بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية/4

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف: ابن تيمية



فصل

ثم قال ابن سينا في تقرير نفي الإرادة والحكمة المقصودة تنبيه أتعرف ما الجود الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض فلعل من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد ولعل من يهب ليستعيض معامل فليس بجواد وليس العوض كله عينا بل وغيره حتى الثناء والمدح والتخلص من المذمة والتوصل إلى أن يكون على الأحسن أو على ما ينبغي فمن جاد للشرف أو ليحمد أو ليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد فالجواد الحق هو الذي يفيض منه الفوائد لا لشوق منه وطلب قصدي لشيء يعود إليه واعلم أن الذي يفعل شيئا لو لم يفعله لقبح به أو لم يحسن منه فهو بما يفيده من فعله متخلص

وقال أبو عبدالله الرازي في تفسير ذلك الغرض منه بيان ماهية الجود وحده أنه إفادة ما ينبغي لا لغرض وهذا فيه قيود ثلاثة

أحدها الإفادة فإن من لا يفيد شيئا لا يكون جوادا

وثانيها أن يكون المفاد مما ينبغي إفادته فإن من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد

قال واعلم أن لفظة ينبغي لفظة مجملة فإنه يراد بها تارة الحسن العقلي كما يقال العلم مما ينبغي والجهل مما لا ينبغي لكن الحكماء لا يقولون بالحسن والقبح العقليين وقد يراد بهما الإذن الشرعي كما يقال النكاح مما ينبغي والسفاح مما لا ينبغي أي النكاح مأذون فيه شرعا والسفاح ممنوع منه شرعا وهذا التفسير أيضا لا يليق بالحكماء وليس لهذه اللفظة معنى ملخص سوى هذين المعنيين فظهر الإجمال من هذه اللفظة

وثالثها أن لا تكون الإفادة لعوض فإن من يهب ليستعيض معامل سواء كان العوض عينا أو ثناءا أو مدحا أو تخلصا عن الذم أو أن يكون فاعلا للأليق والأحسن ثم أنه لما مهد هذه القاعدة قال فالجواد الحق إلى آخره ومعناه ظاهر

قال ولقائل أن يقول القصد إلى إيصال الفائدة إلى الغير لو لم يكن معتبرا في الجواد لوجب أن يقال الحجارة إذا سقطت من السقف ووقعت على رأس عدو إنسان ومات ذلك العدو أن تكون تلك الحجارة جوادا مطلقا لأنه حصل منها ما ينفي العوض فإن التزم كون الحجر جوادا مطلقا وقال هذا هو الجود وإن كان شنيعا في المشهور فنقول له الذي عولت عليه أيضا ليس حجة برهانية بل كلاما إقناعيا خطابيا فإن غاية كلامك أن كل ما غرضه في الإفادة أن كون فاعلا للأولى كان غرضه من الإفادة تخليص نفسه من الذم فهذا ضعيف لأنه يقال إن عنيت بقولك إنه يخلص نفسه من الذم لأن غرضه من فعله أن لا يصير مستحقا للذم مع علمه أنه لو لم يفعله لا يستحق الذم فلم قلت إن ذلك محال وهل هذا الا الزام للشيء على نفسه وإن عنيت به معنى آخر فبينه لنتكلم عليه فصح أن الحجة التي ذكروها لا تصير على السبك والنظر والحق لكنها حجة إقناعية وإذا كان كذلك كانت الحجة التي ذكرناها تصلح معارضة لها

قلت هذه الحجة من جنس التي قبلها في اسم الغني وأفسد منها ويظهر ذلك بوجوه

أحدها أن يقال هذه الحجة مبنية على مقدمتين

إحداهما أن الحق مسمى بأنه جواد

والثانية أن تفسير الجواد هو ما ذكرته ولم تذكر على واحدة من المقدمتين حجة أصلا لا بينة ولا شبهة فكان ما ذكرته مجرد دعوى لبست بها على الناس كما لبست بقولك انه غني وإن الغني هو من يكون كذا ولم تذكر على واحدة من المقدمتين حجة لكن هناك ادعيت أن ثبوت الإرادة مستلزم للفقر إلى غيره وقد ثبت أنه واجب الوجود فلا يكون مفتقرا إلى غيره وهذه الحجة وإن كان قد تبين فسادها فلم تذكر في اسم الجواد حجة نظيرها بل كان هذا دعوى مجردة إذ لا يمكن أن يقول واجب الوجود يجب أن يكون جوادا كمال قال يجب أن يكون غنيا

الثاني أن يقال لا ريب أن الله عند أهل الملل كريم جواد ماجد محسن عظيم المن قديم المعروف وأن له الأسماء الحسنى التي يثنى عليه فيها بإحسانه إلى خلقه لكن وإن كانت هذه الحجة مبنية على تسليمهم ذلك فليست حجة عقلية بل جدلية وهذا ليس بفلسفة

الثالث أن يقال هم إذا سموه بهذه الأسماء الحسنى سموه بها بالمعنى الذي يفسرونه به بالذي لا ينافي إرادته ورحمته بل عندهم نفس الرحمة التي نفيتها أنت لنفيك الإرادة أو إرادة الإحسان إلى عباده هي عندهم تدل على الإحسان والجود بلا نزاع بينهم لكن طائفة من نفاة الصفات يجعلون الرحمة هي نفس الإحسان وإن وافقهم على ذلك بعض الصفاتية حتى بعض أصحاب أحمد رحمه الله وطائفة كبيرة من الصفاتية يقولون الرحمة تعود إلى إرادة الإحسان وهذا قد يقوله بعض أصحاب أحمد والذي عليه أئمة الصفاتية وجمهورهم أن الرحمة صفة لله ليست هي الإرادة كما قال إن السمع والبصر ليس نفس العلم

والمقصود أنك احتججت بموافقتهم لك على إطلاق الاسم فإن كنت تحتج بالموافقة على معناه لم يكن لك حجة لأنهم متفقون على أن معنى هذا الاسم عندهم لا ينفي ما تنفيه أنت في إرادته وغير ذلك وإن كنت تحتج بمجرد الموافقة على اللفظ مع التنازع في معناه فهذه حجة فاسدة جدا لأنهم أطلقوا الاسم بمعان فادعيت أنت أنه كان ينبغي أن يريدوا بهذا الاسم معان أخر وهذا من جنس أن يقال كان ينبغي أن يعنوا بلفظ الإحسان كذا وبلفظ الحركة وبلفظ الفعل كذاونحوذلك من المعاني التي لم يريدوها بذلك اللفظ وحاصله أنه اعتراض على اللغة بأنه كان يجب أن يعنى بألفاظها من المعاني أمورا أخر ولا ريب أن هذا اعتراض فاسد على اللغة فضلا أن يكون حجة في المعاني العقلية الإلهية

الرابع أن يقال هب أنه سلم لك أن اللفظ كان ينبغي أن يستعمل في المعاني التي ذكرتها لكن هم إذا لم يستعملوها إلا في المعاني التي قصدوها لم يكونوا موافقين لك على ما ادعيته من المعنى وإن قصروا في العبارة فيكون ما أثبته من المعنى أثبته بلا حجة علمية ولا جدلية بل مجرد الدعوى وهذا بين واضح ولله تعالى الحمد

الخامس أنه لو احتج على هذا بدليل سمعي مثل أن يثبت بالنص أنه جواد لم يفسره بهذا المعنى لم يصح ذلك أيضا لهذين الوجهين أحدهما أن الأدلة التي يذكرها ليست سمعية شرعية وهو يعترف بذلك فلا يقبل منه أن يذكر دليلا سمعيا ويدعي أنه عقلي مع أن هذا الاسم ليس في القرآن وإن جاء في بعض الأحاديث الثاني أن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع وفي بيان معناها إلى من نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها ولا ريب أن الفلاسفة من أبعد الناس عن ذلك ولو ادعوا نقلا عن المرسلين اللفظ ولمعناه من غير رجوع في ذلك إلى أهل العلم بأثارة المرسلين لم يكن ذلك مقبولا باتفاق العقلاء ثم كيف يصح أن يحتج محتج بمثل هذه الدلالة الضعيفة على نفي إرادة الله تعالى والقرآن مملوء من إثبات إرادته ومشيئته ورحمته وحكمته ولو قدر أنه يتناول ذلك كان من المعلوم بالاضطرار لكل أحد أن ما ذكره ليس فيه ظهور يحتاج إلى تأويل بل هو أبعد من ذلك فكيف يتأول النصوص والظواهر لأجل ذلك وإنما غاية المتأول أن يدعي معارضة المعقولات للسمعيات ونحن قد بينا أن هذه الحجة ليست من المعقول قبل بل هي مع كونها سمعية لفظية فهي دعوى مجردة بل كاذبة كما سنبينه

الوجه السادس أن يقال له هذا الحد الذي ذكرته في الجود حين قلت إن من جاد ليشرف وليحمد وليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد فهذا التفسير عمن نقلته ومن ذكره من أهل التفسير للنصوص أو من أهل اللغة العربية بل من سائر لغات الأمم وإن كان ذلك لا ينفعه إن لم يبين معنى هذا اللفظ العربي في لغة العرب ومن المعلوم أن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالنصوص الشرعية واللغة العربية فصار ذلك افتراءا على النصوص واللغة

الوجه السابع أن يقال اسم الجواد يقال على كثير من المخلوقين مع انتفاء هذه المعاني عنهم فلو كان هذا المعنى داخلا في هذه الاسم لم يصح إطلاقه على مخلوق إلا مجازا أو بطريق الاشتراك وكلاهما مع كونه خلاف الأصل إنما يكون إذا ثبت استعمال اللفظ في المعنى مجردا فكيف وأصل الاستعمال منتف

الوجه الثامن أن يقال المعروف في الشرع واللغة والعقل أن الذي يفعل أو يفيد ما ينبغي لا لمقصود أصلا عابث وإن كان لا لمقصود يعود إلى نفسه فهو سفيه أو جاهل وكلاهما مذموم في الشرع والعقل بل يستحق في الشرع أن يحجر عليه وهو من أسو المبذرين حالا فإن من المبذرين من يبذل المال لأغراض محرمة وإن كان فيها ما هو مقصود له فأما من يبذل ما ينبغي لا لمقصود أصلا فهذا إن كان موجودا فهو مذموم واسم الجود في الشرع واللغة والعقل اسم مدح فيستحيل أن يفسر بما لا يكون عند الناس إلا مذموما

بل يقال في الوجه التاسع هذا المسمى لا يعرف وجوده أصلا فليس في الموجودات ما يفيد وينفع لا لمقصود أصلا حتى الحركات الطبيعية لحركتها منتهى ومستقر هو منتهى ميلها ويسمى ميلها إرادة وقد جعلوهم عشقا لذاك الكمال وإذا كان هذا المسمى معدوما والاسم معروفا في الشرع واللغة لأعيان موجودة امتنع أن يكون مسماه ما ذكره

بل يقال في الوجه العاشر إن ما ذكره ممتنع لذاته ولهذا هم يسلمون أنه ليس في الموجودات ما هو كذلك إلا ما يذكرونه في واجب الوجود وهم متناقضون في ذلك فيصرحون تارة أنه يفعل لقصد منه للغاية ورحمة منه وتارة يقولون ليس له إرادة ولا قصد وإن كانوا متناقضين في ذلك تبين أن أحدا من العقلاء لم يستقر قوله على إثبات موجود بهذه الصفة التي سموها جودا

الوجه الحادي عشر أن يقال الجود إفادة ما ينبغي لا لغرض هو كلام مجمل يحتمل الحق والباطل بل الظاهر منه للناس هو الحق الذي لم يرده فإنه يقال لك العوض المعروف في الشرع واللغة والعرف والعقل هو ما يبذله أحد المتعاوضين للآخر في مقابلة ما بذله الآخر له كثمن المبيع وأجرة الأجير وثواب الهدية ومكافأة النعمة ونحو ذلك فلا ريب أن من أعطى غيره ليعطيه ذلك الغير عوضها فهذا مستعيض وليس بجواد ولهذا يفرق الفقهاء بين عقود المعاوضات والتبرعات بنحو هذا الفرق ولهذا قال المخلصون إنما نطعمكم لوج الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فأخبروا أنهم لا يريدون من المنعم عليهم لا جزاء ولا شكورا ولم يقولوا لا نريد ذلك من أحد لا من الله ولا من غيره فإن هذا إما ممتنع وإما سفاهة ولهذا كان المحققون للإخلاص لا يطلبون من المحسن إليه لا دعاءا ولا ثناءا ولا غير ذلك فإنه إرادة جزاء منه فإن الدعاء نوع من الجزاء على الإحسان والإساءة كما جاء في الحديث من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه وقال الشاعر

ارفع صغيرك لا يجزيك ضعفه... يوما فتدركه العواقب قد نمى

يجزيك أو يثني عليك وإن من... ثنى عليك بما فعلت فقد جزى

وأيضا كانوا إذا كافأهم المعطي بدعاء وغيره قابلوه بمثل ذلك ليبقى أجرهم على الله تعالى ولا يكونوا قد اعتاضوا عنه كما كانت عائشة رضي الله عنها إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للمرسل اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم مثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله تعالى فهذا أو نحوه غاية ما يقدر من الجود المعروف فأما جود أهل الجاهلية ونحوهم ممن يقصد به الثناء عليه ولو بعد موته فذاك دون هذا

