيار الإِرادة التي يُشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار - وهو سبحانه -كذلك، ولكن ليس المرادُ بالاختيار هاهنا هذا المعنى، وهذا الاختيار داخل في قوله: { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ }، فإنه لا يخلُق إلا باختياره وداخل في قوله تعالى: { مَا يَشَاءُ }، فإن المشيئة هي الاختيارُ، وإنما المرادُ بالاختيار هاهنا: الاجتباء والاصطفاء، فهو اختيارٌ بعدَ الخلق، والاختيارُ العام اختيارٌ قبل الخلق، فهو أعم وأسبق، وهذا أخصُّ، وهو متأخر، فهو اختيارٌ من الخلق، والأول اختيارٌ للخلق.

وأصحُّ القولين أن الوقف التام على قوله: { وَيَخْتار } ويكون { مَا كَانَ لَهُم الخِيَرَةُ } نفيًا، أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو إلى الخالق وحده، فكما أنه المنفرد بالخلق، فهو المنفرد بالاختيار منه، فليس لأحد أن يخلق، ولا أن يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، وَمَحَالِّ رضاه، وما يصلُح للاختيار مما لا يصلح له، وغيرُه لا يُشاركه في ذلك بوجه.

وذهب بعض من لا تحقيق عنده، ولا تحصيل إلى أن "ما" في قوله تعالى: { مَا كَانَ لهُمُ الخِيَرَةُ } موصولة، وهي مفعول "ويختار" أي: ويختار الذي لهم الخيرة، وهذا باطل من وجوه.

أحدُها: أن الصلة حينئذٍ تخلو من العائد، لأن "الخِيرةَ" مرفوع بأنه اسم "كان" والخبر "لهم"، فيصير المعنى: ويختار الأمر الذي كان الخيرةُ لهم، وهذا التركيبُ محال من القول. فإنْ قيل: يمكن تصحيحُه بأن يكون العائد محذوفًا، ويكون التقدير: ويختار الذي كان لهم الخِيرةُ فيه، أي: ويختار الأمرَ الذي كان لهم الخِيرةُ في اختياره.

قيل: هذا يفسُد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد، فإنه إنما يحذف مجرورًا إذا جُرَّ بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله مع اتحاد المعنى، نحوُ قوله تعالى: { يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ } [15]، ونظائره، ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررتُ، ورأيت الذي رغبتُ، ونحوه.

الثّاني: أنه لو أُريد هذا المعنى لنصب "الخيرة" وشُغِلَ فعل الصلة بضمير يعود على الموصول، فكأنه يقول: ويختارُ ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو عينَ الخيرة لهم، وهذا لم يقرأْ به أحد البتَّة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير.

الثّالث: أن الله سبحانه يَحكي عن الكفار اقتراحَهم في الاختيار، وإرادتهم أن تكون الخيرةُ لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبين تفرُّدَه هو بالاختيار، كما قال تعالى: { وَقَالُواْ لَوْلا نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَيَ رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ } [16]، فأنكر عليهم سبحانَه تخيُّرَهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى الذي قَسَمَ بينهم معايشَهم المتضمنةَ لأرزاقهم وَمُدَدِ آجالهم، وكذلك هو الذي يَقسِم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلُح له ممن لا يصلُح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم، ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهكذا هذه الآية بيّن فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانَه أعلمُ بمواقع اختياره، كما قال تعالى: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته } [17]، أي: الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره.

الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال: { ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون } [18]، ولم يكن شركهم مقتضيًا لإثبات خالق سواه حتى نزه نفسه عنه، فتأمله، فإنه في غاية اللطف.

الخامس: أن هذا نظير قوله تعالى في [19]: { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز } ثم قال: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور }. وهذا نظير قوله في [20] { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } ونظير قوله في [21] { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فأخبر في ذلك كله عن علمه المتضمن لتخصيصه محال اختياره بما خصصها به، لعلمه بأنها تصلح له دون غيرها، فتدبر السياق في هذه الآيات تجده متضمنًا لهذا المعنى، زائدًا عليه، والله أعلم.

السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين * فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون * فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين * وربك يخلق ما يشاء ويختار } [22] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب، وآمن، وعمل صالحًا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرتَه مِن خلقه، وكان هذا الاختيارُ راجعًا إلى حكمته وعلمه سبحانه لمن هو أهلٌ له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحِهم، فسبحان الله وتعالى عمَّا يشركون.

فصل

وإذا تأملت أحوالَ هذا الخلقِ، رأيتَ هذا الاختيار والتخصيص فيه دالًا على ربوبيته تعالى ووحدانيته، وكمالِ حكمته وعلمه وقدرته، وأنه اللهُ الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلُق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره، فهذا الاختيارُ والتدبير، والتخصيص المشهود أثرُه في هذا العالم مِنْ أعظم آيات ربوبيته، وأكبرِ شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدقِ رسله، فنشيرُ منه إلى يسير يكونُ منبهًا على ما وراءه، دالًا على ما سواه.

فخلق الله السماواتِ سبعًا، فاختار العُليا منها، فجعلها مستقر المقربين مِن ملائكته، واختصها بالقرب مِن كرسيه ومِن عرشه، وأسكنها مَن شاءَ مِن خلقه، فلها مزيةٌ وفضلٌ على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربُها منه تبارك وتعالى. وهذا التفضيلُ والتخصيصُ مع تساوي مادة السماوات مِن أبين الأدلة على كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار.

وَمِن هذا تفضيلُه سبحانه جنّةَ الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصُها بأن جعل عرشه سقفَها، وفي بعض الآثار: "إن الله سبحانه غرسها بيده، واختارها لِخيرته مِن خلقه". وَمِن هذا اختيارُه مِن الملائكة المصطفيْنَ مِنهم على سائرهم، كجبريلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ، وكان النبي ﷺ يقول: "اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّماوات وَالأرضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".

فذكر هؤلاء الثلاثة مِن الملائكة لكمال اختصاصهم، واصطفائهم، وقربهم من الله، وكم مِن مَلَك غيرهِم في السماوات، فلم يُسم إلا هؤلاء الثلاثة. فجبريل: صاحبُ الوحي الذي به حياةُ القلوب والأرواح، وميكائيلُ: صاحب القَطْرِ الذي به حياةُ الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل: صاحب الصُور الذي إذا نفخ فيه، أحيت نفختُه بإذن الله الأموات، وأخرجتهم مِن قبورهم.

وكذلك اختيارُه سبحانه للأنبياء مِن ولد آدم عليه وعليهم الصلاةُ والسلام، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، واختياره الرسل منهم، وهم ثَلاثُمائة وثلاثة عشر، على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه"، واختيارُه أولي العزم منهم، وهم خمسة المذكورون في سورة (الأحزاب) و(الشورى) في قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَيَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظًا } [23]، وقال تعالى: { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصّيَ بِهِ نُوحًا وَالّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَيَ وَعِيسَيَ أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلا تَتَفَرّقُواْ فِيهِ } [24]، واختار منهم الخليلينِ: إبراهيمَ ومحمدًا صلى الله عليهما وآلهما وسلم.

وَمِنْ هذا اختيارُه سبحانه ولدَ إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كِنانة مِن خُزيمة، ثم اختار مِن ولد كِنانة قُريشًا، ثم اختار مِن قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سَيِّدَ ولدِ آدم محمَّدًا ﷺ.

وكذلك اختار أصحابه مِن جملة العَالَمِينَ، واختار منهم السابقينَ الأولين، واختار منهم أهلَ بدر، وأهلَ بيعة الرِّضوان، واختار لهم مِن الدِّين أكملَه، ومِن الشرائع أفضلَها، ومن الأخلاق أزكَاها وأطيبها وأطهَرها.

واختار أمته ﷺ على سائر الأمم، كما في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث بهَزِ بن حكيم بن معاوية بن حيْدَةَ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسُولُ ﷺ " أَنْتمْ مُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّة أَنْتمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى الله". قال علي بن المْديني وأحمد: حديثُ بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح.

وظهر أثرُ هذا الاختيار في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدِهم ومنازلهم في الجنَة ومقاماتهم في الموقف، فإنهم أعلى من النَّاس على تلٍّ فوقهم يشرفون عليهم، وفي الترمذي من حديث بُريدة بن الحُصَيْبِ الأسلمي قال: قال رسولُ الله ﷺ: " أَهلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمَائةُ صفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ" قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في الصحيح من حديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ في حديث بعث النار: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده إنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ "، ولم يزد على ذلك. فَإِمَّا أن يقال هذا أصح، وإمَّا أن يُقال إن النبي ﷺ طمع أن تكون أمتُه شطرَ أهل الجنة، فأعلمه ربُّه فقال: "إنهم ثمانون صفًا من مائة وعشرين صفًا"، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.

وَمِن تفضيل الله لأمته واختيارِه لها أنه وهبها مِن العلم والحلم ما لم يَهَبْهُ لأُمَّة سواها، وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي الدرداء قال: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقول: إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِعيسَى ابْنِ مَريَمَ: "إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ آمةً إِنْ أَصَابَهُم مَا يُحِبُّونَ، حَمِدُوا وَشَكَرُوا، وَإنْ أَصَابَهمْ مَا يَكْرَهُونَ، احْتَسَبُوا وَصبَرُوا، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ هَذَا وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي".

وَمِن هذا اختيارُه سبحانه وتعالى مِن الأماكن والبلاد خيرَهَا وأشرفهَا، وهي البلد الحرامُ، فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه ﷺ، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإِتيانَ إليه من القُرْب والبُعْد مِن كلِّ فَجٍّ عميقٍ، فلا يَدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم، متجردين عن لِباس أهل الدنيا، وجعلَه حَرَمًا آمِنًا، لا يُسفك فيه دمٌ، ولا تُعَضَدُ به شجرة، ولا يُنَفَّر له صيدٌ، ولا يُختلى خلاه، ولا تُلتقط لُقَطَتُه للتمليك بل للتعريف ليس إلا، وجعل قصده مكفرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًا للخطايا، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، ولم يرض لقاصده مِنَ الثواب دون الجنَّة، ففي السنن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحدِيدِ والذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الجنَّةِ ". وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ"، فلو لم يكن البلدُ الأمين خيرَ بلاده، وَأحبَّها إليه، ومختارَه من البلاد، لما جعل عرصَاتِها مناسِكَ لعباده، فَرَضَ عليهم قصدَها، وجعل ذلك من آكدِ فروض الإِسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى؟ { وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ } [25]، وقال تعالى: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } [26]، وليس على وجه الأرض بقعةٌ يجب على كل قادرٍ السعيُ إليها والطوافُ بالبيت الذي فيها غيرَها، وليس على وجه الأرض موضعٌ يُشرع تقبيلُه واستلامُه، وتُحط الخطايا والأوزار فيه غيرَ الحجر الأسود، والركن اليماني. وثبت عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ففي سنن النسائي والمسند بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ أنه قال: "صَلاةٌ في مَسجدي هَذَا أفْضَلُ مِن ألفِ صلاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجدَ الْحَرَامَ، وصَلاةٌ في المًسجِدِ الحَرَامِ أفْضَل مِنْ صَلاةً في مَسْجدي هَذَا بمَائَة صَلاة" ورواه ابن حبان في صحيحه وهذا صَرًيح في أنَ المسجد الَحَرامَ أفضلُ بقاعِ الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شدُّ الرحال إليه فرضًا، ولِغيره مما يُستحب ولا يجب، وَفي المسند، والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن عدي بن الحصراء أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة مِنْ مَكَّةَ يَقُول: "وَالله إِنَّك لَخَيْرُ أَرضِ اللهِ وَأحَبُّ أرْضِ اللهِ إِلًى اللهِ، وَلَوْلا أنِّي أخْرِجْتُ مِنْكَِ مَا خَرَجْتُ" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

بل وَمِن خصائصها كونُها قبلةً لأهل الأرض كلِّهم، فليس على وجه الأرض قبلةٌ غيرُها.

ومِن خواصها أيضًا أنه يحرم استقبالُها واستدبارُها عند قضاء الحاجة دون سائر بِقاع الأرض.

وأصح المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان، لبضعة عشر دليلًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع، وليس مع المفرق ما يُقاومها البتة، مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضعَ استيفاء الحِجَاج من الطرفين.

ومن خواصها أيضًا أن المسجدَ الحرامَ أولُ مسجد وضع في الأرض، كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عَنْ أوّل مَسجد وُضِعَ في الأرض؟ فقال: "المَسْجد الحَرَامُ" قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "المَسْجَدُ الأِّقْصَى" قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أرْبَعُونَ عَامًا " وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرفِ المرادَ به، فقال: معلوم أن سليمان بنَ داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا من جهل هذا القائلِ، فإن سليمان إنما كان له مِن المسجَد الأقصى تجديدُه، لا تأسيسُه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.

ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أمُّ القرى، فالقرى كلُها تبع لها، وفرعٌ عليها، وهي أصلُ القرى، فيجب ألَّا يكون لها في القُرى عَدِيل، فهي كما أخبر النبي ﷺ عن (الفاتحة) أنها أمُّ القرآن ولهذا لم يكن لها في الكتب الإِلهية عديلٌ.

ومن خصائصها أنها لا يجوزُ دخولُها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، وهذه خاصية لا يُشاركها فيها شيءٌ من البلاد، وهذه المسألةُ تلقاها الناسُ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد روي عن ابن عباس بإسناد لا يحتج به مرفوعًا "لا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِإحْرَامٍ، مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيرِ أَهْلِهَا" ذكره أبو أحمد بن عدي، ولكن الحجاج بن أرطاة في الطريق، وآخر قبله من الضعفاء.

وللفقهاء في المسألة ثلاثةُ أقوال: النَّفْيُ، والإِثباتُ، والفرقُ بين من هو داخلُ المواقيتِ ومن هو قبلَها، فمن قبلها لا يُجَاوزها إلا بإحرام، ومن هو داخلها، فحكمُه حكمُ أهل مكَّة، وهو قول أبي حنيفة، والقولان الأولان للشافعي وأحمد.

ومِن خواصِّه أنه يُعاقب فيه على الهمِّ بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [27] فتأمل. كيف عدى فعل الإِرادة هاهنا بالباء، ولا يقال: أردتُ بكذا إلا لما ضمِنَّ معنى فعل "هم" فإنه يقال: هممت بكذا، فتوعدَ من هم بأن يَظلم فيه بأن يُذيقه العذَابَ الألِيم.

وَمِن هذا تضاعفُ مقادير السيئات فيه، لا كمياتُها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة، وجزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حَرَمِ الله وبلده وعلى بساطه آكدُ وأعظمُ منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس من عصى الملكَ على بساط مُلكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبِساطه، فهذا فصلُ النزاع في تضعيف السيئات، والله أعلم.

وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلدِ الأمين، فجذبُه للقلوب أعظمُ من جذب المغناطيس للحديد، فهو الأولى بقول القائل:

مَحَاسِنُهُ هَيُولَى كُلِّ حُسْنٍ ** وَمَغْنَاطِيسُ أفْئدَةِ الرِّجَالِ

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابةٌ للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يَقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا.

لا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُها ** حَتَّى يَعُود إلَيْهَا الطَّرْفُ مُشْتَاقًا

فلله كم لها مِن قتيل وسليبٍ وجريح، وكم أُنفِقَ في حبها من الأموال والأرواح، وَرَضِيَ المحب بمفارقةِ فِلَذِ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق،

وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه، ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نعم المتحليه وترفهم ولذاتهم.

وَلَيْسَ مُحِبًا مَنْ يَعُدُّ شَقَاءَه ** عَذَابًا إذَا مَا كَانَ يَرضَى حبيبُه

وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: { وطهر بيتي } [28] فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من المزية والإختصاص على غيره ما أوجب له الإصطفاء والإجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر، وتخصيصًا وجلالة زائدًا على ما كان له قبل الإضافة، ولم يوفق لفهم هذا المعنى من سوى بين الأعيان والأفعال، والأزمان والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشئ منها على شئ، وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح، وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجهًا قد ذكرت في غير هذا الموضع، ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده، فإن مذهبًا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها، وكذلك نفس البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو لما يقع فيها من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت، والمسجد الحرام، ومنى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها، ولا إلى وصف قائم بها، والله سبحانه وتعالى قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } قال الله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [29] أي: لَيس كلُّ أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمُّل رسالته، بل لها محالٌّ مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها، والله أعلم بهذه المحالِّ منكم. ولو كانت الذواتُ متساوية كما قال هؤلاء، لم يكن في ذلك ردٌ عليهم، وكذلك قولُه تعالى: { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّيَقُولوَاْ أَهَؤُلاءِ مَنّ اللهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ } [30] أي: هو سبحانه أعلمُ بمن يشكره على نعمته، فيختصه بفضله، وَيَمُنُّ عليه ممن لا يشكره، فليس كلُّ محلٍ يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته.

فذواتُ ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتَمِلَة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها اللهُ، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفاتِ، وخصها بالاختيار، فهذا خلقُه، وهذا اختياره { وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [31]، وما أبين بطلانَ رأْيَ يقضي بأن مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذاتَ الحجر الأسود مسَاويةٌ لسائر حجارة الأرض، وذاتَ رسول الله. مساويةٌ لذات غيره، وإنما التفضيلُ في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالُها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها وهي بريئة منها، وليس معهم أكثرُ من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة، لأن المختلفاتِ قد تشترِك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية، وما سوَّى اللهُ تعالى بين ذات المِسك وذاتِ البول أبدًا، ولا بين ذات الماء وذات النَّار أبدًا، والتفاوتُ البَيِّنُ بَيْنَ الأمكنة الشريفة وأضدادها، والذواتِ الفاضلة وأضدادها أعظمُ من هذا التفاوت بكثير، فبين ذاتِ موسى عليه السلام وذاتِ فرعون من التفاوت أعظمُ مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوتُ بين نفس الكعبة، وبين بيت السلطان أعظمُ من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تُجْعَلُ البقعتان سواءً في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات؟

ولم نقصِدِ استيفاءَ الردِّ على هذا المذهب المردودِ المرذول، وإنما قصدنا تصويرَه، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكُم، ولا يَعبأ الله وعبادُه بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يُخصصُ شيئًا، ولا يُفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصَه وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبُه، فهو الذي خلقه، ثم اختاره بعد خلقه، وربُّك يخلق ما يشاءُ ويختار.

وَمِن هذا تفضيلُه بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عند الله يومُ النحر، وهو يومُ الحج الأكبر كما في السنن عنه ﷺ أنه قال: " أَفْضَلُ الأيَّامِ عِنْدَ اللَهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ". وقيل: يومُ عرفة أفضلُ منه، وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، قالوا: لأنه يومُ الحج الأكبر، وصيامُه يكفر سنتين، ومَا مِنْ يَوْمٍ يَعْتِقُ اللهُ فِيهِ الرِّقابَ أَكثَرَ مِنهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، ولأنه سبحانه وتعالى يَدْنُو فِيهِ مِنْ عِبَادِه، ثُمَّ يُبَاهِي مَلائِكَتَه بِأَهْلِ الموقف. والصواب القول الأول، لأن الحديثَ الدالَّ على ذلك لا يُعارضه شيء يُقاومه، والصوابُ أن يومَ الحج الأكبر هو يومُ النَّحر، لقوله تعالى: { وَأَذَانٌ مّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الأكْبَرِ } [32] وثبت في الصحيحين أن أبا بكر وعليًا رضي الله عنهما أَذَّنَا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَومَ عَرَفَةَ. وفي سنن أبي داود بأصح إسناد أن رسول الله ﷺ قال: "يوم الْحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ"، وكذلك قال أبو هريرة، وجماعةٌ من الصحابة، ويومُ عرفة مقدِّمة ليوم النَّحر بين يديه، فإن فيه يكونُ الوقوفُ، والتضرعُ، والتوبةُ، والابتهالُ، والاستقالةُ، ثم يومَ النَّحر تكون الوفادةُ والزيارة، ولهذا سمي طوافُه طوافَ الزيارة، لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أذن لهم ربُّهم يوم النَّحر في زيارته، والدخولِ عليه إلى بيته، ولهذا كان فيه ذبحُ القرابين، وحلقُ الرؤوس، ورميُ الجمار، ومعظمُ أفعال الحج، وعملُ يوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم. وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة على غيره من الأيام، فإنَّ أيامه أفضلُ الأيامِ عند الله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: " مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالح فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذه الأيَّامِ العَشْرِ " قَالُوا: وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ" وهي الأيامُ العشر التي أقسم الله بها في كتابه بقوله: { وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ } [33] ولهدا يُستحب فيها الإِكثارُ من التكْبِير والتهليل والتحميدِ، كما قال النبي ﷺ: " فَأكْثرُوا فِيهِنَّ مِنَ التكْبِيرِ وَالتَّهْلِيل وَالتَحْمِيدِ "، ونسبتُهَا إلى الأيام كنسبة مواضع المناسك في سائر البقاع.

وَمِنْ ذَلك تفضيلُ شهر رمضان على سائر الشهور، وتفضيلُ عشرِهِ الأخير على سائر الليالي، وتفضيلُ ليلة القدر على ألف شهر.

فإن قلت: أيُّ العَشرين أفضلُ؟ عَشرُ ذي الحِجَّة، أو العشرُ الأخير من رمضان؟ وأيُّ الليلتين أفضلُ؟ ليلةُ القدرِ، أو ليلة الإِسراء؟

قلت: أمّا السؤالُ الأول، فالصوابُ فيه أن يقالُ: ليالي العشر الأخير من رمضان، أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة، وأيَّام عشر ذي الحِجَّة أفضلُ من أيام عشر رمضان، وبهذا التفصيلِ يزولُ الاشتباه، ويدل عليه أن لياليَ العشر من رمضان إنما فُضِّلَتْ باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشرُ ذيَ الحِجَّة إنما فُضِّلَ باعتبار أيامه، إذ فيه يومُ النحر، ويومُ عرفة، ويوم التروية.

وأما السؤال الثاني، فقد سُئِلَ شيخُ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل قال: ليلةُ الإِسراء أفضلُ مِن ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلةُ القدر أفضلُ، فَأَيُّهُما المصيبُ؟

فأجاب: الحمدُ للَّهِ، أما القائلُ بأن ليلة الإِسراء أفضلُ مِن ليلة القدر، فإن أراد به أن تكونَ الليلةُ التي أسري فيها بالنبي ﷺ ونظائِرُها مِن كل عام أفضلَ لأمَّة محمد ﷺ مِن ليلة القدر بحيث يكونُ قيامُها والدعاءُ فيها أفضلَ منه في ليلةِ القدر، فهذا باطل، لم يقله أحدٌ من المسلمين، وهو معلومُ الفساد بالاطِّراد من دين الإِسلام. هذا إذا كانت ليلةُ الإِسراء تُعرف عينُها، فكيف ولم يقمْ دليلٌ معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينِها، بل النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شُرِعَ للمسلمين تخصيصُ الليلة التي يُظن أنها ليلة الإِسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر، فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ" وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، وقد أخبر سبحانه أنها خيرٌ مِن ألف شهر، وأنَّه أنزل فيها القرآن.

وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي ﷺ، وحصل له فيها ما لم يحصلْ له في غيرها مِن غير أن يُشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة، فهذا صحيح، وليس إذا أعطى اللَهُ نبيه ﷺ فضيلة في مكان أو زمان، يجب أن يكون ذلك الزمان والمكانُ أفضلَ مِن جميع الأمكنة والأزمنة. هذا إذا قدر أنه قام دليل على أن إنعامَ الله تعالى على نبيه ليلَة الإِسراءِ كان أعظمَ من إنعامه عليه بإنزال القرآنِ ليلةَ القدر، وغيرِ ذلك من النعم التي أنعم عليه بها.

والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأُمور، ومقادير النعم التي لا تُعرف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم، ولا يُعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإِسراءِ فضيلةَ على غيرها، لا سيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان يقصدُون تخصيص ليلة الإِسراء بأمر من الأمورِ، ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرف أي ليلة كانت، وإن كان الإِسراءُ مِن أعظم فضائله ﷺ، ومع هذا فلم يُشرع تخصيصُ ذلك الزمانِ، ولا ذلك المكانِ بعبادة شرعية، بل غارُ حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي، وكان يتحراه قبلَ النبوة، لم يقصِدْهُ هو ولا أحدٌ مِن أصحابه بعد النبوة مدةَ مُقامه بمكة، ولا خصَّ اليومَ الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرِها، ولا خصَّ المكانَ الذي ابتدئ فيه بالوحي ولا الزمانَ بشيء، ومن خص الأمكنَة والأزمنَة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان مِن جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمانَ أحوال المسيح مواسمَ وعبادات، كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله. وقد رأى عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكانًا يُصلون فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مكانٌ صلى فيه رسولُ الله ﷺ، فقال: أتُريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلكَ مَنْ كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل، وإلا فليمضِ.

وقد قال بعضُ الناس: إن ليلة الإِسراء في حق النبي ﷺ أفضل مِن ليلة القدر، وليلة القدر بالنسبة إلى الأمّة أفضلُ من ليلة الإِسراء، فهذه الليلة في حق الأمّة أفضلُ لهم، وليلة الإِسراء في حق رسول الله ﷺ، أفضلُ له.

فإن قيل: فأيهما أفضلُ: يوم الجمعة، أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ" وفيه أيضًا حديث أوس بن أوس "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْمُ الجُمْعَةِ".

قيل: قد ذهب بعضُ العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، محتجًا بهذا الحديث، وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفضلُ من ليلة القدر، والصوابُ أن يوم الجمعة أفضلُ أيام الأسبوع، ويومَ عرفة ويوم النَّحر أفضلُ أيام العام، وكذلك ليلةُ القدر، وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يومَ عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعدّدة.

أحدها: اجتماعُ اليومين اللذين هما أفضلُ الأيام.

الثاني: أنه اليومُ الذي فيه ساعة محققة الإِجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر وأهل الموقف كلُّهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.

الثالث: موافقتُه ليوم وقفة رسول الله ﷺ.

الرَّابع: أن فيه اجتماعَ الخلائق مِن أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويُوافق ذلك اجتماعَ أهل عرفة يومَ عرفة بعرفة، فيحصُل مِن اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصُل في يوم سواه.

الخامس: أن يوم الجمعة يومُ عيد، ويومَ عرفة يومُ عيد لأهل عرفة، ولذلك كره لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة قال: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ"، وفي إسناده نظر، فإن مهدي بن حرب العبدي ليس بمعروف، ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل " أن ناسًا تمارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرفَةَ في صِيَام رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال بعضُهم: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بقَدَحِ لَبنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَربَهُ".

وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: لِيتقوى على الدعاء، وهذا هو قولُ الخِرقي وغيره، وقال غيرهم - منهم شيخ الإِسلام ابن تيمية -: الحِكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يُستحب صومُه لهم، قال: والدليلُ عليه الحديث الذي في السنن عنه ﷺ أنه قال: "يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأيَّامُ مِنَى عِيدُنَا أهلَ الإِسلامِ".

قال شيخنا: وإنما يكون يومُ عرفة عيدًا في حق أهلِ عرفة، لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار، فإنهم إنما يجمعون يوم النَحر، فكان هو العيدَ في حقهم، والمقصود أنه إذا اتفق يومُ عرفة، ويومُ جمعة، فقد اتفق عيدانِ معًا.

السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينَه لعباده المؤمنين، وإتمامِ نعمته عليهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال: جاء يهوديٌ إلى عمرَ بنِ الخطاب فقال: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين آيَةٌ تَقْرَؤونَهَا في كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، لاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، قَالَ: أيُ آَيَةٍ؟ قَالَ: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا } [34] فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ.

السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقفِ الأعظم يومِ القيامة، فإن القيامة تقومُ يومَ الجمعة، كما قال النبي ﷺ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ " ولهذا شرع اللهُ سبحانه وتعالى لِعباده يومًا يجتمعون فيه، فيذكرون المبدأ والمعاد، والجنَّة والنَّار، وادَّخر اللهُ تعالى لهذه الأُمَّة يومَ الجمعة، إذ فيه كان المبدأُ، وفيه المعادُ، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و(هل أتى على الإِنسان ) لاشتمالهما على ما كان وما يكونُ في هذا اليوم، مِن خلق آدم، وذكر المبدأ والمعاد، ودخولِ الجنَّة والنَّار، فكان تذَكِّرُ الأمَّة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون، فهكذا يتذكَّر الإِنسانُ بأعظم مواقف الدنيا - وهو يومُ عرفة - الموقفَ الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه، ولا يتنصف حتى يستقرَّ أهل الجنة في منازلهم، وأهل النَّار في منازلهم.

الثامن: أن الطاعةَ الواقِعَة مِن المسلمين يومَ الجُمعة، وليلةَ الجمعة، أكثر منها في سائر الأيام، حتى إن أكثرَ أهل الفجور يَحترِمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تَجَرَّأ فيه على معاصي اللهِ عز وجل، عجَّل اللهُ عقوبته ولم يُمهله، وهذا أمر قد استقرَّ عندهم وعلموه بالتجارِب، وذلك لِعظم اليومِ وشرفِهِ عند الله، واختيارِ الله سبحانه له من بين سائر الأيام، ولا ريب أن للوقفة فيه مزيةً على غيره.

التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة، وهو اليومُ الذي يُجمَعُ فيه أهلُ الجنة في وادٍ أَفْيحَ، ويُنْصَبُ لهم مَنَابِرُ مِن لؤلؤ، ومنابِرُ من ذهب، ومنابرُ من زَبَرْجَدٍ وياقوت على كُثبَانِ المِسك، فينظرون إلى ربِّهم تبارك وتعالى، ويتجلى لهم، فيرونه عِيانًا ويكون أسرعُهم موافاة أعجلَهم رواحًا إلى المسجد، وأقربُهم منه أقربَهم من الإِمام، فأهلُ الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة، وهو يوم جمعة، فإذا وافق يوم عرفة، كان له زيادةُ مزية واختصاص وفضل ليس لغيره.

العاشر: أنه يدنو الرّبُّ تبارك وتعالى عشيةَ يومِ عرفة مِن أهل الموقف، ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول: "مَا أَرَادَ هؤُلاءِ، أُشْهِدُكُم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم" وتحصلُ مع دنوه منهم تبارك وتعالى ساعةُ الإِجابة التي لا يَرُدُّ فيها سائل يسأل خيرًا فيقربُون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب، أحدهما: قربُ الإِجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني: قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاتُه بهم ملائكته، فتستشعِرُ قلوبُ أهل الإِيمان بهذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحًا وسرورًا وابتهاجًا ورجاء لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فُضِّلَتْ وقفةُ يومِ الجمعة على غيرها.

وأمّا ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة، فباطل لا أصل له عن رسول ﷺ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والله أعلم.

فصل

والمقصود أن اللهَ سبحانه وتعالى اختار مِن كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبَه، واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنه تعالى طيبٌ لا يحبُّ إلا الطيب، ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيبَ، فالطيب مِن كل شيء هو مختارُه تعالى.

وأما خلقُه تعالى، فعام للنوعين، وبهذا يُعلم عنوانُ سعادة العبد وشقاوته، فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكُن إلا إليه، ولا يطمئن قلبُه إلا به، فله من الكلام الكَلِمُ الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى إلا هو، وهو أشدُّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال، والتفحُّش في اللسان والبذَاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبُهت، وقول الزور، وكل كلام خبيث.

وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمةُ مع الشرائع النبوية، وزكتها العقولُ الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرعُ والعقلُ والفِطرةُ، مثل أن يَعْبُدَ الله وحده لا يُشرِكُ به شيئًا، ويؤثِرَ مرضاته على هواه، ويتحببَ إليه جُهده وطاقته، ويُحْسِنَ إلى خلقه ما استطاع، فيفعلَ بهم ما يُحب أن يفعلوا به، ويُعَاملوه به، ويَدَعَهم ممّا يحب أن يَدَعُوه منه، وينصحَهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحمِّلهم أذاه، ويكُفَّ عن أعراضهم ولا يُقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنًا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئًا، كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يُبطِلُ شريعة، ولا يُناقضُ للّه أمرًا ولا نهيًا.

وله أيضًا من الأخلاق أطيبُها وأزكاها، كالحلم، والوقار، والسكينة، والرحمة، والصبر، والوفاء، وسهولة الجانب، ولين العريكة، والصدق، وسلامة الصدر من الغِل والغش والحقد والحسد، والتواضع، وخفض الجناج لأهل الإِيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعِفة، والشجاعة، والسخاء، والمُروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول.

وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يُغذِّي البدن والروح أحسنَ تغذية، مع سلامة العبد من تَبِعَتِهِ.

وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومِن الرائحة إلا أطيبَها وأزكاها، ومن الأصحاب والعُشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيب، وبدنُه طيب، وخُلُقُه طيب، وعملُه طيب، وكلامُه طيِّب، ومطعمُه طيب، ومَشربه طيب، وملبَسهُ طيب، ومنكِحُه طيب، ومدخلُه طيب، ومخرجُه طيب، ومُنْقَلَبُهُ طيب، ومثواه كله طيب. فهذا ممن قال الله تعالى فيه: { الّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [35] ومِنَ الَّذِينَ يَقُول لهم خَزَنَةُ الجنَّة: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [36] وهذه الفاء تقتضي السببية، أي: بسبب طيبكم ادخلاها. وقال تعالى { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلْطّيّبَاتِ } [37] وقد فسرت الآية بأن الكلماتِ الخبيثات للخبيثين، والكلمات الطيبات للطيبين، وفسرت بأن النساءَ الطيباتِ للرجال الطيبين، والنساءَ الخَبِيثَاتِ للرجال الخبيثين، وهي تعم ذلك وغيره، فالكلمات، والأعمال، والنساء الطيبات لمناسبها من الطيبين، والكلمات، والأعمال، والنساء الخبيثة لمناسبها من الخبيثين، فالله سبحانه وتعالى جعل الطَّيِّبَ بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار فجعل الدُّور ثلاثة: دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرامٌ على غير الطيبين، وقد جمعت كُلَّ طيب وهي الجنة، ودارًا أخلصت للخبيث والخبائث ولا يدخلها إلا الخبيثون، وهي النَّار، ودارًا امتزج فيها الطيبُ والخبيث، وخلط بينهما، وهي هذه الدار، ولهذا وقع الابتلاءُ، والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، وذلك بموجب الحكمة الإِلهية، فإذا كان يوم معاد الخليقة، ميز الله الخبيث مِن الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يُخالِطهم غيرُهم، وجعل الخبيثَ وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنَّة، وهي دار الطيبين، والنار، وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابَهم وعقابَهم، فجعل طيباتِ أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عينَ نعيمهم ولذاتهم، أنشأ لهم منها أكملَ أسباب النعيم والسرور، وجعل خبيثاتِ أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عينَ عذابهم وآلامهم، فأنشأ لهم منها أعظمَ أسباب العِقاب والآلام، حكمة بالغة، وعزة باهرة قاهرة، لِيُرِي عباده كمالَ ربوبيته، وكمالَ حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم المفترين الكذَّابين، لا رسلُه البررة الصادقون. قال الله تعالى: { وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَيَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنّ أَكْثَرَ الْنّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ } [38].

والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - جعل للسعادة والشقاوة عنوانًا يُعرفان به، فالسعيدُ الطيب لا يليق به إلا طيب، ولا يأتي إلا طيبًا ولا يصدر منه إلا طيب، ولا يُلابِس إلا طيبًا، والشقي الخبيث لا يليق به إلا الخبيث، ولا يأتي إلا خبيثًا، ولا يصدُر منه إلا الخبيثُ، فالخبيث يتفجر من قَلبه الخبثُ على لسانه وجوارحه، والطَّيِّبُ يتفجر من قلبه الطِّيبُ على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الشخص مادتان، فأيهما غلب عليه كان من أهلها، فإن أراد الله به خيرًا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيُوافيه يوم القيامة مطهرًا، فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار، فيطهره منها بما يوفِّقه له من التوبة النصوحِ، والحسناتِ الماحية، والمصائب المكفِّرة، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويُمسك عن الآخر مواد التطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة، ومادة طيبة، وحكمته تعالى تأبى أن يُجَاوره أحد في داره بخبائثه، فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكًا، فإذا خلصت سبيكةُ إيمانه من الخبث، صلَح حينئذٍ لجواره، ومساكنة الطيبين من عباده. وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، فأسرعهم زوالًا وتطهيرًا أسرعُهم خروجًا، وأبطؤهم أبطؤهم خروجًا، جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد.

ولما كان المشرك خبيث العنصر، خبيث الذات، لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه، فلذلك حرَم الله تعالى على المشرك الجنَّة.

ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرَّءًا من الخبائث، كانت النار حرامًا عليه، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فِطَرُ عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين، وربُّ العالمين، لاإله إلا هو.

فصل

ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوقَ كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيلَ إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا مِن جهتهم، ولا يُنال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطَّيِّب من الأعمال والأقوال والأخلاق، ليس إلا هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزانُ الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم تُوزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظمُ مِن ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فُرِضَت، فضرورةُ العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفةَ عين، فسد قلبُك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المِقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل، كهذه الحال، بل أعظمُ، ولكن لا يُحِسُّ بهذا إلا قلب حي و.

مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلامُ.

وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارين معلقةً بهدي النبي ﷺ، فيجِب على كلَ من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مَا يَخْرُجُ به عن الجاهلين به، ويدخل به في عِداد أتباعه وشِيعته وحِزبه، والناس في هذا بين مستقِل، ومستكثِر، ومحروم، والفضلُ بيد الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

فصل

وهذه كلمات يسيرة لا يَستغني عن معرفتها مَنْ له أدنى همة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرتِه وهديه، اقتضاها الخاطِرُ المَكْدودُ على عُجَرِهِ وبُجَرِهِ مع البِضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبوابُ السُّدَدِ، ولا يتنافس فيها المتنافسون مع تعليقها في حال السفر لا الإِقامة، والقلبُ بكل وادٍ منه شُعبة، والهمة قد تفرقت شَذَرَ مَذَرَ، والكتاب مفقود، ومَنْ يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غيرُ موجود، فَعُودُ العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاويًا، وربعه قد أوحش من أهله وعاد منهم خاليًا، فلسان العالم قد مُلِيءَ بالغلول مضاربةً لغلبة الجاهلين، وعادت موارِدُ شفائه وهي معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرِّفين، فليس له مُعَوَّل إلا على الصبرِ الجميل، وما له ناصر ولا معين إلا الله وحده وهو حسبُنا ونعم الوكيل.

فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم[عدل]

وهو خير أهل الأرض نسبًا على الإِطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذِرْوة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به عدوُّه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي مَلِك الرّوم، فأَشرف القوم قومُه، وأَشرف القبائل قبيلُه، وأَشرفُ الأفخاذ فخذه.

فهو محمَّد بن عبد الله، بن عبد المُطَّلِب، بن هَاشِم، بن عَبدِ مَنَاف، بن قُصَيِّ، بنِ كِلاب، بنِ مُرَّة، بنِ كَعْبِ، بنِ لُؤَي، بنِ غَالِب، بنِ فِهْر، بنِ مَالِك، بنِ النَّضْرِ، بنِ كِنَانَة، بنِ خُزَيْمَة، بنِ مُدْرِكَة، بنِ إليَاس، بنِ مُضَرَ، بنِ نِزَار، بنِ مَعَدِّ، بنِ عَدْنَان.

إلى هاهنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، ولا خِلاف فيه البتة، وما فوق "عدنان" مختلف فيه. ولا خلاف بينهم أن "عدنان" من ولد إسماعيل عليه السلام، وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وأمّا القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكِتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشكُّ أهلُ الكِتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دون العرب، ويأبى اللهُ إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يُقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإِبراهيم لما أتوه بالبشرى: { لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَيَ قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } [39] فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريبَ أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فَتَنَاوُل البشارة لإِسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهِر الكلام وسياقُه. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان "يعقوب" مجرورًا عطفًا على إسحاق، فكانت القراءة { ومن وراء إسحاق يعقوب } أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل: لا يمنع الرفعُ أن يكون يعقوبُ مبشرًا به، لأن البشارةَ قول مخصوص، وهي أولُ خبر سارٍّ صادق. وقوله تعالى: { وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب } جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولًا، كان موضع هذه الجملة نصبًا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إِسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرتُ فلانًا بِقُدوم أخيه وَثَقَلِهِ في أثره، لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعًا. هذا ممّا لا يستريبُ ذو فهم فيه البتة، ثم يُضعف الجرَّ أمر آَخر، وهو ضعف قولك: مررت بزيد وَمِنْ بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجرِّ، فلا يفصل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور. ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات ) قال: { فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَا إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَيَ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } [40]. ثم قال تعالى: { وَبَشّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مّنَ الصّالِحِينَ } [41]. فهذه بشارة من الله تعالى له شكرًا على صبره على ما أُمِرَ به، وهذا ظاهر جدًا في أن المبشَّر به غيرُ الأول، بل هو كالنص فيه.

فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي: لما صبر الأب على ما أُمر به، وأَسلم الولد لأمر الله، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النُّبوة.

قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيًا، ولهذا نصب "نبيًا" على الحال المقدَّر، أي: مقدرًا نبوته، فلا يمكن إخراجُ البِشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفَضْلَةِ، هذا مُحال من الكلام، بل إذا وقعت البِشارةُ على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى.

وأيضًا فلا ريب أن الذبيح كان بمكّة، ولذلك جُعلت القرابينُ يومَ النَّحر بها، كما جُعِل السعيُ بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرًا لشأن إِسماعيل وأمِّه، وإقامةً لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللَّذان كانا بمكّة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكانُ الذبح وزمانُه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النَّحرُ بمكّة مِن تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانًا ومكانًا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكِتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنَّحر بالشام، لا بمكّة.

وأيضًا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليمًا. لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا، فقال تعالى: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مّنكَرُونَ } [42] إلى أن قال: { قَالُواْ لا تَخَفْ وَبَشّرُوهُ بِغُلامٍ عَلَيمٍ } [43] وهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشًّرة به، وأمّا إسماعيل، فمن السُّرِّيَّةِ. وأيضًا فإنهما بُشِّرا به على الكِبرَ واليَأْسِ من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبلَ ذلك.

وأيضًا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أنَّ بكر الأولاد أحبُّ إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد، ووهبه له، تعلقت شُعْبَةٌ من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلًا، والخُلة مَنْصِبٌ يقتضي توحيدَ المحبوب بالمحبة، وأن لا يُشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولدُ شعبةً من قلب الوالد، جاءت غَيْرةُ الخُلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه، وكانت محبةُ الله أعظمَ عنده من محبة الولد، خَلَصَتِ الخلة حينئذٍ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحةُ إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حَصَل المقصودُ، فَنُسِخَ الأمر، وَفُدي الذبيح، وَصدَّق الخليلُ الرؤيا، وحصل مراد الرب.

ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود، ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور.

وأيضًا فإن سارة امرأة الخليل عليه السلام غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأَحبَّه أبوه، اشتدت غيرة "سارة"، فأمر الله سبحانه أن يُبعد عنها "هاجر" وابنها، ويسكنها في أرض مكّة لتبرد عن "سارة" حرارةُ الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمتُه البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السُّرِّيَّةِ، فحينئذٍ يرق قلبُ السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوةُ الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتًا هذه وابنها منهم، وليُريَ عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر "هاجر" وابنها على البُعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه، من جَعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسكَ لعباده المؤمنين، ومتعبداتٍ لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فِيمَن يُريد رفعه مِن خلقه أن يمنَّ عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: { وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } [44] وذلك فضل الله يُؤْتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

ولنرجع إِلى المقصود من سيرته ﷺ وهديه وأخلاقه لا خلاف أنه ولد ﷺ بجوف مكّة، وأن مولده كان عامَ الفيل، وكان أمرُ الفيل تقدِمة قدَّمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كِتاب، وكان دينهم خيرًا مِن دين أهل مكّة إذ ذاك، لأَنهم كانوا عُبَّاد أوثان، فنصرهم الله على أهل الكِتاب نصرًا لا صنُع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدِمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكَّة، وتعظيمًا للبيت الحرام.

واختلف في وفاة أبيه عبد الله، هل توفي ورسول الله ﷺ حمل، أو توفي بعد ولادته؟ على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله ﷺ حمل.

والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر. ولا خلاف أن أُمّه ماتت بين مكّة والمدينة "بالأبواء" منصرفها من المدينة مِن زيارة أخواله، ولم يستكمل إذ ذاك سبعَ سنين.

وَكَفَلَه جدّه عبد المطلب، وتُوفي ولِرسول الله ﷺ نحوُ ثمان سنين، وقيل: ست، وقيل: عشر، ثم كَفَلَه عمُّه أبو طالب، واستمرت كفالتُه له، فلما بلغ ثِنتي عشرة سنة، خرج به عمُه إلى الشام، وقيل: كانت سِنُّهُ تسعَ سنين، وفي هذه الخرجة رآه بَحِيرى الراهب، وأمر عمه ألا يَقْدَم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود، فبعثه عمُّه مع بعض غلمانه إلى مكّة، ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالًا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالًا إذ ذاك لعلّه لم يكن موجودًا، وإن كان، فلم يكن مع عمه، ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في مسنده هذا الحديث، ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالًا، ولكن قال: رجلًا.

فلمَّا بلغ خمسًا وعشرين سنة، خرج إلى الشام في تجارة، فوصل إلى "بصرى" ثم رجع، فتزوج عَقِبَ رجوعه خديجة بنتَ خويلد. وقيل: تزوجها وله ثلاثون سنة. وقيل: إحدى وعشرون، وسنها أربعون، وهي أولُ امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها، وأمره جبريلُ أن يقرأ عليها السلام من ربها.

ثم حَبَّبَ اللهُ إليه الخلوة، والتعبدَ لربه، وكان يخلو ب "غار حراء" يَتعَبَّدُ فيه الليالي ذواتِ العدد، وبُغِّضَتْ إليه الأوثان ودينُ قومه، فلم يكن شيء أبغضَ إليه من ذلك.

فلما كَمُلَ له أربعون، أشرق عليه نورُ النبوة، وأكرمه اللهُ تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينَه بينه وبين عبادة. ولا خلاف أن مبعثه ﷺ كان يومَ الاثنين، واختلف في شهر المبعث. فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قولُ الأكثرين، وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } [45] قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته، أنزل عليه القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة، منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته:

وَأَتَتْ عَليْهِ أَرْبَعُونَ فَأَشْرَقَتْ ** شَمْسُ النِّبوَةِ مِنْهُ في رَمَضانِ

والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآنِ في رمضان جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أُنزل مُنَجَّما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.

وقالت طائفة: أنزلَ فيه القرآن، أي في شأنه وتعظيمه، وفرض صومه. وقيل: كان ابتداءُ المبعث في شهر رجب.

وكمل الله له من مراتب الوحي مراتبَ عديدة:

إحداها: الرُّؤيا الصادقة، وكانت مبدأَ وحيه ﷺ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

الثانية: ما كان يُلقيه الملَكُ في رُوْعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، وَلا يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ".

الثالثة: أَنّه ﷺ كان يتمثَّلُ له المَلَكُ رجلًا، فيُخاطبه حتى يَعِيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.

الرَّابعة: أَنّه كان يأتيه في مثل صَلْصَلَةِ الجرس، وكان أَشدَّه عليه فَيَتَلَبَّسُ به الملكُ حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد وحتى إن راسلته لتَبْرُكُ به إلى الأرض إذا كان راكبها ولقد جاءه الوحيُ مرةً كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها.

الخامسة: أنه يَرَى المَلَكَ في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يُوحِيَه، وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة [46].

السادسة: ما أوحاه الله وهو فوق السماواتِ ليلَة المعراج مِن فرض الصلاة وغيرها.

السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة مَلَكٍ، كما كلّم اللهُ موسى بن عِمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا ﷺ هو في حديث الإِسراء.

وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه ﷺ رأى ربَّه تبارك وتعالى، وهي مسألة خلاف بين السلفِ والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كُلُّهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعًا للصحابة.

فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم[عدل]

وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه وُلد مختونًا مسرورًا، وروي في ذلك حديث لا يصح ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصه، فإن كثيرًا من النّاس يُولد مختونًا.

وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألة سئلتُ عنها: خَتَّان ختن صبيًا، فلم يستقص؟ قال: إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق، فلا يعيد، لأن الحشفة تغلظ، وكلما غلظت ارتفع الختان. فأمّا إذا كان الختان دون النصف، فكنتُ أرى أن يعيد. قلت: فإن الإِعادة شديدة جدًا، وقد يُخاف عليه من الإِعادة؟ فقال: لا أدري، ثم قال لي فإن هاهنا رجلًا ولد له ابنٌ مختون، فاغتمَّ لذلك غمًا شديدًا، فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة، فما غمُّكَ بهذا؟ انتهى. وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدِّث ببيت المقدس أنه وُلِدَ كذلك، وأن أهله لم يختنوه، والناس يقولون لمن ولد كذلك: خَتَنَهُ القمر، وهذا من خرافاتهم.

القول الثاني: أنّه خُتِنَ ﷺ يومَ شَقَّ قلبَه الملائكةُ عند ظئره حليمة.

القول الثالث: أن جدّه عبد المطلب خَتَنَهُ يومَ سابعه، وصنع له مأدُبة وسمّاه محمّدًا.

قال أبو عمر بن عبد البر: وفي هذا الباب حديث مسند غريب، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يومَ سابعه، وجعل له مأدُبه، وسمَّاه محمدًا، ﷺ قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري، وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين، صنف أحدهما مصنفًا في أنه ولد مختونًا وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خِطام لها ولا زِمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم، وبين فيه أنه ﷺ خُتِنَ على عادة العرب، وكان عموم هذه السُّنَّة للعرب قاطبة مغنيًا عن نقل معين فيها، والله أعلم.

فصل في أمهاته ﷺ اللاتي أرضعنه[عدل]

فمنهن ثويبه مولاة أبي لهب، أرضعته أيامًا، وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح، وأرضعت معهما عمَّه حمزةَ بن عبد المطلب. واختلف في إسلامها، فالله أعلم. ثم أرضعته حليمةُ السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة، وجُدامة، وهي الشيماء أولاد الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، واختُلِف في إسلام أبويه من الرضاعة، فالله أعلم، وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان شديدَ العداوة لرسول الله ﷺ، ثم أسلم عامَ الفتح وحسن إسلامه، وكان عمه حمزة مسترضعًا في بني سعد بن بكر فأرضعت أمه رسول الله ﷺ يومًا وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيعَ رسول الله ﷺ من جهتين: من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية.

فصل في حواضنه صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمنهن أُمّه آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.

ومنهن ثويبة وحليمة، والشيماء ابنتها، وهي أخته من الرضاعة، كانت تحضنه مع أمها، وهي التي قدمت عليه في وفد هَوزان، فبسط لها رداءه، وأجلسها عليه رعاية لحقها.

ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بَرَكة الحبشية، وكان ورِثها مِنْ أبيه، وكانت دايتَه، وزوَّجها من حِبِّه زيد بن حارثة، فولدت له أُسامة، وهي التي دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي ﷺ وهي تبكي، فقالا: يا أم أيمن ما يُبكيك فما عند الله خير لرسوله؟ قالت: إنِّي لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، وإنما أبكي لانقطاع خبر السماء، فهيجتهما على البكاء، فبكيا.

فصل في مبعثه ﷺ وأول ما نزل عليه[عدل]

بعثه الله على رأس أربعين، وهي سنُّ الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل، وأما ما يذكر عن المسيح أنه رُفعَ إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه.

وأول ما بدئ به رسول الله ﷺ من أمر النبوة الرؤيا، فكان لا يَرى رُؤيا إلا جاءتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبُّح قيل: وكان ذلك ستةَ أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة والله أعلم.

ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة، فجاءه المَلَك وهو بغار حِرَاءٍ، وكان يُحب الخلوة فيه، فأول ما أنزل عليه { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ } [47] هذا قول عائشة والجمهور.

وقال جابر: أول ما أنزل عليه: { يَأَيّهَا الْمُدّثّرُ } [48].

والصحيح قول عائشة لوجوه:

أحدها أن قوله: "مَا أَنَا بِقَارِيء" صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئًا.

الثاني: الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإِنذار، فإنه إذا قرأ في نفسه، أنذر بما قرأه، فأمره بالقراءة أولًا، ثم بالإِنذار بما قرأه ثانيًا.

الثالث: أن حديث جابر، وقوله: أول ما أنزل من القرآن { يَا أيها المُدَّثر } [49] قول جابر، وعائشة أخبرت عن خبره ﷺ عن نفسه بذلك.

الرَّابع: أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملَك عليه أولًا قبل نزول { يَأيُّهَا المُدَّثَر } [50] فإنه قال: "فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء، فرجعت إلى أهلي فقلت: زملوني دثروني، فأنزل الله: { يَأَيُّهَا المُدَّثَرُ } [51]" وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه { اقرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [52] فدل حديث جابر على تأخر نزول { يَا أَيُّهَا المُدثِّرُ } [53] والحجة في روايته، لا في رأيه، والله أعلم.

فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب[عدل]

المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قومٍ ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذارُ جميع مَنْ بلغته دعوته من الجن والإِنس إلى آخر الدّهر.

فصل

وأقام ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيًا، ثم نزل عليه { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ } [54]. فأعلن ﷺ بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة، واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن الله لهم بالهجرتين.

فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم[عدل]

وكلها نعوت ليست أعلامًا محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به تُوجِبُ له المدحَ والكمال.

فمنها محمد، وهو أشهرها، وبه سمي في التوراة صريحًا كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام وهو كتاب فرد في معناه لم يُسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينَّا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه، وصحيحها من حسنها، ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بيانًا شافيًا، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها، ثم الكلام في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه، وترجيح الراجح، وتزييف المزيَّف، وَمَخبَرُ الكِتابِ فَوْقَ وصفه.

والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحًا بما يوافق عليه كلُّ عالم من مؤمني أهل الكتاب.

ومنها أحمد، وهو الاسم الذي سماه به المسيح، لسرٍّ ذكرناه في ذلك الكِتابِ.

ومنها المتوكِّل، ومنها الماحي، والحاشر، والعاقب، والمُقَفِّي، ونبى التوبة، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ الملحمة، والفاتحُ، والأمينُ. ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد، والمبشِّر، والبشير، والنذير، والقاسِم، والضَّحوك، والقتَّال، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحبُ لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، وغير ذلك من الأسماء، لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح، فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به، أو الغالب عليه، ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترَك، فلا يكون له منه اسم يخصه.

وقال جبير بن مُطْعِم: سمَّى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء، فقال: "أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِي الكُفرَ، وأنا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، والعَاقِب الَّذِي لَيسَ بَعْدَهُ نَبيٌّ".

وأسماؤه ﷺ نوعان:

أحدهما: خاص لا يُشارِكُه فيه غيره من الرسل كمحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة.

والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشَّاهدِ، والمبشِّرِ، والنذيرِ، ونبيِّ الرحمة، ونبيّ التوبة.

وأما إن جعل له مِن كل وصف من أوصافه اسم، تجاوزت أسماؤه المائتين، كالصادق، والمصدوق، والرؤوف الرَّحيم، إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألفَ اسمٍ، وللنبي ﷺ ألفَ اسم، قاله أبو الخطاب بنُ دِحيةَ ومقصوده الأوصاف.

فصل في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم[عدل]

أمّا مُحَمَّد، فهو اسم مفعول، من حَمِدَ، فهو محمد، إذا كان كثيرَ الخصال التي يُحمد عليها، لذلك كان أبلغَ من محمود، فإن "محمودًا" من الثلاثي المجرد، ومحمد من المضاعف للمبالغة، فهو الذي يحمد أكثر ممّا يحمد غيره من البشر، ولهذا - والله أعلم - سمِي به في التوراة، لكثرة الخصال المحمودة التي وُصِفَ بها هو ودينه وأمته في التوراة، حتى تَمَنَى موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم، وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك، وبينا غلط أبي القاسم السهيلي حيث جعل الأمر بالعكس، وأن اسمه في التوراة أحمد.

وأما أحمد، فهو اسم على زِنة أفعل التفضيل، مشتق أيضًا من الحمد. وقد اختلف الناس فيه: هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟ فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل، أي: حَمْدُه للّه أكثرُ من حمد غيره له، فمعناه: أحمد الحامدين لربه، ورجحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل، أن يُصاغ من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول، قالوا: ولهذا لا يقال: ما أضربَ زيدًا، ولا زيد أضرب من عمرو باعتبار الضرب الواقع عليه، ولا: ما أشرَبَه للماء، وآكله للخبز، ونحوه، قالوا: لأن أفعل التفضيل، وفعل التعجب، إنما يُصاغان من الفعل اللازم، ولهذا يقدر نقله من "فَعَلَ" و"فَعِلَ" المفتوح العين ومكسورها، إلى "فَعُلَ" المضموم العين، قالُوا: ولهذا يعدَّى بالهمزة إلى المفعول، فهمزته للتعدية، كقولك: ما أظرفَ زيدًا، وأكرمَ عمرًا، وأصلهما: من ظَرُف، وَكَرُمَ. قالوا: لأن المتعجَّب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غيرَ متعد، قالوا: وأما نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو، فهو منقول من "فَعَلَ" المفتوح العين إلى "فَعُلَ" المضموم العين، ثم عُدي والحالة هذه بالهمزة قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام، فيقولون: ما أضرب زيدًا لعمرو، ولو كان باقيًا على تعديه، لقيل: مَا أضربَ زيدًا عمرًا، لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية، فلما أن عدَّوه إلى المفعول بهمزة التعدية، عدَّوه إلى الآخر باللام، فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يُصاغان إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول.

ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز صوغُهما من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول، وكثرة السماع به من أبين الأدلة على جوازه، تقول العرب: ما أشغَلَه بالشيء، وهو من شُغِلَ، فهو مشغول وكذلك يقولون: ما أولَعه بكذا، وهو من أُولعَ بالشيء، فهو مُولَع به، مجني للمفعول ليس إلا، وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، فهو من أُعجِبَ به، ويقولون: ما أحبه إلي، فهو تعجب من فعل المفعول، وكونه محبوبًا لك، وكذا: ما أبغضه إليَّ، وأمقته إليَّ.

وهاهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه، وهي أنك تقول: ما أبغضني له، وما أحبني له، وما أمقتني له: إذا كنتَ أنتَ المبغِضَ الكارِه، والمحِب الماقِت، فتكون متعجبًا من فعل الفاعل، وتقول: ما أبغضني إليه، وما أمقتني إليه، وما أحبني إليه: إذا كنت أنت البغيض الممقوت، أو المحبوب، فتكون متعجبًا من الفعل الواقع على المفعول، فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان ب "إلى" فهو للمفعول. وأكثر النحاة لا يعللون بهذا. والذي يقال في علته والله أعلم: إن اللام تكون للفاعل في المعنى، نحو قولك: لمن هذا؟ فيقال: لزيد، فيؤتى باللام. وأما "إلى" فتكون للمفعول في، المعنى، فتقول: إلى من يصل هذا الكتاب؟ فتقول: إلى عبد الله، وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك والاختصاص، والاستحقاق إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحق، و"إلى" لانتهاء الغاية، والغاية منتهى ما يقتضيه الفعلُ، فهي بالمفعول أليق، لأنها تمام مقتضى الفعل، ومِن التعجب من فعل المفعول قولُ كعب بن زهير في النبي ﷺ:

فَلَهْوَ أَخوَفُ عِنْدِي إِذ أُكَلِّمُهُ ** وَقِيلَ إنَّكَ مَحْبُوسّ وَمَقْتُولُ

مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ ** بِبَطْنِ عَثّرَ غِيْلٌ دُونَهُ غِيْلُ

فأخوف هاهنا، من خيف، فهو مَخُوفُ، لا من خاف، وكذلك قولهم: ما أجَنَّ زيدًا، من جُنَّ فهو مجنون، هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم.

قال البصريون: كل هذا شاذ لا يُعوَّل عليه، فلا نُشوش به القواعد،

ويجب الاقتصارُ منه على المسموع، قال الكوفيون: كثرة هذا في كلامهم نثرًا ونظمًا يمنع حمله على الشذوذ، لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطَّرِدَ كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك، قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى فَعُلَ، فتحكم لا دليل عليه، وما تمسكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره، فليس الأمر فيها كما ذهبتم إليه، والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل فقط، كألف "فاعل"، وميم "مفعول" وواوه، وتاء الافتعال، والمطاوعة، ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرده، فهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة، لا تعدية الفعل.

قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يُعدَّى بالهمزة يجوز أن يُعدَّى بحرف الجرّ وبالتضعيف، نحو: جلست به، وأجلسته، وقمت به، وأقمته، ونظائره، وهنا لا يقوم مقامَ الهمزة غيرها، فعلم أنها ليست للتعدية المجردة أيضًا، فإنها تجامع باء التعدية، نحو: أكْرِمْ بِهِ، وأَحسِنْ بِهِ، ولا يجمع على الفعل بين تعديتين.

وأيضًا فإنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم، وأكساه للثياب، وهذا مِن أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقديرُ نقله إلى "عطو": إذا تناول، ثم أدخلت عليه همزة التعدية، لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عطوه، وهو تناوله، والهمزة التي فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية.

قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّي باللام في نحو: ما أضربه لزيد، إلى آخره، فالإِتيان باللام هاهنا ليس لما ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما أتي بها تقوية له لما ضعف بمنعه من التصرُّفِ، وأُلزِمَ طريقة واحدة خرج بها عن سَنن الأفعال، فضعف عن اقتضائه وعمله، فقوي باللام كما يقوى بها عند تقدم معموله عليه، وعند فرعيته، وهذا المذهب هو الراجح كما تراه.

فلنرجع إلى المقصود فنقول: تقديرُ أحمد على قول الأولين: أحمد الناس لربه، وعلى قول هؤلاء: أحق الناس وأولاهم بأن يُحمد، فيكون كمحمد في المعنى، إلا أن الفرق بينهما أن "محمدًا" هو كثير الخصال التي يحمد عليها، وأحمد هو الذي يُحمد أفضل ممّا يُحْمَدُ غيره، فمحمد في الكثرة والكمية، وأحمد في الصفة والكيفية، فيستحق من الحمد أكثر ممّا يستحق غيره، وأفضلُ ممّا يستحِق غيره، فيُحمَدُ أكثرَ حمد، وأفضلَ حمد حَمِدَه البشر. فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه، وأكمل معنى. ولو أريد معنى الفاعل لسمي الحماد، أي: كثير الحمد، فإنه بها، كان أكثر الخلق حمدًا لربه، فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه، لكان الأولى به الحمَّاد، كما سميت بذلك أمَتُه.

وأيضًا: فإن هذين الاسمين، إنما اشتقا من أخلاقه، وخصائصه المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدًا؟ ﷺ، وأحمد وهو الذي يحمدُه أهل السماء وأهلُ الأرض وأهلُ الدنيا وأهلُ الآخرة، لكثرة خصائصه المحمودة التي تفوق عَدَّ العادِّين وإحصاء المحصين، وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب "الصلاة والسلام" عليه ﷺ، وإنما ذكرنا هاهنا كلمات يسيرة اقتضتها حالُ المسافر، وتشتتُ قلبه وتفرق همته، وبالله المستعان وعليه التكلان.

وأما اسمه المتوكل، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "قرأت في التوراة صفة النبي ﷺ: مُحَمَّد رسولُ الله، عبدي وَرَسُولي، سمَّيتُه المُتَوَكِّل، ليس بِفَظٍّ، ولا غَليظٍ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئةِ السَّيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقيمَ بِهِ المِلَّة الْعَوْجَاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله" وهو ﷺ أحقّ الناس بهذا الاسم، لأنه توكَّل على الله في إقامة الدين توكلًا لم يَشْركْه فيه غيره.

وأما الماحي، والحاشر، والمقفِّي، والعاقب، فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم، فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر، ولم يُمحَ الكفر بأحد من الخلق ما مُحي بالنبي ﷺ، فإنه بُعِثَ وأهل الأرض كلهم كفار، إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم ما بين عُبَّاد أوثان، ويهود مغضوب عليهم، ونصارى ضالين، وصابئة دَهرية، لا يعرفون ربًا ولا معادًا، وبين عُبَّاد الكواكب، وعُبّاد النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يُقرون بها، فمحا الله سبحانه برسوله ذلك حتى ظهر دينُ الله على كل دين، وبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسيرَ الشمس في الأقطار.

وأما الحاشر، فالحشر هو الضم والجمع، فهو الذي يُحشر الناسُ على قدمه، فكأنه بعث لحشر الناس.

والعاقب: الذي جاء عَقِبَ الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإِطلاق، أي: عقب الأنبياء جاء بعقبهم.

وأما المقفِّي، فكذلك، وهو الذي قفَّى على آثار من تقدمه، فقفى اللهُ به على آثار من سبقه من الرسل، وهذه اللفظة مشتقة من القفو، يقال: قفاه يقفوه: إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفِّي: الذي قفى من قبله من الرسل، فكان خاتمهم وآخرهم.

وأما نبي التوبة، فهو الذي فتح الله به بابَ التوبة على أهل الأرض، فتاب الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله. وكان ﷺ أكثر الناس استغفارًا وتوبة، حتى كانوا يَعُدُّون لَهُ في المَجْلِس الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُور".

وكان يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبَكُم، فَإِني أَتُوبُ إِلى اللهِ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" وكذلك توبةُ أمته أكملُ مِن توبة سائر الأمم، وأسرع قبولًا، وأسهل تناولًا، وكانت توبة من قبلهم مِن أصعب الأشياء، حتى كان من توبة بني إسرائيلَ مِن عبادة العجل قتلُ أنفسهم، وأمّا هذه الأمّة، فلكرامتها على الله تعالى جعل توبتها الندمَ والإِقلاع.

وأمّا نبي الملحمة، فهو الذي بعث بجهاد أعداء الله، فلم يجاهد نبي وأمته قطُّ ما جاهد رسول الله ﷺ وأمّته، والملاحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يُعهد مثلُها قبله، فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار، وقد أوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمّة سواهم.

وأما نبيُّ الرحمة، فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فرحم به أهلَ الأرض كلَّهم مؤمنَهم وكافرَهم، أمّا المؤمنون، فنالوا النصيبَ الأوفر مِن الرحمة، وأمّا الكفار، فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله، وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمتُه، فإنهم عجلوا به إلى النَّار، وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدَّةَ العذاب في الآخرة.

وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مُرْتَجًا، وفتح به الأعين العمي، والآذان الصُّم، والقلوب الغُلف، وفتح الله به أمصار الكفار، وفتح به أبوابَ الجنَّة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والأمصار.

وأمّا الأمين، فهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمينُ مَنْ في السماء، وأمينُ مَنْ في الأرض، ولهذا كانوا يُسمونه قبل النبوة: الأمين.

وأمّا الضحوك القتَّال، فاسمان مزدوجان، لا يُفرد أحدهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين، غيرُ عابس، ولا مقطِّب، ولا غضوب، ولا فظّ، قتَال لأعداء الله، لا تأخذه فيهم لومة لائم.

وأمّا البشير، فهو المبشَر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب، وقد سماه الله عبدَه في مواضع من كتابه، منها قوله: { وَأَنّهُ لّمَا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ } [55] وقوله: { تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَيَ عَبْدِهِ } [56] وقوله: { فَأَوْحَيَ إِلَيَ عَبْدِهِ مَا أَوْحَيَ } [57] وقوله: { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَيَ عَبْدِنَا } [58] وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر".

وسمّاه الله سِراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجًا وهاجًا.

والمنير هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج، فإن فيه نوعَ إحراق وَتَوَهُج.

فصل في ذكرى الهجرتين الأولى والثانية[عدل]

لما كثر المسلمون، وخاف منهم الكفارُ، اشتد أذاهم له ﷺ، وفتنتهم إياهم، فأَذِن لهم رسولُ الله ﷺ في الهجرة إلى الحبشة وقال: "إن بها مَلكًا لا يُظلَمُ النَّاسُ عنده"، فهاجر من المسلمين اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج، ومعه زوجته رُقَيَّةُ بنتُ رسول الله ﷺ، فأقاموا في الحبشة في أحسن جوار، فبلغهم أنَّ قريشًا أسلمتْ، وكان هذا الخبرُ كذبًا، فرجعوا إلى مكة، فلما بلغهم أن الأمر أشدُّ ممّا كان، رجع منهم مَنْ رجع، ودخل جماعة، فَلَقُوا مِنْ قُريش أذى شديدًا، وكان ممن دخل عبدُ الله بنُ مسعود.

ثم أذن لهم في الهجرة ثانيًا إلى الحبشة، فهاجر مِن الرجال ثلاثةٌ وثمانون رجلًا، إن كان فيهم عمار، فإنه يُشك فيه، ومن النساء ثمان عشرة امرأة، فأقاموا عند النجاشي على أحسن حال، فبلغ ذلك قريشًا، فأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة في جماعة، ليكيدوهم عند النجاشي، فرد الله كيدهم في نحورهم.

فاشتد أذاهم لرسول الله ﷺ، فحصروه وأهل بيته في الشِّعب شِعَبِ أبي طالب ثلاث سنين، وقيل: سنتين، وخرج من الحصر وله تسع وأربعون سنة، وقيل: ثمان وأربعون سنة، وبعد ذلك بأَشهر مات عمُّه أبو طالب وله سبع وثمانون سنة، وفي الشِّعب وُلد عبدُ الله بن عباس، فنال الكفارُ منه أذى شديدًا، ثم ماتت خديجةُ بعد ذلك بيسير، فاشتدَّ أذى الكفار له، فخرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الله تعالى، وأقام به أيامًا فلم يجيبوه، وآذَوه، وأخرجوه، وقاموا له سِماطين، فرجموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه، فانصرف عنهم رسول الله ﷺ راجعًا إلى مكّة، وفي طريقه لقي عَدَّاسًا النصرانيَّ، فآمن به وصدَّقه.

