بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية/15

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف: ابن تيمية



وهذا يتقرر بالوجه العاشر وهو أن يقال هب أن الأجزاء متماثلة فقولك والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الأخر فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا متقاربين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق إنما يكون كذلك لو كانا بعد تغيرهما بالتباعد والتلاقي يبقى تماثلهما وليس كذلك بل إذا تفرق أجزاء الذات المجتمعة تغيرت الأجزاء ولم تبق بعد الافتراق كما كانت حال الاجتماع وهذا مشهود في الأجرام المخلوقة فإن اجتماع بعضها ببعض يوجب لها من القوة وغيرها من الصفات ما لا يوجد عند الافتراق حتى إن من أحكامها واحكام الذات التي هي أبعاضها ما لا يصح إلا عند الاجتماع والتفرق يبطل ذلك وإذا كانت بالتفرق تخرج عما كانت عليه حين الاجتماع لم يلزم من تماثلها جواز تفرقها لأن التفرق يخرجها عن المماثلة فيكون إذا كانت متماثلة وجب أن تصير غير متماثلة

يقرر هذا الوجه الحادي عشر وهو أن كل جسم مؤلف هو يشتمل على جواهر منفردة كما ذكر وهي متماثلة كما ذكر والمثلان يصح على كل واحد منهما ما صح على الآخر فيقال لا يخلو إذا تفرقت هذه الأجزاء أن تكون حين افتراقها كما كانت حين اجتماعها أو لا تكون فإن كانت كذلك لزم أن يكون كل جسم في العالم إذا افترقت أجزاؤه إلى الجوهر المنفرد أن يكون حال تلك الجواهر حين ما كانت متصلة وهي تلك الذات كحالها حين تفرقها وفساد هذا معلوم بالحس والبديهة فإن الجسم ليس هو إلا تلك الجواهر وتركيبها فإذا فرض أن حالها مع زوال التركيب كحالها مع التركيب وجب أن تكون موصوفة حال افتراقها بما كانت موصوفة به حال اجتماعها وهذا معلوم الفساد بالحس والبديهة لأن عامة الأجسام إذا تفرقت أجزاؤها بطل عامة صفاتها وأحكامها

وإذا كانت حين افتراقها بخلاف ما كانت حين اجتماعها لم يلزم من تماثلها جواز افتراقها لأن ذلك يقتضي اختلاف حالها وليس الشيء إلى مثله بأقرب منه إلى نفسه فإذا كان الشيء إذا خالف غيره بشيء لم يجب أن يكون مثله فالشيء الواحد إذا وجب بانتقاله من حيز إلى حيز اختلاف حقيقته أن لا يجب ذلك فيه بطريق الأولى

وحينئذ فيقال الوجه الثاني عشر وهو أن تماثلها يوجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع عليها والواحد منها يمتنع عليه أن يفارق عينه لأن ذلك يقتضي استحالته وتغيير حقيقته والواجب الوجود لا يجوز عليه ما يفضي إلى استحالته وتغيير حقيقته فإذا مع تماثلها يجب اشتراكها في امتناع استحالتها وتغيير حقيقتها وذلك يقتضي تماثلها في امتناع الافتراق عليها لأن الافتراق يبطل حقيقتها

وهذا يظهر بالوجه الثالث عشر وهو أن صفات الجسم المخلوق وأعراضه يجوز أن يرفعها الله تعالى فإن اقتضى ذلك استحالته وتغير حقيقته لأن الله تعالى قادر على ذلك ولا محذور فيه وأما صفات الرب كحياته وعلمه وقدرته فلا يجوز أن تفارق ذاته لأن ذلك يلزم استحال الرب وتغير حقيقته وذلك محال فزوال صفاته الذاتية محال ولا يلزم إذا كان غيره من الموجودات يجوز أن تفارقه صفاته أن يقال في حق الله تعالى يجوز أن تفارقه صفاته وكذلك إذا كان غيره من ذوات الأقدار يجوز أن تتفرق أبعاضه لأن ذلك يقتضي تغير حقيقته وهو محال وإذا قيل الأبعاض متماثلة كان هذا مما يوجب اشتراكها فيما يمتنع عليها من العدم وتغير الحقيقة كما أن الصفات مشتركة في ذلك وإن كانت غير متماثلة فالأبعاض المتماثلة أولى بالاشتراك في ذلك