وأيضا فإن الإنسان قد يحب بنفسه فعل الخير والإحسان ويتلذذ بذلك لا لغرض بل يتلذذ بالإحسان إلى الغير كما يتلذذ الإنسان بلذاته المعروفة وأشد وإن لم يصل إليه نفع لذته بالإحسان كما أن النفوس الخبيثة قد تلتذ بالإساءة والعدوان وإن لم يحصل لها بذلك منفعة ولا دفع مضرة فهذا أيضا موجود وصاحبه من أهل الإحسان والجود فأما أن يكون في الوجود من يفعل فيه ولا لمعنى في غيره فهذا لا حقيقة له أصلا وقد علم أن أهل الشرع واللغة وسائر العقلاء الذين يقولون الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض أصلا إنما يريدون به عوضا يكون في مقابلة العطية إما من المعطي أو ممن يقوم مقامه كمن يبذل لغيره مالا ليعتق عبده أو يخلع امرأته أو يفك أسيره

وبالجملة فالعوض الذي ينافي الجود يشترط فيه أمران أحدهما أن يقصده المعطى والثاني أن يقصده من المعطى وممن يقوم مقامه فأما من طلب العوض من الله تعالى أو أحسن للتذاذه هو بالإحسان فهذا لا ينافي الجود باتفاق العقلاء بل لو طلب الثناء من عباده ونحوهم لم يمتنع أن يسميه الناس جوادا كما سموا حاتما جوادا وغيره من أهل الجاهلية بالجود وإن كانوا قد يقصدون البسمعة والثناء في الخلق

الوجه الثاني عشر قوله ولعل من وهب ليستعيض معامل وليس بجواد وهذا فيه من الإجمال ما تقدم فإن معنى العوض الذي يمنع الجود في الشرع واللغة والعرف وعقول جميع الآدميين أخص من العوض الذي ادعاه بقوله وليس العوض كله عينا بل وغيره من الثناء والمدح والتخلص من الذم والتوصل إلى أن يكون علىالأحسن وعلى ما ينبغي فيقال له لا نسلم أن من أعطى لينال حمد الله وثناءه عليه أو التخلص من ذم الله تعالى لا يكون جوادا بل هذا جواد باتفاق الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله المؤمنين وسائر أهل السموات وأهل الأرضين وكذلك من وهب ليكون ذلك أقرب إلى الله تعالى وأحسن له عنده وأعلا لدرجته أو ليكون عند الله على ما يبنغي فلا نسلم أن هذا ليس بجواد وكذلك أهل كل لغة سواء كانوا مسلمين أو كفارا بل من وهب لينال ما هو عندهم أحسن وأعلى ولينال الحمد والثناء من الجناب الأعلى لشيء يليق به عندهم أن يطلب منه الحمد والثناء فهو جواد عندهم فقوله من جاد ليشرف أو ليحمد أو ليحسن ما يفعل فهو مستعيض غير جواد ليس بمسلم ولا دليل عليه

بل يقال في الوجه الثالث عشر هذا جواد باتفاق العقلاء من جميع الأمم وهذا هو الجود قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها وقال وما يفعلوا من خير فلن يكفروه وقال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وقال ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل وقال مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء وقال وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ويروى عن علي أو غيره أنه قال ما أحسنت إلى أحد وما أسأت إلى أحد إنما أحسنت إلى نفسي وأسأت إلى نفسي وعمل ذلك لأجل الله تعالى نهاية المطلوب قال كل من الرسل ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وقال وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى

الوجه الرابع عشر أن هذا الاسم بعينه لم يجئ في أسماء الله تعالى التي في القرآن ولا في الأحاديث المشهورة في الصحيحين وإن كان قد جاء بمعناه أسماء أخر كالكريم والاكرم والوهاب وما يستلزم هذا المعنى كالرحمن الرحيم والرب وغير ذلك لكن هذا الاسم جاء ذكره في الحديث حديث أبي ذر عن النبي عن الله وقد رواه مسلم لكن هذا الاسم جاء في رواية الترمذي وابن ماجة فيه يقول الله تعالى يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر غمسة واحدة وذلك أني جواد ماجد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري إذا أردت شيئا أن أقول له كن فيكون وروى هناد بن السري عن أبي معاوية عن حجاج عن سليمان ابن سحيم عن طلحة بن عبدالله بن كريز قال قال رسول الله إن الله جواد يحب الجود وقال أهل العلم الجواد في كلام العرب معناه الكثير العطاء يقال منه جاد الرجل يجود جودا فهو جواد قال أبو عمرو بن العلاء الجواد الكريم تقول العرب فرس جواد إذا كان غزير الجري ومطر جواد إذا كان غزيرا قال عنترة

جادت عليها كل عين ثرة... فتركن كل حديقة كالدرهم

وجاء في الحديث في وصفه المطر الذي استسقاه الرسول فما جاء أحد من جميع النواحي إلا أخبر بجود وفي حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم في الثلاثة الذين يقضى الله عليهم يوم القيامة أولا ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن أنفق فيها إلا أنفقت فيها قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه في النار فهذا الحديث الصحيح يدل على أن قولهم جواد مثل قولهم كريم كما قال أبو عمرو فقد ثبت فيه بالنص وقول أهل اللغة إن المخلوق يسمى جوادا وإن كان إنما يفعل لمصلحة له وإنما يفعل بإرادته

الوجه الخامس عشر أن تسمية الرب سبحانه وتعالى جوادا وإن كان قد قيل هو بمعنى كونه كريما فالاسم الكريم يتناول معاني الجود فإن فيه معنى الشرف والسؤدد ومعنى الحلم وفيه معنى الإحسان

ومن تأمل مقالات أهل الفلسفة والكلام ومن يضاهيهم في هذا الأصل وجدهم عامتهم مضطربين فيه كل منهم وإن أثبت نوعا من الحق واعتصم به فقد كذب بنوع آخر من الحق فتناقض وأكثر عقول الناس تبحث دون تأمل هذا إذ أحدهم يرى نفسه إما أن يقول حقا ويقول ما ينقضه أو يقول حقا ويكذب بحق آخر وتناقض القولين باطل والتكذيب بالحق باطل والحق الصريح لا يرى قلبه يستطيع معرفته كما لا يستطيع أن يحدق بصر عينه في نور الشمس بل كما لا يستطيع الخفاش أن يرى ضوء الشمس وقد قال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

والمقصود هنا بيان تناقض الدهرية وفساد حجتهم

فصل

المشهور بين أهل السنة والجماعة أنه لا يقال في صفات الله عز وجل كيف ولا في أفعاله لم وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن السلف والأئمة نفوا علمنا الآن بكيفيته كقول مالك رحمه الله الاستواء معلوم والكيف مجهول لم ينفوا أن يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو وتكلمنا على إمكان العلم بها عند رؤيته في الآخرة أو غير ذلك لكن كثيرا من الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه وكذلك إذا قلنا لا يقال في أفعاله لم فإنما نفينا السؤال بلم وذلك ينفي علم السؤال بالحكمة الغائية المقصودة بالفعل التي تصلح أن تكون جواب لم وهي المقرونة باللام في قول المجيب لكذا وهي التي تنصب على المفعول له إذا حذفت اللام بأن تكون العلة مصدرا فعلا لفاعل الفعل المعلل ومقارنة له في الزمان كما تقول فعلت هذا ابتغاء وجه الله ونحو ذلك لكن اللام تقرن بها نفس الحكمة المقصودة قصدها فيقال فعلت هذا لله ولابتغاء وجه الله وأما مع حذف اللام فلا يكون المنصوب إلا ما يقوم بالفاعل من الباعث له كالإرادة والكراهة وما يستلزم ذلك كما يقال قعد عن الحرب جبنا لأن الجبن يتضمن البغض والكراهة وكما يقال

واغفر عوراء الكريم ادخاره... واعرض عن ذم اللئيم تكرما

فإن ادخاره يتضمن قصد الانتفاع به والتكرم يتضمن صون النفس عن التأذي بشتمه

لكن قولهم لا يقال في أفعاله لم لا ينفي ثبوت الحكمة التي تكون مقصودة له في نفس الأمر ولا كونه مريدا لها قاصدا وإن كان ذلك ينفيه من ينفيه من نفاة التعليل ومثبتيه ولهذا قال بعض علماء السلف إن الله علم علما علمه العباد وعلم علما لم يعلمه العباد وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد ورووا في قصة سؤال موسى العرش وعيسى للرب أو تعظيم أنه لو أراد أن يطاع لأطيع وقد أمر أن يطاع وهو مع ذلك يعصى ومضمون السؤال لو أردت هذا لكان واقعا لأنك قادر عليه فما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ثم قد أمرت به والأمر يستلزم محبته وطلبه فهلا كان المحبوب المطلوب قد أريد وقوعه فأوحى الله تعالى إليهم أن هذا سري فلا تسألوني عن سري وأن المسيح قال للحواريين القدر سر الله فلا تكلفوه

والمقصود التنبيه على أن العقول تعجز عن إدراك كنه الغاية المقصودة بالأفعال كما تعجز عن إدراك حقيقة الفاعل ولكن نفي الشيء غير نفي العلم به

ونفي هذه الحكمة المقصودة لظن أن ثبوتها يستلزم قيام الحوادث المستلزمة حدوثه به واستكماله بغيره المقتضي حاجته ونحو ذلك هو نظير صفاته الثابتة بالفطرة والشرع والعقل لظن أن ثبوتها يستلزم حدوثه أو يستلزم افتقاره إلى غيره فما توهمه النفاة المكذبون من المتفلسفة والمتكلمين من أن ثبوت الأفعال أو حكمها يستلزم حدوا وحاجة هو من جنس واحد وكل منهم يلزمه فيما أثبته أعظم مما فر منه هو لم يثبت إلا هذا الموجود المحسوس بلا صانع أصلا بل كلما كان أقل إثباتا كانت المحذورات فيما يثبته أعظم وأعظم لأن الإثبات إذا قل قلت صفات الكمال وكان ما يلزمه من النقائص وما يتوهم أنه مستلزم للحوادث والفقر أعظم وأعظم فيلزمه اجتماع هذه الأمور مع نقيضها من القدم والوجوب

فليتدبر المؤمن العلم بهذا الأصل الجامع العظيم فإنه من أعظم ما يهدي به الله تعالى إلى الصراط المستقيم

ثم قالوا في جواب ما ذكروه من إبطال الغرض قوله في الوجه الثاني في إبطال هذا القسم إن كل من فعل فعلا لغرض فهو أحسن من ذلك الغرض

قلنا القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا غير علمية بل خطابية فلا يمكن بناء القواعد العلمية عليها على أننا ننقض هذه القضية بالراعي فإنه ليس أخس من الغنم وبالنبي فلأن أمته ليسوا بأشرف منه فهكذا هنا

وهذا جواب ضعيف وقد تعلمه من ابن سينا فإنه هو القائل في الشفاء إن القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا خطابية وليس الأمر كذلك فإنه من المعلوم ببديهة العقول أن الشيء إذا لم يقصد به إلا أن يكون وسيلة وطريقا إلى غيره فالذي هو المقصود بذاته يجب أن يكون أكمل في الوجود من الذي ليس يراد منه إلا أن يكون وسيلة إلى غيره والمعني بالشرف كمال الوجود وبالخسة نقص الوجود وهذا أمر معقول بل على مثل ذلك تبنى عامة البراهين الصحيحة بل معرفة الفطرة بمثل هذه القضية أبين عندها من كثير من القضايا البديهية لأنه يجتمع فيها العلم والحب فتبقى معلومة بالعقل موجودة مذوقة بوجد القلب وذوقه وإحساسه فتكون من القضايا العقلية المحسوسة بالحس الباطن وإلا فهل يقول عاقل إن الموجود الذي يكون وجوده أكمل من غيره لا يقصد به إلا أن يكون وسيلة إلى الموجود الذي هو دونه وأنقص منه

وأما ما ذكره من التمثيل بالنبي والراعي فيقال منشأ الغلط في مثل هذا هو اشتباه المقصود بالقصد الأول بالمقصود بالقصد الثاني وذلك أن الراعي ليس مقصوده الأول برعاية الغنم مجرد نفعها بدون غرض يحصل له هو من ذلك بل إنما يقصد أولا ما كان مصلحة له ونفعا وكمالا إما تحصيل الأجرة وهو المال الذي ينتفع به ويقضي به حاجاته أو يتشرف وإما رحمة للغنم وإحسانا إليها ليدفع عن نفسه الألم الحاصل لنفسه إذا كان الحيوان محتاجا متألما وهو لا يزيل ألمه أو لتحصل له العافية والرحمة من هذا الألم ويحصل له تنعم وفرح وسرور بالإحسان إليها أو أن تكون به أو لصديقه أو لقريبه فيقصد برعايته ما يحصل له له من المنفعة والفرح والسرور وزوال الضرر بمثل ذلك وكذلك النبي فإنه بالإحسان إلى الأمة إنما يقصد ما يناله من التقرب إلى الله تعالى وعبادته والإحسان إلى عباده من أنواع المطالب والمقاصد التي هي أشرف وأعظم من فعله بهم فمطلوبه ومقصوده أعظم من العباد الذين ينفعهم فأما أن تكون الغاية المقصودة له بذاتها هي مجرد نفعهم من غير مقصود آخر يكون أشرف من هذا فهذا إنما يقوله جاهل شديد الجهل بالمقاصد والنيات

