حياة النفس في حضرة القدس/الباب الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حياة النفس في حضرة القدس
الباب الثالث
المؤلف: أحمد بن زين الدين الأحسائي


الباب الثالث في النبوة

اعلم ان الله سبحانه لما كان غنيا مطلقا لم‌يحتج الي شئ فخلق بمقتضي كرمه و فضله خلقا احب ان يوصلهم الي ما شاء من فواضل كرمه و لما كان حكيما وجب ان يكون ما تفضل به جاريا علي مقتضي الحكمة فكلف خلقه بما يستحقون به نيل تلك الفواضل علي وجه يخرج تفضله عن العبث و لما كان سائر الخلق لايعلمون ما فيه صلاحهم لان ذلك لايعلمه الا الله سبحانه و كان عز و جل لاتدركه الابصار و لايقدر الخلق علي التلقي منه عز و جل وجب في الحكمة ان يختار من خلقه قويا يقدر بمعونة الله سبحانه علي التلقي منه سبحانه ليؤدي الي الخلق عن الله عز و جل معاني ( يعاني خ‌ل ) ما يريد منهم مما فيه صلاح دنياهم و آخرتهم لان ذلك لطف بهم يتوقف داعي ارادته تعالي بهم صلاح نظامهم في النشئتين علي ذلك اللطف فيكون واجبا في الحكمة و هو النبي صلي الله عليه و آله و لما اقتضت الحكمة ايجاد الخلائق في اوقات متعددة متعاقبة و كانوا مشتركين فيما خلقوا له و فيما يراد منهم وجب في الحكمة ان يبعث سبحانه في كل امة رسولا منهم ليؤدي اليهم و يبلغهم ما يريد الله منهم لانهم لايعلمون الا ما علمهم ( علمهم الله خ‌ل ) حتي انتهت النبوة الي نبينا محمد بن عبدالله ( عبدالله خاتم النبيين خ‌ل ) صلي الله عليه و آله .

فصل

لما كانت النبوة من مقتضيات العدل وجب ان يكون علي اكمل وجه لتحصل فائدة البعثة و هو انه لا بد و ان يظهر الله سبحانه علي يد من بعثه الله نبيا امرا معجزا لايقع من ابناء جنسه مثله خارقا للعادة مطابقا لدعواه يكون من الله عز و جل تصديقا لدعواه و ان يكون صحيح النسب طاهر المولد مستقيم الخلقة مطهرا من جميع الاحوال التي تنفر القلوب منه في خلقه و خلقه بحيث لايطعن عليه اهل زمانه بشئ و ان يكون صادق القول لم‌يعهد منه كذب و لا خيانة و لا طمع في شئ من حطام الدنيا و ان يكون اعلم اهل زمانه و اتقاهم و ازهدهم و اعملهم بما يأمر و انهاهم عما ينهي مطهرا من جميع الرذائل و النقائص الظاهرة و الباطنة بحيث يعرفه اهل زمانه الذين ارسل اليهم انه لايكون فيهم له نظير في كل صفة كمال و ان يكون معصوما من جميع الذنوب الصغاير و الكبائر قبل البعثة و بعدها من اول عمره الي آخره و من السهو و النسيان و من كل شئ يتعلل به الرعية من قبول امره و نهيه او يحصل به الشك فيه او التوقف في نبوته لان حجة الله بالغة و النبوة حجة الله علي عباده و لو جاز ان يكون احد من المكلفين يجد خدشا في النبوة لماقامت حجة الله عليه و ان يكون مسددا من الله موفقا للصواب في الاعتقاد و العلم و القول و العمل لان الله سبحانه يتولاه بالطافه و الهامه الحق و يوصي ( يوحي خ‌ل ) اليه بذلك علي حسب مقامه عند الله و يقدر له ملكا يسدده و كل ذلك ارادة منه تعالي لئلاتكون للناس علي الله حجة بعد الرسل لان النبي هو الانسان المخبر عن الله بغير واسطة من البشر و لايكون حجة لله حتي يثبت عند المكلف ان قوله قول الله و امره امر الله و نهيه نهي الله و الله قادر علي فعل ما تقوم به الحجة ( الحجة له خ‌ل ) علي خلقه و بذلك يتحقق لطفه بخلقه الذي يتوقف صلاحهم عليه في الدنيا و الآخرة فيجب عليه فعله في الحكمة و هو تعالي لايخل بواجب لان الاخلال به قبيح و هو لايفعل القبيح لانه غني مطلق لايحتاج الي شئ .