وفي طريقه أيضًا بنخلة صُرف إليه نفر من الجن سبعةٌ مِنْ أهل نَصِيبين، فاستمعوا القرآن وأسلموا، وفي طريقه تلك أرسل الله إليه مَلَكَ الجبال يأمره بِطاعته، وأن يُطبق على قومه أخشبي مكّة، وهما جبلاها إن أراد، فقال: "لا بَلْ أَسْتأنِي بِهِم، لَعَلَّ اللهَ يُخرِجُ مِنْ أَصْلابِهِم مَنْ يَعْبُدُه لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور: "اللهم إليك أشكو ضعف قُوَّتي، وقلة حيلتي، الحديث، ثم دخل مكّة في جوار المطعم بن عدي.

ثم أسري بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِجَ به إلى فوق السماوات بجسده وروحه إلى الله عزَّ وجل، فخاطبه، وفرض عليه الصلوات، وكان ذلك مرة واحدة، هذا أصح الأقوال. وقيل: كان ذلك منامًا، وقيل: بل يقال: أسري به، ولا يقال: يقظة ولا منامًا. وقيل: كان الإِسراء إلى بيت المقدس يقظة، وإلى السماء منامًا. وقيل: كان الإِسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة منامًا. وقيل: بل أسري به ثلاثَ مرات، وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق.

وأمّا ما وقع في حديث شريك أن ذلك كان قبل أن يُوحى إليه.

فهذا ممّا عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية، وسوء حفظه، لحديث الإِسراء وقيل: إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي. وأمّا إسراء اليقظة، فبعد النبوة، وقيل: بل الوحي هاهنا مقيد، وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإِسرار، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام، والله أعلم.

فأقام ﷺ بمكّة ما أقام، يدعو القبائل إلى الله تعالى، وَيَعْرِضُ نفسه عليهم في كل موسم أن يؤووه، حتى يبلِّغَ رسالة ربه ولهم الجنَّة، فلم تَسْتَجِيبْ له قبيلة، وادَّخر الله ذلك كرامة للأنصار، فلما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإنجاز وعده، ونصر نبيه، وإعلاء كلمته، والانتقام من أعدائه، ساقه إلى الأنصار، لما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ستة، وقيل: ثمانية، وهم يحلِقُون رؤوسهم عند عقبةِ مِنى في الموسم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا للّه ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فَدَعَوْا قومهم إلى الإِسلام، حتى فشا فيهم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ مِنْ رسول الله ﷺ. فأولُ مسجد قُرىء فيه القرآنُ بالمدينة مسجد بني زُريق، ثم قدِم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، منهم خمسة من الستة الأولين، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى المدينة، فقَدِم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وهم أهلُ العقبة الأخيرة، فبايعوا رسول الله ﷺ على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، فترحل هو وأصحابُه إليهم،

واختار رسولُ الله ﷺ منهم اثني عشر نقيبًا، وأذن رسول الله ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرْسالًا متسللين، أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل: مصعب بن عمير فقدموا على الأنصار في دورهم، فآوَوهم، ونصروهم، وفشا الإِسلامُ بالمدينة، ثم أَذِنَ الله لرسول الله ﷺ في الهجرة، فخرج من مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأوّل وقيل: في صفر، وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنة، ومعه أبو بكر الصديق، وعَامرُ بن فُهَيْرَةَ مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأُرَيْقِط الليثي، فدخل غَار ثَور هو وأبو بكر، فأقاما فيه ثلاثًا، ثم أخذا على طريق الساحل، فلما انتهَوْا إلى المدينة، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ مِن شهر ربيع الأوّل، وقيل غير ذلك، نزل بقُبَاء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف. وقيل: نزل على كلثوم بن الهِدْم. وقيل: على سعدِ بن خيثمة، والأول أشهر، فأقام عندهم أربعة عشر يومًا، وأسس مسجد قُباء، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فجمع بهم بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، ثم ركب ناقته وسار، وجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم، ويأخذون بخطام الناقة، فيقول: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإنّهَا مَأْمُورَةٌ" فبركت عند مسجده اليوم، وكان مِربدا لسهل وسهيل غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري، ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللَّبِنِ، ثم بنى مسكنه ومساكن أزواجه إلى جنبه، وأقربُها إليه مسكن عائشة، ثم تحول بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها، وبلغ أصحابَه بالحبشة هجرَتُه إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا، فَحُبِسَ منهم بمكة سبْعَةٌ، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع.

فصل في أولاده صلى الله عليه وسلم[عدل]

أولهم القاسم، وبه كان يُكنى، مات طفلًا، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة، وسار على النجيبة.

ثم زينب، وقيل: هي أسن من القاسم، ثم رُقَيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة، وقد قيل في كل واحدة منهن: إنها أسنُّ من أختها، وقد ذُكِرَ عن ابن عباس أن رقيّة أسن الثلاث، وأم كلثوم أصغرُهن.

ثم ولد له عبد الله، وهل ولد بعد النبوة، أو قبلها؟ فيه اختلاف، وصحح بعضهم أنه ولد بعد النبوة، وهل هو الطيب والطاهر، أو هما غيرُه؟ على قولين. والصحيح: أنهما لقبان له، والله أعلم. وهؤلاء كلهم من خديجة، ولم يُولد له من زوجة غيرها.

ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من سُرِّيَّتِهِ "مارية القبطية" سنة ثمان من الهجرة، وبشَّره به أبو رافع مولاه، فوهب له عبدًا، ومات طفلًا قبل الفطام، واختلف هل صلى عليه أم لا؟ على قولين. وكل أولاده توفي قبلَه إلا فاطمة، فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فُضِّلَتْ به على نساء العالمين. وفاطمة أفضلُ بناته على الإِطلاق، وقيل: إنها أفضل نساء العالمين، وقيل: بل أمها خديجة، وقيل: بل عائشة، وقيل: بل بالوقف في ذلك.

فصل في أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمنهم أسدُ اللهِ وأسدُ رسوله سيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، والعبّاسُ، وأبو طالب واسمه عبدُ مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوِّم، وضرار، وَقُثَم، والمغيرة ولقبه حَجل، والغيداق واسمه مصعب، وقيل: نوفل، وزاد بعضهم: العوام، ولم يُسلم منهم إلا حمزة والعبّاس. وأمّا عمّاته، فصفية أم الزبير بن العوام، وعاتكة، وبَرَّة، وأروى، وأميمة، وأم حكيم البيضاء. أسلم منهن صفية، واختلف في إسلام عاتكة وأروى، وصحح بعضهم إسلام أروى. وأسن أعمامه: الحارث، وأصغرهم سنًا: العباس، وعَقَب منه حتى ملأ أولادُه الأرض. وقيل: أحصوا في زمن المأمون، فبلغوا ستمائة ألف، وفي ذلك بُعْدٌ لا يخفى، وكذلك أعقب أبو طالب وأكثر، والحارث، وأبو لهب، وجعل بعضهم الحارث والمقوّم واحدا، وبعضهم الغيداق [رجلًا] واحدًا.

فصل في أزواجه صلى الله عليه وسلم[عدل]

أولاهن خديجة بنت خُويلد القرشية الأسدية، تزوجها قبل النبوة، ولها أربعون سنة، ولم يتزوجْ عليها حتى ماتت، وأولاده كلُّهم منها إلَّا إبراهيمَ، وهي التي آزرته على النبوة، وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها، وأرسل الله إليها السلامَ مع جبريل، وهذه خاصة لا تُعرف لامرأة سواها، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين.

ثم تزوج بعد موتها بأيام سَوْدة بنت زَمْعَة القُرشية، وهي التي وهبت يومها لعائشة.

ثم تزوج بعدها أمَّ عبد الله عائشة الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، المبرَّأة من فوق سبع سماوات، حبيبة رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق، وعرضها عليه المَلَكُ قبل نكاحها في سَرَقَةٍ من حرير وقال: "هذه زوجتك" تزوج بها في شوال وعمرها ست سنين، وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهِجرة وعمرها تسع سنين، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وما نزل عليه الوحي في لِحاف امرأة غيرها، وكانت أحبَّ الخلق إليه، ونزل عذرُهَا مِن السماء، واتفقت الأمة على كفر قَاذِفها، وهي أفقه نسائه وأعلمُهن، بل أفقهُ نساءِ الأمّة وأعلمهُنَّ على الإِطلاق، وكان الأكابرُ مِنْ أصحاب النبي ﷺ يرجعون إلى قولها ويستفتونها. وقيل: إنها أسقطت من النبي ﷺ سِقْطًا، ولم يثبت.

ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر أبو داود أنه طلقها، ثم راجعها.

ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية، من بني هلال بن عامر، وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين.

ثم تزوج أمَّ سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه موتًا. وقيل: آخرهن موتًا صفية.

واختلف فيمن ولي تزويجها منه؟ فقال ابن سعد في الطبقات: ولي تزويجها منه سلمة بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها، ولما زوج النبي ﷺ سلمة بن أبي سلمة أمامة بنت حمزة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد قال: "هل جزيتُ سلمة" يقول ذلك، لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها، ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب، عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة، فزوَّجهَا رسولَ الله ﷺ وهو يومئذٍ غلام صغير.

وقال الإِمام أحمد في المسند: حدثنا عفان، حدثنا حمّاد بن أبي سلمة، حدثنا ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة أنها لما انقضت عِدَّتُهَا مِنْ أبي سلمة، بعث إليها رسولُ الله ﷺ، فقالت: مَرْحَبًا برسول ﷺ إني امرأة غَيرى، وإني مُصْبِيَةٌ، وَلَيْسَ أحدٌ من أوليائي حاضرًا، الحديث، وفيه فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله ﷺ، فزوجه، وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنُّه لما توفي رسول الله ﷺ تسع سنين، ذكره ابن سعد، وتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذٍ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج قال ذلك ابن سعد وغيره، ولما قيل ذلك للإِمام أحمد، قال: من يقول: إن عمر كان صغيرًا؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سِنِّه، وقد ذكر مقدار سِنِّه جماعةٌ من المؤرّخين، ابن سعد وغيره. وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله ﷺ ابن عمّها عمر بن الخطاب، والحديث "قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ " ونسب عمر ونسب أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، فوافق اسمُ ابنها عمر اسمَه، فقالت: قم يا عمر، فزوج رسول الله ﷺ، فظن بعض الرواة أنه ابنها، فرواه بالمعنى وقال: فقالت لابنها، وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه، ونظير هذا وَهْم بعض الفقهاء في هذا الحديث، وروايتهم له، فقال رسول الله ﷺ "قم يا غلام فزوج أمك" قال أبو الفرج بن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث، قال: وإن ثبت، فيحتَمِلُ أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير، إذ كان له من العمر يومئذٍ ثلاث سنين، لأن رسول الله ﷺ تزوجها في سنة أربع، ومات ولعمر تسعُ سنين، ورسول الله ﷺ لا يفتَقِرُ نِكاحُه إلى ولي. وقال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن النبي ﷺ لا يُشترط في نكاحه الوليُّ، وأن ذلك من خصائصه.

ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة وهي ابنة عمته أميمة، وفيها نزل قوله تعالى: { فَلَمّا قَضَيَ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَرًا زَوّجْنَاكَهَا } [59] وبذلك كانت تفتخِر على نساء النبي ﷺ، وتقول زوجكُنَّ أهاليكُن، وزوجني الله مِن فوق سبع سماوات.

ومن خواصها أن الله سبحانه وتعالى كان هو وليَّها الذي زوجها لرسوله مِن فوق سماواته، وتوفيت في أول خلافة عمر بن الخطاب، وكانت أولًا عند زيد بن حارثة، وكان رسولُ الله ﷺ تبنَّاه، فلما طلقها زيد، زوَّجه الله تعالى إيَاها لتتأسَّى به أُمَّته في نكاح أزواج من تبنَّوْه.

وتزوج في ﷺ جُويْريَة بنت الحارث بن أبي ضرار المُصْطَلِقِيَّةَ، وكانت من سبايا بني المُصْطَلِقِ، فجاءته تستعينُ به على كِتابتها، فأدى عنها كتابتَها وتزوجها.

ثم تزوج أمَّ حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند، تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هناك، وماتت في أيام أخيها معاوية. هذا هو المعروف المتواتر عند أهل السِّير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكّة، ولحفصة بالمدينة، ولصفية بعد خيبر.

وأمّا حديث عكرمة بن عمّار، عن أبي زُميل، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ: " أَسْأَلُكَ ثَلاثًا، فَأعْطَاهُ إيَّاهُنْ، مِنْهَا: وَعِنْدِي أَجْمَلُ العَرَبِ أُمُّ حَبِيبَةَ أُزَوِّجكَ إِيَّاهَا".

فهذا الحديث غلط لا خفاء به، قال أبو محمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك، كَذَبَهُ عكرمة بن عمار، وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: هو وهم من بعض الرواة، لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إيَاها، وأصدقها عنه صداقًا، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهُدنة فدخل عليها، فثنت فِراش رسولي الله ﷺ حتى لا يجلسَ عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان.

وأيضًا ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. ولا يعرف أن النبي ﷺ أَمَّرَ أبا سفيان البتة.

وقد أكثر النَّاسُ الكلام في هذا الحديث، وتعددت طرقهم في وجهه، فمنهم من قال الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يُرد هذا بنقل المؤرِّخين، وهذه الطريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسّيرة وتواريخ ما قد كان.

وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد له العقد تطييبًا لقلبه، فإنه كان قد تزوجها بغير اختياره، وهذا باطل، لا يُظن بالنبي ﷺ، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء.

وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري: يحتمِل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بالحبشة، فلما ورد على هؤلاء ما لا حِيلة لهم في دفعه مِن سؤاله أن يؤمره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتبًا، قالوا: لعلّ هاتين المسألتين وقعتا منه بعد الفتح،

فجمع الراوي ذلك كله في حديث واحد، والتعسُّفُ والتكلف الشديد الذي في هذا الكلام يُغني عن رده.

وقالت طائفة: للحديث محمل آخر صحيح، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتَك الآن، فإني قبل لم أكن راضيًا، والآن فإني قد رضيت، فأسألك أن تكون زوجتَك، وهذا وأمثاله لو لم يكن قد سُوِّدَتْ به الأوراق، وصنفت فيه الكُتب، وحمله الناس، لكان الأولى بنا الرغبةَ عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من رُبْدِ الصدور لا من زُبْدها.

وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله ﷺ طلق نساءه لما آلى منهن، أقبل إلى المدينة، وقال للنبي ﷺ ما قال، ظنًا منه أنه قد طلقها فيمن طلق، وهذا من جنس ما قبله.

وقالت طائفة: بل الحديث صحيح، ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة، وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة، ولا يبعد خفاء التحريم للجمع عليه، فقد خفي ذلك على ابنته، وهي أفقه منه وأعلم حين قالت لرسول الله ﷺ: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: "أفعل ماذا؟" قالت: تَنكِحُها. قال: "أو تحبين ذلك؟" قالت: لست لك بمُخْلِيةٍ، وأَحَبُ مَنْ شَرِكَني في الخير أُختي، قال: "فإنَّها لا تَحِلُّ لي". فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على النبي ﷺ، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة. وقيل: بل كانت كنيتها أيضًا أم حبيبة، وهذا الجواب حسن لولا قوله في الحديث: فأعطاه رسول الله ﷺ ما سأل، فيقال حينئذٍ: هذه اللفظة وهم من الراوي، فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل، أو أطلقها اتكالًا على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه ممّا سأل، والله أعلم.

وتزوج ﷺ صفيَّة بنتَ حُيي بن أَخْطَبَ سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي، وكانت مِنْ أَجمل نساءِ العالمين.

وكانت قد صارت له من الصَّفيِّ أمة فأعتقها، وجعل عِتقها صداقَها، فصار ذلك سُنَّةً للأمّة إلى يوم القيامة، أن يَعْتِقَ الرجل أمَته، ويجعل عتقها صداقها، فتصير زوجته بذلك، فإذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عِتقها صَدَاقها، أو قال: جعلت عِتق أمتي صداقها، صح العتق والنكاح، وصارت زوجتَه من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي، وهو ظاهر مذهب أحمد وكثيرٍ من أهل الحديث.

وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي ﷺ وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة، وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح القول الأول، لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل، والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له، قال فيها: { خَالِصَةً لّكَ مِن دُونِ } [60] ولم يقل هذا في المعتقة، ولا قاله رسول الله ﷺ ليقطع تأسي الأمة به في ذلك، فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة مَن تبنّاه، لئلا يكون على الأمة حرجٌ في نكاح أزواج من تبنَّوه، فدلَ على أنه إذا نكح نِكاحًا، فلأمَّتِه التأسي به فيه، ما لم يأتِ عن الله ورسوله نصٌ بالاختصاص وقطع التأسي، وهذا ظاهر.

ولتقرير هذه المسألة وبسط الحجاج فيها - وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصولِ والقياس - موضعٌ آخر، وإنما نبهنا عليه تنبيهًا.

ثم تزوج ميمونةَ بنت الحارث الهِلالية، وهي آخر من تزوج بها، تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح. وقيل: قبل إحلاله، هذا قول ابن عباس، ووهم رضي الله عنه، فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقِصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالًا، وقال: كنت أنا السفير بينهما، وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة، وهو أعلم بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم وماتت في أيام معاوية، وقبرها ب"سَرِفَ".

قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النضرية. وقيل: القرظية، سبيت يوم بني قريظة، فكانت صفيَّ رسول الله ﷺ، فأعتقها وتزوجها، ثم طلقها تطليقة، ثم راجعها.

وقالت طائفة: بل كانت أمتَه، وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها، فهي معدودة في السراري، لا في الزوجات، والقول الأول اختيارُ الواقدي، ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي. وقال: هو الأثبت عند أهل العلم. وفيما قاله نظر، فإن المعروف أنها من سراريه، وإمائه، والله أعلم.

فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن، وأما من خطبها ولم يتزوجها، ومن وهبت نفسَها له، ولم يتزوجها، فنحو أربع أو خمس، وقال بعضهم: هن ثلاثون امرأة، وأهل العلم بسيرته وأحواله ﷺ لا يعرفون هذا، بل ينكرونه، والمعروف عندهم أنه بعث إلى الجونية ليتزوجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت منه، فأعاذها ولم يتزوجها، وكذلك الكلبية، وكذلك التي رأى بكشحها بياضًا، فلم يدخل بها، والتي وهبت نفسها له فزوجها غيره على سور من القرآن، هذا هو المحفوظ، والله اعلم.

ولا خلاف أنه ﷺ توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية.

وأول نسائه لحوقًا به بعد وفاته ﷺ زينبُ بنت جحش سنة عشرين، وآخِرهن موتًا أم سلمة، سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد، والله أعلم.

فصل في سراريه صلى الله عليه وسلم[عدل]

قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.

فصل في مواليه صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمنهم زيد بن حارثة بن شراحِيل، حب رسول الله ﷺ أعتقه وزوجه مولاته أمَّ أيمن، فولدت له أسامة.

ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كَبشَة سُلَيْم، وشُقران واسمه صابح، ورباح نُوبي، ويسار نوبي أيضًا، وهو قتيل العُرَنيين، وَمدْعَم، وَكرْكرَةَ، نوبي أيضًا، وكان على ثَقَله ﷺ، وكان يُمسك راحَلته عند القَتالَ يوم خيبر. وفي صحيح البخاري أنَه الذي غلَّ الشملة ذلك اليوم فَقُتل، فقال النبي ﷺ "إنَّهَا لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا" وفي الموطأ أن الذي غلًّها مِدْعَم، وكلاهما قتل بخيبر، والله أعلم.

ومنهم أنْجَشَةُ الحادي، وسَفينة بن فروخ، واسمه مهران، وسماه رسول الله ﷺ: "سفينة" لأنهم كانوا يُحَمِّلُونه في السفر متاعَهم، فقال: "أنْتَ سَفِينَةٌ". قال أبو حاتم: أعتقه رسول الله ﷺ، وقال غيره: أعتقته أمُّ سلمة. ومنهم أَنَسة، ويكنى أبا مِشرح، وأفلح، وعُبيد، وطهمان، وهو كيسان، وذكوان، ومهران، ومروان، وقيل: هذا خلاف في اسم طهمان، والله أعلم.

ومنهم حُنين، وسندر، وفضالة يماني، ومابور خصي، وواقد، وأبو واقد، وقسام، وأبو عسيب، وأبو مُويهبة.

ومن النساء سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى، ورزينة، وأم ضُميرة، وميمونة بنت أبي عسيب، ومارية، وريحانة.

فصل في خدامه صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمنهم أنسُ بن مالك، وكان على حوائجه، وعبدُ الله بن مسعود صاحبُ نعله، وسواكه، وعُقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقود به في الأسفار، وأسلع بن شريك، وكان صاحب راحلته، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد، موليا أبي بكر الصديق، وأبو ذر الغفاري، وأيمن بن عبيد، وأمه أم أيمن موليا النبي ﷺ، وكان أيمن على مطهرته وحاجته.

فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم[عدل]

أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعامر بن فُهيرة، وعمرو بن العاص، وأُبَيّ بن كعب، وعبدُ الله بن الأرقم، وثابتُ بنُ قيس بن شماس، وحنظلةُ بن الربيع الأُسَيْدِيُّ، والمغيرةُ بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص. وقيل: إنه أول من كتب له ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت وكان ألزَمهم لهذا الشأن وأخصّهم به.

فصل في كتبه صلى الله عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع[عدل]

فمنها كتابُه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر، وكتبه أبو بكر لأنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين وعليه عمل الجمهور.

ومنها كتابُه إلى أهل اليمن وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وكذلك رواه الحاكم في مستدركه، والنسائي، وغيرهما مسندًا متصلًا، ورواه أبو داود وغيره مرسلًا، وهو كتاب عظيم، فيه أنواعٌ كثيرة من الفقه، في الزكاة، والديات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه، ومس المصحف، وغير ذلك.

قال الإِمام أحمد: لا شك أن رسولَ الله ﷺ كَتَبَه، واحتج الفقهاءُ كلُهم بما فيه من مقادير الديات.

ومنها كتابه إلى بني زهير.

ومنها كتابُه الذي كان عند عمر بن الخطاب في نصب الزكاة، وغيرها.

فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك[عدل]

لما رجع من الحُدَيْبِيَةِ، كتب إلى ملوك الأرض، وأرسل إليهم رسله، فكتب إلى ملك الرُّوم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا إذا كان مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه ثلاثة أسطر: محمَّد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع.

فأولهم عمرو بن أمية الضَّمْري، بعثه إلى النجاشي، واسمه أَصْحمة بن أَبجر، وتفسير "أصحمة" بالعربية: عطية، فعظَّم كتابَ النبي ﷺ، ثم أَسلم، وشهد شهادة الحق، وكان مِنْ أعلم الناس بالإِنجيل، وصلى عليه النبيُّ ﷺ يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة، هكذا قال جماعة، منهم الواقدي وغيره، وليس كما قال هؤلاء، فإن أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ليس هو الذي كتب إليه، هذا الثاني لا يعرف إسلامه، بخلاف الأول، فإنه مات مسلمًا. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث قتادة عن أنس قال: كتَبَ رسولُ الله ﷺ إلى كِسْرَى، وإلى قَيْصَر، وإلى النَّجَاشِي، وَإلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُم إِلَى اللهِ تَعَالَى، ولَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عليه رسول الله ﷺ، وقال أبو محمد بن حزم: إن هذا النجاشي الذي بَعَثَ إليه رسولُ الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْرِي، لم يُسلم، والأول هو اختيار ابن سعد وغيره، والظاهر قول ابن حزم.

وبعث دِحية بن خليفة الكَلْبي إلى قيصر ملِك الروم، واسمه هِرَقْل، وهَمَّ بالإِسلام وكاد، ولم يفعل، وقيل: بل أسلم، وليس بشيء.

وقد روى أبو حاتم ابنُ حبان في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ يَنْطَلِقُ بِصحِيفَتِي هذِهِ إِلَى قَيْصَرَ وَلَهُ الجَنَّة؟" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وإنْ لَمْ يَقْبَلْ؟ قَالَ: "وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ" فَوَافَقَ قَيْصَرَ وَهُوَ يأتِي بَيْتَ المَقْدِس قَدْ جُعِلَ عَلَيْهِ بِسَاطٌ لا يَمْشِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرَمَى بِالْكِتَابِ عَلَى البِسَاطِ، وَتَنَحَّى، فَلَمَّا أنْتَهَى قَيْصَرُ إِلَى الكِتَابِ، أَخَذَهُ، فَنَادَى قَيْصَرُ: مَنْ صاحِبُ الكِتَابِ؟ فَهُوَ آمِنٌ، فَجَاءَ الرّجُل؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: فَإذَا قَدِمْتَ فَأْتِنِي، فَلَمَّا قَدِمَ، أَتاهُ، فَأَمَرَ قَيْصَرُ بِأَبْوَابِ قَصْرِهِ فَغُلِّقَتْ، ثمَّ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادي: أَلا إنَّ قَيْصَرَ قَدِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا، وَتَرَكَ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَقْبَلَ جُنْدُهُ وَقَدْ تَسَلَّحُوا حَتَّى أَطَافوا به، فَقَالَ لِرَسُولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وَسلمَ: قَدْ تَرَى أَنيِّ خَائِفٌ عَلَى مَمْلَكَتِي، ثُمَّ أَمَر مُنَادِيَه فَنَادى: أَلا إنَّ قَيْصَرَ قَدْ رَضِيَ عَنْكُمْ، وإنَّما اخْتَبَرَكُمْ لينْظُرَ كَيْفَ صَبْرُكُمْ عَلَى دِينكُمْ، فَارجِعُوا فَانصَرِفُوا، وَكَتَبَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي مُسْلِمٌ، وَبَعَثَ إليهِ بدَنانِيرَ، فقًالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "كذبَ عَدُوُّ اللهِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ" وَقَسَمَ الدَّنَانِيرَ.

وبعث عبد الله بن حُذافة السَّهمي إلى كسرى، واسمه أبرويز بن هُرمز ابن أنوشروان، فمزق كتابَ النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "اللهمَّ مَزِّق مُلْكَه" فمزق الله ملكه، وملك قومه.

وبعث حاطب بن أبي بَلتعة إلى المُقَوْقِس، واسمه خريج بن ميناء ملك الإِسكندرية عظيم القبط، فقال خيرًا، وقارب الأمر ولم يُسلم، وأهدى للنبي ﷺ مارية، وأختيها سيرين وقيسرى، فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، وأهدى له جارية أخرى، وألفَ مثقال ذهبًا، وعشرين ثوبًا من قباطي مصر وبغلة شهباء وهي دُلْدل، وحمارًا أشهب، وهو عفير، وغلامًا خصيًا يقال له: مابور. وقيل: هو ابن عم مارية، وفرسًا وهو اللزاز، وقدحًا من زجاج، وعسلًا، فقال النبي ﷺ: "ضَنَّ الْخَبِيثُ بِملْكِهِ وَلا بقَاءَ لِمُلْكِهِ".

وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني ملك البلقاء، قاله ابن إسحاق والواقدي. قيل: إنما توجه لِجَبَلَةَ بنِ الأيْهَمِ. وقيل: توجه لهما معًا. وقيل: توجه لهرقل مع دِحية بن خليفة، والله أعلم.

وبعث سَلِيطَ بن عمرو إلى هَوذَةَ بن علي الحنفي باليمامة، فأكرمه. وقيل: بعثه إلى هوذة وإلى ثُمامَة بنِ أثال الحنفي، فلم يسْلِمْ هَوذة، وأسلم ثمامة بعد ذلك، فهؤلاء الستة قيل: هم الذين بعثهم رسولُ الله ﷺ في يوم واحد.

وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جعفر وعبد الله ابني الجُلَنْدَى الأزديين بعُمان، فأسلما، وصدقا، وخلَّيا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل فيما بينهم حتى بلغته وفاةُ رسول الله ﷺ.

وبعث العلاء بن الحَضْرمي إلى المنذر بن سَاوَى العبدي ملك البحرين قبل منصرفه من "الجِعْرَانَةِ" وقيل: قبل الفتح فأسلم وصدق. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحِميري باليمن، فقال: سأنظر في أمري. وبعث أبا موسى الأشعري، ومعاذَ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك. وقيل: بل سنة عشر من ربيع الأول داعيين إلى الإِسلام، فأسلم عامة أهلها طوعًا من غير قتال.

ثم بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب إليهم، ووافاه بمكة في حجة الوداع.

وبعث جرير بن عبد الله البَجَلي إلى ذي الكَلاع الحِميري، وذي عمرو، يدعوهما إلى الإِسلام، فأسلما، وتوفي رسولُ اللهِ ﷺ، وجرير عندهم.

وبعث عمرو بن أمية الضَّمْري إلى مسيلمَة الكذاب بكتاب، وكتب إليه بكتاب آخر مع السائب بن العوام أخي الزبير فلم يُسلم. وبعث إلى فروة بن عمرو الجُذَامي يدعوه إلى الإِسلام. وقيل: لم يبعث إليه، وكان فروة عاملًا لقيصر بمعان، فأسلم، وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه، وبعث إليه هدية مع مسعود بن سعد، وهي بغلة شهباء يقال لها: فضة، وفرس يقال لها: الظَّرب، وحمار يقال له: يعفور، كذا قاله جماعة، والظاهر - والله أعلم - أن عفيرًا ويعفور واحد، عفير تصغير يعفور تصغير الترخيم.

وبعث أثوابًا وقَبَاءً مِنْ سندس مُخَوَّصٍ بالذهب، فقبل هديته، ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية ونشًا. وبعث عياش بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث، ومسروح، ونعيم بني عبد كُلال من حمير.

فصل في مؤذنيه صلى الله عليه وسلم[عدل]

وكانوا أربعة: اثنان بالمدينة: بلالُ بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ، وعمرُو بن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى، وبقباء سعد القرظ مولى عمار بن ياسر، وبمكّة أبو محذورة واسمه أوس بن مغيرة الجمحي، وكان أبو محذورة منهم يرجِّع الأذان، ويثنِّي الإِقامة، وبلال لا يرجِّع، ويفرد الإِقامة، فأخذ الشافعي رحمه الله وأهلُ مكّة بأذان أبي محذورة، وإقامةِ بلال، وأخذ أبو حنيفة رحمه الله وأهلُ العراق بأذان بلال، وإقامة أبي محذورة، وأخذ الإِمام أحمد رحمه الله وأهلُ الحديث وأهلُ المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالف مالك رحمه الله في الموضعين: إعادة التكبير، وتثنية لفظ الإِقامة، فإنه لا يكررها.

فصل في أمرائه صلى الله عليه وسلم[عدل]

منهم باذان بن ساسان، من ولد بهرام جور، أمَّره رسول الله ﷺ على أهل اليمن كلِّها بعد موت كسرى، فهو أولُ أمير في الإِسلام على اليمن، وأولُ مَنْ أسلم من ملوك العجم. ثم أمَّر رسولُ الله ﷺ بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها. ثمّ قُتِلَ شهر، فأمَّر رسول الله ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص.

وولَّى رسولُ اللهِ ﷺ المهاجِرَ بن أبي أمية المخزومي كِندَة والصَّدِف، فتوفي رسولُ الله ﷺ ولم يَسِرْ إليها، فبعثه أبو بكر إلى قتال أناس من المرتدين.

وولَّى زيادَ بن أمية الأنصاري حضرموت. وولَّى أبا موسى الأشعري زبيدَ وعدن والساحل. وولَّى معاذ بن جبل الجَنَد. وولَّى أبا سفيان صخر بن حرب نَجْرَان.

وولَّى ابنه يزيد تيماء. وولَّى عَتَّابَ بنَ أَسِيد مكَّة، وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان وله دون العشرين سنة. وولَّى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن والقضاء بها. وولَّى عمرو بن العاص عُمَان وأعمالها.

وولَّى الصدقاتِ جماعة كثيرة، لأنه كان لكل قبيلة والٍ يقبض صدقاتها، فمن هنا كثر عمالُ الصدقات.

وولَّى أبا بكر إقامةَ الحج سنة تسع، وبعث في أَثَرِهِ عليًا يقرأ على الناس سورة (براءة) فقيل: لأن أولها نزل بعد خروج أبي بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا يَحِلُّ العقودَ ويعقدها إلا المطاعُ، أو رجلٌ مِنْ أهل بيته. وقيل: أردفه به عونًا له ومساعدًا. ولهذا قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. وأمّا أعداء الله الرافضة، فيقولون: عزله بعلي، وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم.

واختلف الناس، هل كانت هذه الحجةُ قد وقعت في شهر ذي الحجة، أو كانت في ذي القَعدة من أجل النسيء؟ على قولين، والله أعلم.

فصل في حرسه صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمنهم سعدُ بن معاذ، حرسه يومَ بدر حين نام في العريش، ومحمد بن مسلمة حرسه يوم أُحد، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. ومنهم عبَّاد بن بشر، وهو الذي كان على حرسه، وحرسه جماعة آخرون غير هؤلاء، فلما نزل قوله تعالى: { وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ } [61] خرج على الناس فأخبرهم بها، وصرف الحرس.

فصل فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم[عدل]

علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحاك بن سفيان الكِلابي، وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري منه ﷺ بمنزلة صاحب الشًّرَطَةِ من الأمير ووقف المغيرةُ بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحُديبيَةِ.

فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه[عدل]

كان بلال على نفقاته، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدَّوسي على خاتمه، وابنُ مسعود على سواكه ونعله، وأذن عليه رباح الأسود وأنسة مولياه، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري.

فصل في شعرائه وخطبائه[عدل]

كان من شعرائه الذين يَذبُّون عن الإِسلام: كعبُ بن مالك، وعبدُ الله بن رواحة، وحسَّان بن ثابت، وكان أشدَّهم على الكفار حسانُ بن ثابت وكعبُ بن مالك يُعيِّرهم بالكفر والشرك، وكان خطيبَه ثابت بن قيس بن شمَّاس.

فصل في حداته الذين كانوا يحدون بين يديه صلى الله عليه وسلم في السفر[عدل]

منهم عبدُ الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع وعمه سلمة بن الأكوع. وفي صحيح مسلم: كان لرسول الله ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: "رُوَيْدًا يَا أنْجشَةُ، لا تكْسِرِ القَوَارِيرَ ". يعني ضعفة النساء.

فصل في غزواته وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم[عدل]

غزواتُه كلها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين، فالغزواتُ سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: تسع وعشرون وقيل غير ذلك، قاتل منها في تسع: بدر، وأُحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وقيل: قاتل في بني النضير والغابة ووادي القُرى من أعمال خيبر.

وأمّا سراياه وبعوثه، فقريب من ستين، والغزوات الكبار الأمهات سبع: بدر، وأُحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القران، فسورة (الأنفال ) سورة بدر، وفي أُحُد آخر سورة (آل عمران ) من قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [62] إلى قبيل آخرها بيسير، وفي قصة الخندق، وقريظة، وخيبر صدر (سورة الأحزاب)، وسورة (الحشر) في بني النضير، وفي قصة الحديبية وخيبر سورة (الفتح ) وأشير فيها إلى الفتح، وذكر الفتح صريحًا في سورة (النصر).

وجرح منها ﷺ في غزوة واحدة وهي أحد، وقاتلت معه الملائكة منها في بدر وحنين، ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلتِ المشركين وهزمتهم، ورمى فيها الحصباءَ في وجوه المشركين فهربوا، وكان الفتحُ في غزوتين: بدر، وحنين. وقاتل بالمنجنيق منها في غزوة واحدة، وهي الطائف، وتحصَّن في الخندق في واحدة، وهي الأحزاب أشار به عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه.

فصل في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم[عدل]

كان له تسعة أسياف:

مأثور، وهو أول سيف ملكه، ورثه من أبيه.

والعضْب، وذو الفِقار، بكسر الفاء، وبفتح الفاء، وكان لا يكادُ يُفارقه، وكانت قائمته وقبيعتُه وحلقتُه وذؤابته وبكراتُه ونعلُه مِنْ فضة. والقلعي، والبتار، والحتف، والرَّسوب، والمِخْذَم، والقضيب، وكان نعلُ سيفه فضةً، وما بين ذلك حلق فضة.

وكان سيفه ذو الفِقار تنفَّله يوم بدر، وهو الذي أُري فيها الرؤيا، ودخل. يوم الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة.

وكان له سبعة أدرع:

ذات الفضول: وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعًا، وكان الدَّيْن إلى سنة، وكانت الدِّرعُ مِن حديد. وذات الوِشاح، وذات الحواشي، والسعدية، وفضة، والبتراء والخِرْنق.

وكانت له ستُّ قِسيٍّ: الزوراء، والرَّوحاء، والصفراء، والبيضاء، والكَتوم، كُسِرَتْ يوم أحد، فأخذها قتادة بن النعمان، والسَّداد.

وكانت له جَعْبَة تدعى: الكافور، وَمِنْطَقَة من أديم منشور فيها ثلاث حلق من فضة، والإِبزيم من فضة، والطرف من فضة، وكذا قال بعضهم، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي ﷺ شدَّ على وسطه منطقة.

وكان له ترس يقال له: الزَّنوق، وترس يقال له: الفتَق. قيل وترس أهدى إليه، فيه صورةُ تمثال، فوضع يده عليه، فأذهب الله ذلك التمثال.

وكانت له خمسة أرماح، يقال لأحدهم: المُثْوِي، والآخر: المُثْنِي، وحربة يقال لها: النبعة، وأخرى كبيرة تدعى: البيضاء، وأخرى صغيرة شبه العكاز يقال لها: العَنَزَة يمشي بها بين يديه في الأعياد، تركز أمامَه، فيتخذها سترة يُصلي إليها، وكان يمشى بها أحيانًا.

وكان له مِغْفَر من حديد يقال له: الموشَّح، وشح بِشَبَهٍ وَمِغفَر آخر يقال له: السبوغ، أو: ذو السبوغ.

وكان له ثلاث جِباب يلبسها في الحرب. قيل فيها: جبة سندسٍ أخضر، والمعروف أن عروة بن الزبير كان له يلمق من ديباج، بطانته سندس أخضر يلبسه في الحرب، والإِمام أحمد في إحدى روايتيه يُجَوِّزُ لبس الحرير في الحرب.

وكانت له راية سوداء يقال لها: العُقاب. وفي سنن أبي داود عن رجل من الصحابة قال: رأيتُ راية رسول الله ﷺ صفراء، وكانت له ألوية بيضاء، وربما جعل فجها الأسود.

وكان له فُسطاط يسمى: الكن، ومِحجَن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به، ويُعلقه بين يديه على بعيره، وَمِخْصَرة تسمى: العرجون، وقضيب من الشوحط يسمى: الممشوق. قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء.

وكان له قدح يسمى: الرَّيان، ويسمى مغنيًا، وقدح آخر مضبب بسلسلة من فضة.

وكان له قدح من قوارير، وقدح مِن عِيدان يوضع تحت سريره يبول فيه بالليل، ورَكوة تسمى: الصادر، قيل: وتَوْر من حجارة يتوضأ منه، ومِخْضب من شبَهٍ، وقعب يسمى: السعة، ومغتسل من صُفْر، ومُدهُن، ورَبْعة يجعل فيه المراة والمشط. قيل: وكان المُشط من عاج، وهو الذَّبْلُ، ومكحلة يكتحِل منها عند النوم ثلاثًا في كل عين بالإِثمد، وكان في الربعة المقراضان والسواك.

وكانت له قصعة تُسمى: الغراء، لها أربع حلق، يحملها أربعة رجال بينهم، وصاع، ومد، وقطيفة، وسرير قوائمه من ساج، أهداه له أسعد بن زرارة، وفراش من أدَمٍ حشوه ليف.

وهذه الجملة قد رويت متفرقة في أحاديث.

وقد روى الطبراني في معجمه حديثًا جامعًا في الآنية من حديث ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ سيفٌ قائمته من فضة، وقبيعتُه من فضة، وكان يسمى: ذا الفِقار، وكانت له قوس تسمى: السداد، وكانت له كِنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى: ذات الفُضول، وكانت له حربه تسمى: النبعاء، وكان له مِحجن يسمى: الدقن، وكان له ترس أبيض يسمى: الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى: السَّكْب، وكان له سرج يسمى: الداج، وكانت له بغلة شهباء تسمى: دُلدُل، وكانت له ناقة تسمى: القصواء، وكان حمار يسمى: يعفور، وكان له بساط يسمى. الكن، وكانت له عنزة تسمى: القمرة، وكانت له رَكوة تسمى: الصادرة، وكان له مقراض اسمه: الجامع، ومرآة وقضيب شوحط يسمى: الموت.

فصل في دوابه صلى الله عليه وسلم[عدل]

فمن الخيل: السَّكْب. قيل: وهو أول فرس ملكه، وكان اسمه عند الأعرابي الذي اشتراه منه بعشر أواقٍ: الضرس، وكان أغرَّ محجَّلًا، طلَقَ اليمين كُميتًا. وقيل: كان أدهم.

والمُرْتَجز، وكان أشهب، وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت.

وَاللُّحَيْفُ، وَاللِّزَازُ، وَالظَّرِب، وَسَبْحَة، وَالوَرْدُ. فهذه سبعة متفق عليها جمعها الإِمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال:

والخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْفٌ سَبْحَة ظَرِبٌ ** لِزَازُ مُرْتَجَزٌ وَرْدٌ لهَا أسْرَارُ

أخبرني بذلك عنه ولده الإِمام عز الدين عبد العزيز أبو عمرو، أعزه الله بطاعته.

وقيل: كانت له أفراس أخر خمسة عشر، ولكن مختلف فيها، وكان دفتا سرجه من ليف.

وكان له من البغال دُلْدُل، وكانت شهباء، أهداها له المقوقِس. وبغلة أخرى. يقال لها: "فضة". أهداها له فروة الجذامي، وبغلة شهباء أهداها له صاحبُ أيلة، وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل، وقد قيل: إن النجاشي أهدى له بغلة فكان يركبها.

ومن الحمير غفير، وكان أشهب، أهداه له المقوقِس ملك القبط، وحمار آخر أهداه له فروة الجذامي. وذكر أن سعد بن عبادة أعطى النبي ﷺ حمارًا فركبه.

ومن الإِبل القصواء، قيل: وهي التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سُمِّيتا بذلك، وقيل: كان بأذنها عضب، فسميت به، وهل العضباء والجدعاء واحدة، أو اثنتان؟ فيه خلاف، والعضباء هي التي كانت لا تُسبق، ثم جاء أعرابي على قَعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَلا يَرْفَعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إلَّا وَضعَهُ" وغنِم ﷺ يوم بدر جملًا مَهْرِيًّا لأبي جهل في أنفه بُرَةّ مِنْ فضة، فأهداه يوم الحديبية ليغيظ به المشركين.

وكانت له خمسٌ وأربعون لِقحَة، وكانت له مَهْرِيَّةٌ أرسل بها إليه سعد بن عبادة من نَعَم بني عقيل.

وكانت له مائة شاة وكان لا يُريد أن تزيد، كلما ولَّد له الراعي بهمة، ذبح مكانها شاة، وكانت له سبعُ أعنز منَائحَ ترعاهن أمُّ أيمن.

فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم[عدل]

كانت له عمامة تُسمى: السحاب، كساها عليًا، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة. وكان يلبَس القلنسُوة بغير عمامة، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة. وكان إذا اعتم، أرخى عِمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث قال: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ على المنبرِ وَعَلَيهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ قَدْ أرخَى طَرفَيهَا بينَ كَتِفَيْهِ". وفي مسلم أيضًا، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ "دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ عمَامَةٌ سَودَاء". ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبةُ القتال والمِغفَرُ على رأسه، فلبسَ في كل مَوطِنٍ ما يُناسبه.

وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية - قدَّس الله روحه في الجنَّة - يذكر في سبب الذُّؤابة شيئًا بديعًا، وهو أن النبي ﷺ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة، لما رأى ربَّ العزَّة تبارك وتعالى، فقال: "يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعلَى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي، فَوضع يَدَهُ بَيْن كَتِفَيَّ فَعَلِمْت مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض الحديث"، وهو في الترمذي، وسئل عنه البخاري، فقال صحيح. قال: فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه، وهذا مِن العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهال وقلوبُهم، ولم أرَ هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره.

ولبس القميص وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كُمُّه إلى الرُّسُغ، ولبس الجُبَّةَ والفَروج وهو شبه القَباء، والفرجية، ولبس القَباء أيضًا، ولبس في السفر جُبة ضَيِّقَةَ الكُمَّين، ولبس الإِزار والرداء. قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طولَ ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر.

ولبس حُلة حمراء، والحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلة إلا اسمًا للثوبين معًا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتًا لا يُخالطها غيره، وإنما الحلةُ الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي، ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ نهى عن المياثر الحمر وفي " سنن أبي داود" عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ رأى عليه رَيْطَةً مُضَرَّجَة بالعُصْفُرِ، فَقَالَ: "مَا هذِهِ الرَّيْطَةُ الَّتي عَليْكَ؟" فعَرَفت مَا كَرِه فَأَتَيْتُ أهْلي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورًا لَهم، فقذفتها فيه، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللهِ مَا فَعَلتِ الرَّيْطَةُ؟" فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "هَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِهَا لِلنِّسَاءِ". وفي صحيح مسلم عنه أيضًا، قال: رأى النبي ﷺ ثوبين معصفرين. فقال: "إنَّ هذِهِ مِنْ لِبَاسِ الكُفَارِ فَلا تلبَسْهَا" وفي صحيحه أيضًا عَنْ علي رضي الله عنه قال: " نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ لِبَاسِ المُعَصْفَرِ ". ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغًا أحمر. وفي بعض السنن أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها خطوطٌ حمراء، فقال: " آلا أَرى هذِهِ الحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ، فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا، فَأَخَذْنَا الأَكْسِتً فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا ". رواه أبو داود.

وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر. وأما كراهته، فشديدة جدًا، فكيف يُظن بالنبي ﷺ أنه لبس الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه اللهُ منه، وإنما وقعت الشبهةُ مِن لفظ الحلة الحمراء، والله أعلم.

ولبس الخميصة المُعْلَمَةَ والساذَجَة، ولبس ثوبًا أسود، ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس.

وروى الإِمام أحمد، وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك "أن ملك الروم أهدى للنبي ﷺ مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ، فلبسها، فَكأَنِّي أنظرُ إلى يَدَيْه تَذَبْذَبانِ". قال الأصمعي: المساتق فراء طوال الأكمام. قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس، لأن نفس الفروة لا تكون سندسا.

فصل

واشترى سراويل والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبَسها، وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. ولبس الخفين، ولبس النعل الذي يسمى التَّاسُومة. ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند.

ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة، ولبس الدرع التي تسمى: الزردية، وظاهر يومَ أُحد بين الدرعين.

وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هذه جبة رسول الله ﷺ، فأخرجت جبةَ طيالِسة كَسِروانية لها لبنةُ دِيباج. وفرجاها مكفوفان بالديباج، فقالت: هذِهِ كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلما قبضت قبضتُها، وكان النبي ﷺ يلبَسُها، فنحنُ نَغْسلهَا للمرضى تسْتَشفى بها.

وكان له بردان أخضران، وكِساء أسود، وكساء أحمر ملبد، وكساء من شعر.

وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول، قصيرَ الكُمَّين، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء.

وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ والحِبَرَةُ، وهي ضرب من البرود فيه حمرة.

وكان أحبَّ الألوان إليه البياضُ، وقال: "هي مِنْ خَيْرِ ثِيَابكُمْ، فَالبسوها، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكمْ " وفي الصحيح عن عائشة أنها أخرجت كِساءً ملبَّدا وإزارا غليظًا فقالت: قُبِضَ روح رَسولِ اللهِ ﷺ في هذين.

ولبس خاتمًا من ذهب، ثم رمى به، ونهى عن التختم بالذهب، ثم اتخذ خاتمًا من فضة، ولم ينه عنه. وأما حديث أبي دَاود أن النبي ﷺ نهى عن أشياء، وذكر منها: ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان، فلا أدري ما حال الحديث، ولا وجهه، والله أعلم.

وكان يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه. وذكر الترمذي أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، وصححه، وأنكره أبو داود.

وأما الطيلسان، فلم ينقل عنه أنه لبسه، ولا أحدٌ من أصحابه، بل قد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه ذكر الدَّجَّال فقال: "يخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبِهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيالِسَةُ ". ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة، فقال: ما أشبَههُم بيهود خيبر. ومن ها هنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود، والحاكم في المستدرك عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". وفي الترمذي عنه ﷺ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ غَيْرِنَا " وأما ما جاء في حديث الهجرة أن النبي ﷺ جاء إلى أبي بكر مُتَقَنِّعًا بالهَاجِرَة، فَإنما فعله النبيُّ ﷺ تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعلهُ للحاجة، ولم تكن عادتُه التقنعَ، وقد ذكر أنس عنه ﷺ أنه كان يُكثر القِنَاعَ، وهذا إنما كان يفعله- والله أعلم- للحاجة من الحر ونحوه، وأيضًا ليس التقنع من التطيلس.

فصل

وكان غالبُ ما يلبس هو وأصحابُه ما نُسِجَ مِن القطن، وربما لبسوا ما نُسِجَ من الصوف والكتَّان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: دخل الصَّلْتُ بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جُبة صوف، وإزارُ صوف، وعِمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد، وقال: أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي ﷺ قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسُنَّةُ نبينا أحقُّ أن تُتَّبَعَ. ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضلُ من غيره، فيتحرَّونه ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرَون زِيًا واحدًا من الملابس، ويتحرَّون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا، وليس المنكرُ إلا التقيد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها.

والصواب أن أفضل الطرق طريقُ رسول الله ﷺ التي سنها، وأمر بِها، ورغَّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديَه في اللباس: أن يلبس ما تيسر مِنَ اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة.

ولبس البرود اليمانية، والبردَ الأخضر، ولَبسَ الجبة، والقَباء، والقميص، وا لسراويل، والإِزار، والرداء، والخف، والنعل، وأرخى الذؤابة من خَلْفِه تارة، وتركها تارة. وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك.

وكان إذا استجدَّ ثوبًا، سماه باسمه، وقال: "اللهمَّ أَنتَ كَسَوتَنِي هذا القَمِيصَ أَو الرِّدَاءِ أَوِ العِمَامَةَ، أَسْألُكَ خَيرَهُ وَخَيرَ مَا صنعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صنعَ لَهُ ".

وكان إذا لبس قميصه، بدأ بميامِنه. ولبس الشعر الأسود، كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّل مِنْ شَعَر أَسْوَدَ.

وفي الصحيحين عن قتادة قلنا لأنس: أيُّ اللباسِ كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ؟ قال: "الحِبَرَة". والحبرة: برد من برود اليمن فإن غالب لباسهم كان مِن نسج اليمن، لأنها قريبة منهم، وربما لبسوا ما يُجلب مِن الشَّام ومصر، كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبطُ. وفي "صحيح النسائي" عن عائشة أنها جعلت للنبي ﷺ بُردة من صوف، فلبسها، فلما عَرِق، فوجد رِيحَ الصوف، طرحها، وكان يُحبُ الرّيحَ الطَّيِّب. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عباس قال: لَقَدْ رأيتُ عَلَى رسول الله ﷺ أحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ. وفي سنن النسائي عن أبي رِمْثَةَ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَخطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخضَرَانِ. والْبُرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر، وهو كالحلة الحمراء سواء، فمن فهم مِن الحُلة الحمراء الأحمر البحت، فينبغي أن يقول: إِنَّ البرد الأخضر كان أخضرَ بحتًا، وهذا لا يقولُه أحد.

وكانت مِخَدَّتُه ﷺ من أَدَمٍ حَشوُهَا لِيف، فالذين يمتنعون عما أباح اللهُ مِن الملابس والمطاعم والمناكح تزهُّدًا وتعبُّدًا، بإزائهم طائفةٌ قابلوهم، فلا يلبَسُون إلا أشرفَ الثياب، ولا يأكلون إلا ألينَ الطعام، فلا يرون لَبِسَ الخَشنِ ولا أكله تكبُّرًا وتجبُّرًا، وكلا الطائفتين هديُه مخالِفٌ لهدي النبي ﷺ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي، والمنخفضِ.

وفي السنن عن ابن عمر يرفعه إلى ﷺ: " مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ، أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ، ثُمَّ تَلَهَّبُ فيه النَّارُ " وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيضِ ذلك، فأَذَلَّه، كما عاقب من أطال ثيابه خُيلاء بأَن خسف به الأرض، فهو يتجلجلُ فيها إلى يوم القيامة. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وفي السنن عنه أيضًا ﷺ قال: "الإِسْبَالُ في الإِزَار، وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ، مَنْ جَرَ شَيْئًا مِنْهَا خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ " وفي السنن عن ابن عمر أيضًا قال: مَا قَال رسول الله ﷺ في الإِزَارِ، فَهُوَ فِي القَمِيصِ، وكذلك لُبس الدنيء من الثياب يُذَمُّ في موضع، ويُحمد في موضع، فيُذم إذا كان شُهرةً وخُيلاء ويمدح إذا كان تواضعًا واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب يُذم إذا كان تكبُّرًا وفخرًا وخيلاء، ويُمدح إذا كان تجملًا وإظهارًا لنعمة الله، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله ﷺ: " لا يَدْخُلُ الجَنَةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كبْرِ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُحِبُّ أَن يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا، وَنَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: "لا، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَاسِ ".

فصل

وكذلك كان هديُه ﷺ، وسيرتُه في الطعام، لا يردُّ موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، فما قُرِّبَ إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه، فيتركَه من غير تحريم، وما عاب طعامًا قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضَّبِّ لمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ ولم يحرمه على الأمة، بل أُكِلَ على مائدته وهو ينظر.

وأكل الحلوى والعسل، وكان يُحبهما، وأكل لحم الجزور، والضأن، والدجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حِمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرُّطبَ والتمرَ، وشرب اللبنَ خالصًا ومشوبًا، والسويق، والعسل بالماء، وشرب نقيع التمر، وأكل الخَزِيرَة، وهي حَسَاء يتخذ من اللبن والدقيق، وأكل القِثَّاء بالرُّطَبِ، وأكل الأَقِطَ، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد، وهو الخبز باللحم، وأكل الخبز بالإِهالة، وهي الودك، وهو الشحم المذاب، وأكل من الكَبِدِ المَشوِيَّةِ، وأكل القَدِيد، وأكلَ الدُّبَّاء المطبوخةَ، وكان يُحبُّها وأكلَ المسلُوقةَ، وأكلَ الثريدَ بالسَّمْن، وأكلَ الجُبنَ، وأكلَ الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرُّطَبِ، وأكل التمر بِالزُّبْدِ، وكان يُحبه، ولم يكن يردُّ طَيِّبًا، ولا يتكلفه.

بل كان هديه أكلَ ما تيسر، فإن أعوزه، صَبَرَ حتى إنه ليربِطُ على بطنه الحجر من الجوع، ويُرى الهلالُ والهلالُ والهلالُ، ولا يُوقد في بيته نارٌ. وكان معظمُ مطعمه يوضع على الأرض في السُّفرة، وهي كانت مائدَته، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعَقُها إذا فرغ، وهو أشرفُ ما يكون من الأكلة، فإن المتكبِّرَ يأكل بأصبع واحدة، والجَشِعُ الحريصُ يأكل بالخمس، ويدفع بالراحة.

وكان لا يأكل مُتكِئًا، والاتكاء على ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على الجنب، والثاني: التربُّع، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه، وأكله بالأخرى، والثلاث مذمومة.

وكان يسمى الله تعالى على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: "الْحَمْدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مُوَدَّع وَلا مُسْتَغْنَيَ عَنْه رَبُّنَا". وربما قال: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلا يُطعَمُ، مَنَّ عَلَينَا فَهَدَانَا، وَأَطعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكلَّ بَلاءٍ حَسَنٍ أَبْلانا، الحَمد للهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطًعَام، وَسَقَى مِنَ الشَّرابِ، وَكَسَا مِنَ الْعُريَ، وَهَدَى، منَ الضَّلالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ العَمَى، وَفضَّلَ عَلَى كَثِير مِمَّن خَلَقَ تَفْضِيلًا، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ".

وربما قال: " الْحَمد للَّهِ الَّذِي أَطعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ".

وكان إذا فرغ مِن طعامه لَعِقَ أصابعه، ولم يكن لهم مناديلُ يمسحون بها أيديهم، ولم يكن عادتهم غسلَ أيديهم كلما أكلوا.

وكان أكثرُ شربه قاعدًا، بل زجر عن الشرب قائمًا "وشرب مرَّة قائمًا". فقيل: هذا نسخ لنهيه، وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والذي يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائمًا لعذر، وسياق القصة يدل عليه، فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدَّلو، وشرب قائمًا.

والصحيح في هذه المسألة: النهي عن الشرب قائمًا، وجوازه لعذر يمنع من القعود، وبهذا تجمع أحاديث الباب، والله أعلم. وكان إذا شرب، ناول مَنْ على يمينه، وإن كان مَنْ على يساره أكبرَ منه.

فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله[عدل]

صح عنه ﷺ من حديث أنس رضي الله عنه، أنه ﷺ قال: "حُبِّبَ إليَّ، مِن دُنْيَاكُم: النِّسَاءُ، والطِّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ" هذا لفظُ الحديث، ومن رواه "حبب إليَّ من دنياكم ثلاث"، فقد وهم، ولم يقل ﷺ: "ثلاث" والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تُضاف إليها. وكان النساء والطيب أحبَّ شيء إليه، وكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يُبحه لأحد من أمته.

وكان يقسم بينهن في المبيت والإِيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول: " اللهُمَ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا لا أَمْلِكُ" فقيل: هو الحب والجماع، ولا تجب التسوية في ذلك، لأنه مما لا يُملك.

وهل كان القَسْمُ واجبًا عليه، أو كان له معاشرتهن من غير قسم؟ على قولين للفقهاء.

فهو أكثر الأمة نساءً، قال ابن عباس: تزوجوا، فَإنّ خيرَ هذه الاُمةِ أكثرها نساء.

وطلق ﷺ، وراجع، والى إيلاءً مؤقتًا بشهر، ولم يظاهر أبدًا، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأً عظيمًا، وإنما ذكرته هنا تنبيهًا على قبح خطئه ونسبته إلى ما برَّأه الله منه.

وكانت سيرته مع أزواجه حسنَ المعاشرة، وحسنَ الخلق.

وكان يُسَرِّبُ إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هويت شيئًا لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإِناء أخذه، فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عَرقًا - وهو العَظْمُ الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حَجْرِها، ويقرأ القرآن ورأسه في حَجرِها، وربما كانت حائضًا، وكان يأمرها وهي حائض فَتَتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خُلُقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة.

وكان إذا أراد سفرًا، أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها، خرج بها معه، ولم يقضِ للبواقي شيئًا، وإلى هذا ذهب الجمهور.

وكان يقول: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لأهلي".

وربما مد يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن.

وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فدنا منهن واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل، انقلب إلى بيت صاحبة النَّوبة، فخصها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَهُنَّ في القَسمِ، وقلَّ يومٌ إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغَ التي هو في نوبتها، فيبيت عندها.

وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة، ووقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية بنت حيَيٍّ، وهو غلط مِن عطاء رحمه الله، وإنما هي سودة، فإنها لما كَبِرَت وهبت نوبتها لعائشة.

وكان ﷺ يقسِم لعائشة يومها ويومَ سودة، وسبب هذا الوهم -والله أعلم- أنه كان قد وَجَدَ على صفيَّة في شيء، فقالت لعائشة: هل لَكِ أن تُرضي رسول الله ﷺ، وأَهبَ لَكِ يومي؟ قالت: نعم، فقعدت عائشةُ إلى جنب النبي ﷺ في يوم صفية، فقال: "إلَيْكِ عَنِّي يَا عَائِشَةُ، فَإنَّه لَيسَ يَومَكِ" فقالَت: ذَلِكَ فَضل اللهِ يُؤتيه من يَشاء وأخبرته بالخبرِ، فرضيَ عنها. وإنما كانت وهبتها ذلك اليومَ وتلك النَّوبَة الخاصة، ويتعين ذلك، وإلا كان يكون القسم لسبع منهن، وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه أن القسم كان لثمانٍ، والله أعلم. ولو اتفقت مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين، فوهبت إحداهن يومها للأخرى، فهل للزوج أن يُوالِيَ بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها، أو يجب عليه أن يجعل ليلَتها هي الليلة التي كانت تستحقها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.

وكان ﷺ يأتي أهلَه آخرَ الليل، وأوله، فَكَانَ إذا جامع أول الليل، ربما اغتسل ونام، وربما توضأ ونام. وذكر أبو إسحاق السَّبيعي عن الأسود عن عائشة أنه كان ربما نام، ولم يمس ماء وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب "تهذيب سنن أبي داود" وإيضاح علله ومشكلاته.

وكان يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كل واحدة، فعل هذا وهذا.

وكان إذا سافر وَقَدِمَ، لم يطرُقْ أهله ليلًا، وكان ينهى عن ذلك.

فصل في هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه[عدل]

كان ينامُ على الفراش تارة، وعلى النِّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رِمَالهِ، وتارة على كِساء أسود. قال عبَّاد بن تميم عن عمه: رأيتُ رسول الله ﷺ مُستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رِجليه على الأخرى.

وكان فراشه أَدَمًا حشوُه لِيف. وكان له مِسْحٌ ينام عليه يثنى بثَنيتين، وثُني له يومًا أربع ثنيات، فنهاهم عن ذلك وقال: " رُدُّوه إلَى حَالِهِ الأَوَلِ، فَإنَّه مَنَعَنِي صَلاتِي اللَّيْلَة ". والمقصود أنه نام على الفراش، وتغطى باللحاف، وقال لنسائه: "مَا أَتَانِي جِبْريلُ وَأَنَا في لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَ عَائِشَة".

وكانت وسادتُه أَدَمًا حشوها ليف. وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: "بِاسمِك اللهُمَّ أَحْيَا وَأَموتُ".

وكان يجمع كفَّيْهِ ثم ينفُث فيهما، وكان يقرأ فيهما: { قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ } و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسه، ووجهه، وما أقبلَ مِنْ جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وكان ينام على شِقه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ثم يقول: " اللهُمَّ قِني عَذَابَكَ يَوْمَ تَبعَثُ عِبَادَكَ ". وكان يقول إذا أوى إلى فراشه: "الحمدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ له وَلا مُؤْويَ" ذكره مسلم. وذكر أيضًا أنه كان يقول إذا أوى الى فراشه: " اللهم رب السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَرَب العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كلِّ شَيءٍ، فَالِقَ الحَبَ وَالنَّوى، منزلَ التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ، وَالفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنتَ آخِذ بِنَاصِيتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وَأَنتَ الآخِرُ، فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ، فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ، اقضِ عَنَّا الدَّينَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفقْرِ".

وكان إذا استيقظ من منامه في الليل قال: "لا إلَه إِلَّا أَنْتَ سبحَانَكَ، اللهمَ إنِّي أستغْفِركَ لِذَنبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحمَتَكَ، اللهُمَّ زِدْني عِلمًا، وَلا تُزِغ قَلبي بَعْدَ إِذ هَدَيتَني، وَهَبْ لي مِن لَدنكَ رَحْمَةَ، إِنَّكَ أَنتَ الْوَهاب ".

وكان إذا انتبه من نومه قال: "الْحَمْدُ لله الَّذِيَ أَحيَانَا بَعدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النّشُور ". ثم يتسوَّك، وربما قرأَ العشر الآيات من آخر (آل عمران ) من قوله: { إنَ في خَلْقِ السَّموَاتِ والأَرْضِ } إِلى آخرها [63] وقال: "اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاواتِ والأَرْض وَمَنْ فِيهنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَمُ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْد، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبيّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لَكَ أَسلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهي، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ".

وكان ينام أول الليل، ويقوم آخره، وربما سهر أول الليل في مصالح المسلمين، وكان تنامُ عيناه، ولا ينامُ قلبُه. وكان إذا نام، لم يُوقظوه حتى يكونَ هو الذي يستقيظ. وكان إذا عرَّس بليل، اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرَّس قبيل الصبح، نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه، هكذا قال الترمذي. وقال أبو حاتم في صحيحه: كان إذا عرَّس بالليل، توسد يمينه، وإذا عرَس قبيل الصبح، نصب ساعده، وأظن هذا وهمًا، والصواب حديث الترمذي.

وقال أبو حاتم: والتعريس إنما يكون قُبيل الصبح.

وكان نومه أعدلَ النوم، وهو أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون: هو ثلث الليل والنهار، ثمان ساعات.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب[عدل]

ركب الخيلَ والإِبل والبغال والحمير، وركب الفرس مُسْرَجَةً تارة، وَعَرِيَّا أخرى، وكان يُجريها في بعض الأحيان، وكان يركب وحده، وهو الأكثر، وربما أردف خلفه على البعير، وربما أردف خلفه، وأركب أمامه، وكانوا ثلاثة على بعير، وأردف الرجال، وأردف بعضَ نسائه، وكان أكثرَ مراكبه الخيل والإِبل. وأمّا البغال، فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعضُ الملوك، ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب، بل لما أهديت له البغلة قيل: ألا نُنزي الخيل على الحمر؟ فقال: "إِنَّمَا يَفْعَلُ ذِلِكَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ".

فصل

واتخذ رسول الله ﷺ الغنم. وكان له مائة شاة، وكان لا يُحب أن تزيد على مائة، فإذا زادت بهمة، ذبح مكانها أخرى، واتخذ الرقيق من الإِماء والعبيد، وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من الإِماء. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي أمامة وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امْرىءٍ أَعْتَقَ امرءًا مسلِما، كَانَ فِكَاكَه مِنَ النَّار، كلُّ عضوِ مِنهُ عضوًا مِنهُ، وَأَيّمَا امْرىءٍ مسلِم أَعتَقَ امْرَأَتين مسْلِمَتَين، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ كل عضوين مِنهُمَا عُضوًا منِهُ " وقال هذا حديث صحيح.

وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق العبد يَعْدِل عتق أمتين، فكان أكثر عتقائه ﷺ من العبيد، وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر، والثاني: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل. والرابع: الميراث والخامس: الدية.

فصل

وباع رسول الله ﷺ واشترى.

وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثَر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره، كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب المدبَّر غلام أبي مذكورة، وبيعه عبدًا أسود بعبدين.

وأمّا شراؤه، فكثير، وآجر، واستأجر، واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يُحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام.

وإن كان العقد مضاربة، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك، فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يُباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح. وقد أخرج الحاكم في مستدركه من حديث الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، عن جابر قال: آجرَ رسول الله ﷺ نفسه مِن خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جَرَشَ كل سَفرَةٍ بِقَلُوصٍ، وقال: صحيح الإِسناد.

قال في "النهاية": جُرَش، بضم الجيم وفتح الراء مِن مخاليف اليمن، وهو بفتحهما بلد بالشام.

قلت: إن صح الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام، ولا يَصِحُّ، فإن الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلَة، ضعفه أئمة الحديث. قال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك، وكأن الحاكم ظنه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله.

وشارك رسولُ اللهِ ﷺ، ولما قدم عليه شريكهُ قال: أما تَعرِفُني؟ قال: "أما كُنْتَ شَرِيكي؟ فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لا تدَارِي ولا تُمَارِي ".

وتدارئ بالهمزة من المدارأة، وهي مدافعة الحق، فإن ترك همزها صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن. ووكَّلَ وتَوَكَّل، وكان توكيلُه أكثرَ من توكّلِه.

وأهدى، وَقَبِلَ الهدية، وأثاب عليها، ووهب، واتّهَبَ، فقال لسلمة بن الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية: "هَبْهَا لِي" فوهَبَها له، فَفَادَى بها مِنْ أهْلِ مكّة أُسَارَى مِنَ المُسلمين.

واستدان برهن، وبِغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِّ والمؤجَّلِ.

وضمن ضمانًا خاصًا على ربِّه على أعمالٍ مَنْ عَمِلَها كان مضمونًا له بالجنَة، وضمانا عامًا لديون من تُوفيَّ مِن المسلمين، ولم يدع وفاءً أنها عليه وهو يُوفيها وقد قيل: إن هذا الحكمَ عام للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يُخلفوا وفاءً، فإنها عليه يُوفيها من بيت المال، وقالوا: كما يرثه إذا مات، ولم يَدَعْ وارثًا، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يَدَعْ وفاءً، وكذلك يُنْفِقُ عليه في حياته إذا لم يكن له مَنْ يُنْفِقُ عليه. ووقفَ رسولُ الله ﷺ أرضًا كانت له، جعلها صدقةً في سبيل الله، وتشفَّع، وَشُفِّع إليه، وردَت بريرةُ شفاعتَه في مراجعتها مُغيثًا، فلم يغضب عليها، ولا عَتِبَ، وهو الأسوة والقدوة، وحلف في أكثرَ من ثمانين موضعًا، وأمره اللهُ سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبّيَ إِنّهُ لَحَقّ } [64] قال تعالى: { وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلَيَ وَرَبّي لَتَأْتِيَنّكُمْ } [65] وقال تعالى: { زَعَمَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَيَ وَرَبّي لَتُبْعَثُنّ ثُمّ لَتُنَبّؤُنّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ } [66] وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكِر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يُسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجهت اليمينُ على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف، فقال له القاضي إسماعيل: أو تحلِفُ ومثلُك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحلِف وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلِف في ثلاثة مواضع من كتابه، قال: أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًا، ودعاه بالفقيه مِن ذلك اليوم. وكان ﷺ يَستثني في يمينه تارة، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً، والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تَحُلهَا بعد عقدها، ولهذا سماها الله تَحِلَّة.