وقد أجاب طائفة ثالثة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم كابن الهيصم في كتابه المسمى بجمل الكلام وكالقاضي أبي يعلى الصغير في كتابه المصنف في أصول الدين عن سؤال الحكمة بجواب خير من جواب هذين كما أن هؤلاء أيضا قالوا في سبب الحوادث خيرا من قول هذين وإن كان الجميع مقصرين في الأمرين جميعا وقالوا العلة فيه استدعاء الحمد والتعظيم من عبيده وذلك أن الحكمة تستحسن استدعاء الحمد من مستحقه واستدعاء التعظيم ممن هو أهله كما أنه يسحسن طلب المحامد من عدمها ألا ترى أنه من عدم المعاني التي يستحق عليها الحمد والتعظيم كيف يحسن في الحكمة أن يبذل الوسع في طلبها ولذلك حسن منا طلب العلوم ومكارم الأخلاق فأما الله تعالى فقد كان كامل العلم والقدرة والجود والكرم فخلق العالم وأسكنه أهل التمييز يستدعي بذلك حمدهم له وتعظيمهم إياهه وعلى ذلك يخلد من يخلده منهم في الجنة أبد الآبدين قال الله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون

قالوا والدليل على أن وجه حكمة الله في خلق هذا العالم أن يدل على صفاته التي توجب تعظيمه وأن يستدعي الحمد له أن هذا الوجه من القصد حسن مقبول عند كل عاقل وليست المنافع كذلك من قبل أن المتقدمين والمتأخرين قد اختلفوا في المنافع هل هي حاصلة في أنفسها أم لا وذلك يدل على أن المنفعة ليست صريح الحكمة والحسن لاشتباه ذلك على من عرفها وثبت أن صريح الحكمة والحسن استدعاء الحمد والتعظيم من مستحقها إذ كان هذا الوجه في تشبيه على ذي عقل

قالوا وقد قال الله تعالى جل جلاله فيما وصف أهل الجنة وله الحمد في الأولى والآخرة وقال وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وإذ قد جعل حمدهم إياه آخر ما يحشرهم إليه بكلية هذا التدبير ثبت أنه الغرض من خلق الكل وقال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون يعني ليعبده منهم البعض فتكون عبادتهم وتعظيمهم إياه عوضا عن جملة ما خلق ممن عبده وممن لم يعبده وذلك أن من لم يعبد صار سببا لعبادة من عبد ولذلك صح أن تكون عبادة من عبد غرضا من كلية هذا التدبير

قالوا وفي تكليف من علم أنه لا يطيع لم يكن غرضه من تكليفه إياه أن يتأدى إلى حسن حال يخصه في عاقبة أمره بل أخر تكليفه ذلك إلى غرض صحيح وليس يجب أن يكون غرضه في تكليف كل واحد من المكلفين ما يعود إلى حسن حال يخصه وما ينتفع به فيعاقبة أمره بل الذي يجب أن يكون غرضه من ذلك أمر هو صحيح في الحكمة كما أنه خلق الجماد ولم يكن غرضه من خلقه أن يتأدى به خلقه إلى منفعة تخصه في نفسه وإنما خلقه لغرض آخر وذلك أنه أظهر بتكليف من هلك ضربا من تدبيره واستدعى بذلك محامد من علم أنهم يعتبرون به ونفع بتكليفه غيره ممن علم أنهم ينتفعون بذلك وهو إنما هلك بسوء اختياره فكان تكليفه حسن إلا أن أمره له بالإيمان والطاعة والشيء الذي كلف فعله حسن لأنه كلفه أن يؤمن ويطيع والذي عرض له أيضا حسن لأنه عرض لنعيم الجنة فأما الغرض من تكليفه فلم يكن حسن حال يخصه في عاقبته إذ قد علم أنه يهلك بسوء اختياره وإنما كان الغرض منه صلاح ضرب من التدبير علمه فيه ولولا ذلك لم يكن ليكلفه

قلت وليس المقصود هنا بيان ما يجب أن يقال في حكمة الله تعالى ومشيئته ورحمته وما يستحقه من الصفات والأفعال إذ لكل مقام مقال

ولكن الغرض بيان ممانعة الجهمية والدهرية وعجز كل طائفة عن تصحيح قولها لاشتراك الطائفتين في جحد أصول فطرية ضرورية جاءت الرسل بكمالها وتمامها وشهدت بها الأقيسة الصحيحة وأن الجهمية عاجزون عن الجواب عن شبه الدهرية على أصولهم وأن الدهرية عن الجواب عن حجج الجهمية على أصول أنفسهم أعجز وأن حجة كل واحدة من الطائفتين باطلة على أصل نفسه كما هي باطلة على أصل خصمه فإذا كانت حججهم باطلة على الأصلين وجوابهم عن حجج خصومهم باطل على الأصلين كما أن ذلك أيضا باطل على الأصول الصحيحة ظهر مع بطلان أصولهم عظم تناقضهم من كل وجه

وقد تقدم أن هذه الحجة حجة الحكمة والغرض للفعل احتج بها الدهرية وذكرنا أنهم يعارضون بها على كل قول يقولونه فتبين أن الذي يلزمهم أعظم مما فروا منه

ونقول قد تبين أنهم معترفون بما هو مشهود معلوم من ظهور الحكمة التي في العالم التي يسمونها العناية والفلاسفة من أعلم الناس بهذا وأكثر الناس كلاما فيما يوجد في المخلوقات من المنافع والمقاصد والحكم الموافقة للإنسان وغيره وما يوجد من هذه الحكمة في بدن الإنسان وغيره سواء كانوا ناظرين في العلم الطبيعي وفروعه أو علم الهيئة ونحوه من الرياضي أو العلم الإلهي وأجل القوم الإلهيون وقد تقدم ما ذكر في اعترافهم بأن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد ولا ريب أن الاعتراف بهذا ضروري كالاعتراف بأن المحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من مرجح فكما أن هناك مقدمتين إحداهما أن هنا حوادث مشهودة والحادث لا بد له من محدث والأولى حسية والثانية عقلية بديهية ضرورية وكذلك أن ها هنا ممكنات والممكن لا بد له من مرجح واجب فكذلك ها هنا مقدمتان

إحداهما أن هنا حكما أو منافع مطلوبة والثانية أنه لا بد لذلك من فاعل قاصد مريد وهما مقدمتان ضروريتان الأولى حسية والثانية عقلية فإن الإحساس بالانتفاع كالإحساس بالحدوث وإن كان في تفاصيل ذلك ما يعلم بالقياس أو الخبر ثم هذه الحكم قد يعلم حدوثها وقد يعلم إمكانها كالأسباب

وأيضا فإنه يقال هذا الموجود المحسوس يستلزم الواجب القديم فإن كل موجود إما قديم واجب بنفسه وإما ممكن أو محدث والممكن والمحدث يستلزم القديم الواجب فثبت الموجود الواجب القديم فكذلك يقال هذه المقاصد المحسوسة تستلزم وجود موجود مقصود لنفسه لأن هذه المقصودات إما أن تكون مقصودة لنفسها أو لغيرها والمقصود لغيره يستلزم وجود المقصود لنفسه فثبت أنه لا بدمن مقصود لنفسه علىالتقديرين كما ثبت أنه لا بد من موجود لنفسه على التقديرين ثم هذا يدل على وجود المريد الفاعل لهذه الموجودات لغيرها ولنفسها

وإذا تقرر هذا تبين تناقض الفلاسفة وفساد مذهبهم في حجة الحكمة والغرض وحجة السبب الحادث وهما جماع الكلام وذلك أنهم لما قالوا في حجة الفرض إذا أحدثه كان فاعلا بالاختيار وذلك محال لما تقدم من الوجهين أحدهما أن ذلك يستلزم إما استكماله بغيره وإما العبث ولما في ذلك من المحذور على تقدير جواز القبائح عليه وعدم جوازها فيقال لهم أنتم معترفون بالاختيار كما تقدم التصريح عنكم بأن هذه الحكم ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد له وهذا موجود في عامة كتب الفلاسفة وأعظمهم قدرا هم الإلهيون المشاؤون وهم أعظم الناس تصريحا بذلك وكذلك الطبائعيون حتى محمد بن زكريا الرازي وأمثاله

ثم يقال ثبوت القصد والاختيار كثبوت الواجب القديم كما تقدم بيانه فقد ثبت بالعلوم الضرورية وبالمقاييس البرهانية وبالاتفاق وجود الفاعل القاصد لهذه الحكم المريد لها كما يثبت ذلك وجود الموجود القديم الواجب بنفسه وحينئذ فالقدح في ثبوت الفاعل المختار كالقدح في ثبوت الموجود القديم الواجب بنفسه وهذا إنما يمكن بإنكار وجود هذه الموجودات المحسوسة وهذا في غاية البيان والإحكام والإتقان ويقال لهم حينئذ فهذا القصد والإرادة يستلزم ما ذكرتموه سواء بسواء فما كان جوابكم عن ذلك فهو جواب لمن قال بحدوث العالم سواء

وأما في مسألة السبب الحادث إذاثبت أنه فاعل بالقصد والإرادة وأن له عناية بالمفعولات لزمكم كلما ألزمتموه لغيركم فإن ابن رشد الحفيد قال في إلزامه للمتكلمين وأيضا فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص لا بد أن يحدث فيها في وقت إيجاد المراد عزم علىالايجاد لم يكن قبل ذلك الوقت لأنه إن لم يكن في المريد في وقت الفعل حالة زائدة على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل لم يكن وجود ذلك الفعل في ذلك الوقت أولى من عدمه فيما تقدم

فيقال لهم حينئذ يجب أن يتجدد له عزم في وقت حدوث هذه الحوادث وحكمها وحينئذ فالقول في حدوث ذلك العزم كالقول فيما طلبتموه من السبب الحادث للعالم

وأيضا فقد قلتم إذا كانت الإرادة قديمة لزم قدم المراد فلو كانت له إرادة قديمة لزم قدم الحوادث

وفي الجملة فأنتم بين أمرين إما أن تنكروا القصد والإرادة وقد تبين أن ذلك كإنكار الموجود الواجب نقلا عنكم وإلزاما لكم وإما أن تقروا بالقصد والإرادة فيبطل جميع ما بنيتموه على إنكار ذلك وجميع ما يخالفون به أهل الملل إنما هو مبني على إنكار ذلك وإلا فمتى وقع الاعتراف بأن صانع العالم فاعل مختار انهارت هذه الفلسفة كما ينهار ما أسس على شفا جرف هار فلا ريب أن هذه الآية إشارة واعتبار لمثل حالهم فإنهم بنوا مذاهب تتخذها القلوب عقائد ومقاصد مقابلة لما جاء به المرسلون كالذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم

ومما يوضح ذلك أن القاضي أبا الوليد الفيلسوف ابن رشد قال في كتاب مناهج الأدلة في الرد على الأصولية وأما الإرادة فظاهر اتصافه بها إذ كان من شرط صدور الشيء عن الفاعل العالم أن يكون مريدا له وكذلك من شرطه أن يكون قادرا فأما أن يقال إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة وشيء لا يعلمه العلماء ولا يقنع الجمهور أعني الذين بلغوا رتبة الجدل بل ينبغي أن يقال إنه مريد لكون الشيء في وقت كونه وغير مريد لكونه في غير وقت كونه كما قال تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فإنه ليس عند الجمهور كما قلنا شيء يضطرهم إلى أن يقولوا هو مريد للمحدثات بإرادة قديمة إلا ما توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث

قلت وهذا الكلام كالصريح في تجويز قيام الحوادث بالرب وبالجملة فهو لازم لهم وهو يبطل القول بقدم الأفلاك ويبين فساد كثير مما اعترض به هذا الفيلسوف على حجج المتكلمين فإنه إنما أطمعه فيمن رد عليهم نفيهم لهذا الأصل وقد تقدم أنه ما من طائفة من الطوائف وإن نفت هذا الأصل إلا وهي تلتزم به في مواضع أخر وإن القول به لازم لجميع الطوائف وذلك أن الفيلسوف قال بعد أن اعترض على حجة الأعراض الي للمتكلمين بما بعضه حق وبعضه باطل والحق منه لا يمنع من القول بحدوث هذه المخلوقات ثم قال وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعروفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين

إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على مقابل وما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أن يكون أصغر مما هو وأكبر مما هو أو بشكل آخر غير الشكل الذي عليه أو عدد أجسامه غير العدد الذي هو عليه أو تكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق وفي النار إلى أسفل وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية وفي الغربية أن تكون شرقية

والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل محدث صيره بأحد الجائزين أولى منه بالآخر فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادئ الرأي وهي

إما في بعض أجزاء العالم فظاهر كذبها بنفسه مثل كون الإنسان موجودا على خلقة غير هذه الخلقة التي هو عليها وفي بعض الأمر فيه مشكوك مثل كون الحركة الشرقية غربية والغربية شرقية إذ كان ذلك ليس معروفا بنفسه إذ كان يمكن أن يكون لذلك علة غير بينة الوجود بنفسها أن تكون من العلل الخفية على الإنسان ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء شبيها بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات من غير أن يكون من أهل تلك الصنائع وذلك أن الذي هذا شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات أو جلها ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ويوجد عن ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله أعني غايته فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة وأما الصانع والذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك فقد يرى أن الأمر بضد ذلك وأنه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروري أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضروريا فيه وهذا هو معنى الصناعة والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم

فهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع فليست تصلح لهم وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست شيئا أكبر من معرفة أسباب الشيء وإذ لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود فليس ههنا معرفة يختص بها الحكيم الخالق دون غيره كما أنه لو لم يكن هنا أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة لم يكن هنالك صناعة أصلا ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق أو بغير عضو حتى