الوجه الرابع عشر أن يقال قولك أما ثم تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية تقسيم غير حاصر لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير ونحن لا نسلم أن الواحد منها يقال إنه عين الآخر حتى يقال إنه مثله أو خلافه بل لا يقال إنه غيره لا مثله ولا خلافه ولا يقال هو هو كما يقوله كثير من الصفاتية أو أكثرهم في العلم والقدرة والحياة أن أحدها وإن لم يكن عين الآخر فلا يقال إنه غيره ولا أنه مثله ولا خلافه لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير فإن الغيران إما أن يكونا مثلين أو خلافين والخلافان إما أن يكونا ضدين أو خلافين غير ضدين وإذا كان كذلك فالمتغايران ما يجوز وجود أحدهما دون الآخر ولا ينقض هذا بالخالق والمخلوق فإن الله يجوز وجوده بدون المخلوق وصفات الحق لا يجوز وجود بعضها دون بعض فلا تكون متغايرة ولا توصف بتماثل ولا اختلاف

الوجه الخامس عشر هب أن يقال إنها غير متماثلة بل هي مختلفة أو بعضها يختلف وبعضها غير مختلف حيث وردت النصوص بأسماء تقتضي حقائق غير متماثلة كقوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وقوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام وقوله ولتصنع على عيني وقول النبي : المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وقوله يقبض السموات بيمينه والأرض بيده الأخرى وفي رواية في الصحيح والأرض بشماله إلى سائر ما ورد في هذا الباب مما يطول وصفه فأما أن يجب تحللها إلى أجزاء متماثلة أو لا يجب فإن وجب ذلك جاز على كل شيئين مختلفين أن يصيرا متماثلين بل وجب منهما أن يكونا متماثلين فإنه إذا وجب تحللها إلى الأجزاء المتماثلة التي يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر فقد وجب أن يجوز على أجزاء كل واحد ما جاز على أجزاء الآخر ومن الجائز على أجزاء كل واحد التباعد والتلاقي كما ذكره فيجب فيه جواز تفرق أجزائه وجواز أن يسد كل واحد منهما مسد الآخر

وذلك يستلزم أن يجوز على كل مختلفين أن يكونا متماثلين وإذا جاز على المختلفين أن يكونا متماثلين فقد اشتركا في أنه يجوز أن يجب ويمتنع ويجوز على أحدهما ما جاز على الآخر فإذا اشتركا في جواز ذلك لزم من ذلك محالات منها أن يشتركا في جواز الممتنع والجائز لا يكون ممتنعا بل هو نقيضه فيكونا قد اشتركا في جواز النقيضين عليهما

وأيضا فإنه إذا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر ووجب ما يجب له وامتنع عليه ما يمتنع عليه ولو بواسطة يتماثلان فيها لزم أن يكونا متماثلين وذلك يقتضي أن يكون كل مختلفين متماثلين وهذا قلب للحقائق وتبديلها وهو من أعظم السفسطة وهذا على أصله لازم من وجه آخر فإن عنده جميع الأجسام متماثلة فإذن ليس في الأشياء التي لها أجزاء أشياء مختلفة بحال فقوله تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة أو مختلفة إنما هو تقدير وإلا فعلى أصله لا تكون متماثلة ليس في الأجسام عنده ما هو غير متماثل وإن كان في هذا من السفسطة ومكابرة الحس والعقل ما فيه مع مخالفة النصوص من القرآن التي تثبت عدم تماثل الأجسام كقوله تعالى يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ونحو ذلك مما تقدم ذكره وإن لم يجب تحللها إلى أجزاء غير منقسمة بطل ما ذكرته

الوجه السادس عشر يقال قوله كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فإنه لابد أن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء لا تركب فيها يصح أن يمس كل منهما بيمينه ما يمسه يساره لا يخلو إما أن يدخل رب العالمين في هذه القضية على تقدير كونه على العرش أو لا يدخله فإن لم يدخله لم يكن هذا حجة ولم يكن في هذا الكلام فائدة وإن أدخله في هذا القياس الشمولي

فقد ضرب لله مثلا بكل جسم حقير وغير حقير حين مثله بالبعوضة ونحوه مما فيه أجزاء مختلفة وهذا فيه اشراك بالله تعالى وعدل لله وجعل انداد له وجعل سمي له وكل ذلك ممتنع على الله تعالى

ولا يقال هذا إنما هو اشراك به وتمثيل على هذا التقدير لأنه يقال بطلان هذا التقدير يكون ممكنا امكانا ذهنيا فيجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر فلا يجوز أن يجعل لله شريك على تقدير يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر قبل أن يعلم انتفاؤه وإذا علم انتفاؤه لم يكن هذا موجبا للعلم بانتفائه لكن قد يقال هذا دليل ثان فيقال هذا التقدير عند منازعك حق لأن القرآن والعقل قد دل على أن الله فوق العرش فإذا كنت قد جعلت له أندادا وأمثالا وسميا على هذا التقدير الذي ثبت بالكتاب والعقل فقد يثبت بالكتاب والعقل أنك جعلت لله عدلا وسميا ومثلا أيضا فيقال لك في