وكان يُمازح، ويقول في مُزاحِه الحق، ويُوَرِّي، ولا يقول في توريته إلا بحق، مثل أن يُريد جهة يقصِدها فيسأل عن غيرها كيف طريقُها؟ وكيف مياهُها ومسلكها؟ أو نحو ذلك. وكان يُشير ويستشير. وكان يعود المريض ويشهدُ الجِنازة، ويُجيب الدَّعْوَة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديحَ الشعر، وأثاب عليه.

ولكن ما قيل فيه من المديح، فهو جزء يسير جدًا مِن محامده، وأَثاب على الحق. وأما مدحُ غيره من الناس، فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أَمَرَ أن يُحثَى في وجُوه المداحينَ التُّرابُ.

فصل

وسابق رسولُ اللهِ ﷺ بنفسه على الأقدام، وصارعَ، وخَصَفَ نعله بيده، ورقَعَ ثوبه بيده، ورقَعَ دلوه، وحلب شاته، وَفَلَى ثوبَه، وخدم أهله ونفسه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد، وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة، وشبع تارة، واضافَ وأضيفَ، وأحتجم في وَسَط رأسه، وعلى ظهر قدمه، واحتجم في الأخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين، وتداوى، وكويَ ولم يكتَوِ، ورقى ولم يَسْتَرْقِ، وحمى المريض ممَّا يؤذيه.

وأصول الطب ثلاثة: الحِمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة، قد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثةَ مواضع من كتابه، فحمى المريض مِن استعمال الماء خشيةَ من الضرر، فقال تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَيَ أَوْ عَلَيَ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا } [67] [68] فأباح التيمم للمريض حمية له، كما أباحه للعادم، وقال في حفظ الصحة: { فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضًا أَوْ عَلَيَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ } [69] فَأبَاحَ للمسافر الفطرَ في رمضان حفظًا لصحته، لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقةُ السفر، فَيضعَفُ القوة والصحة. وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم: { فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [70] فَأبَاح للمريض وَمَن به أذى من رأسه وهو مُحرِم أن يحلق رأسه، ويستفرِغ المواد الفاسدة، والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القَملَ، كما حصَل لكعب بنْ عُجْرَةَ، أو تُولد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئًا، وصورة، تنبيهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حِميتهم، وحِفظِ صِحَّتهم، واستفراغ مواد أذاهم، رخصةً لعباده، ولطفًا بهم، ورأفة بهم. وهو الرّؤوف الرحيم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته[عدل]

كان أحسنَ النَّاسِ مُعاملةً. وكان إذا استلف سلفًا قضى خيرًا منه. وكان إذا اسْتَسْلَفَ من رجل سَلَفًا، قضاه إياه، ودعا له، فقال: "بَارَكَ اللهُ لَكَ في أَهلِكَ وَمَالِكَ، إنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ والأداءُ".

واستسلف من رجل أربعين صاعًا، فاحتاج الأنصاريُّ، فأتاه، فقال ﷺ: "مَا جَاءَنَا مِنْ شَيءٍ بَعد" فقال الرجل: وأَرَادَ أن يتكلم، فقال رسول الله ﷺ: "لا تَقُلْ إلا خَيرًا، فَأَنَا خَيرُ مَن تَسَلَّفَ " فأعطاه أربعين فضلًا، وأربعين سُلفة، فأعطاه ثمانين. ذكره البزار. واقترض بعيرًا، فجاء صاحبه يتقاضاه، فأغلظ للنبي ﷺ، فهمَ به أصحابُه، فقال: "دَعُوهُ فَإنَّ لِصَاحِبِ الحَق مَقَالًا" واشترى مرة شيئًا وليس عنده ثمنُه فأُرْبِحَ فيه، فباعه، وتصدَّق بالربح على أرامل بني عبد المطلب، وقال: "لا أَشْتَرِي بَعْدَ هَذَا شيْئًا إلَّا وَعِنْدِي ثمنُه" ذكره أبو داود، وهذا لا يُناقض الشراء في الذمة إلى أجل، فهذا شيء، وهذا شيء. وتقاضاه غريم له دينًا، فأغلظ عليه، فهمَّ به عمرُ بن الخطاب فقال: "مَهْ يَا عُمَرُ كُنْتُ أَحْوَجَ إَلى أَنْ تَأْمرني بِالْوَفَاءِ. وَكَانَ أَحْوَج إلَى أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّبْرِ"، وباعه يهودي بيعًا إلى أجل، فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنَه، فقال: لم يَحِلَّ الأجلُ، فقال اليهوديُّ: إنكم لَمطْل يَا بنَي عبدِ المطلب، فهمَّ به أصحابُه، فنهاهم، فلم يَزِدْه ذلك إلا حِلمًا، فقال اليهودي: كُلُّ شيء منه قد عرفته من علامات النبوة، وبقيت واحدةٌ، وهي أنه لا تزيدُه شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فأردتُ أن أعْرِفَها، فأسلم اليهودي.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه[عدل]

كان إذا مشى، تكفَّأ تكفُّؤًا، وكان أسرَعَ الناس مِشيةً، وأحسنَها وأسكنها قال أبو هريرة: ما رأيتُ شيئًا أحسنَ من رسول الله ﷺ، كأن الشمسَ تجري في وجهه، وما رأيتُ أحدًا أسرع في مِشيته من رسول الله ﷺ، كأنما الأرضُ تُطوى له، وإنا لَنجْهَدُ أنفسَنا وإنه لغيرُ مُكْتَرِث. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان رسولُ الله ﷺ إذا مشى تكفَّأ تكفؤًا كأنما ينحطُّ مِنْ صَبَبٍ، وقال مرة: إذا مشى، تقلّع قلتُ: والتقلُع: الارتفاعُ من الأرض بجملته، كحال المنحط من الصبب، وهي مِشية أولي العزم والهِمة والشجاعة، وهي أعدلُ المِشيات وأرواحُها للأعضاء، وأبعدُها من مِشية الهَوَجِ والمهانة والتماوت، فإن الماشيَ، إمَّا أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة محمولة، وهي مِشية مذمومة قبيحة، وإمّا أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مِشيةٌ مذمومة أيضًا، وهي دالة على خِفَّة عقل صاحبها، ولا سيما إن كان يُكثرُ الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا، وإمّا أن يمشي هَوْنًا، وهي مِشية عبادِ الرحمن، كما وصفهم بها في كتابه، فقال: { وَعِبَادُ الرّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيَ الأرْضِ هَوْنًا } [71] قال غيرُ واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبُّر ولا تماوت، وهي مِشية رسول الله ﷺ، فإنه مع هذه المِشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرضُ تُطوى له، حتى كان الماشي معه يُجْهِدُ نفسَه ورسولُ الله ﷺ غيرُ مُكْتَرِثٍ، وهذا يدل على أمرين: أن مِشيته لم تكن مِشية بتماوت ولا بمهانة، بل مشية أعدل المشيات. والمشيات عشرة أنواع، هذه الثلاثة منها، والرابع: السعي. والخامس: الرَّمَلَ، وهو أسرعُ المشي مع تقارب الخُطَا، ويسمى: الخَبب، وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ خَبَّ في طَوافِهِ ثلاثًا، ومشى أربعًا. السادس: النَّسَلان، وهو العَدْو الخفيف الذي لا يُزعج الماشي، ولا يَكْرِثُهُ. وفي بعض المسانيد أن المشاة شَكَوْا إلى رسول الله ﷺ من المشي في حجة الوداع، فقال: "اسْتَعِينُوا بالنَّسَلانِ".

والسابع: الخَوْزَلى، وهي مِشية التمايل، وهي مِشية، يقال: إن فيها تكسرا وتخنثًا.

والثامن: القهقرى، وهي المشية إلى وراء.

والتاسع: الجَمَزَى، وهي مِشية يَثِبُ فيها الماشي وثبًا.

والعاشر: مِشية التبختر، وهي مِشية أُولي العجب والتكبُّر، وهي التي خَسَفَ اللهُ سبحانه بصاحبها لما نظر في عِطْفَيْهِ وأعجبته نفسُه، فهو يتجلجلُ في الأرض إلى يوم القيامة.

وأعدلُ هذه المِشيات مِشية الهَوْنِ والتكفُّؤ.

وأما مشيه مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: "دعوا ظهري للملائكة" ولهذا جاء في الحديث: وكان يسوق أصحابه. وكان يمشي حافيا ومتنعلا، وكان يماشي أصحابه فرادى وجماعة، مشى في بعض غزواته مرة فدميت أصبعه، وسال منها الدم، فقال:

هل أنت أصبع دميت.

وفي سبيل الله ما لقيت.

وكان في السفر ساقة أصحابه: يزجي الضعيف، ويردفه، ويدعو لهم، ذكره أبو داود.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه[عدل]

كان يجلِس على الأرض، وعلى الحصير، والبِساط، وقالت قَيْلَةُ بنت مَخْرَمَة: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو قاعد القُرفصاء، قالت: فلما رأيتُ رسول الله ﷺ كالمتخشِّع في الجلِسة، أُرعِدتُ من الفَرَق. ولما قدم عليه عديُّ بنُ حاتِم، دعاُه إلى منزله، فألقت إليه الجاريةُ وِسادة يجلِس عليها، فجعلها بينه وبين عدي، وجلس على الأرض. قال عدي: فعرفتُ أنه ليس بمَلِك. وكان يستلقي أحيانًا، ورب وضع إحدى رجليه على الأخرى، وكان يتكىء على الوِسادة، وربما اتكأ على يساره، وربما اتكأ على يمينه. وكان إذا احتاج في خروجه، توكأ على بعض أصحابه من الضعف.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة[عدل]

كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ"، "الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".

وكان إذا خرج يقول: "غُفْرَانَكَ".

وكان يستنجي بالماء تارة، ويستجمِر بالأحجار تارة، ويجمع بينهما تارة.

وكان إذا ذهب في سفره للحاجة، انطلق حتى يتوارَى عن أصحابه، وربما كان يبعُد نحو الميلين.

وكان يستتِر للحاجة بالهدف تارة، وَبِحَائِشِ النَّخل تارة، وبشجر الوادي تارة.

وكان إذا أراد أن يبول في عزَازٍ من الأرض - وهو الموضع الصلب - أخذ عودًا من الأرض، فنكت به حتى يُثَرَّى، ثم يبول.

وكان يرتاد لبوله الموضع الدَّمِثَ - وهو اللين الرخو من الأرض - وأكثر ما كان يبول وهو قاعد، حتى قالت عائشة: "مَنْ حدَّثَكم أنه كان يُبول قائمًا، فلا تُصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدا" وقد روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة أَنّهُ بَالَ قَائِمًا. فقيل: هذا بيان للجواز.

وقيل: إنما فعله مِن وجع كان بِمَأْبِضَيْهِ. وقيل: فعله استشفاءً. قال الشافعي رحمه الله: والعرب تستشفي منِ وجع الصلب بالبول قائمًا، والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزهًا وبُعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سُباطة قوم وهو ملقى الكُناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة، فلو بال فيها الرجل قاعدًا، لارتد عليه بولُه، وهو ﷺ استتر بها، وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بدٌ من بوله قائمًا، والله أعلم.

وقد ذكر الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أبول قائمًا، فقال: "يا عمر لا تَبُلْ قائمًا"، قال، فما بلت قائمًا بعدُ. قال الترمذي: وإنما رفعه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث.

وفي مسند البزار وغيره، من حديث عبد الله بن بُريدة عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلاثٌ مِنَ الجَفَاءِ: أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا، أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ، أَوْ يَنْفُخَ في سُجُودِهِ". ورواه الترمذي وقال: هو غير محفوظ، وقال البزار: لا نعلم من رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله، ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتِم: هو بصري ثقة مشهور.

وكان يخرج من الخلاء، فيقرأ القرآن، وكان يستنجي، ويستجمِر بشماله، ولم يكن يصنع شيئًا مما يصنعه المبتلون بالوسواس من نَتْر الذَّكَرِ، والنحنحة، والقفز، ومسك الحبل، وطلوع الدرج، وحشو القطن في الإِحليل، وصب الماء فيه، وتفقده الفينة بعد الفينة، ونحوِ ذلك مِن بِدَعِ أهلِ الوسواس. وقد روي عنه ﷺ أنه كان إذا بَالعَ، نَتَرَ ذَكَره ثلاثًا. وروي أنه أمر به، ولكن لا يصح من فعله ولا أمره. قاله أبو جعفر العُقيلي.

وكان إذا سلم عليه أحد وهو يبُول، لم يردَّ عليه، ذكره مسلم في صحيحه عن ابن عمر.

وروى البزار في مسنده في هذه القصة أنه ردَ عليه، ثم قال "إنَّما رَدَدْتُ عَلَيْكَ خَشْيَةَ أَنْ تَقُولَ: سلَّمتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ سَلامًا، فَإذَا رَأَيْتَنِي هكذا، فَلا تُسَلِّمْ عَلَيَّ، فَإنِّي لا أَرُدُّ عَلَيْكَ السَّلامَ". وقد قيل: لعل هذا كان مرتين، وقيل: حديث مسلم أصح، لأنه من حديث الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، وحديث البزار من رواية أبي بكر رجل من أولاد عبد الله بن عمر، عن نافع، عنه. قيل: وأبو بكر هذا: هو أبو بكر بنُ عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره، والضحاك أوثق منه.

وكان إذا استنجى بالماء، ضرب يده بعد ذلِكَ على الأرض، وكان إذا جلس لحاجته، لم يرفع ثوبَه حتَّى يدنو مِن الأرض.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها[عدل]

قد سبق الخلاف هل وُلد ﷺ مختونًا، أو خَتنته الملائكة يومَ شُقَّ صدرهُ لأول مرة، أو ختنه جدُه عبد المطلب؟

وكان يُعجبه التيمن في تنعُّلِه وترجُّلِه وطهوره وأخذِه وعطائه، وكانت يمينُه لِطعامه وشرابه وطهوره، ويَسارُه لِخَلائه ونحوه من إزالة الأذى. وكان هديُه في حلق الرأس تركَه كلَّه، أو أخذَه كلَّه، ولم يكن يحلِق بعضه، ويدعُ بعضه، ولم يُحفظ عنه حلقُه إلا في نُسك. وكان يُحب السِّواكَ، وكان يستاك مفطرًا وصائمًا، ويستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وكان يستاك بِعُود الأرائك. وكان يُكثر التطيبَ، ويحب الطِّيب، وذُكِرَ عنه أنه كان يَطَّلِي بالنُّوَرة. وكان أولًا يَسْدُلُ شعره، ثم فرقه، والفرق أن يجعل شعره فِرقتين، كل فرقة ذؤابة، والسدل أن يسدُلَه من ورائه ولا يجعله فِرقتين. ولم يدخل حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام حديث.

وكان له مُكحُلة يكتحِل منها كلَّ ليلة ثلاثًا عند النوم في كل عين. واختلف الصحابة في خِضابه، فقال أنس لم يخضِبْ وقال أبو هريرة خضب، وقد روى حماد بن سلمة عن حُميد، عن أنس قال رأيتُ شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا، قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبًا، وقالت طائفة: كان رسولُ الله ﷺ مما يُكْثِرُ الطيبَ قد احمَرَّ شعره، فكان يُظن مخضوبًا. ولم يخضِب وقال أبو رِمْثة: أتيت رسول الله ﷺ مع ابن لي، فقال: "أهذا ابنُكَ؟" قُلتُ: نعم أشهد به، فقال: "لا تَجْني عَلَيْهِ، وَلا يَجْنِي عَلَيْكَ"، قال: ورأيت الشيب أحمر، قال الترمذي: هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسرهُ، لأن الروايات الصحيحة أن النبي ﷺ لم يبلغ الشيب. قال حماد بن سلمة عن سِماك بن حرب قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس النبي ﷺ شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شيبٌ إلا شعراتٍ في مَفْرِقِ رأسهِ إذا ادَّهن وأراهُنَّ الدُّهن: قال أنس: وكان رسولُ الله ﷺ يُكْثِرُ دُهنَ رأسه ولحيته، ويُكثر القِنَاعَ كأن ثوبه ثوبُ زيات وكان يُحبُّ الترجُلَ، وكان يرجِّل نفسه تارة، وترجِّله عائشة تارة. وكان شعره فوق الجُمَّة ودُون الوَفْرَةِ، وكانت جُمَّتُه تضرِب شحمةَ أذنيه، وإذا طال، جعله غَدَائِرَ أربعًا، قالت أمُّ هانئ: قدم علينا رسولُ الله ﷺ مكة قَدْمَةً، وله أربع غدائر، والغدائر: الضفائر، وهذا حديث صحيح وكان ﷺ لا يردُّ الطيب، وثبت عنه في حديثِ صحيح مسلم أنه قال: " مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلا يَرُدَّه، فَإنَّهُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، خَفِيفُ المَحْمِل"، هذا لفظ الحديث، وبعضهم يرويه: "مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلا يَرُدَّه" وليس بمعناه، فإن الريحان لا تكثُر المِنَّةُ بأخذه، وقد جرت العادةُ بالتسامح في بذله، بخلاف المسك والعنبر والغَالِية ونحوها، ولكن الذي ثبت عنه من حديث عَزْرة بن ثابت، عن ثُمامة، قال أنس: كان رسولُ الله ﷺ لا يَرُدُّ الطِّيبَ وأمّا حديثُ ابن عمر يرفعه " ثَلاثٌ لا تُرد: الوَسَائِدُ، والدُّهْنُ، واللَبَ نُ" فحديث معلول، رواه الترمذي وذكر علته، ولا أحفظ الآن ما قيل فيه، إلا أنه من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر. ومن مراسيل أبي عثمان النَّهدي قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ، فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ". وكان لرسول الله ﷺ سُكَّة يتطَّيبُ منها، وكان أحبَّ الطيب إليه المِسك، وكان يُعجبه الفاغية قيل: وهي نَوْر الحِنَّاءِ.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب[عدل]

قال أبو عمر بن عبد البر: روى الحسن بن صالح، عن سِماك، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يقصُّ شاربه، ويذكر أن إبراهيمَ كان يَقصّ شارِبَه، ووقفه طائفة على ابن عباس وروى الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا" وقال: حديث صحيح، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا المَجُوسَ " وفي الصحيحين عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ: " خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، ووفِّرُوا اللِّحى، وأَحفوا الشواربَ " وفي صحيح مسلم عن أنس قال: وَقَّتَ لَنَا النَّبيُ ﷺ في قص الشوارب وَتَقْلِيمِ الأَظْفَار، أَلَّا نَتْرُكَ أَكْثَر مِنْ أَرْبعِين يَوْمًا وَلَيْلةً.

واختلف السلفُ في قصِّ الشارب وحلقِه أيهما أفضل؟ فقال مالك في "موطئه": يُؤخذ من الشارب حتى تجدوَ أطرافُ الشفة وهو الإِطار، ولا يجزُّه فَيُمَثِّلَ بنفسه. وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: يُحفي الشارب، ويُعفي اللِّحى، وليس إحفاءُ الشارب حلقَه، وأرى أن يُؤدَّبَ من حلق شاربه، وقال ابن القاسم عنه: إحفاءُ الشارب وحلقه عندي مُثلَةٌ، قال مالك: وتفسير حديث النبي ﷺ في إحفاء الشارب، إنما هو الإِطار، وكان يكره أن يُؤخذ من أعلاه، وقال: أشهد في حلق الشارب أنه بدعة، وأرى أن يُوجَعَ ضربا مَنْ فعله، قال مالك: وكان عمر بن الخطاب إذا كَرَبَهُ أمر، نفخ، فجعل رجله بردائه وهو يفتل شاربه. وقال عمر بن عبد العزيز: السنة في الشارب الإِطار. وقال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابهُ الَّذينَ رأينا المزنيُّ والربيعُ كانا يُحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي رحمه الله، قال: وأمّا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبُهم في شعر الرأس والشوارب أن الإِحفاءَ أفضلُ من التقصير، وذكر ابن خُويز منداد المالكي عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة، وهذا قول أبي عمر. وأمّا الإِمام أحمد، فقال الأثرم: رأيتُ الإِمام أحمد بن حنبل يُحفي شاربه شديدًا، وسمعته يُسأل عن السنة في إحفاء الشارب؟ فقال: يُحفي كما قال النبي ﷺ "أحْفُوا الشَّوَارِبَ" وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجُلَ يأخذ شاربه، أو يُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه، فلا بأس، وإن أخذه قصًا فلا بأس. وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في المغني: وهو مخير بين أن يُحفيه، وبين أن يقصه من غير إحفاء. قال الطحاوي: وروى المغيرةُ بن شعبة أن رسولَ اللهِ ﷺ أخذ من شاربه على سِوَاك وهذا لا يكون معه إحفاء. واحتج من لم يرَ إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين "عشر من الفطرة"، فذكر منها قَصَّ الشَّارِبِ وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: "الفِطْرَة خَمْسٌ" وذكر منها قص الشارب.

واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء، وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يَجُزُّ شَارِبَهُ، قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإِحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه "جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى" قال وهذا يحتمل الإِحفاء أيضًا، وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أُسَيْد، ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة أنهم كانوا يُحفون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفُه وقال بعضهم: حتى يُرى بياضُ الجلد. قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع، كان الحلق فيه أفضلَ قياسًا على الرأس، وقد دعا النبي ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدة، فجعل حلق الرأس أفضلَ مِن تقصيره، فكذلك الشارب.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه[عدل]

كان ﷺ أفصحَ خلق الله، وأعذبَهم كلامًا، وأسرعَهم أداءً، وأحلاهم مَنْطِقًا، حتى إن كلامه لَيَأْخُذُ بمجامع القلوب، ويَسبي الأرواح، ويشهدُ له بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلم تكلَّم بكلام مُفصَّلِ مُبَيَّنٍ يعدُّه العادُّ، ليس بِهَذٍّ مُسرِعِ لا يُحفظ، ولا منقَطع تخلَّلُه السكتات بين أفراد الكلام، بل هديُه فيه أكملُ الهدي، قالت عائشة: ما كان رسول الله ﷺ يَسْرُدُ سردَكم هذا، ولكن كان يتكلَّم بكلام بيِّنٍ فَصْلٍ يحفظه من جلس إليه. وكان كثيرًا ما يُعيد الكلام ثلاثًا لِيُعقلَ عنه، وكان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا. وكان طويلَ السكوت لا يتكلم شي غيرِ حاجة، يفتتحُ الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، فَصلٍ لا فضول ولا تقصير، وكان لا يتكلم فيما لا يَعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كرِه الشيء: عُرِفَ في وجهه، ولم يكن فاحشًا، ولا متفحِّشًا، ولا صخَّابًا. وكان جُلُّ ضحكه التبسم، بل كلُّه التبسم، فكان نهايةُ ضحكِه أن تبدوَ نواجِذُه. وكان يضحكُ مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعُه ويُستندر.

وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها والثاني: ضحِك الفرح، وهو أن يرى ما يسرُّه أو يُباشره والثالث: ضحِكُ الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضبُ، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكُه لِمُلكه نفسه عند الغضب، وإعراضِه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به.

وأمَّا بكاؤه ﷺ، فكان مِن جنس ضحكه، لم يكن بشهيقٍ ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمَعُ عيناه حتى تَهْمُلا، ويُسمع لِصدره أزيزٌ. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة مِن خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحبٌ للخوف والخشية. ولما مات ابنُه إبراهيم، دمعت عيناه وبكى رحمة له، وقال: "تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ إلا مَا يُرْضِي رَبَّنا، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". وبكى لما شاهد إحدى بناتِه وَنَفْسُها تَفِيضُ، وبكى لما قرأ عليه ابنُ مسعود سورة (النساء) وانتهى فيها إلى قوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَيَ هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [72] وبكى لما مات عثمان بن مظعون، وبكى لما كَسَفت الشَّمْسُ، وصلى صلاة الكُسوف، وجعل يبكي في صلاته، وجعل ينفخ، ويقول: "رَبِّ أَلَمْ تَعِدْني أَلَّا تُعَذِّبَهُم وَأَنَا فِيهِمْ وهُمْ يَسْتغْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُك" وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته وكَانَ يَبكي أحيانًا في صلاة اللَّيلِ.

والبكاء أنواع. أحدها: بكاء الرحمة، والرقة. والثاني: بكاء الخوف والخشية والثالث: بكاءُ المحبة والشوق والرابع: بكاءُ الفرح والسرور والخامس: بكاء الجَزَع مِن ورود المؤلِم وعدم احتماله. والسادس: بكاءُ الحزن.

والفرق بينه وبين بكاء الخوف، أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه، أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لِمَا يتوقع في المستقبل مِن ذلك، والفرق بين بكاء السرور والفرح، وبكاء الحزن، أن دمعة السرور باردة، والقلب فرحان، ودمعة الحُزن حارة، والقلب حزين، ولهذا يقال لما يُفرح به: هو قُرَّةُ عَيْنٍ، وأقرَّ اللهُ به عينَه، ولما يُحزن: هو سخينةُ العين، وأسخن اللهُ عينَه بِه.

والسابع: بكاء الخور والضعف.

والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمعَ العين والقلب قاس، فيظهر صاحبُه الخشوع، وهو من أقسى الناس قلبًا.

والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها كما قال عمر بن الخطاب: تَبِيعُ عَبْرتَها، وَتَبْكي شَجْوَ غَيرها.

والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجُلُ الناسَ يبكون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون، ولكن يراهم يبكون، فيبكي.

وما كان من ذلك دمعًا بلا صوت، فهو بكى، مقصور، وما كان معه صوت، فهو بكاء، ممدود على بناء الأصوات، وقال الشاعر:

بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لهَا بُكَاهَا ** وَمَا يُغْنِي الْبكَاءُ وَلا الْعَوِيلُ

وما كان منه مستدعىً متكلفًا، فهو التباكي، وهو نوعان: محمود، ومذموم، فالمحمود، أن يُستجلَب لِرقة القلب، ولخشية الله، لا للرياء والسُّمعة والمذموم: أن يُجتلب لأجل الخلق، وقد قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يُبكيك يا رسولْ الله؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد تباكَيتُ، لبكائكما ولم ينكر عليه ﷺ. وقد قال بعض السلف: ابكوا مِن خشية الله، فإن لم تبكوا، فتباكوا.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته[عدل]

خطب ﷺ على الأرض، وعلى المِنْبَرِ، وعلى البعير، وعلى النَّاقة. وكان إذا خطب، احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنَّهُ مُنذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ" ويقول: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ" وَيَقْرُنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَيَقُولُ: "أَمّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتابُ اللَهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ".

وكان لا يخطُب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قولُ كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبةَ العيدين بالتكبير، فليس معهم فيه سنة عن النبيِّ ﷺ البتةَ، وسنته تقتضي خلافَه، وهو افتتاحُ جميع الخطب ب "الْحَمْد للَّهِ"، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس اللهُ سِرَّه.

وكان يخطُب قائمًا، وفي مراسيل عطاء وغيره أنه كان ﷺ إذا صَعِدَ المِنَبرَ أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: "السَّلامُ عَلَيْكُم" قال الشعبي: وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك وكان يختِم خُطبته بالاستغفار، وكان كثيرًا يخطب بالقرآن وفي صحيح مسلم عن أمِّ هشام بنت حارثة قالت: "ما أخذتُ { ق وَالْقُرآنِ المَجِيدِ } [73]، إلا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى المِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ"، وذكر أبو داود عن ابن مسعود أَنَّ رسُول الله ﷺ كان إذا تشهَّد قال: "الحَمْدُ للَهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ، فَلا مُضلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِله إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَق بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْن يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رشَدَ وَمَنْ يَعْصهِمَا، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلا يَضرُّ اللهُ شيئًا" وقال أبو داود عن يونس أنه سأل ابنَ شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يومَ الجمعة، فذكر نحو هذا إلا أنه قال: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى".

قال ابن شهاب: وبلغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يقول إذا خطب: "كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَريبٌ، لا بُعْدَ لِمَا هُوَ آتٍ، وَلا يُعَجِّلُ اللَهُ لِعَجَلَةِ أَحَدٍ، وَلا يُخِفُّ لأَمْرِ النَّاسِ، مَا شَاءَ اللهُ، لا مَا شَاءَ الناسُ، يُرِيدُ اللهُ شَيْئًا وَيُريدُ النَّاسُ شَيئًا، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَلَوْ كَرِهَ النَّاسُ، وَلا مُبْعِدَ لِمَا قرَّبَ اللهُ، ولا مُقَرِّبَ لِمَا بَعَّدَ اللهُ، ولا يَكُونُ شَيءٌ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ".

وكان مدارُ خُطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصافِ كماله ومحامده، وتعليمِ قواعدِ الإِسلام، وذكرِ الجنَّة والنَّار والمعاد، والأمرِ بتقوى الله، وتبيينِ موارد غضبه، ومواقعِ رضاه فعلى هذا كان مدار خطبه.

وكان يقول في خطبه: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَكُمْ لَنْ تُطِيقُوا - أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا – كُلَ مَا أُمِرْتُمْ بهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا".

وكان يخطُب في كل وقت بما تقتضيه حاجةُ المخاطَبين ومصلحتهم، ولم يَكُنْ يخطب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهَّد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم.

وثبت عنه أنه قال: " كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الجَذْمَاءِ ".

ولم يكن له شاويش يخرُج بين يديه إذا خرج من حُجرته، ولم يكن يَلْبَسُ لِبَاسَ الخطباء اليوم لا طُرحة، ولا زِيقًا وَاسعًا.

وكان منبرُه ثلاثَ درجات، فإذا استوى عليه، واستقبل الناس، أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يَقُلْ شيئًا قبلَه ولا بعدَه، فإذا أخذ في الخطبة، لم يرفع أحدٌ صوته بشيء البتة، لا مؤذنٌ ولا غيرُه.

وكان إذا قام يخطب، أخذ عصًا، فتوكَّأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب، وكان الخلفاءُ الثلاثةُ بعده يفعلون ذلك، وكان أحيانًا يتوكأْ على قوس، ولم يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثيرٌ من الجهلة يظن أنه كان يُمْسِكُ السيفَ على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين، أحدهما: أن المحفوظَ أنه ﷺ توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأمّا السيف، فَلِمَحْقِ أهل الضلال والشرك، ومدينةُ النبي ﷺ التي كان يخطب فيها إنما فُتِحَت بالقُرآن، ولم تُفتح بالسيف.

وكان إذا عرض له في خطبته عارض، اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته، وكان يخطُب، فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين، فقطع كلامه، فنزل، فحملهما، ثم عاد إلى منبره، ثم قال: "صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [74] رَأَيْتُ هذَيْنِ يعثُران في قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلامِي فَحَمَلْتُهُمَا".

وَجَاءَ سُلَيْكٌ، الغَطَفَاني وهو يخطُب، فجلس، فقال له: "قُمْ يَا سُلَيْكُ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْن وَتَجَوَّزْ فِيِهِما"، ثم قال وهو على المنبر: "إذَا جَاءَ أَحَدُكمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمام يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا".

وكان يُقصر خطبته أحيانًا، ويُطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس وكانت خطبتُه العارِضة أطولَ من خطبته الراتِبة. وكان يخطُب النِّساء على حِدة في الأعياد، ويحرِّضُهُنَّ على الصدقة، والله أعلم.

فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العبادات[عدل]

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء[عدل]

كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلواتِ بوضوء واحد وكان يتوضأ بالمُد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيَد منه تارة، وذلك نحو أربع أواق بالدمشقي إلى أوقيتين وثلاث وكان مِنْ أيسر النَّاس صبًّا لماء الوضوء، وكان يُحَذِّرُ أمته من الإِسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته مَنْ يعتدي في الطهور، وقال: " إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الوَلهَان فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاء " ومر على سعد، وهو يتوضأ فقال له: "لا تُسْرِفْ في المَاء " فقال: وهل فَي الماء من إسراف؟ قال: " نعم وإن كْنْتَ عَلَى نَهرٍ جَارٍ".

وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وفي بعض الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثًا.

وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغَرفة، وتارة بغَرفتين، وتارة بثلاث. وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخُذ نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، ولا يُمَكن في الغرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث، فيمكن فيهما الفصلُ والوصلُ، إلا أن هديه ﷺ كان الوصلَ بينهما، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد أنَّ رسول الله ﷺ " تمضمض واستنشق منْ كَفٍّ واحدة، فعل ذلك ثلاثًا " وفي لفظ: " تمضمض واستنثر بثَلاث غَرفَات " فهذا أصحً ما رُوي في المضمضة والاستنشاق، ولم يجىء الَفصلُ بين المًضمضة.

والاستنشاق في حديث صحيح البتة، لكن في حديث طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جدِّه: رأيتُ النبي ﷺ يَفْصلُ بين المضمضة والاستنشاق، ولكن لا يُروى إلا عن طلحة عن أبيه عن جدَّه، ولا يعرف لجده صحبة.

وكان يستنشق بيده اليمنى، ويستنثِر باليُسرى، وكان يمسحُ رأسه كلَّه، وتارة يُقْبِلُ بيديه وَيُدْبرُ، وعليه يُحملُ حديث من قال: مسح برأسه مرتين والصحيح أنه لم يكررَ مسح رأسه، بل كان إذا كررَ غَسْلَ الأعضاء، أفرد مسحَ الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصحَّ عنه ﷺ. خلافه البتة، بل ما عدا هذا، إمّا صحيح غير صريح، كقول الصحابي: توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وكقوله: مسح برأسه مرتين، وإما صريح غير صحيح، كحديث ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأُ فَغَسَلَ كَفَّيْه ثلاثًا" ثم قال: "وَمَسَحَ بِرَأسه ثَلاثًا" وهذا لا يحتج به، وابن البيلماني وأبوهَ مضعَفان، وإن كان الأب أحَسَن حالًا وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود أنه ﷺ: " مَسَحَ رَأسَهُ ثَلاثًا " وقال أبو داود: أحاديثُ عثمان الصحاحُ كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرة، ولم يصحَّ عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعضِ رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، فأمّا حديثُ أنس الذي رواه أبو داود: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأ وعليه عمَامة قطْرِيَّةٌ، فَأدْخَلَ يَدَه مِنْ تحت العمَامَة، فمسح مُقدَّمَ رأسه، ولم يَنْقُضِ العِمًامَة". فهذا مقصود أنس به أن النبيَ ﷺ لم ينقُض عِمامته حتى يستوعِبَ مسحَ الشعر كلّه، ولم ينفِ التكميلَ على العِمامة، وقد أثبته المغيرةُ بن شعبة وغيره، فسكوتُ أنس عنه لا يدل على نفيه ولم يتوضأ ﷺ إلا تمضمض واستنشق، ولم يُحفظ عنه أنه ﷺ به مرة واحدة، وكذلك كان وضوءه مرتبًا متواليًا، لم يُخِلَ به مرة واحدة البتة، وكان يمسح على رأسه تارة، وعلى العِمامة تارة، وعلى الناصية والعمامة تارة.

وأما اقتصارُه على الناصية مجردة، فلم يُحفظ عنه كما تقدم وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خُفين ولا جوربين، ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين أو الجوربين وكان يمسح أذنيه مع رأسه، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما.

ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر ولم يَصح عنه في مسح العُنق حديث البتة، ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غيرَ التسمية، وَكُلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه، فَكَذِبٌ مُخْتَلَق، لم يقُلْ رسولُ الله ﷺ شيئًا منه، ولا عَلَّمه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله: "أَشْهَدُ أَن لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرينَ" في آخرِه وفي حديث آخر في سنن النسائي ممّا يقال بعد الوضوء أيضًا: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشهد أن لا إله إلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ".

وَلَمْ يَكُنْ يقول في أوله: نويت رفعَ الحدث، ولا استباحةَ الصلاة، لا هو، ولا أحدٌ من أصحابه البتة، ولم يُرو عنه في ذلك حرف واحد، لا بإِسناد صحيح، ولا ضعيف، ولم يتجاوز الثلاث قطُّ، وكذلك لم يُثبت عنه أنه تجاوز المِرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعلُ ذلك ويتأوَّل حديث إطالة الغرة، وأما حديثُ أبي هريرة في صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في العضُدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإِطالة.

ولم يكن رسول الله ﷺ يعتاد تنشيفَ أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه في ذلك حديث البتة، بل الذي صح عنه خلافه، وأما حديث عائشة كان للنبي ﷺ خِرقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعدَ الوُضوءِ، وحديث معاذ بن جبل: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ مسح على وجهه بِطَرَفِ ثوبه، فضعيفان لا يحتج بمثلهما، في الأول سليمان بن أرقم متروك، وفي الثاني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف، قال الترمذي: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.

ولم يَكُنْ من هديه ﷺ أن يُصبَّ عليه الماءُ كلما توضأ، ولكن تارة يصبُّ على نفسه، وربما عاونه مَنْ يصبُّ عليه أحيانًا لحاجة كما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أنه صبَّ عليه في السفر لما توضأ.

وكان يخلل لحيته أحيانًا، ولم يكن يُواظبُ على ذلك. وقد اختلف أئمة الحديث فيه، فصحح الترمذي وغيره أنه ﷺ كان يُخَلِّلُ لحيته، وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث.

وكذلك تخليلُ الأصابع لم يكن يُحافظ عليه، وفي السنن عن المُسْتَوْرِدِ بنِ شداد: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ يُدلكُ أصابعَ رجليه بخنصره، وهذا إن ثبت عنه، فإنما كان يفعله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه، كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، والرُّبيِّعِ، وغيرهم، على أن في إسناده عبد الله بنَ لهيعة.

وأمّا تحريكُ خاتمه، فقد رُوي فيه حديث ضعيف من رواية معمر بن محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه أن النبي ﷺ "كان إذا توضأ حرَّك خَاتَمه "، ومعمر وأبوه ضعيفان، ذكر ذلك الدارقطني.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين[عدل]

صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر، ولم يُنسخْ ذلك حتى تُوفي، ووقَّت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافِر ثلاثَة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح، وكان يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسحُ أسفلهما إلا في حديث منقطع والأحاديث الصحيحة على خلافه، ومسح على الجوربين والنعلين، ومسح على العِمامة مقتصِرًا عليها، ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلًا وأمرًا في عدة أحاديث، لكن في قضايا أعيان يُحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة والضرورة، ويُحتمل العموم كالخفين، وهو أظهر والله أعلم.

ولم يكن يتكلف ضِدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم يَنْزِعْهُمَا، وإن كانتا مكشوفتين، غسل القدمين، ولم يلبَسِ الخف لِيمسح عليه، وهذا أعدلُ الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله، شيخنا، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التيمم[عدل]

كان ﷺ يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين، ولم يَصِحَّ عنه أنه تيمم بضربتين، ولا إلى المرفقين. قال الإِمام أحمد: من قال: إن التيمم إلى، المرفقين، فإنما هو شيء زاده مِن عنده وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها، ترابًا كانت أَوْ سَبِخَةً أو رملًا. وصح عنه أنه قال: "حَيْثُما أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلاةُ، فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ"، وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل، فالرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابُه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماؤهم في غاية القِلة، ولم يُرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز الرمالَ أكثر من التراب، وكذلك أرضُ الحجاز وغيره، ومن تدبر هذا، قطع بأنه كان يتيمم بالرمل، والله أعلم وهذا قول الجمهور.

وأمّا ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع، وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن، إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى، فَيُطبِقها عليها، فهذا مما يُعلم قطعًا أن النبي ﷺ لم يفعله، ولا علَّمه أحدًا من أصحابه، ولا أمر به، ولا استحسنه، وهذا هديُه، إليه التحاكُم، وكذلك لم يَصِحَّ عنه التيمُّمُ لكِل صلاة، ولا أمر به، بل أطلق التيمم، وجعله قائمًا مقام الوضوء.

وهذا يقتضي أن يكون حكمُه حكمَه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة[عدل]

كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "اللهُ أَكْبَرُ" ولم يقل شيئًا قبلها ولا تلفَّظ بالنية البتة، ولا قال: أصلي للَّهِ صلاة كذا مُستقبِلَ القبلة أربعَ ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداءً ولا قضاءً، ولا فرض الوقت، وهذه عشرُ بدع لم يَنْقُلْ عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من التابعين، ولا الأئمةُ الأربعة، وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي رضي الله عنه في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفُّظُ المصلي بالنية، وإنما أراد الشافعي رحمه الله بالذكر: تكبيرةَ الإِحرام ليس إلا، وكيف يستحِبُّ الشافعيُّ أمرًا لم يفعله النبي ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحدٌ مِن خلفائه وأصحابِه، وهذا هديُهم وسيرتُهم، فإن أَوْجَدَنَا أحدٌ حرفًا واحدًا عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنةَ إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشرع ﷺ.

وكان دأبُه في إحرامه لفظةَ: "اللهُ أَكْبَرُ " لا غيرَها، ولم ينقل أحدٌ عنه سواها.

وكان يرفع يديه معها ممدودةَ الأصابع، مستقبلًا بها القبلةَ إلى فروع أُذنيه، ورُوي إلى منكبيه، فأبو حميد السَّاعديُّ وَمَنْ معه قالوا: حتى يُحاذيَ بهما المَنكِبيْنِ، وكذلك قال ابن عمر. وقال وائل بن حُجر: إلى حِيال أُذنيه. وقال البراء: قريبًا من أُذنيه. وقيل: هو من العمل المخيَّر فيه، وقيل: كان أعلاها إلى فروع أُذنيه، وكفَّاه إلى منكبيه، فلا يكون اختلافًا، ولم يختلف عنه في محل هذا الرفع، ثم يضعُ اليُمنى على ظهرِ اليُسرى.

وكان يستفتح تارة ب "اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْج وَالبَرَدِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ".

وتارة يقول: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنسكي وَمحياي وَمَماتِي للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ، لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاغتَرَفتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهدِنِي لأَحْسَنِ الأَخلاق لا يَهْدِي لأِحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّيءَ الأَخْلاقِ، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَها إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلٌ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ "، ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل.

وتارة يقول: " اللهُمَّ رَبَّ جبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السماوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيه مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صرَاطٍ مُسْتَقِيم".

وتارة يقول: "اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، الحديث. وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كبر، ثم قال ذلك.

وتارة يقول: "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ".

وتارة يقول: "اللهُ أَكْبَرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ عَشْرَ مرَاتٍ، ثُمَّ يَحْمَدُ عَشْرًا، ثُمَّ يُهَلِّلُ عَشْرًا، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، ثُمَّ يَقول: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِني وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي عَشْرًا"، ثُمَّ يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ المُقَامِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَشْرًا".

فكل هذه الأنواع صحت عنه ﷺ.

وروي عنه أنه كان يستفتح ب "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلهِ غَيْرُكَ" ذكر ذلك أهلُ السنن من حديث علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل النَّاجي، عن أبي سعيد على أنه ربما أرسل، وقد رُوي مثله من حديث عائشة رضي الله عنها، والأحاديث التي قبله أثبتُ منه، ولكن صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستفتح به في مقام النبي ﷺ ويجهر به، ويعلِّمه الناس وقال الإِمام أحمد: أمّا أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما رُوي عن النبي ﷺ من الاستفتاح كان حسنًا.

وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتُها في مواضع أخرى. منها جهرُ عمر به يعلًّمه الصحابة.

ومنها اشتمالُه على أفضل الكلام بعد القرآَن، فإن أفضل الكلام بعد القرآَن سبحان اللهِ، والحمد للّه، ولا إِله إِلا الله والله أكبر، وقد تضمنها هذا الاستفتاحُ مع تكبيرة الإِحرام.

ومنها أنه استفتاح أخلصُ للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإِخلاص تَعدِلُ ثلث القرآن، لأنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى، والثناء عليه، ولهذا كان "سبحان الله، والحمد للَّه، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر" أفضل الكلام بعد القرآن، فيلزم أن ما تضمنها من الاستفتاحات أفضل من غيره من الاستفتاحات.

ومنها أن غيرَه من الاستفتاحات عامتُها إنما هي في قيام الليل في النافلة، وهذا كان عمرُ يفعله، ويعلِّمه الناس في الفرض.

ومنها أن هذا الاستفتاح إنشاء للثناء على الرّب تعالى، متضمن للإِخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، والاستفتاح ب "وجهت وجهي " إخبار عن عبودية العبد، وبينهما من الفرق ما بينهما.

ومنها أن من اختار الاستفتاح ب "وجهت وجهي" لا يكمله، وإنما يأخذ بقطعة من الحديث، ويذَرُ باقيه، بخلاف الاستفتاح ب "سبحانك اللهم وبحمدك" فإن من ذهب إليه يقوله كله إلى آخره.

وكان يقول بعد ذلك: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم يقرأ الفاتحة، يجهر ب "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم " تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها.

ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا، حضرًا وسفرًا، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جُمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا مِن أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غيرُ صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلَّدًا ضخما. وكانت قراءته مدًا، يقِف عند كل آية، ويمدُّ بها صوته.

فإذا فرغ من قراءة الفاتحة، قال: "آمين"، فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها من خلفه. وكان له سكتتانِ، سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة.

واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة. وقيل: إنها بعد القراءة وقبل الركوع. وقيل: هي سكتتان غير الأولى، فتكون ثلاثًا، والظاهر إنما هي اثنتان فقط، وأمّا الثالثة، فلطيفة جدًا لأجل ترادِّ النَّفَس، ولم يكن يَصِل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح، والثانية قد قيل: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا: ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة، وأمّا الثالثة، فللراحة والنفس فقط، وهي سكتة لطيفة، فمن لم يذكرها، فلقصرها، ومن اعتبرها، جَعَلها سكتةً ثالثة، فلا اختلاف بين الروايتين، وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث وقد صح حديث السكتتين، من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين، ذكر ذلك أبو حاتم في صحيحه وسمرة هو ابن جندب، وقد تبين بذلك أن أحد من روى حديث السكتتين سمرة بن جندب وقد قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ سكتتين: سكتةً إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [75]. وفي بعض طرق الحديث: فإذا فرغ من القراءة، سكت وهذا كالمجمل، واللفظ الأول مفسِّر مبين، ولهذا قال أبو سَلمة بن عبد الرحمَن: للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكِتاب إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: { ولا الضالين } [76] على أن تعيين محل السكتتين، إنما هو من تفسير قتادة، فإنه روى الحديث عن الحسن، عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ في، فأنكر ذلك عمران، فقال: حفظناها سكتة، فكتبنا إلى أبيِّ بن كعب بالمدينة، فكتب أُبي أن قد حفظ سمرة، قال سعيد؟ فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان قال: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: ولا الضالين قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نَفَسُه ومن يحتج بالحسن عن سمرة يحتج بهذا.

فإذا فرغ من الفاتحة، أخذ في سورة غيرِها، وَيُخَفِّفُهَا لعارض مِن سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبًا.

قراءته صلى الله عليه وسلم في الصلاة[عدل]

وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة (ق)، وصلاها ب (الروم) وصلاها ب (إذَا الشَّمسُ كُوِّرَت) وصلاها ب (إِذَا زُلْزِلَتْ) في الركعتين كليهما، وصلاها ب (المعوِّذَتَيْنِ) وكان في السفر وصلاها، فافتتح ب (سورة المؤْمِنِين) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى، أخذته سَعْلَةٌ فركع.

وكان يُصليها يومَ الجمعة ب (ألم تنزيلا السَّجدة) وسورة (هل أتى على الإِنسان ) كاملتين، ولم يفعل ما يفعلُه كثيرٌ منِ النَّاس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين، وقراءة السجدة وحدَها في الركعتين، وهو خلاف السنة. وأما ما يظنه كثيرٌ مِن الجهال أن صبحَ يوم الجمعة فُضِّلَ بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعضُ الأئمة قراءةَ سورة السجدة لأجل هذا الظن، وإنما كان ﷺ يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدإِ والمعاد، وخلقِ آدم، ودخولِ الجنَّة والنَّار، وذلك ممّا كان ويكونُ في يومِ الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق) و(واقتربت) و(سبِّح) و(الغاشية).

فصل

وأما الظهر، فكان يُطيل قراءتَها أحيانًا، حتى قال أبو سعيد: "كانت صلاةُ الظهر تُقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ، ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى ممّا يطيلُها" رواه مسلم. وكان يقرأ فيها تارة بقدر (ألم تنزيل) وتارة ب (سبح اسم ربك الأعلى) و(الليل إذا يغشى) وتارة ب (السماء ذات البروج) و(السماء والطارق).

وأما العصر، فعلى النصف مِن قراءة صلاة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصُرت.

وأما المغرب، فكان هديُه فيها خلافَ عمل الناس اليوم، فإنه صلاها مرة ب(الأعراف) فرَّقها في الركعتين، ومرة ب (الطور) ومرة ب (المرسلات).

قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في المغرب ب (المص) وأنه قرأ فيها ب (الصافات) وأنه قرأ فيها ب (حم الدخان) وأنه قرأ فيها ب(سبح اسم ربك الأعلى) وأنه قرأ فيها ب (التين والزيتون) وأنه قرأ فيها ب (المعوِّذتين) وأنه.

قرأ فيها ب (المرسلات) وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل قال: وهي كلها آثار صحاح مشهورة. انتهى. وأما المداومة فيها على قراءة قِصار المفصل دائمًا، فهو فعلُ مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيدُ بن ثابت، وقال: مَالَكَ تقرأ في المغرب بقصار المفصَّل؟ وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطُوليين. قال: قلت: وما طُولى الطوليين؟ قال: (الأعراف) وهذا حديث صحيح رواه أهل السنن.

وذكر النَّسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قرأ في المغرب بسورة (الأعراف) فرقها في الركعتين.

فالمحافظة فيها على الآية القصيرة، والسورةِ من قِصار المفُصَّل خلافُ السنة، وهو فعل مروان بن الحكم.

وأما العشاء الآخرة، فقرأ فيها ﷺ ب (التين والزيتون) ووقَّت لمعاذ فيها ب (الشمس وضحاها) و(سبِّح اسم ربك الأعلى) و(الليل إذا يغشى) ونحوها، وأنكر عليه قراءتَه فيها ب (البقرة) بعدما صلَّى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها لهم بعدما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ بهم ب (البقرة) ولهذا قال له: "أفتان أنت يا معاذ" فتعلق النَّقَّارون بهذه الكلمة، ولم يلتفِتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها.

وأما الجمعةُ، فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و(المنافقين ) كَامِلَتَينِ و(سورة سبِّح) و(الغاشية).

وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا) إلى آخرها، فلم يفعله قطُّ، وهو مخالف لهديه الذي كان يُحافظ عليه.

وأما قراءته في الأعياد، فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و(اقتربت) كاملتين، وتارة سورتي (سبِّح) و(الغاشية) وهذا هو الهدي الذي استمر ﷺ إلى أن لقي اللهَ عز وجل، لم ينسخه شيء.

ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الفجر بسورة (البقرة) حتى سلَّم منها قريبًا من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفَة رسول الله ﷺ؟ كادت الشمسُ تطلعُ، فقال: لو طلَعت لم تجدنا غافلين.

وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب (يوسف) و(النحل) وب (هود) و(بني إسرائيل) ونحوها من السور، ولو كان تطويلُه ﷺ منسوخًا لم يخفَ على خلفائه الراشدين، وَيَطَّلعْ عليه النَّقَّارون.

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سَمُرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر { ق والقرآنِ المجيد } [77] وكانت صلاته بعد تخفيفًا فالمراد بقوله "بعدُ" أي: بعد الفجر، أي: إنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفًا. ويدل على ذلك قولُ أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ و(المرسلات عرفًا) فقالت: يا بني لقد ذَكَّرْتَنِي بقراءة هذه السورة، إنها لآخِرُ ما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ يقرأ بها في المغرب فهذا في آخر الأمر.

وأيضًا فإن قوله: وكانت صلاته"بعدُ" غايةٌ قد حذف ما هي مضافة إليه، فلا يجوز إضمارُ ما لا يدل عليه السياقُ، وترك إضمار ما يقتضيه السياقُ، والسياقُ إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت تخفيفًا، ولا يقتضي أن صلاتَه كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا، هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المرادَ، لم يخف على خلفائه الراشدين، فيتمسكون بالمنسوخ، ويدعون الناسخ.

وأمّا قولُه ﷺ: "أَيُّكُم أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ" وقول أنس رضي الله عنه: كان رسولُ الله ﷺ أخَفَّ النَّاسِ صَلاةً في تَمامٍ فالتخفيف أمر نسبي يَرْجِحُ إلى ما فعله النبي ﷺ، وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمر، ثم يُخالفه، وقد عَلمَ أن من ورائه الكبيرَ والضعيفَ وذَا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيفُ الذي أمرَ به، فإَنه كان يُمكن أن تكون صلاتُه أطولَ منِ ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفةٌ بالنسبة إلى أطول منها، وهديُه الذي كان واظب عليه هو الحاكمُ على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسولُ الله يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا ب (الصافات) فالقراءة ب (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به، والله أعلم.

فصل

وكان ﷺ لا يعين سورة في الصلاة بعينها لا يقرأ إلا بها إلا في الجمعة والعيدين، وأمّا في سائر الصلوات، فقد ذكر أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنه قال: مَا منَ المفصَّلِ سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَؤمُّ الناسَ بها في الصَّلاةِ المَكْتُوبةِ.

وكان من هديه قراءةَ السورة كاملة، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطِها، فلم يُحفظ عنه. وأما قراءةُ السورتين في ركعة، فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض، فلم يُحفظ عنه. وأما حديثُ ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأعرف النظائِرَ التي كان رسولُ الله ﷺ يقرُن بينهن السورتين في الركعة (الرحمن) و(النجم) في ركعة و(اقتربت) و(الحاقة) في ركعة و(الطور) و(الذاريات) في ركعة و(إذا وقعت) و(ن) في ركعة الحديث فهذا حكاية فعل لم يُعين محلَّه هل كان في الفرض أو في النفل؟ وهو محتمِل. وأما قراءةُ سورة واحدة في ركعتين معًا، فقلما كان يفعله. وقد ذكر أبو داود عن رجل من جُهينة أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسيَ رسولُ الله ﷺ، أم قرأ ذلك عمدًا.

فصل

وكان ﷺ يُطيلُ الركعة الأولى على الثانية مِن صلاة الصُّبح ومِن كل صلاة، وربما كان يُطيلها حتى لا يسمَعَ وقْعَ قدمٍ، وكان يُطيل صلاة الصبح أكثرَ مِن سائر الصلوات، وهذا لأن قرآن الفجر مشهود، يشهده اللهُ تعالى وملائكتُه، وقيل: يشهدُه ملائكةُ الليلِ والنهارِ، والقولان مبنيان على أن النزولَ الإِلهي هل يدومُ إلى انقضاء صلاة الصبح، أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا.

وأيضًا فإنها لما نقص عددُ ركعاتها، جُعِلَ تطويلُها عوضًا عما نقصته من العدد.

وأيضًا فإنها تكون عقيبَ النوم، والناس مستريحون.

وأيضًا فإنهم لم يأخذوا بَعْدُ في استقبال المعاش، وأسباب الدنيا.

وأيضًا فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمعُ واللِّسان والقلبُ لفراغه وعدمِ تمكن الاشتغال فيه، فَيفهمُ القُرآنَ ويتدبره.

وأيضًا فإنها أساس العمل وأولُه، فأُعطيت فضلًا من الاهتمام بها وتطويلها، وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وَحِكَمِهَا، والله المستعان.

فصل

وكان ﷺ إذا فرغ من القراءة، سكت بقدر ما يترادُّ إليه نفسُه، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على رُكبتيه كالقابض عليهما، ووتَر يديه، فنحاهما عن جنبيه، وبسط ظهره ومدَّه، واعتدل، ولم يَنْصِبْ رأسه، ولم يَخفِضْه، بل يجعلُه حيالَ ظهره معادِلًا له.

وكان يقول: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"وتارة يقول مع ذلك، أو مقتصِرًا عليه: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي " وكان ركوعُه المعتادُ مقدارَ عشرِ تسبيحات، وسجودُه كذلك. وأما حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: رَمَقْتُ الصلاةَ خَلْفَ النبي ﷺ، فكان قيامُه فركوعُه فاعتدالُه فسجدتُه، فجلستُه ما بين السجدتين قريبًا من السواء. فهذا قد فَهِمَ منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجُد بقدره، ويعتدِل كذلك. وفي هذا الفهم شيء، لأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها، وقد تقدم أنه قرأ في المغرب ب (الأعراف) و(الطور) و(المرسلات) ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن قدر هذه القراءة، ويدل عليه حديثُ أنس الذي رواه أهل السنن أنه قال: ما صليتُ وراءَ أحد بعدَ رسول الله ﷺ أشبهَ صلاة برسول الله ﷺ. إلا هذا الفتى يعني عمرَ بن عبد العزيز، قال: فحزرْنَا في ركوعه عشرَ تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات هذا مع قول أنس أنه كان يؤمهم ب (الصافات) فمرادُ البراء - والله أعلم - أن صلاته ﷺ كانت معتدِلة، فكان إذا أطال القيام، أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام، خفف الركوعَ والسجود، وتارة يجعلُ الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعَلُ ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحدها، وفعله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف، وهديه الغالبُ ﷺ تعديلُ الصلاة وتناسبها.

وكان يقول أيضًا في ركوعه " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوح ". وتارة يقول: " اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي". وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.

ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: "سَمعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَه" وَيَرْفَع يديه كما تقدم، وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا، واتفق على روايتها العشرةُ، ولم يثبت عنه خِلافُ ذلك البتة، بل كان ذلك هديَه دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ولم يصح عنه حديثُ البراء: ثم لا يعود بل هي من زيادة يزيد بن زياد. فليس تركُ ابنِ مسعود الرفعَ ممّا يُقدَّم على هديه المعلوم، فقد تُركَ من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء ليس مُعَارِضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فقد ترك مِنْ فعله التطبيق والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما، وصلاته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء، وأين الأحاديثُ في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحة وصراحةً وعملًا، وبالله التوفيق.

وكان دائمًا يُقيم صُلبه إذا رفع من الركوع، وبينَ السجدتين، ويقول "لا تُجْزِيء صلاةٌ لا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ صُلْبَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ" ذكره ابن خزيمة في صحيحه.

وكان إذا استوى قائمًا، قال: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" وربما قال: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"وربما قال: "اللهُمَّ رَبَّنَا لك الْحَمْد"صح ذلك عنه. وأما الجمع بين "اللهُمَّ" و"الواو " فلم يصح.

وكان من هديه إطالةُ هذا الركن بقدر الركوعِ والسجود، فصح عنه أنه كان يقول: "سَمعَ اللهُ لِمن حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْض، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُنَا لَكَ عَبْدٌ لا مَانعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ".

وصح عنه أنه كان يقول فيه: "اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِد بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ".

وصح عنه أنه كرر فيه قوله: "لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ" حتى كان بقدر الركوع.

وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد نسِيَ من إطَالَتِه لهذا الرُّكن. وذكر مسلم عن أنس رضيَ اللهُ عنه: كان رسولُ الله ﷺ إذا قال سَمعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَه، قام حتى نقول: قَدْ أَوهَمَ، ثمَّ يسجُدُ، ثم يَقْعُدُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد أوهم.

وصح عنه في صلاة الكُسوف أنه أطال هذا الركنَ بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه، وكان ركوعُه قريبًا من قيامه.

فهدا هديُه المعلوم الذي لا مُعارِض له بوجه.

وأما حديثُ البراء بن عازب: كان ركوعُ رسول الله ﷺ وسجودُه وبينَ السجدتين، وإذا رَفَعَ رأسه من الركوع - ما خلا القيامَ والقعُودَ - قريبًا مِنَ السواء. رواه البخاري فقد تشبَّث به مَن ظن تقصيرَ هذين الركنين، ولا متعلق له، فإن الحديث مصرّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان، فلو كان القيامُ والقعود المستَثْنَيَيْنِ هو القيامَ بعد الركوع والقعودَ بين السجدتين، لناقض الحديثُ الواحد بعضَه بعضًا، فتعيَّن قطعًا أن يكون المرادُ بالقيام والقعود قيامَ القراءة، وقعود التشهد، ولهذا كان هديُه ﷺ، فيهما إطالَتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانُه، وهذا بحمد الله واضح، وهُو مما خفي من هدي رسولِ الله ﷺ صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه.

قال شيخنا: وتقصيرُ هذين الركنين مما تصرَّف فيه أمراءُ بني أمية في الصلاة، وأحدثُوه فيها، كما أحدثوا فيها تركَ إتمام التكبير، وكما أحدثوا التأخيرَ الشديد، وكما أحدثوا غيرَ ذلك مما يُخالف هديَه ﷺ ورُبِّيَ في ذلك مَنْ رُبَيّ حتى ظن أنه من السنة.

فصل

ثم كان يُكبِّر وَيخِرُّ ساجدًا، ولا يرفع يديه وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضًا، وصححه بعضُ الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله، وهو وهم، فلا يَصِحُّ ذلك عنه البتة، والذي غرَّه أن الراويَ غلط من قوله: كان يُكبر في كل خفض ورفع إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وهو ثقة ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه، فصححه. والله أعلم.

وكان ﷺ يَضَعُ رُكبتيه قبل يديه، ثمَّ يديه بعدهما، ثم جبهتَه وأنفَه، هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض، رفع يديه قبل ركبتيه، ولم يُرو في فعله ما يُخَالِفُ ذلك.

وأما حديثُ أبي هريرة يرفعه: "إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَبْرُك كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ ركْبَتَيْهِ" فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض الرواة، فإن أوَّله يُخالف آخره، فإنه إذا وَضَع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرَك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا، ولما علم أصحابُ هذا القول ذلك، قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك، وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهي عنه، وهو فاسد لوجوه.

أحدها: أن البعير إذا برك، فإنه يضع يديه أولًا، وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض، فإنه ينهض برجليه أولًا، وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ، وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقربُ منها فالأقربُ، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.

وكان يضع ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهتَه. وإذا رفع، رفع رأسه أولًا، ثم يديه، ثم ركبتيه، وهذا عكسُ فعل البعير، وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بُروك كبُروكِ البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السَّبُع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب ورفعِ الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشُّمْسِ، فهدْيُ المصلي مخالفٌ لهدي الحيوانات.

الثاني: أن قولهم: رُكبتا البعير في يديه كلام لا يُعقل، ولا يعرفه أهل اللغة وإنما الركبة في الرجلين، وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة، فعلى سبيل التغليب.

الثالث: أنه لو كان كما قالوه، لقال: فليبرُك كما يبرك البعير، وإن أول ما يمسُّ الأرضَ من البعير يداه. وسِرُ المسألة أنَّ من تأمل بُروك البعير، وعلم أن النبي ﷺ نهى عن بُروك كبروك البعير، علم أن حديث وائل بن حُجر هو الصواب، والله أعلم.

وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا ممّا انقلب على بعض الرواة متنُه وأصلُه، ولعله: "وليضع ركبتيه قبل يديه" كما انقلب على بعضهم حديثُ ابن عمر "إِنَ بِلالًا يُؤَذِّنُ بليل، فكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مكتوم". فقال: "ابنُ أُمِّ مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يُؤذِّن بِلال". وكما انقلب على بعضهم حديثُ "لا يَزَالُ يلقى في النَّارِ، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، إلى أن قال: وَأَمَّا الجَنَةُ فَيُنْشِيءُ اللهُ لهَا خَلْقًا يُسْكِنُهُم إيَّاهَا" فقال: "وَأَمَّا النَّار فينشىءُ الله لها خلقًا يُسكنهم إِيَّاها" حتى رأيتُ أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيهِ، وَلا يَبْرُكْ كَبُرُوكِ الفَحْلِ" ورواه الأثرم في سننه أيضًا عن أبي بكر كذلك. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ما يُصدِّق ذلك، ويُوافق حديثَ وائل بن حُجر. قال ابن أبي داود: حدثنا يُوسُف بن عدي، حدثنا ابن فضيل هو محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه.

وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث مُصعب بن سعد، عن أبيه قال: كنا نضعُ اليدين قبل الركبتين، فَأُمرنا بالرُّكبتين قبل اليدين وعلى هذا فإن كان حديثُ أبي هريرة محفوظًا، فإنه منسوخ، وهذه طريقةُ صاحب "المغني" وغيره، ولكنْ للحديث علتان:

إحداهما: أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وليس ممن يُحتج به، قال النَّسائي: متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا لا يُحتج به، وقال ابن معين: ليس بشيء.

الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه هذا إنما هو قصةُ التطبيق، وقول سعد: كنا نصنع هذا، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب.

وأما قول صاحب المغني عن أبي سعيد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فَأُمِرْنَا أن نضع الركبتين قبل اليدين، فهذا - والله أعلم - وهم في الاسم، وإنما هو عن سعد، وهو أيضًا وهم في المتن كما تقدم، وإنما هو في قصة التطبيق، والله أعلم.

وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فقد علله البخاري، والترمذي، والدارقطني. قال البخاري: محمد بن عبد الله بن حسن لا يُتابع عليه، وقال: لا أدري أَسَمعَ من أبي الزناد، أم لا.

وقال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه.

وقال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد، وقد ذكر النسائي عن قتيبة، حدثنا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يَعْمِدُ أَحَدُكُم في صلاته، فَيَبْرُكُ كما يَبْرُكُ الجَمَلُ " ولم يزد. قال أبو بكر بن أبي داود: وهذه سنة تفرد بها أهلُ المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.

قلت: أراد الحديثَ الذي رواه أصبغ بن الفرج، عن الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضَع يَدَيهِ قَبْلَ رُكبتيه، ويقول: كان النبي ﷺ يفعل ذلك. رواه الحاكم في المستدرك من طريق محرز بن سلمة عن الدراوردي وقال: على شرط مسلم وقد رواه الحاكمُ مِنْ حديث حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس قال: رأيتُ رسول الله ﷺ انحطَّ بالتكبير حتى سَبَقَتْ رُكبتاه يَدَيْهِ قال الحاكم: على شرطهما، ولا أعلم له علة.

قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألتُ أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا الحديث منكر. انتهى. وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار، عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول لا ذكر له في الكتب الستة. فهذه الأحاديث المرفوعة من الجانبين كما ترى.

وأما الآثار المحفوظة عن الصحابة، فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه، ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر، وغيرهما، وهو المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره الطحاوى عن فهد عن عمر بن حفص، عن ابيه، عن الأعمش، عن إبراهيمِ، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود قالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يَخِرُّ البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه، ثم ساق من طريق الحجاج بن أرطاة قال: قال إبراهيم النخعي: حفظ عن عبد الله بن مسعود أن ركبتيه كانتا تقعان على الأرض قبل يديه، وذكر عن أبي مرزوق عن وهب، عن شعبة، عن مغيرة قال: سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد؟ قال: أو يصنع ذلك إلا أحمق أو مجنون!

قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال النخعيُّ، ومسلمُ بن يسار، والثوريّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابُه، وأهلُ الكوفة.

وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، أدركنا النَّاس يضعون أيديَهم قبل رُكبهم: قال ابنُ أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث.

قلت: وقد روي حديثُ أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي، وهو: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرُك كما يبرُك البعيرُ، وليضع يديه على ركبتيه" قال البيهقي: فإن كان محفوظًا، كان دليلًا على أنه يضع يديه قبل ركبتيه عند الإِهواء إلى السجود.

وحديث وائل بن حُجر أولى لوجوه.

أحدها: أنه أثبت من حديث أبي هريرة، قاله الخطابي، وغيره.

الثاني: أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدم، فمنهم من يقول فيه: وليضع يديه قبل ركبتيه، ومنهم من يقول بالعكس، ومنهم من يقول: وليضع يديه على ركبتيه، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا.

الثالث: ما تقدم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما.

الرابع: أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخَ قال ابن المنذر: وقد زعم بعضُ أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقد تقدم ذلك.

الخامس: أنه الموافق لنهي النبي ﷺ عن بروك كبروك الجمل في الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة.

السادس: أنه الموافق للمنقول عن الصحابة، كعمر بن الخطاب، وابنه، وعبد الله بن مسعود، ولم ينقل عن أحد منهم ما يُوافق حديثَ أبي هريرة إلا عن عمر رضي الله عنه على اختلاف عنه.

السابع: أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم، وليس لحديث أبي هريرة شاهد، فلو تقاوما، لَقُدِّم حديثُ وائل بن حُجر من أجل شواهده، فكيف وحديثُ وائل أقوى كما تقدم.

الثامن: أن أكثر الناس عليه، والقول الآخر إنما يُحفظ عن الأوزاعي ومالك، وأمّا قول ابن أبي داود: إنه قول أهل الحديث، فإنما أراد به بعضهم، وإلا فأحمد والشافعي وإسحاق على خلافه.

التاسع: أنه حديث فيه قصة مَحكية سيقت لحكاية فعله ﷺ، فهو أولى أن يكون محفوظًا، لأن الحديث إذا كان فيه قصة محكية، دلَّ على أنه حفظ.

العاشر: أن الأفعال المحكية فيه كلها ثابتة صحيحة من رواية غيره، فهي أفعال معروفة صحيحة، وهذا واحد منها، فله حكمها، ومعارضُه ليس مقاومًا له، فيتعين ترجيحه، والله أعلم.

وكان النبي ﷺ يسجُد على جبهته وأنفه دون كُور العِمامة، ولم يثُبت عنه السجودُ على كُور العِمَامَةِ من حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في "المصنف" من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسجُد على كُور عِمامته، وهو من رواية عبد الله بن مُحَرَّرٍ، وهو متروك وذكره أبو أحمد الزبيري من حديث جابر، ولكنه من رواية عمر بن شَمر عن جابر الجعفي، متروك عن متروك، وقد ذكر أبو داود في المراسيل أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصلي في المسجد، فسجد بجبينه، وقد اعتم على جبهته، فحسر رسولُ الله ﷺ عن جبهته.