يكون الإبصار مثلا يتأتى بالأذن كما يتأتى بالعين والشم يتأتى بالعين كما يتأتى بالأنف وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيما تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك

الوجه الثالث أن يقال له ما ذكرته من الأمور الضرورية في الأسباب إنما يجيء في حق من لم يخلقها دون من خلقها ومن هنا وقع الغلط حيث قسمتم أفعال الله بأفعالنا حتى عجزتموه عن غير ما خلقه وذلك أن الواحد منا إذا أراد أمرا من أكل وشرب ولباس وسفر وغير ذلك فإن لم يحصل الأسباب التي بها جعل الله وجود المطلوب لم يحصل والأسباب خارجة عن قدرته وإنما يمكنه تأليف ما يؤلفه أو نقله من موضع إلى موضع وأمثال ذلك من الأفعال دون إبداع الأعيان وأما الله سبحانه وتعالى وإن كان قد جعل بعض الاشياء سببا كما جعل الأكل مثلا سببا للشبع وخلق الطعام يغذي الإنسان فهو الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسنا ومما لا نعلم وإذا كان هو الخالق للجميع فيمتنع أن يكون مضطرا إلى شيء من دون ذلك فإنه إذا قيل البصر لا يمكن إلا بالعين والسمع لا يمكن إلا بالأذن ونحو ذلك من الأسباب فيقال هو الذي جعل هذه الماهيات وأبدعها وجعل لها هذه الصفات التي يتوصل بها إلى هذه المقاصد وقد كان من الممكن أنه إذا غير هذا التخليق أن يحصل إما فوق تلك الحكمة وإما ما هو دونها وإما ما يشاركها في الجنس دون النوع وإن كان نفس الحكمةالحاصلة فهذا لا يحصل إلا بمثله ألا ترى أن أهل الجنة يكونون في أبدانهم وقواهم أعظم مما هم في الدنيا مع كون هذه الحكم هناك أكمل وأبلغ وهب أن المنازع لا يصدق مثل ذلك فمن المشهود أن أبصار الناس وأسماعهم وسائر قواهم تختلف في القوة والضعف فتكون المنافع الحاصلة لهم متفاوتة مع العلم الضروري بأن الذي له لو جعل لهذا والذي لهذا لو جعل لهذا لكان يفوت التعيين وذلك لا يبطل أصل الحكمة وهكذا البلاد تختلف فيما خلق فيها من الاقوات والأنهار والمساكن فيختلف لذلك وجه الانتفاع مع أن أصل المقصود حاصل في الجميع وقد يحول الله ما ببض البلاد إلى بعض مع أن نظام العالم قائم والتحويل من حال إلى حال موجود في العالم فلو كان ما يوجد من الصفات والمقادير لغاية بمعنى أن وجود تلك الغاية ضروري أي لا يمكن عدمه إلا لزم منه فساد عام لم يكن الأمر كذلك

الوجه الرابع أن يقال قولك هذا ضروري الوجود في الأسباب والحكم ماذا تعني به أتعني به أنه واجب بنفسه بمعنى أنه يمتنع عدمه أم تعني به أنه إذا عدم عدمت الحكمة التي وجد لأجلها أما الأول فباطل قطعا وهو لم يرده وأما الثاني فيقال لك هب أنه يلزم من عدمه تلك الحكمة المعينة فتلك الحكمة المعينة ليست واجبة بنفسها بل هي أيضا جائزة فالقول بكونها مخصوصة بالإرادة دون غيرها من الحكم لا بد له من تخصيص وهو الإرادة بل تلك الحكمة لا تكون حكمة إلا أن تكون مقصودة وأنت تقول ذلك وتحتج به فصار ما جعلته ضروريا يدل على الإرادة المخصصة بطريق الأولى

الوجه الخامس أن يقال هذه الامور المستحيلة من حال إلى حال فحركاتها واستحالاتها إما أن تكون واجبة لذاتها وإما أن لا تكون واجبة لذاتها بل إنما صارت كذلك بفاعل غيرها فإن قدر الأولى قيل فإن جاز فيما هو واجب بنفسه أن يتحرك حركة استحالة فيكون تارة عالما وتارة جاهلا وتارة شبعان وتارة جائعا وتارة صحيحا وتارة مريضا كما يقول نحو ذلك القائلون بوحدة الوجود كصاحب الفصوص وأمثاله ويدعون أن الكمال المطلق أن يكون واجب الوجود منعوتا بكل نعت سواء كان محمودا شرعا وعرفا وعقلا أو مذموما شرعا وعرفا وعقلا وأنه هو المتلذذ بكل ما في الوجود من الألم وأنه هو الذي يتجدد له العلم بعد أن لم يكن عالما وينشدون

وكل كلام في الوجود كلامه... سواء علينا نثره ونظامه

وينشدون

وما أنت غي الكون بل أنت عينه... ويفهم هذا السر من هو ذائق

وأمثال ذلك من كلامهم المعروف نثرا ونظما ويدعون أن هذا هو التحقيق الذي آمن إليه هرامس الدهور الأولية والمعرفة التي رامت إفادتها الهداية النبوية وإن كان لهم في تفصيل هذا المذهب اضطراب قد بيناه في غير هذا الموضع

فيقال إذا قدرنا هذه الموجودات المشهودة واجبة الوجود بنفسها أو هي الموجود الواجب بنفسه أو وجودها عين وجود واجب الوجود لم يمكن حينئذ أن يقال في واجب الوجود إنه لا يفعل بعد أن لم يكن فعل لأن ذلك يقتضي تجدد أمر ما وحدوث أمر منه ممتنع ولا أن يقال ذلك يقتضي ثبوت الصفات له أو تجزيه أو حلول الحوادث به نحو ذلك وذلك ممتنع فإنه من يجوز أن يكون واجب الوجود هو الموجود المستحيل من حال إلى حال وأنه تارة يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة وتارة حبا ثم شجرا ثم تمرا وتارة حيا ثم ميتا لم يبق عنده شيء يمتنع على واجب الوجود إذ هو واصف له بكل صفات واقعة في الموجودات التي هي عند الناس مخلوقة ممكنة ومن جوز أن يوصف بكل ما يوصف به كل مخلوق وممكن بطل حينئذ أن يكون علة قديمة لا يجوز عليها التغير والاستحالة ونحو ذلك مما يصف به المشاؤون واجب الوجود

وهذا القول وإن كان فاسدا من وجوه كثيرة فالمقصود هنا أن ندرجه في ضمن التقسيم وذلك أن الموجود الواجب بذاته أدنى خصائصه امتناع العدم عليه وهؤلاء يجعلون ما وجد وعدم من واجب الوجود لذاته وأصل كلامهم ظنهم أن الوجود المطلق له وجود في الخارج فقالوا بوحدة الوجود أي الوجود الواحد ولم يعلموا أن الوجود المطلق لا وجود له في الخارج وإنما الموجود في الخارج موجودات أو موجودان كل منهما متعين متميز عن الآخر وليس أحدهما هو الآخر بعينه ولا نفس وجود هذا هو نفس وجود هذا بل الذهن يأخذ وجودا مطلقا مشتركا فيه فإذا قال بوحدة هذا الوجود فإنما قال بوحدة هذا الوجود الذهني المطلق ومن قال الوجود زائد على الماهية قد يقول بأن وجود الماهيات من جنس واحد وهو قول فاسد لكنه لا يقول نفس وجود هذا هو نفس وجود هذا بعينه فإن هذا مخالف للحس ولصريح العقل ولهذا يقول كبير هؤلاء الاتحادية في وقته التلمساني ثبت عندنا بالكشف ما يناقض صريح العقل وذلك أن الذي ينكشف لهم أنهم متوجهون بقلوبهم توجها لا يعرفون به الرب البائن عن خلقه حتى يقصدوه فيشهدون الوجود المطلق المشترك بين الموجودات وإن لم يوجد في الخارج لكن القلوب تجده وتأخذه مطلقا وفي كل معين منه حصة وهذا الوجود المطلق الساري في الكائنات وإن كان موجودا فيها على وجه التعيين والتخصيص وهو الذي يقال له الكلي الطبيعي فذاك من أثر وجود الله تعالى ومن مخلوقاته ومصنوعاته فيظنون الوجود المخلوق هو الوجود الخالق

وهم يشبهون من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس الذي على الأرض والحيطان والجبال فظنه نفس الشمس التي في السماء مع أن هذا الشعاع منفصل عن الشمس ومع أنه قائم بأجسام غيرها والمخلوقات وإن كان لها وجود وتحقق فهو مخلوق لله بائن منه وغايته إذا قدر أن الوجود زائد على الماهيات أن يكون الوجود في الموجودات كالشعاع في الأجسام المقابلة للشمس فصار هذا الضلال ناشئا من نقص العلم والإيمان بالرب المباين للمخلوقات ومن شهود القلب لما وجد عنه من الوجود الساري في الكائنات فظن هذا هذا

وقوى ضلالهم ما سمعوه من كلام المتفلسفة ومن وافقهم أن واجب الوجود هو الوجود المطلق وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك من مقالات الجهمية فلم يشهدوا ما يكون كذلك إلا وجود الكائنات بعينه ولهذا يقولون بقول الباطنية القرامطة وغالية الفلاسفة فيقولون هو من حيث ذاته لا اسم له ولا صفة ولا يتميز ويقولون شهود الذات ما فيه خطاب ولا لذة فيه ونحو ذلك لأنهم إنما يتكلمون على ما شهدوه من الموجود المطلق الذي لا يوجد في الخارج مطلقا وليس له حقيقة تميزه حتى يكون لها اسم أو صفة أو خطاب

والمقصود هنا أنه لا بد من الاعتراف بوجود قديم واجب فمن جعل ذلك هذه الموجودات المحسوسة لم يكن عنده وصف يجب تنزيه الرب عنه أصلا من الأمور الممكنة في الوجود وحينئذ فلا يمكن هذا أن ينكر مذهبا من المذاهب فلا يقول حدوث العالم عن واجب الوجود ممتنع لأنه يستلزم تغيره ويفتقر إلى سبب حادث فإن قوله فيه من الإحالة أعظم من هذا

وأما إذا قيل بأن هنا موجودا قديما واجبا غير هذه الأمور الحادثة المستحيلة في الجملة فمن المعلوم أن ما سوى الوجود الواجب بنفسه ليس هو موجود واجب الوجود بنفسه فثبت بهذا أن في الوجود شيئين أحدهما موجود واجب الوجود بنفسه والثاني موجود لا يجب وجوده بل يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى فهذا الموجود إذا وجد لم يكن أن يقال إنه واجب الوجود بنفسه بل هو واجب الوجود بغيره وهب أن الشاك يشك في بعض الأمور التي لم يعلم عدمها واستحالتها هل هي واجبة بنفسها أم لا أما التي لم يعلم أنها تعدم وتستحيل فلا يشكفي أنها ليس بواجبة بنفسها بل بغيرها ما دامت موجودة وهي واجبة العدم إذا عدمت أيضا وليس لها من ذاتها لا وجوب الوجود ولا وجوب العدم لكن ليس لها من ذاتها إلا العدم وفرق بين أن تكون معدومة وعدنها من ذاتها وبين أن تكون واجبة العدم بذاتها فإن هذه صفة الممتنع إذ العدم ليس بشيء وإذا ثبت أن في الموجودات ما هو ممكن وجائز حصل المقصود فإن تخصيص هذا بالوجود دون العدم لا بد له من موجب فاعل ثم إذا كانت ذاته قابلة للعدم فصفاته ومقاديره بطريق الأولى فتخصيصه بصفة وقدر وزمان ومكان لا بد له من مخصص بإرادته ومشيئته وهذا هو مطلوب أبي المعالي وغيره من أهل النظر واعلم في هذا المقام

وأما الذي جرأه عليهم فإن هؤلاء المتكلمين الذين لا يقولون برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى كأبي الحسن الأشعري وأصحابه ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني ونحوهم ممن يوافقهم على هذا وعلى نفي التحسين والتقبيح العقليين نطلقا مع أن أكثر الذين يوافقونهم من هؤلاء وغيرهم يتناقضون فيثبتون الحكمة في أكثر ما يتكلمون فيه من مسائل الخلق والأمر وجمهور الفقهاء يقولون بذلك ويصرح بالتحسين والتقبيح العقليين طوائف من الفقهاء كأكثر أصحاب أبي حنيفة وقد ينقلونه عنه وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كأبي الحسن التميم وأبي الخطاب وكأبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وطوائف كثيرة من أهل الحديث والفقه والكلام

والمقصود هنا أن أبا المعالي وهؤلاء يقولون إن القديم خلق العالم بعد أن لم يكن خالقا لا لعلة وغرض ولا لداعوباعث وخاطر يعتريه لأن ذلك زعموا مقصور على اجتلاب المنافع ودفع المضار وذلك مستحيل في صفته ومناظرتهم في هذا الباب مع الدهرية الطبيعية ومع القدرية الإرادية وقول كلا الفريقين فيه من الباطل أكثر مما يلزم هؤلاء نفاة الحكمة وإن الذي في قول الدهرية الطبيعية أكثر

