رسالة الاجتهاد والتقليد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رسالة الاجتهاد والتقليد
  ► ويكي مصدر:إسلام مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الثاني ◄  


رسالة الاجتهاد والتقليد


فريضة طاعة الله وطاعة رسوله

بسم الله الرحمن الرحيم

(وبه استعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

(مسألة): ما قولكم -نوَّر الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناصّ على كل مسألة، ومعرفة طرقه وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، أو يكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل يغنيهم هذا فيمن طلب العلم وتأهل له. فما الحال في العوام، هل يجزئهم مجرد التقليد؟ وأيضا حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فأفيدونا واحتسبوا؛ فإن الحاجة ماسة إلى هذه المباحث، فإن تتفضلوا بطول الجواب، وذكر الدليل ومن قال به، فهو المطلوب.

فأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر رحمه الله تعالى:

الجواب وبالله التوفيق:

لا ريب أن الله سبحانه فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله ﷺ قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} إلى قوله: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}.

ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ.

واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما إلا رسول الله ﷺ.

نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم

وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون.

فقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه".

وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه".

وقال ابن القاسم: كان مالك يكثر أن يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}.

وقال الشافعي: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي".

والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا". وكان يقول: "من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال". وقال: "لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا".

وقال ابن عبد البر: "أجمعَ الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله".

من شروط القاضي الاجتهاد

ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهدا، فلا يصح أن يتولاه المقلد؛ هذا الذي عليه جمهور العلماء.

قال في الإفصاح [1]: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال: يجوز ذلك.

وقال الموفق في المغني [2]: يشترط في القاضي ثلاثة شروط:

أحدها: الكمال؛ وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة.

والثاني: العدالة.

والثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد.

وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين، ولنا قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ولم يقل بالتقليد، وقال: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.

وروى بريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار" رواه ابن ماجه. [3]

والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدا، فالحاكم أولى. انتهى.

وقال في الإنصاف [4]: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، هذا المذهب المشهور، وعليه معظم الأصحاب.

قال ابن حزم: "يشترط كونه مجتهدا إجماعا"، وقال: "أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله".

وقال في الإفصاح: الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم، واختار في الترغيب: ومجتهدا [5] في مذهب إمامه للضرورة. واختار في الإفصاح: والرعاية ومقلدا. (قلت): وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس، وقيل في المقلد: يفتي ضرورة.

وذكر القاضي أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد: "لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث"، فقال: إن كنت لا أحفظه فإنني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه.

قال القاضي: لا يقتضي هذا أنه كان يقلد أحمد لمنعه الفتيا بلا علم. قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم عنه.

وقال ابن بشار من الأصحاب: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها. قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله، وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة. انتهى ملخصا.

فتوى المقلد وحكمها

وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام؛ ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية.

والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا.

والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل. [6] انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

فتبين بما ذكرناه أن المقلد ليس بعالم، وأن التقليد إنما يصار إليه عند الحاجة للضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل، لا سيما في هذا الوقت. وحينئذ فيقال:

التقليد ثلاثة أنواع

أحدها: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل، على خلاف قول المقلد، فهذا لا يجوز. وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه، قال الشافعي رحمه الله: أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.

النوع الثاني: التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، فهذا مذموم أيضا لأنه عمل على جهل وإفتاء بغير علم مع قدرته وتمكنه من معرفة الدليل المرشد، والله تعالى قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم، فقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". [7] فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله. ولم يكلِّف الله عباده ما لا يطيقونه، بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة الحق فهو معذور فيما خفي عليه.

النوع الثالث: التقليد السائغ، وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة الدليل، وأهل هذا النوع نوعان أيضا:

أحدهما: من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث ولا ينظرون في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف، بل حكى غير واحد إجماع العلماء على ذلك.

النوع الثاني: من كان محصلا لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب، وتبصر في كتب متأخري الأصحاب، كالإقناع والمنتهى في مذهب الحنابلة، أو المنهاج ونحوه في مذهب الشافعية، أو مختصر خليل ونحوه في مذهب المالكية، أو الكنز ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له التقليد أيضا، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة؛ وذلك لقوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، وفي الحديث عن النبي ﷺ: "ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال". [8]

ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير؛ فكان إجماعا على جواز اتباع العامي العلماءَ المجتهدين، ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم عنده، كما يلزمه في مسألة القبلة، فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة اتبع المقلد أوثقهما عنده. ولا يجوز له أن يتبع الرخص، بل يحرم ذلك عليه، ويفسق به. قال ابن عبد البر: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا". ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه.

قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: "طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع" [9] وتوقف أيضا في جوازه.

من تؤخذ عنه الفتوى

وبالجملة، فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب فرضه التقليد. فإذا وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالما عدلا أو رآه منتصبا للإفتاء والتدريس. واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجحهالنووي في الروضة، ونقله عن أصحابه. وقال الشيخ تقي الدين: "لا يجوز أن يستفتى إلا من يفتي بعلم وعدل".

فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم -ولو بمنصب تدريس أو غيره- لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل وقل فيه طلب العلم وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة -وهي في الكتاب- لم يهتدِ إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لقد هزلت حتى بدا من هزالها ** كلاها وحتى استامها كل مفلس

قال في شرح مختصر التحرير: ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جُهل حاله من الفتيا. قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق.

ولا تصح الفتيا من مستور الحال، وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق، ويعمل بخبره إن كان عدلا، لأنه ناقل كالراوي.

ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا، منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب الروضة، وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية. وقيل: يصح إن اعتقده فاضلا أو مساويا، لا إن اعتقده مفضولا لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح.

وقال ابن عقيل [10] وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في "المقنع"، ولأحمد روايتان.

ويلزمه -إن بان له الأرجح- تقليده في الأصح، زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية: "في الأظهر، ويقدم الأعلم على الأورع"، ويخير في تقليد أحد مستويين عند أكثر أصحابنا.

قال في الرعاية: ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به. ويحرم عليه تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه، تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد. وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علما ودينا، وهذا اختيار الموفق في الروضة.

التساهل والتقليد في الفتوى

ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به، [11] لأن الفتيا أمر خطر، فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك؛ فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرا، وقد قال الإمام أحمد: "إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به".

قال بعض الشافعية: من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع.

وذكر عن أبي الوليد الباجي [12] أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: "الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه"، قال أبو الوليد: "وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع". انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصا.

وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب الإنصاف وغيرهما.

قال في الاختيارات: وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا. وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره؛ فيولى -مع عدم العدل- أنفع الفاسقين وأقلهما شرا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.

معرفة الدليل ولو للمتعلم

هل يجب على المتعلم معرفة الدليل

(وقول السائل) وفقه الله: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة؟

(جوابه): يعلم مما تقدم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه من ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل، لا سيما إذا كان قاضيا أو مفتيا وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح؛ فإن الرجل النبيه -الذي له فهم وفيه ذكاء- إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم -كالمغني والشرح [13] والتمهيد لابن عبد البر ونحو هذه الكتب- يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين.

فإذا كان طالب العلم متمذهبا بأحد المذاهب الأربعة ثم رأى دليلا مخالفا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له ناسخا ولا معارضا، فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيبا في ذلك؛ بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض.

قال في الاختيارات: من كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى، فقد أحسنَ.

وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه، ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.

وقال أيضا: أكثر من يميز في العلم من المتوسطين إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام ترجح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه؛ والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام، على أن أحدهما أعلم أو أدين، لأن الحق واحد ولا بد، ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلا. [14] انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته: قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، [15] ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا؛ فيكون التفقه في الدين فرضا. والفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها. لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه.

تقليد القادر على الاستدلال

وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقا. وقيل: يجوز مطلقا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال. وهذا القول أعدل الأقوال.

والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في مسألة: تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله. فهو بين أمرين:

إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر.

وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح.

وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاما في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه؛ أما إذا قدر على الاجتهاد التام -الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص- فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله.

بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". [16]

والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّك على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده.

وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي ترجحت حجته، وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم.

وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه -لا سيما إن كان قد رواه أيضا- فمثل هذا لا يكون عذرا في ترك النص؛ فقد بيَّنا فيما كتبناه في رفع الملام عن الأئمة الأعلام نحوا من عشرين عذرًا للائمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبيّنا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار.

وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار -وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل- لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه.

فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض.

وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: "أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟" كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر- فكذلك موارد النزاع بين الأئمة.

وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه السنة أن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء". [17]

وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة [18]، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان.. فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!

وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبيَّن أن عمر يرد ما يقولونه، فألَّحُوا عليه، فقال: أمر رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.

ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ﷺ ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به اليهود والنصارى في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}. [19] انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

تقليد نقاد الحديث

بحث تقليد نقاد الحديث في صحته وغيرها

وأما سؤال السائل عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته أم تقليد المخرجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم.

فجوابه: أن ذلك يكفيهم.