الوجه السابع عشر من أين لك إذا كان الله فوق العرش وقلت كونه يجب أن يكون جسما فيه حقائق غير متماثلة أن يكون مساويا لجميع الأجسام المؤلفة من أجزاء مختلفة ليس العلم بهذا إلا محض قياس الله تعالى على خلفه وتمثيله بهم وهو باطل

وتقرير ذلك بالوجه الثامن عشر وهو أن يقال ما تنازع فيه الناس من الصفات نفيا واثباتا هل يسوغ لمن يثبته أن يمثل الله بما ثبت له من تلك الصفات من جميع المخلوقات أم لا يسوغ ذلك فإن ساغ ذلك ساغ أن يقال لو كان عالما لكان بمنزلة جميع العلماء ولو كان حيا لكان يمنزلة جميع الأحياء بل يقال هذا فيما لا نزاع فيه مثل أن يقال لو كان موجودا لكان بمنزلة سائر الموجودات بل يقال لو كان في الوجود وجود واجب لكان بمنزلة سائر الموجودات ومعلوم أن هذا باطل بالبديهة والحس فبطل إذا كان جسما فيه حقائق أن يكون كسائر الأجسام المختلفة الأجزاء

فإن قلت الفرق بينهما أن الأجسام متماثلة بخلاف العالمين والقادرين والموجودات قيل هذا باطل كما تقدم ثم إنه غير نافع لأن هذا التقدير الذي نتكلم عليه أن تكون فيه أجزاء مختلفة الماهية وإذا كانت أجزاء الجسم مختلفة الماهية مخالفة لغيره من الأجسام بطريق الأولى والأحرى وإذا كان الكلام على تقدير أن لا تكون الأجسام أجزاؤها متماثلة لم يجز أن تحتج على هذا التقدير بما يستلزم تماثل الأجسام لأنه يكون جمعا بين النقيضين فظهر أنه إذا قيل هذا التقدير فكل جسم مركب من أجزاء مختلفة لم تعلم هذه القضية الكلية إلا بمحض تمثيل الله يخلقه المستلزم أن يمثل إذا سمي باسم أو وصف بوصف بكل مسمى أو موصوف بذلك الاسم والصفة وأن يكون مثله في حقيقته وفساد هذا معلوم بالبديهة والحس وهو من أعظم الكفر

ولهذا كانت الأمثال المستعملة في جانب الربوبية في الكتاب والسنة وكلام العلماء هي من باب الأولى وهو أن ينزه بعض خلقه عن بعض كالشريك والبنات والفقر فيقال الله أحق بهذا التنزيه عن ذلك أو يوصف بعض خلقه بصفة كمال كالعلم والقدرة والكلام فيقال الله أحق بذلك وهذه طريقة الأنبياء واتباعهم أما ادخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس شمول وكل قياس شمول متضمن لقياس تمثيل فإن هذا لا يجوز لا لما يثبت من الصفات ولا لما ينفى

الوجه التاسع عشر يقال لك لا نسلم أن كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء مبرأة عن التركيب يصح أن

يماس كل واحد ما يماسه الآخر فإن اعتصمت في هذا بقياس الغائب على الشاهد ذكرت لك الفوارق من وجوب أحدهما وقدمه وغناه وغير ذلك دون الآخر كما يفعل في سائر الأقيسة الفاسدة وليس معك حجة على هذا العموم سوى ما يحتاج فيه إلى القياس

وهذا يظهر بالوجه العشرين وهو أن يقال ما تعنى بتحليل تركيبه إلى آخره أتعني به لابد أن يتفرق أو يقبل التفرق إلى تلك الأجزاء فهذا ممنوع وهو محل النزاع فكيف تحتج بالشيء على نفسه فتصادر على المطلوب أم تعنى بالتحليل اشتماله على الأجزاء كاشتمال الأصل على هذا الجزء وغيره فلا يخلو إما ان يريد بالجزء المبرأ عن التركيب أن يكون بسيطا عن ذلك التركيب وإن كان أجزاء متشابهة أو يريد أنه لا تركيب فيه بحال فإن أردت هذا فيكون مضمون الكلام أنه لابد وأن يكون فيه الجوهر الفرد وأنت قد وافقت أذكياء العالم على التوقف في اثبات الجوهر الفرد وإن كان ثبوته غير معلوم لك لم يجز أن تدعي في جسم من الأجسام المختلفة وجوب اشتماله على الأجزاء التي لا تركب فضلا عن أن تدعي ذلك في رب العالمين