وكان رسولُ اللهِ ﷺ يسجدُ على الأرض كثيرًا، وعلى الماء والطين، وعلى الخُمْرَةِ المتَّخذة من خُوص النخل، وعلى الحصير المتَّخذ منه، والفروة المدبوغة. كان إذا سجد، مكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يُرى بياضُ إبطيه، ولو شاءت بَهْمَة - وهي الشاة الصغيرة - أن تمُرَّ تحتهما لمرت.

وكان يضع يديه حَذو منكبيه وأُذنيه، وفي صحيح مسلم عن البراء أنه ﷺ قال: " إِذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ". كان يعتدِل في سجوده، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة.

وكان يبسُط كفيه وأصابعَه، ولا يُفرِّج بينها ولا يقبضها، وفي صحيح ابن حبان: "كان إذا ركع، فرج أصابعه، فإذا سَجَدَ، ضمَّ أصابعه".

وكان يقول: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" وأمر به.

وكان يقول: " سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللهُمَّ اغْفِرْ لي ".

وكان يقول: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكةَ والرُّوحِ".

وكان يقول " سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ".

وكان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصي ثَنَاءً عَلَيكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".

وكان يقول: " اللهُمَّ لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سجد وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقينَ".

وكان يقول: " اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّه وَجِلَّه، وَأَوَّلَه وَآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَهُ".

وكان يقول: "اللهُمَّ اغْفِر لِي خَطِيئَتي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي في أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلي، وَخَطَئِي وَعَمدِي، وَكلُّ ذلِكَ عنْدِي، اللهُمَّ اغْفِر لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إٍلهِي، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ".

وكان يقول: " اللهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا".

وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: "إِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". وهل هذا أمر بأن يُكثر الدعاء في السجود، أو أمر بأن الداعيَ إِذا دعا في محل، فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين، وأحسنُ ما يحملُ عليه الحديثُ أن الدعاء نوعان: دعاء ثناءٍ، ودعاءُ مسألة، والنبي ﷺ كان يُكثر في سجوده من النوعين، والدعاءُ الذي أَمَرَ به في السجود يتناول النوعين.

والاستجابة أيضًا نوعان: استجابةُ دعاءِ الطالب بإعطائه سؤالَه، واستجابةُ دعاء المُثني بالثواب، وبكل واحد من النوعين فُسِّرَ قوله تعالى: { أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [78] والصحيح أنه يعم النوعين.

فصل

وقد اختلف الناس في القيام والسجود أيُهُمَا أفضلُ؟ فرجحت طائفة القيام لوجوه.

أحدُها: أن ذِكْره أفضلُ الأذكار، فكان ركنُه أفضلَ الأركان.

والثاني: قوله تعالى: { قُومُوا للهِ قَانِتِينَ } [79]. الثالث: قوله ﷺ: " أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ".

وقالت طائفة: السجودُ أفضلُ، واحتجت بقولِه ﷺ: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجدٌ" وبحديث مَعدان بنِ أبي طلحة.

قال: لقيتُ ثوبانَ مولى رسول الله ﷺ، فقلتُ: حدّثني بحديثٍ عسى اللهُ أن ينفعَني به؟ فقال: "عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ" فإني سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ للَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً" قال معدان: ثم لقِيتُ أبا الدرداء، فسألتُه، فقال لِي مثلَ ذلك. وقال رسولُ الله ﷺ لِربيعة بنِ كعبٍ الأسلمي وقد سأله مرافقتَه في الجنَّة "أَعنِيِّ عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ".

وأولُ سورة أُنزِلت على رسول الله ﷺ سورةُ (اقْرَأْ) على الأصح، وختمها بقوله: { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } [80].

وبأن السجود للّه يقع مِن المخلوقات كلِّها علويِّها وسُفليِّها، وبأن الساجد أذلُّ ما يكون لربه وأخضعُ له، وذلك أشرفُ حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربِّه في هذه الحالة، وبأن السجودَ هو سرُّ العبودية، فإن العبودية هي الذُّلُّ والخُضوعُ، يقال: طريق معبَّد، أي ذللته الأقدام، ووطأته، وأذلُّ ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا.

وقالت طائفة: طولُ القيامِ بالليل أفضلُ، وكثرةُ الركوع والسجود بالنهار أفضلُ، واحتجت هذه الطائفةُ بأن صلاة الليل قد خُصَّت باسم القيام، لقوله تعالى: { قُمِ اللَيْلَ } [81] وقوله ﷺ: "مَنْ قَامَ رَمَضانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا"، ولهذا يُقال: قيامُ الليل، ولا يقال: قيامُ النهار، قالوا: وهذا كان هديَ النبي ﷺ، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثَ عشرة ركعة.

وكان يُصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء وأما بالنهار، فلم يُحفظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفف السنن.

وقال شيخنا: الصواب أنهما سواء، والقيامُ أفضلُ بذكره وهو القراءة، والسجودُ أفضلُ بهيئَته، فهيئَةُ السجود أفضلُ مِن هيئَة القيام، وذكرُ القيام أفضلُ من ذكر السجود، وهكذا كان هَدْيُ رسول الله ﷺ، فإنه كان إذا أطال القيام، أطال الركوعَ والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل، وكان إذا خَفَفَ القيام، خَفَّفَ الركوعَ والسجود، وكذلك كان يفعلُ في الفرض، كما قاله البراء بن عازب: كان قيامُه وركوعُه وسجُودُه واعتدالُه قريبًا من السواء. والله أعلم.

فصل

ثم كان ﷺ يرفع رأسه مكبِّرًا غيرَ رافعٍ يديه، ويرفع من السجود رأسه قبل يديه، ثم يجلِس مفترِشًا، يفرِشُ رجلَه اليُسرى، ويجلس عليها، وَيَنْصِبُ اليمنى. وذكر النَّسائي عن ابن عمر قال: مِن سنة الصلاة أن ينصِب القدم اليمنى، واستقبالُه بأصابعها القبلة، والجلوسُ على اليسرى ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه.

وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل مِرفقه على فخذه، وطرف يده على رُكبته، ويقبض ثنتين من أصابعه، ويحلِّق حلقة، ثم يرفع أصبعه يدعو بها ويُحرِّكها، هكذا قال وائل بن حُجر عنه.

وأما حديث أبي داود عَنْ عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ كان يُشير بأصبعه إذا دعا ولا يُحركها فهذه الزيادة في صحتها نظر، وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في صحيحهعنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قَعَدَ في الصلاة، جعل قدمَه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليُمْنى، ووضع يَدَه اليُسرى على رُكبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه.

وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة.

وأيضًا لو كان في الصلاة، لكان نافيًا، وحديث وائل بن حُجر مثبتًا، وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في صحيحه.

ثم كان يقول [بين السجدتين]: "اللهُمَّ اغفِرْ لِي وَارْحَمْنِي واجْبُرني وَاهْدِني، وَارْزُقْنِي" هكذا ذكره ابن عباس رضي الله عنهما عنه ﷺ وذكر حذيفة أنه كان يقول: "رَبِّ اغْفِرْ لي، رَبِّ اغفِرْ لِي".

وكان هديه ﷺ إطالةَ هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابتُ عنه في جميع الأحاديث، وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه: كانَ رسولُ الله ﷺ يقعُد بين السجدتين حتى نقول: قَدْ أَوْهَمَ وهذه السنةُ تركها أكثرُ الناس مِن بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، يمكُث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهم.

وأما من حكَّم السنة ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهديَ.

فصل

ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمِدًا على فخذيه كما ذكر عنه: وائل وأبو هريرة، ولا يعتمِد على الأرض بيديه وقد ذكر عنه مالك بن الحُويرث أنه كان لا ينهضُ حتى يستوي جالسا. وهذه هي التي تُسمى جلسة الاستراحة.

واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلُها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد رحمه الله. قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال: أخبرني يُوسف بن موسى، أن أبا أُمامة سئلَ عن النهوض، فقال: على صُدور القدمين على حديث رفاعة. وفي حديث ابن عجلان ما يدلُّ على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حُميد، ومالك بن الحويرث. ولو كان هديُه ﷺ فعلَها دائمًا، لذكرها كلُّ من وصف صلاته ﷺ ومجردُ فعله ﷺ لها لا يدلُّ على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علِمَ أنه فعلها على أنها سنَّة يُقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّر أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المَنَاط في هذه المسألة.

وكان إذا نهض، افتتح القراءة، ولم يسكت كما كان يسكُت عند افتتاح الصلاة، فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا بعد اتفاقهم على أنه ليس موضعَ استفتاح؟ وفي ذلك قولان هما روايتان عن أحمد،

وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة؟ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءةُ كلِّ ركعة مستقلة برأسها. ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة، والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر، للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين) ولم يسكت وإنما يكفي استعاذة واحدة، لأنه لم يتخلل القراءتين سكوتٌ، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك.

وكان النبيُّ ﷺ، يصلي الثانية كالأولى سواء، إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإِحرام، وتطويلها كالأولى، فإنه ﷺ كان لا يستفتحُ، ولا يسكتُ، ولا يُكبر للإِحرام فيها، ويقصرها عن الأولى، فتكون الأولى أطولَ منها في كل صلاة كما تقدم.

فإذا جلس للتشهد، وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السبابة، وكان لا ينصِبُها نصبًا، ولا يُنيمها، بل يَحنيها شيئًا، ويحركها شيئًا، كما تقدم في حديث وائل بن حُجر، وكان يقبِض أصبعين وهما الخِنصر والبِنصر، ويُحلِّق حلقة وهي الوسطى مع الإِبهام ويرفع السبابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسُط الكف اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتحامل عليها.

وأما صفة جلوسه، فكما تقدم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليُسرى، وينصِب اليمنى. ولم يُرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة.

وأما حديثُ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي رواه مسلم صحيحه أنه ﷺ، كان إذا قَعَد في الصلاة، جعل قَدَمَه اليُسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى فهذا في التَّشهد الأخير كما يأتي، وهو أحدُ الصفتين اللتين رُويتا عنه، ففي الصحيحين مِن حديث أبي حُميد في صفة صلاته ﷺ: "فإذَا جلس في الركعتين، جَلَس على رِجله اليُسرى، ونصَب الأخرى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة، قدَّم رجله اليسرى، وَنصبَ اليمنى، وَقَعَد على مقعدته" فذكر أبو حُميد أنه كان ينصِب اليمنى. وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها، ولم يقل أحد عنه ﷺ: إن هذه صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به، بل مِن الناس من قال: يتورَّك في التشهدين، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ومِنهم من قال: يفترش فيهما، فينصب اليمنى، ويفترش اليُسرى، ويجلس عليها، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، ومنهم من قال يتورَّك في كل تشهد يليه السلام، ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي رحمه الله، ومنهم من قال يتورَّك في كلِّ صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما، فرقًا بين الجلوسين، وهو قول الإِمام أحمد رحمه الله. ومعنى حديث ابن الزبير رضي الله عنه أنه فرش قدمه اليمنى: أنه كان يجلس في هذا الجلوس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشةً، وقدمُه اليُسرى بين فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس: هل كانت مفروشة أو منصوبة؟ وهذا - والله أعلم - ليس اختلافًا في الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن، فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبًا لها، جالسًا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها وظهرها إلى الأرض، فصح قول أبي حُميد ومن معه، وقول عبد الله بن الزبير، أو يقال: إنه ﷺ كان يَفْعَلُ هذا وهذا، فكان ينصِبُ قدمَه، وربما فرشها أحيانًا، وهذا أروحُ لها. والله أعلم.

ثم كان ﷺ يتشهد دائمًا في هذه الجلسة، وَيُعَلِّم أصحابه أن يقولوا: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ وَالصلَواتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه". وقد ذكر النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كان رسُول اللهِ ﷺ يُعلِّمنا التشهد، كما يُعلمنا السورةَ من القرآن: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلهِ، وَالصلَواتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبَّيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِله إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، أَسْأَلُ اللهَ الجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ النَّار".

ولم تجىء التسميةُ في أول التشهد إلا في هذا الحديث، وله علة غيرُ عنعنة أبي الزبير.

وكان ﷺ يخفِّف هذا التشهد جدًا حتى كأنه على الرَّضْفِ -وهي الحجارة المحماة- ولم يُنقل عنه في حديث قطُّ أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضًا يستعيذُ فيه مِن عذاب القبر وعذابِ النَّار، وفِتنة المحيا والممات، وفِتنةِ المسيح الدَّجال، ومن استحبَّ ذلك، فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صح تبيينُ موضعها، وتقييدُها بالتشهد الأخير.

ثم كان ينهض مكبِّرًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذه كما تقدم، وقد ذكر مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرفَع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري أيضًا، على أنَّ هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديث عبد الله بن عمر، فأكثر رواته لا يذكُرونها، وقد جاءَ ذِكرها مصرحًا به في حديث أبي حُميد الساعدي قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قام إلى الصلاة، كبَّر، ثُمَّ رفع يَدَيْهِ حتى يُحاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، وَيُقِيمُ كُلَّ عُضوٍ في موضعه، ثم يَقْرَأ، ثم يرفع يديه حتى يُحاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يركعُ ويضَعُ راحتيه على رُكبتيه معتدِلًا لا يُصوِّبُ رأسه ولا يُقْنعُ به، ثُمَّ يقولُ: سَمعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَهُ، وَيَرفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، حتَّى يَقَرَّ كُلُّ عَظمٍ إلى مَوْضِعِه، ثم يَهْوي إلى الأرْض، وَيُجَافي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبيْهِ ثم يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيَثْنِي رِجْلَه، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ويَفتَحُ أَصَابع رِجْلَيْهِ إذا سَجَد، ثم يُكَبِّرُ، وَيَجْلِسُ عَلَى رِجْلِهِ اليُسرى حتى. يَريِحَ كُلُّ عظمٍ إلى مَوضِعِه، ثُمَّ يقُومُ فيصنَعُ في الأخرى مِثْلَ ذَلِكَ، ثم إذَا قَامَ مِنَ الرَّكَعَتيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كما يَصْنَعُ عِنْدَ افتتاحِ الصلاة، ثم يُصَلِّي بَقيةَ صَلاتِه هَكَذَا، حتى إذا كَانَتِ السَّجْدَةُ التي فيها التسليمُ، أخرج رِجليه، وَجَلَسَ عَلَى شِقِّه الأيْسَرِ مُتَورِّكا. هذا سياق أبي حاتم في صحيحه وهو في صحيح مسلم أيضًا، وقد ذكره الترمذي مصححًا له من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه كانَ يرفع يديه في هذه المواطن أيضًا.

ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الأخريين بعد الفاتحة شيئًا، وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه وغيره إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الأخريين، واحتج لهذا القولِ بحديث أبي سعيد الذي في الصحيح: حزرْنَا قيامَ رسول الله ﷺ في الظهر في الركعتين الأوليين قَدْر قِراءة (ألم تنزيلَ السَّجدة)، وحزرنا قيامَه في الركعتين الأخريين قَدْرَ النصف مِن ذلك، وحزرنا قيامَه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الركعتين الأُخْرَيَيْنِ من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك.

وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأُخريين.

قال أبو قتادة رضي الله عنه: وكانَ رسولُ الله ﷺ يُصلي بنا، فيقرأ في الظُّهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسُورتين، ويُسمعنا الآية أحيانًا. زاد مسلم: ويقرأُ في الأُخريين بفاتحة الكتاب، والحديثان غير صريحين في محل النزاع. وأما حديث أبي سعيد، فإنما هو حَزر منهم وتخمين، ليس إخبارًا عن تفسير نفسِ فعله ﷺ. وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يُراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة، وأن يُراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأُخريين، بل كان يقرؤها فيهما، كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كل ركعة، وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم، فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة والسورة، وفي الأُخريين بالفاتحة، كان كالتصريح في اختصاص كل قسم بما ذكر فيه، وعلى هذا، فيمكن أن يُقال: إن هذا أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأُخريين بشيء فوق الفاتحة، كما دل عليه حديثُ أبي سعيد، وهذا كما أن هديَه ﷺ كان تطويلَ القراءة في الفجر، وكان يخففها أحيانًا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يُطيلها أحيانًا، وترك القنوت في الفجر، وكان يقنت فيها أحيانًا، والإِسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يُسمع الصحابة الآية فيها أحيانًا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحيانًا.

والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة شيئًا أحيانًا لِعارض لم يكن من فعله الراتب، ومن هذا لما بعث ﷺ فارسًا طليعة، ثم قام إلى الصلاة، وجعل يلتفِتُ في الصلاة إلى الشِّعْب الذي يجيء منه الطليعة، ولم يكن من هديه ﷺ الالتفاتُ في الصلاة، وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت سألتُ رسول الله ﷺ عن الالتفاتِ في الصلاة؟ فقال: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صلاةِ الْعَبْدِ".

وفي الترمذي من حديث سعيد بن المسيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ في الصَّلاة، فَإِنَّ الالتفاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإن كان وَلا بُدَّ ففي التطوُّعِ، لا في الفرض " ولكن للحديث علتان:

إحداهما: إن رواية سعيد عن أنس لا تعرف.

الثانية: إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان، وقد ذكر البزار في مسنده من حديث يُوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ: "لا صَلاة لِلملتفت". فأما حديث ابن عباس: "إن رسُولَ الله ﷺ كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره" فهذا حديث لا يثبُت قال الترمذي فيه: حديث غريب. ولم يزد.

وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي ﷺ. كان يلاحظ في الصلاة. فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، حتى تغير وجهُه، وتغير لونُه، وتحرك بدنُه، ورأيتُه في حال ما رأيتُه في حالٍ قطُّ أسوأ منها، وقال. النبي ﷺ. كان يُلاحظ في الصلاة؟ يعني أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد، وقال: من روى هذا؟ إنما هذا من سعيد بن المسيب، ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وَهَّنَ حديثَ سعيد هذا، وضعف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد، وقال عبد الله بن أحمد: حدثت أبي بحديث حسان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: كان النبي ﷺ: إذا قام إلى الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورَمَى ببصره في موضع سجوده، فأنكره جدًا، وقال: اضِرب عليه. فأحمد رحمه الله أنكر هذا وهذا، وكان إنكارُه للأول أشد، لأنه باطل سندًا ومتنًا.

والثاني: إنما أنكر سنده، وإلا فمتنه غير منكر، والله أعلم.

ولو ثبت الأول، لكان حكاية فعل فَعَلَهُ، لعله كان لمصلحة تتعلق بالصلاة ككلامه عليه السلام هو وأبو بكر وعمر، وذو اليدين في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين، كالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي كبشة السَّلُولي عن سَهْلِ بن الحنظلية قال: ثُوبَ بالصلاة يعني صلاةَ الصبح، فجعل رسولُ الله ﷺ، يصلي وهو يلتفِتُ إلى الشِّعبِ. قال أبو داود: يعني وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يَحْرُسُ فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف، وقريبٌ منه قولُ عمر: إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة. فهذا جمع بين الجهاد والصلاة. ونظيره التفكر في معاني القرآن، واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم، فهذا لون، والتفاتُ الغافلين الَّلاهين وأفكارهم لون آَخر، وبالله التوفيق.

فهديه الراتب ﷺ إطالةُ الركعتين الأوليين من الرُّباعية على الأُخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية، ولهذا قال سعد لعمر: أما أنا فأطيلُ في الأوليين، وأحذف في الأُخريين، ولا آلُو أن أقتديَ بصلاة رسول الله ﷺ.

وكذلك كان هديُه ﷺ. إطالَة صلاة الفجر على سائر الصلوات، كما تقدم. قالت عائشة رضي الله عنها: فرض اللهُ الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ، زِيد في صلاة الحضر، إلا الفجر، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغرب، لأنها وتر النهار. رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وأصله في صحيح البخاري، وهذا كان هديَه ﷺ في سائر صلاته إطالةُ أولها على آخرها، كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلَّى ركعتين طويلتين، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتم صلاته. ولا يُناقض هذا افتتاحَه ﷺ صلاة الليل بركعتين خفيفتين، وأمره بذلك، لأن هاتين الركعتين مفتاحُ قيام الليل، فهما بمنزلة سنة الفجر وغيرها.

وكذلك الركعتان اللتان كان يُصليهما أحيانًا بعد وتره، تارة جالِسًا، وتارة قائمًا، مع قوله: "اجْعَلُوا آخرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" فإن هاتين الركعتين لا تُنافيان هذا الأمر، كما أن المغرب وترُ للنهار، وصلاةُ السنة شفعًا بعدها لا يُخرجها عن كونها وترًا للنهار، وكذلك الوترُ لمَا كان عبادة مستقلة، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة المغرب، من المغرب، ولما كان المغرب فرضًا، كانت محافظته عليه السلام على سنتها أكثر من محافظته على سنة الوتر، وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهرٌ جدًا، وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله تعالى، وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنف، وبالله التوفيق.

فصل

وكان ﷺ إذا جلس في التشهد الأخيرِ، جلس متورِّكًا، وكان يُفضي بوركه إلى الأرض، ويُخرج قدمه من ناحية واحدة.

فهذا أحد الوجوه الثلاثة التي رُويت عنه ﷺ في التورُّكِ. ذكره أبو داود في حديث أبي حُميد الساعدي من طريق عبد الله بن لهيعة وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه هذه الصفة من حديث أبي حميد الساعدي من غير طريق ابن لهيعة، وقد تقدم حديثه.

الوجه الثاني: ذكره البخاري في صحيحه من حديث أبي حميد أيضًا قال: وإذا جلس في الرَّكعة الآخرة، قَدَّم رجله اليُسرى ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته فهذا هو الموافق الأول في الجلوس على الوَرِك، وفيه زيادة وصف في هيئة القَدَمَين لم تتعرض الرواية الأولى لها.

الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير: أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليُسرى بين فخذه وساقه، ويفرشُ قدمه اليمنى، وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخِرَقِي في مختصره وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن، وفي نصب اليُمنى، ولعله كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا أظهر.

ويحتمِل أن يكون من اختلاف الرواة، ولم يُذكر عنه عليه السلام هذا التوركُ إلا في التشهد الذي يليه السلام. قال الإِمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوصٌ بالصلاة التي فيها تشهدان، وهذا التورك فيها جُعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يُسن تخفيفه، فيكون الجالس فيه متهيئًا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مُطمئنًا.

وأيضًا فتكونُ هيئة الجلوسين فارقة بين التشهدين، مذكرة للمصلي حاله. فيهما.

وأيضًا فإن أبا حُميد إنما ذكر هذه الصفة عنه في الجلسة التي في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول، وأنه كان يجلس مفترشًا، ثم قال: "وإذا جلس في الركعة الآخرة" وفي لفظ: "فإذا جلس في الركعة الرابعة".

وأما قوله في بعض ألفاظه: حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليمُ، أخرج رجله اليُسرى، وجلس على شقه متورِّكًا، فهذا قد يحتج به من يرى التورك يُشرع في كل تشهد يليه السلام، فيتورك في الثانية، وهو قول الشافعي رحمه الله، وليس بصريح في الدِّلالة، بل سياقُ الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد، الذي يليه السلام من الرباعية والثلاثية، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وقيامه منه، ثم قال: "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليمُ، جلس متورِّكًا" فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني.

فصل

وكان ﷺ إذا جَلَس في التشهُد، وضع يدَه اليمنى على فخذِه اليمنى، وضمَ أصابعه الثلاث، ونصَب السبابة. وفي لفظ: وقبض أصابعه الثلاث، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى. ذكره مسلم عن ابن عمر.

وقال وائِل بن حُجر: "جعل حَدَّ مِرْفَقِه الأيمن على فَخذِه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيته يُحركها يدعُو بها" وهو في السنن.

وفي حديث ابن عمر في صحيح مسلم "عَقَدَ ثَلاثَةَ وَخَمسِينَ".

وهذه الرواياتُ كلُّها واحدة، فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث، أراد به: أن الوسطى كانت مضمومة لم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض ثنتين من أصابعه، أراد: أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد صرَّح بذلك من قال: وعقد ثلاثة وخمسين، فإن الوسطى في هذا العقد تكونُ مضمومة، ولا تكون مقبوضة مع البنصر.

وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقدُ ثلاث وخمسين لا يُلائِم واحدة من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بد أن تركب البنصر في هذا العقد.

وقد أجاب عن هذا بعضُ الفضلاء، بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمة، وهي التي ذكرت في حديث ابن عمر: تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإِبهام مع الوسطى، وحديثة، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب، والله أعلم.

وكان يبسُط ذراعه على فخذه ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، وأما اليُسرى، فممدودة الأصابع على الفخذ اليُسرى.

وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه، في ركوعه، وفي سجوده، وفي تشهده، ويستقبل أيضًا بأصابع رجليه القبلة في سجوده. وكان يقول في كل ركعتين: التحيات.

وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلاة، فسبعة مواطن.

أحدُها: بعد تكبيرة الإِحرام في محل الاستفتاح.

الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر والقنوت العارض في الصبح قبل الركوع إن صح ذلك، فإن فيه نظرًا. الثالث: بعد الاعتدال من الركوع، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى: كان رسولُ الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سَمعَ الله لمِنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، اللهُمَّ طَهِّرنِي بِالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَالمَاءِ البَارِدِ، اللهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ".

الرَّابع: في ركوعه كان يقول: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اغْفِرْ لِي".

الخامس: في سجوده، وكان فيه غالب دعائه.

السادس: بين السجدتين.

السابع: بعد التشهد وقبل السلام، وبذلك أمر في حديث أبي هريرة، وحديث فَضَالة بن عبيد وأمر أيضًا بالدعاء في السجود.

وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك مِن هديه ﷺ أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن.

وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحدٌ من خلفائه، ولا أرشد إليه أُمّته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنَّة بعدهما، والله أعلم. وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلَها فيها،

وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلَّم منها، انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه، والإِقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن ها هنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر الله وهلَّله وسبَّحه وَحَمِدَه وكبَّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يُصلي على النبيَّ ﷺ بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيبَ هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله، وَحَمِدَه، وأثنى عليه، وصلى على، رسول الله ﷺ استحب له الدعاءُ عقيبَ ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد "إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبدأْ بِحَمْدِ اللهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيصلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ" قال الترمذي: حديث صحيح.

فصل

ثم كان ﷺ يُسلم عن يمينه: السلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ الله، وَعَنْ يساره كذلك. هذا كَانَ فِعله الراتب رواه عنه خمسةَ عشر صحابيًا، وهم: عبد الله بن مسعود، وسعدُ بن أبي وقاص، وسهلُ بن سعد الساعدي، ووائل بن حُجر، وأبو موسى الأشعري، وحُذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رمثة، وعدي بن عميرة، رضي.

الله عنهم.

وقد روى عنه ﷺ أنه كان يُسلِّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ولكن لم يثبت عنه ذلك مِن وجه صحيح، وأجودُ ما فيه حديثُ عائشة رضي الله عنها أنه ﷺ: كان يُسلم تسليمةً واحدة: السلامُ عليكم يرفع بها صوته حتى يُوقِظَنا، هو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل والذين رَوَوا عنه التسليمتين رَوَوْا ما شاهدوه في الفرض والنفل، على أن حديثَ عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يُوقظهم بها، ولم تنف الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتُها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ، وكثير من أحاديثهم صحيح، والباقي حسان.

قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي ﷺ أنه كان يُسلم تسليمة واحدة مِن حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة، ولا يصححها أهلُ العلم بالحديث، ثم ذكر علة حديث سعد: أن النبي ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمة واحدة. قال:

وهذا وهم وغلط، وإنما الحديث: كان رسول الله ﷺ يُسلم عن يمينه وعنْ يساره، ثم ساق الحديثَ مِن طريق ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُسلم عن يمينه وعن شِماله حتى كأَنِّي أنظر إلى صفحة خده، فقال الزهريُّ: ما سمِعنا هذا من حديثِ رسول الله ﷺ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكُلَّ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ قد سمعتَه؟ قال: لا، قال: فنِصفَه؟ قال: لا، قال: فاجْعَلَ هذا مِن النصف الذي لم تَسْمَعْ. قال: وأما حديثُ عائشة رضي الله عنها: عن النبي ﷺ،: كانِّ يسلم تسليمةً واحدة، فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره، وزهير بن محمد عند الجميع، كثير الخطأ لا يحتج به، وذكر ليحيى بن معين هذا الحديث، فقال: حديث عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان، لا حجة فيهما قال: وأما حديث أنس، فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا، قال: وقد روي مرسلًا عن الحسن أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يُسلمون تسلمية واحدة، وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة، قالوا: وهو عمل قد توارثوه كابرًا عن كابر، ومثله يصح الاحتجاجُ به، لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارًا، وهذه طريقةٌ قد خالفهم فيها سائرُ الفقهاءِ، والصوابُ معهم، والسننُ الثابتة عن رسول الله ﷺ لا تُدفع ولا تُرد بعمل أهل بلد كائنًا من كان، وقد أحدث الأُمراءُ بالمدينة وغيرِها في الصلاة أمورًا استمر عليها العملُ، ولم يُلْتَفَتْ إلى استمراره وعملُ أهل المدينة الذي يحتج به مَا كان في زمن الخلفاء الراشدين، وأما عملُهم بعد موتهم، وبعد انقراض عصر مَنْ كان بها في الصحابة، فلا فرق بينهم وبين عمل غيرهم، والسنة تحكُم بين الناسِ، لا عملُ أحد بعد رسول الله ﷺ وخلفائه، وبالله التوفيق.

فصل

وكان ﷺ يدعو في صلاته فيقول: "اللهُمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْةَ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ ".

وكان يقول في صلاتِه أيضًا: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي".

وكان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمرِ، وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ ".

وكان يقول في سجوده "رَبِّ أعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا ". وقد تقدم ذِكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.

فصل

والمحفوظ في أدعيته ﷺ في الصلاة كلِّها بلفظ الإِفراد، كقوله: "رَبِّ اغْفِر لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي"، وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ومنها قولُه في دعاء الاستفتاح: "اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالماءِ وَالبَرَدِ، اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" الحديث.

وروى الإِمام أحمد رحمه الله وأهل السنن من حديث ثوبان عن النبي ﷺ: "لا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دونهم، فَإِنْ فَعَل، فَقَدْ خَانَهُم" قال ابن خزيمة في صحيحه: وقد ذكر حديث "اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبين. خَطَايَايَ"، الحديث قال: في هذا دليلٌ على رد الحديث الموضوع "لا يؤم عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخصُّ نَفْسَه بِدَعْوَةٍ دُونَهُم، فَإنْ فَعَلَ فَقَد خَانَهُمْ" وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديثُ عندي في الدعاء الذي يدعو به الإِمامُ وللمأمومين، ويشترِكون فيه كدعاء القنوت ونحوه والله أعلم.

فصل

وكان ﷺ إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد رحمه الله وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدم. وكان قد جعل الله تعالى عينه ونعيمَه وسرورَه وروحَه في الصلاة. وكان يقول: "يا بِلالُ أرحناِْ بِالصلاةِ". وكان يقول: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ ". ومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم مع كمال إقباله. وقربه من الله تعالى وحضورِ قلبه بين يديه واجتماعِه عليه.

وكان يدخل في الصلاة وهو يُريد إطالتها، فيسمع بكاءَ الصبي، فيخففها مخافةَ أن يَشُقَّ على أمِّه، وأرسل مرة فارسًا طَليعةً له، فقام يصلي، وجعل يلتفِت إلى الشِّعب الذي يجيء منه الفارس، ولم يشْغَلْه ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه. كذلك كان يُصلي الفرض وهو حاملٌ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنةَ بنته زينب على عاتقه، إذا قام، حملها، وإذا ركع وسجد، وضعها.

وكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره. وكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي، فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة.

وكان يَرُدُ السلام بالإِشارة على من يُسلم عليه وهو في الصلاة وقال جابر: بعثني رسولُ الله ﷺ لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يصلي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ. ذكره مسلم في صحيحه. وقال أنس رضي الله عنه: كان النبيُّ ﷺ يُشير في الصلاة، ذكره الإِمام أحمد رحمه الله.

وقال صُهيب: مررتُ برسول الله ﷺ وهو يُصلي، فسلمتُ عليه، فرد إشارة، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في السنن والمسند.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: خرج رسولُ الله ﷺ إلى قُباء يُصلي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله ﷺ يردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق"، وهو في السنن والمسند وصححه الترمذي، ولفظه: كان يشير بيده.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه، ذكره البيهقي.

وأما حديث أبي غطفان عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ أَشَارَ فِي صَلاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنهُ، فَلْيُعِدْ صَلاته" فحديث باطل، ذكره الدارقطني وقال: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يُشير في صلاته رواه أنس وجابر وغيرهما.

وكان ﷺ يُصلي وعائشة معترِضَةً بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما. كان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه.

وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه.

وكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصقَ بطنُه بالجدار، ومرت من ورائه. يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة.

وكان يُصلي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة ولفظ أحمد فيه: فأخذتا بركبتي النبي ﷺ، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ.

وكان يُصلي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرت بين يديه جاريةٌ فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله ﷺ قال: "هُنَّ أَغْلَبُ" ذكره الإِمام أحمد، وهو في السنن.

وكان ينفُخ في صلاته، ذكره الإِمام أحمد، وهو في السنن.

وأمّا حديث: " النَّفْخُ فِي الصَّلاةِ كَلامٌ " فلا أصل له عن رسول ﷺ، وإنما رواه سعيد في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله إن صح.

وكان يبكي في صلاته، وكان يَتَنَحْنَحُ في صلاته قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان لي من رسول الله ﷺ ساعةٌ آتيه فيها، فإذا أتيتُه استأذنتُ، فإن وجدتُه يُصلي فتنحنح، دخلتُ، وإن وجدته فارغًا، أذن لي، ذكره النسائي. وأحمد، ولفظ أحمد: كان لي مِن رسول الله ﷺ مَدخلانِ بالليل والنهار، وكنت إذا دخلتُ عليه وهو يصلي، تنحنح. رواه أحمد، وعمل به، فكان يتنحنحُ في صلاته ولا يرى النحنحة مبطلة للصلاة.

وكان يُصلي حافيًا تارةً، ومنتعلًا أخرى، كذلك قال عبد الله بن عمرو عنه: وَأَمَرَ بالصلاة بالنعل مُخالفة لليهود.

وكان يُصلي في الثوب الواحد تارة، وفي الثوبين تارة، وهو أكثر.

وقنت في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت ولم يكن مِن هديه القنوتُ فيها دائمًا، ومِنْ المحال أن رسولَ اللهِ ﷺ كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: "اللهُمَ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ وَلَّيْتَ، " الخ ويرفعُ بذلك صوته، ويؤمِّن عليه أصحابُه دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يُضيعه أكثرُ أمته، وجمهورُ أصحابه، بل كلُهم، حتى يقولَ من يقول منهم: إنه مُحْدَثٌ، كما قال سعد بن طارق الأشجعي: قلتُ لأبي: يا أبتِ إنَّك قد صليتَ خلفَ رسولِ الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم ها هنا، وبالكُوفة منذ خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر.؟ فقال: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ رواه أهل السنن وأحمد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوتَ في صلاة الفجر بِدعة.

وذكر البيهقي عن أبي مِجلز قال: صليتُ مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنُت، فقلت له: لا أراك تقنُت، فقال: لا أحفظُه عن أحد من أصحابنا.

ومن المعلوم بالضرورة أن رسولَ الله ﷺ لو كان يقنت كلَّ غداة، ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمِّن الصحابة، لكان نقلُ الأمة لذلك كُلِّهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييعُ أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييعُ ذلك، ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديُه الجهرَ بالبسملة كلَّ يوم وليلةٍ خَمسَ مرات دائمًا مستمرًا ثم يُضَيِّعُ أكثر الأمة ذلك، ويخفى عليها، وهذا مِن أمحلِ المحال بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقلُه كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإِخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها، والله الموفق.

والإِنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف، أنه ﷺ جهر، وأسر، وقنت، وترك، وكان إسرارُه أكثَر من جهره، وتركه القنوتَ أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قَدِمَ من دعا لهم، وتخلَّصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين، فكان قنوتُه لعارض، فلما زال تَرَك القنوت، ولم يختصَّ بالفجر، بل كان يقنُت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في صحيحه عن أنس.

وقد ذكره مسلم عن البراء وذكر الإِمام أحمد عن ابن عباس قال: قنت رسولُ الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصُّبح في دُبُرِ كل صلاة إذا قال: سَمعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَه من الركعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سليم على رِعل وذَكوان وعُصية، ويؤمِّن من خلفه، ورواه أبو داود.

وكان هديُه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وتركَه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربِها من السَّحَر، وساعةِ الإِجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاةُ، المشهودة التي يشهدها الله وملائكتُه، أو ملائكةُ الليل والنهار، كما رُوي هذا، وهذا، في تفسير قوله تعالى: { إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [82]. وأما حديثُ ابن أبي فُديك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسَه مِنَ الرُّكُوعِ من صلاة الصُّبح في الرَكعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: "اللهمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِك لي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتعالَيْتَ" فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا أو حسنًا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك فذكره نعم صحَّ عن أبي هُرَيرَة أنه قال: والله لأنا أقربُكم صلاةً برسول الله ﷺ، فكان أبو هريرة يقنُت في الركعة الأخيرة مِن صلاة الصبح بعدما يقول: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِده، فيدعو للمؤمنين، ويلعنُ الكُفَّار ولا ريب أن رسولَ اللهِ ﷺ فعل ذلك، ثمَّ تركه، فأحبَّ أبو هريرة أن يُعلِّمهم أن مِثلَ هذا القنوتِ سنة، وأن رسول الله ﷺ فعله، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة، فأهلُ الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعدُ بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنُتون حيثُ قنت رسولُ الله ﷺ، ويتركُونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فِعله سنة، وتركُه لسنة، ومع هذا فلا يُنكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعِلَه مخالفًا للسنة، كما لا يُنكِرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تارِكه مخالفًا للسنة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي ﷺ فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى بهذا المحل، وإذا جهر به الإِمام أحيانًا لِيعلِّم المأمومين، فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضًا جهر الإِمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يُعنَّف فيه من فعله، ولا مَنْ تَركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإِقامة، وأنواع النسك من الإِفراد والقِران والتمتع، وليس مقصودُنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو، فإنه قِبلَةُ القصد، وإليه التوجُّه في هذا الكتاب، وعليه مدارُ التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا يُنكر فعلُه وتركُه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودُنا فيه هديُ النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكملُ الهدي وأفضلُه، فإذا قلنا: لم يكن مِن هديه المداومةُ على القنوت في الفجر، ولا الجهرُ بالبسملة، لم يدلَّ ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديُه ﷺ أكملُ الهدي وأفضلُه، والله المستعان.

وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس قال: ما زالَ رسولُ الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وهو في المسند والترمذي وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره وقال ابن المديني: كان يخلط وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرًا. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير.

وقال لي شيخنا ابن تيمية قدَّس الله روحه: وهذا الإِسناد نفسه هو إسناد حديث { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورِهِمْ } [83]. حديث أبي بن كعب الطويل، وفيه: وكان روحُ عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهدَ والميثاقَ في زمن آدم، فأَرسلَ تلك الروحَ إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيا، فأرسله الله في صورة بشر فتمثل لها بشرًا سويًا، قال: فحملت الذي يخاطبها، فدخل مِن فيها، وهذا غلط محض، فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها؟ { إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًا } [84] ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى بن مريم، هذا محال.

والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحبُ مناكير، لا يَحتج بما تفرد به أحدٌ من أهل الحديث البتة، ولو صح، لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوتَ هذا الدعاءُ، فإن القنوتَ يُطلق على القيا م، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: { وَلَهُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلُّ لَهُ قَانِتُون } [85]، وقال تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحمَةَ رَبِّه } [86]، وقال تعالى: { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ } [87] وقال ﷺ " أَفْضَلُ الصلاةِ طُولُ القُنُوت ". وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: { وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ } [88] أمرنا بالسُّكُوتِ، ونُهينا عَنِ الكَلامِ. وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنُت بعد الركوع رافعًا صوته "اللهُمَّ اهدني فيمن هديت. " إلى آخره ويؤمِّن من خلفه، ولا ريب أن قوله: ربَّنا ولكَ الحمدُ، مِلءَ السماواتِ، وَمِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ، إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله، قنوتٌ، وتطويلُ هذا الركن قنوتٌ، وتطويلُ القراءة قنوت، وهذا الدعاءُ المعيَّن قنوت، فمن أين لكم أن أنسًا إِنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟

ولا يقال: تخصيصُه القنوتَ بالفجر دونَ غيرها مِن الصلواتِ دليل على إرادة الدعاء المعين، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترَك بين الفجر وغيرها، وأنس خصَّ الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يُقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين، لأن أنسًا قد أخبر أنه كان قنت شهرًا ثم تركَه، فتعيَّن أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوتَ المعروف، وقد قنت أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك وغيرهم.

والجواب من وجوه. أحدُها: أن أنسًا قد أخبر أنه ﷺ كان يقنُت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء، فما بالُ القنوت أخص بالفجر؟

فإن قلتم: قنوتُ المغرب منسوخ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوتُ الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلًا على نسخ قنوت الفجر سواء، ولا يُمكنكم أبدًا أن تُقيموا دليلًا على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوتِ الفجر. فإن قلتم: قُنوتُ المغرب كان قنوتًا للنوازل، لا قنوتًا راتبًا، قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوتُ الفجر سواء، وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوتَ نازلة، لا قنوتًا راتبًا أن أنسًا نفسه أخبر بذلك، وَعُمدَتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوتَ نازلة ثم تركه، ففيالصحيحينعن أنس قال: قنَتَ رسولُ الله ﷺ شهرًا يدعو على حي مِن أحياءِ العرب، ثم تركه.

الثاني: أن شَبابة روى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قومًا يزعمُون أن النبي ﷺ لم يزل يقنُت بالفجر، قال: كذبوا، وإنما قَنتَ رسول الله ﷺ شهرًا واحدًا يدعو على حيٍّ من أحياء العرب، وقيس بن الربيع وإن كان يحيى بن معين ضعفه، فقد وثقه غيره، وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وقيس ليس بحجة في هذا الحديث، وهو أوثقُ منه أو مثلُه، والذين ضعفوا أبا جعفر أكثرُ من الذين ضعفوا قيسًا، فإنما يعرف تضعيفُ قيس عن يحيى، وذكر سببَ تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع، فقال: ضعيف لا يُكتب حديثه، كان يحدِّث بالحديث عن عبيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي، لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومن الذي يسلم من هذا من المحدثين؟

الثالث: أن أنسًا أخبر أنهم لم يكونوا يقنُتون، وأن بدء القنوت هو قنوتُ النبي ﷺ يدعو على رِعل وذَكوان، ففي الصحيحين من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القُرَّاءُ، فعرض لهم حَيَّانِ من بني سليم رِعل وذَكوان عند بئر يقال له: بئر مَعونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله ﷺ، فقتلوهم، فدعا رسولُ الله ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة، فذلك بدءُ القنوت، وما كنا نقنُت.

فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائمًا، وقول أنس: فذلك بدءُ القنوتُ، مع قوله: قنت شهرًا، ثم تركه، دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل، وهو الذي وقَّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرًا، كما في الصحيحين عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة العَتَمَة شهرًا يقول في قنوته: "اللهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَام، اللهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضعفِينَ مِنْ المُؤْمِنِينَ، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضرَ، اللهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِني يُوسُف". قال أبو هريرة: وأصبح ذاتَ يوم فلم يدعُ لهم، فذكرتُ ذلك له، فقال: أوما تراهم قد قَدِمُوا، فقنوتُه في الفجر كان هكذا سواء لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقَّته أنس بشهر.

وقد روي عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضًا في الفجر شهرا، وكلاهما صحيح، وقد تقدم ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس: قنت رسول الله ﷺ: شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، ورواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح.

وقد ذكر الطبراني في معجمه من حديث محمد بن أنس: حدثنا مُطرِّف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان لا يُصليِّ صلاةً مكتوبة إلا قنت فيها.

قال الطبراني: لم يروه عن مطرِّف إلا محمد بن أنس. انتهى. هذا الإِسناد وإن كان لا تقوم به حُجة، فالحديث صحيح من جهة المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله ﷺ لم يُصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها، كما تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك ولا نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمر في الفجر إلى أن فارق الدنيا.

الوجه الرابع: أن طرق أحاديث أنس تُبين المراد، ويصدق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. وفي الصحيحين من حديث عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبلَ الركوع أو بعده؟ قال: قبله؟ قلتُ: وإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعدَه. قال: كذب، إنما قلت: قنتَ رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا. وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول تفرد به عاصم، وسائر الرواة. عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدًا، غيرَ أنه خالف أصحابَ أنس موضع القنوتين، والحافظ قد يهم، والجواد قد يعثُر، وحكوا عن الإِمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول الله ﷺ قنت قبل الركوع غيرَ عاصم الأحول؟ فقال: ما علمتُ أحدًا يقوله غيرُه. قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كُلَّهم، هشام عن قتادة عن أنس، والتيمي، عن أبي مجلز، عن أنس، عن النبي ﷺ: قنت بعد الركوع، وأيوبُ عن محمد بن سيرين قال: سألت أنسا. وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه. وأما عاصم فقال: قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنتَ بعد الركوع شهرًا. قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره، قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنما هي الركوع؟ فقال: بلى كلها عن خُفاف بن إيماء بنِ رَحْضَة، وأبي هريرة. قلت لأبي عبد الله: فلم ترخص إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديثُ بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل أصحاب النبي ﷺ واختلافهم، فأما في الفجر فبعد الركوع.

فيقال: من العجب تعليلُ هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع، وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي. وقل من تحمَّل مذهبًا وانتصر له في كل شيء إلا اضطر إلى هذا المسلك.

فنقول وبالله التوفيق: أحاديث أنس كلها صحاح، يُصدِّق بعضُها بعضًا، ولا تتناقضُ، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غيرُ القنوت الذي ذكره بعده، والذي وقته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالةُ القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: "أَفْضلُ الصَّلاةِ طُولُ القنُوتِ " والذي ذكره بعده، هو إطالةُ القيام للدعاء، فعله شهرًا يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمرَّ يُطيل هذا الركنَ للدعاء والثناء، إلى أن فارق الدنيا، كما في الصحيحين عن ثابت، عن أنس قال: إني لا أزال أُصلي بكم كما كان رسولُ الله ﷺ يُصلي بنا، قال: وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائلُ: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة يمكُث، حتى يقول القائلُ: قد نسي. فهذا هو القنوتُ الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا.

ومعلوم أنه لم يكن يسكُت في مثل هذا الوقوف الطويل، بلَ كان يثني على ربه، ويُمجِّده، ويدعوه، وهذا غيرُ القنوتِ الموقَّت بشهر، فإن ذلك دعاء على رِعل وذَكوان وعُصيَّة وبني لِحيان، ودُعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. وأما تخصيصُ هذا بالفجر، فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت الفجر، فأجابه عما سأله عنه. وأيضًا، فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان كما قال البراء بن عازب: ركُوعُه، واعتداله، وسجودُه، وقيامُه متقاربًا. وكان يظهرُ مِن تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك. ومعلوم أنه كان يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجده في هذا الاعتدال، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا قنوتٌ منه لا ريبَ، فنحن لا نشكُّ ولا نرتابُ أنه يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.

ولما صار القنوتُ في لِسان الفقهاء وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: اللهم اهدني فيمن هديت، إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاءُ الراشدون وغيرهم من الصحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَن لا يعرف غيرَ ذلك، فلم يشك أن رسول الله ﷺ وأصحابَه كانوا مداومين عليه كلَّ غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهورُ العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فِعله الراتب، بل ولا يثبُت عنه أنه فعله.

وغاية ما رُوي عنه في هذا القنوت، أنه علمه للحسن بن علي، كما في المسند والسنن الأربع عنه قال: علَّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في قُنوت الوترِ: "اللهُمّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِك لِي فِيمَا أَعْطيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإنَكَ تَقْضِي، وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ") قال الترمذي: حديث حسن، ولا نعرف في القنوت عن النبي ﷺ شيئًا أحسنَ من هذا، وزاد البيهقي بعد "وَلا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ"، "وَلا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ".

وممّا يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيامُ للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا أبو هلال، حدثنا حنظلة إمامُ مسجد قتادة، قلت: هو السدوسي، قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت، أنا: بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك، فقال: أتيتُ النبي ﷺ في صلاة الفجر، فكبر، وركع، ورفع رأسه، ثم سجد، ثم قام في الثانية، فكبر، وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعة ثم وقع ساجدًا. وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، وهو يُبين مراد أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلًا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو كان مرادَ أنس، فاتفقت أحاديثُه كلُها، وبالله التوفيق. وأما المروي عن الصحابة، فنوعان:

أحدُهما: قنوت عند النوازل، كقنوتِ الصديق رضي الله عنه في محاربه الصحابة لمسيلِمة، وعِند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوتُ عمر، وقنوت علي عند محاربته لمعاوية وأهل الشام.

الثاني: مطلَق، مرادُ من حكاه عنهم به تطويلُ هذا الركن للدعاء والثناء، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو[عدل]

ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني".

وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته، وإكمالِ دينهم، ليقتدوا به فيما يشرعُه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في الموطأ: "إِنَّمَا أنْسَى أوْ أنَسَّى لأَسُنَ".

وكان ﷺ ينسى، فيترتب على سهوه أحكامٌ شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة، فقام ﷺ من اثنتين في الرُّباعية، ولم يجلس بينهما، فلما قض صلاته، سجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم، فأخذَ من هَذا قاعدة: أن من ترك شيئًا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوًا، سَجد له قبل السلام، وأخذَ من بعض طرقه أنه: إذا ترك ذلك وشرع في ركن، لم يرجع إلى المتروك، لأَنه لما قام، سَبَّحُوا، فأشار إليهم: أن قوموا.

واختلف عنه في محل هذا السجود، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن بُحَيْنَة، أنه ﷺ قام من اثْنَتَيْنِ من الظهر، ولم يَجْلس بينهما، فلما قضى صلاته، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سلًّم بعد ذلكَ.

وفي رواية متفق عليها: يكَبِّر في كل سجدة وهو جالِس قبل أن يُسَلِّمَ.

وفي المسند من حديث يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زياد بن عِلاقة قال: صلَّى بنا المغيرةُ بن شعبة، فلما صلى ركعتين، قام ولم يجلِس، فسبَّح به مَن خلفه، فَأشار إليهم: أن قوموا، فلما فَرَغَ من صلاته، سلَّم، ثم سجد سجدتين، وسلَّم، ثم قال: هكذا صنع بنا رسولُ الله ﷺ، وصححه الترمذي.

وذكر البيهقي من حديث عبد الرحمن بن شمَاسَة المَضري قال: صلَّى بنا عقبة بن عامر الجُهني، فقام وعليه جلوسٌ، فقالَ الناس: سُبحانَ اللهِ، سبحان الله، فلم يجلس، ومضى على قيامه، فلما كان في آخر صلاته، سجد سجدتي السَهو وهو جالس، فلما سلَّم، قال: إني سمعتكم آنفًا تقولون: سبحانَ اللهِ لكيما أجلس، لكِنَّ الَسُّنَّةَ الَّذِي صنَعْت وحديث عبد الله بن بُحينة أولى لثلاثة وجوه.

أحدها: أنه أصحُّ من حديث المغيرة.

الثاني: أنه أصرح منه، فإن قول المغيرة: وهكذا صنع بنا رسول الله ﷺ، يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة، ويكون قد سجد النبي ﷺ في هذا، السهو مرة قبل السلام، ومرة بعده، فحكى ابن بُحينة ما شاهده، وحكى المغيرةُ ما شاهده، فيكون كِلا الأمرين جائزًا، ويجوز أن يُريد المغيرة أنه ﷺ قام ولم يرجع، ثم سجد للسهو.

الثالث: أن المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام وسجده بعده، وهذه صفة السهو، وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام، والله أعلم.

فصل

وسلّم ﷺ من ركعتين في إحدى صلاتي العَشِيِّ، إما الظُّهرِ، وإما العَصْرِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، ثُمَّ أتَمَّهَا، ثُمَّ سلَّم، ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بعد السَّلامِ والكلام، يُكبِّر حِين يسجدُ، ثمَّ يُكبِّر حين يرفع.

وذكر أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ صلَّى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم، وقال الترمذي: حسن غريب.

وصلى يومًا فسلَّم وانصرف، وقد بقي مِن الصلاة ركعة، فأدركه طلحةُ بن عبيد الله، فقال: نسيتَ من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس رَكْعَةً ذكره الإِمام أحمد رحمه الله.

وصلى الظهر خمسًا، فقيل له: زِيدَ في الصلاة؟ قال: وما ذاكَ؟ قالوا: صليتَ خمسًا، فسجَدَ سجدتين بعدما سلم. متفق عليه.

وصلى العصر ثلاثًا، ثم دخل منزله، فذكَّره الناس، فخرج فصلى بهم ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم.

فهذا مجموعُ مَا حُفِظَ عنه ﷺ من سهوه في الصلاة، وهو خمسة مواضع، وقد تضمن سجودهُ في بعضه قبلَ السلام، وفي بعضه بعدَه.

فقال الشافعي رحمه الله: كُلُّه قبل السلام.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: كُلُه بعد السلام.

وقال مالك رحمه الله: كُلُّ سهو كان نقصانًا في الصلاة، فإن سجوده قبل السلام، وكُلُّ سهو كان زيادة في الصلاة، فإن سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع سهوانِ: زيادة ونقصان، فالسجودُ لهما قبل السلام.

قال أبو عمر بن عبد البر: هذا مذهبُه لا خلاف عنه فيه، ولو سجد أحد عنده لسهوه بخلاف ذلك، فجعل السجود كلَّه بعد السلام، أو كلَّه قبل السلام، لم يكن عليه شيء، لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده، لاختلاف الآثار المرفوعةِ، والسلفِ من هذه الأمة في ذلك.

وأما الإِمام أحمد رحمه الله، فقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن سجود السهو: قبل السلام، أم بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع بعده، كما صنع النبي ﷺ حين سلَّم من اثنتين، ثم سجد بعد السلام، على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين.

ومن سلم من ثلاث سجد أيضًا بعد السلام على حديث عمران بن حصين وفي التحري يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود، وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بُحينة وفي الشك يَبني على اليقين، ويسجدُ قبل السلام على حديثِ أبي سعيد الخدري وحديثِ عبد الرحمن بن عوف.

قال الأثرم: فقلتُ لأحمد بن حنبل: فما كان سِوى هذه المواضع؟ قال يسجدُ فيها كلِّها قبل السلام، لأنه يتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ، لرأيتُ السجودَ كلَّه قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه في السلام، ولكن أقولُ: كل ما روي عن النبي ﷺ أنه سجد فيه بعد السلام، يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.

وقال داود بن علي: لا يسجد أحد للسهو إلا في الخمسة المواضع سجد فيها رسول الله ﷺ. انتهى.

وأما الشكُّ، فلم يَعرِض له ﷺ، بل أمر فيه بالبناء على اليقين، وإسقاط الشك، والسجود قبل السلام. فقال الإِمامُ أحمد: الشكُّ على وجهين: اليقين والتحري، فمن رجع إلى اليقين، ألغى الشك، وسجَد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا رجع إلى التحرِّي وهو أكثرُ الوهم، سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى.

وأما حديث أبي سعيد، فهو "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فلَمْ يَدْرِ كَمَْ صلى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَليَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أن يُسَلِّمَ ".

وأما حديثُ ابن مسعود، فهو "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُم فِي صَلاتِهِ، فليتحر الصَّوَابَ، ثُمَّ لِيَسجُد سَجدَتَينِ" متفق عليهما. وفي لفظ الصحيحين: "ثم يُسَلِّم، ثمَّ يَسْجدَ سَجدَتَينِ" وهذا هو الذي قال الإِمامُ أحمد، وإذا رجع إلى التحري، سجد بعد السلام.

والفرق عنده بين التحري واليقين، أن المصلي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنِّه وأكثرِ وهمه، وهذا هو التحري، فسجد له بعد السلام على حديثِ ابن مسعود، وإن كان منفردًا، بنى على اليقين، وسجد قبل السَّلام على حديث أبي سعيد، وهذه طريقةُ أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه: روايتان. أخريان: إحداهما: أنه يبني على اليقين مطلقًا، وهو مذهبُ الشافعي ومالك، والأخرى: على غالب ظنه مطلقًا، وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك، وبين الظن الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين، ومع أكثرِ الوهم أو الظنِّ الغالب يتحرَّى، وعلى هذا مدارُ أجوبته. وعلى الحالين حملُ الحديثين، والله أعلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله في الشك: إذا كان أوّلَ مَا عَرَضَ له، استأنفَ الصلاة، فإن عرض له كثيرًا، فإن كان له ظنٌّ غالب، بنى عليه، وإن لم يكن له ظن، بنى على اليقين.

فصل

ولم يكن من هديه ﷺ تغميضُ عينيه في الصلاة، وقد تقدم أنه كان في التشهد يوميء ببصره إلى أصبعه في الدعاء، ولا تجَاوِزُ بَصرهُ إشارتَه.

وذكر البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: كان قِرَامٌ لعائشة، سترت به جانِبَ بيتها، فقال النبيُّ ﷺ: " أَمِيطِي عَنِّي قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَة لا تَزَالَ تصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي في صَلاتِي " ولو كان يُغمض عينيه في صلاته، لما عَرَضَتْ له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ، لأن الذي كان يعرِض له في صلاته: هل تذكُّر تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل، وهذا محتمل، وأبينُ دلالةَ منه حديثُ عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وأْتُونِي بِانْبِجانِيَّةِ أَبِي جَهمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنى آنفًا صَلاتِي". وفي الاستدلال بهذا أيضا ما فيه، إذ غايتُه أنه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك الالتفاتةُ ولا يدُلُ حديثُ التفاته إلى الشِّعب لما أرسل إليه إليه الفارس طليعة، لأن ذلك النظرَ والالتفاتَ منه كان لِلحاجة، لاهتمامه بأمورِ الجيش، يدُلُ على ذلك مَدُّ يده في صلاة الكسوف ليتناولَ العُنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيتهُ النَّارَ وصاحبةَ الهرة فيها، وصاحِبَ المِحْجَنِ وكذلك حديثُ مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، وردُّه الغلامَ والجارية، وحجزُه الجاريتين، وكذلك أحاديثُ ردِّ السلام بالإِشارة على من سلم عليه والصلاة، فإنه إنما كان يُشير إلى من يراه، وكذلك حديثُ تعرُّضِ الشيطان له فأخذه فخنفه، وكان ذلك رؤيةَ عين، فهذه الأحاديثُ وغيرُها يُستفاد مِن مجموعها العلم بأنه لم يكن يُغْمِضُ عينيه في الصلاة.

وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرِهه الإِمامُ أحمد وغيرُه، وقالوا: هو فعلُ اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكونُ أقربَ إلى تحصيل الخشوع الذي هو روحُ الصلاة وسرُّها ومقصودها. والصواب أن يُقال: إن كان تفتيحُ العين لا يُخِلُ بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعًا، والقولُ باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم.

فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسِه بعدها وسرعة الانتقال منها وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها[عدل]

كان إذا سلم، استغفر ثلاثًا، وقال: "اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، ومنكَ السلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ".

ولم يمكث مستقبِلَ القِبلة إلا مقدارَ ما يقولُ ذلك، بل يُسرع الانتقالَ إلى المأمومين.

وكان ينفتِل عن يمينه وعن يساره، وقال ابن مسعود: رأيتُ رسول الله ﷺ كثيرًا ينصرِف عن يساره.

وقال أنس: أكثرُ ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ ينصرف عن يمينه، والأول في الصحيحين والثاني في "مسلم".

وقال عبد الله بن عمرو: رأيتُ رسول الله ﷺ ينفتِلُ عن يمينه وعن يساره في الصلاة.

ثم كان يُقبِل على المأمومين بوجهه، ولا يخصُّ ناحيةً منهم دون ناحية.

وكان إذا صلى الفجرَ، جلس في مصلاه حتى تَطْلُعَ الشمسُ.

وكان يقولُ في دُبُر كلِّ صلاة مكتوبة: " لا إله إِلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، له المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ، اللهُمَّ لا مَانعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا معْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ".

وكان يقول: " لا إله إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلهُ الْحَمدُ، وَهوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَديرٌ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بالله، لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إلا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلًهُ الَفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لا إله إِلاًّ اللًّهُ، مُخْلصينَ لَهُ الدًّينَ وَلَو كَرِه الْكَافِرُونَ".

وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا سلَّم من الصلاة قال: " اللهُمَّ اغْفرْ لي مَا قَدًّمْتُ، وَمَا أخَّرْت، وَمَا أسْرَرْتُ، وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفتُ، وَمَا أنْتَ أَعْلَمُ به منِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وَأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا اْنْتَ".

هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاح الصلاة والسلام، وما كان يقوله في ركوعه سجوده. ولمسلم فيه لفظان.

أحدُهما: إن النبي ﷺ كان يقوله بين التشهد والتسليم، وهذا هو الصواب.

والثاني: كان يقوله بعد السلام، ولعله كان يقوله في الموضعين، والله أعلم.

وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كان رسولُ الله ﷺ يقولُ كُلِّ صلاة: "اللًّهُمَّ رَبّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ، أَنا شَهيدٌ أَنّكَ الرَّبُّ وحدك لا شَرِيكَ لَكَ، اللهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كلِّ شَيءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَدًا عَبْدُكَ وَرسولك اللهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ العِبَادَ كُلَّهُم إِخْوَةٌ، اللهُمَّ رَبَّنَا وَرب كل شَيءٍ، اجْعَلْني مخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِي في كلِّ ساعَة مِنَ الدّنْيَا وَالآخِرَةِ يَا ذَا الجلال وَالإِكرَامِ، اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ، اللهُ أكْبَرُ الأَكبْرُ اللهُ نُور السَّمَاواتِ وَالأَرض. الله أَكْبَرُ الأَكْبَرُ، حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللهُ أَكْبَرُ اللأَكْبَرُ" ورواه أبو داود.

وندب أمته إلى أن يقولُوا في دُبر كل صلاة: سُبحانَ اللهِ ثلاثًا والحمدُ للَّهِ كذلك، واللهُ أكبرُ كذلك، وتمام المائة: لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شريك له، لَهُ المُلْك وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَعلى كُلِّ شيءٍ قدير.

وفي صفة أخرى: التكبيرُ أربعًا وثلاثين فتتم به المائة.

وفي صفة أخرى: "خمسًا وعشرين تسبيحة، ومثلها تحميدة، ومثلها تكبيرة، ومثلها لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِير".

وفي صفةٍ أخرى: "عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات".

وفي صفة أخرى "إحدى عشرة" كما في صحيح مسلم في بعضِ روايات حديث أبي هريرة "وَيُسَبِّحُونَ، وَيَحْمَدُونَ، وَيُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فذلك ثلاثة وثلاثون" والذي يظهر في هذه الصفة، أنها مِن تصرف بعض الرواة وتفسيره، لأَن لفظ الحديث "يُسَبِّحُونَ وَيَحْمَدُونَ، وَيُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين" وإنما مُرَادُه بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلماتِ التسبيح والتحميد والتكبير، أي "قولوا: "سُبحانَ اللهِ، والحَمْدُ للَّه، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين" لأن راوي الحديث سُمي عن أبي صالح السمان، وبذلك فسره أبو صالح قال: قولوا: "سُبحانَ الله والحمدُ للَّهِ، واللهُ أكبر، حتى يكون منهن كُلِّهن ثلاث وثلاثون".

وأما تخصيصُه بإحدى عشرة، فلا نظير له في شيء من الأذكار بخلاف المائة، فإن لها نظائر، والعشر لها نظائرُ أيضًا، كما في السنن من حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أن يَتكَلَّمَ، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وهو عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّات، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهَُ عشر سَيِّئَاتٍ، وَرُفعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذلِكَ كُلَّهُ في حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوه وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْم إِلَّا الشِّرْكَ بالله " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة، أنه ﷺ أنه ﷺ علَّم ابنته فاطمة لما جاءت تسأله الخادم، فأمرها: أن تسبِّحَ الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمدَه ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره ثلاثًا وثلاثين، وإذا صلَّت الصبحَ أن تقول: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَبَعْدَ صَلاةِ المَغْربِ، عَشْرَ مَرَّات ".

وفي صحيح ابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: "مَنْ قَالَ إِذا أَصْبَحَ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلَ شىء قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيئَاتٍ، وَ لَهُ بهنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكُنَّ لَهُ عِدْلَ عَتَاقَةِ أَرْبَع رِقَابٍ، وَكُنَّ لَهُ حَرَسًا مِنَ الشيطان حَتَى يُمْسِي، وَمَنْ قَالَهُنَّ إِذَا صَلَّى المَغْرِبَ دُبُرَ صَلاتِهِ فَمِثْلُ ذلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ " وقد تقدم قولُ النبي ﷺ في الاستفتاح "اللهُ أكبرُ عشرًا، والحمدُ للَّهِ عشرًا وسبحانَ اللَهِ عشرًا، وَلا إلهَ إِلَّا اللَهُ عَشْرًا، ويستغفِرُ الله عشرا، ويقول: اللهم، اغفر لي، وَاهْدِني وارزقني عشرًا، ويتعوذ مِن ضِيق المقام يوم القيامة عشرًا" فالعشر في الأَذكار والدعوات كثيرة. وأما الإِحدى عشرة، فلم يجىء ذكرُها شيء من ذلك البتة إلا في بعض طُرق حديث أبي هريرة المتقدم والله أعلم.

وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه، أن النبي ﷺ كان يقولُ عند انصرافه من صلاته: "اللهُمَّ أصْلحْ لِي دِينِي الَّذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أَمْرِي، وَأَصْلحْ لي دُنْيايَ، التي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ من نِقْمَتِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا مَانعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ".

وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب أنه قال: ما صليتُ وراء نبيكم ﷺ إلا سمعتُه حِين ينصرِفُ مِن صلاته يقول: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللهُمَّ أَنْعِمْنِي وَأَحْينِي وَارْزُقنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِح الأعْمَالِ والأَخلاقِ، إِنَّهُ لا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَلا يَصْرِفُ عَنْ سَيئِهَا إِلَّا أَنْتَ".

وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي قالَ: قال لي النبيّ ﷺ: "إِذَا صَلَّيتَ الصُّبْحَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنت تتكَلَّم: اللهُمَّ أَجِرْني مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ، كَتَبَ اللهُ لَكَ جَوارًا مِنَ النَّار، وَإِذَا صَلَيْتَ المَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تتكَلَّمَ: اللهُمَّ أَجِرْني مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَ مِنْ لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللهُ لَكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ".

وقد ذكر النسائي في "السنن الكبير" من حديث أبي أمامة قال: قال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِي في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبة، لَم يَمْنعهُ من دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَموتَ ". وهذا الحديثُ تفرد به محمد بن حمير، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، ورواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن حمير. وهذا الحديثُ مِن الناس مَن يصححه، ويقول: الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي: لا بأس به، وفي موضع اخر: ثقة. وأما المحمدان، فاحتج بهما البخاري في صحيحه قالوا: فالحديث على رسمه، ومنهم من يقول: هو موضوع، وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات، وتعلق على محمد بن حمير، وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يُحتج به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي، وأنكر ذلك عليه بعضُ الحفاظ، ووثقوا محمدًا، وقال: هُو أجلُّ من أن يكون له حديثٌ موضوع، وقد احتج به أجلُّ من صنف في الحديث الصحيح، وهو البخاري، ووثقه أشدُّ الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين، وقد رواه الطبراني في معجمه أيضًا من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ في دُبُرِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، كَانَ في ذِمَّةِ اللهِ إِلَى الصَّلاةِ الأُخْرَى " وقد رُوي هَذَا الحديثُ مِن حديث أبي أمامة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وفيها كُلِّها ضعف، ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تبايُن طرقها واختلافِ مَخَارِجها، دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدَّس الله روحَه أنه قال: ما تركتُها عقيبَ كُلِّ صلاة. وفي المسند والسُّنن، عن عُقبة بن عامر قال: "أمرني رسولُ اللهِ ﷺ: أن أقرأ بالمُعَوِّذَاتِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ" ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم. ولفظ الترمذي "بالمعوذتين".

وفي "معجم الطبراني"، و"مسند أبي يعلى المَوْصِلي" من حديث عمر بن نبهان، وقد تُكلِّم فيه عن جابر يرفعه: "ثَلاثٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ الإِيمَانِ، دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، وَزُوِّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ حَيْثُ شَاءَ، مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِه، وَأَدَّى دَيْنًا خَفِيًّا، وَقَرَأَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ، قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" فقال أبو بَكرٍ رضي الله عنه: "أَوْ إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ": قَالَ: "أَوْ إحْدَاهُنَّ".

وأوصى معاذًا أن يقول في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ: "اللهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ".

وَدُبُرُ الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يُرجِّح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه، فقال: دُبُرُ كُلِّ شيء منه، كدُبُرِ الحيوان.