وقال أبو المعالي وهؤلاء نفاة التعليل معنى قولنا إنه حكيم في أفعاله أنه مصيب في ذلك ومحكم لها لأنه مالك الأعيان فيتصرف تصرف مالك الأعيان في ملكه من غير اعتراض وقد يراد بالحكمة العلم في المعنى بكونه حكيما في فعله أنه خلقه على الوجه الذي أراده وعلمه وحكم به ثم لم يكن علمه وإرادته علة لفعله ولا موجبا له لقدم هذه الصفات وحدوث متعلقها ففسروا حكمته بمعنى أنه يفعل ما يشاء بلا ذمأو بمعنى أنه عالم ولا ريب أن هذا خلاف ما عليه الناس في معنى الحكمة والحكيم فإنهم لا يجعلون الحكمة كون الحكيم له أن يفعل ما يشاء وإن كان الله تعالى له أن يفعل ما يشاء لكن الحكمة فعله بعض الأشياء دون بعض لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مرادا للحكيم

وتفسيرها بمعنى العلم بالمفعولات أبعد ومع هذا فقول أبي المعالي وأمثاله في الفقه وأصوله يخالف هذا الأصل بخلاف غيره من المتكلمين الذين لم يبرعوا في الفقه كبراعة أبي المعالي فإنه يقول بالعلل المناسبة للأحكام التي تفسر بالباعث والداعي وإثباتها ينافي هذا الأصل

ثم قال أبو المعالي ونحن لا ننكر أن يكون الله تعالى خلق من نفعه بخلقه ومن ضره بخلقه والذي ننكره من الغرض وننفيه عن القديم سبحانه قيام حادث بذاته كالإرادة والداعية والحاجة والمعتزلة يوافقونا على استحالة قيام الحوادث بذاته غير أنهم أثبتوا للقديم سبحانه أوصافا متجددة وأحوالا من الإرادات التي يحدثها لا في محل والمحذور من قيام الحوادث بذات الباري تعالى تجدد الأوصاف عليه وقد التزموه

قال أبو المعالي فإن قال قائل القديم إنما خلق العالم إظهارا لقدرته وإظهارا لحجج وآيات يستدل بها على الهيتة ويعرف سبحانه وتعالى بنعوته وجلاله وصفاته ويعبد ويعظم ويستحق على عبادته وتعظيمه الثواب الجزيل ويستوجب المعرض عنها العذاب الأليم وهذا منصوص عليه في الكتاب العزيز في آي كثيرة لا تحصى من ذلك قوله تعالى وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وقال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وقوله تعالى عن المؤمنين القائلين ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وقال تعالى الله الذي خلق سبع السموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما قال وهذا نص صريح في أنه إنما خلق هذه الأشياء ليعرف بها ويعبد فقال في الجواب اللام في قوله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا ليست اللام لام علة وإنما هي لام صيرورة وتكون غاية أي ليعلم من في المعلوم أنه يعلم وليجزى على ذلك ويعرض ويعاند من في المعلوم أنه يعاند وليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى

قلت لام الصيرورة إما أن تكون لمن لا يريد الغاية وذلك إنما يكون لجهل الفاعل بالغاية كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وإما لعجزه عن دفعها وإن كان كارها لها كقول القائل لدوا للموت وابنوا للخراب وللموت ما تلد الوالدة فأما العالم بالعاقبة القادر على وجودها ومنعها فلا يتصور أن تكون العاقبة إلا وهو عالم بها قادر عليها والموجود الذي يحدثه الله وهو عالم به قادر عليه لا يكون إلا وهو مريد له بل أبو المعالي وسائر المسلمين يسلمون أنه لا يكون شيء إلا بمشيئته فيكون مريدا للغاية ومريد الغاية التي للفعل لا يكون اللام في حقه لام صيرورة إذ لام الصيرورة إنما يكون في حق من لا يريد فلو قال إرادته لهذه الغايات كإرادته للأفعال التي هي سببها لكان أمثل مع أن هذا الكلام لا يدفع الحجة من الآية فإن القرآن يشهد بأن الله خلق المخلوقات لحكمة لكن ليس هذا موضع تحقيق ذلك وإزالة الشبهة العارضة فيه

قال الحفيد وأما القضية الثانية وهي قول القائل إن الجائز محدث فهي مقدمة غير بينة بنفسها وقد اختلف فيها العلماء فأجاز أفلاطون أن يكون شيء جائزا أزليا ومنعه أرسطا طاليس وهو مطلب عويص ولن تتبين حقيقته إلا لأهل صناعة البرهان وهم العلماء الذين خصهم الله تعالى بعلمه وقرن شهادتهم في الكتاب العزيز بشهادته وشهادة ملائكته

قلت قد قدم فيما مضى أن أفلاطون وشيعته يقولون إن الزمان متناه وأنهم يقولون العالم محدث أزلي لكون الزمان متناهيا عندهم في الماضي وأن أرسطو وفرقته يقولون الزمان غير متناه في الماضي كما لا يتناهى في المستقبل ولا يسمون العالم محدثا وهذا يقتضي أن الأزلي في هذا الكلام المراد به الأبدي الذي لا آخر له وإلا تناقض الكلام وأفلاطون شيعته يقولون هو محدث جائز لكنه يكون مع ذلك أبديا والجائز يمكن أن يكون أبديا وأما آرسطو فيقول ما كان محدثا عن عدم فلا بد له من آخر فالجائز لا يكون أبديا وهذا الذي قاله آرسطو هو الذي تقدم قول الحفيد له إن كل محدث فهو فاسد ضرورة فهذا قول معلم طائفته آرسطو وهو أيضا قول طائفة ممن يقول بحدوث العالم كالجهم بن صفوان ومن يقول بوجوب فناء الحوادث وأما الذي حكاه عن أفلاطون فهو قول أهل الملل إن الله يخلق شيئا للبقاء ويخلق شيئا للفناء كما يشاء وهو ومع هذا فالذي ينقلونه عن آرسطو أن النفوس الناطقة عنده محدثة فتكون جائزة وهي مع هذا أبدية باقية فهذا يناقض ما أصله

فهذا القدر الذي تبين يدل على أن ما حكاه عن هذين الفيلسوفين أو أصحابهما اتفاق منهم على أن ما كان جائزا فهو محدث فإذا كان قد ثبت أن العالم جائز ثبت أنه محدث ولهذا منع هو كونه جائزا وغلط ابن سينا في قوله إنه جائز بنفسه مع موافقته له على قدمه

فأما الذي فهمه من كلامهم في هذا المقام واعترض به وهو أن يقول عن أفلاطون إن الجائز يكون أزليا وأن آرسطو يقول الجائز لا يكون أزليا فهذا لا يناسب ما تقدم فإنه إذا كان قول أفلاطون إن العالم لم يتقدمه زمان وعنده أن الزمان متناه في الماضي ثبت أنه ليس بأزلي فأي حقيقة لقوله الجائز لا يكون أزليا وكذلك آرسطو لو كان يقول إن الجائز لا يكون أزليا أي قديما لامتنع أن يكون عنده شيء من الممكن بذاته عنده أزليا وهو خلاف قوله فهذا النقل وقع فيه غلط إما لفظ الجائز وإما لفظ الأزلي

ثم يقال له يا سبحان الله من الذي جعل هذه الطائفة من اليونان وأتباعهم هم العلماء دون سائر الأمم وأتباع الأنبياء الذي لا يختلف من له عقل ودين أنهم أعلم منهم وأي برهان عندهم يتبين بها هذه الحقيقة وقد ذكرت أن نفس أهل صناعة البرهان تنازعوا فيها فلو كان ذلك منكشفا بصناعتهم لم يتنازع أئمة الصناعة فيها

ثم يقال ومن الذي خص هؤلاء بكونهم أهل البرهان مع أن غاية ما يقولونه في العلم الإلهي لا يصلح أن يكون من الأقيسة الخطابية والجدلية فضلا عن البرهانية

ثم يقال وكيف يستحسن عاقل أن يجعل المتكلمين على عجزهم وبجرهم أهل جدل وهؤلاء أهل برهان مع أن بين تحقيق المتكلمين للعلم الإلهي بالأقيسة العقلية وبين تحقيقهم تفاوت يعرفه كل عاقل منصف والقوم لم يتميزوا بالعلم الإلهي ولا نبل أحد باتباعهم فيه بل الأمم متفقة على ضلالهم فيه إلا من قلدهم

ولكن يؤثر عنهم من الكلام في الأمور الطبيعية والرياضية ما شاع ذكرهم بسببه ولولا ذلك لما كان لهم ذكر عند الأمم كيف يستجيز مسلم أن يقول

إن العلماء الذين أثنى الله عليهم في كتابه هم أهل المنطق مع علمه بأن أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم كانوا مرادين من هذا الخطاب قطعا بل هم أفضل من أريد به بعد الأنبياء وقد ماتوا قبل أن تعرب كتب اليونان بالكلية وإن أراد بذلك البرهان العقلي الذي لا يختص بإصلاح اليونان فلا اختصاص لهؤلاء بل الصحابة والتابعون أحذق منهم في المعقولات التي ينتفع بها في الإلهية بما لا نسبة بينهما

ثم العلماء الذين أثنى الله عليهم هم الذين شهدوا أنه لا إله إلا هو ومن المعلوم لكل من عرف أحوال الأمم أن أهل الملل أحق بهذا التوحيد من الصابئة الذين هم أجل من الفلاسفة ومن المشركين الذين منهم فلاسفة كثيرون بل كانت اليونان منهم والمسلمون وعلماؤهم بهذه الشهادة من الأولين والآخرين بل يقال لك نحن لا نعلم أن هؤلاء القوم كانوا يشهدون بهذه الوحدانية فإن الذي في الكتب المنقولة عنهم من التوحيد إنما مضمونه نفي الصفات كما تقوله الجهمية ومعلوم أن هذا ليس الشهادة بأنه لا إله إلا الله بل قد علم النبي أمته هذا التوحيد والقرآن مملوء منه ولم يقل لهم كلمة واحدة تتضمن نفي الصفات ولا قال ذلك أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين مع العلم الضروري بأنهم كانوا أعلم بمعاني القرآن منا وإن ادعى مدع تقدمه في الفلسفة عليهم فلا يمكنه أن يدعى تقدمه في معرفة ما أريد به القرآن عليهم وهم الذين تعلموا من الرسول لفظه ومعناه وهم الذين أدوا ذلك إلى من يعدهم قال أبو عبدالرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول الله عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل

وليس معه ما يعتمد عليه أن هؤلاء كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله بل لو قيل كانوا مشركين لكان أقرب فإنه من المشهور في أخبار اليونان أهل مقدونية وغيرها أنهم كانوا مشركين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب وهؤلاء الفلاسفة يسمون الكواكب الآلهة الصغرى والأرباب وفي كتاب سقراط والنواميس لأفلاطون وغيرهما من ذلك أمور كثيرة وقد ذكر هذا الرجل عنهم أن أكثرهم انتهى نظرهم إلى الفلك فلم يثبتوا وراءه موجودا ومعلوم أن الذي أثبتوه من واجب الوجود هو أدعى شيء إلى عبادة الكواكب والأصنام فكيف يكون هؤلاء هم أهل العلم بشهادة أن لا إله إلا الله بل إذا قيل إن هؤلاء وأمثالهم أصل كل شرك وأنهم سوس الملل وأعداء الرسل لكان هذا الكلام أقرب إلى الحق من شهادته لهم بما ذكره

قلت ومقتضى ما ذكره هو وذكره عن هؤلاء الفلاسفة أن ما ثبت فيه أنه ممكن جائز وجب أن يكون محدثا وأن القديم لا يكون إلا واجبا فمتى ثبت أنه جائز ثبت أنه محدث وقد تقدم التنبيه على ذلك

قال الحفيد وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة بمقدمات أحدها أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين أولى منه بالثاني والثاني أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدا والثالث أن الموجود عن الإرادة هو حادث

قلت وكذلك قررها الرازي أيضا فهذه المقدمات الثلاث مع أن نزاع الحفيد والفلاسف في تينك المقدمتين لا يضر فإنا قد بينا أنهم موافقون على أن الخالق مريد قاصد كما تبين في إثباتهم العناية وإن تناقضوا بنفي الإرادة هنا لم يفدهم لإقرارهم بذلك ولأنا قد بيننا أن الأدلة الدالة على ذلك يقينية ضرورية وأن نفي ذلك كنفي واجب الوجود ولكن أبو المعالي والرازي ونحوهما إنما احتاجوا إلى هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون الحكمة الغائية وإنما يثبتون الإرادة المخصصة وقد قدمنا أن كونه مختارا يبين بما دل على الإرادة المخصصة لمفعول دون مفعول وبما دل على ما في المفعولات من الحكمة المقصودة وبالأمرين جميعا لكن هؤلاء الفلاسفة سلكوا إحدى الطريقتين وتناقضوا في منازعتهم في الأخرى والأشعرية سلكوا إحدى الطريقتين ونازعوا في الأخرى والتناقض لازم لهم أيضا والمقصود من الطريقتين واحد وهو كونه قاصدا مريدا مختارا وهذه الطريقة التي سلكها أبو المعالي والرازي وغيرهما صحيحة أيضا توجب العلم اليقني بكونه مريدا مختارا

قال الحفيد ثم بين يعني أبو المعالي أن الجائز يكون عن الإرادة أي عن فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن كون عن الطبيعة وإما عن الإرادة والطبيعة ليس يكون عنها أحد هذين الجائزين المتماثلين أعني لا تفعل المماثل دون مماثله بل تفعلهما مثال ذلك السقمونيا ليست تجذب الصفراء التي في الجانب الأيمن في البدن دون التي في الأيسر فأما الإرادة فهي التي تختص بالشيء دون مماثله ثم أضاف هذه إلى أن العالم مماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه في الجو الذي خلق فيه يريد الخلاء لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك الخلاء فأنتج عن ذلك أن العالم خلق عن الإرادة والمقدمة القائلة إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة والقائلة إن العالم في خلاء يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها

ويلزم أيضا عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم وهو أن يكون قديما لأنه إذا كان محدثا احتاج إلى خلاء

قلت قد سلم المقصود بهذه المقدمة وهو أن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة وأما اعتراضه على العالم فذاك متعلق بالمقدمة الأولى

وينبغي أن يعلم أن الذي سلط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان أحدهما ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة ويخالفون بها المعقولات الصحيحة التي ينسر بها خصومهم أو غيرهم والثاني مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها كما احتج به هذا الفيلسوف وكما يذكره أبو عبدالله الرازي ومن قبله حتى أن الدهرية قالوا لهم القول في آيات المعاد كالقول في آيات الصفات فكان من حجتهم عليهم وضموا ذلك إلى ما قد يطلقونه من أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فقالوا له أنت تقول الظواهر لا تفيد القطع أيضا والآيات المتشابهات في القرآن الدالة على المشيئة والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على المعاد الجسماني ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات فلم لا تجوزون تأويل الآيات الواردة ها هنا فقال نحن لم نتمسك بآية معينة ولا بحديث معين ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدني ولم يقل أحد إنه علم من دينهم بالضرورة التشبيه والقدر فظهر الفرق

فالينظر العاقل في هذا الجواب حيث قال لهم هؤلاء المتكلمون نحن نعلم الأخبار بمعاد الأبدان أن الرسل أخبرت به بالضرورة فلم يجعلوا مستند العلم بذلك دلالة القرآن والحديث والإجماع عليه لأنهم عارضوهم بمثل ذلك وبأبلغ منه في أمر الصفات والقدر فعدلوا إلى ما ذكروه من أنا نعلم بالاضطرار أخبارهم بالمعاد الجسماني فإن هذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني لكن قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك في القرآن وبالأخبار وإجماع السلف

وأيضا فأهل الإثبات من سلف الأمة وأئمتها يقولون للطائفتين نحن نعلم أيضا إخبارهم بما أخبروا به من الصفات والقدر بالضرورة وقول بعضهم إنه لم يقل أحد أن هذا معلوم بالضرورة في دينهم ليس كذلك بل أهل الحديث وغيرهم يعلمون ذلك من دينهم ضرورة وكلا الطائفتين مخالف للفطرة العقلية ومخالف لما نعلم نحن بالضرورة من دين الرسول ومخالف للأقيسة العقلية البرهانية والنصوص الإلهية القرآنية والإيمانية

فإن قال المتكلمون من الجهمية وغيرهم فمن خالف ما علم بالضرورة من الدين فهو كافر قيل لهم لهذا السلف والأئمة مطبقون على تكفير الجهمية حين كان ظهور مخالفتهم للرسول مشهورا معلوما بالاضطرار لعموم المسلمين حتى قيل العلم بالإيمان فيما بعد وصار يشتبه بعض ذلك على كثير ممن ليس بزنديق

ويقال لهم قول أهل الأثبات لكم هو لكم أنتم للدهرية في معاد الأبدان ودعواكم تعارض الأدلة في ذلك أو خفاء ذلك كدعوى الدهرية ذلك فإن أبا عبدالله الرازي قال في كتابه الكبير نهاية العقول في مسألة التكفير لما حد الكفر بحد أبي حامد الغزالي وهو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به

قال ونعني بالتكذيب إما نفس التكذيب أو ما علم من الدين ضرورة دلالته على التكذيب فلو ورد على هذا أن صاحب التأويل إما أن لا يجعل من المكذبين بل يجعل المكذوب من يرد قوله من غير تأويل وأما أن يجعل من المكذبين فإن كان الأول لزمنا أن لا يكون الفلاسفة في قولهم بقدم العالم وإنكارهم علمه تعالى بالجزئيات وإنكار الحشر والنشر كفارا لأنهم يجعلون للنصوص الواردة في هذه المسألة تأويلات ليست بأبعد من تأويلاتكم للنصوص في التشبيه لأنهم يحملون النصوص الواردة في خلقه تعالى العالم على تأثيره في العالم واحتياج العالم في وجوده إليه ويحملون النصوص الواردة في علمه بالجزئيات على أنه تعالى يعلم كل الكليات على وجه كلي ويحملون النصوص الواردة في الحشر والنشر على أحوال النفس الناطقة في سعادتها وشقاوتها بعد المفارقة قالوا إذا جاز لكم حمل الآيات والأخبار المحتملة للتشبيه فلم لا يجوز مثلها في الحشر والنشر على أمور روحانية بصرفها عن ظواهرها 2 التي هي أمور حسمانية فثبت أن لو أردنا بالتكذيب رد النصوص لا على وجه التأويل لزمنا أن لا نجعل الفلاسفة من المكذبين وإن لم يكونوا من المكذبين وجب أن لا يكونوا كفرة لأن العكس واجب في الحد فإما أن جعلنا كصاحب التأويل من المكذبين فمعلوم أنه ليس كل متأول مكذب وإلا لزم إجراء كل الأخبار والآيات على ظواهرها وذلك يوجب التشبيه والقدر والمذاهب المتناقضة وكل ذلك باطل بل يجب أن تجعل التأويلات غير موجبة للتكذيب وبعضها موجب وعند ذلك لا نعلم حقيقة التكذيب إلا عند الضابط الذي به يصير التأويل تكذيبا وما لم يذكروا ذلك كان التأويل غير مقيد

وقال في الجواب عن هذا إنا نعلم بالضرورة إجماع الأمة على أن دينه عليه السلام هو القول بحدوث العالم وإثبات العلم بالجزئيات وإثبات الحشر والنشر

وإن إنكار هذه الأشياء مخالف لدينه ثم علمنا بالضرورة أنه عليه السلام كان يحكم أن كل ما خالف دينه فهو كفر فعلمنا بهاتين المقدمتين حكمه عليه السلام بكون هذه الأشياء كفرا فمن اعتقدها كان مكذبا له عليه السلام فكان كافرا ومثل هذه الطريقة لم توجد في التشبيه والقدر لأن الأمة غير مجمعة على أن القول بهما مخالف لدينه عليه السلام فالحاصل أنا لا نكفرهم لأجل مخالفتهم للظواهر بل للإجماع على الوجه المذكور ومثله غير حاصل في الاختلاف الحاصل بين الأمة فلا يلزمنا تكفير الداخلين في الأمة هذا كلام أبي عبدالله الرازي

وقد ادعى طائفة من الفلاسفة في مسألة المبدأ والمعاد نظير ما ادعاه هو في مسائل الصفات والقدر كما ذكر ذلك هذا الحفيد الذي تقدم نقل كلامه لما ذكر هذا أيضا في كتابه الذي زعم أنه جمع فيه بين الشريعة والفلسفة لما ذكر ما سيأتي حكايته عنه حيث بين تقارب الطائفتين ومخالفتهما جميعا لظاهر الشرع إلى قوله قلت يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه والظاهر الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من الحكماء قال ويشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة إما مصيون مأجورون وإما مخطئون معذورون فإن التصديق بالشيء من قبيل التوليد القائم بالنفس هو شيء اضطراري لا اختياري أعني أنه ليس لنا أن نقوم أو لا نقوم وإذا كان من شرط التكليف الاختيار فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت إذا كان من أهل العلم معذور ولذلك قال عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر وأي حاكم أعظم من الذي حكم على الوجود أنه كذا وليس بكذا وهؤلاء الحكام هم العلماء الذين خصهم الله تعالى بالتأويل وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع إنما هو الخطأ الذي يقع من العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة الذي كلفهم الشرع النظر فيها وأما الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف في الناس فهو آثم مخطئ وسواء كان الخطأ في الأمور النظرية أو العملية فكما أن الحاكم الجاهل بالسنة إذا أخطأ في الحكم لم يكن معذورا كذلك الحاكم على الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحكم فليس بمعذور بل هو إما آثم وإما كافر وإذا كان يشترط في الحاكم في الحلال والحرام أن يجتمع له أسباب الاجتهاد وهو معرفة الأصول ومعرفة الاستنباط من تلك الأصول بالقياس بالحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات أعني أن يعرف الأوائل العقلية ووجه استنباطه منها

وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين إما خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في الحكم ولا يعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن وإما خطأ ليس يعذر فيه أحد من الناس بل إن وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر وإن وقع في ما بعد المبادئ فهو بدعة وهذا الخطأ يكون في الأشياء التي يفضي جميع أصناف طرق الدلائل إلى معرفتها فتكون معرفة ذلك الشيء بهذه الجهة ممكنة للجميع وهذا هو مثل الإقرار بالله تبارك وتعالى وبالنبوات والسعادة الأخروية والشقاء الأخروي وذلك أن هذه الأصول الثلاثة تؤدي إليها أصناف الأدلة الثلاثة التي لا يعرى أحد من الناس من وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته أعني الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية فالجاحد لأمثال هذه الأشياء إذا كانت أصلا من أصول الشرع كافر معاند بلسانه دون قلبه أو بغفلته عن التعرض إلى معرفة دليلها لأنه إن كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيل إلى التصديق بها بالبرهان وإن كان من أهل الجدل فبالجدل وإن كان من أهل الموعظة فبالموعظة ولهذا قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي يريد بأي طريق اتفق لهم الإيمان من الطرق

قلت وهذا الكلام فيه أشياء جيدة وفيه تفاصيل غير صحيحة لكن هذا ليس موضع الكلام عليه

ثم قال وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم عندهم إلا بالبرهان فقد يعف الله فيها لعباده والذين لا سبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم وإما قبل عادتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم فإنه ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذا كانت تلك الأمثال ممكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع أعني الجدلية والخطابية وهذا هو السبب في أن يقسم الشرع إلى ظاهر وباطن فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني والباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان وهذه هي أصناف تلك الموجودات الأربعة والخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب الثغرية

قلت هذا الكلام من أصول النفاق نفاق الدهرية ويظهر بطلانه من وجوه

أحدها قوله وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان إلى آخره يقال له قولك لا تعلم إلا بالبرهان أي لا يمكن تصورها إلا بالبرهان أو لا يمكن التصديق بها عقلا إلا بالبرهان أما الأول فباطل فإن التصور سابق على التصديق

فلو كان لا يمكن تصورها إلا بعد قيام البرهان على ثبوتها والبرهان لا يمكن أن يقوم على التصديق إلا بعد التصور لزم الدور وهو قد ذكر في غير هذا الموضع أن تصور الشيء يكون إما بنفسه وإما بمثاله وليس هذا من البرهان وإذا كان تصورها ممكن بدون البرهان فالرسول خبره يوجب التصديق وليس هو ملزم لأن يقوم برهان خاص على كل ما يخبر به فإذا كان تصورها ممكن بلا برهان وخبره وحده كاف في التصديق لم يحتج إلى ما سماه برهانا

الثاني أن يقال له إذا قدر أن التصديق بها لا يمكن إلا بالبرهان فإما أن يكون الرسول أخبر بها للخاصة مقرونا بالبرهان أو بلا برهان أو لم يخبر بها ومعلوم أن هذه البراهين التي تثبت بها الفلاسفة تجرد النفس ونعيمها وعذابها والعقول والنفوس لم تأت بها الرسل فإما أن كونوا تركوا الإخبار بها أو أخبروا بها بدون ما ادعاه من البرهان وعلى التقديرين يظهر أن الرسول لم يسلك ما ادعاه فإنه يزعم أن الرسول علمها الخاصة دون العامة

الثالث أن يقال ليس فيما يذكره الفلاسفة ما يبعد فهمه على عامة الناس بأكثر من فهم ما دل عليه ظاهر الشرع وإن كانوا مقصرين عن فهم الأدلة ألا ترى أن المتكلمين يصرحون بما يقولونه للعامة وإن كانت أدلتهم كثيرة أما أن تكون أغمض من أدلة الفلاسفة وإنما هي مسائل معدودة مسألة واجب الوجود وفعله والنفس وسعادتها وشقاوتها والعقول والنفوس وما يتبع ذلك فأي شيء في هذا مما لا يمكن التصريح منه به للعامة لو كان حقا فعلم أن ترك التصريح به إنما هو لما اشتمل عليه من الباطل المخالف للفطرة والشرعة والحق الذي صرحت به الشريعة

الرابع أن يقال إن الله قد أجمل في كتابه وعلى لسان رسوله ما لا يمكن النفوس معرفة تفصيله مثل قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

ومثله قوله يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

الخامس أن يقال النقص الذي ذكرته هو إما من قبل نقص الفطرة وأما من قبل سوء العادة وإما من قبل عدم أسباب التعلم فيقال لك أما النقص فنقص بني آدم ليس له حد فمن الناس من ينقص عن فهم ما يفهمه جمهور الناس ومن المعلوم أن نهاية ما عند الفلاسفة يفهمه أوسط المتفقهة في مدة قريبة والشريعة قد جاءت بما هو أبعد عن الفطر الناقصة من هذا وأما العادة والتعليم فالرسول هو المعلم الأعظم الذي علمهم الكتاب والحكمة وقد نقلهم عن كل عادة سيئة إلى أحسن العادات والسير والشرائع فإن كان التصريح بهذه الأمور مشروطا بالعلم التام والعادة الصالحة فلا أكمل من هذا المعلم ولا في السير التي عودها فهل لاعلمها وبينها إذا كان الأمر كذلك