قال في شرح مختصر التحرير: "ويُشترط في المجتهد أن يكون عالما بصحة الحديث وضعفه سندا ومتنا، ولو كان علمه بذلك تقليدا، كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والدارقطني والحاكم ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم. انتهى.

وقال في مسودة بني تيمية: العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، قال أبو الخطاب: ويجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحا أو فاسدا، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع. انتهى.

وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في ألفيته:

وأخذ متن من كتاب لعمل ** أو احتجاج حيث ساغ قد جعل

عرضًا له على أصول يشترط ** وقال يحيى النووي أصل فقط

ثم قال المؤلف في شرحه: أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به، إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به، جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة.

قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. وقال ابن الصلاح في قسم الحسن، حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه.

فقوله: "ينبغي" قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك. انتهى كلام العراقي.

وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه كنز المحتاج على المنهاج -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة-: فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناء على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح... إلى أن قال: وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مصحح اعتني فيه بجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- ولا أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه جرحا وتعديلا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع لموافقته بتقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ. انتهى.

وقال في شرح الروض للقاضي زكريا -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا- قال: والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم... إلى أن قال: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح يجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- فيعرف كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به.

ويكتفي في البحث عن الآحاد بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل.

ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه. انتهى كلام القاضي.

فتبين -بما ذكرناه من النقول- جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب المصححة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، والله سبحانه أعلم.

تقليد الأئمة الأربعة

ما قيل في تقليد الأئمة الأربعة

(وأما قول السائل) -وفقه الله لفهم المسائل-: حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.

فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب الإفصاح عن معاني الصحاح؛ فإنه ذكر نحوا من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ذلك؛ وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين.

وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه.

وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أن يلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده كما قد يتوهم؛ بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه.

وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة. فإنه قال: يجوز ذلك.

ثم قال: والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه -إنما عنى به- ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ.

فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه، ودأب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق.

فإذا عمل القاضي في أقضية بما يأخذ عنهم -أو عن الواحد منهم, فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم -متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه- كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد.

إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب.

حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم نحو الوكيل بغير رضاء الخصم، وكان الحاكم حنفيا، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله عز وجل بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وكذلك إن كان القاضي مالكيا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته.

وكذلك إن كان القاضي شافعيا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدا، فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه.

وكذلك إن كان القاضي حنبليا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله -مما توخى اتباع الأكثرين فيه- أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل.

وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سدُّوا ثغرًا من ثغور الإسلام سَدُّهُ فرْضُ كفاية، ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتابٍ إنْ صَنَّفه، أو كلامٍ إنْ قالَهُ، أنَّه لا يصح أن يكون قاضيا، إلا من كان من أهل الاجتهاد.

ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن ولاة الحكام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا. انتهى كلام ابن هبيرة رحمه الله. [20]

فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد جائزة إذا تعذرت تولية المجتهد، لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة لئلا تتعطل الأحكام.

وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني أنه يجوز تولية المقلد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية.

وتضمن أيضا كلام ابن هبيرة أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه، فإن اختلفوا فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر، وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعا لهواه.

وتضمن كلامه أيضا أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حررت، ونقحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه.

بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفا الأكثر.

فقضية كلامه أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.

وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيها، وله ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة الأربعة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم، تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد.

فإذا كان الرجل شافعيا أو حنبليا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلا صحيحا قد استدل به مالك فعمل بالدليل، كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويسلم له الدليل بلا معارض.

وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيد، فهو يتبع الدليل، ويقلد الإمام الذي قد أخذ به.

وأما الأخذ بالدليل من غير نظر كلام العلماء فهو وظيفة المجتهد المطلق، وأما المقلد الذي لم يجتمع فيه الشروط، ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم.

قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟

قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم. انتهى كلامه.

طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار

وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين، ولا يعلم عند غيره حجة يدفع بها الحديث فعمل به، كان قد عمل بالحديث، وقلد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون متبعا للدليل غيرَ خارجٍ عن التقليد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، مثل كتاب التعليق للقاضي أبي يعلى، والانتصار لأبي الخطاب، وعمل الأدلة لابن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب البرزيني وأبي الحسن الزاغوني.

ومما يعرف منه ذلك كتاب المغني للشيخ أبي محمد، وكتاب شرح الهداية لجدنا أبي البركات، ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع.

وأحمد رحمه الله أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان رحمهم الله؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحا. [21] انتهى كلامه رحمه الله.