فصل

وكان رسولُ الله ﷺ إذا صلى إلى الجِدار، جعل بينه وبينه قدر ممرِّ الشاة، ولم يكن يتباعَدُ منه، بل أمر بالقُرب من السُّترة، وكان إذا صلَّى إلى عُود أو عَمود أو شَجرة، جعله على حاجبه الأيمنِ أو الأيسر، ولم يَصْمُد له صمدًا، وكان يَرْكُزُ الحَربة في السفر والبرِّيَّة، فيُصلي إليها، فتكون سترتَه، وكان يُعَرِّض راحلته، فيُصلي إليها، وكان يأخذُ الرحل فيَعْدِلُه فيصلي إلى آخِرتِه، وأمر المصلي أن يستترِ ولو بِسهم أو عصا، فإن لم يجد فليخطَّ خطًا في الارض، قال أبو داود سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الخطُّ عرضًا مثلُ الهلال. وقال عبد الله: الخط بالطول، وأما العصا، فتُنصب نصبًا، فإن لم يكن سُترة، فإنه صح عنه أنه يقطع صلاتَه، "المرأةُ والحِمارُ والكلبُ الأسودُ". وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هُرَيْرَة، وابن عباس، وعبد الله بن مُغَفَّل. ومعارِض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه. وكان رسول الله ﷺ يصلي وعائشةُ رضي الله عنها نائمة في قبلته وكأنَّ ذلك ليس كالمَارِّ، فإن الرجل محرَّم عليه المرورُ بين يدي المصلي، ولا يُكره له أن يكون لابثًا بين يديه، وهكذا المرأةُ يقطع مرورُها الصلاةَ دون لُبثها، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب[عدل]

كان ﷺ يُحافظ على عشر ركعات في الحضر دائمًا، وهي التي قال فيها ابن عمر: "حَفِظْتُ مِن النبي ﷺ عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظُّهرِ، وركعتين بعدَها وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتينِ بعد العشاء في بيته، وركعتينِ قبلَ الصُّبح". فهذه لم يكن يدعُها في الحضر أبدًا، ولما فاتته الركعتانِ بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما، لأنه ﷺ كان إذا عَمِلَ عَملًا أثبته، وقضاء. السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي، فمختص به كما سيأتي تقريرُ ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله تعالى. وكان يُصلِّي أحيانًا قبلَ الظهر أربعًا، كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنه ﷺ: "كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْر، وركعتين قبل الغداة "، فَإِمَّا أن يُقال: إنه ﷺ كان إذا صلَّى في بيته صَلّى أربعًا، وإذا صلَّى في المسجد صلَّى ركعتين، وهذا أظهر، وإِمَّا أن يُقال: كان يفعلُ هذا، ويفعل هذا، فحكى كلٌّ عن عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما. وقد يُقال: إن هذه الأربعَ لم تكن سنةَ الظهر، بل هي صلاةٌ مستقِلة كان يصليها بعد الزوال، كما ذكره الإِمام أحمد عن عبد الله بن السائب، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصلي أربعًا بعد أن تزولَ الشمس، وقال: " إنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالح".

وفي السنن أيضًا عن عائشةَ رضي الله عنها: "أن رسولَ اللهِ ﷺ، كان إذا لم يُصلِّ أربعًا قبل الظهر، صلاهُنَّ بعدها" وقال ابن ماجه: "كان رسولُ الله ﷺ إذا فاتته الأربعُ قبل الظهر، صلَّاها بعد الركعتين بعد الظهر" وفي التِّرمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يصلي أربعًا قبل الظهر، وبعدها ركعتين". وذكر ابن ماجه أيضًا عن عائشة: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ "يصلي أربعًا قبل الظهر، يطيل فِيهِنَّ القِيام، ويحسن فيهن الركوعَ والسجود" فهذه- والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن وأما سنةُ الظهر، فالركعتان اللتانِ قال عبدُ الله بن عمر، يُوضح ذلك أن سائرَ الصلواتِ سنتُها ركعتانِ ركعتانِ، والفجرِ جمع كونها ركعتين، والناس في وقتها أفرغُ ما يكونون، ومع هذا سنتُها ركعتانِ، وعلى هذا، فتكونُ هذه الأربعُ التي قبل الظهر وِردًا مُستقِلًا سببُه انتصافُ النهار وزوالُ الشمس وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعود يُصلي بعد الزوال ثمانَ ركعات، ويقول: إنَّهنَّ يَعْدِلْنَ بمثلهن مِن قيامِ الليل وسِرُّ هذا - والله أعلم - أن انتصافَ النهار مقابِل لانتصاف الليل، وأبوابُ السماء تُفتح بعد زوال الشمس، ويحصلُ النزول الإلهِي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب ورحمة، هذا تُفتح فيه أبوابُ السماء، وهذا ينزِل فيه الربُّ تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أمِّ حبيبة قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ صَلَّى في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَة، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْت في الجَنَةِ " وزاد النسائي والترمذي فيه: "أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعدها، وركعتينِ بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر" قال النسائي: "وركعتين قبل العصر" (بدل) "وركعتين بعد العشاء" وصححه الترمذي وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: "مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةَ مِنْ السُّنَّةِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ: أَرْبعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَها، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ". وذكر أيضًا عن أبي هُرَيْرة، عن النبي ﷺ نحوه وقال: "ركعتينِ قبل الفجر، وركعتينِ قبل الظهر، وركعتينِ بعدها، وركعتينِ أظنه قال: قبل العصر، وركعتينِ بعد المغرب أظنه قال: وركعتينِ بعد العشاء الآخرة" وهذا التفسير، يحتَمِل أن يكونَ مِن كلام بعض الرواة مُدْرَجًا في الحديث، ويحتَمِلُ أن يكون من كلام النبي ﷺ مرفوعًا، والله أعلم.

وأما الأربع قبل العصر، فلم يصحَّ عنه عليه السلام في فعلها شيء إلا حديثُ عاصم بن ضمرة عن علي الحديث الطويل، أنه ﷺ: "كان يُصلي في النهار ست عشرة ركعة، يُصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كَهَيْئَتِهَا من هاهنا لصلاة الظهر أربعَ ركعات، وكان يُصلِّي قبل الظهر أربعَ ركعات، وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربعَ ركعات" وفي لفظ: كان إذا زالتِ الشمس مِن هاهنا كَهَيْئَتِهَا من هاهنا عند العصر، صلَّى ركعتين، وإذا كانت الشمسُ من هاهنا كَهَيْئَتِهَا من هاهنا عند الظهر، صلَّى أربعًا، ويُصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين". وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يُنكر هذا الحديث ويدفعه جدًا، ويقول: إنه موضوع. ويذكر عن أبي إسحاق الجُوزجاني إنكاره. وقد روى أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "رَحِمَ اللهُ امرءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا". وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه ابن حبان، وعلله غيرُه، قال ابنُ أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ: "رَحِمَ اللهُ امرءًا صَلًى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبعًا". فقال: دع هذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: "حفظتُ عن النبي ﷺ عشرَ ركعاتٍ في اليوم والليلة"، فلو كان هذا لعدَّه. قال أبي: كان يقول: "حَفِظَتُ ثنتي عشرةَ ركعةَ". وهذا ليس بعلة أصلًا فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي ﷺ، لم يُخبر عن غير ذلك، تنافي بين الحديثين البتة.

وأما الركعتان قبل المغرب، فإنه لم يُنقل عنه ﷺ أنه كان يُصليهما، وعنه أنه أَقرَّ أصحابه عليهما، وكان يراهم يصلونهما، فلم يأمرهم ولم ينههم، وفي الصحيحين عن عبد الله المُزني، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "صلُوا قَبْلَ المَغْرِبِ صلُّوا قَبلَ المَغْرِبِ " قال في الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ كَرَاهَةَ أن يتخذها الناسُ سنة " وهذا هو الصوابُ في هاتين الركعتين، أنهما مُسْتَحبَّتَانِ مندوبٌ إليهما، وليستا راتبة كسائر السنن الرواتب.

وكان يُصلي عامةَ السنن، والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لا سيما المغرب، فإنه لم يُنقل عنه أنه فعلها في المسجد البتة.

وقال الإِمام أحمد في رواية حنبل: السنة أن يُصليَ الرجلُ الركعتينِ. المغرب في بيته، كذا رُويَ عن النبي ﷺ وأصحابه. قال السائب بن يزيد: رأيتُ الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب، انصرفوا. حتى لا يَبقى في المسجد أحد، كأنهم لا يُصلون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم انتهى كلامه. فإن صلَّى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟ اختلف قولُه، فروى عنه ابنُه عبد الله أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: لو أن رجلًا صلَّى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه؟ فقال: ما أحسنَ ما قال هذا الرجلُ، وما أجودَ ما انتزع، قال أبو حفص: ووجهه أمر النبي ﷺ بهذه الصلاة في البيوت. وقال المروزي: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا، قال: ما أعرف هذا، قلتُ له: يُحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاص. قال: لعله ذهب إلى قول النبي ﷺ: " اجْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ". قال أبو حفص: ووجهُه أنه لو صَلَّى الفرضَ في البيت، وترك المسجد، أجزأه، فكذلك السنة انتهى كلامه وليس هذا وجهَه عند أحمد رحمه الله، وانما وجهُه أن السنن لا يُشترط لها مكان معين، ولا جماعة، فيجوزُ فعلها في البيت والمسجد، والله أعلم. وفي سنة المغرب سنتان، إحداهما: أنه لا يُفصل بينها وبين المغرب بكلام، قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني والمروزي: يستحب ألا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يُصَلِّيَهما كلامٌ وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلم من صلاة المغرب، قام ولم يتكلم، ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار، قال أبو حفص: ووجهه قول مكحول: قال رسول الله ﷺ: "مَن صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ قَبلَ أَنْ يَتكَلَّمَ، رُفِعَتْ صَلاته فِي عِلِّيِّينَ"، ولأنه يتصل النفل بالفرض، انتهى كلامه.

والسنة الثانية: أن تفعل في البيت، فقد روى النسائي، وأبو داود، والتِّرمذي من حديث كعب بن عُجرة، أن النبي ﷺ أتى مسجدَ بني عبد الأشهل، فصلَّى فيه المغربَ، فلما قَضَوْا صَلاتهم رآهم يُسَبِّحُونَ بعدها فقال: "هَذِهِ صَلاة الْبُيُوتِ". ورواه ابن ماجه من حديث رافع بن خديج، وقال فيها: "ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُم".

والمقصود، أن هدي النبي ﷺ، فعل عامة السنن والتطوع في بيته كما في الصحيح عن ابن عمر: حَفِظْتُ عن النبي ﷺ عشرَ ركعات: ركعتين قبلَ الظُّهر، وركعتينِ بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يُصلي في بيتي أربعًا قبل الظهر، ثم يخرج فيُصلي بالناس، ثم يدخُل فيُصلي ركعتين، وكان يُصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيُصلي ركعتين، ويُصلي بالناس العشاء، ثم يدخل بيتي فيُصلي ركعتين. وكذلك المحفوظ عنه في سنة الفجر، إنما كان يُصليها في بيته كما قالت حفصة وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه ﷺ كان يُصلي ركعتينِ بعد الجُمُعة في بيته وسيأتي الكلام على ذكر سنة الجمعة بعدها والصلاة قبلَها، عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله تعالى، وهو مُوافِق لقوله في: "أَيُّهَا النَّاسُ صَلُّوا في بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ المَرْءِ في بَيْتِه إِلَّا المَكْتُوبَةَ ". وكان هديُ النبي ﷺ وفعلَ السنن، والتطوع في البيت إِلا لِعارض، كما أن هديَه كان فِعلَ الفرائض في المسجد إِلا لِعارض من سفر، أو مرض، أو غيره مما يمنعُه من المسجد، وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشدَّ مِن جميع النوافل.

ولذلك لم يكن يدعُها هي والوترَ سفرًا وحضرًا، وكان في السفر يُواظب على سنة الفجر والوتر أشدَّ مِن جميع النوافل دون سائر السنن، ولم يُنقل عنه في السفر أنه ﷺ صَلَّى سنة راتبة غيرَهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرتُ مع رسول الله ﷺ، ومع أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين، وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربِّعون، إلا أنهم لم يُصلوا السنة، لكن قد ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنة الظهر في السفر، فقال: لو كنتُ مُسَبِّحا لأتممتُ، وهذا من فقهه رضي الله عنه، فإن الله سُبحانه وتعالى خفَّف عن المسافر في الرباعية شطرَها، فلو شرع له الركعتانِ قبلها أو بعدها، لكان الإِتمام أولى به.

وقد اختلف الفقهاءُ: أيُّ الصلاتين آكدُ، سنة الفجر أو الوتر؟ قولين: ولا يمكن الترجيحُ باختلاف الفقهاء في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضًا في وجوب سنة الفجر، وسمعت شيخَ الإِسلام ابن تيمية يقول: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان النبي ﷺ يصلى سنة الفجر والوتر بسورتي الإِخلاص، وهما الجامعتان لتوحيدِ العلم والعمل، وتوحيدِ المعرفة والإِرادة، وتوحيدِ الاعتقادِ والقصد، انتهى.

فسورة { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد }: متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَب تعالى من الأَحَدِيَّةِ المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه، والصمديَّة المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقصّ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوزام الصمدية، وغناه وَأَحَديَّته ونفي الكفء المتضمِّن لخفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة إثباتَ كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفيَ إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقاد في الذي يُباين صاحبُه جميعَ فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تَعْدِل ثلثَ القرآن، فإن القرآن مدارُه على الخبر والإِنشاء، والإِنشاء ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه. فأخلصت سورة { قل هو الله أحد } الخبرَ عنه، وعن أسمائه، وِصفاته، فعدلت ثلثَ القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمي، كما خلَّصت سورة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون } من الشرك العملي الإِرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامُه وقائدُه وسائقُه، والحاكُم عليه ومنزله منازِله، كانت سورة { قُل هُوَ اللهُ أَحَد } تعدِل ثلثَ القران. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر، و { قل يا أيها الكافرون }، تعدِل ربع القرآن، والحديث بذلك في الترمذي من رواية ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: "إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرآنِ، وَقُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ، تَعدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ". رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإِسناد.

ولما كان الشرك العملي الإِرادي اغلبَ على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثيرٌ منها ترتكبه مع علمها بمضرَّته وبطلانِه، لِمَا لهَا فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه، وقلعُه منها أصعبُ، وأشدّ من قلع الشرك العلمي وإزالته، لأن هذا يزول بالعلم والحُجَّة، ولا يمكن صاحبُه أن يعلم الشىء على غير ما هو عليه، بخلاف شرك الإِرادة والقصد، فإن صاحبه يرتكِب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه، واستيلاء سُلطان الشهوة والغضب على نفسه، فجاء من التأكيد والتكرار في سورة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون } المتضمنة لإِزالة الشرك العملي، ما لم يجىء مثلُه في سورة { قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ }، ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامِها، ومتعلقاتِها، والأمورِ الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها، وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة { إِذَا زُلْزِلَتْ } قد أُخْلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة. وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها، كانت تَعدِلُ نصفَ القرآن، فأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحًا - والله أعلم - ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف، ولأنهما سورتا الإِخلاص والتوحيد، كان يفتتح بهما عمل النهار، ويختمها بهما، ويقرأ بهما في الحج الذي هو شعار التوحيد.

فصل

وكان ﷺ يضطجع بعد سنة الفجر على شِقه الأيمن، هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه ﷺ أنه قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبحِ، فَلْيَضْطَجعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ " قال الترمذي: حديث حسن غريب. وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمرُ بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه، وأما ابن حزم ومن تابعه، فإنهم يوجبون هذه الضجعة، ويُبطل ابن حزم صلاةَ من لم يضجعها بهذا الحديثِ، وهذا مما تفرد به عن الأمة، ورأيت مجلدًا لبعض أصحابه قد نصر فيه هذا المذهب. وقد ذكر عبد الرزَّاق في "المصنف" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن أبا موسى، ورافعَ بن خَديج، وأنسَ بن مالك رضي الله عنهم، كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك، وذكر عن معمر، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يفعله، ويقول: كفانا بالتسليم. وذكر عن ابن جريج: أخبرني من أصدق أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: "إن النبي ﷺ لم يكن يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأَبُ ليله فيستريح". قال: وكان ابنُ عمر يَحصِبُهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم. وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصِّدِّيق الناجي، أن ابن عمر رأى قومًا اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك السنة، فقال ابنُ عمر: ارجع إليهم وأخبرهم أنها بدعة. وقال أبو مِجلز: سألتُ ابن عمر عنها فقال: يلعبُ بكم الشَّيطانُ. قال ابنُ عمر رضي الله عنه: ما بالُ الرجل إذا صَلَّى الركعتين يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعَّك.

وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان، وتوسط فيها طائفةّ ثالثة، فأوجبها جماعة من أهل الظاهر، وأبطلوا الصلاةَ بتركها كابن حزم ومن وافقه، وكرهها جماعة من الفقهاء، وسموها بدعة، وتوسط فيها مالك وغيره، فلم يروا بها بأسًا لمن فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها استنانًا، واستحبها طائفة على الإِطلاق، سواء استراح بها أم لا، واحتجوا بحديث أبي هريرة. والذين كرهوها، مِنهم مَن احتج بآثار الصحابة كابن عمر وغيره، حيث كان يحصبُ مَن فعلها، ومنهم من أنكر فعل النبي ﷺ لها، وقال: الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، كما هو مصرح به في حديث ابن عباس قال: وأما حديثُ عائشة، فاختلف على ابن شهاب فيه، فقال مالك عنه: فإذا فرغ يعني من الليل، اضطجع على شِقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فصلي ركعتين خفيفتين وهذا صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر، وقال غيرُه عن ابن شهاب: فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر، وتبين له الفجرُ، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن. قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب فالقول ما قاله مالك، لأنه أثبتُهم فيه وأحفظُهم. وقال الآخرون: بل الصواب هذا مع من خالف مالكًا، وقال أبو بكر الخطيب: روى مالك عن الزهري، عروة، عن عائشة: كان رسولُ اللهِ ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها، اضطجع على شِقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، "ركعتين خفيفتين". وخالف مالكًا، عقيلٌ، ويونس، وشعيب، وابنُ أبي ذئب. والأوزاعي، وغيرهم، فرووا عن الزهري، أن النبي ﷺ، كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيخرج معه فذكر ما أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر وفي حديث الجماعة، أنه اضطجع بعد فحكم العلماء أن مالكًا أخطأ وأصاب غيره، انتهى كلامه.

وقال أبو طالب: قلتُ لأحمد: حدثنا أبو الصلت، عن أبي كُدَينة، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر، قال: شعبة لا يرفعه، قلتُ: فإن لم يضطجع عليه شيء؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المروزي أن أبا عبد الله قال: حديثُ أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يُحدث به عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يُحدث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعلُه، وإن فعله رجل، فحسن. انتهى. فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح صحيحًا عنده، لكان أقلُّ درجاته عنده الاستحبابَ، وقد تقال: إن عائشة رضي الله عنها روت هذا، وروت هذا، فكان يفعلُ هذا تارة، وهذا تارة، فليس في ذلك خلاف، فإنه من المباح، والله أعلم.

وفي اضطجاعه على شِقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلَّق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر، استثقل نومًا، لأنه يكون في دَعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شِقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلبه مستقره، وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفعُ للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل[عدل]

قد اختلف السلفُ والخلف في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجوا بقوله تعالى: { وَمِنَ الْلَيْلِ فَتَهَجَّد بِهِ نَافِلَةً لَكَ } [89] قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب، قال الآخرون. أمره بالتهجد في هذه السورة، كما أمره في قوله تعالى: { يَأَيُّهَا المزَّمِّلُ قُمِ الْلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } [90] ولم يجىء ما ينسخُه عنه، وأما قولُه تعالى: { نَافِلَةً لَكَ } فلو كان المرادُ به التطوعَ، لم يخصه بكونه نافلة له، وإنما المراد بالنافلة الزيادة، ومطلقُ الزيادة لا يدل على التطوع، قال تعالى: { وَوَهَبنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقوبَ نَافِلَةً } [91]، أي زيادة على الولد، وكذلك النافلة في تهجد النبي ﷺ زيادة في درجاته، وفي أجره ولهذا خصه بها، فإن قيامَ الليل في حق غيره مباحٌ، ومكفِّر للسيئات، وأما النبي ﷺ، فقد غَفَرَ اللهُ له ما تقدم مِن ذنبه وما تأخر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب، وغيره يعمل في التكفير. قال مجاهد: إنما كان نافلةً للنبي ﷺ، لأنه قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت طاعته نافلة، أي: وزيادة في الثواب، ولغيره كفارة لذنوبه، قال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا يعلى بن أبي عبيد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن، مجاهد قال: ما سوى المكتوبة، فهو نافلة مِن أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب، وليست للناس نوافل، إنما هي للنبي ﷺ خاصة، والناس جميعًا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها.

حدثنا محمد بنُ نصر، حدثنا عبد الله، حدثنا عمرو، عن سعيد وقبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَكَ } [92]، قال: لا تكون نافلة الليل إلا للنبي ﷺ. وذكر عن الضحاك، قال: نافلة للنبي ﷺ خاصة.

وذكر سُليم بن حيان، حدثنا أبو غالب، حدثنا أبو أمامة، قال: إذا وضعتَ الطهورَ مواضعه، قمتَ مغفورًا لك، فإن قمتَ تصلي، كانت لك فضيلةً وأجرًا، فقال رجل: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما النافلةُ للنبي ﷺ، فكيف يكون له نافلة، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟ تكون له فضيلة وأجرًا قلتُ: والمقصودُ أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعلُه وتركه، كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: { نافلة لك } نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب، وسيأتي مزيدُ بيان لهذه المسألة إن شاء الله تعالى، عند ذكر خصائص النبي ﷺ.

ولم يكن ﷺ يدع قيامَ الليل حضرًا ولا سفرًا، وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. فسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يُقض لفوات محله، فهو كتحية المسجد، وصلاةِ الكسوف والاستسقاءِ ونحوها، لأن المقصودَ به أن يكون آخرُ صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعَه. هذا معنى كلامه. وقد روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيه، فَلْيُصَلِّه إذا أصبَحَ أَو ذَكَرَ " ولكن لهذا الحديث عدة علل.

أحدُها: أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.

الثاني: أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال الترمذي. هذا أصح، يعني المرسل.

الثالث: أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد: الصحيح أن النبي ﷺ قال: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أَن تصْبِحُوا". قال: فهذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واهٍ.

وكان قيامُه ﷺ بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثَ عشرة، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا، ففي الصحيحين عنها: ما كان رسولُ اللهِ ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. وفي الصحيحين عنها أيضًا، كان رسول اللهِ ﷺ يُصلي من الليل ثلاثَ عشر. ركعة، يُوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخِرِهِن والصحيح عن عائشة الأول: والركعتان فوق الإِحدى عشرة هما ركعتا الفجر، جاء ذلك مبينًا عنها في هذا الحديث بعينه، كان رسول الله ﷺ يُصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر، ذكره مسلم في صحيحه. وقال البخاري: في هذا الحديث: كان رسول الله ﷺ يُصلي بالليل ثلاثَ عشرة ركعة، ثم يُصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين وفي الصحيحين عن القاسم بن محمد قال: سمعتُ عائشة رضي الله عنها تقول: كانت صلاةُ رسول الله ﷺ من الليل عشرَ ركعات، ويُوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، وذلك ثلاثَ عشرة ركعة، فهذا مفسر مبين.

وأما ابنُ عباس، فقد اختلف عليه، ففي الصحيحين عن أبي جمرة عنه: كانت صلاةُ رسولِ الله ﷺ ثلاثَ عشرة ركعةً يعني بالليل لكن قد جاء عنه هذا مفسرًا أنها بركعتي الفجر. قال الشعبي: سألتُ عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن صلاةِ رسول الله ﷺ بالليل، فقالا: ثلاثَ ركعات ركعة، منها ثمان، ويُوتر بثلاث، وركعتين قبل صلاة الفجر. وفي الصحيحين عن كُريب عنه، في قصة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث، أنه ﷺ صلَّى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، فلما تبيَّن له الفجرُ، صلَّى ركعتين خفيفتينِ وفي لفظ: فصلَّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذِّنُ. فقام فصلَّى ركعتين خفيفتين، ثم خرج يُصلي الصبح. فقد حصل الاتفاقُ على إحدى عشرة ركعة.

واختلف في الركعتين الأخيرتين هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما. فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يُحافظ عليها، جاء مجموعُ ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة، كان يُحافظ عليها دائمًا سبعة عشر فرضًا، وعشر ركعات، أو ثنتا عشرة سنة راتبة، وإحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة قيامه بالليل، والمجموع أربعون ركعة، وما زاد على ذلك، فعارض غيرُ راتب، كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قَدِمَ من سفر، وصلاته عند من يزوره، وتحية المسجد ونحو ذلك، فينبغي للعبد أن يُواظب على هذا الورد دائمًا إلى الممات، فما أسرع الإِجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعُه كلَّ يوم وليلة أربعين مرة. والله المستعان.

فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل[عدل]

قالت عائشةُ رضي الله عنها: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ العِشاء قطُّ فدخل علي، إلا صلَّى أربع ركعات، أو ست ركعات، ثم يأوي إلى فراشه.

وقال ابن عباس لما بات عنده: صلَّى العِشاء، ثم جَاء، ثُمَّ صلَى، ثم نام ذكرهما أبو داود. وكان إذا استيقظ، بدأ بالسواك، ثم يذكُر الله تعالى، وقد تقدم ذكرهما كان يقوله عند استيقاظه، ثم يتطهر، ثم يُصلى ركعتين خفيفتين، كما في صحيح مسلم، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا قام من الليل، افتتح صلاتَه بركعتينِ خفيفتين وأمر بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إذا قام أحدُكم مِن الليل، فليفتَتح صلاتَه بركعتين خفيفتين" "رواه مسلم" وكان يقومُ تارة إذا انتصف الليلُ، أو قبله بقليل، أو بعدَه بقليل، وربما كان يقوم إذا سمع الصارِخَ وهو الدِّيكُ وهو إنما يصيح في النصف الثاني، وكان يقطع ورده تارة، ويصله تارة وهو الأكثر، ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده، أنه ﷺ استيقظ، فتسوَّك، وتوضأ، وهو يقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، والأَرْضِ وَاخْتِلافِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الألبَاب } [93] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلَّى ركعتين أطال فيهما القيامَ والركوع والسجودَ، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاثَ مرات بست ركعات كل ذلك يَستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأَذن المؤذِّن؟ فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهُمَّ اجْعَلْ في قَلبي نُورًا، وَفِي لِسَانِي. وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُورًا، وَاجعَل في بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورا، ومن أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَل مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُوراُ، اللهُمَّ أَعْطِني نورًا " رواه مسلم. ولم يذكر ابنُ عباس افتتاحَه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، أنه كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وَإِمَّا أن تكون عائشةُ حفظت ما لم يحفظ بن عباس، وهو الأظهر لملازمتها له، ولمراعاتها ذلك، ولكونها أعلمَ الخلق. بقيامه بالليل، وابنُ عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته، وإذا اختلف ابنُ عباس وعائشة في شيء من أمر قيامِه بالليل، فالقولُ ما قالت عائشة.

وكان قيامُه بالليل ووِترُه أنواعًا، فمِنها هذا الذي ذكره ابن عباس.

النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة، أنه كان يفتتح صلاته بركعتين. ثم يُتمم ورده إحدى عشرة ركعة، يُسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة.

النوع الثالث: ثلاث عشرة ركعة كذلك.

النوع الرابع: يُصلي ثمانَ ركعات، يُسلم من كل ركعتين، ثم يُوتر. سردًا متوالية، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن.

النوع الخامس: تسع ركعات، يسرُد منهن ثمانيًا لا يجلِس في شيء إلا في الثامنة، يجلِس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يُصلي التاسعة، يسلم ثم يقعد، ويتشهد، ويُسلِّم، ثم يُصلي ركعتين جالسًا بعدما يسلم.

النوع السادس: يُصلي سبعًا كالتسع لمذكورة، ثم يُصلي بعدها ركعتين جالسًا.

النوع السابع: أنه كان يُصلي مَثنى مَثنى، ثم يُوتر بثلاث لا يفصِل بينهن فهذا رواه الإِمام أحمد رحمه الله عن عائشة، أنه كان يُوتِر بثلاث لا فصل فيهن وروى النسائي عنها: كان لا يُسلم في ركعتي الوتر وهذه الصفة فيها نظر، فقد روى أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، النبي ﷺ: "لا تُوتِرُوا بِثَلاثٍ، أَوْتِرُوا بِخَمسٍ أَوْ سَبْعٍ، وَلا تَشَبَّهُوا بِصَلاةِ المَغرِبِ". قال الدارقطني: رواته كلهم ثقات، قال مهنا: سألتُ أبا عبد الله: إلى أي شيء تذهب في الوتر، تُسلم في الركعتين؟ قال: نعم. قلتُ: لأَي شيء؟ قال: لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي ﷺ في الركعتين. الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ، سلم من الركعتين وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: في الركعتين. وإن لم يسلم، رجوت ألا يضرَّه، إلا أن التسليم أثبتُ عن النبي ﷺ.

وقال أبو طالب: سألتُ أبا عبد الله: إلى أي حديث تذهب في، الوتر؟ قال: أذهب إليها كلِّها: مَنْ صلَّى خمسًا لا يجلس إلا في آخرهن، ومن صلَّى سبعًا لا يجلس إلا في آخرهن، وقد روي فَي حديث زرارة عن عائشة: يُوتر بتسع يجلَس في الثامنة قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة، فأنا أذهبُ إليها. قلت: ابن مسعود يقول: ثلاث، قال: نعم، قد عاب على سعد ركعة، فقال له سعد أيضًا شيئًا يرد عليه.

النوع الثامن: ما رواه النسائي، عن حُذيفة، أنه صلَّى مع النبي ﷺ في رمضان، فركع، فقال في ركوعه: "سُبْحَانَ رَبيَ الْعَظيمِ" مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول: "رَبِّ اغفرْ لي، رَبِّ اغْفِرْ لي " مثلَ مَا كان قائمًا. ثم سجد، فقال: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلًى" مثلَ ما كان قائمًا، فما صلَّى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة، وأوتر أوّل الليل، ووسطه، وآخرَه. وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويردِّدُها حتى الصباح وهي: { إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادُكَ } [94].

وكانت صلاته بالليل ثلاثةَ أنواع.

أحدها - وهو أكثرها: صلاته قائمًا.

الثاني: أنه كان يُصلي قاعدًا، ويركع قاعدًا.

الثالث: أنه كان يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسيرٌ مِن قراءته، قام فركع قائمًا، والأنواع الثلاثة صحت عنه.

وأما صفة جلوسه في محل القيام، ففي سنن النسائي، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي متربِّعًا قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديثَ غيرَ أبي داود، يعني الحفري، وأبو داود ثقة، ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ والله أعلم.

فصل

وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا تارة، وتارة يقرأ فيهما جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فركع، وفي صحيح مسلم عن أبي سَلَمة قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسولِ الله ﷺ، فقالت: كان يُصلي ثلاثَ عشرة ركعةً، يُصلي ثمانَ ركعات، ثم يُوتِر، ثم يُصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع، قام فركع، ثم يُصلي ركعتين بين النداءِ والإِقامةِ مِن صلاة الصبح وفي المسند عن أم سلمة، أن النبي ﷺ، كان يُصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس وقال الترمذي: روي نحوُ هذا عن عائشة، وأبي أمامة، وغيرِ واحدٍ عن النبي ﷺ.

وفي المسند عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ، كان يُصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما ب { إِذَا زُلزِلَت } و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }.

وروى الدارقطني نحوَه من حديث أنس رضي الله عنه.

وقد أشكل هذا على كثير من الناس، فظنوه معارضًا، لقوله ﷺ: " اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُم بِالْلَّيْلِ وِتْرًا". وأنكر مالك رحمه الله هاتين الركعتين، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنعُ مَنْ فعله، قال: وأنكره مالك وقالت طائفة: إنما فعل هاتين الركعتين، ليبين جوازَ الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفُّل، وحملوا قولُه: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُم بِالْلَّيْلِ وِتْرًا " على الاستحباب، وصلاة الركعتين بعده على الجواز.

والصواب: أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة، وتكميل الوتر، فإن الوترَ عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده. مجرى سنة المغربِ مِن المغرب، فإنها وِتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم.

فصل

ولم يُحفظ عنه ﷺ أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه، عن علي بن ميمون الرَّقي، حدثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبيد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يُوتر فيقنُت قبل الركوع وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت بعد الركوع، إنَّ كُلَّ شيء ثبت عن النبي ﷺ في القنوت، إنما هو في الفجر لمَا رفع رأسه من الركوع، وقنوت الوتر أختارُه بعد الركوع، ولم يصحَّ عن النبي ﷺ في قنوت الوتر قبلُ أو بعدُ شيء. وقال الخلَّال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر؟ فقال: ليس يُروى فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن كان عمر يقنُت من السنة إلى السنة.

وقد روى أحمد وأهل السنن من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في الوتر: "اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَولَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِك لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَاليْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ " زاد البيهقي والنسائي: "وَلا يَعِزُّ من عَادَيْتَ".

وزاد النسائي في روايته: "وَصَلَّى الله عَلَى النَبيّ".

وزاد الحاكم في المستدرك وقال: "علَّمني رسولُ الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود". ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه سمعتُ رسول الله ﷺ يدعو.

قال الترمذي: وفي الباب عن علي رضي الله عنه، وهذا حديث لا نعرِفُه إلا مِن هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي، واسمه ربيعة بن شيبان، ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسنَ مِن هذا انتهى.

والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر، وابن مسعود، والرواية عنهم أصح من القنوت في الفجر، والروايةُ عن النبي ﷺ في قنوت الفجر، أصح الرواية في قنوت الوتر. والله أعلم.

وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ - كان يقول في آخر وتره: "اللهُمَّ إنّي أعوذ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنكَ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". وهذا يحتمِل، أنه قبل فراغه منه وبعده، وفي إحدى الروايات عن النسائي: كان يقولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاته، وتبوَّأَ مضجعه، وفي هذه الرواية: "لا أُحْصِي ثنَاءً عَلَيْكَ وَلَوْ حَرَصْتُ" وثبت عنه ﷺ - أنه قال ذلك في السجود، فلعله قاله في الصلاة وبعدها. وذكر الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في صلاة النبي ﷺ، ووتره: ثم أوتر، فلما قضى صلاته، سمعته يقول: " اللهُمَّ اجعَلْ في قَلْبي نُوّرًا، وَفي بَصَرِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَفَوقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورا، وَاجْعَل لِي يَوْمَ لِقَائِكَ نُورًا". قال كُريب: وسبع في القنوت، فلقيتُ رجلًا مِن ولد العباس، فحدثني بهن، فذكر: "لَحْمِي وَدَمِي، وَعَصَبي وَشَعْرِي وَبَشَرِي"، وذكر خصلتين، وفي رواية النسائي في هذا الحديث، وكان يقولُ في سجوده وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: فخرج إلى الصلاة يعني صلاة الصبح، وهو يقول، فذكر هذا الدعاء، وفي رواية له أيضًا، "وفي لِسَاني نُورًا وَاجْعَلْ في نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا"، وفي رواية له، "وَاجْعَلْني نُورا".

وذكر أبو داود، والنسائي من حديث أبي بن كعب، قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر، { سبح اسم ربك الأعلى } و { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو اللهُ أحد }، فإذا سلم قال: "سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُوس ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَمدُّ بها صَوْتَهُ في الثَّالِثَةِ ويرفع". وهذا لفظ النسائي. زاد الدارقطني "رَبِّ المَلائِكَةِ وَالرُّوح".

وكان ﷺ يقَطِّعُ قراءتَه، ويقِفُ عِندَ كُلِّ آيَةٍ فيقول: "الحَمْدُ للِه رَبِّ العَالَمِين، ويقِف: الرَّحمنِ الرَّحِيم، ويقِفُ: مَالِك يَوْمِ الدِّين".

وذكر الزهري أن قراءة رسول الله ﷺ كانت آية آية، وهذا هو الأفضل، الوقوفُ على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعضُ القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوف عند انتهائها، واتباعُ هدي النبي ﷺ وسنته أولى. وممّن ذكر ذلك البيهقي في "شعب الإِيمان" وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها. وكان ﷺ يُرتِّل السورة حتى تكون أطولَ مِنْ أَطْوَلِ منها، وقام بآَية يُرَدِّدُهَا حتى الصباح. وقد اختلف الناسُ في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين.

فذهب ابنُ مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرُهما إلى أن الترتيلَ والتدبر مع قلة القراءة أفضلُ مِن سرعة القراءة مع كثرتها. واحتج أربابُ هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمُه وتدبُّره، والفقهُ فيه والعملُ به، وتلاوتُه وحفظُه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن لِيعمَل به، فاتخذوا تلاوته عملًا، ولهذا كان أهلُ القرآن هم العالِمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس مِن أهله وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.

قالوا: ولأن الإِيمان أفضلُ الأعمال، وفهم القرآن وتدبُّره هو الذي يُثمر الإِيمان، وأما مجردُ التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البرُّ والفاجرُ، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي ﷺ: "وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ الْقُرْانَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ".

والناس في هذا أربع طبقات: أهلُ القرآن والإِيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عَدِم القرآن والإِيمان. الثالثة: من أوتي قرآنًا، ولم يُؤت إيمانًا، الرابعة: من أوتي إيمانًا ولم يُؤت قرآنًا.

قالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضلُ ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا، وفهمًا في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. قالوا: وهذا هديُ النبي ﷺ، فإنه كان يرتِّل السورة حتى تكون أطولَ من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.

وقال أصحابُ الشافعي رحمه الله: كثرة القراءة أفضلُ، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْف، وَلَكِنْ أَلِف حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ ". رواه الترمذي. وصححه.

قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأَ القرآن في ركعة، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة.

والصواب في المسألة أن يُقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلُّ وأرفعُ قدرًا، وثوابَ كثرة القراءة أكثرُ عددًا، فالأول: كمن تصدَّق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمتُه نفيسة جدًا، والثاني: كمن تصدَّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتُهم رخيصة، وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النبي ﷺ، فقال: "كان يمدُّ مدًّا".

وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريعُ القِراءة، وربما قرأتُ القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابنُ عباس: لأن أقرأ سورةَ واحدة أعجبُ إِلَيَّ من أن أفعل ذَلِكَ الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولا بد، فاقرأ قِراءَةً تُسْمعُ أُذُنَيْك، وَيعيها قلبُك.

وقال إبراهيم: قرأ علقمةُ على ابن مسعود، وكان حسنَ الصوت، فقال: رتِّل فِداك أبي وأمي، فإنه زينُ القرآن.

وقال ابن مسعود: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلا تَنْثُرُوه نَثْرَ الدَّقَل، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ.

وقال عبد الله أيضًا: إذا سمعتَ الله يقول: { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأصغِ لها سمعك، فإنه خيرٌ تُؤمر به، أو شرٌّ تُصرف عنه. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلت عليَّ امرأة وأنا أقرأُ (سورةَ هُود) فقالت: يا عبد الرحمن: هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني فيها منذ ستةِ أشهر وما فرغتُ مِن قراءتها.

وكان رسولُ الله ﷺ يُسرُ بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر بها تارة، ويُطيل القيام تارة، ويخفِّفه تارة، ويُوتر آخر الليل - وهو الأكثر - وأوَّله تارة، وأوسطَه تارة.

وكان يُصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قِبَلَ أي جهة توجهت به، فيركع ويسجد عليها إيماءً، ويجعل سجودَه أخفضَ مِن ركوعه، وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك، قال: "كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن يُصلي على راحلته تطوعًا، استقبل القبلة، فكبر للصلاة، ثم خلّى عن راحلته، ثم صلَّى أينما توجهت به" فاختلف الرواة عن أحمد: هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين: فإن أمكنه الاستدارةُ إلى القبلة في صلاته كلِّها مِثلَ أن يكون في مَحْمِل أو عمارية ونحوها، فهل يلزمه، أو يجوز له أن يُصلِّيَ حيث توجهت به الراحلةُ؟ فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن صلَّى في مَحْمِلٍ: أنه لا يُجزئُه إلا أن يستقبل القبلة، لأنه يمكنه أن يدور، وصاحب الراحلة والدابة لا يُمكنه. وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارةُ في المَحْمِلِ شديدة يُصلي حيث كان وجهه. واختلفت الرواية عنه في السجود في المَحْمِلِ، فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: وإن كان مَحْمِلًا فقدر أن يسجد في المَحْمِل، فيسجد. وروى عنه الميموني، إذا صلَّى في المَحْمِلِ أحبُّ إليَّ أن يسجد، لأنه يمُكنه. وروى عنه الفضل بن زياد: يسجد في المَحْمِلِ إذا أمكنه وروى عنه جعفر بن محمد: السجود على المِرْفَقَةِ إذا كان في المَحْمِلِ، وربما أسند على البعير، ولكن يوميء ويجعل السجودَ أخفضَ مِن الركوع، وكذا روى عنه أبو داود.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى[عدل]

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلي سُبْحةَ الضحى، وإني لأُسبِّحُها. وروى أيضًا من حديث مُوَرِّقٍ العِجلي، قلتُ لابن عمر: أتُصلي الضحى؟ قال: لا، قلتُ: فَعُمَر؟ قال: لا، قلتْ: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبيُّ ﷺ؟ قال: لا إخاله.

وذكر عن ابن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يُصلي الضحى غيرَ أم هانىء، فإنها قالت: إن النبي ﷺ دخل بيتَها يومَ فتح مكة، فاغتسل، وصلَّى ثمانَ ركعات، فلم أرَّ صلاةً قطُّ أخفَ مِنها، غير أنهُ يُتم الركوعَ والسجود.

وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان رسولُ الله ﷺ يُصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يَجيءَ مِن مغيبه.

قلتُ: هل كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرُنُ بين السور؟ قالت: مِن المفصل.

وفي صحيح مسلم عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله وفي الصحيحين عن أم هانئ، أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحى.

وقال الحاكم في المستدرك: حدثنا الأصم، حدثنا الصغاني، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا بكر بن مضر، حدثنا عمرو بن الحارث، عن بكر بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ صلى في سفر سُبْحةَ الضُّحى، صلَّى ثمانَ ركعات، فلما انصرف، قال: "إِنِّي صَلَّيْتُ صلاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، فَسَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَلا يَقْتُلَ أُمَّتِي بِالسِّنِينَ فَفَعَلَ، وسألتُه أَلَّا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا، فَفَعَلَ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُلبسَهُمْ شِيَعًا فَأَبَى عَلَيَّ". قال الحاكم صحيح قلت: الضحاك بن عبد الله هذا يُنظر من هو وما حاله؟

وقال الحاكم: في كتاب "فضل الضحى": حدثنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن يحيى، حدثنا محمد بن صالح الدولابي، حدثنا خالد بن عبد الله بن الحصين، عن هلال بن يساف، عن زاذان، عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلَّى رسولُ الله ﷺ الضحى، ثم قال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارحَمْني، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الغَفُورُ" حتى قالها مائة مرة.

حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أسد بن عاصم، حدثنا الحصين بن حفص، عن سُفيان، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، أن رسول الله ﷺ، صلَّى الضحى ركعتين، وأربعًا، وستًا وثمانيًا.

وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عثمان بن عبد الملك العمري، حدثتنا عائشة بنت سعد، عن أم ذرة، قالت: رأيتُ عائشة رضي الله عنها تُصلي الضُّحى وتقول: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي إلا أربعَ ركعات.

وقال الحاكم أيضًا: أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي، حدثنا أبو قِلابة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عَوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن عمارة بن عمير، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى.

قال الحاكم أيضًا: حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا محمد بن عدي بن كامل، حدثنا وهب بن بقية الواسطي، حدثنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن قيس، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ صلى الضُّحى ستَّ ركعات.

ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي، حدثنا عيسى بن موسى، عن جابر، عن عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، قالتا: كان رسول الله ﷺ يُصلي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة، وذكر حديثًا طويلًا.

وقال الحاكم: أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي، حدثنا أبو قِلابة الرقاشي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضُمرة، عن علي رضي الله عنه: "أن النبي ﷺ كان يُصلي الضحى".

وبه إلى أبي الوليد. حدثنا أبو عَوانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن عِمارة بن عمير العبدي، عن ابن جبير بن مُطعم، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ يُصلي الضحى. قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخُدري، وأبي ذر الغِفاري، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبُريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعِتبان بن مالك، وأنس بن مالك، وعُتبة بن عبد الله السلمي، ونعيم بن همَّار الغطفاني، وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم، ومن النساء، عائشة بنت أبي بكر، وأم هانىء، وأم سلمة رضي الله عنهن، كلهم شهدوا أن النبي ﷺ كان يُصليها. وذكر الطبراني من حديث علي، وأنس، وعائشة، وجابر، أن النبي ﷺ كان يُصلي الضحى ست ركعات. فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق، منهم من رجح رواية الفعل على الترك بأنها مثبتة تتضمن زيادةَ علم خفيت على النافي. قالوا: وقد يجوز أن يذهب علمُ مثل هذا على كثير من الناس، ويُوجد عند الأقل.

قالوا: وقد أخبرت عائشة، وأنس، وجابر، وأم هانىء، وعليُّ بنُ أبي طالب، أنه صلاها. قالوا: ويؤيد هذا الأحاديثُ الصحيحة المتضمنةُ للوصية بها، والمحافظةِ عليها، ومدحِ فاعلها، والثناءِ عليه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي محمد بصيامِ ثلاثَةِ أيام مِن كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أنام.

وفي صحيح مسلم نحوه عن أبي الدرداء.

وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر يرفعه، قال: "يُصبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاميَ مِن أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيْحَةٍ صدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيْدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وتجْزِيءُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضحَى".

وفي مسند الإمام أحمد، عن مُعاذ بن أنس الجُهَني، أن رسول الله ﷺ. قال: "مَن قَعَدَ في مُصَلَّاهُ حينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكعتَي الضُّحى لا يقول إِلَّا خَيرًا، غَفَرَ الله خَطَايَاهُ وإِن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البحْرِ".

وفي الترمذي، وسنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ " مَن حَافَظَ على سُبْحَةِ الضُّحَى، غفِرَ لَهُ ذُنُوبُه وإِن كانَت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ".

وفي المسند والسنن، عن نعيم بن همَّار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "قال الله عز وجل: يا ابْنَ آدَمَ لا تَعْجزَنَّ عَنْ أَرْبعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهار أكفك آخِرَه" رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر.

وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه، عن أنس مرفوعًا: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا مِن ذَهَبٍ في الجنة".

وفي صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم أنه رأى قومًا يُصلون من الضحى في مسجد قُباء، فقال: أما لقد عَلِموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضلُ إنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ الأوَّابين حينَ تَرْمَض الفِصَالُ".

وقوله: ترمَضُ الفِصال، أي: يشتد حر النهار، فتجد الفِصال حرارةَ الرمضاء. وفي الصحيح أن النبي ﷺ صلى الضُّحى في بيت عِتبان بن مالك ركعتين.

وفي مستدرك الحاكم من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُحافِظُ عَلى صَلاةِ الضُّحَى إلا أَوَاب " وقال: "هذا إسناد قد احتج بمثله مسلمُ بن الحجاج، وأنه حدث عن شيوخه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ " مَا أَذِنَ الله لِشَيء ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ " قال: ولعل قائلًا يقول: قد أرسله حماد بن سلمة، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوردي، عن محمد بن عمرو، فيقال له: خالد بن عبد الله ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة.

ثم روى الحاكم: حدثنا عبدان بن يزيد، حدثنا محمد بن المغيرة السكري، حدثنا القاسم بن الحكم العرَني، حدثنا سليمان بن داود اليمامي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " إِنَ لِلْجَنَّةِ بابًا يُقالُ لَهُ بابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْم القِيَامَة نادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كانوا يُداوِمونَ عَلى صلاة الضحَى، هذا بابكم، فادْخُلُوه بِرَحْمَةِ اللهِ ".

وقال الترمذي في الجامع: حدثنا أبو كُريبٍ محمد بن العلاء، حدثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني موسى بن فلان، عن عمه ثُمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ "مَن صَلَّى الضّحَى ثِنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ في الجَنَّة"، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكان أحمد يرى أصحَّ شيء في هذا الباب حديثَ أم هانئ. قلت: وموسى ابن فلان هذا، هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك.

وفي جامعه أيضًا مِن حديث عَطية العَوْفي، عن أبي سعيد الخُدري، قال: كانَ رسول الله ﷺ يصلي الضُّحَى حتى نقولَ: لا يدعُها، ويدعُها حتى نقولَ: لا يصليها. قال: هذا حديث حسن غريب.

وقال الإِمام أحمد في مسنده حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحارث الذِّمَاريَ، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: "مَنْ مَشى إلى صَلاةٍ مكَتوبَةٍ وَهوَ مُتَطَهِّر، كانَ لَه كَأَجْرِ الحاجِّ المُحرِم، ومَنْ مَشى إلى سُبحَة الضُّحَى كَانَ لَهُ كَأَجْرِ المُعتَمِرِ، وَصَلاة عَلى إِثرِ صَلاة لا لَغْوَ بَيْنَهمَا كِتَابٌ في عِلِّيِين " قال أبو أمامة: الغدو والرواح إلى هذِهِ المَساجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ عزّ وَجَلّ.

وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو المورِّع محاضر بن المورِّع، حدثنا الأحوصُ بن حكيم، حدثني عبد الله بن عامر الألهاني، عن منيب بن عيينة بن عبد الله السّلمي، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: "مَن صَلَّى الصبحَ في مَسجِدِ جَمَاعَةٍ، ثمَّ ثبتَ فيهِ حَتَّى الضُّحَى، ثمَّ يُصلِّي سُبحَةَ الضُّحَى، كانَ لَهُ كَأَجرِ حاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ تَام لَهُ حَجَّتُه وَعُمرَتُه".

وقال ابن أبي شيبة: حدثني حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن المقبُري، عن الأعرج، عن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي ﷺ جيشًا، فأعظموا الغنيمةَ، وأسرعوا الكَرَّة. فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثًا قطُّ أسرعَ كرةً ولا أعظَمَ غنيمة من هذا البَعثِ، فقال: "أَلا أُخبِركُمْ بِأَسرَعَ كَرَّةً، وَأَعْظَمَ غَنيمَةً: رَجُلٌ توضأَ في بَيتِهِ فَأَحْسَنَ وُضوءَه، ثَمَّ عَمَدَ إلى المَسجِد، فَصَلَّى فيهِ صَلاةَ الغَداةِ، ثُمَّ أَعقَبَ بِصلاةِ الضّحَى، فَقَد أَرَعَ الكَرَةَ وَأعْظَمَ الغَنِيمَة".

وفي الباب أحاديث سوى هذه، لكم هذه أمثلها قال الحاكم: صحبتُ جماعةً من أئمة الحديث، فوجدتهم يختارون هذا العددَ، يعني أربعَ ركعات، ويُصلون هذه الصلاة أربعًا، لتواتر الأخبار الصحيحة فيه، وإليه أذهب، وإليه أدعو اتِّباعا للأخبار المأثورة، واقتداء بمشايخ الحديث فيه.

قال ابن جرير الطبري وقد ذكر الأخبارَ المرفوعةَ في صلاة الضحى واختلاف عددها: وليس في هذه الأحاديث حديثّ يدفع صاحبه، وذلك أن من حكى أنه صلى الضحى أربعًا جائز أن يكون رآه في حال فعلِه ذلك، ورآه غيرُه في حالٍ أخرى صلى ركعتين، ورآه آخرُ في حال أخرى صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحثّ على أن يُصلي ستًا، وآخر يحثُّ على أن يُصلي ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على ثنتي عشرة، فأخبر كلُّ واحد منهم عما رأى وسمع. قال: والدليل على صحة قولنا، ما روِيَ عن زيد بن أسلم قال. سمعتُ عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم، قال: سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال؟ " مَنْ صَلَّى الضّحَى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يكْتَبْ مِن الغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلًى أربَعًا، كتِبَ مِنَ العَابِدين، ومَن صَلَّى سِتًّا، لَمْ يَلْحَقْةُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلَّى ثَمانِيا، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صَلَّى عَشْرًا بَنى الله لَهُ بَيْتا في الجَنَّة".

وقال مجاهد: صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا الضحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا سِتًّا، ثم يومًا ثمانيًا ثم تركَ. فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كل مُخْبِرٍ ممن تقدم أن يكون إخبارُه لِما أخبر عنه في صلاة الضُّحى على قدر ما شاهده وعاينه.

والصواب: إذا كان الأمر كذلك: أن يُصلّيها من أراد على ما شاء من العدد. وقد روِيَ هذا عن قوم من السلف حدثنا ابنُ حميد، حدثنا جرير، عن إبراهيم، سأل رجل الأسود، كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت.

وطائفة ثانية، ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجَّحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري عن ابن عمر، أنه لم يكن يُصليها، ولا أبو بكر، ولا عمر. قلت: فالنبي ﷺ قال: لا إخاله. وقال وكيع: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما رأيتُ رسول الله ﷺ صلَّى صلاة الضحى إلا يومًا واحدًا. وقال علي بن المديني: حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا شعبة، حدثنا فضيل بن فَضالة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناسًا يُصلون الضحى، قال: إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامَةُ أصحابه.

وفي الموطأ: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة قالت: ما سبَّح رسولُ الله ﷺ سُبحةَ الضّحى قطُّ، وإني لأسبِّحُها، وإن كان رسولُ الله ﷺ ليَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشيةَ أن يعمل به الناس، فَيُفرض عليهم.

وقال أبو الحسن علي بن بطال: فأخذ قوم من السَّلف بحديث عائشة، ولم يَرَوا صلاةَ الضحى، وقال قوم: إنها بدعة، روى الشعبي، عن قيس بن عُبيد، قال: كنت أختلِف إلى ابن مسعود السَّنَةَ كلَّها، فما رأيتُه مصليًا الضحى. وروى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف، كان لا يصلي الضحى. وعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجدَ، فإذا ابنُ عمر جالس عند حُجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يُصلون صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، وقال مرة: ونِعمَتِ البِدْعةُ.

وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة مِن الضحى. وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى، فقال: الصلوات خمس.

وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غِبًّا، فتُصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحدُ الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة، قال: واحتجوا بما روى الجُريري، عن عبد الله بن شَقيق، قال: قلتُ لعائشة أكانَ رسول الله ﷺ يُصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يَجيءَ مِن مغيبه ثم ذكر حديث أبي سعيد: كان رسولُ الله ﷺ يُصلي الضحى، حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، وقد تقدم. ثم قال كذا ذكر من كان يفعل ذلك مِن السلف وروى شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عكرمة قال: كان ابنُ عباس يُصليها يومًا، ويدعها عشرة أيام يعني صلاةَ الضحى وروى شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان لا يُصلي الضحى. فإذا أتى مسجد قُباء، صلَّى، وكان يأتيه كلَّ سبت. وروى سفيان، عن منصور، قال كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويُصلون ويدعون يعني صلاة الضحى. وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها، مخافة أن أراها حتمًا علي وقال مسروق: كنا نقرأ في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم، فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لِم تُحمِّلون عبادَ الله ما لم يُحمِّلهم الله؟ إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، ففي بيوتكم وكان أبو مِجْلَز يصلي الضحى في منزله. قال هؤلاء: وهذا أولى لئلا يتوهم متوهمٌ وجوبَها بالمحافظة عليها، أو كونَها سنةَ راتبةً ولهذا قالت عائشة: لو نُشِرَ لي أَبَواي ما تَرَكتها. فإنها كانت تُصليها في البيت حتى لا يراها الناس.

وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تُفعل بسبب من الأسباب، وأن النبي ﷺ، إنما فعلها بسبب، قالوا: وصلاته ﷺ يومَ الفتح ثمان ركعات ضحى، إنما كانت مِن أجل الفتح، وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات، وكان الأمراء يُسمونها صلاة الفتح وذكر الطبريَ في "تاريخه" عن الشعبي قال: لما فتح خالد بن الوليد الحِجرة، صلَى صلاة الفتح ثمانَ ركعات لم يُسلم فيهن، ثم انصرف. قالوا: وقول أم هانىء: "وذلك ضحى". تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى، لا أن الضحى اسم لتلك الصلاة. قالوا: وأما صلاته في بيت عِتبان بن مالك، فإنما كانت لسبب أيضا، فإن عِتْبان قال له: إنِّي أنكرتَ بصري، وإنَّ السيول تحولُ بيني وبين مسجد قومي، فَودِدتُ أنك جئت، فصليتَ في بيتي مكانًا أتخذه مسجدا، فقال: "أفعل إن شاء الله تعالى" قال: فغدا عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر معه بعدما أشتدَّ النهارُ فاستأذن النبي ﷺ فأذنت له، فلم يجلِس حتى قال: "أين تحِبّ أَن أصَلِّيَ مِن بَيتِكَ"،؟ فأشرت إليه من المكان الذي أُحب أن يصلي فيه، فقام وصففنا خلفه، وصلى، ثم سلم، وسلمنا حين سلم. متفق عليه.

فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها، ولفظ البخاري فيها، فاختصره بعض الرواة عن عِتبان، فقال: إن رسولَ الله ﷺ صلَّى في بيتي سُبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلَّوْا.

وأما قولُ عائشة: لم يكن رسول الله ﷺ يُصلي الضحى إلا أن يَقْدَمَ مِنْ مغيبه، فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه ﷺ كان إذا. قَدِمَ من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين.

فهذا كان هديَه، وعائشةُ أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلةُ: "ما صلَّى رسول الله ﷺ صلاةَ الضحى قطّ".

فالذي أثبتته فعلها بسبب، كقدومه من سفر، وفتحه، وزيارتِه لقوم ونحوه، وكذلك إتيانُه مسجد قباء للصلاة فيه، وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن أبي بكر، حدَّثنا سلمة بن رجاء، حدَّثتنا الشعثاء، قالت: رأيتُ ابنَ أبي أوفى صلى الضُّحى ركعتين يوم بُشِّر برأس أبي جهل. فهذا إن صحَّ فهي صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشُكر الفتح والذيَ نفته، هو ما كان يفعله الناس، تصلونها لغير سبب، وهي لم تقل: إن ذلك مكروه، ولا مخالفٌ لسنته، ولكن لم يكن مِن هديه فعلُها لغير سبب. وقد أوصى بها وندب إليها، وحضَّ عليها، وكان يَستغني عنها بقيام الليل، فإن فيه غُنية عنها وهي كالبدل منه، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذي جَعَلَ اللَيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكورًا } [95] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: عوضًا وخلفًا يقوم أحدُهما مقامَ صاحبه، فمن فاته عمل في أحدهما، قضاه في الآخر.

قال قتادة: فأدوا للّه من أعمالكم خيرًا في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيَّتان يُقحِمَان الناسَ إلى آجالهم، ويُقرِّبان كلَّ بعيد، ويبليان كلَّ جديد، ويَجيئان بكلَّ موعود إلى يوم القيامة.

وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاةُ الليلة، فقال: أدرك ما فاتك مِن ليلتك في نهارك، فإن الله عزّ وجل جعل الليلَ والنهار خِلفة لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شُكورا.

قالوا: وفِعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على هذا، فإن ابن عباس كان يُصليها يومًا، ويدعها عشرة، وكان ابنُ عمر لا يصليها، فإذا أتى مسجد قُباء، صلاها، وكان يأتيه كلَّ سبت وقال سفيان، عن منصور: كانوا يكرهون أن يُحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ويَدعون، قالوا: ومِن هذا الحديثُ الصحيح عن أنس، أن رجلًا من الأنصار كان ضخمًا، فقال للنبي ﷺ: إني لا أستطيع أن أُصليَ معك، فصنع للنبي ﷺ طعامًا، ودعاه إلى بيته، ونضح له طرفَ حصير بماء، فصلى عليه ركعتين قال أنس ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم رواه البخاري.

ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثارَ الصحابة، وجدها لا تدل إلا على هذا القول، وأما أحاديثُ الترغيب فيها، والوصيةُ بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لايدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلًا من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة.

وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها منقطع، وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به، كحديث يروى عن أنس مرفوعًا "مَنْ دَاوَمَ على صَلاةِ الضُّحَى ولمْ يَقطَعْهَا إلا عَنْ عِلّة، كنتُ أَنَا وَهُو في زَوْرَقٍ مِنْ نُورٍ في بَحرٍ مِنْ نورٍ" وضعه زكريا بن دُويد الكِندي، عن حميد.

وأما حديث يعلى بن أشدق، عن عبد الله بن جراد، عن النبي ﷺ: "من صَلَّى مِنْكُم صلاةَ الضُحى، فَلْيصلها مُتَعَبِّدًا، فإنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّيها السَّنَةَِ من الدَّهْرِ ثمَّ يَنسَاهَا وَيَدَعهَا، فَتَحِنُّ إليهِ كَمَا تَحِنُّ النَّاقَة إلى وَلَدِهَا إذا فَقَدَته" فيا عجبًا للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله، فإنه يروي هذا الحديثُ في كتاب أفرده للضحى، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله ﷺ يعني نسخة يعلى بن الأشدق. وقال ابن عدى: روى يعلى بن الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي ﷺ: أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمُّه غيرُ معروفين، وبلغي عن أبي مسهر، قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمُّك من حديث رسول الله ﷺ؟ فقال: جامعَ سفيان، وموطأ مالك، وشيئًا من الفوائد. وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كَبِر، اجتمع عليه من لا دِين له، فوضعوا له شهبًا بمائتي حديث، فجعل يحدِّث بها وهو لا يدري، وهو الذي قال له بعضُ مشايخ أصحابنا: أيُّ شيء سمعته من عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة، وجامعُ سفيان لا تحِلُ الرواية عنه بحال.

وكذلك حديثُ عمر بن صُبح عن مقاتل بن حيان حديث عائشة المتقدم: كان رسول الله ﷺ يُصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة، وهو حديث طويل ذكره الحاكم في "صلاة الضحى" وهو حديث موضوع، المتهم به عمر بن صبح قال البخاري: حدَثني يحيى، عن علي بن جرير، قال سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي ﷺ، وقال ابن عدى منكر الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يَحِلّ كتب حديثه إلا على جهة التعجب منه، وقال الدارقطني: متروك، وقال الأزدي كذاب.

وكذلك حديثُ عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فُرَافِصة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعًا "مَن حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر".

ذكره الحاكم أيضًا. وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذّاب، وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب خبيث يضع الحديث، وقال البخاري، والنسائي، والدارقطني: متروكُ الحديث.

وكذلك حديث النهاس بن قهم، عن شداد، عن أبي هريرة يرفعه "من حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُحَى، غُفِرَتْ ذُنُوبُه وَإنْ كَانَتْ أَكْثَر مِن زَبَدِ البحر". والنهاس، قال يحيى: ليس بشيء ضعيف كان يروي عن عطاء، عن ابن عباس أشياء منكرة، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: لايساوى شيئًا، وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، وقال الدارقطني: مضطرب الحديث، تركه يحيى القطان.

وأما حديث حُميد بن صخر، عن المقبري، عن أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ، بعثًا الحديثَ، وقد تقدم. فحميد هذا ضعفه النسائي، ويحيى بن معين، ووثقه آخرون، وأُنكِرَ عليه بعض حديثه، وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد والله أعلم.

وأما حديث محمد بن إسحاق، عن موسى، عن عبد الله بن المثنى، عن أنس، عن عمه ثُمامة، عن أنس يرفعه "مَنْ صَلَّى الضُّحَى، بنى الله له قَصْرًا في الجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ"، فمن الأحاديث الغرائب، وقال الترمذيَ: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وأما حديث نعيم بن همَّار: "ابن آدَمَ لا تَعْجِزْ لي عَنْ أرْبَعِ ركَعَات في أوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ"، وكذلك حديث أبي الدرداء، وأبي ذر، فسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها.

فصل

وكان مِن هديه ﷺ وهدي أصحابه سجودُ الشكر عند تجدُّد نِعمة تسُرُ أو اندفاع نِقمة، كما في المسند عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يَسُرُّه، خرَّ لله سَاجِدًا شُكْرًا لله تَعَالى.

وذكر ابنُ ماجه، عن أنس، أن النبي ﷺ بُشِّرَ بحَاجَةٍ، فخَرَّ للّه سَاجِدًا.

وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري، أن عليًا رضي الله عنه، لما كتب إلى النبي ﷺ بإسلام همْدَان، خرَّ ساجدًا ثم رفع رأسه، فقال: "السَّلام عَلَى هَمْدَانَ، السَّلامَ عَلى هَمْدان" وصدر الحديث في صحيح البخاري وهذا تمامه بإسناده عند البيهقي.

وفي المسند من حديث عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ، سجد شكرًا لما جاءته البُشرى من ربه، أنه من صلَّى عليك، صلَّيْت عليه، ومن سلَّم عليك، سلمتُ عليه.

وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ في رفع يديه فسأل الله ساعة، ثم خرّ ساجدًا ثلاثَ مرات، ثم قال: " إنِّي سَأَلْتُ رَبي وشَفَعْتُ لأمَّتي، فَأَعْطَاني ثلُثَ أُمَّتي، فَخرَرْت سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفعت رأسْي، فَسَألتُ رَبِّي لأمَّتي، فَأَعْطَاني الثُّلثَ الثاني، فَخَرَرَت سَاجدًا شكْرًا لِرَبي ثمّ رَفَعت رَأسي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتي، فأعطَاني الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَررَتُ ساجدًا لربِّي".

وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه، ذكره البخاري.

وذكر أحمد عن علي رضي الله عنه، أنه سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في قتلى الخوارج.

وذكر سعيد بن منصور، أن أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه، سجد حين جاءه قتلُ مسيلِمة.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود القرآن[عدل]

كان ﷺ إذا مرَّ بسجدة كبَّر وسجد، وربما قال في سجوده " سَجَدَ وَجهي لِلّذي خَلَقَهُ وَصوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصرَهُ بِحَولِهِ وَقُوَّتِهِ".

وربما قال: " اللهم احطط عَنِّي بها وِزرا، واكْتُب لي بها أَجْرًا، واجْعَلْهَا لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقبَّلها مِنِّي كَمَا تَقَبَّلتَها مِن عَبْدِكَ داودَ". ذكرهما أهل السنن.

ولم يُذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود، ولذلك لم يذكره الخِرقي ومتقدمو الأصحاب، ولا نُقِلَ فيه عنه تشهد ولا سلام البتة وأنكر أحمد والشافعي السلامَ فيه، فالمنصوص عن الشافعي: إنه لا تشهدَ فيه ولا تسليم، وقال أحمد: أما التسليمُ، فلا أدري ما هو، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره.

وصح عنه ﷺ أنه سجد في (الم تنزيل)، وفي (ص)، وفي (النجم) وفي؟ (إذا السَماء انشقَّت)، وفي (اقرأ باسْم رَبِّكَ الذي خَلَق).

وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ، أقرأه خمسَ عشرة، سجدة، منها ثلاث في المفصّل، وفي سورة الحج سجدتان.

وأما حديث أبي الدرداء، سجدت مع رسول الله ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس فيها من المفصَّل شيء: (الأعراف)، و(الرعد)، و(النحل)، و(بني إسرائيل)، و(مريم)، و(الحج)، و(سجدة الفرقان)، و(النمل)، و(السجدة)، و ﷺ، و(سجدة الحواميم)، فقال أبو داود: روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، وإسناده واهٍ.

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة. رواه أبو داود فهو حديث ضعيف، في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، لا يحتج بحديثه. قال الإِمام أحمد: أبو قدامة مضطرِب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال النسائي: صدوق عنده مناكير، وقال أبو حاتم البستي: كان شيخًا صالحًا ممن كثر وهمه وعلَّله ابن القطان بمطر الوراق، وقال: كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعيب على مسلم إخراجُ حديثه انتهى كلامه.

ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلِط فيه، فغلِط في هذا المقام من استدرك عليه إخراجَ جميع حديث الثقة، ومن ضعَّف جميع حديث سيىء الحفظ، فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان.

وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي ﷺ في (اقرأ باسْم رَبِّكَ الَذي خَلَق)، وفي (إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت)، وهو إنما أسلم بعد مَقدَم النبي ﷺ المدَينة بست سنين أو سبع، فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لتعين تقديمُ حديث أبي هريرة، لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس، فكيف وحديثُ أبي هريرة في غاية الصحَة متفق على صحته، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه. والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها[عدل]

ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ الآخرُون الأَوّلُونَ السَّابِقونَ يَوْمَ القِيامَة، بَيْدَ أنَّهم أوتُوا الكتاب مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرضَ اللهُ عَلَيْهِم، فاخْتَلَفوا فِيهِ، فهَدانَا اللهُ له، والنَّاسُ لَنا فيه تَبَع، اليَهُودُ غدًا، والنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، وحُذيفة رضي الله عنهما قال: رسول الله ﷺ "أَضَلَّ اللهُ عَن الجُمُعة مَنْ كان قَبْلَنا، فَكانَ لِلْيَهُودِ السَّبْتِ، وكَانَ لِلنَّصارى يَوْمُ الأَحَدِ، فجاء اللهُ بِنَا، فَهَدَانَا ليومِ الجمعة فَجَعَلَ الجُمُعَةَ والسّبْتَ والأَحَدَ، وكَذلِكَ هُم تَبَعٌ لَنَا يَومَ القِيَامَةِ، نحن الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنيا، والأَوَّلونَ يَوْمَ القِيامَةِ، المَقْضيُّ لهم قبل الخلائِق".

وفي المسند والسنن من حديث أوس بن أوس، عن النبي ﷺ أَفْضل أَيَّامِكُم يَومُ الجمعَةِ، فيه خَلَقَ اللهُ آدَمَ، وفيه قُبضَ، وفيه النَّفخَةُ، الصعْقَةُ، فأكثِرُوا عليَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه، فإِنَّ صَلاتَكُم مَعرُوضةٌ عليَّ" قالوا: يا رسولَ الله وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ (يعني: قدْ بَلِيتَ). "إنَّ الله حَرَّمَ على الأَرضِ أَنْ تأْكُلَ أَجْسَادَ الأنبياءِ". ورواه الحاكم، فيالمستدرك وابن حبان في صحيحه.