السادس أن يقال هب أن العامة لا يمكنهم فهمها فهل لا بينها للخاصة ومن المعلوم بالاضطرار أن الشريعة ليس فيها دلالة على ما يقوله الدهرية والجهمية من الأمور السلبية في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب

السابع أن يقال فإذا صرح فيها بنقيض ما هو الحق وإن قلت إنه أمثال والحق المطلوب لم يبينه لا للعامة ولا للخاصة ألا يكون هذا تلبيسا وإضلالا

الثامن أن يقال قولكم الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان وأن الباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان كلام من أبطل القول وذلك أن هذه الأمور قد فسرتها بما تتأول من صفات الله وصفات المعاد حتى ذكرت آية الاستواء والنزول ونعيم الجنة والنار وغيرهما من ذلك فيقال لهم التأويلات التي يدعون أنها باطن هذه الألفاظ معان ظاهرة معلومة للخاص والعام مثل تأويلات الاستواء بالقدرة أو بالرتبة فكل أحد من الناس يتصور أن الله قادر على المخلوقات قاهر لها أعظم مما يتصور استواءه عليها فلأي ضرورة يعبر عن المعنى الظاهر الواضح بلفظ يكون تصور ظاهره أخفى من تصور ذلك المعنى وهذا بين قاطع لمن تدبره وإن كانت الوجوه كلها كذلك

ثم قال الحفيد وإذا اتفق كما قلنا أن يعلم الشيء بنفسه بالطرق الثلاث لم يحتج أن يضرب له مثال وكان على ظاهره لا يتطرق إليه تأويل وهذا النحو من الظاهر إن كان في الأصول فالمتأول له كافر مثل من يعتقد ألا سعادة أخروية ها هنا ولا شقاء وأنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم الناس بعضهم من بعض في أبدانهم وحواسهم وأنها خيلة وأنه لا غاية للإنسان إلا وجوده المحسوس فقط وإذا تقرر لك هذا فقد ظهر لك في قولنا إن ها هنا ظاهرا من الشرع لا يجوز تأويله فإن كان تأويله في المبادئ فهو كفر وإن كان فيما بعد المبادئ فهو بدعة وها هنا أيضا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره كفر وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول ولذلك قال عليه السلام في السوداء إذ أخبرته أن الله تعالى في السماء أعتقها فإنها مؤمنة إذ كانت ليست من أهل البرهان والسبب في ذلك أن هذا الصنف من الناس الذين لا يقع لهم التصديق إلا من قبل التخيل أعني أنهم لا يصدقون بالشيء إلا من جهة ما يتخيلونه يعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبا إلى شيء متخيل ويدخل أيضا على من لا يفهم من هذه النسبة إلا المكان وهم الذين شذوا عن رتبة الصنف الأول قليلا في النظر اعتقاد الجسمية ولذلك كان الجواب لهؤلاء في أمثال هذه أنها من المتشابهات وأن الوقف في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله وأهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المتأول فإنهم يختلفون في تأويله

قلت الذين سماهم أهل البرهان هنا هم من عناه من الجهمية والدهرية وقد تناقض في هذا الكلام فإنه قد تقدم ما ذكره في كتاب مناهج الأدلة في الرد على الأصولية ولفظه وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك وما ذكره من أن ذلك من الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة أن العلو مسكن للروحانيين يريدون الله والملائكة وقوله قد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وقد تقدم حكاية قوله فإذا كان هذا هكذا فكيف يكون أهل البرهان متفقين على تأويل ذلك وأن يكون قول الجارية أنه في السماء مما يجب على أهل البرهان تأويله

ثم يقال له هل كان الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين من أهل البرهان الحق أم لا فإن قلت لم يكونوا من أهله ولكن المتأخرين وفي الصابئين قبلنا من كان من أهله فهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السابقين الأولين كانوا أعظم علما وإيمانا من هؤلاء وإن قلت كانوا من أهل البرهان فمن المعلوم بالاضطرار أنهم لم يئولوه كما تأوله هؤلاء المتأخرون بل هم متفقون على أن الله تعالى فوق العرش كما ذكرت أنت إجماع الأنبياء والحكماء على ذلك وكلهم في تحريم تأويل ذلك أعظم من أن يذكر هنا فكيف يكون واجبا

وأيضا فالمتأولون لهذا ليس فيهم من تحمده أنت فإن تأويل ذلك أما أن يكون عن معتزلي أو أشعري أخذ عنه أو من يجري مجراهم وهؤلاء عندك أهل جدل لا أهل برهان وأنت دائما تصفهم بمخالفة الشرع والعقل

وإن قلت نحن أهل برهان وهم المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام فهذا أكذب الدعاوي وذلك أنه لا ريب عند من عرف المقالات وأربابها أن الذي صار به المتكلمون مذمومين هو ما شاركوا به هؤلاء المتفلسفة من القياس الفاسد والتأويل الحائد وأن أحسن حال المتفلسف أن يكون مثل هؤلاء فإذا كان هؤلاء قد اتفقت الأئمة والأمة وعقلاؤهم متفقون أيضا على أنهم فيما قالوه من خلاف مذهب السلف ليسوا أهل برهان بل أهل هذيان كيف بأصحابك الذين اعترف أساطينهم بأنه ليس لهم في العلم الإلهي يقين والمتكلمون لا يقرون على أنفسهم بمثل هذا بل يقولون إن مطالبهم تأولوها بالأدلة العقلية وبسط هذا الكلام له موضع آخر ليس هذا موضعه وليس يلزم من كون الرجل ذا برهان في الهندسة والحساب أن يكون ذا برهان في الطب مع أن كلاهما صناعة حسية وكثيرا ما يحذق الرجل فيهما ومن المعلوم أن العلم بهذه الأمور أبعد عن الطب والحساب من بعد أحدهما عن الآخر

ثم يقال له هب أن تلك الجارية ليست من أهل البرهان فما الموجب لأن يخاطبها الرسول بخطاب الظاهر من غير حاجة إليه فقد كان يمكنه تعرف إيمانها بأن يقول من ربك ومن إلهك ومن تعبدين فتقول الله تعالى فلما يعدل عن لفظ ظاهره وباطنه حق إلى لفظ ظاهره باطل ثم يكلفها مع ذلك تصديق الباطل ويحرم عليها وعلى غيرها اعتقاد نقيض الباطل فهل فهذا فعل عاقل فضلا عن أن يكون هذا فعل الرسل أم من فعل الكاذبين في خبرهم الموجبين للتصديق بالكذب ثم الله ورسوله يخاطب الخلق بخطاب واحد يخبر به عن نفسه وقد فرض على طوائف أن يعتقدوا ظاهره وإن لم يعتقدوه كفروا وعلى آخرين أن يعتقدوا نقيض ما اعتقده هؤلاء وإن اعتقدوه كفروا ثم مع هذا كله لا يبين من هؤلاء ولا من هؤلاء ولا يبين ما هو مرده به الذي خالف ظاهره بل يدع الناس في الاختلاف والاضطراب وهذا الفيلسوف ادعى أن الاختلاف نما نشأ من جهة كون العلماء فتحوا التأويلات للعامة فأضلوا العامة بذلك حيث فرقوهم ثم هو قد جعل الرسول نفسه أضل الخاصة وأوقع بينهم التفرق والاختلاف حيث عنى بهذا الخطاب باطنا فرضه عليهم ولم يبينه لهم فإن الذنب الذي شنعه على أهل الكلام نسب الأنبياء إلى أعظم منه وقد قال تعالى للرسل أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وقال إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وقال يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إلى قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم وقال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وعلى ما زعمه هؤلاء يكونون قد تفرقوا واختلفوا من قبل أن يأتيهم العلم أو تأتيهم البينة لأنهم زعموا أن في الكتاب ظاهرا يجب على أهل البرهان تأويله وأن الذي يعلمونه هو التأويل الذي قال الله تعالى فيه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ثم يقول وأهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المتأول فقد يختلفون في تأويله وذلك بحسب مرتبة كل واحد في معرفة البرهان فإذا لم يبين لهم الرسول مراده فما جاءهم العلم ولا البينة فيكونون معذورين في التفرق والاختلاف كما زعم هؤلاء المنافقون

ثم يقال له البرهان يفضي إلى إحالة الظاهر مثلا أم إلى تعيين المراد أما الأول فهم متفقون عليه وأما تعيين المراد فليس مستفادا من مجرد القياس الذي تسميه البرهان إنما يعرف من حيث مراد المتكلم فكيف يكون اختلافهم في التأويل بحسب مرتبة كل واحد في معرفة البرهان والبرهان إنما ينفي الظاهر فقط لا يبين ما هو المراد والرد على هؤلاء يطول فليس هذا موضع استقصائه

وإنما الغرض التنبيه على أن هؤلاء الدهرية سلطوا على الجهمية بمثل هذا حتى آل الأمر إلى الكفر بحقيقة الإيمان بالله وباليوم الآخر وجعلوا ذلك هو البرهان والتحقيق الذي يكون للخاصة الراسخين في العلم حتى حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسماء الله تعالى وآياته وجعلوا أئمة الكفر والنفاق هم أئمة الهدى ورؤوس العلماء وورثة الأنبياء مع أنهم في القياس الذي سموه البرهان إنما أتوا فيه بمقاييس سوفسطائية من شر المقاييس السوفسطائية فآل أمرهم إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في الشرعيات وهذه حال القرامطة الباطنية الذين عظمهم وسلك سبيلهم هذا الفيلسوف ولهذا كان ابن سينا وأمثاله منهم وكان أبوه من دعاة القرامطة المصريين ولذلك اشتغلت بالفلسفة

ثم قال وها هنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه شك فيلحقه قوم ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوز تأويله ويلحقه آخرون بالباطن الذي لا يجوز حمله على الظاهر للعلماء لغرابة هذا الصنف واشتباهه والمخطئ في هذ معذور أعني من العلماء

فإن قيل فإذا تردد أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب فمن أي هذه الثلاث مراتب هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله فنقول إن هذه المسألة الأمر فيها أنها من الصنف المختلف فيه وذلك أننا نرى قوما ممن ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون إن الواجب حملها على ظاهرها إذ كان ليس فيها برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها وهذه طريقة الأشعرية وقوم آخرون أيضا ممن يتعاطى البرهان يتأولونها وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافا كثيرا وفي هذا الصنف أبو حامد معدود وكثير من المتصوفة ومنهم من يجمع فيها تأويلين كما يفعل ذلك أبو حامد في بعض كتبه ويشبه أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذور والمصيب مشكور أو مأجور وذلك إذا اعترف بالوجود وتأول فيها نحوا من أنحاء التأويل أعني في صفة المعاد لا في وجوده إذا كان التأويل لا يؤدي إلى نفي الوجود وإنما كان جحد الوجود في هذه كفرا لأنه في أصل من أصول الشريعة وهو مما يقع التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر والأسود وأما من كان من غير أهل العلم فالواجب عليه حملها على الظاهر وتأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر وكذلك ما نرى أن من كان من الناس فرضه الإيمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤدي للكفر والداعي إلى الكفر كافر ولهذا يجب أن لا تثبت هذه التأويلات إلا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا من هو من أهل البرهان أما إذا أثبت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطبية والجدلية كما يصنعه أبو حامد فخطأ على الشرع وعلى الحكمة وإن كان الرجل إنما قصد خيرا وذلك أنه رأى أن يكثر أهل العلم بذلك ولكن كثر بذلك أهل الفساد ليس بدون كثرة أهل العلم وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة وقوم إلى ثلب الشريعة وقوم إلى الجمع بينهما ويشبه أن يكون هذا هو أحد مقاصده بكتبه والدليل على أنه رام بذلك تنبيه الفكر أنه لم يلتزم مذهبا من المذاهب في كتبه هو مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف كما قيل... يوم يمان إذا لاقيت ذا يمن... وإن لقيت معديا فعدناني

والذي يجب على أئمة المسلمين أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم إلا لمن كان من أهل العلم كما يجب عليهم أن ينهوا عن كتب البرهان من كان ليس أهلا لها

قلت أما عده أبو حامد ممن لا يقر بمعاد الأبدان فهو وإن كان قد قال في بعض كتبه ما نسبه لأجله إلى ذلك فالذي لا ريب فيه أنه لم يستمر على ذلك بل رجع عنه قطعا وجزم بما عليه المسلمون في القيامة العامة كما أخبر به الكتاب

وأما ذكره أن هذا قول كثير من المتصوفة فلا ريب أن في المتصوفة والمتفقهة وغيرهما من هو صديق ومن هو زنديق فإن انتحال الخيلة والقول ظاهرا ليس بأعظم من انتحال الإسلام وإن كان في نفس ادعاء الإسلام على عهد النبي وفي سائر الأعصار منافقون كثيرون فهؤلاء موجودون في جميع الأصناف من المنتسبين إلى العلم وإلى العبادة وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال النبي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها

فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي العباس ابن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبدالرحمن السلمي وأمثال هؤلاء فحاشا لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب بل هم من أبعد الطوائف عن مذهب الجهمية في سلب الصفات فكيف يكونون في مذهب الدهرية المنكرين لانفطار السموات والأرض وانشقاقهما نعم يوجد مثل ذلك في المتكلمين بكلام الفقهاء من أهل الفلسفة والكلام وغيرهم وهذا الرجل قد ذكر أصناف الأمة في الأمور الهية الذين سماهم حشوية والأشعرية والمعتزلة والباطنية وذكر الصنف الرابع الباطنية ولم يتعقبهم بكلام إلا ما ذكره من مذهب الصوفية أنهم يلتمسون العلم بطريقة إماتة الشهوات فإن كان قد جعل هؤلاء هم الباطنية فهذا خطأ عظيم وإن كان يوجد فيهم من يقول بقول الباطنية كما يوجد مثل ذلك في المتكلمين والفقهاء ولعل شبههم في ذلك مع ما حكاه عنهم في أمر المعاد أنهم يقولون علم الباطن وينتسبون إلى علم الباطن ولكن هذا اللفظ فيه إجمال وإيهام فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر بل هم متفقون على أن من ادعا باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك ما هو كله تحقيق كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

ومما يبين تناقض الفريقين لاشتراكهما في النفي والتعطيل أن كل حجة يحتج بها أحدهما على الآخر تنقض مذهبه أيضا كما تنقض مذهب خصمه ولهذا عمدة كلامهم بيان كل طائفة تناقض الأخرى وإن كانت هي أيضا متناقضة كما نبهنا عليه غير مرة

ويوضح ذلك ما ذكره هذا القاضي أبو الوليد ابن رشد الحفيد في كتابه الذي سماه مناهج الأدلة في الرد على لأصولية هذا بعد أن قال في خطبته أما بعد فإن كنا قد بينا في أول هذا الكتاب مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها وقلنا هناك إن الشريعة ظاهر ومئول وأن الظاهر فيها هو فرض الجمهور وأن المئول هو فرض العلماء وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله

قلت قد جعل فرض الجمهور اعتقاد الباطل الذي هو خلاف الحق إذا كان الحق خلاف ظاهره وقد فرض عليهم حمله على ظاهره قال وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور كما قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله قلت حرف لفظ حديث علي ومعناه فإن عليا قال كما ذكره البخاري في صحيحه من رواية معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي قال حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وهذا يدل على نقيض مطلوبه لأنه قال أتحبون أن يكذب الله ورسوله فعلم أن الأحاديث التي قالها الله ورسوله أحاديث لا يطيق كل أحد حملها فإذا سمعها من لا يطيق ذلك كذب الله ورسوله وهذا إنما يكون في ما قاله الرسول وتكلم به لا في خلاف ما قاله ولا في تأويل ما قال خلاف ظاهره فإن ذكر ذلك لا يوجب أن المستمع يكذب الله ورسوله بل يكذب المتأول المخالف لما قال الله ورسوله نعم نفس ذلك التأويل المخالف لقوله يكون تكذيبا لله ورسوله إما في الظاهر وإما في الباطن والظاهر فلو أريد ذلك لكان يقول أتريدون أن تكذبوا الله ورسوله أو أن تظهروا تكذيب الله ورسوله فإن المكذب من قال ما يخالف قول الله ورسوله إما ظاهرا واما ظاهرا وباطنا وعلي إنما خاف تكذيب المستمع لله ورسوله وهذا لا يكون لمجرد تأويل المتأولين فإن المؤمن لا يكذب الله ورسوله لقول مخالف لتأويل يخالف ذلك بل يرد ذلك عليه

فإن قال هذه التأويلات الباطنة قد ذكرها النبي للخاصة

قيل هذا من الإفك المفترى الذي اتفق أهل العلم بالإسلام على أنه كذب وقد ثبت عن علي رضي الله عنه في الصحيح من غير وجه لما سأله من ظن أن عنده من الرسول علما اختص به فبين لهم علي رضي الله عنه أنه لم يخصه بشيء

قال الحفيد فقد رأيت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع بحسب الجهد والاستطاعة فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى وأن من خالفه إما مبتدع وإما كافر مباح الدم والمال وهذا كله عدول عن مقصد الشارع وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقصد الشريعة وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة الطائفة التي تسمى الأشعرية وهم الذين يرى أكثر الناس اليوم أنهم أهل السنة والتي تسمى المعتزلة والطائفة التي تسمى بالباطنية والطائفة التي تسمى بالحشوية وكل هذه الطوائف قد اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة وحرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على تلك الاعتقادات وزعموا أنها الشريعة الأولى الذي قصد بالحمل عليها جميع الناس وأن من زاغ عنها فهو إما كافر وإما مبتدع وإذا تؤمل جميعها وتؤمل مقصد الشارع ظهر أنها كلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة وأنا أذكر من ذلك ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع التي لا يتم الإيمان إلا بها وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع دون ما جعل أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس بصحيح وأبدأ من ذلك بتعريف ما قصد في الشرع أن يعتقد الجمهور في الله تبارك وتعالى والطرق التي سلك بهم في ذلك وذلك في الكتاب العزيز ونبتدي من ذلك معرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع إذ كانت أول معرفة يجب أن يعلمها المكلف وقبل ذلك فينبغي أن نذكر إذا تلك الفرق المشهورة في ذلك فنقول

أما الفرقة التي تدعى بالحشوية فإنهم قالوا إن طريق معرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل أعني أن الإيمان بوجود الذي كلف الناس التصديق به يكفي فيه السمع أن يتلقى من صاحب الشرع كما يتلقى منه أحوال العبادة وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه وهذه الفرقة الظاهر من أمرها أنها مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى وتقدس ودعاهم من قبلها إلى الإقرار به وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري سبحانه وتعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها مثل قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم الآية ومثل قوله تعالى أفي الله شك فاطر السموات والأرض إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى وليس لقائل أن يقول إنه لو كان ذلك واجبا على كل من آمن بالله تعالى أعني أن لا يصح إيمانه من قبل وقوعه عن هذه الأدلة لكان النبي لا يدعو أحدا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة فإن العرب كلها كانت تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى وذلك قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ به فدامة الطبع وبلادة القريحة ألا يفهم شيئا من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع للجمهور وهذا فهو أقل الوجود وإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع

ثم قال وأما الأشعرية فرأوا أن التصديق بوجود الله تعالى لا يكون إلا بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقا ليست هي الطرق الشرعية وساق الكلام كما ذكرنا عنه أولا

قلت مسمى الحشوية في لغة الناطقين به ليس اسما لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته كالجهمية والكلابية والأشعرية ولا اسما لقول معين من قاله كان كذلك والطائفة إنما تتميز بذكر قولها أو بذكر رئيسها ولهذا كان المؤمنون متميزون بكتاب الله وسنة رسوله فالقول الذي يدعون إليه هو كتاب الله والإمام الذي يوجبون اتباعه هو رسول الله وعلى هذا بني الإيمان وبذلك وجب الموالاة والمعاداة كما قال تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا إلى قوله فإن حزب الله هم الغالبون وقال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وأمثال ذلك وقال تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون وكذلك ذكر ذلك في البقرة والمائدة ولقمان فذكر أن الكفار لا يستجيبون لذلك وكذلك ذكر عن المنافقين فقال ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فأخبر عن الكافرين والمنافقين أنهم يعرضون عن الاستجابة للكتاب والرسول فعلم أن المؤمنين ليسوا كذلك بل هم كما قال الله تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وقال فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وبذلك أمرهم حيث قال يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وبذلك حكم بين أهل الأرض كما قال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وشواهد هذا الأصل كثيرة

والناس منذ بعث الله تعالى محمدا ثلاثة أصناف إما كافر معلن وإما منافق مستتر وإما مؤمن موافق ظاهرا وباطنا كما ذكر الله تعالى هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة وحينئذ فالواجب أن يكون الرجل مع المؤمنين باطنا وظاهرا وكل قول أو عمل تنازع الناس فيه رده إلى الكتاب والسنة ولا يجوز وضع طائفة بعينها يوالي من والته ويعادي من عادته لا أخص من المؤمنين لو كانت أسماؤهم للتعريف المحض كالمالكية والشافعية والحنبلية أو غير ذلك ولا أعم من ذلك مما يدخل فيه المسلم والكافر كجنس النظر والعقل أو العبادة المطلقة ونحو ذلك ولا يجوز تعليق الحب والبغض والموالاة والمعاداة إلا بالأسماء الشرعية وأما أسماء التعريف كالأنساب والقبائل فيجوز أن يعرف بها ما دلت عليه ثم ينظر في موافقته للشرع ومخالفته له

وإذا كان كذلك فأول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو ابن عبيد رئيس المعتزلة فقيههم وعابدهم فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله فقال كان ابن عمر حشويا نسبه إلى الحشو وهم العامة والجمهور وكذلك تسميهم الفلاسفة كما سماهم بذلك صاحب هذا الكتاب والمعتزلة ونحوهم يسمونهم الحشوية والمعتزلة تعني بذلك كل من قال بالصفات وأثبت القدر وأخذ ذلك عنها متأخروا الرافضة فسموهم الجمهور بهذا الاسم وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية فسموا بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة فمن قال عندهم بوجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصوم رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك سموه حشويا كما رأينا ذلك مذكورا في مصنفاتهم والفلاسفة تسمي من أقر بالمعاد الجسمي والنعيم الحسي حشويا وأخذوا ذلك عن المعتزلة تلامذتهم من الأشعرية فسموا من أقر بما ينكرونه من الصفات ومن يذم ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهمية والإرجاء حشويا ومنهم أخذ ذلك هذا المصنف

ومما يبين ذلك أن القول الذي حكاه عنهم لا يعرف في الإسلام عالم معروف قال به ولا طائفة معروفة قالت به ولكن قد يقول بعض العوام قولا لا يفصح بمعناه وحجته يظن به مستمعه أنه يعتقد ذلك والتحقيق أن هذا النقل إنما نقلته المعتزلة ومن وافقهم عليه كهذا الرجل بطريق اللزوم لا أنهم سمعوه منهم أو وجدوه مأثورا عنهم وذلك أنهم يسمعون أهل الإيمان من أهل الحديث والسنة والجماعة والفقهاء والصوفية يقولون الكتاب والسنة وإذا تنازعوا في مسألة من موارد النزاع بين الأمة في مسائل الصفات أو القدر أو نحو ذلك قالوا بيننا وبينكم الكتاب والسنة فإذا قال لهم ذلك المنازع بيننا وبينكم العقل قالوا نحن ما نحكم إلا الكتاب والسنة ونحو هذا الكلام الذي هو حقيقة أهل الإيمان وشعار أهل السنة والجماعة وحلية أهل الحديث والفقه والتصوف الشرعي قالوا بموجب رأيهم يلزم من هذا أن تكون معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بخبر الشارع إذا لم يكن للعقل مجال في إثبات المعرفة وهذا جهل منهم وقول بلا علم فإن أحدا من هؤلاء لم يقل إن الله تعالى لا يعرف إلا بمجرد خبر الشارع الخبر المجرد فإن هذا لا يقوله عاقل فإن تصديق المخبر قبل المعرفة بصدقه في قوله إنه رسول الله بدون المعرفة بأنه رسول ممتنع ومعرفة أنه رسول الله ممن لا يعرف أن الله موجود ممتنع فنقل مثل هذا القول عن طائفة توجد في الأمة أو عن عالم معروف في الأمة من الكذب البين وهو من جنس وضع الملاحدة للأحاديث المتناقضة على المحدثين ليشنوهم بذلك عند الجهال لكن من عموم المؤمنين أهل الحديث وغيرهم من لا يحسن أن يجيب عما يورد عليه من الشبه ومن لا يحسن البيان عما انعقد في نفسه من البرهان واستقر عنده من الإيمان ولكن هذا لا يبيح أن ينقل عنه البهتان كيف وشعارهم الدعاء إلى الكتاب والسنة والقرآن مملوء من طريق تعريف الله تعالى لعباده بالأدلة الواضحة المعقول والأمثال المضروبة التي هي القياسات العقلية

ونحن قد بينا في غير هذا الموضع أن القرآن بين فيه أصول الدين في المسائل والدلائل على غاية الأحكام ونهاية التمام وأن خلاصة ما يذكره أهل الكلام والفلسفة إنما هو بعض ما بينه القرآن والحديث مع سلامة ذلك عما في كلامهم من التناقض والاختلاف واشتماله على ما تقصر عنه نهاية عقولهم ومالا يطمعون أن يكون من مدلولهم وبينا أن تعريف الشارع ودلالة الشرع ليس بمجرد الإخبار كما يظنه من يظن ذلك من أهل الكلام والفلسفة فإن مثل هذا الظن بالشارع هو الذي أوجب أن يلمزوا المؤمنين بما هم به أولى وأحرى والذين يلمزون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا وهذا حال الكفار والمنافقين الذين قال الله تعالى فيهم وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن وقال إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين

فإن الله سبحانه وتعالى ضمن كتابه العزيز فيما أخبر به عن نفسه وأسمائه وصفاته من الأدلة والآيات والأقيسة التي هي الأمثال المضروبات ما بين ثبوت المخبر بالعقل الصريح كما يخاطب أولي الألباب والنهى والحجر ومن يعقل ويسمع بل قد ضمن كتابه من الأدلة العقلية في أمر المعاد ما هو بين لعامة العباد بل ضمن كتابه العزيز من الأدلة العقلية على ثبوت الأمر والنهي والوعد والوعيد ما نبه عليه في غير هذا الموضع كقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط فكيف يكون أهل الكتاب والسنة والإيمان يقولون إن الله تعالى إنما يعرف وجوده بمجرد خبر الشارع المجرد

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19