وهو موافق لما ذكره صاحب الإفصاح من أن القاضي عليه أن يتوخى إصابة الحق، فيتوخى مواطن الاتفاق، فيعمل بما اتفقوا عليه، فإن لم يكن الحكم متفقا نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل، فليس الناظر في كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد. وليس في كلام صاحب الإفصاح ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه صريح في ضد ذلك.

وهذه شبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم وصار بها أكثرهم، فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق.

واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير، حتى آل الأمر بهم إلى أن {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن من انتسب إلى مذهب إمام فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه وإن خالف نص كتاب أو سنة؛ فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله ولا تجوز مخالفته.

التعصب للمذهب

فلو رأوا أحدا من المقلدين قد خالف مذهبه، وقلد إماما آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به، قالوا: هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزل نفسه منزلة الأئمة المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلد إماما دون إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.

فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلا ردوه إلى نص إمامهم، فإن وافق الدليل نص الإمام قبلوه، وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام.

واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها، فإذا قيل: هذا حديث رسول الله ﷺ قالوا: أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟

مثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته، وقلنا له: قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح، وكذلك حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم، [22] فقال هذا المنجس لأبوال مأكول اللحم: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ بها؛

فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله أو أعلم منه، كمالك والإمام أحمد رحمهما الله وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي، ونقول: إمام بإمام، وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.

فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ.

الانتقال من مذهب إلى مذهب لأمر ديني

فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني بأن تبين له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل- مثاب على فعله، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر، أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحدا في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله ﷺ في كل حال كما تقدم ذكره.

وقد ذكرنا أن الشافعي رحمه الله قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.

الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى

الانتقال من مذهب إلى آخر

وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي، فهذا لا يجوز، وصاحبه يكون متبعا لهواه؛ وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو محرما، ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه، وذلك مثل أن يكون طالبا للشفعة بالجوار، فيعتقدها أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور. ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح.

ومثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد -كما هو مذهب الأئمة الثلاثة- فإذا كان جدا مع أخ اعتقد أن الجد يسقط الإخوة كما هو مذهب أبي حنيفة، فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق فيما له وعليه، ولا يتبع هواه، ولا يتبع الرخص، فمتبع الرخص مذموم، والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبعٌ هواه.

المتعصبون لمذاهب الأئمة يأخذون من الأدنى دون الأعلى

والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم في أكثر المسائل قد خالفوا نصوص أئمتهم، واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخر فالآخر، وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه، وهجروا -أو كادوا- يهجرون كلام من فوقه.

فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجرا ورغبة عنه، حتى إنَّ كُتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم، فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة.

فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في الإقناع والمنتهى، ولا ينظرون فيما سواهما، ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عندهم مخالف لمذهب أحمد رحمه الله، مع أن كثيرا من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد، يعرف ذلك من عرفه.

وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم، بل قد هجروا كتب المتأخرين، فالمغني والشرح والإنصاف والفروع، ونحو هذه الكتب التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها.

فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار لا أتباع الإمام أحمد. وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب التحفة، وأضرابه من شراح المنهاج، فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبؤون به شيئا.

وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة أتباع خليل، فلا يعبأون بما خالف مختصر خليل شيئا، ولو وجدوا حديثا ثابتا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.

فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها ولا يعتمدون إلا عليها.

وأما كتب الحديث كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها، وكتب الفقه الكبار، التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين، فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها؛ فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقَ إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه، ولا ينظر إلى دليله وتعليله.

ولم يميزوا بين المجتهد المطلق -الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد- وبين المجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها. فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة، وينظر في كتب الخلاف، ويمعن النظر في الأدلة، فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل، فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة، فإن وجد مع أحدهم دليلا أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلا من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك، بل قوي الخلاف عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه.

فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره، وجعلوهما نوعا واحدا، وهذا غلط واضح؛ فإن من كان قاصرا في العلم لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة، بل يسأل أهل العلم، كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله، وقد ذكرناه فيما تقدم.

الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل

وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور، فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب الإفصاح.

لزوم التمذهب بمذهب بعينه

وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذمه صاحب"الإفصاح كما تقدم ذكره، بل قد ذمه الأئمة رضي الله عنهم.

قال الشافعي رحمه الله: طالب العلم بلا حجة كحاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه.

وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟

فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم ابن جميل (قال): قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتابا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا. ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون.

وقال أبو عمر بن عبد البر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت لأنَّ كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله ﷺ لم أحصها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلَم مني؛

قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من الكتاب، أو حكاية عن سنة رسول الله ﷺ، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟

فإن قال: قلدته؛ لأني أعلم أنه على صواب؛ قيل له: علمت ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع؟

فإن قال: نعم؛ أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل.

وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني؛ قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك.

فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس؛ قيل له: فهو إذًا أعلم من الصحابة. فكفى بقول مثل هذا قبحا. [23]

فإن قال: أنا أقلد بعض الصحابة؛ قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟ على أن القول لا يصح بفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.

وقد ذكر ابن مدين عن عيسى بن دينار عن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال الرجل قولا -وإن كان له فضل- يتبع عليه؛ لقوله عز وجل: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.

فإن قال: قصري وقلة علمي تحملني على التقليد؛ قيل له: أما من قلَّد فيما ينزل به أحكام شريعة عالما يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره به فمعذورٌ لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.

ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك، يصيرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته، ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؟

فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بذلك جهلا وردا للقرآن، قال الله عز وجل: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وقال تعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا.

ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "من أفتى بفتيا وهو يعمي عنها كان إثمها عليه" موقوفا ومرفوعا. [24] قال وهب عن النبي ﷺ: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" [25] قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. [26] انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى.

فتأمل ما في هذا الكلام، من الرد على من يقول بلزوم المتذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة، لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد دليلا يخالفه، لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذرا له في رد الحديث، أو ترك العمل به.

وتأمل قوله: لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. ومراده: إذا كان المقلد قادرا على الاستدلال، وأما العاجز عنه فهو كالأعمى، يقلد في جهة القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزا.

وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه، فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله. [27] انتهى.

فحكاية الإجماع من هذين الإمامين -أعني أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم- كافٍ في إبطال قول المتعصبين للمذهب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين. آمين.

هامش

  1. الإفصاح عن شرح معاني الصحاح -أي أحاديث الصحيحين- لأبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الوزير المتوفى في سنة 560.
  2. المغني في فقه المذاهب الإسلامية للشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي، المتوفى في سنة 620.
  3. رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم، وهذا لفظ ابن ماجه.
  4. يوجد عدة كتب سميت (الإنصاف في مسائل الخلاف)، أحدها: للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي، المتوفى سنة 543. وثانيها: لأبي سعد محمد بن يحيى النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة 548. وثالثها: للحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي، المتوفى سنة 591. والظاهر أن هذا الأخير هو المراد هنا، فقوله: "معظم الأصحاب" يعني به الحنابلة.
  5. الظاهر أنه معطوف على محذوف منصوب.
  6. إعلام الموقعين
  7. متفق عليه
  8. سنن أبي داود/كتاب الطهارة
  9. الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية/كتاب القضاء
  10. ابن عقيل من كبار فقهاء الحنابلة والثلاثة الذين ذكروا بعده من كبار الشافعية.
  11. أي معروف بالتساهل.
  12. هو من كبار المالكية.
  13. أي الشرح الكبير على المقنع الذي يطبع الآن مع المغني في مطبعة المنار، وكلاهما يذكر الأحكام بأدلتها.
  14. يعني أبو العباس أن نصب الدليل على الحكم ثابت في الشرع قطعا، ولا يريد أنه واجب على الله تعالى؛ فإنه سني سلفي لا معتزلي.
  15. متفق عليه
  16. متفق عليه
  17. صحيح البخاري/كتاب الديات
  18. متعة الحج
  19. مجموع الفتاوى
  20. في هذا الكلام نظر من وجوه، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن من أصول الشريعة اليسر ورفع الحرج، ومن هدي النبي ﷺ أنه ما ُخيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهذا أفضل مرجح بين ما اختلف فيه الأربعة أو غيرهم، ومنها الترجيح بقوة الدليل، ومنها أن كتب هذه المذاهب وغيرها لا تغني عن الاجتهاد؛ لأن الناس يحدث لهم أقضية بما أحدثوا من أمور الكسب والعمران والنظم المالية، ومن الفجور أيضا كما قال الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ويناسب هذا ما قاله الفقهاء في تعليق بعض الأعمال بالعرف الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان، وكتبه محمد رشيد رضا.
  21. مجموع الفتاوى
  22. في الصحيحين: "فكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة. ويصلي في مرابض الغنم."
  23. إنه -على قبحه بمخالفة إمامه وسائر الأئمة على تفضيل الصحابة على أنفسهم- باطل بالبداهة، فإن المجتهد لا يمكنه أن يعرف أعلم الناس على الإطلاق، فضلا عن المقلد الذي لا يعرف أدلة أحد منهم.
  24. سنن الدارمي
  25. متفق عليه
  26. جامع بيان العلم وفضله
  27. مراتب الإجماع