وفي جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فيه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خَلَقَ اللهُ آدَمَ، وفيه أدْخِلَ الجَنَّةَ، وفيه أُخرِجَ منها، ولا تَقومُ السَّاعَةُ إِلَّا في يَوْمِ الجُمُعَةِ ". قال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم.

وفي المستدرك أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا "سَيِّدُ الأيَّام يَوْمُ الجُمُعةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أُدْخِلَ الجَنَّة، وفيه أُخْرِجَ مِنْهَا، ولا تَقومُ السَّاعَةُ إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ".

وروى مالك في الموطأ، عن أبي هريرة مرفوعًا "خيْر يَوْمٍ طَلَعَت عليه الشَّمْس يومُ الجُمُعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُهْبِطَ، وفيه تِيبَ عَليه، وفيه مَاتَ، وفيه تقومُ السَّاعةُ، وما منْ دابَّةٍ إلا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعةِ مِنْ حِينَ تصبِحُ حتَّى تَطْلعَ الشّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الجِنَّ والإِنسَ، وفِيهِ سَاعَةٌ لا يُصادِفُهَا عَبدٌ مُسْلِمِّ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إيَّاه". قال كعب: ذلك في كلِّ سنَةٍ يَوْمٌ، فقلتُ: بَلْ في كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرأَ كَعْبّ التَّوْراةَ، فَقَال: صدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ، فحَدَّثْتهُ بِمَجْلِسي مَعَ كَعبٍ، قَالَ: قَدْ عَلِمتُ أَيَّة سَاعَةٍ هي، قُلت: فأَخبِرْنِي بِهَا، قال: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَقُلتُ: كَيفَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لا يصَادِفُهَا عَبدٌ مسلِمّ وَهوَ يصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ لا يُصَلَّى فيها؟ فَقَالَ ابن سلام: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله "مَن جَلَسَ مَجلِسًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، فَهُوَ في صًلاةٍ حَتَّى يُصلِّيَ"؟

وفي صحيح ابن حبان مرفوعًا: "لا تطلع الشمس على يوم خير من يَوْمِ الجُمُعة".

وفي مسند الشافعي من حديث أنس بن مالك رضي اللهُ عنه، قال: أتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله ﷺ. بمرْآة بَيْضَاءَ، فِيها نُكتةٌ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ ما هذِهِ؟ فقال: "هذِهِ يَومُ الجُمُعةِ، فُضِّلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، والنَّاسُ لَكُمْ فيها تَبَعٌ، اليهودُ والنَّصارى، ولكم فيها خَيْرٌ، وفيها سَاعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يدعو الله بِخَيْرٍ إلا اسْتُجِيبَ لَهُ وهُوَ عِنْدَنَا يَوْمُ المزيد، فقال النبي ﷺ: يا جِبْريلُ! ما يومُ المزيدِ؟ قال: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الفِرْدَوْسِ وَادِيًا أفيحَ فِيهِ كُثُبٌ مِنْ مِسْكٍ، فإذا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أنزلَ الله سُبحَانَهُ ما شَاءَ مِنْ مَلائِكَتِهِ، وَحَوْلَهُ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ عَليها مَقَاعِدُ النَّبيِّينَ، وحَفَّ تِلكَ المنابِرَ بِمنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بالياقوت وَالزَّبَرجَدِ، عليها الشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ، فجلسوا مِنْ وَرَائهم على تِلْكَ الكُثُبِ"، فيقولُ اللهُ عزّ وجَلَّ: "أَنا رَبّكم قَدْ صَدَقتكم وعدي، فسَلُوني أُعْطِكُم، فيقولون: ربَّنا نسألك رضوانَك، فيقول: قَدْ رَضِيتُ عنْكُم وَلَكُم مَا تَمَنيْتُم وَلَدَيَّ مَزيد، فهم يُحِبُّونَ يَوْمَ الجُمُعةِ لِما يُعطيهم فيه ربُّهم مِنَ الخَيْرِ، وهُوَ اليومُ الَّذي اسْتوى فيه ربُّك تَبَارَكَ وتَعالى على العرش، وفيه خَلَقَ آدم، وفيه تقوم السَّاعة".

رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عُبيدة، قال: حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد، عن عمير بن أنس.

ثم قال: وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد، عن أنس شبيهًا به.

وكان الشافعي حسنَ الرأي في شيخه إبراهيم هذا، لكن قال فيه الإِمام أحمد رحمه للّه: معتزلي جهمي قدري كُلُّ بلاء فيه.

ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا صفوان: قال: قال أنس: قال النبيُّ ﷺ "أتاني جِبْريلُ فذكره" ورواه محمد بن شعيب، عن عمر مولى غُفرة، عن أنس ورواهُ أبو ظبية، عن عثمان بن عُمير، عن أنس. وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه.

وفي مسند أحمد من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، قال: قيل للنبي ﷺ: لأي شيء سُمِّيَ يَوْم الجمعة؟ قال " لأَنَّ فيه طُبِعَت طِينَةُ أَبيكَ آدَمَ، وفيه الصَّعْقَةُ، والبعْثَةُ، وفيه البَطْشَةُ، وفي آخِرِهِ ثَلاثُ سَاعاتٍ، منها سَاعَةٌ مَنْ دعا الله فيها اسْتُجِيبَ له ".

وقال الحسن بن سفيان النَّسوي في مسنده حدثنا أبومروان هشام بن خالد الأزرق، حدثنا الحسن بن يحيى الخُشني، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غُفرة، حدثني أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أتاني جِبريلُ وفي يَده كَهَيْئَة المِرْآة البيضاء، فيها نكْتَةٌ سَوْداءُ، فقلت: ما هذه يا جِبريلُ؟ فقال: هذه الجُمُعَة بُعِثْتُ بها إِلَيْكَ تكُونُ عيدًا لكَ وَلأُمَّتِكَ مِنْ بعدِك. فقلت: وما لَنا فيها يا جِبْريل؟ قال: لَكمْ فيها خَيْرٌ كَثير، أَنْتُمُ الآخِرُون السَابقونَ يَوْمَ القِيَامَة، وفيها سَاعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يصلِّي يَسْألُ اللهَ شَيئًا إِلَّا أَعْطاه. قلتُ: فما هذه النّكْتَةُ السَّوداء يا جِبرِيلُ؟ قال: هذه السَّاعة تكون في يوم الجُمُعة وهو سَيِّد الأَيَّام، ونحنُ نسميه عندنا يومَ المَزيد. قلت: وما يومُ المَزيد يا جِبْريل؟ قال: ذلك بِأَنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ في الجَنَّة واديًا أفيحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيض، فإذا كان يَوْمُ الجُمُعة مِنْ أَيَّام الآَخرة، هَبَطَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مِن عَرْشِهِ إِلى كُرسِيِّه، ويُحَفُّ الكُرْسيّ بِمنابِرَ مِنَ النُّورِ فيجلسُ عليها النَّبِيُّونَ وتُحَفُّ المنابِرُ بِكَراسِي مِنْ ذَهَب، فيجلِسُ عليها الصِّدِّيقون والشُّهداء، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفهم، فيجلسون على كُثبانِ المِسكِ لا يرون لأهلِ المنابِر والكراسي فَضلًا في المجلِس، ثمَّ يَتَبدَّى لهم ذو الجَلال والإِكرام تبارك وتعالى، فيقول: سلوني، فيقولون بِأَجْمَعِهم: نَسْأَلُك الرِّضى يا ربُّ، فيَشْهَدُ لَهم عَلى الرِّضى، ثم يقول: سَلوني، فيسألونَه حَتَّى تَنتَهِيَ نَهْمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْهُم، قال: ثُمَّ يُسْعى عَلَيْهِم بِما لا عَيْنٌ رَأت، ولا أُذنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلب بَشَر، ثُمَّ يَرتَفع الجَبَّار مِنْ كُرْسيِّه إِلى عَرشِهِ، وَيَرْتَفعُ أهْلُ الغُرَف إلى غُرَفِهم، وهي غُرفَةٌ مِنْ لُؤلُؤَةٍ بَيْضاء، أو ياقُوتَةٍ حَمراء، أو زُمرُّدةٍ خضراء، ليس فيها فَصْمٌ وَلا وَصمٌ مُنَوَّرة، فيها أنهارُها، أو قال: مُطَّرِدةٌ مُتَدَليَةٌ فيها ثِمَارُها، فيها أزواجُها وَخَدمُها وَمَساكِنُها قال: فأهلُ الجَنَّة يَتباشَرون في الجنَّة بِيَومِ الجُمُعة، كما يَتبَاشَرُ أهل الدُّنيا في الدُّنيا بالمطر".

وقال ابن أبي الدنيا في كتاب صفة الجنة: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي، حدثني عبد الله بن عَرَادة الشيباني، حدثنا القاسم بن مُطيِّب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حُذيفة، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "أَتاني جِبْرِيل وفي كَفّه مِرْآةٌ كأحْسَنِ المرَائي وأضْوَئِها، وإذا في وَسَطِها لَمْعَةٌ سوداءُ، فقلت: ما هذه اللَّمْعَةُ التي أرى فيها؟ قال: هذه الجُمُعَةُ، قلت: وما الجُمعَةُ؟ قال: يَوْمٌ مِنْ أَيَّام رَبِّكَ عظيم، وَسَأخْبِرُكَ بِشَرَفِهِ وفَضْلِهِ في الدّنيا، وما يرجى فيه لأهله، وأُخْبِرُك باسْمه في الآخِرة، فأما شَرَفه وَفَضْلُهُ في الدنيا، فإن الله عزَّ وجَلَّ جَمَعَ فيه أمر الخلق، وأمَّا ما يُرجَى فيه لأهله، فإنَّ فيه سَاعَةً لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ يَسْأَلانِ الله تعالى فيها خَيْرًا إلا أعطاهما إياه، وأمَّا شَرَفُهُ وَفضْلُهُ في الآخِرَة واسْمه، فإنَّ الله تباركَ وتَعَالى إذا صَيَّرَ أهْلَ الجنَة إلى الجَنَّة، وأهْل النار إلى النَّار، جَرَتْ عليهم هذه الأّيَام وهذه اللَّيالي، ليس فيها لَيلٌ وَلا نَهَارّ إِلَّا قَدْ علم اللهُ عزَ وَجَلَّ مِقدَارَ ذَلِكَ وَسَاعَاتِه، فإذا كان يَوْمُ الجمُعَة حين يخرج أهل الجُمُعَةِ إلى جُمُعَتِهم، نادى أَهْلَ الجنَّة مُنَادٍ، يا أهْل الجَنَّة اخرجوا إلى وادي المَزيد، ووَادي المَزيد لا يعلم سعَة طوله وعرضه إلَّا اللهُ، فيه كُثبَانُ المِسك، رؤوسها في السَّمَاء قال: فَيخْرُج غِلْمَانُ الأنْبِياء بمنابرَ مِنْ نور، ويخرج غِلْمَانُ المؤمنين بِكَراسي مِنْ يَاقوتٍ، فإذا وُضِعَتْ لَهم، وَأَخَذَ القَوْمُ مَجَالِسَهم، بَعَثَ اللهُ عليهم ريحًا تدعى المُثيرة، تُثيرُ ذلك المِسكَ، وتُدْخِله مِن تَحتِ ثِيابِهِم، وتُخْرِجهُ في وجوهِهِم وأشْعارِهِم، تِلْك الرِّيح أَعْلَم كَيفَ تَصْنَع بِذلِكَ المِسكِ مِن امرأةِ أحَدِكُم، لو دُفعَ إليها كُلُّ طِيب على وَجْه الأرض. قال: ثم يُوحي الله تبارك وتعالى إلى حَمَلَة عَرْشِهِ: ضَعُوه بَين أَظهُرِهِم، فيكون أوّلَ ما يَسمَعونَهُ منه: إليَّ يا عبادي الذين أطاعُوني بِالغَيب وَلم يَروني، وصَدَّقوا رُسُلِي، واتَّبَعوا أمْري، سَلُوني فهذا يَومُ المَزيد، فيجَتَمِعُونَ على كَلِمَةٍ واحِدَةٍ: رضِيْنا عَنْك فَارْضَ عَنَّا، فيرْجِعُ اللهُ إلَيهم: أَنْ يَا أَهلَ الجَنَّة إِنِّي لَوْ لم أَرْضَ عَنْكُم لم أُسْكِنْكُم داري، فَسَلُوني فهذا يَوْمُ المَزيد، فَيَجْتَمِعُونَ على كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: يا رَبَّنَا وَجْهَكَ نَنْظُرْ إليه، فيَكْشِفُ تلْكَ الحُجُبَ، فَيَتجَلَّى لهم عَزَّ وجَلَّ، فَيَغْشَاهُم مِنْ نُوره شَيءٌ لَوْلا أَنّه قَضَى ألا يَحْتَرِقُوا، لاحْترَقوا لِما يَغْشَاهُم مِنْ نُورِهِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُم: ارْجعوا إلى مَنازِلِكم، فيَرْجِعون إلى مَنَازِلِهِم وَقَدْ أَعْطَى. كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ الضِّعْفَ عَلَى مَا كانوا فيه، فَيَرْجِعُون إلى أَزْوَاجِهِم وقد خَفُوا عَلَيْهِنَّ وَخَفِينَ عليهم ممَّا غَشِيَهمْ مِن نُورِهِ، فإذا رَجعُوا تَرادَّ النُّورُ حَتَّى يَرْجِعُوا إلى صُوَرِهم الّتي كانوا عَلَيْها، فَتَقول لَهُم أَزْوَاجُهُم: لَقَدْ خَرَجْتُم مِنْ عِنْدِنَا على صورة ورَجَعْتُم عَلى غَيْرِها، فيقولون: ذلك لأنَّ اللهَ عَزّ وجَلُّ تَجَلَّى لنا، فَنَظَرْنا مِنْه قال: وإِنَّهُ وَاللهِ ما أحاطَ به خَلْقٌ، وَلكنَّهُ قَد أراهم مِنْ، عظَمَتِهِ وَجَلالِهِ ما شَاءَ أَنْ يُرِيَهُم قال: فَذلِكَ قولهم فَنَظَرْنا مِنْه، قال: فَهُم يَتَقَلَّبُون في مِسْكِ الجَنَّة ونَعيمِها في كلِّ سَبعَةِ أَيَّام الضعفَ عَلى مَا كَانوا فيه. قال رسول الله ﷺ: فَذَلِكَ قَوْلُه تعالى: { فَلا تَعْلَمُ نَفسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِنْ قُرَةِ أَعْينٍ جَزاءً بِمَا كَانوا يَعمَلون } [96].

ورواه أبو نُعيم في صفة الجنة من حديث عِصمة بن محمد حدثنا، موسى بن عقبة، عن أبي صالح، عن أنس شبيهًا به.

وذكر أبو نعيم في صفة الجنة من حديث المسعودي، عن المِنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: سارعوا إلى الجُمُعة في الدنيا، فإن الله تبَارك وتعالى يَبْرُزُ لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه سبحانه بالقرب على قدر سُرعتهم إلى الجمعة، ويُحدِثُ لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه قبل ذلك، فيرجِعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم.

فصل في مبدإ الجمعة[عدل]

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كنت قائدَ أبي حين كُفَّ بصرُه، فإذا خرجتُ به إلى الجمعة، فسمع الأذانَ بها، استغفر لأبي أمامة أسعد بنِ زُرارة، فمكث حينًا على ذلك فقلت: إن هذا لعجز ألا أسأله عَنْ هذا، فخرجتُ به كما كنتُ أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة، استغفرَ له، فقلت: يا أبتاه! أرأيتَ استغفارَك لأسعد بنِ زُرارة كلما سمعتَ الأذان يومَ الجمعة؟ قال: أي بُنَيَّ! كان أسعدُ أولَ من جمَّع بنا بالمدينة قبل مَقْدَمِ رسول الله ﷺ في هَزْم النَّبيتِ مِن حَرَّة بني بَياضة في نقيع يُقال له: نقيع الخَضَماتِ. قلتُ: فكم كُنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا.

قال البيهقي، ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي، وكان الراوي ثقة، استقام الإِسنادُ، وهذا حديث حسن صحيح الإِسناد انتهى.

قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة. ثم قَدم رسولُ الله ﷺ المدينة، فأقام بقُباء في بني عمرو بن عوف، كما قاله ابنُ إسحاق يوم الاثنين، ويومَ الثلاثاء، ويومَ الأربعاء، ويومَ الخميس، وأسسَّ مسجدَهم، ثم خرج يومَ الجمعة، فأدركته الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فصلَّاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أوَّل جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيسِ مسجده.

قال ابن إسحاق: وكانت أوَّل خطبة خطبها رسولُ الله ﷺ، فيما بلغني عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن -ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقُلْ - أنه قام فِيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أمَّا بَعْدُ أيُها النَّاسُ، فَقَدِّموا لأَنْفُسكمَ تَعْلَمُنَّ وَالله لَيُصْعَقَنَّ أحَدُكم، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَه لَيس لها رَاع، ثُمَّ ليقولَنَّ لَهُ ربُّه ولَيْس لَة تُرْجُمان، ولا حاجبٌ يَحْجبُه دُونه اْلَمْ يَاْتكَ رَسولي، فَبَلَّغَك، وآتَيْتك مَالًا، وأفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفسِك، فَلَيَنْظرنَّ يَمينًا وشِمالًا، فلا يَرى شَيئًا، ثُمَّ لَيَنْظرَنَّ قدَّامَه فَلا يَرَى غَيْرَ جَهنَّم، فَمَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَقِيَ وَجْهَهُ منَ النَّارِ ولو بشقٍّ منْ تَمْرة، فَلْيَفْعَل، ومن لَمْ يَجد، فَبكَلمَةٍ طيِّبةٍ، فَإنَّ بِهَا تُجْزى الحَسنةُ بعَشْرَ أَمْثَالهَا إلى سًبعمائة ضعف، والسلام علَيكَم ورحمة الله وبركاته".

قال ابن إسحاق: ثم خطب رسولُ الله ﷺ مرة أخرى، فقال: "إن الحمد للّه أَحمَدُهُ وأَسْتَعِينُه، نَعوذُ بالله مِنْ شرور أنْفُسِنا، وسَيِّئاتِ أعْمالِنا مَنْ يَهْدِه الله، فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل، فلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، إنَّ أحسَن الحَديث كِتابُ الله، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَيَّنَه الله في قلبه، وأدخله في الإِسلام بعد الكفر، فاختارَه على ما سواه مِنْ أحاديث النَّاس، إنَّه أَحْسَنُ الحديثِ وأبْلغُه، أَحِبُّوا ما أَحَبَّ اللهُ، أَحِبُّوا اللهَ مِنْ كُلِّ قُلوبِكُم، ولا تَمَلوا كَلامَ اللهِ وذِكْرَه، ولا تَقسُ قُلوبُكم، فإنَّه مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ الله يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قد سمَّاه الله خِيرَته مِنَ الأعمال، ومُصطفَاهُ من العِبَادِ والصَّالح مِنَ الحديث، ومِنْ كُلِّ مَا أُوتيَ النَّاسُ من الحَلالِ وَالحَرَامِ، فاعْبُدوا الله ولا تُشْرِكوا به شَيْئًا، واتَّقوه حَقَّ تُقَاتِه، واصْدُقُوا اللهَ صالحَ ما تقولون بأفْواهِكم، وَتَحابُّوا بِرُوح اللهِ بَيْنكم، إنَّ اللهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنكَثَ عَهْدُه، والسَّلامُ عَلَيكم وَرَحْمَة الله وبركاته".

وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلام عند ذكر هديه في الخطب.

فصل

وكان من هديه ﷺ تعظيمُ هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره. وقد اختلف العلماء: هل هو أفضلُ، أم يومُ عرفة؟ على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي.

وكان ﷺ يقرأ في فجره بسورتي (الم تنزيل) و(هل أتى على الإِنسان). ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيصُ هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدُهم هذه السورة، استحبَّ قراءة سورة أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة، دفعًا لتوهم الجاهلين، وسمعت شيخَ الإِسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبيُّ ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يَومِها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذِكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يومَ الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكيرٌ للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعًا ليست مقصودة حتى يقصدَ المصلي قراءتها حيثُ اتفقت. فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة.

الخاصة الثانية: استحبابُ كثرة الصلاة على النبي ﷺ فيه وفي ليلته، لقوله ﷺ "أكثِروا مِنَ الصلاة عَلَّي يوم الجُمُعة وَلَيْلَة الجُمُعة". ورسول الله ﷺ سيدُ الأنام، ويوم الجمعة سيدُ الأيام، فللصلاةِ عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمتُه في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظمُ كرامة تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثَهم إلى منازلهم وقصورِهم في الجنَّة، وهو يومُ المزيد لهم إذا دخلوا الجنَّة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يُسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يَرُدُّ سائلهم، وهذا كلُ إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكرِه وحمده، وأداءِ القليل من حقه ﷺ أن نكثر الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته.

الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإِسلام، ومِن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظمُ مِن كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاونًا بها، طبع اللهُ على قلبه، وقُربُ أهل الجنة يومَ القيامة، وسبقُهم إلى الزيارة يومَ المزيد بحسب قُربهم من الإِمام يومَ الجمعة وتبكيرهم.

الخاصة الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمرٌ مؤكد جدًا، ووجوبه أقوى مِن وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوءِ من مس النساء، ووجوب الوضوءِ مِن مرِّ الذكر، ووجوب الوضوءِ من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوءِ من الرُّعاف، والحِجامة، والقيء، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم.

وللناس في وجوبه ثلاثةُ أقوال: النفيُ والإِثبات، والتفصيلُ بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد.

الخاصة الخامسة: التطيب فيه، وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع.

الخاصة السادسة: السِّواك فيه، وله مزية على السواك في غيره.

الخاصة السابعة: التبكير للصلاة.

الخاصة الثامنة: أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإِمام.

الخاصة التاسعة: الإِنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا في أصح القولين، فإن تركه، كان لاغيًا، ومن لغا، فلا جمعة له، وفي المسند، مرفوعًا "والذي يقول لِصاحِبِه أنصِتْ، فَلا جُمُعَةَ لَهُ".

الخاصة العاشرة: قراءة سورة الكهف في يومها، فقد روي عن النبي ﷺ: "مَنْ قَرأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجمُعَةِ، سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِن تَحتِ قَدَمِهِ إلى عَنَانِ السَّمَاء يُضىء بِه يَوْمَ القِيامَةِ، وغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ".

وذكره سعيد بن منصور مِن قول أبي سعيد الخُدري وهو أشبه.

الحادية عشرة: إنه لا يُكره فعلُ الصلاة فيه وقتَ الزوال عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية، وَلَم يكن اعتمادُه. على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ، أنه كره الصلاة نِصف النهار إلا يومَ الجمعة. وقال: إنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إلَّا يَوْمَ الجُمُعَة وإنما كان اعتمادُه على أن من جاء إلى الجمعة يُستحب له أن يُصلِّيَ حتى يخرج الإِمام، وفي الحديث الصحيح "لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيتِه، ثُمَّ يَخرُجُ، فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنين، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ ينْصِتُ إذا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَينةُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخْرَى". رواه البخاري فندبه إلى الصلاة ما كتِب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإِمام، ولهذا قال غيرُ واحد من السلف، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتبعه عليه الإِمام أحمد بن حنبل: خروجُ الإِمام يمنع الصلاة، وخطبتُه تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروجَ الإِمام، لا انتصافَ النهار.

وأيضًا، فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرُون بوقت الزوال، والرجلُ يكون متشاغِلًا بالصلاة لا يدرى بوقت الزوال، ولا يُمكنه أن يخرج، ويتخطَّى رقاب الناس، وينظُر إلى الشمس ويرجِعَ، ولا يشرع له ذلك.

وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وَعَضَدَهُ قياسٌ، أو قولُ صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ ورغبتهِ عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عُمِلَ به.

وأيضًا، فقد عضده شواهد أخر، منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال: روي عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نَهى عَنِ الصَّلاةِ نِصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إلا يومَ الجمعة. هكذا رواه رحمه الله في كتاب اختلاف الحديث ورواه في "كتاب الجمعة" حدثنا إبراهيم بن محمد، عن إسحاق، ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة، يقال له: عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وقد رواه البيهقي في "المعرفة" من حديث عطاء بن عجلان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: كان النبيُّ ﷺ ينهى عن الصلاة نِصفَ النهار، إلا يوم الجمعة ولكن إسناده فيه من لا يحتج به، قاله البيهقي، قال: ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة. قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة، والصلاةُ إلى خروج الإِمام، قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة وهو أن النبي ﷺ رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإِمام من غير استثناء، وذلك يُوافِق هذه الأحاديث التي أُبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرُّخصة في ذلك عن عطاء، وطاووس، والحسن، ومكحول. قلت: اختلف الناسُ في كراهة الصلاةِ نِصفَ النهار على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك.

الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد.

والثالث: أنه وقت كراهة إلا يومَ الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي.

الثانية عشرة: قراءة (سورة الجمعة) و(المنافقين)، أو (سبح) و(الغاشية) في صلاة الجمعة، فقد كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن في الجمعة، ذكره مسلم في صحيحه.

وفيه أيضًا: أنه ﷺ، كان يقرأ فيها ب (الجُمُعةِ) و(هَلْ أتاك حديثُ الغاشية) ثبت عنه ذلك كلُّه.

ولا يُستحب أن يقرأ مِن كل سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه خلافُ السنة، وجُهَّال الأمة يُداومون على ذلك.

الثالثة عشرة،: أنه يومُ عيد متكرِّر في الأسبوع، وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في سننه من حديث أبي لُبابة بنِ عبدِ المُنذر قال: قال رسول ﷺ: "إن يَومَ الجُمُعَةِ سَيِّد الأيام، وأَعْظَمُها عنِد الله، وهُوَ أَعْظَم عِنْدَ الله مِنْ يَوْمِ الأضْحَى، وَيَوْمِ الفِطْر، فيه خَمسُ خِلالٍ: خَلَقَ الله فيه آدم، وأَهْبَطَ فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعَةٌ لا يَسْأَلُ الله العَبدُ فيها شيئًا إلا أعطاه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقومُ السَّاعَةُ، ما مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا سماءٍ، ولا أرضٍ، وَلا رِيَاحٍ، ولا جِبالٍ، ولا شَجَرٍ إلا وهنّ يُشْفِقن مِنْ يَوْمِ الجمعة".

الرابعة عشرة: إنه يُستحب أن يلبَس فيه أحسَنَ الثياب التي يقدِرُ عليها، فقد روى الإِمام أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ اغْتَسَلَ يوم الجمُعةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كانَ له، ولَبِسَ مِن أَحسَنِ ثيابِهِ، ثمَّ خَرَجَ وعليه السَّكِينةُ حتَّى يَأْتيَ المسجدَ، ثُمَّ يَرْكَعَ إنْ بَدا له، ولمْ يُؤْذِ أحدًا ثُمَّ أَنصَتَ إذا خَرَج إمامُه حتَّى صَلِّيَ، كانت كَفَّارَةً لما بينهما.

وفي سنن أبي داود، عن عبد الله بن سلام، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المِنبَر في يَوْمِ الجمعة: "ما على أحَدِكم لو اشتَرى ثَوبين لِيَومِ الجُمعة سِوى ثَوْبَيْ مِهْنَتِه".

وفي سنن ابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ خطب الناسَ يومَ الجمعة، فرأى عليهم ثِيابَ النِّمار، فقال: "ما على أَحَدِكُمْ إن وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَخِّذَ ثَوبَيْن لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوبَيْ مِهنَتِه".

الخامسة عشرة: أنه يستحب فيه تجميرُ المسجد، فقد ذكر سعيدُ بن منصور، عن نعيم بن عبد الله المُجمِر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمَّرَ مسجدُ المدينة كُلَّ جمعة حين ينتصِف النهار.

قلت: ولذلك سمي نعيم المجْمِر.

السادسة عشرة: أنه لا يجوز السفرُ في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء ثلاثةُ أقوال، وهي روايات منصوصات عن أحمد، أحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للجهاد خاصة.

وأما مذهب الشافعي رحمه الله، فيحرم عنده السفر يومَ الجمعة بعد الزوال، ولهم في سفر الطاعة وجهان، أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النووي، والثاني: جوازه وهو اختيار الرافعي.

وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان: القديم: جوازه، والجديد: أنه كالسفر بعد زوال.

وأما مذهب مالك، فقال صاحب التفريع: ولا يسافر أحدٌ يوم الجمعة بعد الزوال حتى يُصليَ الجمعة، ولا بأس أن يسافر قبل الزوال، والاختيار: أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى يُصليَ الجمعة.

وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقًا، وقد روى الدارقطني في الأفراد، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول أللّه ﷺ قال: "مَن سَافرَ مِنْ دارِ إقامَته يومَ الجمعةِ، دَعَتْ عَلَيهِ المَلائِكةُ الا يصحَب في سَفَرِه". وهو من حديث ابن لهيعة.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلِكَ يَومَ الجمعة، قال: فغدا أصحابُه، وقال: أتخلَّف وأصلي مع رسولِ الله ﷺ، ثم ألحقهم، فلما صلَّى النبي ﷺ، رآه، فقال: ما مَنَعَك أَنْ تَغْدُوَ مَع أصحَابِك؟ فقال: أردت أن أصلّيَ معك، ثم ألحقَهم، فقال: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا في الأَرضِ ما أدْرَكتَ فَضلَ غَدْوَتِهم".

وأُعِلَّ هذا الحديثُ، بأن الحكم لم يسمع من مقسم.

هذا إذا لم يَخَفِ المسافرُ فَوتَ رفقته، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعَه بعدهم، جاز له السفرُ مطلقًا، لأن هذا عذر يُسقط الجمعة والجماعة.

ولعل ما روي عن الأوزاعي - أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته، فقال: لِيمضِ على سفرهِ - محمولٌ على هذا، وكذلك قولُ ابن عمر رضي الله عنه: الجمعة لا تحبِسُ عن السفر. وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقًا، فهي مسألة نزاع. والدليل: هو الفاصل، على أن عبد الرزاق قد روى في مصنفه عن معمر، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين أو غيره، أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا عليه ثيابُ سَفَر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنُك؟ قال: أردتُ سفرًا، فكرِهْتُ أن أخرُجَُ حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعُك السفرَ ما لم يحضُرْ وقتُها فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله.

وذكره. عبد الرزاق أيضًا عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصرَ عمرُ بن الخطاب رجلًا عليه هيْئَةُ السَّفرِ، وقال الرجلُ: إن اليومَ يوم جمعة ولولا ذلك، لخرجتُ، فقال عمر: إن الجمعة لا تحبسُ مسافرا، فاخرُج ما لم يَحِنِ الرواح.

وذكر أيضًا عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن كثير، عن الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ مسافرًا يوم الجمعة ضُحى قبل الصلاة.

وذكر عن معمَر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يومَ الجمعة؟ فكرهه، فجعلت أحدِّثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلما يخرج رجل في يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه، لو نظرت في ذلك، وجدتَه كذلك.

وذكر ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن أبي عطية، قال: إذا سافر الرجُلُ يوم الجمعة، دعا عليه النهارُ أن لا يُعَانَ على حاجته، ولا يُصاحب في سفره.

وذكر الأوزاعي، عن ابن المسيَب، أنه قال: السفر يومَ الجمعة بعد الصلاة. قال ابن جُريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه كان يُقال: إذا أمسى في قرية جامعة مِن ليلة الجمعة، فلا يذهب حتى يُجمِّعَ؟ قال: إن ذلك ليكره. قلت: فمِن يوم الخميس؟ قال: لا، ذلك النهار فلا يضره.

السابعة عشرة: أن للماشي إلى الجمعة بكل خُطوة أجرَ سنة صيامَها وقيامَها، قال عبد الرزاق: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ "من غسَّل واغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبَكَّرَ وابتكَرَ، ودنا مِنَ الإمام، فأَنْصَتَ، كانَ لَه بِكُلِّ خطْوَةٍ يَخْطُوها صِيامُ سَنَةٍ وقيامها، وذلِكَ على اللًّهِ يسير". ورواه الإِمام أحمد في مسنده.

وقال الإِمام أحمد: غَسَّلَ بالتشديد: جامع أهله، وكذلك فسَّره وكيع.

الثامنة عشرة: أنه يوم تكفير السيِّئات، فقد روى الإِمام أحمد في. مسنده عن سلمان قال: لي رسول الله ﷺ " أَتَدريَ ما يَومُ الجُمعة؟" قلت: هُوَ اليوم الذي جَمعَ اللّة فيه أَباكم آدم قال: "ولكنِّي أَدْري ما يَومُ الجُمُعة، لا يَتَطَهَّر الرَّجُلُ فَيحسِن طهُورَة، ثمَ يأتي الجُمُعة، فَيُنْصت حَتَّى يَقضِيَ الإمام صَلاتَه إلا كانت كَفَّارَةَ لما بَيْنَه وبَين الجمعةِ المقبلَة ما اجْتُنِبَتِ المَقْتَلة".

وفي المسند أيضًا من حديث عطاء الخراساني، عن نُبيشة الهُذلي، أنه كان يُحدِّث عن رسول الله ﷺ: " إنَّ المسلِمَ إذا اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ أَقبَلَ إِلَى المَسجِد لا يؤذي أحَدا، فَإن لَمْ يَجِدِ الإِمام خَرَج، صَلّى مَا بَدَا لَهُ، وَإِن وَجَدَ الإِمَامَ قد خَرَجَ، جَلَسَ، فَاسْتَمَع وَأَنصَتَ حَتّى يَقضِيَ الإِمَامُ جُمُعَتَهُ وكَلامَهُ، إن لَمْ يُغْفَرْ لَه في جُمعَتِه تِلْك ذُنوبُه كلُّها، أن تكُون كَفَارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيها".

وفي صحيح البخاري، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ "لا يَغْتَسِل رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ وَيَتَطهَّرُ ما استطَاعَ مِن طُهْر، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهنِهِ أَوْ يَصرَّ مِن طيبِ بَيْتِه، ثُمَّ يَخْرج، فلايفرِّقُ بَينَ اثنين، ثُمَّ يُصَلي مَاكتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنصتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَام، إلا غفِرَ لَهُ مَا بيْنهُ وبَينَ الجُمعةِ الأُخرَى".

وفي مسند أحمد، من حديث أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله ﷺ " مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعة، ثمَّ لَبِسَ ثِيابَه، وَمَسَّ طيبًا إن كان عنده، ثُمَّ مَشى إلى الجمُعة وعَلَيْه السَّكِينَةُ، ولم يَتَخَطَّ أَحَدًا، ولم يُؤذِه، وركَعَ ما قُضِي له، ثُمَّ انتظرَ حتَّى يَنْصَرِفَ الإِمام، غُفِرَ لَه ما بَين الجمُعَتَين".

التاسعة عشرة: أن جهنم تسَجَّر كُلَّ يومٍ إلا يومَ الجمعة. وقد تقدم حديثُ أبي قتادة في ذلك، وسر ذلك - والله أعلم - أنه أفضل الأيام عِند الله، ويقعُ فيه من الطاعات، والعبادات، والدعوات، والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، ما يمنع من تسجير جهنم فيه. ولذلك تكُون معاصي أهل الإِيمان فيه أقلَّ مِن معاصيهم في غيره، حتى إن أهلَ الفجور ليمتنِعون فيه مما لا يمتنِعون منه في يوم السبت وغيره.

وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سَجْر جهنمِ في الدنيا، وأنها توقد كلَّ يوم إلا يومَ الجمعة، وأما يوم القيامة، فإنه لا يفتَّر عَذَابُها، ولا يخَفَّف عن أهلها الذين هم أهلها يومًا من الأيام، ولذلك يَدعون الخزنةَ أن يدعوا ربَّهم ليخفف عنهم يومًا من العذاب، فلا يُجيبونهم إلى ذلك.

العشرون: أن فيه ساعةَ الإِجابة، وهي الساعة التي لا يسأل اللهَ عبدٌ مسلم فيها شيئًا إلا أعطاه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً لا يوافِقها عبدّ مُسلم وهو قائم يصلِّي يسألُ الله شَيئًا إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وقال: بِيدِه يقَلِّلها".

وفي المسند من حديث أبي لُبابة بن عبد المنذر، عن النبي ﷺ قال: "سيِّدُ الأيَّام يومُ الجُمُعَة، وأَعْظَمُها عِندَ الله، وأعظم غِد الله مِنْ يومِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ الأضْحى، وفيهِ خَمسُ خِصَالٍ: خَلَقَ اللهُ فِيهِ آدَمَ، وأَهبَطَ اللهُ فِيهِ آدَمَ إلى الأرْضِ، وفيه تَوَفَّى الله عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ، وفيه ساعةٌ لا يَسْأَلُ اللهَ العبد فيهَا شَيْئًا إِلَّا أَتاهُ الله إِيَّاهُ ما لم يَسْأَل حَرَامًا، وفيهِ تَقُومُ الساعَةُ، ما مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا أرْضٍ، ولا رِياحٍ، ولا بَحْرٍ، ولا جِبالٍ، ولا شَجَرٍ، إلا وهنَّ يُشْفِقْنَ مِن يَوْمِ الجُمُعَة".

فصل

وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رُفِعت؟ على قولين، حكاهما ابن عبد البَر وغيرُه، والذين قالوا: هي باقية ولم تُرفع، اختلفوا، هل هي في وقت من اليوم بعينه، أم هي غير معينة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيينها: هل هي تنتقل في ساعات اليوم، أو لا؟ على قولين أيضًا، والذين قالوا بتعيينها، اختلفوا على أحد عشر قولًا.

قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هي مِن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعدَ صلاة العصر إلى غروبِ الشمس.

الثاني: أنها عند الزوالِ، ذكره ابن المنذر عن الحسن البَصري، وأبي العالية.

الثالث: أنها إذا أذن المؤذِّن بصلاة الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها.

الرابع: أنها إذا جلس الإمامُ على المنبر يخطُب حتى يفرُغ قال ابن المنذر: رويناه عن الحسن البصري.

الخامس: قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة.

السادس: قاله أبو السوار العدوي، وقال: كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.

السابع: قاله أبو ذر: إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع.

الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو هريرة، وعطاء، وعبد الله بن سلام، وطاووس، حكى ذلك كله ابن المنذر.

التاسع: أنها آخرُ ساعة بعد العصر، وهو قول أحمد، وجمهور الصحابة، والتابعين.

العاشر: أنها من حين خروج الإِمام إلى فراغ الصلاة، حكاه النووي وغيره.

الحادي عشر: أنها الساعة الثالثةُ من النهار، حكاه صاحب المغني فيه. وقال كعب: لو قسم الإِنسان جمعة في جمع، أتى على تلك الساعة. وقال عمر: إن طلبَ حاجة في يوم ليسير.

وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر.

الأول: أنها من جلوس الإِمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بُردة بن أبي موسى، أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعتَ أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة شيئًا؟ قال: نعم سمعتُه يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " هِيَ مَا بَيْنَ أَن يَجْلِسَ الإِمَامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةُ".

وروى ابن ماجه، والترمذي، من حديث عمرو بن عوف المزني، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ في الجمُعة سَاعةً لا يسألُ اللهَ العبد فيها شيئًا إلَّا آتاه اللهُ إيَاه" قالوا: يا رسول الله! أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ؟ قال: "حِينَ تُقام الصَّلاة إلى الانصراف منها".

والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإِمام أحمد، وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، أن النبي ﷺ.

قال: "إنَ في الجمعة ساعةً لا يُوافِقها عَبْدٌ مسلم يَسأَلُ الله فيهَا خَيْرًا إِلَّا أعْطاه إيَّاهُ وهِيَ بَعْدَ العَصرِ".

وروى أبو داود والنسائي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "يوم الجمعةِ اثنَا عَشَرَ سَاعَةً، فِيهَا سَاعَةٌ لا يُوجَدُ مُسلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أعطَاه، فالتَمِسُوها آخِرَ سَاعَةٍ بَعدَ العَصر".

وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرَّقوا ولم يختلِفوا أنها آخرُ ساعة من يوم الجمعة.

وفي سنن ابن ماجه: عن عبد الله بن سلام، قال: قلت ورسولُ اللهِ ﷺ جالِس: إنَّا لَنَجِدُ في كِتَابِ الله (يعني التوراة) في يَومِ الجمُعَة سَاعَة لا يُوافِقُها عَبدٌ مُؤمِنٌ يُصلي يسألُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إِلاِّ قَضَى الله لَهُ حَاجَتَهُ قَالَ عَبدُ اللهِ: فأشارَ إلي رسولُ اللهِ ﷺ أو بَعْضَ سَاعَةٍ. قلت: صدقتَ يا رسُولَ الله، أو بَعضَ سَاعة. قلت: أَيُّ ساعةٍ هي؟ قال: "هي آخرُ ساعةٍ من سَاعات النَّهار". قلت: إنها ليست ساعةَ صلاة، قال: بلى إن العبدَ المؤمنَ إذا صلَّى، ثم جَلَسَ لا يجلِسُه إلًا الصلاة، فهو في صَلاةٍ".

وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة، قال: قيل للنبي ﷺ: لأي شيء سُمِّيَ يوم الجمعة؟ قال: "لأنّ فيها طُبِعَتْ طينَةُ أبيك آدَمَ، وفيها الصَّعْقَةُ والبَعْثَةُ، وفيها البَطْشَةُ، وفي آخِر ثَلاثِ سَاعَاتٍ مِنْها سَاعَةٌ مَنْ دَعَا الله فِيهَا استُجيبَ لَهُ".

وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: " خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمس يَوْمُ الجُمُعَة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أهْبِطَ، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقومُ الساعة، وما مِن دابَّةِ إلا وهي مُصيخَةٌ يَومَ الجُمُعَة، من حين تُصبِحُ حتيَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا من السَّاعَة، إلا الجنَّ والإنسَ، وفيه ساعةٌ لا يُصادفها عَبْد مُسْلِمٌ وهو يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حاجةً إلا أعطاهُ إيَّاها" قال كعب: ذلك في كلِّ سنةٍ يوم؟ فقلتُ: بل في كل جمُعَةٍ قال: فقرأ كعبٌ التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ. قال أبو هريرة: ثمَّ لَقِيْت عبدَ الله بنَ سلام، فحدثته بمجلِسي مَعَ كَعْب، فَقالَ عَبْدُ الله بنُ سلام: وقد علمتُ أيَّة سَاعَةٍ هِيَ. قال أبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَخْبِرني بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلام: هي آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فقلت: كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِم وَهُوَ يُصَلِّي" وتِلْكَ السَّاعَةُ لا يُصَلَّى فِيهَا؟ فقال عبدُ الله بن سلام: ألَم يَقُل رَسُولُ الله ﷺ: "من جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، فَهُوَ في صَلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ"؟ قال: فقلت: بلى. فقال: هُوَ ذَاكَ.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين بعضه.

وأما من قال إنَّها من حين يفتتح الإِمامُ الخطبة إلى فراغه من الصلاة، فاحتج بما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعتَ أباك يُحدِّث عن رسول ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قُلت: نعم سمعتُه يقول: سمعتُ رسول الله يقول: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجلِس الإِمامُ إلى أن يقضِيَ الإِمام الصلاة".

وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتج بما رواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن عوف المزني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ في الجُمُعَة لَسَاعَةً لا يَسْأَلُ اللهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا آتاهُ اللهُ إِيَّاهُ". قالوا: يا رسولَ الله أيةُ ساعة هِيَ؟ قال: " حِينَ تُقامُ الصَّلاة إلى الانصِرَافِ مِنْهَا ". ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثيرُ بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وليس هو ممن يُحتجُّ بحديثه. وقد روى روحُ بن عبادة، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة عن أبي موسى، أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإِمام إلى أن تقضَى الصلاةُ. فقال ابن عمر: أصابَ اللهُ بك.

وروى عبد الرحمن بن حُجَيْرَةَ، عن أبي ذر، أن امرأته سألته عن الساعة التي يُستجابُ فيها يومَ الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير، فإن سألتنِي بعدها، فأنت طالق.

واحتج هؤلاء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة "وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي" وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذ بظاهر الحديث أولى. قال أبو عمر يحتج أيضًا من ذهب إلى هذا بحديث علي، عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا زالت الشَّمْسُ، وفاءت الأَفياءُ، ورَاحَتِ الأَرْواح، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنَّها ساعة الأوابين، ثم تلا: { فَإِنَّهُ كَانَ للأَوَّابِينَ غَفُورًا } [97]".

وروى سعيدُ بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: الساعة التي تُذكر يومَ الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جُبير، إذا صلى العصر، لم يُكلّم أحدا حتى تغرب الشمس، وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول: بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها.

وعنديَ أن ساعة الصلاة ساعةٌ ترجى فيها الإِجابةُ أيضًا، فكلاهما ساعةُ إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخِرُ ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعةُ الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت، لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالِهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإِجابة، فساعة اجتماعهم ساعةٌ تُرجي في الإجاِبةُ، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي ﷺ قد حضَّ أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين.

ونظير هذا قوله ﷺ وقد سئل عن المسجد الذي أسّسَ على التقوى، فقال: "هُوَ مَسجِدُكم هذا" وأَشارَ إلى مَسْجِدِ المَدِينَة. وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسًا على التقوى، بل كلٌّ منهما مؤسس على التقوى.

وكذلك قولُه في ساعة الجمعة "هي ما بَيْنَ أن يجلس الإمامُ إلى أن تنقضي الصلاة" لا يُنافي قوله في الحديث الآخر "فالتَمسُوها آخرَ سَاعَة بَعْدَ العَصْرِ".

ويشبه هذا في الأسماء قوله ﷺ: "ما تَعُدُّون الرَّقوبَ فيكم"؟ قالوا: مَن لَمْ يُولَد له، قال: "الرَّقوبُ مَنْ لَمْ يُقَدِّم مِنْ وَلَدِه شَيْئًا".

فأخبر أن هذا هو الرَّقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قَدَّم منهم فرطًا، وهذا لا ينافي أن يُسمى من لم يولد له رقوبًا.

ومثله قوله ﷺ "ما تعُدُّونَ المُفْلسَ فيكم"؟ قالوا: من لا درْهَمَ له ولا مَتَاع. قال: "المُفْلسُ من يَأتي يَومَ القيامَة بحًسَنات أمْثَال الجبال، ويأَتي وقد لَطمَ هذا، وضَرَبَ هذَا، وسَفَكَ دَمَ هذَا، فَيَأخُذ هذا من حَسًناتَه، وَهَذَا منْ حَسَنَاته" الحديث.

ومثلُه قولُه ﷺ: "ليس المسكينُ بهذا الطَوَّاف الَّذي تَرُدّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمتَان، والتَّمْرةُ والتَّمْرتَانِ، وَلكِنَّ المسْكينَ الَّذي لا يَسْاُلُ النَّاسَ، ولا يُتَفَطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عليه".

وهذه الساعة هي آخِر ساعة بعد العصر، يعظِّمها جميع أهل الملل. وعند أهل الكتاب هي ساعة الإِجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنُهم.

وأما من قال بتنقلها، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر، وهذا ليس بقوي، فإن ليلةَ القدر قد قال فيها النبي ﷺ: "فالتَمِسُوها في خَامِسَةٍ تَبْقَى، في سَابِعَةٍ تَبقَى، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى". ولم يجىء مثلُ ذلك في ساعة الجمعة.

وأيضًا فالأحاديث التي في ليلة القدر، ليس فيها حديثّ صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما.

وأما قول من قال: إنَها رُفعت، فهو نظيرُ قول مَن قال: إن ليلة القدر رُفِعَت، وهذا القائل، إنْ أراد أنَّها كانت معلومة، فرفع علمُها عن الأمة، فيقال له: لم يُرفع علمها عن كُلِّ الأمة، وإن رُفعَ عن بعضهم، وإن أراد أن حقيقتها وكونَها ساعة إجابة رفِعَتْ، فقولٌ باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه. والله أعلم.

الحادية والعشرون: أن فيه صلاةَ الجمعة التي خُصَّت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإِقامة، والاستيطان، والجهر بالقراءة. وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأتِ نظيرُه إلا في صلاة العصر، ففي السنن الأربعة، من حديث أبي الجَعْدِ الضَّمْرِي - وكانت له صحبة - إن رسول الله ﷺ قال: " مَن تَرَكَ ثَلاثَ جُمَع تَهاوُنًا، طَبعَ اللهُ عَلى قَلْبِهِ ". قال الترمذي: حديث حسن، وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري، فقال: لم يُعرف اسمه، وقال: لا أعرِفُ له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث. وقد جاء في السنن عن النبي ﷺ الأمرُ لمن تركها أن يتصدَّق بدينار، فإن لم يجد، فنصف دينار. رواه أبو داود، والنسائي من رواية قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب. ولكن قال أحمد: قدامة بن وبرة لا يعرف. وقال يحيى بن معين: ثقة، وحُكي عن البخاري، أنه لا يصح سماعه من سمرة.

وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين، إلا قولًا يحكى عن الشافعي، أنها فرض كفاية، وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد.

فتجب على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية، كانت الجمعة كذلك. وهذا فاسد، بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع، وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون فرض عين كالجمعة، وأن يكون فرض كفاية، فإن فرض الكفاية على الجميع، كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين.

الثانية والعشرون: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها.

الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يومًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان.

ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم، سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم، سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له، صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق.

الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه التعجيلَ فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاةُ، والقربان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: "مَن رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأنما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاعة الثَّالِثَةِ، فَكأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ ".

وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:

أحدهما: أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.

والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعضُ الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:

إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابلُ الغُدوِّ الذي لا يكون إلا قبل الزوال، قال تعالى: { غُدُوّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [98]. قال الجوهري: ولا يكون إلا بعد الزوال.

الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرصَ شيء على الخير، ولم يكونوا يَغْدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكيرَ إليها في أول النهار، وقال: لم نُدرك عليه أهل المدينة.

واحتج أصحابُ القول الأول، بحديث جابر رضي اللله عنه عن النبي ﷺ: "يَوْمُ الجُمُعَةِ ثِنْتَا عشرَة سَاعَةً ". قالوا: والساعات المعهودة، هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات زمانية، قالوا: ويدل على هذا القول، أن النبي ﷺ إنما بَلَغَ بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارًا مثل الساعة التي تُفعل فيها الجمعة، لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المُرادُ بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإِمامُ، وطُويتِ الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرحًا به في سنن أبي داود من حديث علي رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: "إذا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، غَدَتِ الشَّياطِينُ بِرَايَاتِهَا إلى الأَسْوَاق، فَيَرْمُونَ النَّاسَ بالترابيثِ أَو الرَّبَائِثِ وَيُثَبِّطُونَهُم عَنِ الجُمُعَةِ، وَتَغْدُو المَلائِكَةُ، تَجْلِسُ عَلَى أبْوَاب المَسَاجِدِ، فَيَكتُبونَ الرَّجُلَ مِن سَاعَةٍ، والرَّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْن حتَّى يَخْرُجَ الإِمَام".

قال أبو عمر بن عبد البر: أختلف أهلُ العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة منهم: أراد الساعاتِ مِن طلوع الشمس وصفائِها، والأفضلُ عندهم التبكيرُ في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء، بل كلهم يستحب البكور إليها.

قال الشافعي رحمه الله: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، كان حسنًا. وذكر الأثرم، قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يومَ الجمعة باكرًا، فقال: هذا خلاف حديث النبي ﷺ. وقال: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي ﷺ يقول: "كالمُهْدِي جَزُورًا ". قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة، أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدُّو من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا القولِ ساعاتِ الرواح؟ فقال ابنُ وهب: سألتُ مالكًا عن هذا، فقال: أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكونُ فيها هذه الساعاتُ، من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صُلِّيتِ الجُمُعَةُ حتَّى يكون النهارُ تسعَ ساعات في وقت العصر، أو قريبًا من ذلك. وكان ابنُ حبيب، يُنكر مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه. وقال: يدلُك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروجِ الإِمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقال: من راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرب بدنة، ثم قال: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرحُ الحديث بيِّن في لفظه، ولكنه حُرِّفَ عن موضعه، وشُرِحَ بالخُلْفِ مِن القول، وما لا يكون، وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغبهم فيه رسول الله ﷺ من التهجير من أول النهار، وزعم أن ذلك كلَّه إنما يجتمع في ساعة واحدة قربَ زوالا الشمس، قال: وقد جاءت الآثارُ بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سُقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية.

هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلفًا وتحريفًا من التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العملُ بالمدينة عنده، وهذا مما يصحُ فيه الاحتجاجُ بالعمل، لأنه أمر يتردَّد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " إذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوابِ المَسْجِدِ مَلائِكةٌ، يَكتُبُونَ النَّاسَ، الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فالمُهَجِّرُ إلَى الجُمُعَةِ كَالمُهْدي بَدَنَةً، ثُمَ الَّذِي يَليهِ كالمُهْدِي بَقَرةً، ثُمَّ الَّذِي يَليهِ كَالمُهدِي كَبْشًا، حَتَّى ذكَرَ الدَّجَاجَة وَالبَيْضةَ، فإذَا جَلَسَ الإِمَامُ، طُويَتِ الصّحُفُ، واسْتَمَعُوا الخُطْبَة ". قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنه قال: يكتبونَ الناس الأول فالأول، فالمهجِّرُ إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه فجعل الأول مهجرًا، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقتَ طلوع الشمس، لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: "ثمَّ الذي يليه، ثمَّ الذي يليه". ولم يذكر الساعة. قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة، مذكورة في "التمهيد"، وفي بعضها "المتعجِّلُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً". وفي أكثرها: "المهجِّرُ كالمُهْدِي جَزُورَا" الحديث. وفي بعضها، ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمُهدي بدنة، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي آخرها كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يُرد ﷺ بقوله: "المهجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِيَ بَدَنَةً"، الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة، كالمُهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو تركُ الوطن، والنهوضُ إلى غيره، ومنه سمِّي المهاجرون. وقال الشافعي رحمه الله: أحبُّ التبكير إلى الجمعة، ولا تُؤتى إلا مشيًا. هذا كله كلامُ أبي عمر.

قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وإنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار. فأما لفظة الرواح، فلا ريب أنها تُطلق على المضى بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغُدوِّ، كقوله تعالى: { غُدُوّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [99]، وقوله ﷺ: "مَنْ غَدا إلى المَسجِد وَرَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلًا في الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ". وقول الشاعر:

نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا ** وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لا تَنْقَضِي

وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنما يجيء، إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو.

وقال الأزهري في التهذيب: سمعت بعضَ العرب يستعمِلُ الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم: إذا سارُوا، وغدَوْا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروَّح، ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحوا أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحُونَ؟ ومِنْ ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخِفَّةِ إليها، لا بمعنى الرواح بالعشي.

وأما لفظ التهجير والمهجِّر، فمن الهجير، والهاجرة، قال الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجَّر النهارُ، قال امرؤ القيس:

فَدَعْها وَسَلِّ الهَمَّ عنها بجَسْرةٍ إذَا صَامَ النَّهارُ وهَجَّرا.

ويقال: أتينا أهلنا مهجِّرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجّر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرِّر به قولُ أهل المدينة.

قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير، كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يطلق ويُراد به التبكير.

قال الأزهري في التهذيب: روى مالك، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في التَهجير، لاستَبقوا إليه".

وفي حديث آخر مرفوع: "المهجِّرُ إلى الجُمُعة كالمُهْدِي بَدَنة". قال: ويذهب كثيرٌ من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقتَ الزوال وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، عن النَّضر بن شُميل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء قال: سمعتُ الخليلَ يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث.

قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس، قال لبيد:

رَاحَ القَطينُ بِهَجْرٍ بَعْدَما ابْتكَرُوا ** فَمَا تُواصلهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ

فقرن الهَجر بالابتكار، والرواحُ عندهم: الذهاب والمضي، يقال: راح القوم: إذا خفُّوا ومَرُّوا أيَّ وقت كان. وقوله ﷺ: "لَوْ يَعلَمُ النَّاس مَا في التَّهجِيرِ، لاستبَقُوا إِلَيهِ" أراد به التبكيرَ إلى جميع الصَّلوات، وهو المضي إليها في أول أوقاتها، قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجَّر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار. ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى ثعلب، عن ابن الأعرابي في "نوادره"، قال: قال جِعْثنَة بنُ جوَّاس الرَّبعِي في ناقته:

هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي ونَذْرِي ** أَزْمَانَ أَنْتِ بِعُرُوضِ الجَفْرِ

إذْ أَنْتِ مِضْرَارٌ جوادُ الحُضْرِ ** عَلَيَّ إنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْري

بِأَرْبَعِينَ قدِّرَتْ بِقَدْرِ ** بِالخَالِدِيِّ لا بِصَاعِ حَجرِ

وتَصْحَبي أَيانِقًا في سَفرِ ** يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الفَجْرِ

ثمَّتَ تَمْشِي لَيلَهُم فَتَسرِي ** يَطْوُونَ أَغرَاضَ الفِجَاجِ الغُبرِ

طَيَّ أَخِي التَّجْرِ بُرُودَ التَّجْرِ

قال الأزهري: يُهجِّرون بهجير الفجر، أي: يبكرون بوقت السَّحَرِ.

وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يَرُوحون إلى الجمعة أوَّل النهار، فهذا غايةُ عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة، ولا عند مَن يقول: إجماعُ أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشِه وغيرِ ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ مِن رَوَاحه إلى الجمعة من أوَل النهار، ولا ريبَ أن انتظارَ الصلاة بعد الصلاة، وجلوسَ الرجل في مصلاه حتى يُصليَ الصلاة الأخرى، أفضلُ من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال ﷺ: " والَّذِي يَنْتَظِر الصَلاةَ، ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمام أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَرُوح إِلى أَهْلِه " وأخبر: "أن الملائِكَة لم تَزَلْ تُصلي عليه ما دامَ في مُصلاه" وأخبر: "أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، مما يمحُو اللهُ به الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدرجات، وأنه الرَباط " وأخبر: "أن الله يُبَاهِي مَلائِكَتَه بمَن قَضَى فَرِيضَة وجَلَسَ يَنتَظِرُ أُخْرَى" وهذا يدل على أن من صلَّى الصبح، ثم جلس ينتظِر الجمعة، فهو أفضلُ ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكيرُ في أول النهار، والله أعلم.

الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزيةً عليها في سائر الأيام، والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع، كالصدقةِ في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. وشاهدتُ شيخَ الإِسلام ابن تيمية قدس الله روحه، إذا خرج إلى الجمعة يأخذُ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به في طريقه سرًا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﷺ، فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضلُ وأولى بالفضيلة. وقال أحمد بن زهير بن حرب: حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: اجتمع أبو هريرة، وكعب، فقال أبو هريرة: إن في الجمعة لساعةً لا يُوافِقها رجلٌ مسلم في صلاة يسألُ الله عز وجل شيئًا إلا آتاه إيَّاه، فقال كعب: أنا أحدِّثُكم عن يوم الجمعة، إنه إذا كان يومُ الجمعة فَزِعت له السماواتُ والأرضُ، والبرُّ، والبحرُ، والجبال، والشجرُ، والخلائقُ كلُها، إلا ابنَ آدم والشياطين، وحفَّت الملائكة بأبواب المسجد، فيكتُبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإمام، طَوَوا صحُفَهم، فمن جاء بعد، جاء لحق الله، لما كُتب عليه، وحقّ على كُلًّ حالِم أن يغتسِل يومئذ كاغتساله من الجنابة، والصدقةُ فيه أعظمُ من الصدقة في سائر الأَيَّامِ، ولم تطلُعِ الشمس ولم تغرُب على مثل يوم الجمعة. فقال ابن عباس: هذا حديث كعب وأَبي هريرة، وأنا أرى إن كان لأهله طيبٌ يمس منه.

السادسة والعشرون: أنه يوم يتجلَّى الله عزَّ وجلَّ فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربُهم منهم أقربَهم من الإِمام، وأسبقهم إلى الزيارة أسبقَهم إلى الجمعة. وروى يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، في قوله عز وجل: { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [100] قال: يتجلَّى لهم في كلِّ جمعة.

وذكر الطبراني في معجمه، من حديث أبي نعيم المسعودي، عن المِنهال بن عمرو، عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: سارعوا إلى الجمُعةِ، فإن الله عز وجل يَبْرُز لأهلِ الجنة في كل جُمعَة في كَثِيبٍ مِنْ كافور فيكونون منه في القُرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة، فيُحدِثُ اللهُ سُبحانه لهم مِن الكرامة شيئًا لم يكُونوا قد رأوْه قبل ذلك، ثم يَرجعُون إلى أهليهم، فيُحدِّثونهم بما أحدث الله لهم. قال: ثم دخل عبدُ الله المسجَد، فإذا هو برجلين، فقال عبدُ الله: رجلان وأنا الثالث، إن يشأِ اللهُ يُبارك في الثالث.

وذكر البيهقي في "الشُّعَبِ" عن علقمة بن قيس قال: رُحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابعُ أربعة ببعيد. ثم قال: إني سمعت رسولَ الله ﷺ: يقول " إنَّ النَّاسَ يَجلِسُونَ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ اللهِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلى الجمُعَةَ، الأول، ثُمَّ الثاني، ثمَّ الثالث، ثُمَّ الرابع". ثم قَالَ: "وَمَا راْبَع أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ".

قال الدارقطني في كتاب "الرؤية": حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن محمد، حدثنها مروان بن جعفر، حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، حدثنا عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: " إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، رَأَى المُؤْمِنُونَ رَبَّهم، فأَحْدَثُهُم عَهْدًا بِالنَّظَرِ إلَيهِ مَنْ بَكَّرَ في كُلِّ جُمعَةِ، وَتَرَاهُ المُؤْمنَاتُ يَوْمَ الفطر وَيَوْمَ النَّحْرِ ".

حدثنا محمد بن نوح، حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري، حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أبي طيبة، عن عاصم، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك رضي اللهِ عنه، عن رسول ﷺ، قال: "أَتَانِي جِبْرِيْلُ وَفِي يَدِهِ كَالمِرْآَةِ البَيْضاءِ فِيهَا كَالنكْتَةِ السوْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هذِهِ الجمُعَة يَعْرِضهَا اللَهُ عَلَيْكَ لِتكُونَ لَكَ عِيدًا ولِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ، قُلْتُ: وَمَا لَنَا فيها؟ قَالَ: لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، أَنْتَ فِيهَا الأَوَّلُ، واليَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ، وَلَكَ فِيهَا سَاعَةٌ لا يَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ فِيهَا شَيْئًا هُوَ لَهُ قَسْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ، أَوْ لَيْسَ لَهُ قَسْمٌ إِلَّا أَعطَاهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَأَعَاذُه اللهُ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، وإِلَّا دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعظَمُ مِنْ ذلِك. قال: قُلْتُ: وَمَا هذِهِ النّكتَةُ السَّوْدَاءُ؟ قَالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا سَيِّدُ الأَيَّامِ، وَيَدْعُوهُ أَهْلُ الآخِرَةِ يَوْمَ المَزيدِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبرِيلُ! وَمَا يَوْمُ المَزِيدِ؟ قال: ذلِكَ أَنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ في الجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، نَزَلَ عَلَى كُرْسِيِّه، ثُمَّ حُفَّ الكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجِيءُ النَّبِيُونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ حُفَّ المَنَابِرُ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَجِيءُ الصِّدِّيقونَ والشُهدَاءُ حَتَى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، وَيَجيءُ أَهْلُ الغُرفِ حَتَّى يَجلِسُوا عَلَى الكُثُبِ، قَالَ: ثمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلًّ، قال: فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي صدَقْتكُمْ وَعدِي، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي، وهَذَا مَحَلّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فَيَسأَلُونَهُ الرِّضى. قَالَ: رِضَايَ أنزِلَكُمْ دَارِي، وأَنالَكُمْ كَرَامَتِي، فَسَلُوني، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضى. قَالَ: فَشْهَدُ لَهُمْ بِالرِضى، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهمْ، ثمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لا عَينّ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. قَالَ: ثمَّ يَرْتَفعُ رَبُّ العِزَّةِ، وَيَرْتَفعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ والشُّهَدَاء، ويَجِيءُ أَهْلُ الغُرَفِ إِلى غُرَفِهِم. قَال: كُلُّ غُرْفَةٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لا وَصْلَ فِيهَا وَلا فَصْمَ، يَاقُوتَة حَمْرَاءُ، وغُرْفَةٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراء، أَبوابها وعَلالِيهَا وسقَائِفُهَا وأَغْلافُها مِنها أنهارُها مُطَّرِدَة متدلِّية فِيهَا أَثْمَارُهَا، فِيها أَزْواجُهَا وخَدَمُها. قال: فلَيْسُوا إِلى شَيء أَحوجَ مِنْهُمْ إِلى يَوْمِ الجُمُعَةِ لِيزْدَادُوا منْ كَرَامَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ والنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، فَذلِكَ يَوْمُ المَزِيدِ".

ولهذا الحديثِ عدةُ طرق، ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب "الرؤية".

السابعة والعشرون: أنه قد فُسِّرَ الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة، قال حُميد بن زنجويه: حدثنا عبد الله بن موسى، أنبأنا موسى بن عُبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "اليَوْمُ المَوْعُودُ: يَوْمُ القِيَامَةِ، والْيَوْمُ المَشْهود: هو يَومُ عَرَفَة، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ، وَلا غَرَبَتْ عَلَى أَفْضَلَ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنِّ يَدْعُو اللهَ فيهَا بخَير إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ، أَوْ يَسْتَعِيذُهُ منْ شَرٍّ إِلَّا أعَاذَ مِنْهُ".

ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، عن روح، عن موسى بن عبيدة.

وفي "معجم الطبراني"، من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضَمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسولُ الله ﷺ: "الْيَوْمُ المَوْعُودُ: يَوْمُ القِيَامَةِ، والشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الجُمُعَةِ ذَخَرَهُ اللهُ لَنَا، وَصَلاةُ الوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ" وقد رُوي من حديث جُبير بن مطعم.

قلت: والظاهر - والله أعلم -: أنه من تفسير أبي هريرة، فقد قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمارٍ مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، أما علي بن زيد، فرفعه إلى النبي، وأما يونس، فلم يَعْدُ أبا هريرة أنه قال: في هذه الآية: { وشَاهِدٍ وَمَشْهُود } قال: الشاهِد: يوم الجمعة، والمشهود يومُ عرفة، والموعود: يوم القيامة.

الثامنة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع منه السماواتُ والأرضُ، والجبالُ والبحارُ، والخلائقُ كلها إلا الإِنسَ والجِنَّ، فروى أبو الجوَّاب، عن عمّار بن رزيق، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: اجتمع كعب وأبو هريرة، فقال أبو هريرة: قال رسولُ الله ﷺ: "إنَّ في الجمُعَةِ لَسَاعَةً لا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيرَ الدُنيَا والآخِرَة إلاّ أعطاه إياه". فَقَالَ كَعْبٌ: ألا أُحَدِّثكم عَنْ يَومِ الجُمُعَةِ، إنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فزِعَتْ لَهُ السَّماواتُ والأَرْض، والجبال، والبحار، والخلائق كلُّها إلا ابنَ آدم والشياطين، وحفَّتِ الملائكةُ بأبَواب المساجد، فيكتُبُونَ الأَوَلَ فالأَوَّل حتى يخرجَ الإِمامُ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمامُ، طَوَوْا صُحفَهُم، ومَنْ جَاءَ بَعْدُ جَاءَ لِحَقِّ اللهِ، ولِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، ويَحِقُّ عَلَى كُلِّ حالِم أَن يَغْتَسِلَ فيه، كاغتِسالِه مِنَ الجَنَابَة، والصَّدَقَةُ فِيهِ أَفضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ في سَائِرِ الأيَّامِ، وَلَم تَطْلُعِ الشَّمس وَلَمْ تَغْرُب عَلَى يَوْم كَيَوْمِ الجُمُعةِ. قال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة، وأنا أرى، من كان لأهله طِيب أن يصرَّفه يومئذ.

وفي حديث أبي هُريرة: عن النبي ﷺ " لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضلَ مِن يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزَعُ ليوم الجمعة إلا هذين الثَّقلين مِن الجن والإِنس"، وهذا حديث صحيح وذلك أنه اليوم الذي تقومُ فيه الساعة، ويُطوى العالم، وتَخْرَب فيه الدنيا، ويُبعث فيه الناس إلى منازلهم من الجنة والنار.

التاسعة والعشرون: أنه اليومُ الذي ادَّخره الله لهده الأمة، وأضلَّ عنه أهلَ الكِتاب قبلهم، كما في الصحيح، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما طلعتِ الشَّمْسُ، ولا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ خَيِر مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، هَدَانا اللهُ لَهُ، وَضَلَّ النَّاسُ عنَه، فالنَّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، هوَ لَنَا، وَلليَهودِ يَوْمُ السَّبْت، وللنَّصَارَى يَومُ الأحد". وفي حديث آخر "ذخره اللهُ لَنَا".

وقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: "بينما أنا عنِد النبي ﷺ إذ استأذن رجلٌ من اليهود، فأذِن له، فقال: السَّامُ عَلَيْكَ، قال النبي ﷺ: وعَلَيْكَ. قالت: فَهَمِمْت أن أَتكلَّم، قالت: ثم دخل الثانية، فقال مِثلَ ذلك، فقال النبي ﷺ: وَعَلَيكَ، قالت. فهممتُ أن أتكلَّم، ثم دخل الثالثة، فقال: السَّامُ عليكم، قالت، فقلتُ: بل السَّامُ عَلَيْكُم، وغَضَبُ الله، إخوانَ القردة والخنازير، أتُحَيُون رسولَ الله بما لم يُحيِّه به اللهُ عَزَّ وجَلَّ. قالت: فنظر إليَّ فقال: مَهْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَاه عَلَيْهِم، فَلَم يَضُرَّنَا شيئًا، وَلَزِمَهُم إلى يَومِ القِيَامَةِ، إِنّهُم لا يَحْسُدُوننا عَلَى شيء كَمَا يَحْسُدُوننَا عَلَى الجُمُعَةِ التي هَدَانَا اللهُ لَها، وضَلّوا عَنْهَا، وَعَلى القِبْلَةِ الَّتي هَدَانَا اللهُ لهَا، وضَلوا عَنْها، وعَلَى قَوْلِنَا خلف الإِمام: آمين".

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، "نَحنُ الآخِرونَ السَّابِقونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِنَا، وأُوتِينَاهُ مِن بَعدِهمْ، فَهَذا يَوْمُهُمُ الَذِي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيه، فَهَدانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا، والنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".

وفي "بيد" لغتان بالباء، وهي المشهورة، ومَيْدَ بالميم، حكاها أبو عبيد.

وفي هذه الكلمة قولان، أحدهما: أنها بمعنى "غير" وهو أشهر معنييها، والثاني: بمعى "على" وأنشد أبو عبيد شاهدًا له:

عَمْدًا فَعلت ذَاكَ بيدَ أَنِّي ** إخَالُ لَو هَلَكْتُ لَمْ ترِنِّي

ترِنِّي: تَفعلي مِن الرنين.

الثلاثون: أنه خِيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرتُه من شهور العام، وليلة القدر خيرتُه من الليالي، ومكةُ خيرتُه مِن الأرض، ومحمد ﷺ خِيرتُه مِن خلقه. قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النّجود، عن أبي صالح، عن كعب الأحبار. قال: إن الله عزَّ وجَلَ اختار الشهورَ، واختار شهرَ رمضان، واختار الأيامَ، واختار يومَ الجمعة، واختار الليالي، واحتار ليلةَ القدر، واختار الساعاتِ، واختار ساعةَ الصلاة، والجمعةُ تكفِّر ما بينها وبين الجمعة الأخرى، وتزيد ثلاثًا، ورمضانُ يُكفِّرُ ما بينه وبين رمضان، والحجُّ يكفر ما بينه وبين الحج، والعُمْرَة تكفِّر ما بينها وبين العمرة، ويموت الرجل بين حسنتين: حسنةٍ قضاها، وحسنةٍ ينتظرها يعني صلاتين، وتُصفَّد الشياطين في رمضان، وتُغْلَقُ أبواب النار، وتُفتحُ فيه أبوابُ الجنة، ويقال فيه: يا بَاغِيَ الخير؟ هلُم. رمضان أجمع، وما مِن ليالٍ أحب إلى الله العملُ فيهنَّ من ليالي العشر.

الحادية والثلاثون: إن الموتى تدنو أرواحُهم مِن قبورهم، وتُوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوَّارهم ومَن يَمُرُّ بهم، ويُسلم عليهم، ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات، فإذا قامت فيه الساعةُ، التقى الأولون والآخِرون، وأهلُ الأرض وأهلُ السماء، والربُّ والعبدُ، والعاملُ وعمله، والمظلومُ وظالِمُه والشمسُ والقمرُ، ولم تلتقيا قبل ذلك قطُّ، وهو يومُ الجمع واللقاء، ولهذا يلتقي الناسُ فيه في الدنيا أكثَر من التقائهم في غيره، فهو يومُ التلاق. قال ابو التياح يزيد بن حميد: كان مطرِّف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة، فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة، قال: فرأيت صاحبَ كلِّ قبر جالسًا على قبره، فقالوا: هذا مطرِّف يأتي الجمعة، قال فقلت لهم: وتعلمون عن عندكم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقولُ فيه الطير، قلت: وما تقول فيه الطير؟ قالوا: تقول: ربي سلِّم سلِّم يوم صالح.

وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات وغيره، عن بعض أهل عاصم الجَحدري، قال: رأيت عاصمًا الجحدريَّ في منامي بعد موته لسنتين، فقلتُ: أليس قد مِتَّ؟ قال: بلى، قلتُ: فأينَ أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفرٌ مِن أصحابي، نجتمعُ كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قلت: أجسامُكم أم أرواحكم؟ قال: هيهاتَ بَلِيت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواحُ، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا لكم؟ قال: نعلم بها عشيَة الجمعة، ويومَ الجمعة كله، وليلةَ السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلتُ: فكيف ذلك دونَ الأيام كلِّها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته.

وذكر ابن أبي الدنيا أيضًا، عن محمد بن واسع، أنه كان يذهب كل غَداةِ سبت حتى يأتي الجبَّانة، فيقِف على القبور، فيُسلم عليهم، ويدعو لهم، ثم ينصرف. فقيل له: لو صيّرَت هذا اليومَ يوم الاثنين. قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوَّارِهم يومَ الجمعة، ويومًا قبله، ويومًا بعده.

وذكر عن سفيان الثوريَ قال بلغني عن الضحاك، أنه قال: من زار قبرًاَ يومَ السبت قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته فقيل له: كيف: ذلك؟ قال لِمكان يوم الجمعة.

الثانية والثلاثون: أنه يكره إفرادُ يوم الجمعة بالصوم، هذا منصوصُ أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديثَ النهي عن أن يُفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يفردَ، فلا. قلت: رجل كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فوقع فطره يومَ الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفِطره يومَ السبت، فصار الجمعة مفردًا؟ قال: هذا إلا أن يتعمَّد صومَه خاصة، إنما كُرِه أن يتعمد الجمعة.

وأباح مالك وأبو حنيفة صومَه كسائر الأيام، قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيتُ بعض أهل العلم يصومُه، وأراه كان يتحراه. قال ابن عبد البر: اختلفت الآثارُ عن النبي ﷺ في صيام يوم الجمعة،

فروى ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام مِن كل شهر، وقال: قلَّمَا رأيته مفطِرًا يومَ الجمعة وهذا حديث صحيح. وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يفطر يومَ الجمعة قطُ. ذكره ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن عمر.

وروى ابنُ عباس، أنه كان يصومُه ويُواظب عليه. وأما الذي ذكره مالك، فيقولون: إنه محمد بن المنكدر. وقيل: صفوان بن سليم.

وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن رجل من بني جشم، أنه سمع أبا هُريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ صامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، كُتِبَ لَهُ عَشْرَةُ أيَّامٍ غُرَرٌ زُهْرٌ مِن أيَّامِ الآخِرَة لا يُشاكِلهُنَّ أيامُ الدُّنيا".

والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لايمنع منه إلا بدليل لا معارِض له. قُلتُ: قد صح المعارِض صحةً لامطعن فيها البتة، ففي الصحيحين، عن محمد بن عباد، قال: سألت جابرًا: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم.

وفي صحيح مسلم، عن محمد بن عباد، قال: سألتُ جابر بن عبد الله، وهو يطوفُ بالبيت: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم وربِّ هذه البَنِيَّةِ.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَصُومَنَّ أحدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ إلا أنْ يَصُومَ يَوْمًا قبلَهُ، أَو يَوَمًا بَعْدَه". واللفظ للبخاري.

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "لا تَخصوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيامِ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بصِيَام منْ بَيْن سَائِرِ الأَيَّامِ، إلا أَنْ يَكُونَ في صَوْمِ يَصُومُهُ أَحَدُكُم ".

وفي صحيح البخاري، عن جُويرية بنت الحارث، " أن النبي ﷺ دخل عليها يومَ الجمعة وهي صائمة، فقال: أصُمت أَمْسِ؟ قَالَتْ: لا. قَالَ: فَتُرِيدِينَ أن تَصُومي غدًا؟ قالت: لا. قَالَ: فأَفطِري ".

وفي مسند أحمد عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "لا تَصُومُوا يَومَ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ".

وفي مسنده أيضًا عن جنادة الأزدي قال: دخلتُ على رسول ﷺ يومَ جمعة في سبعة من الأزد أنا ثامنهم وهو يتغدَّى، فقال: "هلموا إلى الغداء" فقلنا: يا رسولَ الله! إنا صيام. فقال: أصُمتم أمسِ؟ قلنا: لا. قال: فتصومُون غدًا؟ قلنا: لا. قال: فأَفْطِروا. قال: فأكلنا مع رسول الله ﷺ قال: فلما خرج وجَلَس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو على المنبر، والناسُ ينظرون إليه، يُريهم أنه لا يَصومُ يَومَ الجمعة".

وفي مسنده أيضًا، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ " يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكم يَوْمَ صِيَامِكُم إلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَه".

وذكر ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عُيينة، عن عمران بن ظبيان، عن حُكيم بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: من كان منكم متطوعًا مِن الشهر أيامًا، فليكن في صومه يوم الخميس، ولا يصمْ يومَ الجمعة، فإنه يومُ طعام وشراب، وذكر، فيجمع الله له يومين صالحين: يوم صيامه، ويوم نسكه مع المسلمين.

وذكر ابن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: إنهم كرهوا صوم الجمعة لِيقْوَوْا على الصلاة.

قلتُ: المأخذ في كراهته: ثلاثة أمور، هذا أحدها، ولكن يُشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله، أو بعده إليه.

والثاني: أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه ﷺ وقد أُورِدَ على هذا التعليل إشكالان. أحدهما: أن صومه ليسر بحرام، وصوم يوم العيد حرام. والثاني: إن الكراهة تزول بعدم إفراده، وأجيب عن الإِشكالين، بأنه ليس عيد العامٍ، بل عيد الأسبوع، والتحريمُ إنما هو لصوم عيد العام. وأما إذا صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدًا، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا، وعلى هذا يحمل ما رواه الإِمام أحمد رحمه الله في مسنده والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: قَلَّمَا رأيتُ رسول الله ﷺ يفطر يَوْمَ جمُعَةٍ. فإن صحّ هذا، تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعًا، لا أنه كان يُفرده لصحة النهي عنه. وأين أحاديثُ النهي الثابتة في الصحيحين، من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته، فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة، ثم يُقدم عليها؟

والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يُلحق بالدِّين ما ليس فيه، ويُوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهرَ الفضل على الأيام، كان الداعي إلى صومه قويا، فهو في مَظِنّةِ تتابع الناس في صومه، واحتفالِهم به ما لا يحتفلون بصوم يومٍ غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى -والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلةِ الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنها من أفضل الليالي، حتى فضَّلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد، فهي في مَظِنَّةِ تخصيصها بالعبادة، فحسم الشارعُ الذريعة، وسدَّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم.

فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل: أما تخصيص ما خصصه الشارع، كيوم الاثنين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، فسُنَّةٌ، وأما تخصيصُ غيره، كيوم السبت، والثلاثاء، والأحد، والأربعاء، فمكروه. وما كان منها أقربَ إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام، فأشد كراهةً، وأقربُ إلى التحريم.

الثالثة الثلاثون: إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يومًا يتفرَّغون فيه للعبادة، ويجتمعون فيه لتذكُّر المبدإ والمعاد، والثواب والعقاب، ويتذَّكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قيامًا بينهن يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا العرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة، فادَّخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليومٍ لطاعته، وقدَّر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا، وقدرًا في الآخرة، وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال: لا ينتصف النهارُ يوم القيامة حتى يَقِيلَ أهلُ الجنة في منازلهم، وأهل النارِ في منازلهم، وقرأ: { أصحابُ الجَنَّةِ يومئذٍ خير مستقرًا وأحسنُ مَقيلًا } [101] وقرأ: { ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهْم لإِلى الجَحِيم }، وكذلك هي في قراءته. ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرِفُه الأمم التي لها كتاب، فأما أمة لا كتاب لها، فلا تعرف ذلك إلا من تلقَّاه منهم عن أمم الأنبياء، فإنه ليس هنا علامة حِسِّية يُعرف بها كونُ الأيام سبعة، بخلاف الشهر والسنة، وفصولها، ولما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.

وتعرَّف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه، شرع لهم في الأسبوع يومًا يُذكِّرهم فيه بذلك، وحكمةِ الخلق وما خلقوا له، وبأجَل العالمِ، وطيِّ السماوات والأرض، وعَودِ الأمر كما بدأه سبحانه وعدًا عليه حقًا، وقولًا صدقًا، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (الم تنزيل)؟ (هل أتى على الإِنسان) لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثِهم من القبور إلى الجنة والنار، لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته، فيأتي بسجدة من سورة أخرى، ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضِّل بسجدة، وينكر على من لم يفعلها. وهكذا كانت قراءته ﷺ في المجامع الكبار، كالأعياد ونحوها، بالسورة المشتملة على التوحيد، والمبدإ والمعاد، وقصصِ الأنبياء مع أممهم، وما عامل الله به من كذَّبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن منهم وصدَّقهم من النجاة والعافية. كما كان يقرأ في العيدين بسورتي (ق والقرآن المجيد)، و(اقتربت الساعةُ وانشقَّ القمرُ)؟ تارة: ب (سبح اسم ربك الأعلى)، و(هل أتاك حديث الغاشية)، وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمَّنت من الأمر بهذه الصلاة، وإيجابِ السَّعي إليها، وتركِ العلم العائق عنها، والأمر بإكثار ذكر الله ليحصُل لهم الفلاحُ في الدارين، فإن في نسيان ذكره تعالى العطبَ والهلاكَ في الدارين، ويقرأ في الثانية بسورة (إذا جاءك المنافقون) تحذيرًا للأمة من النفاق المردي، وتحذيرًا لهم أن تشغلَهَم أموالهُم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذِكر الله، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد، وحضًا لههم على الإِنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإِقالة، ويتمنَون الرجعة، ولا يُجابون إليها، وكذلك كان: ﷺ يفعل عند قدوم وفد يريد أن يُسمعهم القرآن، وكان يُطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك، كما صلَّى المغرب ب (الأعراف) وب (الطور)، و(ق). وكان يُصلي الفجر بنحو مائة آية.

وكذلك كانت خطبته ﷺ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيمانًاَ وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخُطب غيره التي إنما تُفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النَّوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يُحصِّلُ في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون، وتُقسم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم، فيا ليت شعري أيّ إيمان حصل بهذا؟ وأيِّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟

ومن تأمل خطب النبي ﷺ، وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذِكر صفات الربِّ جل جلاله، وأصولِ الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذِكر آلائه تعالى التي تُحبِّبه إلى خلقه وأيامِه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يُحبِّبهم إليه، فيذكرون مِن عظمة الله وصفاته وأسمائه، ما يُحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذِكره ما يُحبِّبهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائعُ والأوامرُ رسومًا تُقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطَوْها صورها، وزيّنوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلالُ بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإِخلال بها، فرصعوا الخُطب بالتسَجيع والفِقر، وعلم البديع، فَنقَص بل عَدمَ حظُ القلوب منها، وفات المقصود بها.

فمما حفظ من خطبته ﷺ أنه كان يكثر أن يخطُب بالقرآن وسورة (ق). قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا منْ في رسول الله ﷺ مما يخطب بها على المنبر.

وحُفظ من خطبته ﷺ، من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف، "يا أيُّها الناسُ توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تَموتوا، وبادِرُوا بالأعمال الصالحة قَبل أَن تُشغَلوا، وصِلوا الَّذي بينكم وبين ربَكم بكثرة ذِكركم له، وكثرةِ الصدقة في السرِّ والعلانية تُؤجروا، وتحمَدوا، وتُرزقوا. واعلموا أن الله عز وجل، قد فرض عليكم الجمعةَ فريضةَ مكتوبةَ في مقامي هذا، في شهري هذا، في عَامي هَذَا، إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، مَنْ وَجَدَ إليها سَبِيلًا، فَمَن تَركَهَا في حياتي، أو بعد مماتي جحودًا بها، أو استخفافًا بها، وله إمامٌ جائر أو عادِل، فلا جمع الله شملَه، ولا بارَك له في أمره، ألا ولا صَلاة له، ألا ولا وضوءَ له، ألا ولا صَومَ له، ألا ولا زَكَاةَ له، ألا ولا حجَ له، ألا ولا بَرَكَة له حتى يتوبَ، فإن تابَ، تابَ اللهُ عليه، ألا ولا تَؤُمَنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، ألا ولا يَؤُمَنَّ أعرابي مُهاجِرًا، ألا ولا يَؤمَنَّ فَاجرٌ مُؤمنًا، إلا أن يَقهَرَهُ سلطَانٌ فَيخَافَ سَيْفَه وسَوطَه".

وحفظ مِن خطبته أيضًا: "الحمدُ لِله نستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أنفسنا، مَنْ يَهْدِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فَلا هادي له، وأشهدُ أَلَّا إله إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ لَهُ، وأشهدُ أن مُحمدًا عبده ورسولُه، أرسله بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطعِ اللهَ وَرَسُولَه، فَقَد رَشَدَ ومن يَعْصِهِمَا، فإنه لا يَضُرُّ إلا نَفْسَة، ولا يَضُرُّ الله شيئا ". رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الله تعالى ذِكر خطبه في الحج.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه[عدل]

كان إذا خطب، احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبُه حتى كأنه منذرُ جيش، يقول: "صَبَّحَكُمْ ومساكم" ويقول: "بُعِثتُ أَنَا والسَّاعَة كَهَاتَينِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ أصبُعَيهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى". ويقول: "أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الهدْي هَدْي مُحَمَّدِ، وَشَرَّ الأُمورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة ". ثم يقول: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَن ترَكَ مَالًا، فَلأَهلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَو ضَيَاعًا، فإليَّ وعليَّ" رواه مسلم.

وفي لفظ: كانت خُطبة النبي ﷺ يَوْمَ الجمعَةِ، يَحْمَدُ الله ويُثْنِي عَلَيهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أثَرِ ذلِكَ وَقَدْ عَلا صَوْتُه فَذَكَرُه. في لفظ: يَحْمَدُ الله وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه، ثُمَّ يَقُولُ: "مَنْ يَهْدِ اللهُ، فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْر الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ".

وفي لفظ للنسائي، "وكُلُ بِدْعةٍ ضلالَةٌ، وَكُلّ ضلالَةٍ في النَّارِ".

وكان يقول في خطبته بعد التحميدِ والثناءِ والتشهد "أَمَّا بَعْدُ".

وكان يُقصِّرُ الخُطبة، ويطيل الصلاة، ويكثر الذِّكر، ويَقْصدُ الكلماتِ الجوامع، وكان يقول: "إنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِه، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهٌ".

وكان يُعَلِّمُ أصحابَه في خُطبته قواعِدَ الإِسلام، وشرائعَه، ويأمرهم، وينهاهم في خطبته إذا عَرَض له أمر، أو نهى، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يُصلي ركعتين.

ونهى المتخطِّي رِقابَ الناس عن ذلك، وأمره بالجلوس. وكان يقطعُ خطبته للحاجة تعْرِضُ أو السؤالِ مِنْ أَحَدٍ من أصحابه، فيُجيبه، ثم يعود إلى خُطبته، فيتمُّها.

وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعودُ فَيُتِمُّها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، فأخذهما، ثم رَقِيَ بهما المنبر، فأتم خطبته.

وكان يدعو الرجل في خطبته: تعالَ يا فلان، اجلِسْ يا فلان، صلِّ يا فُلان.

وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأيَ منهم ذا فاقة وحاجة، أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها.

وكان يُشير بأصبعه السَّبَّابَة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه.

وكان يستسقي بهم إذا قَحَطَ المطر في خطبته.

وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمعَ الناسُ، فإذا اجتمعوا، خرج إليهم وحدَه من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان، ولا طرحة، ولا سواد، فإذا دخل المسجد، سلَّم عليهم، فإذا صَعِد المنبر، استقبل الناسَ بوجهه، وسلَّم عليهم، ولم يدع مستقبلَ القبلة، ثم يجلِس، ويأخذ بلالٌ في الأذان، فإذا فرغ. منه، قام النبي ﷺ فخطب من غير فَصلٍ بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره.

ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيرَه، وإنما كان يعتَمِد على قوس أو عصًا قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يَعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمِد على عصا. ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فَمِن فَرطِ جهله، فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف، ولا قوس، ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتة، وإنما كان يعتمِد على عصا أو قوس.

وكان منبره ثلاثَ درجات، وكان قبلِ اتخاذه يخطُب إلى جِذع يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر، حنَّ الجِذْعُ حنينًا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه ﷺ وضمَّه قال أنس: حنَّ لما فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقده التصاق النبي ﷺ.

ولم يُوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وضع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة.

وكان إذا جلس عليه النبي ﷺ في غير الجمعة، أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابُه إليه بوجوههم، وكان وجهه ﷺ قِبلَهم في وقت الخطبة.

وكان يقوم فيخطب، ثم يجلِس جلسة خفيفة، ثم يقوم، فيخطب الثانية، فإذا فرغ منها، أخذ بلال في الإِقامة. وكان يأمر الناس بالدنِّو منه، ويأمرهم بالإِنصات، وتخبرهم أن الرجل إذا قَالَ لِصاحبه: أَنْصِت فَقَدْ لَغَا. ويقول: "مَنْ لَغَا فَلا جمُعَة لَهُ". وكان يقول: "مَن تَكَلَّمَ يَوْمَ الجمُعَة والإِمامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسفَارًا، والَذِي يَقُولَ لَه: أنْصت لَيْسَت لَهُ جُمُعَة ". رواه الإِمام أحمد.

وقال أبي بن كعب: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكَّرنا بأيَّام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يَغمِزُني، فقال: متى أُنزِلَتْ هذه السورة؟ فإني لم أسمعها إلى الآَن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا، قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنّه ليحسن لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوتَ، فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أُبي، فقال رسول الله ﷺ "صَدَق أبيُّ ". ذكره ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وأصله في مسند أحمد.

وقال ﷺ: " يَحْضُر الجُمُعَة ثَلاثَةُ نَفَر: رَجُلٌ حَضرَها يَلغُو وَهُوَ حَظُه منها، ورَجُلٌ حَضَرَها يَدْعو، فَهُوَ رَجُلُ دَعا الله عَزَّ وَجَلَّ إن شَاءَ أَعْطَاهُ، وإنْ شَاءَ مَنَعَهْ، وَرَجلٌ حَضَرهَا بإنْصاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحدًا، فَهي كَفَّارَةٌ له إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ التي تَليها، وَزيادَة ثَلاثَةَ أيْامٍ، وَذَلِكَ أن الله عزَّ وجَلَ يقول: { مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثَالِها } [102]"، ذكره أحمد وأبو داود.

وكان إذا فرغ بلال من الأذان، أخذ النبي ﷺ في الخطبة، ولم يقم أحدٌ يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذانُ إلا واحدًا، وهذا يدل على أن الجمعة.

كالعيد، لا سُنَّة لها قبلها، وهذا أصحُّ قولي العلماء، وعليه تدلُّ السُّنَّة، فإن النبي ﷺ كان يخرج مِن بيته، فإذا رَقِي المنبر، أخذ بلالٌ في أذان الجمعة، فإذا أكمله، أخذ النبيُّ ﷺ في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأَيَ عين، فمتى كانوا يُصلون السُّنَّة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتن، فهو أجهلُ الناس بالسُّنَّة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سُنَّة قبلها، هو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي.

والذين قالوا: إن لها سُنَّة، منهم من احتج أنها ظهرٌ مقصورة، فيثبت لها أحكامُ الظهر، وهذه حجة ضعيفة جدًا، فإن الجمعة صلاةٌ مستقِلة بنفسها تُخالف الظهر في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتُوافقها في الوقت، وليس إلحاقُ مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى، لأنها أكثر مما اتفقا فيه.

ومنهم من أثبت السُّنَّة لها بالقياس على الظهر، وهو أيضًا قياس فاسد، فإن السُنَّة ما كان ثابتًا عن النبي من قول أو فعل، أو سُنة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك، ولا يجوز إثباتُ السنن في مثل هذا بالقياس، وأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي ﷺ، فإذا لم يفعله ولم يشرعه، كان تركُه هو السُنَّة، ونظيرُ هذا، أن يُشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس، فلذلك كان الصحيحُ أنه لا يسن الغسل للمبيت بمزدلفة، ولا لِرمي الجمار، ولا للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء، لأن النبي ﷺ وأصحابَه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات.

ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في صحيحه فقال: باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها: حدثنا عبد الله بن يُوسف، أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ، كان يُصلي قبلَ الظُّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين، وكان لا يُصلي بعد الجمعة حتى ينصَرِف، فيُصلي ركعتين وهذا لا حُجة فيه، ولم يُرد به البخاري إثباتَ السنة قبل الجمعة، وإنما مرادُه أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يُرو عنه فعلُ السنة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء.

وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين، فإنه قال: باب الصلاة قبل العيد وبعدها، وقال أبو المعلَّى: سمعت سعيدًا عن ابن عباس، أنه كره الصلاة قبل العيد. ثم ذكر حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصل قبلَهما ولا بعدَهما ومعه بلال الحديث.

فترجم للعيد مثلَ ما ترجم للجمعة، وذكر للعيد حديثًا دالًا على أنه لا تشرع الصلاةُ قبلَها ولا بعدَها، فدل على أن مراده من الجمعة كذلك.

وقد ظن بعضُهم أن الجمعة لما كانت بدلًا عن الظهر- وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دلَّ على أن الجمعة كذلك، وإنما قال: "وكان لا يُصلي بعد الجمعة حتى ينصرِفَ" بيانًا لموضع صلاة السنة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف، وهذا الظن غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد المكتوبة حديثَ ابن عمر رضي الله عنه: صليتُ مع رسول الله ﷺ سَجْدتينِ قبل الظهر، وسجدتين بعدَ الظهر، وسجدتين بعدَ المغرب، وسجدتينِ بعد العشاء، وسجدتينِ بعد الجمعة. فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاةٌ مستقِلَة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتج إلى ذِكرها لِدخولها تحتَ اسم الظهر، فلما لم يذكر لها سنةً إلا بعدها، عُلِمَ أنه لا سنة لها قبلها.

ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة وجابر، قال: جاء سُلَيك الغَطفاني ورسولُ الله ﷺ يخطبُ فقال له: "أَصَلَّيْتَ ركْعَتَيْن قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟" قال: لا. قال: "فَصلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّز فيهما ". وإسناده ثقات.

قال أبو البركات ابن تيمية: وقوله: "قبل أن تجيء" يدل عن أن هاتين الركعتين سنة الجمعة، وليست تحية المسجد. قال: شيخنا حفيدُه أبو العباس: وهذا غلط، والحديث المعروف في الصحيحين عن جابر، قال: دخل رجال يومَ الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فقال "أَصلَّيْتَ" قال: لا. قال: فَصّل رَكْعَتَيْن. وقال: "إذا جاء أَحَدُكُم الجُمُعَةَ والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَليَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيتَجَوَّزْ فيهما ". فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غيرُ صحيحة، هذا معنى كلامه.

وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة، إنما هو "أصليتَ قبل أن تجلس" فغلط فيه الناسخُ. وقال: وكتابُ ابنِ ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتَنَوْا بضبطهما وتصحيحهما، قال: ولذلك وقع فيه أغلاطٌ وتصحيف.

قلت: ويدل على صحة هذا أن الذين اعتَنَوْا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها، وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحدٌ منهم هذا الحديثَ في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإِمام على المنبر، واحتجوا به على من منع مِن فعلها في هذه الحال، فلو كانت هي سنةَ الجمعة، لكان ذكرها هناك، والترجمةُ عليها، وحفظُها، وشهرتُها أولى من تحية المسجد. ويدل عليه أيضًا أن النبي ﷺ، لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحيةُ المسجد. ولو كانت سنة الجمعة، لأمر بها القاعدين أيضًا، ولم يخص بها الداخل وحده.

ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في سننه، قال: حدثنا مسدَّد، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويُصلي بعدها ركعتين في بيته، وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنةً قبلها، وإنما أراد بقوله: إن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك: أنه كان يُصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يُصليهما في المسجد، وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يُصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي السنن عن ابن عمر، أنه إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدم، فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلَّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة، صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يُصل بالمسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة، فإنه تطوعٌ مطلق، وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغِل بالصلاة حتى يخرج الإِمام، كما تقدم من حديث أبي هريرة، ونُبيشة الهذلي عن النبي ﷺ.

قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: " من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى المسجدَ، فصلَّى ما قُدِّرَ له، ثم أنصتَ حتى يَفرُغَ الإمامُ من خُطبته، ثم يُصلي معه، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيَّامٍ". وفي حديث نُبيشة الهذلي: "إن المسلمَ إذا اغتسل يومَ الجمعة، ثم أقبلَ إلى المسجد لا يُؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإِمام خَرج، صلَّى ما بدا له، وإن وجد الإمامَ خرج، جلس، فاستمع وأنصت حتى يقضيَ الإمامُ جمعته وكلامَه، إن لمَ يُغفر له في جُمعته تلك ذنوبه كلُّها أَنْ تكون كَفَّارَةً للجمعة التي تليها" هكذا كان هديُ الصحابة رضي الله عنهم.

قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر: أنه كان يُصلي قبل الجمعة ثِنتي عشرة ركعة.

وعن ابن عباس، أنه كان يصلي ثمان ركعات. وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق، ولذلك اختلف في العدد المرويَ عنهم في ذلك، وقال الترمذي في الجامع: ورُوي عن ابن مسعود، أنه كان يُصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا. وإليه ذهب ابنُ المبارك والثوريُّ.

وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري: رأيتُ أبا عبد الله، إذا كان يوم الجمعة يُصلي إلى أن يعلمَ أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت، أمسك عن الصلاة حتى يُؤذِّنَ المؤذِّن، فإذا أخذ في الأذان، قام فصلى ركعتين أو أربعًا، يَفصِل بينهما بالسلام، فإذا صلى الفريضة، انتظر في المسجد، ثم يخرج منه، فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع، فيُصلي فيه ركعتين، ثم يجلس، وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيصلي ركعتين أخريين، فتلك ست ركعات على حديث علي، وربما صلى بعد الست ستًا أخر، أو أقل، أو أكثر. وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه رواية: أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعًا، وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر، فإن أحمد كان يُمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقت النهي، قام فأتم تطوعه إلى خروج الإِمام، فربما أدرك أربعًا، وربما لم يُدرك إلا ركعتين.

ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها، بما رواه ابن ماجه في سننه حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن عبد ربِّه، حدثنا بقية، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العَوْفي، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يركع قبل الجُمعة أربعًا، لا يفصِل بينها في شيء منها. قال ابن ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره.

وهذا الحديث فيه عدة بلايا، إحداها: بقية بن الوليد: إمام المدلسين وقد عنعنه، ولم يصرح بالسماع.

الثانية: مبشر بن عُبيد، المنكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: شيخ كان يقال له: مبشر بن عبيد كان بحمص، أظنه كوفيًا، روى عنه بقية، وأبو المغيرة، أحاديثُه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني: مبشر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها.

الثالثة: الحجاج بن أرطاة الضعيف المدلس.

الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري: كان هشيم يتكلم فيه، وضعفه أحمد وغيره.

وقال البيهقي: عطية العَوْفي لا يحتج به، ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث، والحجاج بن أرطاة، لا يحتج به. قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعضِ هؤلاء الثلاثة الضعفاء، لعدم ضبطهم وإتقانهم، فقال: قَبْلَ الجُمُعة أربعًا، وإنما هو بعد الجمعة، فيكون موافقًا لما ثبت في الصحيح ونظير هذا: قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: "للفارس سهمان، وللراجل سهم". قال الشافعي: كأنه سمع نافعًا يقول: للفرس سهمان، وللراجل سهم، فقال: للفارس سهمان، وللراجل سهم. حتى يكون موافقًا لحديث أخيه عبيد الله، قال: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ.

قلت: ونظير هذا ما قاله شيخُ الإِسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة "لا تَزَالُ جَهَنم يُلقى فيهَا، وهي تَقُول: هَل مِن مَزيد؟ حتى يَضَعَ ربُّ العِزَّةِ فيها قدمَه، فَيَرْوِي بَعضُها إلى بَعْض، وتقول: قَط، قَط. وأما الجنةُ: فيُنشىء الله لها خلقًا" فانقلب على بعض الرواة فقال أما النار: فينشىء الله لها خلقًا.

قلت: ونظيرُ هذا حديثُ عائشة "إن بلالًا يؤذِّن بلَيل، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يُؤذِّن ابنُ أم مكتوم" وهو في الصحيحين فانقلب على بعض الرواة، فقال: ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال.

ونظيره أيضًا عندي حديث أبي هريرة "إذا صَلَى أَحَدُكُم فَلا يَبْرُك كمَا يَبْرُكُ البَعيرُ وليضَعْ يَدَه قَبْلَ رُكبَتَيْهِ" وأظنه وَهِمَ - والله أعلم - فيما قاله رسولُه الصادق المصدوق، "وليضع ركبتيه قبل يديه". كما قال وائل بن حُجر: كان رسول الله ﷺ "إذا سجد، وضع رُكبتيه قبل يديه". وقال الخطابي وغيره: وحديثُ وائل بن حجر، أصح من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله.

وكان ﷺ إذا صلى الجمعة، دخل إلى منزله، فصلى ركعتين سُنَّتَها، وأمر مَنْ صلاها أن يُصليَ بعدها أربعًا. قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد، صلى أربعًا، وإن صلى في بيته، صلى ركعتين. قلتُ: وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلَّى في المسجد، صلى أربعًا، وإذا صلى في بيته، صلى ركعتين.

وفي الصحيحين: عن ابن عمر، أن النبي ﷺ، كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَة، فَلْيصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ". والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين[عدل]

كان ﷺ يُصلي العيدين في المُصَلَّى، وهو المصلَّى الذي على باب المدينة الشرقي، وهو المصلَّى الذي يُوضع فيه مَحْمِلُ الحاج، ولم يُصلِّ العيدَ بمسجده إلا مرةً واحدة أصابهم مطر، فصلَّى بهم العيدَ في المسجد إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجة وهديُه كان فِعلهما في المصلَّى دائمًا.

وكان يلبَس للخروج إليهما أجملَ ثيابه، فكان له حُلَّة يلبَسُها للعيدين والجمعة، ومرة كان يَلبَس بُردَين أخضرين، ومرة بردًا أحمر، وليس هو أحمرَ مُصمَتًا كما يظنه بعضُ الناس، فإنه لو كان كذلك، لم يكن بُردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صح عنه ﷺ مِن غير معارضٍ النهيُ عن لُبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يَحرِقَهما فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبَسُه، والذي يقُوم عليه الدليل تحريمُ لِباس الأحمر، أو كراهيتُه كراهية شديدة.

وكان ﷺ يأكُل قبلَ خروجه في عيد الفطر تمرات، ويأكلهن وترًا، وأما في عيد الأضحى، فكان لا يَطعَمُ حتى يَرجِعَ مِن المصلَّى، فيأكل من أضحيته.

وكان يغتسل للعيدين، صح الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان:

حديث ابن عباس، من رواية جبارة بن مُغَلِّس، وحديث الفاكِه بن سعد، من رواية يوسف بن خالد السمتي. ولكن ثبت عن ابن عمر مع شِدة اتِّباعه للسُنَّة، أنه كان يغتسل يوم العيد قبل خروجه.

وكان ﷺ يخرج ماشيًا، والعَنَزَةُ تحمل بين يديه، فإذا وصل إلى المصلَّى، نُصِبت بين يديه ليصليَ إليها، فإن المصلَّى كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناءٌ ولا حائط، وكانت الحربةُ سُترتَه.

وكان يُؤَخِّر صلاة عيد الفطر، ويُعجِّل الأضحى، وكان ابنُ عمر مع شدة اتباعه للسنة، لا يخرُج حتى تطلُع الشمسُ، ويكبِّر مِن بيته إلى المصلى. وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى، أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أنه لا يُفعل شيء من ذلك.

ولم يكن هو ولا أصحابُه يُصلون إذا انتهوا إلى المصلَّى شيئًا قبل الصلاة ولا بعدها.

وكان يبدأ بالصلاة قبلَ الخُطبة، فيُصلِّي ركعتين، يكبِّر في الأولى سبعَ تكبيراتِ مُتوالية بتكبيرة الافتتاح، يسكُت بين كُل تكبيرتين سكتةً يسيرة، ولم يُحفَظ عَنه ذكرٌ معين بين التكبيرات، ولكن ذُكرَ عن ابن مسعود أنه قال: يَحمَدُ اللهَ، ويُثنيَ عليه، ويصلِّي على النبي ﷺ، ذكرهَ الخلال. وكان ابنُ عمر مع تحريه للاتباع، يرفع يديه مع كُلِّ تكبيرة.

وكان ﷺ إذا أتم التكبير، أخذ في القراءة، فقرأ فاتِحة الكتاب، ثم قرأ بعدها (ق والقرآن المجيد) في إحدى الركعتين، وفي الأخرى، (اقتربَت الساعَةُ وانشقَّ القَمَرُ).

وربما قرأ فيهما (سبحِّ اسمَ ربِّك الأعلى)، و(هل أتاك حديثُ الغَاشية) صح عنه هذا وهذا، ولم يَصِح عنه غيرُ ذلك.

فإذا فرغ من القراءة، كبَّر وركع، ثم إذا أكمل الركعة، وقام من السجود، كبَّر خمسًا متوالية، فإذا أكمل التكبيرَ، أخذ في القراءةِ، فيكون التكبيرُ أَوَّل ما يبدأ به في الركعتين، والقراءة يليها الركوع، وقد رُوي عنه ﷺ أنه والى بين القراءتين، فكبر أولًا، ثم قرأ وركع، فلما قام في الثانية، قرأ وجعل التكبير بعد القراءة، ولكن لم يثبت هذا عنه، فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري. قال البيهقي: رماه غيرُ واحد بالكذب.

وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ. كبَّر في العيدين في الأولى سبعًا قَبل القِرَاءَة، وفي الآخِرَة خمسًا قَبلَ القراءة. قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاريَّ عن هذا الحديث، قال: ليس في الباب شيء أصحَّ مِن هذا، وبه أقول، وقال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في هذا الباب، هو صحيح أيضًا.

قلت: يُريد حديثه أن النبي ﷺ كبَّر في عيد ثِنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأُولى، وخمسًا في الآخرة، ولم يُصل قبلها ولا بعدها. قال أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضرب أحمد على حديثه في المسند وقال: لا يُساوي حديثُه شيئًا، والترمذي تارة يُصحح حديثه، وتارة يُحسنه، وقد صرح البخاريُّ بأنه أصح شيء في الباب، مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب، وأخبر أنه يذهب إليه. والله أعلم.

وكان ﷺ إذا أكمل الصلاةَ، انصرف، فقام مُقابِل الناس، والناسُ جلوس على صفوفهم، فيعِظهم ويُوصيهم، ويأمرهم وينهاهم، وإن كان يُريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به. ولم يكن هُنالك مِنبر يرقى عليه، ولم يكن يخْرِجُ منبر المدينة، وإنما كان يخطبهم قائمًا على الأرض، قال جابر: شهِدتُ مع رسولِ الله ﷺ الصلاة يومَ العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال، فامر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ النَّاس، وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكَّرهُن، متفق عليه. وقال أبو سعيد الخُدري: كانَ النبي ﷺ يخرُج يوم الفِطر والأضحى إلى المُصلَّى، فأول ما يَبدأ به الصَّلاةُ، ثم ينصرِفُ، فيقُوم مقابِلَ الناس، والناسُ جلوس على صفوفهم، الحديث. رواه مسلم.

وذكر أبو سعيد الخُدري: أنه ﷺ. كان يخرج يوم العيد، فيُصلي بالناس ركعتين، ثم يُسَلِّم، فيقِف على راحلته مستقبِلَ الناس وهم صفوف جلوسٌ، فيقول: "تَصَدَّقوا"، فأكثرُ من يتصدق النساء، بالقُرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجة يُريد أن يبعث بعثًا يذكره لهم، وإلا انصرف.

وقد كان يقع لي أن هذا وهم، فإن النبي ﷺ، إنما كان يخرج إلى العيد ماشيًا، والعنزة بين يديه، وإنما خطب على راحلته يومَ النحر بمِنى، إلى أن رأيتُ بَقِي بنَ مَخْلَد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا عبد الله بن نُمير، حدَّثنا داود بن قيس، حدَّثنا عِياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُدري، قال: كان رسول الله ﷺ يخرُج يَوْمَ العِيد مِن يَومِ الفِطر، فيُصلي بالناس تَيْنِكَ الركعتين، ثم يُسلم، فيستقبل الناس، فيقول: "تَصَدَّقُوا". وكان أكثرُ من يتصدق النساء وذكر الحديث.

ثم قال: حدَّثنا أبو بكر بن خلَّاد، حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا داود، عن عِياض، عن أبي سعيد: كان النبيُّ ﷺ يخرُج في يوم الفطر، فيُصلي بالناس، فيبدأ بالركعتين، ثم يستقبِلُهم وهم جلوس، فيقول: "تَصدَّقُوا" فذكر مثله وهذا إسنادُ أبن ماجه إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. ولعله: ثم يقوم على رجليه، كما قال جابر: قام متوكئًا على بلال، فتصحَّف على الكاتب: براحلته. والله أعلم.

فإن قيل: فقد أخرجا في الصحيحين عن ابن عباس، قال شهِدتُ صلاةَ الفِطر مع نبي الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمانَ رضي الله عنهم، فكلُّهم يُصَلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطُب، قال: فنزل نبي الله ﷺ، كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسُ الرِّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلال، فقال: { يَأَيُّها النَّبيُّ إذا جَاءكَ المُؤمِناتُ يُبايِعْنَكَ على أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئًا } [103] فتلا الآية حتى فرغ منها، الحديثَ.

وفي الصحيحين أيضًا، عن جابر، أن النبي ﷺ قام، فبدأ بالصلاة، ثم خطب النَّاسَ بَعْدُ، فلما فرغ نبيُّ الله ﷺ نزل فأتى النساء فذكَّرهن، الحديث. وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر أو على راحلته، ولعله كان قد بُني له منبر من لَبِنٍ أو طين أو نحوه؟

قيل: لا ريب في صحة هذين الحديثين، ولا ريب أن المِنبر لم يكن يُخرَج من المسجد، وأول من أخرجه مروانُ بن الحكم، فأُنكِرَ عليه، وأما منبر اللَّبن والطين، فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، كما هو في الصحيحين فلعله ﷺ كانَ يقوم في المصلَى على مكان مرتفع، أو دُكان وهي التي تسمى مِصطَبة، ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقِف عليهن، فيخطبهُن، فيعِظهن، ويذكِّرُهن. والله أعلم.

وكان يفتتح خُطَبه كلَّها بالحمد الله، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد، أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعد القرظ مؤذِّن النبي ﷺ أنَّه كان يُكثر التكبير بَيْنَ أضعافِ الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين. وهذا لايدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف الناسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يُفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يُفتتحان بالحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، لأن النبي ﷺ قال "كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لا يُبْدَأ فيهِ بِحَمْدِ الله، فَهُوَ أَجْذَمُ".

وكان يفتتح خطبَه كلَّها بالحمد لله.

ورخص ﷺ لمن شهد العيد: أن يجلس للخطبة، وأن يذهب، ورخَّص لهم إذا وقع العيدُ يومَ الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة وكان ﷺ يُخالف الطريقَ يوم العيد، فيذهب في طريق، ويرجعُ في آخر، فقيل: ليسلِّمَ على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركتَه الفريقان، وقيل: ليقضيَ حاجة من له حاجة منهما، وقيل: ليظهر شعائِرَ الإِسلام في سائر الفِجاج والطرق، وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عِزَّة الإسلام وأهله، وقيام شعائره، وقيل: لتكثر شهادةُ البِقاع، فإن الذاهب إليَ المسجد والمصلَّى إحدى خطوتيه ترفعُ درجة، والأخرى تحطُّ خطيئة حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كُلِّه، ولغيره من الحِكَم التي لا يخلو فعلُه عنها.

وروي عنه، أنه كان يُكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكبَر، وَللَّهِ الحَمْدُ.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف[عدل]

لما كَسَفَتِ الشَّمسُ، خرجَ ﷺ إلى المسجد مُسرِعًا فزِعًا يجُرُّ رداءه، وكان كسُوفُها في أوَّل النهار على مقدار رُمحين أو ثلاثة مِن طلوعها، فتقدَم، فصلى ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة طويلة، جهر بالقراءة، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فأطال القيام وهو دون القيام الأول، وقال لما رفع رأسه: "سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الحَمْد"، ثم أخذ في القراءة، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأولِ، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مِثلَ ما فعل في الأولى، فكان في كُلِّ ركعة رُكوعان وسجودان، فاستكمل في الركعتين أربعَ ركعات وأربعَ سجدات، ورأى في صلاته تلك الجنة والنار، وهمَّ أن يأخذ عُنقودًا من الجنة، فيُريَهم إياه، ورأى أهل العذاب في النار، فرأى امرأة تخدِشُها هِرَّةٌ ربطتها حتى ماتت جُوعًا وعطشًا، ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءَه في النار، وكان أولَ من غيَّر دين إبراهيم، ورأى فيها سارِقَ الحاج يُعذَب، ثم انصرف، فخطب بهم خطبة بليغة، حُفِظَ منها قوله: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَر آَيَتَانِ مِن آياتِ الله لا يَخْسِفَانِ بمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَياتِهِ، فإذا رَأيْتُم ذَلِكَ، فادعوا الله وكَبروا، وصَلُوا، وتَصدَقوا يا أُمَّةَ مُحَمَّد، والله مَا أَحَدٌ أَغيَرَ مِنَ الله أَنْ يزنيَ عَبدُهُ، أَوْ تَزْنيَ أَمَته، يا أمَّة محَمَّد، والله لَو تَعلَمون ما أَعلَم لَضحِكتم قَليلًا، وَلَبَكَيْتمْ كَثِيرًا ".

وقال: " لَقَدْ رَأيتُ في مَقَامِي هذا كُلَّ شَيءٍ وُعِدتُم به، حَتَّى لَقَدْ رأيتُني أريد أن آخذَ قِطفًا مِن الجنة حِينَ رأيتُمُوني أَتَقدَمُ، وَلَقَد رأيتُ جَهَنَّم يَحطِم بَعْضُها بَعْضًا حِينَ رأيْتمُوني تَأَخَّرتُ".

وفي لفظ: وَرَأيت النَّارَ فلم أرَ كاليوم مَنْظرا قَطّ أَفْظَعَ منها، ورَأيْت أكثَر أهلِ ألنار النِّسَاءَ. قالُوا: وَبِمَ يا رسول الله؟ قال: بِكُفرِهنَّ. قيل: أيكفُرنَ بالله؟ قال: يَكْفرنَ العَشيرَ، وَيَكفرنَ الإِحسَان، لو أَحسَنتَ إلى إحْداهنَّ الدَّهْرَ كُلَّه، ثُمَّ رأت مِنكَ شَيئًا، قالت: مَا رَأيْتُ مِنكَ خَيرًا قطُّ.

ومنها: "ولَقَدْ أُوحِي إليَّ أنَكُم تُفتَنون في القُبورِ مِثلَ، أو قَريبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَال، يُؤْتى أَحَدُكُم فَيُقال له: ما عِلْمُك بِهَذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤمِن أو قال: المُوقِن، فيقول: مُحَمَّد رَسُول الله، جاءنَا بالبيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبنا، وآمنََّا، واتَّبَعنَا، فيُقال لَهُ: نم صَالِحًا فَقَدْ عَلِمنَا إن كنتَ لمؤمنا، وأمَّا المُنافِق أَوْ قَالَ: المُرْتابُ، فيَقُول: لا أدْرِي، سمِعْت النَّاسَ يَقولُون شَيئًا، فقلتُه".

وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل رحمه الله، أنه ﷺ لما سَلَّمَ، حَمِدَ الله وأثنى عليه، وشَهد أن لا إلَه إلَّا الله، وأنَّه عبدُه ورسولُه، ثم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، أُنُشِدُكُم باللهِ هَلْ تَعْلَمونَ أنِّي قَصرْتُ في شيء مِنْ تَبْلِيغ رِسَالاتِ ربِّي لمَا أخْبَرتُموني بِذَلِك؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: نَشْهَدُ أَّنكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، وقَضيْتَ الَّذي عَلَيْكَ". ثُمَّ قَال: "أمَّا بَعدُ فإنَّ رِجَالًا يَزعَمُونَ أَنَّ كُسُوفَ هذِهِ الشَّمْس، وكُسُوفَ هَذا القَمَر، وَزَوَالَ هذه النُّجُومِ عَن مَطالِعها لِموتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْل الأرْضِ، وإنَّهُم قَدْ كَذَبُوا، وَلَكِنَّهَا آيات مِن آياتِ الله تَبارَكَ وَتَعَالى يَعْتَبِرُ بِهَا عِبادُهُ، فَيَنظُرُ منْ يُحْدِثُ مِنهُم تَوْبَةً، وايْمُ اللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ منُذ قُمْتُ أُصَلِّي ما أَنْتُم لاقُوه مِنْ أمْرِ دُنيَاكُمْ وآخِرَتِكُم، وإنَّهُ - واللهُ أَعْلَمُ - لا تَقوم السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاثَون كَذَّابًا آخرُهُم الأعْوَرُ الدَّجَّالُ، مَمْسُوح العَيْنِ اليسْرى، كَأَنَّها عَيْنُ أَبي تحيى لِشيْخٍ حِينَئذٍ مَن الأَنْصَارِ، بَينَه وبَيْنَ حُجرَة عائشة، وإنَّه مَتَى يَخْرُجْ، فسَوْفَ يَزْعُمُ أنَّه اللهُ، فَمَن آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ واتّبَعَه، لَم يَنفَعْه صَالح مِن عَمَلِه سَلَفَ، وَمن كَفَر به وكَذَّبه، لَم يُعاقَب بشيءٍ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفًا، وإنَّه سَيَظهَرُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إلَّا الحَرَمَ وَبَيْتَ المَقدِس، وإنه يَحْصُر المُؤمنين في بَيْت المَقْدِس، فَيُزَلْزَلونَ زِلزَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ يُهلِكُه الله عزَّ وجَلَّ وَجنودَه، حتى إنَّ جِذْمَ الحَائِطِ أَوْ قَال: أَصْلَ الحَائِطِ، وأصْلَ الشَّجَرَةِ ليُنَادي: يا مُسْلمُ، يا مُؤْمِن، هذَا يَهُودِيٌ، أَوْ قَالَ: هَذَا كَافِرٌ، فَتَعَالَ فاقْتُلْهُ قَالَ: وَلَنْ يَكُونَ ذلِكَ حَتَى تَرَوْا أُمُورًا يَتَفَاقَمُ بَيْنكم شَأْنُهَا في أَنْفُسِكم، وتساءلونَ بَيْنكم: هَلْ كَانَ نَبيّكُمْ ذَكَر لَكُمْ مِنْهَا ذِكْرا: وحتَّى تَزُولَ جِبَالٌ عَنْ مَراتِبها، ثمَّ على أثَر ذَلِكَ القَبْضُ".

فهذا الذي صح عنه ﷺ: من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد رُوي عنه أنه صلَّاها على صفات أخر.

منها: كُلّ ركعة بثلاث ركوعات.

ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات.

ومنها: إنها كإحدى صلاة صُلِّيت كل ركعة بركوع واحد، ولكن كِبار الأئمة، لا يُصححون ذلك، كالإِمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطًا. قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضُهم أن النبي ﷺ صلى بثَلاث ركعاتٍ في كل ركعة، قال الشافعي: فقلتُ له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لِم لم تقل به أنت وهو زيادةٌ على حديثكم؟ يعني حديثَ الركوعين في الركعة، فقلتُ: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجهٍ نراه -والله أعلم - غلطًا، قال البيهقي: أراد بالمنقطع قولَ عبيد بن عمير: حدثني من أصدِّق، قال عطاء: حسبته يُريد عائشة الحديث، وفيه: فركع في كلِّ ركعة ثلاثَ رُكوعات وأربعَ سجدات. وقال قتادة: عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عنها: ست ركعات في أربع سجدات فعطاء، إنما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان، لا باليقين، وكيف يكون ذلك محفوظًا عن عائشة، وقد ثبت عن عُروة، وعَمرة، عن عائشة خلافه وعروة وعمرة أخصُّ بعائشة وألزمُ لها من عُبيد بن عمير وهما اثنان، فروايتُهما أولى أن تكون هي المحفوظة. قال: وأما الذي يراه الشافعي غلطًا، فأحسبه حديثَ عطاء عن جابر: "انكسفتِ الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ بن رسول الله ﷺ.، فقال الناسُ إنما انكسفت الشَّمسُ لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ، فصلّى بالنَّاس ستِ ركعات في أربع سجدات" الحديث.

قال البيهقي: من نظر في قصة هذا الحديث، وقصة حديث أبي الزبير، علم أنهما قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة، وذلك في يوم توفي ابنه إبراهيم عليه السلام.

قال: ثم وقع الخلافُ بين عبد الملك يعني ابن أبي سُليمان، عن عطاء، عن جابر، وبين هشام الدستوائي، عن أبي الزُّبير، عن جابر في عدد الركوع في كل ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى، يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط، لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع رواية عَمرة وعروة عن عائشة، ورواية كثير بن عباس، وعطاء بن يسار، عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، ثم رواية يحيى بن سليم وغيره، وقد خولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابن جريج وقتادة، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير: ست ركعات في أربع سجدات، فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلافُ ويُوافقها عدد كثيرٌ أولى من روايتي عطاء اللتين إنما إسناد أحدِهما بالتوهم، والأخرى يتفرد بها عنه عبد الملك بن أبي سليمان، الذي قد أُخذَ عليه الغلطُ في غير حديث.

قال: وأما حديثُ حبيب بن أبي ثابت، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، أنه صلى في كسوف، فقرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم سجد قال والأخرى مثلها، فرواه مسلم في صحيحه وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقة، فكان يُدلس، ولم يُبين فيه سماعَه مِن طاووس، فيشبه أن يكون حمله عن غير موثوق به، وقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان المكي الأحول، فرواه عن طاووس، عن ابن عباس مِن فعله ثلاثَ ركعات في ركعة. وقد خولف سليمان أيضًا في عدد الركوع، فرواه جماعة عن ابن عباس مِن فعله، كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه، عن النبي ﷺ، يعني في كل ركعة ركوعان. قال: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاريَ عن هذه الروايات الثلاث، فلم يخرِّج شيئًا منها في الصحيح لمخالفتهن ما هو أصح إسنادًا، وأكثر عددًا، وأوثق رجالًا، وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه: أصحُّ الروايات عندي في صلاة الكسوف أربعُ ركعات في أربع سجداتٍ قال البيهقي: وروي عن حذيفة مرفوعًا "أربع ركعات في كل ركعة"، وإسناده ضعيف.

ورُوي عن أبيِّ بنِ كعب مرفوعًا "خمس ركوعات في كل ركعة" وصاحبا الصحيح لم يحتجا بمثل إسناد حديثه.

قال: وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد الركعات، وحملوها على أن النبي ﷺ فعلها مرارًا، وأن الجميع جائز، فممن ذهب إليه إسحاقُ بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر بن إسحاق الضبعي، وأبو سليمان الخطابي، واستحسنه ابن المنذر. والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته ﷺ في يومَ توفي ابنه.

قلت: والمنصوصُ عن أحمد أيضًاَ أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أن صلاة الكسوف أربعُ ركعات، وأربعُ سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثرُ الأحاديث على هذا. وهذا اختيارُ أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية.؟كان يضعف كُلَّ ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلَّى النبي: ﷺ الكسوفَ مرة واحدة يومَ مات ابنه ابراهيم. والله أعلم.

وأمر ﷺ في الكسوف بذكرِ الله، والصلاةِ، والدعاء، والاستغفار والصدقة، والعتاقة، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء[عدل]

ثبت عنه ﷺ، أنه استسقى على وجوه.

أحدها: يومَ الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال: "اللهم أَغِثنا، اللهُم أَغِثنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهم اسقِنا، اللهُم اسقِنَا، اللهُمَّ اسقِنَا".

الوجه الثاني: أنه ﷺ وعد الناسَ يومًا يخرجُون فيه إلى المصلى، فخرج لما طلعت الشمسُ متواضعًا، متبذِّلًا، متخشِّعًا، مترسِّلًا، متضِّرعًا، فلما وافى المصلَّى، صَعِدَ المنبر - إن صحِ، وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبَّره، وكان مما حُفِظ من خطبته ودعائه: " الحَمْدُ لِله رَبِّ العالَمين، الرَّحْمن الرَّحيم، مالِكِ يَوْمِ الذَين، لا إله إلا اللهُ، يَفْعَلُ ما يُريد، اللهُم أَنتَ الله لا إله إلا أنت، تَفْعَل ما تُريدُ، اللهُم لا إلا إله إلا أَنْتَ، أَنْتَ الغَنيُ وَنَحْن الفُقَراءُ، أَنْزِل عَلَينَا الغَيْثَ، واجعَل ما أَنْزَلْتَه علينا قُوَّةً لَنَا، وَبلاغًا إلى حين" ث م رفع يديه، وأخذ في التضرُّع، والابتهال، والدعاء، وبالغ في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهَره، واستقبل القبلة، وحول إذ ذاك رداءَه وهو مستقبل القبلة، فجعل الأيمنَ على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وظهرَ الرداء لبطنه، وبطنه لظهره، وكان الرداء خميصةً سوداء، وأخذ في الدعاء مستقبلَ القِبلة، والناسُ كذلك، ثم نزل فصلَّى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداءٍ البتة، جهر فيهما بالقراءة، وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب: { سبح اسم ربك الأعلى } [104]، وفي الثانية: { هل أتاك حديث الغاشية } [105].

الوجه الثالث: أنه ﷺ استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردًا في غير يوم جمعة، ولم يُحفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاء صلاة.

الوجه الرابع: أنه ﷺ استسقى وهو جالس في المسجد، فرفعٍ يديه، ودعا اللهَ عز وجل، فحُفِظَ مِن دعائه حينئذ: "اللهُم اسْقِنا غَيْثًا مُغيثا مَرِيعًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رائِثٍ، نافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ".

الوجه الخامس: أنه ﷺ استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزَّوراء، وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلام نحو قذفةِ حجر، ينعطفُ عن يمين الخارج من المسجد.

الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمينَ العطشُ، فشَكَوا إلى رسول الله ﷺ. وقال بعضُ المنافقين: لو كان نبيًا، لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ؟ فقال: "أَوَقَدْ قَالُوها؟ عَسَيَ رَبّكم أَنْ يَسْقِيَكم، ثُمَ بَسَطَ يَدَيه، ودعا، فما ردَّ يديه من دعائه، حتى أظلَّهُمُ السَّحابُ، وأُمطِروا، فأفعمَ السيلُ الوادي، فشرب الناس، فارتَوَوْا".

وحُفظ من دعائه في الاستسقاء: " اللهُم اسقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وانْشُرِ رَحْمَتَك، وأَحْي بَلَدَكَ المَيِّتَ"، "اللَهُم اسْقِنا غَيثًا مُغِيثًا مَريئًا، مريعًا، نافِعًا غير ضارٍّ، عاجِلًا غَيْرَ اجِل ". وأُغيث ﷺ في كل مرة استسقى فيها.

واستسقى مرة، فقام إليه أبو لُبابة فقال: يا رسول الله ﷺ إن التمر في المَرابد، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اسقِنَا حَتَّى يَقومَ أبو لُبَابة عُريانًا، فَيَسدَّ ثَعلَبَ مِرْبَدِه بإزاره"، فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لُبابة، فقالوا: إنها لن تُقلعَ حتى تقوم عُريانًا، فتسُدَّ ثعلبَ مربدك بإزارك كما قال رسول الله ﷺ، ففعل، فاستهلت السماء.

ولما كثر المطر، سألوه الاستصحاء، فاستصحى لهم وقال: "اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَينَا، اللهُم على الآكام والجِبال، وَالظِّراب، وبُطونِ الأودية وَمَنَابِت الشَّجَر".

وكان ﷺ إذا رأى مطر قال: "الَّلهم صيِّبًا نَافِعًا".

وكان يحسر ثوبَه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال: "لأنه حَديثُ عَهْدٍ بِرَبِّه".

قال الشافعي رحمه الله: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد أن النبي ﷺ كان إذا سال السيل قال: "اخرُجُوا بِنَا إلى هَذَا الَذِي جَعَلَهُ الله طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ منه، ونَحْمَدَ اللهَ عَلَيْهِ".

وأخبرني من لا أتَّهم عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيلُ ذهب بأصحابه إليه، وقال: ما كان لِيجيء منْ مجيئه أحدٌ إلا تمسَّحنا به.

وكان ﷺ إذا رأى الغيمَ والريح، عُرِفَ ذلك في وجهه، فأقبل وأدبر، فإذا أمطرت، سُرِّيَ عنه، وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب. قال الشافعي: وروي عن سالم بنِ عبد الله عن أبيه مرفوعًا أنه كان إذا استسقى قال: "اللهُم اسقِنَا غيثًا مُغيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا غَدَقًا مُجلِّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دائمًا، اللهُم اسقِنَا الغَيْثَ، ولا تجعلنا من القَانِطين، اللهم إن بِالعبادِ والبِلادِ والبهائِم والخلق مِن اللأواءِ والجهد والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلَّا إليك، اللهم أَنْبِتْ لنا الزَّرَعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسقِنا مِن بركات السماء، وأنبِتْ لنا مِن بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجَهْدَ والجُوعَ والعُريَ، واكشفْ عنا مِن البلاء ما لا يكشِفُه غيرُك، اللهم إنا نستغفِرك، إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مِدرارًا".

قال الشافعي رحمه الله: وأحبُّ أن يدعوَ الإِمام بهذا، قال: وبلغني أن النبي ﷺ كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه وبلغنا أن النبي ﷺ كان يتمطَّر في أول مطرة حتى يصيبَ جسده. قال: وبلغني أن بعض أصحاب النبي ﷺ كان إذا أصبح وقد مُطِرَ الناس، قال: مُطِرنا بنَوءِ الفَتح، ثم يقرأ: { ما يَفتحَ اللهُ لِلنَّاس من رَحْمَةٍ فلا ممسِكَ لَهَا } [106].

قال: وأخبرني من لا أتهم عن عبد العزيز بن عمر، عن مكحول عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "اطلبُوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول الغيث ".

وقد حَفظْتُ عن غير واحد طلبَ الإِجابة غد: نزول الغيث، وإقامة الصلاة. قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ "الدعاء لا يُرَدُّ عنِدَ النداءِ، وَعِنْدَ البَأس، وتَحْتَ المَطَرِ". وروينا عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "تُفتَحُ أبوابُ السماء، ويُستجابُ الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصُّفوف، وعِندَ نُزُول الغَيْث، وعندَ إقَامَة الصَّلاةِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الكَعْبَةِ".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه[عدل]

كانت أسفاره ﷺ دائرةَ بين أربعة أسفار: سفرِه لهجرته، وسفره للجهاد وهو أكثرها، وسفرِه للعمرة، وسفرِه للحج.

وكان إذا أراد سفرًا، أقرع بين نسائه، فأيَّتُهُن خرج سهمُها، سافر بها معه، ولما حجّ، سافر بهن جميعًا.

وكان إذا سافر، خرج مِن أول النهار، وكان يستحِبُّ الخروجَ يوم الخميس، ودعا الله تبارك وتعالى أن يُبارك لأُمَّتِهِ في بُكورها. وكان إذا بعث سرية أو جيشًا، بعثهم من أول النهار، وأمرَ المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمِّروا أحدهم. ونهى أن يُسافر الرجل وحدَه، وأخبر أن الراكِبَ شَيْطَانٌ، والرَّاكِبانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاثَةُ رَكْب.

وذُكِرَ عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر "اللَهُم إلَيْك تَوَجَهْتُ، وبِكَ اعْتَصَمْت، اللهُم اكْفِني مَا أَهمَّني وَمَا لا أَهْتَم بهِ، اللهُمَّ زَوِّدْني التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلخَيْرِ أَيَنَمَا تَوَجَّهْتُ".

وكان إذا قُدِّمتَ إليه دابتُه ليركبها، يقول: "بسم الله حين يضع رجله في الرِّكاب، وإذا استوى على ظهرها، قال: الحمدُ لله الَذي سَخَّرَ لَنَا هَذا وَمَا كُنَّا لَهُ بمقْرِنينَ وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لمنْقَلِبونَ، ثُمَّ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الحَمد لِلَّهِ، الحَمْدُ لِلَّهِ، ثم يقول: الله أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكبر، ثم يقولٌ: سُبْحَانَكَ إِنَيّ ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغفِرِ لِي إِنَّه لا يَغْفر الذُنُوبَ إِلَّا أَنتَ " وكان يقول: " اللهم إنَّا نَسْألُكَ في سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُم هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرَنَا هذا، وَاطْوِ عَنَّا بُغدَهُ، اللهم أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ في الأَهْلِ، اللَهُمَّ إنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِن وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المنقَلَبِ، وَسوءِ المَنْظَرِ في الأَهلِ وَالمَالِ" وإذا رجع، قالهن، وزاد فيهن: "آيبون تَائِبُونَ عَابِدُون لِرَبِّنَا حَامِدُون".

وكان هو وأصحابُه إذا عَلوا الثنايا، كبَّروا، وإذا هبطوا الأودية، سبَحوا.

وكان إذا أشرف على قرية يُريد دخولَها يقولُ "اللهُمًّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرضين السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وما أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَما ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هذِه القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِهَا، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا".

وذكر عنه أنه كان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أسأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ القَرْيَة وَخَيْرِ مَا جَمَعْتَ فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشرِّ مَا جَمَعْتَ فِيهَا، اللهُمّ ارزُقْنَا جَنَاهَا، وَأَعِذْنَا مِنْ وَبَاهَا، وَحَبِّبْنَا إِلَى أَهْلِهَا، وَحَبِّب صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا".

وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقصُرُ في السفر ويتِمُّ ويُفْطِرُ ويَصُومُ، فلا يَصحّ. وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ. انتهى، وقد روي: كان يقصرُ وتتم، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك يُفطر ويَصوم، أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين لِتُخالف رسول الله ﷺ وجميعَ أصحابه، فتصليَ خلاف صلاتهم، كيف والصحيح عنها أنها قالت إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، زِيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر فكيف يُظن بها مع ذلك أن تُصليَ بخلاف صلاة النبي ﷺ والمسلمين معه.

قلت: وقد أتمَّت عائشةُ بعد موت النبي ﷺ، قال ابن عباس وغيره: إنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان وإن النبي ﷺ كان يقصر دائمًا، فركب بعضُ الرواة من الحديثين حديثًا، وقال: فكان رسول ﷺ يقصر وتُتم هي، فغلط بعضُ الرواة، فقال: كان يقصُرُ ويُتِمُّ، أي: هو.

والتأويل الذي تأولته قد اختُلِف فيه، فقيل: ظنت أن القصر مشروط بالخوف في السفر، فإذا زال الخوف، زال سكبُ القصر، وهذا التأويل غيرُ صحيح، فإن النبي ﷺ سافر آمِنًا وكان يقصرُ الصلاة، والآية قد أشكلت على عُمر وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله ﷺ، فأجابه بالشِّفاء وأن هذا صَدَقَة مِنَ اللهِ وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غيرُ مراد، وأن الجناح مرتفعٌ في قصر الصلاة عن الآمِن والخائف، وغايتُه أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له، وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصرَ الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوفِ، فإذا وُجدَ الأمرانِ، أبيحَ القصران، فيُصلُون صلاةَ الخوف مقصورة عددُها وأركانُها، وإن انتفى الأمرانِ، فكانوا آمنين مقيمين، انتفى القصران، فتصلُّون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِدَ أحدُ السببين، ترتب عليه قصرُه وحدَه، فإذا وُجِدَ الخوف والإِقامة، قُصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفرُ والأمن، قُصِرَ العدد واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصْرٍ، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية، والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني يدل عليه كلام الصحابة، كعائشة وابن عباس وغيرهما، قالت عائشة: فُرِضَتِ الصلاةُ ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّتْ صلاة السفر. فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غيرُ مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرضَ اللهُ الصَّلاة على لِسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة متفق على حديث عائشة، وانفرد مسلم بحديث ابن عباس وقال عمر رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان محمد، وقد خاب من افترى. وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه، وهو الذي سأل النبي ﷺ: ما بالُنا نقصُر وقد أمِنَّا؟ فقال له رسولُ الله ﷺ: "صدَقَةٌ تَصَدَّقَ بهَا اللهُ عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلوا صَدَقَتَهُ".

ولا تناقضَ بين حديثيه، فإن النبي ﷺ لما أجابه بأن هذه صدقةُ الله عليكم، ودِينُه اليسر السمح، علم عمرُ أنه ليس المرادُ من الآية قصرَ العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان، تمامٌ غير قصر. وعلى هذا، فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء المصلي، فعله، وإن شاء أتم.

وكان رسول الله ﷺ يُواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يُربِّع قطُّ إلا شيئًا فعله في بعض صلاة الخوف، كما سنذكره هناك، ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى.

وقال أنس: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يُصلي ركعتين ركعتين حتى رجَعْنَا إلى المدينة. متفق عليه.

ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمانَ بن عفان صلَّى بمِنى أربعَ ركعات قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجِعون، صليتُ مع رسول الله ﷺ بمِنى ركعتين وصليتُ مع أبي بكر بمِنى ركعتين، وصليتُ مع عمر بن الخطاب بِمنى ركعتين، فليت حظي مِن أربع رَكعاتٍ ركْعَتَانِ متقبَّلتَانِ. متفق عليه. ولم يكن ابنُ مسعود لِيسترجع مِن فعل عثمان أحد الجائزين المخيَّرِ بينهما، بل الأولى على قول، وإنما استرجع لما شاهده مِن مداومة النبي ﷺ وخُلفائه على صلاة ركعتين في السفر.

