تلبيس إبليس/الباب العاشر/النهي عن الانفراد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

النهي عن الانفراد[عدل]

وقد جاء النهي عن الانفراد الموجب للبعد عن العلم والجهاد للعدو أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة ثني علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال: يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا قال: فقال نبي الله ﷺ: [ إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة ]

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس[عدل]

قال المصنف رحمه الله: إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم فقد روي عن علي رضي الله عنه: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا تفسح في المباح فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد وربما قيل له ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه

وقد كان في الخائفين من جمله الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ

وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء وهذا دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها وقد قال الله تعالى: { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } وقال: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض } وفي هذا رد على المتصوفين فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء وقد ضم هؤلاء إلى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله تعالى لم يفعلوا ذلك غير أن ما شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة فأما العلماء فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره

أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاني نا القاضي أبو العلاء الواسطي نا أبو نصر أحمد بن محمد نا أبو الخير أحمد بن محمد البزاز ثنا البخاري ثنا إسحاق ثنا محمد بن المفضل ثنا الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ثنا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا إبراهيم الحربي ثنا محمد بن الحارث عن المدايني عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال: نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق

أخبرنا عبد الوهاب نا المبارك بن عبد الجبار نا علي بن أحمد الملطي ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا ابن صفوان نا أبو بكر القرشي ثني يعقوب بن إسماعيل قال: قال عبد الله أخبرنا المعتمر عن كهمس بن الحسين أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه

أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن عاصم بن كليب الجرمي قال: لقي أبي عبد الرحمن بن الأسود وهو يمشي وكان إذا مشى يمشي جنب الحائط متخشعا هكذا وأمال أبو بكر عنقه شيئا فقال أبي: مالك إذا مشيت مشيت إلى جنب الحائط؟ أما والله إن عمر إذا مشي لشديد الوطء على الأرض جهوري الصوت

أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه قال: قالت الشفا بنت عبد الله ورأت فتيانا يقصرون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت: ما هذا؟ قالوا نساك قالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشي أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقا

قال المصنف رحمه الله: قلت وقد كان السلف يسترون أحوالهم ويتصنعون بترك التصنع وقد ذكرنا عن أيوب السختياني أنه كان في ثوبه بعض الطوي ليستر حاله وكان سفيان الثوري يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي وقال لصاحب له ورآه يصلي: ما أجرأك تصلي والناس يرونك قال: حدثنا محمد بن ناصر ثنا عبد القادر بن يوسف نا ابن المذهب نا القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو عبد الله يعني السلمي ثنا بقية عن محمد بن زياد قال: مر أبو أمامة برجل ساجد فقال: يا لها من سجدة لو كانت في بيتك

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا الجوهري ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا الحارث بن محمد ثنا يحيى بن أيوب ثنا شعيب بن حرب ثنا الحسين بن عمار قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة: آه فجعل يتبصره ويقول: من هذا حتى ظننا أنه لو عرفه أمر به

أخبرنا إسماعيل بن أحمد المقري نا أحمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ نا أبو عبد الله محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم ثنا حرملة قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول:

( ودع الذين إذا أتوك تنسكوا *** وإذا خلوا فهم ذئاب خفاف )

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ نا جعفر بن محمد الواسطي نا الحسين بن عبد الله الأبرازي قال: سمعت إبراهيم بن سعيد يقول: كنت واقفا على رأس المأمون فقال لي: يا إبراهيم قلت: لبيك قال: عشرة من أعمال البر لا يصعد إلى الله والله لا يقبل منها شيء قلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بكاء إبراهيم على المنبر وخشوع عبد الرحمن بن إسحاق وتقشف ابن سماعة وصلاة خيعويه بالليل وصلاة عباس الضحى وصيام ابن السندي الاثنين والخميس وحديث أبي رجاء وقصص الحاجبي وصدقة حفصويه وكتاب الشامي ليعلى بن قريش