فصل

اذا عرفت هذا فنبي هذه الامة هو محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب ابن هاشم ابن عبدمناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لوي ابن غالب ابن فهر ابن مالك ابن نضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن الياس ( الياس بن مضر خ‌ل ) ابن نزار ابن معد ابن عدنان صلي الله عليه و آله الطاهرين لانه ادعي النبوة و اظهر المعجز علي يديه و كل من ادعي النبوة و اظهر المعجز المطابق علي يديه فهو نبي و قد تواتر بين المسلمين و غيرهم من جميع اهل الدنيا انه قد ظهر رجل في مكة المشرفة اسمه محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله ادعي النبوة و اظهر الله المعجز علي يديه المطابق لدعواه المقرون بالتحدي فيكون نبيا حقا و هذا التواتر موجب للقطع الا لمن سبقت له شبهة و هذا امر متواتر بين جميع اهل الارض لانه صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلايكون نبي بعده و لا معه فيجب ان يكون نبيا مرسلا الي الناس كافة لانهم مكلفون و لايصح تكليفهم بغير حجة و لاتثبت لله حجة علي خلقه الا علي النحو المذكور فتثبت نبوته بالتواتر عند جميع المكلفين و اما من سبقت له شبهة فكذلك و ان كانت نفسه قد تعودت علي الانكار لان الله سبحانه يقول و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون.

فصل

و اما معاجزه التي صدق الله بها دعواه فكثيرة و قد عد علماء الامة منها الف معجز منها انشقاق القمر و نبع الماء من بين اصابعه و اشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير و شكاية البعير و كلام الذراع المسموم ( المسمومة خ‌ل ) و نطق الجمادات و حنين الجذع و تسبيح الحصي في كفه و ختمه الحصي بخاتمه و غير ذلك و منها القرآن العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و قد تحدي صلي الله عليه و آله به العرب العرباء حتي تحديهم بالاتيان باقصر سورة من مثله فعجزوا عن ذلك و لما لم‌يقبلوا منه للحمية الجاهلية صبروا علي حدود الرماح و شفار الصفاح حتي اباد مقاتليهم و سبي ذراريهم و تحملوا لبس العار و وقوع البوار و لم‌يقدروا ان يدفعوه بالاتيان بسورة مثله و هو باق الي فناء العالم قد تحدي به ما سوي الله فلم‌يطق احد من خلق الله معارضته و لم‌يكن لنبي من انبياء الله عليهم السلم معجز باق بعدهم لان نبوتهم منقطعة الا معجز نبينا صلي الله عليه و آله فانه باق ما بقي التكليف لان نبوته صلي الله عليه و آله باقية كذلك ليكون معجزه قاطعا لحجة المعترضين و المعاندين.

فصل

و هو صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلا نبي بعده لان الله سبحانه اخبر في كتابه فقال ماكان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين و الله سبحانه لايقع منه الكذب لانه قبيح و الغني المطلق لايفعل القبيح لعدم حاجته الي شئ و اخبر في كتابه فقال ما آتيكم الرسول فخذوه و قد اخبرنا صلي الله عليه و آله انه لا نبي بعده فيكون ذلك حقا و هو ايضا صلي الله عليه و آله افضل من سائر الانبياء عليهم السلم و من الخلق اجمعين لقوله صلي الله عليه و آله انا سيد ولد آدم و لا فخر و قوله لابنته صلي الله عليه و آله فاطمة عليها السلم ابوك خير الانبياء و بعلك خير الاوصياء لانه معصوم و لاينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فيكون قوله صدقا و كونه افضل الخلق حقا و كذلك ما اجمع عليه العلماء من انه صلي الله عليه و آله سيد الكائنات و من الكلام القدسي من قوله تعالي خطابا له صلي الله عليه و آله لولاك لماخلقت الافلاك فلاجله خلق الافلاك و هو سيد ولد آدم فهو خير خلق الله اجمعين .