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صحبتُ رسول الله ﷺ، فكان في السفر لا يَزيد على ركعتين، وأبا بكر وعُمَر وعُثمان يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته، وكان ذلك أحدَ الأسباب التي أُنكِرت عليه. وقد خرج لفعله تأويلات:

أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجُوا تلك السنة، فأراد أن يُعلِّمَهم أن فرضَ الصلاة أربع، لئلا يتوهَّموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورُدَّ هذا التأويلُ بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ﷺ، فكانوا حديثي عهد بالإِسلام، والعهدُ بالصلاة قريبٌ، ومع هذا، فلم يُربِّعْ بهم النبي ﷺ.

التأويل الثاني: أنه كان إمامًا للناس، والإِمام حيث نزل، فهو عمله ومحل ولايته، فكأنه وطنه، ورُدَّ هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإِطلاق رسول الله ﷺ كان هو أولى بذلك، وكان هو الإِمامَ المطلق، ولم يُربِّع.

التأويل الثالث أن مِنى كانت قد بُنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده، ولم يكن ذلك في عهد رسول الله ﷺ بل كانت فضاءً، ولهذا قيل له: يا رسول الله ألا نبني لك بمِنى بيتًا يُظِلُكَ مِن الحر؟ فقال: "لا منى مُنَاخُ مَنْ سَبَق". فتأوَّل عثمانُ أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويلُ بأن النبي ﷺ أقام بمكة عشرًا يقصُر الصلاة.

التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثًا، وقد قال النبي ﷺ: "يُقيمُ المُهَاجر بَعْدَ قَضَاءِ نسُكِهِ ثَلاثًا" فسماه مقيمًا، والمقيم غيرُ مسافر، ورُدَّ هذا التأويلُ بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإِقامة التي هي قسيم السفر، وقد أقام ﷺ بمكة عشرًا يقصُر الصلاة، وأقام بمِنى بعد نسُكه أيامَ الجمار الثلاث يقصُرُ الصَّلاة.

التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإِقامة والاستيطان بمِنى، واتخاذِها دارَ الخلافة، فلهذا أتم، ثم بدا له أن يَرجع إلى المدينة، وهذا التأويل أيضًا مما لا يقوى، فإن عثمانَ رضي الله عنه من المهاجرين الأولين، وقد مَنع ﷺ المهاجرين من الإِقامة بمكة بعد نسكهم، ورخَّص لهم فيها ثلاثة أيام فقط، فلم يكن عُثمانُ لِيقيم بها، وقد منع النبيُّ ﷺ من ذلك، وإنما رخَص فيها ثلاثًا وذلك لأنهم تركوها للّه، وما تُرِكَ للّه، فإنه لا يُعاد فيه، ولا يُسترجع، ولهذا منع النبي ﷺ مِن شراء المتصدِّق لصدقته، وقال لعمر: "لا تَشتَرِهَا، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ". فجعله عائدًا في صدقته مع أخذها بالثمن.

التأويل السادس: أنه كان قد تأهَّل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ويُروى في ذلك حديث مرفوع، عن النبي ﷺ. فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن ابن أبي ذُباب، عن أبيه قال: صلى عثمان بأهل مِنى أربعًا وقال: يا أيُّها الناسُ! لما قَدِمتُ تأهَّلت بها، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا تَأهَّل الرَّجُل بِبَلْدَةٍ، فإنَّه يُصَلِّي بها صلاةَ مُقيم ". رواه الإِمام أحمد رحمه الله في مسنده وعبد الله بن الزبير الحُميدي في مسنده أيضًا، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم. قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في "تاريخه" ولم يطعن فيه، وعادتُه ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج، لزمه الإِتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتُذِر به عن عثمان.

وقد اعتُذِرَ عن عائشة أنها كانت أمَّ المؤمنين، فحيث نزلت كان وطنها، وهو أيضًا اعتذار ضعيف، فإن النبي ﷺ أبو المؤمنين أيضًا، وأمومة أزواجه فرع عن أبوته، ولم يكن يُتم لهذا السبب. وقد روى هشام بن عُروة، عن أبيه، أنها كانت تُصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين، فقالت: يا ابن أختي! إنه لا يشق عليَّ.

قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرضُ المسافر ركعتين، لما أتمها عثمان، ولا عائشة، ولا ابنُ مسعود، ولم يَجُزْ أن يُتمها مسافر مع مقيم، وقد قالت عائشة: كلُّ ذلك قد فعل رسول الله ﷺ، أتم وقصر، ثم روى عن إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كُلّ ذلك فعل النبي ﷺ، قصر الصلاة في السفر وأتم.

قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد، عن عطاء، وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة، أن النبي ﷺ، كان يقصرُ في الصلاةِ ويتم، ويُفطر، ويصوم.

قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري، عن عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة، أنها اعتمرت مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قَدِمت مكة، قالت: يا رسول الله بأبي أنتَ وأمي، قصرتَ وأتممت، وصمتَ وأفطرتُ. قال: "أحسنتِ يا عائشة".

وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذبٌ على عائشة، ولم تكن عائشة لتُصلي بخلاف صلاة رسول الله ﷺ وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصُرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: فُرِضتِ الصلاةُ ركعتين ركعتين، فَزِيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر. فكيف يُظن أنها تزيد على ما فرض الله، وتُخالف رسول الله ﷺ وأصحابه.

قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك: فما شأنها كانت تُتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما أول عثمان. فإذا كان النبي ﷺ قد حسَّن فِعلها وأقرَّها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يُضاف إتمامُها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله ﷺ لم يكن يَزيدُ في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر ولا عمر. أفيُظَنُّ بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم، وهي تراهم يقصُرون؟ وأما بعد موته ﷺ، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلًا، والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم. وقد قال أميةُ بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابنُ عمر: يا أخي إن الله بعث محمدًا ﷺ، ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ يفعل. وقد قال أنس: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فكان يُصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعنا إلى المدينة. وقال ابن عمر: صحبتُ رسولَ الله ﷺ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهذه كلّها أحاديثُ صحيحة.

فصل

وكان من هديه ﷺ في سفره الاقتصارُ على الفرض، ولم يُحفظ عنه أنه صلى سُنة الصلاة قبلَها ولا بعدَها، إلا ما كان من الوِتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حَضرًا، ولا سفرًا. قال ابنُ عمر وقد سئل عن ذلَك: فقال: صحبتُ النبي ﷺ، فلم أره يُسبِّح في السفر، وقال الله عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [107]، ومراده بالتسبيح: السنة الراتبة، وإلا فقد صحّ عنه ﷺ، أنه كان يُسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي الصحيحين، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي في السفر على راحلته حيثُ توجهت، يُومئ إيماءً صلاةَ الليل، إلا الفرائضَ ويُوتر على راحلته.

قال الشافعي رحمه الله: وثبت عن النبي ﷺ، أنه كان يتنفل ليلًا، وهو يقصُر، وفي الصحيحين: عن عامر بن ربيعة، أنه رأى النبي ﷺ يُصلي السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته فهذا قيام الليل.

وسئل الإمام أحمد رحمه الله، عن التطوع في السفر؟ فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأسٌ، ورُوي عن الحسن قال: كان أصحابُ رسول الله ﷺ يُسافرون، فيتطوَّعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي هذا عن عمر، وعلي، وابنِ مسعود، وجابرٍ، وأنس، وابنِ عباس، وأبي ذر.

وأما ابنُ عمر، فكان لا يتطوَّع قبلَ الفريضة ولا بعدَهَا، إلا مِن جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي بطلى ﷺ أنه كان لا يُصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئًا، ولكن لم يكن يمنعُ من التطوع قبلها ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتِبة للصلاة، كسنة صلاة الإِقامة.

ويؤيد هذا أن الرباعية قد خُففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان الإِتمام أولى به، ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو كنت مسبِّحًا، لأتممتُ، وقد ثبت عنه ﷺ، أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضُحى، وهو إذ ذاك مسافر. وأما ما رواه أبو داود والترمذي في السنن، من حديث الليث، عن صفوان بن سليم، عن أبي بُسرة الغفاري، عن البراء بن عازب، قال: سافرتُ مع رسول الله ﷺ ثمانيةَ عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين غد زَيْغِ الشمس قبل الظهر. قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وسألت محمدًا عنه، فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه حسنًا. وبسرة: بالباء الموحدة المضمومة، وسكون السين المهملة.

وأما حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان لا يدعُ أربعًا قبل الظهر، وركعتينِ بعدها، فرواه البخاري في صحيحه ولكنه ليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإِقامة، والرجال أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين، ولم يكن ابن عمر يصلي قبلها ولا بعدها شيئًا. والله أعلم.

فصل

وكان من هديه ﷺ صلاةُ التطوع على راحلته حيث توجَّهت به، وكان يُومئ إيماءً برأسه في ركوعه، وسجوده، وسجودُه أخفضُ مِن ركوعه، وروى أحمد وأبو داود عنه، مِن حديث أنس، أنه كان يستقبِل بناقته القِبلَة عند تكبيرة الافتتاح، ثم تصلي سائرَ الصلاة حيث توجَّهت به. وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته، أطلقوا أنه كان يُصلي عليها قِبَلَ أيِّ جهة توجَّهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإِحرام ولا غيرَها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأحاديثُهم أصحُ مِن حديث أنس هذا، والله أعلم. وصلى على الراحلة، وعلى الحمار إن صح عنه، وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر.

وصلى الفرضَ بهم على الرواحل لأجل المطر والطين إن صح الخبرُ بذلك، وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو وأصحابُه وهو على راحلته، والسَّماء مِن فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلَ منهم، فحضرتُ الصلاةُ، فأمر المؤذِّن فأذن، وأقام، ثم تقدَم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومي إيماءً، فجعل السجود أخفضَ من الركوع.

قال الترمذي: حديث غريب، تفرد به عمر بن الرماح، وثبت ذلك عن أنس من فعله.

فصل

وكان من هديه ﷺ، أنه إذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمسُ، أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زالت الشمسُ قبل أن يَرتَحِلَ، صلَّى الظهر، ثم ركب. وكان إذا أعجله السيرُ، أخَّر المغربَ حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء. وقد رُوي عنه في غزوة تبوك، أنه كان إذا زاغت الشمسُ قبل أن يرتحِل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، فيصليهما جميعًا، وكذلك في المغرب والعشاء، لكن اختلف في هذا الحديث، فمن مصحح له، ومن محسن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعًا كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمي بعلّة عجيبة، قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بنُ سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزِيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، ويُصليَهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخَّر المغرب حتى يُصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجل العشاء فصلها مع المغرب. قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإِسناد والمتن، ثم لا نعرِف له علة نُعله بها. فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث. ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولًا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ. وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قُتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامةُ أحمد بن حنبل، وعليَ بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّبًا من إسناده ومتنه، ثم لَمْ يَبلُغْنَا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث عِلَّة، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون، ثم ذكر بإسناده إلى البخاري. قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث على الشيوخ.

قلت: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غيرُ مسلَّم، فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ فذكره، فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قُتيبة صرح بالسماع فقال: حدثنا ولم يعنعن، فكيف يُقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة، والحفظ، والثقة، والعدالة. وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، أن رسول الله ﷺ: "كان إذا كان في سفر، فزالت الشمسُ، صلَّى الظهر والعصر، ثم ارتحل". وهذا إسناد كما ترى، وشبابة: هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في صحيحه عن الليث بن سعد بهذا الإِسناد، على شرط الشيخين، وأقلُّ درجاته أن يكون مقويًا لحديث معاذ، وأصله في الصحيحين لكن ليس فيه جمعُ التقديم. ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد للّه، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ في الجمع والتقديم، ولفظه: عن حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبي ﷺ في السفر؟ كان إذا زالتِ الشمس وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل أن تزول الشمس، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر، قال: وأحْسِبُه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك، ورواه الشافعي من حديث ابن أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغًا عن حسين.

قال البيهقي: هكذا رواه الأكابر، هشام بن عروة وغيره، عن حسين بن عبد الله. ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب كلاهما عن ابن عباس، ورواه أيوب عن أبي قِلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا مرفوعًا.

وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كريب عن ابن عباس، قال: كان رسولي الله ﷺ إذا جدَّ به السير، فراح قبل أن تَزيغ الشمسُ، ركِب فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُحْ حتى تزِيغ الشمس، جمع بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاةُ المغرب، جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء.

قال أبو العباس بن سريج: روى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يخض إذا لم يرتحِلْ حتى تزيغ الشمس، صلَّى الظهر والعصر جميعًا، فإذا لم تَزِغْ، أخَرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر.

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعُه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بِلا مشقة، فالجمعُ كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى.

قال الشافعي: وكان أرفقَ به يوم عرفة تقديمُ العصر لأن يتَّصِلَ له الدعاءُ، فلا يقطعه بصلاة العصر، وأرفق بالمزدلفة أن يتصلَ له المسير، ولا يقطعه بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم.

فصل

ولم يكن مِن هديه ﷺ الجمعُ راكبًا في سفره، كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضًا، وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السير، وإذا سار عقيبَ الصلاة، كما ذكرنا في قصة تبوك، وأما جمعه وهو نازل غيرُ مسافر، فلم يُنقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا، ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة، وجعله من تمام النسك، ولا تأثير للسفر عنده فيه. وأحمد، ومالك، والشافعي، جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل، ولم يجوزاه لأهل مكة، وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمعَ، والقصرَ بعرفة، واختارها شيخُنا وأبو الخطاب في عباداته، ثم طرَّد شيخنا هذا، وجعله أصلًا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره، كما هو مذهبُ كثير من السلف، وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصًا بأهل مكة.

ولم يحدَّ ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك[عدل]

كان له ﷺ حِزب يقرؤه، ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلًا لا هذَّا ولا عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفًا حرفًا. وكان يُقَطِّع قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمد (الرحمن) ويمد (الرحيم)، وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، فيقول: "أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَجِيم"، ورُبَّما كان يقول: "اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم من هَمْزِهِ ونَفْخِهِ، ونَفثِهِ ". وكان تعوّذُه قبلَ القراءة.

وكان يُحبُّ أن يسمع القرانَ مِن غيره، وأمر عبد الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع. وخَشَع ﷺ لسماع القران مِنه، حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ القران قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا ومتوضئًا، ومُحْدِثًا،

ولم يكن يمنعه من قِراءته إلا الجنابة.

وكان ﷺ يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحيانًا كما رجَّع يوم الفتح في قراءته { إنَّا فتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [108]. وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجِيعَه، آ ا آ ثلاث مرات، ذكره البخاري.

وإذا جمعت هذه الأحاديثَ إلى قوله: "زَيِّنُوا القُرآن بأصْواتِكُم". وقوله: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآن ". وقوله: "ما أَذِنَ اللهُ لِشَيء، كأَذَنِهِ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْان". علمت أن هذا الترجيعَ منه ﷺ، كان اختيارًا لا اضطرارًا لهزِّ الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة، لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبدُ الله بن مغفَّل يحكيه ويفعلُه اختيارًا لِيُؤتسى به، وهو يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوتُه، ثم يقول كان يُرجِّعُ في قراءته، فنسب التَّرجيع إلى فعله. ولو كان مِن هزِّ الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعًا.

وقد استمع ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك، قال: لوْ كنتُ أعلم أنك تسمعه، لحبَّرْته لَكَ تَحْبِيرًا. أي: حسَّنته وزيَّنته بصوتي تزيينًا، وروى أبو داود في سننه عن عبد الجبار بن الورد، قال. سمعتُ ابنَ أبي مُليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لُبابة، فاتَّبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة، فسمعتُه يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرانِ". قال: فقلت لابن أبي مُليكة: يا أبا محمد! أرأيتَ إذا لم يكن حسنَ الصوت؟ قال: يُحسِّنُه ما استطاع.

قلت: لا بد من كشف هذه المسألة، وذكر اختلافِ الناس فيها، واحتجاج كلِّ فريق، وما لهم وعليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك بحول الله تبارك وتعالى ومعونته، فقالت طائفة: تكره قراءة الألحان، وممن نص على ذلك أحمد ومالكٌ وغيرهما، فقال أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان: ما تعجبُني وهو محْدَث. وقال في رواية المروَزي: القراءةُ بالألحان بدعة لا تسمع، وقال في رواية عبد الرحمن المتطبب: قراءةُ الألحان بدعة، وقال في رواية ابنه عبد الله، ويوسف بن موسى، ويعقوب بن بختان، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: القراءةُ بالألحان لا تُعجبني إلا أن يكون ذلك حُزنًا، فيقرأ بحزن مثلَ صوت أبي موسى، وقال في رواية صالح: "زَيِّنُوا القُرْانَ بِأصْوَاتِكُم "، معناه: أن يُحسِّنه، وقال في رواية المروَزي: "ما أذِن الله لشيء كأذَنِهِ لنبي حسن الصوت أن يتغنَّى بالقرآن" وفي رواية قوله: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"، فقال: كان ابنُ عيينة يقول: يستغني به. وقال الشافعي: يرفع صوته، وذكر له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان، وأنكر الأحاديثَ التي يُحتج بها في الرخصة في الألحان.

وروى ابن القاسم، عن مالك، أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا تُعجبني، وقال: إنما هو غناءٌ يتغنَّون به، ليأخذوا عليه الدراهم، وممن رُويت عنه الكراهةُ، أنس بن مالك، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي. وقال عبد الله بن يزيد العكبري: سمعت رجلًا يسأل أحمد، ما تقولُ في القراءة بالألحان؟ فقال ما اسمك؟ قال محمد: قال: أيسرك أن يقال لك: يا موحمد ممدودًا، قال القاضي أبو يعلى: هذه مبالغة في الكراهة. وقال الحسن بنُ عبد العزيز الجَرَوي: أوصى إليَّ رجل بوصية، وكان فيما خلَّف جارية تقرأ بالألحان، وكانت أكثَر تَرِكته أو عامتها، فسألتُ أحمد بن حنبل والحارث بن مسكين، وأبا عُبيد، كيف أبيعُها؟ فقالوا: بعها ساذجةً، فأخبرتُهم بما في بيعها من النقصان، فقالوا: بعها ساذَجة، قال القاضي: وإنما قالوا ذلك، لأن سماع ذلك منها مكروه، فلا يجوز أن يُعاوض عليه كالغناء.

قال ابن بطال: وقالت طائفة: التغنِّي بالقران، هو تحسينُ الصوت به، والترجعُ بقراءته، قال: والتغني بما شاء مِن الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك، والنضرِ بن شُميل، قال: وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر الطبري، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يقول لأبي موسى: ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، وقال: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غِناء أبي موسى، فليفعل، وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقران، فقال له عمر: اعرض عليَّ سورة كذا، فعَرض عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنتُ أظن أنها نزلت، قال: وأجازه ابن عباس، وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح، قال: وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، يتتبَع الصوتَ الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القران بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان، وهذا اختيارُ ابن جرير الطبري.

قال المجوِّزون - واللفظ لابن جرير-: الدليلُ: على أن معنى الحديث تحسينُ الصوت، والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامعَ قراءته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناءُ المعقولُ الذي يُطرب سامعه -: ما روى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ، قال: "مَا أذنَ اللهُ لشيء مَا أذنَ لنبيٍّ حسن التَّرنُّم بالقُرْآن" ومعقول عند ذوي الحِجا، أنَ الترنُّم لا يكًون إلا بالَصوت إذا حسَّنه المترنم وطرَّب به. وروي في هذا الحديث "ما أذِنَ الله لشيء ما أذن لنبي حسنِ الصوت يتغنى بالقران يجهرُ به". قال الطبري: وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا، قال: ولو كان كما قال ابنُ عيينة، يعني: يستغني به عن غيره، لم يكن لذكر حُسن الصوت والجهر به معنى، والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسنُ الصوت بالترجيع، قال الشاعر:

تَغَنَ بِالشِّعْرِ إمَّا كُنْتَ قَائِلَه ** إنَّ الغِنَاءَ لِهَذا الشِّعرِ مِضْمَارُ

قال: وأما ادعاء الزاعم، أن تغنّيتَ بمعنى استغنيت فاشٍ في كلام العرب، فلم نعلم أحدًا قال به من أهل العلم بكلام العرب. وأما احتجاجُه لتصحيح قوله بقولِ الأعشى:

وكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بالعِرَاق ** عَفِيفَ المُنَاخِ طويلَ التَّغَنْ

وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني: طويل الاستغناء، فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإِقامة من قول العرب: غني فلان بمكان كذا إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: { كأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } [109] واستشهاده بقول الآخر:

كِلانا غَنِيُّ عَنْ أخِيهِ حَيَاتَهُ ** وَنَحْنُ إذا مِتْنا أَشَدُ تَغَانِيا

فإنه إغفال منه، وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنَّى: إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه، وتشاتما، وتقاتلا. ومن قال: هذا في فعل اثنين، لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضارب عمرو، وذلك غيرُ جائز أن يقول: تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء، وهو غير مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان: إذا أظهر جَلَدا من نفسه، وهو غير جليد، وتشجَّع، وتكرَّم، فإن وجَّه موجِّه التغنِّي بالقرآن إلى هذا المعنى على بُعده من مفهوم كلام العرب، كانت المُصيبة في خطئه في ذلك أعظمَ، لأنه يُوجب على من تأوله أن يكون الله تعالى ذِكرُه لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِنَ له أن يُظهر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فسادُه. قال: ومما يُبين فسادَ تأويل ابن عُيينة أيضًا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن مِن المحال أن يُوصف أحد به أنه تؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الأذن غد ابن عيينة بمعنى الإِذن الذي هو إطلاق وإباحة، وإن كان كذلك، فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإن الأذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذَن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى: { وأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } [110]، بمعنى سمِعت لربها وحُقَّ لها ذلك، كما قال عدى بن زيد:

إنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وأذَن.

بمعنى، في سماع واستماع. فمعنى قوله: ما أذن الله لشيء، إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. وأما الإِحالة في المعنى، فلأن الاستغناء بالقُرْآن عن الناس غيرُ جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له، انتهى كلام الطبري.

قال أبو الحسن بن بطال: وقد وقع الإِشكال في هذه المسألة أيضًا، بما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني موسى بن عليّ بن رباح، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعَلَّموا القُرْآنَ وتَغَنَّوا بِهِ، واكتبوه، فَوالذي نَفسي بِيَدِهِ، لَهوَ أَشَدُّ تَفَصِّيا مِنَ المَخَاضِ مِنَ العقُلِ". قال: وذكر عمر بن شَبَّة، قال: ذكر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن عيينة في قوله "يتغنّيَ بالقرآن" يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا، حدثنا ابنُ جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عُمير، قال: كانت لداود نبيِّ الله ﷺ مِعزَفَةٌ يتغنَّى عليها يَبكي ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، تكون فيهن، ويقرأ قراءة يَطْرَبُ منها الجموعُ. وسئل الشافعي رحمه الله، عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلمُ بهذا، لو أراد به الاستغناء، لقال: "من لم يستغن بالقُرآن"، ولكن لما قال: "يتغنَّى بالقرآن"، علمنا أنه أراد به التغنِّي.

قالوا: ولأن تزيينه، وتحسين الصوت به، والتطريب بقراءته أوقعُ في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإِصغاء إليه، ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع، ومعانيه إلى القلوب، وذلك عونٌ على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعل في الطعام، لتكون الطبيعة أدعى له قبولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحكِّي، وتجمُّل المرأة لبعلها، ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كل محرَّم ومكروه بما هو خيرٌ لها منه، وكما عوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محضُ التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القِمار بالمُراهنة بالنِّصال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جدًا.

قالوا: والمحرَّم، لا بد أن يشتمِل على مفسدة راجحة، أو خالصة، وقراءة التطريب والألحان لا تتضمن شيئًا مِن ذلك، فإنها لا تُخرِجُ الكلام عن وضعه، ولا تَحولُ بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمِّنة لزيادة الحروف كما ظن المانع منها، لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يدر ما معناها، والواقعُ بخلاف ذلك.

قالوا: وهذا التطريب والتلحين، أمر راجع إلى كيفية الأداء، وتارة يكون سليقة وطبيعة، وتارة يكون تكلُّفًا وتعقُلًا، وكيفيات الأداء لا تخرِجُ الكلام عن وضع مفرداته، بل هي صِفات لصوت المؤدِّي، جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه وإمالته، وجارية مجرى مدود القرَّاء الطويلة والمتوسطة، لكن تلك الكيفيات متعلقة بالحروف، وكيفيات الألحان والتطريب، متعلقة بالأصوات، والآثار في هذه الكيفيات، لا يمكن نقلُها، بخلاف كيفيات أداء الحروف، فلهذا نُقلت تلك بألفاظها، ولم يمكن نقل هذه بألفاظها، بل نقل منها ما أمكن نقله، كترجيع النبي ﷺ في سورة الفتح بقوله: "آ آ آ". قالوا: والتطريب والتلحين راجع إلى أمرين: مدٍ وترجيع، وقد ثبت عن النبي ﷺ، أنه كان يمد صوته بالقراءة يمد "الرحمن" ويمد "الرَّحيم"، وثبت عنه الترجيع كما تقدم.

قال المانعون من ذلك: الحجة لنا من وجوه. أحدها: ما رواه حُذيفة بن اليمان، عن النبي ﷺ: "إقرؤوا القُرْآن بِلحُونِ العَرَبِ وأصْوَاتِها، وإيَاكُم وَلُحُونَ أَهْلِ الكِتَابِ وَالفِسْق، فإنَّهُ سَيَجيء في مِنْ بَعْدِي أَقوَامٌ يُرَجِّعُونَ بِالقُرْآنِ تَرْجِيعَ الغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهم، مَفتُونَةً قُلُوبُهُم، وَقُلُوبُ الَذِينَ يُعْجِبُهُم شَأْنُهُم" رواه أبو الحسن رَزِينّ في "تجريد الصحاح" ورواه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول". واحتج به القاضي أبو يعلى في الجامع، واحتج معه بحديث آخر، أنه ﷺ ذكر شرائطَ الساعة، وذكر أشياء، منها: "أن يُتخذ القرآنُ مَزاميرَ، يُقدِّمونَ أَحَدَهُم لَيْسَ بِأَقْرَئِهِم وَلا أَفْضَلِهِم ما يُقَدِّمُونَهُ إلا لِيُغَنِّيَهُم غِنَاءً".

قالوا: وقد جاء زياد النهدي إلى أنس رضي الله عنه مع القراء، فقيل له: إقرأ، فرفع صوته وطرَّب، وكان رفيعَ الصوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خِرقة سوداء، وقال: يا هذا! ما هكذا كانوا يفعلون، وكان إذا رأى شيئًا يُنكره، رفع الخِرقة عن وجهه. قالوا: وقد منع النبيُّ ﷺ المؤذِّن المُطَرِّبَ في أذانه من التطريب، كما روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذِّن يطرِّب، فقال النبيُّ ﷺ: "إنَّ الأذان سَهْلِّ سمح.، فإن كان أَذَانُكَ سَهْلا سَمْحًا، وإلَّا فَلا تُؤذِّن" رواه الدارقطني وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: كانت قراءةُ رسول الله ﷺ المدَّ، ليس فيها ترجيع. قالوا: والترجيع والتطريب يتضمن همزَ ما ليس بمهموز، ومدَّ ما ليس بممدود، وترجيعَ الألف الواحد ألفات، والواوَ واوات، والياء ياءاتٍ، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القران، وذلك غير جائز، قالوا: ولا حدَّ لما يجوز من ذلك، وما لا يجوز منه، فإن حُدَّ بحدٍّ معيَّنٍ، كان تحكُّمًا في كتاب الله تعالى ودِينه، وإن لم يُحَدَّ بحدٍّ، أفض إلى أن يُطلق لفاعله ترديدُ الأصوات، وكثرةُ الترجيعات، والتنويعُ في أصناف الإِيقاعات والألحان المشبِهة للغناء، كما يفعل أهلُ الغناء بالأبيات، وكما يفعله كثير من القُرَّاء أمام الجنائز، ويفعلُه كثيرٌ مِن قراء الأصوات، مما يتضمن تغييرَ كتاب الله والغِناء به على نحو ألحان الشعر والغناء، ويُوقعون الإِيقاعات عليه مثل الغناء سواء، اجتراءً على الله وكتابه، وتلاعبًا بالقرآن، وركونًا إلى تزيين الشيطان، ولا يجيز ذلك أحدٌ من علماء الإِسلام، ومعلوم: أن التطريبَ والتلحين ذريعةٌ مُفضية إلى هذا إفضاءً قريبًا، فالمنع منه، كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام، فهذا نهايةُ اقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين.

وفصل النزاع، أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين، أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خُلّي وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه بفضلِ تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ: "لَو علمتُ أنّكَ تَسمَع لَحَبَّرْتُه لَكَ تحبِيرًا" والحزين ومَن هاجه الطرب، والحبُ والشوق لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوسَ تقبلُه وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكَلفٌ لا متكلَف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامعُ، وعلى هذا الوجه تُحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.

الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصُل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلم أصوات الغِناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزانٍ مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلُم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلفُ، وعابوها، وذمّوها، ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباهُ، ويتبين الصوابُ من غيره، وكلُّ من له علم بأحوال السلف، يعلم قطعًا أنهم بُرآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى للّه من أن يقرؤوا بها، ويُسوّغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتَهم بالقرآن، ويقرؤونه بِشجىً تارة، وبِطَربِ تارة، وبِشوْق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: "لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقرآنِ " وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلُّنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته ﷺ.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى[عدل]

كان ﷺ يعودُ مَنْ مَرِضَ من أصحابه، وعاد غلامًا كان يَخدِمه مِن أهل الكتاب، وعاد عمَّه وهو مشرك، وعرض عليهما الإِسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلم عمُّه.

وكان يدنو من المريض، ويجلِسُ عند رأسه، ويسألُه عن حاله، فيقول: كيف تجدُك؟

وذكر أنه كان يسأل المريضَ عما يشتهيه، فيقول: "هَل تَشْتَهِي شَيئًا"؟ فإن اشتهى شيئًا وعلِم أنه لا يضرّه، أمر له به. وكان يمسح بيده اليُمنى على المريض، ويقول: " اللهُمَّ رَبَّ النَّاس، أَذْهِبِ البأْسَ، واشْفِه أَنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلا شِفاؤكَ، شِفاءً لا يُغادر سَقَمًا".

وكان يقول: "امسَح البَأسَ رَبَّ النَاس، بيَدكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشفَ له إلَّا أنت".

وكان يدعو للمريض ثلاثًا كما قاله لسعد: "اللهم اشْفِ سَعْدًا، اللهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللهُمَّ اشْفِ سَعْدًا".

وكان إذا دخل على المريض يقول له: " لا بَأسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ الله".

وربما كان يقول: " كَفَّارَةٌ وَطَهورٌ " وكان يَرْقِي مَن به قَرحة، أو جُرح، أو شكوى، فيضِع سبَابته بالأرض، ثم يرفعها ويقول: "بِسْمِ الله، تُرْبَةُ أرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعضِنا يُشْفى سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنا" هذا في الصحيحين، وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم لا يرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ فقوله في الحديث: "لا يرقون" غلط من الراوي، سمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول ذلك. قال: وإنما الحديث "هم الذين لا يَسْتَرْقُونَ". قلت: وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وهو سؤالُ الناس أن يرقوهم. ولهذا قال: " وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، فلكمال توكُّلهم على ربهم، وسُكونهم إليه، وثقتهم به، ورِضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به، لا يسألون الناس شيئًا، لا رُقيةً ولا غيرها، ولا يحصُلُ لهم طِيرَةٌ تصدُّهم عما يقصِدونه، فإن الطِّيَرَةَ تَنْقُصُ التوحيد وتُضْعِفُه. قال: والراقي متصدِّق مُحسن، والمسترقي سائل، والنبي ﷺ رَقَى، ولم يسترق، وقال: "مَنْ اسْتطاع منكم أَنْ يَنْفَعَ أَخاه فَلْيَنْفَعْه".

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ، كان إذا أوى إلى فراشه، جمع كفَّيه ثم نفَث فيهما، فقرأ { قل هُوَ اللهُ أَحَدٌ } [111]، و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق } [112]، و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس } [113]، ويمسح بهما ما استطاع مِن جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ما أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاث مرات قالت عائشة: فلما اشتكى رسول الله ﷺ، كان يأمرني أن أفعل ذلك به.

فالجواب: أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ. أحدها: هذا. والثاني: أنه كان ينفُث على نفسه، والثالث: قالت: كنت أنفُث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفُث، وهذه الألفاظ يُفسِّر بعضها بعضًا. وكان ﷺ ينفث على نفسه، وضعفه ووجعُه يمنعه من إمرار يده على جسده كله. فكان يأمر عائشة أن تُمر يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بجده، كما كان هو يفعل.

ولم يكن مِن هديه عليه الصلاة والسلام أن يَخُصَّ يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلًا ونهارًا، وفي سائر الأوقات. وفي المسند عنه: "إذا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسلِمَ مَشَى في خُرفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإن كَانَ غُدوَةً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإن كَانَ مَسَاءً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ". وفي لفظ "ما مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِمًا إلا بَعَثَ اللَهُ لَه سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يصَلّونَ عَلَيه أَيَّ ساعةٍ مِنَ النَّهار كانت حتَّى يُمْسِيَ، وأيَّ ساعَةٍ مِن الليلِ كانت حتَّى يُصْبِحَ ".

وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسحُ صدره وبطنه ويقول: "اللهُمَّ اشْفِهِ" وكان يمسح وجهه أيضًا. وكان إذا يئس من المريض قال: "إنا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُون".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز والصلاة عليها واتباعها ودفنها وما كان يدعو به للميت في الصلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك[عدل]

كان هديُه ﷺ في الجنائز أكملَ الهدي، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتمِلًا على الإِحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإِحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لِلَّه وحدَه فيما يُعامل به الميت. وكان مِن هديه في الجنائز إقامةُ العبوديةِ للربِّ تبارك وتعالى على أكمل الأحوال، والإِحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلِها، ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفًا يحمَدون الله ويستغفرون له، ويسألون له المغفرةَ والرحمةَ والتجاوزَ عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يُودِعُوهُ حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهدُه بالزيارة له في قبره، والسلام عليه، والدعاء له كما يتعاهدُالحيُّ صاحِبَه في دار الدنيا.

فأول ذلك: تعاهدُه في مرضه، وتذكيرُه الآخرة، وأمرُه بالوصية، والتوبة، وأمرُ مَنْ حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه، ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمِنُ بالبعث والنُّشور، مِن لطم الخدُود، وشقِّ الثياب، وحلقِ الرؤوس، ورفع الصوت بالنَّدب، والنِّياحة وتوابع ذلك.

وسَنَّ الخشوعَ للميت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحُزْنَ القلب، وكان يفعل ذلك ويقول: "تَدْمَعُ العينُ وَيَحْزَنُ القَلبُ وَلا نَقولُ إلا ما يُرضِي الرَّبَّ".

وسَنَّ لأمته الحمد والاسترجاعَ، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العين وحُزنِ القلب، ولذلك كان أرضى الخلقِ عن الله في قضائه، وأعظمهم له حَمدًا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة به، ورحمة للولد، ورِقَّة عليه، والقلبُ ممتلئ بالرَضى عن الله عز وجل وشكره، واللسانُ مشتغل بذِكره وحمده.

ولما ضاق هذا المشهدُ والجمُع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: إنَّ الله تَعالى قَضى بقَضَاءٍ، فأحْبَبتُ أن أرضى بِقَضَائِهِ، فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسولُ الله ﷺ يومَ مات ابنُه إبراهيم وهو أرضى الخلقِ عن الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هَدْيُ نبينا ﷺ كان أكمَلَ من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن الله، ولرحمة الولد، والرقَّةِ عليه، فحمِد الله، ورَضيَ عنه في قضائه، وبكى رحمةَ ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديتُه للّه، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارفُ ضاق قلبُه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنُه لشهودهما والقيامِ بهما، فَشَغَلَتْهُ عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة.

فصل

وكان من هديه ﷺ الإِسراعُ بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره، وتنظيفِه، وتطييبه، وتكفيِنه في الثياب البيض، ثم يؤتى به إليه، فيُصلِّي عليه بعد أن كان يُدعى إلى الميت عند احتضاره، فيُقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ثم يُصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره، ثم رأى الصحابةُ أن ذلك يشقُ عليه، فكانوا إذا قض الميتُ، دعوه، فحضر تجهيزه، وغسله، وتكفينَه. ثم رأوا أن ذلك يشقُّ عليه، فكانوا هم يُجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه ﷺ على سريره، فيُصلي عليه خارِج المسجد.

ولم يكن من هديه الراتب الصلاةُ عليه في المسجد، وإنما كان يُصلي على الجنازة خارج المسجد، ورُبما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد، كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد ولكن لم يكن ذلك سنتَه وعادتَه،،، فقد روى أبو داود في سننه من حديث صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ صَلَّى على جَنَازَة في المَسْجِد فَلا شَيء له ". وقد اختلف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن: في الأصل "فلا شَيءَ عَلَيْهِ" وغيرُه يرويه "فَلا شَيءَ لَهُ" وقد رواه ابن ماجه في سننه ولفظه: "فَلَيْسَ لَهُ شَيء". ولكن قد ضعف الإِمام أحمد وغيره هذا الحديث، قال الإِمام أحمد: هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وقال البيهقي: هذا حديث يعدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصح منه، وصالح مختلَف في عدالته، كان مالك يجرحه، ثم ذكر عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أنه صُلِّي عليهما في المسجد.

قلت: وصالح ثقة في نفسه، كما قال عباس الدُّوري عن ابن معين: هو ثقة في نفسه. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت له: إن مالكًا تركه، فقال: إن مالكًا أدركه بعد أن خَرِفَ، والثوري إنما أدركه بعد أن خَرِفَ، فسمع منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخرَفَ. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه خَرِفَ وكَبِرَ فسمع منه الثوري بعد الخرف وسماع ابن أبي ذئب منه قبل ذلك. وقال ابن حبان: تغير في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يُشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز، فاستحق الترك انتهى كلامه.

وهذا الحديث: حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعه منه قديم قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجبًا لرد ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا، وحديث عائشة مسلكًا آخر، فقال: صلاةُ النبي ﷺ على سُهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وترك ذلك آخر الفعلين من رسول الله ﷺ بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا لِيفعلوه إلا لما علموا خلافَ ما نقلت. ورَد ذلك على الطحاوي جماعة، منهم: البيهقي وغيره. قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة، لذكره يوم صلِّيَ على أبي بكر الصديق في المسجد، ويوم صُلِّيَ على عمر بن الخطاب في المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد، ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز، فلما روت فيه الخبر، سكتوا ولم يُنكروه، ولا عارضوه بغيره.

قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صُلِّيَ عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإِنكار الدليلُ على جوازه، قال: ويحتمِل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت، متأولًا على نقصان الأجر، وذلك أن من صلى عليها في المسجد، فالغالبُ أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجنازة، فصلى عليها بحضرة المقابر، شهد دفنه، وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خُطاه، وصار الذي يُصلي عليه في المسجد منقوصَ الأجر بالإِضافة إلى من صلي عليه خارج المسجد.

وتأولت طائفة معنى قوله: "فلا شيء له"، أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى اللفظين، ولا يتناقضان كما قال تعالى: { وإن أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [114]، أي: فعليها، فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولًا، وأن سُنَّته وهديه الصلاةُ على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم.

فصل

وكان من هديه ﷺ تسجيةُ الميت إذا مات، وتغميضُ عينيه، وتغطيةُ وجهه وبدنه، وكان رُبما يُقبِّل الميت كما قبَّل عثمانَ بن مظعون وبكى وكذلك الصِّدِّيقُ أكبَّ عليه، فقبَّله بعد موته ﷺ.

وكان يأمر بغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر بحسب ما يراه الغاسِل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة، وكان لا يُغسَل الشهَداءَ قَتلَى المعركة، وذكر الإِمام أحمد، أنه نهى عن تغسيلهم، وكان ينزع عنهم الجلودَ والحديدَ ويَدفِنُهم في ثيابهم، ولم يُصلِّ عليهم.

وكان إذا مات المُحرِمُ، أمر أن يُغسل بماء وسِدْر، ويُكفن في ثوبيه وهما ثوبا إحرامه: إزاره ورداؤه، وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه وكان يأمرمن ولي الميتَ أن يُحسن كفنه، ويُكفنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وكان إذا قصَّرَ الكفنُ عن سَتر جميع البدن، غطَّى رأسه، وجعل على رجليه من العُشب.

فصل

وكان إذا قُدِّم إليه ميت يُصلِّي عليه، سأل: هل عليه دَين، أم لا؟ فإن لم يكن عليه دَين، صلَّى عليه، وإن كان عليه دين، لم يصل عليه، وأذِن لأصحابه أن يُصلوا عليه، فإن صلاته شفاعة، وشفاعتُه موجبة، والعبد مرتَهَنٌ بدَينه، ولا يدخل الجنة حتى يُقضى عنه، فلما فتح الله عليه، كان يُصلي على المدِين، ويتحمَّل دينه، ويدع ماله لورثته.

فإذا أخذ في الصلاة عليه، كبر وحَمِدَ الله وَأَثنَى عَليْهِ، وصلى ابن عباس على جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهرًا، وقال: "لِتَعْلَمُوا أنها سُنَّة" وكذلك قال أبو أُمامة بنُ سهل: إنَّ قراءة الفاتحة في الأولى سنَّة. ويُذكر عن النبي ﷺ، أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.

ولا يصح إسناده. قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة، وذكر أبو أمامة بنُ سهل، عن جماعة من الصحابة، الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة، أنه سأل عُبادَة بنَ الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال: أنا واللهِ أُخبرُك: تبدأ فتكبِّر، ثُمَّ تُصلِّي على النبي ﷺ، وتَقُول: اللهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ فَلانًا كَانَ لا يُشْرِكُ بِك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إنْ كَانَ مُحْسِنًا، فَزِدْ في إحسَانِهِ، وإنْ كَانَ مُسِيئًا، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللهُمً لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلا تُضِلَّنَا بَعَدَهُ.

فصل

ومقصودُ الصلاة على الجنازة: هو الدعاء للميت، لذلك حفظَ عن النبي ﷺ، ونُقِلَ عنه ما لم يُنقل مِنْ قراءة الفاتِحة والصلاة عليه ﷺ.

فحُفِظَ من دعائه: "اللهُمَّ اغفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، واعَفُ عَنهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَه، وَوَسِّعْ مَدْخَلَه، واغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ مَنَ الخطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِه، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الجَنةَ، وَأَعِذْهُ.

مِن عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَارِ".

وحُفِظَ من دعائه: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبنَا، اللهُمَّ مَنْ أَحيَيْتَهُ مِنَّا، فأَحْيهِ عَلَى الإِسْلام، وَمَنْ تَوفَّيْتَهُ مِنَّا، فَتَوَفَّه عَلَى الإِيمَانِ، اللهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلا تَفتِنَّا بَعْدَهُ".

وحُفِظَ مِن دعائه: "اللهُمَّ إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ في ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مَنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّار، فأَنْتَ أَهْلُ الوَفَاءِ وَالحَق، فَاغفِرْ لَهُ وَارْحَمهُ، إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".

وحُفِظَ مِن دعائه أيضًا: "اللهُمَّ أَنْتَ رَبهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنتَ رَزَقْتَهَا، وأَنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلامِ، وَأَنْتَ قَبضْتَ رُوحَهَا، وتَعْلَمُ سِرَّهَا وَعَلانِيَتَهَا، جئْنَا شفَعَاءَ فَاغفِرْ لَهَا".

وكان ﷺ يأمر بإخلاص الدعاء للميت، وكان يُكبرِّ أربعَ تكبيرات، وصح عنه أنه كبَّر خمسًا، وكان الصحابة بعده يُكبِّرون أربعًا، وخمسًا، وستًا، فكبَّر زيد بن أرقم خمسًا، وذكر أن النبي ﷺ كبرها، ذكره مسلم.

وكبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على سهل بن حُنيف ستًا،

وكان يُكبر على أهل بدر ستًا، وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، ذكره الدارقطني.

وذكر سعيد بنُ منصور، عن الحكم بن عُتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسًا، وستًا، وسبعًا. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، والنبيُّ ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابُه من بعده.

والذين منعوا من الزيادة على الأربع، مِنهم من احتج بحديث ابن عباس، أن آخر جنازة صلَّى عليها النبي ﷺ، كبَّرَ أربعًا قالوا: وهذا آخر الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخِر، فالآخر مِن فعله ﷺ هذا. وهذا الحديثُ، قد قال الخلال في "العلل": أخبرني حرب: قال: سئل الإِمام أحمد عن حديث أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس، فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل، إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَت على آدم عليه الصلاة والسلام، كبَّرت عليه أربعًا، وقالوا: تِلك سنتكم يا بني آدم. وهذا الحديث قد قال في الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَّت على آدم، كبَّرت عليه أربعًا، واستعظمه أبو عبد الله وقال: أبو المليح كان أصح حديثًا وأتقى لله من أن يَرويَ مثلَ هذا.

واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى، عن أبيّ، عن النبي ﷺ، أن الملائكة لما صلَّت على آدم، فكبرت عليه أربعًا، وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم، وهذا لا يصح وقد روي مرفوعًا وموقوفًا.

وكان أصحاب معاذ يُكبِّرون خمسًا، قال علقمة: قلتُ لعبد الله: إن ناسًا من أصحاب معاذ قدموا من الشام، فكبَّروا على ميت لهم خمسًا، فقال عبد الله: ليسَ على المِّيت في التكبير وقتٌ، كبِّر ما كبَّرَ الإِمام، فإذا انصرفَ الإمام فانصرِفْ.

فصل

وأما هديه ﷺ في التسليم من صلاة الجنازة. فروي عنه: إنه كان يسلِّم واحدة. وروي عنه: أنه كان يسلم تسليمتين.

فروى البيهقي وغيره، من حديث المقبُري، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ صلى على جنازة، فكبر أربعا، وسلم تسليمة واحدة لكن قال الإِمام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في "العلل".

وقال إبرهيم الهجري: حدَّثنا عبد الله بن أبي أوفى: إنه صلى على جنازة ابنته، فكبر أربعًا، فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمسًا، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسولَ اللهِ ﷺ يصنعُ، أو هكذا صنع رسولُ الله ﷺ. قال ابن مسعود: ثلاثُ خِلال كان رسول الله ﷺ، يفعلهن تركهُنَّ الناسُ، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة، ذكرهما البيهقي. ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وحديثه هذا، قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عنه وقال: كبّر عليها أربعًا، ثم قام ساعة، فسبَّح به القومُ فسلم، ثم قال: كنتم ترون أن أزيد على أربع، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ كبر أربعًا، ولم يقل: ثم سلَم عن يمينه وشماله. ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي عنه كذلك، ولم يقل: ثم سَلَّمَ عن يمينه وشماله.

وذِكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه. قال البيهقي: ثم عزاه للنبيِّ ﷺ في التكبير فقط، أو في التكبير وغيره.

قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك، أنه كان يسلم واحدة، ذكره الإِمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم، قيل لأبي عبد الله، أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا، ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمةً واحدة خفيفةً عن يمينه، فذكر ابنَ عمر، وابنَ عباس، وأبا هريرة، وواثِلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، فهؤلاء عشرة من الصحابة، وأبو أمامة أدرك النبي ﷺ، وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة: أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين.

وأما رفع اليدين، فقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، فإن النبي ﷺ كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم.

قلت: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر، وأنس بن مالك، أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبَّرا على الجنازة ويذكر عنه ﷺ، أنه كان يرفع يديه في أول التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى، ذكره البيهقي في السنن.

وفي الترمذي من حديث أبي هُريرة، "أن النبي ﷺ، وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة"، وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرهاوى.

فصل

وكان من هديه ﷺ إذا فاتته الصلاة على الجنازة، صلى على القبر، فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يُوقت في ذلك وقتًا.

قال أحمد رحمه الله: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟ ويُروى عن النبي ﷺ، كان إذا فاتته الجنازةُ، صلى على القبر من ستة أوجه كُلُها حِسَان، فحدَّ الإِمام أحمد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي ﷺ أنه صلى بعده، وحدَّه الشافعي رحمه الله، بما إذا لم يَبْلَ الميت، ومنع منها مالكٌ وأبو حنيفة رحمهما الله إلا لِلوليِّ إذا كان غائبًا.

وكان من هديه ﷺ، أنه كان يقومُ عند رأس الرجل وَوَسْطِ المرأة.

فصل

وكان من هديه ﷺ الصلاةُ على الطفل، فصح عنه أنه قال: "الطِّفْل يُصَلى عَلَيْهِ".

وفي سنن ابن ماجه مرفوعًا، "صلُوا على أَطْفَالِكُم، فإنَّهم مِنْ أَفْراطِكُم".

قال أحمد بن أبي عبدة: سألتُ أحمد: متى يَجِبُ أن يُصلى على السِّقط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه يُنفخ فيه الروح.

قلتُ: فحديث المغيرة بن شعبة "الطفل يُصلى عليه"؟ قال: صحيح مرفوع، قلتُ: ليس في هذا بيانُ الأربعة الأشهر ولا غيرها؟ قال: قد قاله سعيد بن المسيِّب.

فإن قيل: فهل صلى النبيُّ ﷺ على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فروى أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: مات إبراهيمُ بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلىِ عليه رسولُ الله ﷺ.

قال الإِمام أحمد: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثني أبي عن ابن إسحاق حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، فذكره.

وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جدًا، ووهَّى ابنَ إسحاق.

وقال الخلال: وقرئ على عبد الله: حدَّثني أبي، حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا إسرائيل، قال: حدثنا جابر الجعفي، عن عامر، عن البراء بن عازب، قال: صلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم ومات وهو ابنُ ستة عشر شهرا.

وذكر أبو داود عن البهي، قال: لما مات إبراهيمُ بن رسولِ الله ﷺ، صلَّى عليه رسولُ الله ﷺ في المقاعد وهو مرسل، والبهي اسمه عبد الله بن يسار كوفي.

وذكر عن عطاء بن أبي رباح، أن النبي ﷺ صلَّى على ابنه إبراهيم وهو ابنُ سبعين ليلة وهذا مرسل وهم فيه عطاء، فإنه قد كان تجاوز السنة.

فاختلف الناسُ في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه، ومنع صحةَ حديثِ عائشة، كما قال الإِمام أحمد وغيرُه: قالوا: وهذه المراسيلُ، مع حديث البراء، يشدُّ بعضُها بعضًا، ومنهم من ضعَّف حديثَ البراء بجابر الجعفي، وضعف هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها.

ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يُصلِّ عليه، فقالت طائفةٌ: استغنى ببنوة رسول الله ﷺ عن قُرْبة الصلاة التي هي شفاعة له، كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه.

وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.

وقالت طائفةٌ: لا تعارض بين هذه الآثار، فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صُلِّي عليه، ولم يُباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، وقيل: لم يُصل عليه، وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأن معه زيادة علم، وإذا تعارض النفي والإِثبات، قُدَم الإِثبات.

فصل

وكان من هديه ﷺ، أنَّه لا يُصلِّي على مَن قتل نفسه، ولا على مَنْ غَلَّ من الغنيمةُ.

واختلف عنه في الصلاة على المقتُولِ حدًا، كالزاني المرجوم، فصح عنه أنه ﷺ صلى على الجهنية التي رجمها، فقال عمر: تُصلِّي عليها يا رسولَ الله وقد زَنَتْ؟ فقال: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بين سَبْعِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهم، وهَل وَجَدْتَ تَوْبَةً أفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لله تعالى ". ذكره مسلم.

وذكر البخاري في صحيحه، قصة ماعِز بنِ مالك وقال: فقالَ له النبيُّ ﷺ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ وقد اختلِفَ على الزهري في ذكر الصلاة عليه، فأثبتها محمودُ بن غيلان، عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق، فلم يذكروها، وهم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذُهلي، ونوح بن حبيب، والحسنُ بن علي، ومحمَّدُ بن المتوكل، وحُميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرمادي.

قال البيهقي: وقول محمود بن غيلان: إنه صلى عليه، خطأ لإِجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه.

وقد اختلف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: ما استغفر له ولا سَبَّه، وقال بُريدة بن الحصيب: إنه قال: "اسْتَغْفِروا لِمَاعِز بن مَالِك". فقالوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. ذكرهما مسلم. وقال جابر: فصلَّى عليه، ذكره البخاري، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل،

وقال أبو برزة الأسلمي: لم يُصلِّ عليه النبي ﷺ، ولم ينهَ عنِ الصلاة عليه، ذكره أبو داود.

قلتُ: حديث الغامدية، لم يختلف فيه أنه صلَّى عليها. وحديثُ ماعز، إما أن يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه. هي دعاؤُه له بأن يَغفِرَ الله له، وتركَ الصلاة فيه هي تركه الصلاةَ على جنازته تأديبًا وتحذيرًا، وإما أن يُقال: إذا تعارضتْ ألفاظه، عدِلَ عنه إلى حديث الغامِدية.

فصل

وكان ﷺ إذا صلَّى على ميت، تبِعه إلى المقابر ماشيًا أمامه.

وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين مِن بعده، وسنَّ لمن تبعها إن كان راكبًا أن يكون وراءها، وإن كان ماشيًا أن يكون قريبًا منها، إمَّا خلفها، أو أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها. وكان يأمر بالإِسراع بها، حتى إن كانوا ليَرمُلُون بها رَمَلًا، وأما دبيب الناسِ اليومَ خُطوة خُطوة، فبدعة مكروهة مخالِفة للسنة، ومتضمِّنة للتشبُّه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكر يرفع السوطَ على من يفعل ذلك، ويقول: لقد رأيتنا ونحنُ مع رسول الله ﷺ نَرْمُلُ رملًا.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: "ما دُونَ الخَببِ" رواه أهل السنن وكان يمشي إذا تَبعَ الجنازة ويقول "لم أكُن لأَركَبَ والمَلائِكَةُ يَمْشون". فإذا انصرف عنها، فربَّما مشى، وربَما ركِب.

وكان إذا تَبِعها، لم يجلِسْ حتى تُوضع، وقال " إذا تَبِعتُم الجِنَازَة، فلا،: تَجْلِسُوا حتى توضعَ ".

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: والمراد: وضعُها بالأرض. قلت: قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوريُّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: وفيه "حَتَّى تُوضَعَ بالأَرض" ورواه أبو معاوية، عن سهيل وقال: "حتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ". قال: وسفيان أحفظُ من أبي معاوية، وقد روى أبو داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضعَ في اللحد لكن في إسناده بِشرُ بن رافع، قال الترمذي: ليس بالقويِّ في الحديث، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن معين: حدث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حِبان: يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمِّدُ لها.

فصل

ولم يكن مِن هديه وسنته ﷺ الصلاة على كُلِّ ميت غائب.

فقد مات خلق كثيرٌ من المسلمين وهم غُيَّب، فلم يُصلِّ عليهم، وصح عنه: أنه صلَّى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق، أحدها: أن هذا تشريعٌ منه، وسنةٌ للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليسَ ذلك لغيره، قال أصحابُهما: ومِن الجائز أن يكون رُفعَ له سريرُه فصلَّى عليه وهو يرى صلاتَه على الحاضر المشاهَد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي ﷺ في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا، أنه لم يُنقَل عنه أنه كان يُصلي على كلِّ الغائبين غيرَه، وتركُه سنة، كما أن فِعله سُنَّةٌ، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يُعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفع له حتى يُصلِّيَ عليه، فَعُلِمَ أن ذلك مخصوص به. وقد روي عنه، أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب، ولكن لا يصح، فإن في إسناده العلاء بن زيد، ويقال: ابن زيد، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث، ورواه محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال البخاريَ: لا يتابع عليه.

وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائبَ إن مات ببلد لم يُصلّ عليه فيه، صُلِّيَ عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي ﷺ على النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يُصلَّ عليه، وإن صلِّيَ عليه حيثُ مات لم يُصلَّ عليه صلاة الغائب، لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه، وفِعلُه، وتركُه سنة، وهذا له موضع، وهذا له موضع، والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها: هذا التفصيلُ، والمشهور عند أصحابه: الصلاة عليه مطلقًا.

فصل

وصح عنه ﷺ أنه قام للجنازة لما مرَّت به، وأمرَ بالقيامِ لها، وصح عنه أنه قعد، فاخْتُلِفَ في ذلك، فقيل: القيامُ منسوخ، والقعودُ آخر الأمرين، وقيل. بل الأمران جائزان، وفِعلُه بيان للاستحباب، وتركُه بيان للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ.

فصل

وكان من هديه ﷺ، ألَّا يدفن الميت عند طلوع الشَّمس، ولا عند غروبِها، ولا حين يَقُوم قائمُ الظهيرة وكَانَ مِن هديه اللَّحدُ وتعميقُ القبر وتوسيعُه مِن عِند رأس الميت ورجليه، ويُذكرُ عنه، أنه كان إذا وضع الميِّتَ في القبر قال "بسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ، وَعَلى مِلَّةِ رَسُولِ الله". وفي رواية: "بِسْم اللَهِ، وَفي سَبِيلِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ".

ويُذكر عنه أيضًا أنه كان يحثُوا التراب على قبر الميت إذا دُفِنَ مِنْ قِبَلَ رأسِه ثلاثًا.

وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه، وسَأَلَ له التَّثبِيتَ، وأمَرَهُم أن يَسْأَلُوا لَهُ التَّثبِيتَ.

ولم يكن يجلِس يقرأ عند القبر، ولا يُلقِّن الميت كما يفعله الناس اليوم، وأما الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ: "إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُم فَسَوَّيْتمُ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فليقم أَحَدكم عَلَى رَأسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلان، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلا يجيب، ثَّم يَقُول: يا فلانَ بنَ فلانَة، فإنَّه يَسْتَوي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُول: يَا فُلانَ بنَ فُلانَة، فإنَّه يَقولُ: أَرشِدنَا يَرْحَمكَ الله ولَكِنْ لا تَشْعُرونَ، ثُمَّ يَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيهِ مِنَ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أَنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأَنَ محَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُه، وَأَنّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وبالإِسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّد نَبِيًّا، وبِالْقُرْآنِ إمَامًا، فإنَّ مُنكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِق بِنا مَا نَقْعُد عِنْدَ مَنْ لقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكونُ اللهُ حَجِيجَهَ دُونَهُمَا. فَقَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنْ لَمْ يَعرِفْ أُمَّه؟ قَال: فَيُنْسِبُه إلى حَوَّاء: يا فُلان بن حَوَّاء ". فهذا حديث لا يصح رفعُه، ولكن قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دُفِنَ الميتُ يقِفُ الرجلُ ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه الدنيا: شهادةِ أَن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيتُ أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقالَ ذلك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه.

قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبى أمامة.

وقد ذكر سعيد بن منصور في سننه عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير، قالوا: إذا سُوِّيَ على الميِّت قبرُه، وانصرف الناسُ عنه، فكانوا يستحِبُّون أن يُقال للميت عند قبره: يا فلانُ! قل: لا إله إلاّ الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله ثلاثَ مرات، يا فلانُ! قل: ربي اللهُ وديني الإِسلامُ، نبيِّيَ محمد، ثم ينصرف.

فصل

ولم يكن من هديه ﷺ، تعليةُ القبور ولا بناؤها بآجر، ولا بحجَر ولَبِن، ولا تشييدُها، ولا تطيينُها، ولا بناءُ القباب عليها، فكُلُّ هذا بدعة مكروهة، مخالفةٌ لهديه ﷺ وقد بَعثَ عليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه إليَ اليمن، ألَّا يَدَع تمْثًالًا إلا طمَسَه، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّاه، فسنتُه ﷺ تسويةُ هذه القبور المُشرفة كلِّها، ونهى أن يُجصص القبرُ، وأن يُبنى عليه، وأن يكتبَ عليه.

وكانت قبور أصحابه لا مُشرِفة، ولا لاطئة، وهكذا كان قبرُه الكريمُ، وقبرُ صاحبيه، فقبرُه ﷺ مُسَنَّم مَبْطوحٌ ببطحاء العرَصة الحمراء لا مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه.

وكان يعلم قبرَ مَنْ يريدُ تعرَّفَ قَبرِه بصخرة.

فصل

ونهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ القبورِ مساجد، وإيقادِ السُّرج عليها، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القُبور، ونهى أمته أن يتخِذوا قبرَه عيدًا، ولعن زوَّراتِ القبور وكان هديُهُ أن لا تُهان القبورُ وتُوطأ، وألا يُجلَس عليها، ويُتكأ عليها ولا تُعظَّم بحيث تُتَّخذُ مساجِدَ فيُصلَّى عندها وإليها، وتُتخذ أعيادًا وأوثانًا.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور[عدل]

كان إذا زار قبور أصحابه يزورُها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم، والاستغفارِ لهم، وهذه هي الزيارةُ التي سنها لأمته، وشرعَها لهم، وأمرهم أن يقُولوا إذا زارُوها: "السَّلامُ عَليكُم أَهْلَ الدِّيار مِنَ المُؤمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنَّا إن شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُون، نَسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ".

وكان هديُه أن يقولَ ويفعلَ عند زيارتها، مِن جنس ما يقولُه عند الصلاة على الميت، من الدِعاءِ والترحُّمِ، والاستغفار. فَأبَى المشركون إلا دعاءَ الميت والإِشراك به، والإِقسامَ على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجُّهَ إليه، بعكس هديه ﷺ، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهديُ هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجبَ وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هديَ رسول الله ﷺ وأصحابِه، تبيَّن له الفرقُ بين الأمرين وبالله التوفيق.

فصل

وكان من هديه ﷺ، تعزية أهلِ الميت، ولم يكن مِن هديه أن يجتر للعَزاء، ويُقرأ له القرآن، لا عندَ قبره ولا غيره، وكُل هذا بدعة حادثة مكروهة.

وكان من هديه: السكونُ والرضى بقضاء الله، والحمد للّه، والاسترجاع، ويبرأ ممن خرق لأجل المُصيبة ثيابَه، أو رفع صوتَه بالندب والنياحة، أو حلق لها شعره.

وكان من هديه ﷺ أن أهل الميت لا يتكلَّفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناسُ لهم طعامًا يُرسلونه إليهم وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشِّيم، والحملِ عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس.

وكان من هديه ﷺ، تركُ نعي الميت، بل كان ينهى عنه، ويقول: هو مِن عمل الجاهلية، وقد كرِه حذيفةُ أن يُعلم به أهلُه الناسَ إذا مات وقال: أخاف أن يكون من النعي.

فصل

وكان من هديه ﷺ، في صلاة الخوف، أن أباحَ اللهُ سبحانَه وتعالى قصرَ أركانِ الصلاة وعددِها إذا اجتمع الخوفُ والسفرُ، وقصرَ العدد وحدَه إذا كان سفرٌ لا خوف معه، وقصرَ الأركان وحدَها إذا كان خوفٌ لا سفرَ معه وهذا كان من هديه ﷺ، وبه تُعلم الحِكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف.

وكان من هديه ﷺ في صلاة الخوف، إذا كان العدوّ بينهَ وبين القبلة، أن يَصُفَّ المسلمين كلَّهم خلفَه، ويكبِّرُ ويكبرون جميعًا، ثم يركع فيركعون جميعًا، ثم يرفعُ ويرفعون جميعًا معه، ثم ينحدِرُ بالسجود والصفُّ الذي يليه خاصة، ويقوم الصفُّ المؤخَّر مواجِهَ العدُوِّ، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ونهَض إلى الثانية، سجدَ الصفُّ المؤخَّر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا، فتقدَّموا إلى مكان الصفِّ الأول، وتأخَّر الصفُّ الأولُ مكانَهم لتحصُلَ فضيلةُ الصفِّ الأولِ للطائفتين، ولِيُدرِكَ الصفُّ الثاني مع النبي ﷺ السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى، فتستوي الطائفتانِ فيما أدركوا معه، وفيما قَضَوْا لأنفسهم، وذلك غايةُ العدل، فإذا ركع، صنع الطائفتان كما صنعوا أوَّل مرة فإذا جلس للتشهد، سجد الصفُّ المؤخَّر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلِّم بهم جميعًا.

وإن كان العدُو في غير جهة القبلة، فإنَّه كان تارةً يجعلُهم فِرقتينِ: فِرقةً بإزاء العدوِّ، وفِرقةً تُصلي معه، فتُصلي معه إحدى الفرقتين ركعةً، ثم تنصرِف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيءُ الأخرى إلى مكان هذه، فتُصلي معه الركعة الثانية، ثم تُسلم، وتقضي كلُّ طائفة ركعةً ركعةً بعد سلام الإِمام.

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعة وهو واقف، وتُسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهد، قامت، فقضت ركعةً وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت، يُسلم بهم.

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتُسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى، فيُصلي بهم الركعتين الأخيرتين، ويُسلم بهم، فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين.

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، ويسلم بهم، وتأتي الأخرى، فتصلي بهم ركعتين، ويُسلم فيكون قد صلى بهم بكلِّ طائفة صلاة.

وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعةَ، فتذهب ولا تقضي شيئًا، وتجيء الأخرى، فيُصلي بهم ركعة، ولا تقضي شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة، وهذه الأوجه كُلُها تجوز الصلاة بها.

قال الإِمام أحمد: كلُّ حديث يُروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز.

وقال: ستةُ أوجه أو سبعة، تُروى فيها، كُلُّها جائزة، وقال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: تقولُ بالأحاديث كلِّها، كلّ حديثٍ في موضعه، أو تختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا أقولُ: من ذهب إليها كلِّها، فحسن. وظاهر هذا، أنه جوَّز أن تُصليَ كلُّ طائفة معه ركعةً ركعةً، ولا تقضي شيئًا، وهذا مذهبُ ابن عباس وجابر بن عبد الله وطاووس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق بن راهويه. قال صاحب المغني: وعمومُ كلام أحمد يقتضي جوازَ ذلك، وأصحابنا ينكرونه.

وقد روى عنه ﷺ في صلاة الخوف صِفاتّ أُخَرُ، ترجع كلها إلى هذه وهذه أُصولُها، وربما اختلف بعض ألفاظِها، وقد ذكرها بعضُهم عشرَ صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمسَ عشرة صفة، والصحيح: ما ذكرناه أولًا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبي ﷺ، وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم.

هامش

  1. الإسراء: 44
  2. آل عمران: 139
  3. المنافقون: 8
  4. محمد: 35
  5. الأنفال: 64
  6. الأنفال: 62
  7. آل عمران: 173
  8. التوبة: 59
  9. الحشر: 7
  10. التوبة: 59
  11. الشرح: 7-8
  12. الزمر: 36
  13. الأحزاب: 36
  14. القصص: 68
  15. المؤمنون: 33
  16. الزخرف: 31-32
  17. الأنعام: 124
  18. القصص: 68
  19. الحج: 73 - 76
  20. القصص: 69
  21. الأنعام: 124
  22. القصص: 65 - 68
  23. الأحزاب: 7
  24. الشورى: 13
  25. التين: 3
  26. البلد: 1
  27. الحج: 25
  28. الحج: 26
  29. الأنعام: 124
  30. الأنعام: 53
  31. القصص: 67
  32. التوبة: 3
  33. الفجر: 1-2
  34. المائدة: 3
  35. النَّحل: 32
  36. الزمر: 73
  37. النور: 26
  38. النحل: 38-39
  39. هود: 70-71
  40. الصافات: 103-111
  41. الصافات: 112
  42. الذاريات: 24-25
  43. الذاريات: 28
  44. القصص: 5
  45. البقرة: 185
  46. النَّجم: 7-13
  47. العلق: 1
  48. المدثر: 1
  49. المدثر: 1
  50. المدثر: 1
  51. المدثر: 1
  52. العلق: 1
  53. المدثر: 1
  54. الحجر: 94
  55. الجن: 19
  56. الفرقان: 1
  57. النجم: 10
  58. البقرة: 23
  59. الأحزاب: 37
  60. الأحزاب: 50
  61. المائدة: 67
  62. آل عمران: 121
  63. آل عمران: 190-200
  64. يونس: 53
  65. سبأ: 3
  66. التغابن: 7
  67. النساء: 43
  68. المائدة: 6
  69. البقرة: 184
  70. البقرة: 196
  71. الفرقان: 63
  72. النساء: 41
  73. ق: 1
  74. الأنفال: 28
  75. الفاتحة: 7
  76. الفاتحة: 7
  77. ق: 1
  78. البقرة: 187
  79. البقرة: 238
  80. العلق: 19
  81. المزمل: ا
  82. الإسراء: 78
  83. الأعراف: 172
  84. مريم: 19
  85. الروم: 26
  86. الزمر: 9
  87. التحريم: 12
  88. البقرة: 238
  89. الإِسراء: 79
  90. المزمل: 1
  91. الأنبياء: 72
  92. الإسراء: 79
  93. آل عمران: 190
  94. المائدة: 118
  95. الفرقان: 62
  96. السجدة: 17
  97. الإِسراء: 25
  98. سبأ: 12
  99. سبأ: 12
  100. ق: 35
  101. الفرقان: 24
  102. الأنعام: 160
  103. الممتحنة: 12
  104. الأعلى: 1
  105. الغاشية: 1
  106. فاطر: 2
  107. الأحزاب: 21
  108. الفتح: 1
  109. الأعراف: 92
  110. الانشقاق. 2
  111. الإخلاص: 1
  112. الفلق: 1
  113. الناس: 1
  114. الإسراء: 7


زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الأول | المجلد الثاني | المجلد الثالث | المجلد الرابع | المجلد الخامس | فهرس