تلبيس إبليس لابن الجوزي
خطبة الكتاب | حكمة بعثة الرسل | حقيقة الأديان | ذكر تراجم الأبواب | الباب الأول: الأمر بلزوم السنة والجماعة | الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين | ذم البدع والمبتدعين | لزوم طريق أهل السنة | انقسام أهل البدع | الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده | التحذير من فتن إبليس ومكايده | ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا | بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم | ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم | الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور | الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية | ذكر تلبيس الشيطان على فرق الفلاسفة | ذكر تلبيسه على الدهرية | ذكر تلبيسه على الطبائعيين | ذكر تلبيسه على الثنوية | ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم | مذهب الفلاسفة | ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل | ذكر تلبيسه على عباد الأصنام | ذكر بداية تلبيسه على عباد الأصنام | ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر | ذكر تلبيسه على الجاهلية | ذكر تلبيس إبليس على جاحدي النبوات | الكلام على جاحدي النبوات | ذكر تلبيسه على اليهود | ذكر تلبيسه على النصارى | ومن تلبيس إبليس على اليهود والنصارى | ذكر تلبيسه على الصابئين | ذكر تلبيس إبليس على المجوس | ذكر تلبيس إبليس على المنجمين وأصحاب الفلك | ذكر تلبيس إبليس على جاحدي البعث | مبدأ عبادة الأصنام | ذكر تلبيسه على القائلين بالتناسخ | ذكر تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد والديانات | تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد | ذكر تلبيس إبليبس على الخوارج | رأي الخوارج | ذكر تلبيسه على الرافضة | ذكر تلبيس إبليس على الباطنية | نقد مذهب الباطنية | الباب السادس: في ذكر تلبيس إبليس على العلماء في فنون العلم | ذكر تلبيسه على القراء | ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث | ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء | ذكر تلبيسه عليهم بإدخالهم في الجدل كلام الفلاسفة واعتمادهم على تلك الأوضاع | ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص | ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب | ذكر تلبيس إبليس على الشعراء | ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء | نقد مسالك الكاملين من العلماء | الباب السابع: في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين | الباب الثامن: ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات | ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث | ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء | ذكر تلبيسه عليهم في الأذان | ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة | ترك السنن | الإكثار من صلاة الليل | تلبيسه عليهم في القرآن | ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن | ذكر تلبيسه عليهم في الصوم | ذكر تلبيسه عليهم في الحج | تلبيسه عليهم في التوكل | ذكر تلبيس إبليس على الغزاة | ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر | الباب التاسع: في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد | تلبيسه على الزهاد | تلبيسه على العباد | نقد مسالك الزهاد | احتقار العلماء وذمهم | تفسح العلماء في بعض المباحات | الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية: من جملة الزهاد | نقد مسالك الصوفية | أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة | سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد: ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة | ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها | نقد مسالك الصوفية في تجردهم | الصبر على الفقر والمرض | زهد الصوفية في المال | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم | الزهد في اللباس | لبس الفوط المرقعات | كثرة ترقيع المرقعة | النهي عن لباس الشهرة وكراهته | لبس الصوف | اللباس الذي يظهر الزهد | تجريد اللباس | المبالغة في تقصير الثياب | من الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة | تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء | الثوب الواحد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم | ذكر طرف مما فعله قدماؤهم | الامتناع عن أكل اللحم | فصل: في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها | الصوفية والجوع | ماء الشرب | ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد | رأي الصوفية في الغناء | مذهب الإمام أحمد | مذهب الإمام مالك | مذهب أبي حنيفة | مذهب الشافعي | فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما | في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء | نقد مسالك الصوفية في السماع | حكم الغناء عند الصوفية | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد | نقد مسالك الصوفية في الوجد | دفع الوجد | إذا طرب أهل التصوف صفقوا | إذا قوي طربهم رقصوا | حالات الطرب الشديدة لدى الصوفية | نقد مسالك الصوفية في تقطيع الثياب خرقا | ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث | مجاهدة النفس | التوبة وإطالة البكاء | المرض من شدة المحبة | قتل النفس خوف الوقوع في الفاحشة | مقاربة الفتنة والوقوع فيها | فائدة العلم | الإعراض عن المرد | صحبة الأحداث | عقوبة النظر إلى المردان | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة | النهي عن الانفراد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح | نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح | محاذير ترك النكاح | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة | نقد مسالك الصوفية في السياحة | المشي في الليل | ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد | سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم | مسالك الصوفية في تركهم الاشتغال بالعلم | ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم من تشاغل بالعلم | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم | ذكره نبذة من كلامهم في القرآن | ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى | بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة | رأي بعض الصوفية في الملانفية | من اندس في الصوفية من أهل الإباحة | الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات | الباب الثاني عشر: تلبيسه عليهم في التفكير في ذات الله تعالى من حيث هي | مخالفتهم العلماء وتقديمهم المتزهدين على العلماء | تلبيسه عليهم في قدحهم العلماء | تعظيم المتزهدين | إطلاق النفس في المعاصي | الغرور بالنسب | اعتمادهم على خلة خير ولا يبالي بما فعل بعدها | تلبيسه على العيارين في أخذ أموال الناس | الاعتماد على النافلة وإضاعة الفريضة | حضور مجالس الذكر | أصحاب الأموال | تلبيسه على الفقراء | تلبيس إبليس على جمهور العوام | تلبيس إبليس على النساء | الباب الثالث عشر في ذكر تلبيس إبليس على جميع الناس بطول الأمل