وأيضا فإنك قد ذكرت بعد هذا أن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد أن يماس كل واحد بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر لكن يمينه مثل يساره وهذا تصريح منك بأنه يقبل القسمة وأنه يشتمل على شيئين متماثلين وهذا ينفي الجوهر الفرد فقوله لابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءا عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات مع قوله إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئا غير ما يماسه بيساره إثبات التركيب في البسيط المبرأ عن التركيب وهو الجوهر الفرد فيكون لازمه بين إثبات الجوهر ونفيه وذلك تلازم بين النقضين

وإن أراد المبرأ من التركيب من الأجزاء المختلفة وبالبسيط بما ليس فيه ذلك التركيب وذلك لا يستلزم أن يكون كل جزء جوهر فردا بل يكون كل من تلك الأجزاء بسائط بحيث يكون في البسيط أجزاء مختلفة وهذا هو أقرب إلى ارادته فيقال لك تلك الأجزاء البسيطة هي في أنفسها مختلفة الحقائق كما ذكرت وإذا كانت مختلفة الحقائق لم يمتنع أن تشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع وإذا امتنع أن تشترك في ذلك لم يلزم أن يماس أحدهما ما يماس الآخر وإذا فرض أن جوانب أحدهما متساوية إما لاستدارتها واما لتساوي يمينها ويسارها لكن إن ما يجب أن يمس بيمينه ما يمس بيساره إذا كان ذلك الممسوس يجوز أن ينتقل عن يمين هذا إلى يسار هذا ينتقل عن مماسة ما كان يماسه إذا كان يمين هذا إلى مماسة ما يماسه إذا كان عن يساره فإنه مع مماسته لهذا لابد أن يماس غيره وذلك إنما يصح أن لو كان يمين الأول ويساره من الآخر متماثلة والتقدير أن الأجزاء مختلفة في الحقائق فلا يلزم وان كان كل منهما بسيطا متشابهة الأجزاء إنما يباين جوهرا منها ما باين غيره إذ هذا غير معلوم إلا إذا كانت متماثلة والتقدير أنها مختلفة فوجب القطع بأن ما كان عن يمين أحدهما لا يلزم جواز كونه عن يساره نقيض ما ذكره فإنه إنما ذكر تساوي جانبي الممسوس الوسط وأغفل اختلاف جانبي المماسين وأن هذا المنتقل لابد أن يزيل واحدا عن حيزه وإن يماس حيزا يخالف في الحقيقة الحيز الذي كان يماسه وهذا بين ولا حول ولا قوة إلا بالله

قال الرازي البرهان الثامن لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري تعالى لأنه بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو فلا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية على العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في تلك الجهة العالية على العالم وإذا كان كذلك فحينئذ يلزم أن يكون الباري ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك محال فثبت أنه يمتنع أن يكون علوه على العالم بالجهة والحيز وذلك هو المطلوب

والكلام على هذا من وجوه

أحدها أن يقال ومن الذي قال إن علو الباري على العالم شيء موجود منفصل عنه أو بشيء منفصل عنه مطلقا هذا لا يقوله المنازع ولا يحتاج أن يقوله بل عندهم أن ذات رب العالمين فوق العالم وأنه سبحانه وتعالى العلي الأعلى المتعال بذاته لا يحتاج علوه إلى شيء غيره أصلا ولا يكون علوه بشيء منفصل عنه وما علمت أحدا من هؤلاء يقول إنه يحتاج في علوه إلى شيء منفصل عنه

وقول القائل إنه على العالم بالجهة والحيز لا يقتضي وجود شيء غير نفسه وغير العالم فإن الجهة من الأمور الاضافية كما تقدم والحيز يراد به ما هو داخل في مسمى اسمه وليس شيئا خارجا عنه ويراد به تقدير المكان وليس ذلك شيئا وجوديا بل لا حقيقة له بحال إلا أنه مقدر مفروض كما يقدر الزمان قبل العالم

وإنما يقصدون بهذه العبارة أنه بذاته فوق العالم ليست فوقيته مجرد القدرة كما تقوله الجهمية وإذا كان كذلك فليس هناك شيء هو أعلا من الله تعالى أو شيء يحتاج الله إليه في علوه بل الأمر عندهم كما قال النبي في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شيء وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة

واعتراف هذا بأن الجهة والحيز أمرا وجوديا وأنه ليس وراء العالم إلا العدم المحض فكيف يقال إن علو العدم المحض أكمل من علو الباري والعدم المحض لا حقيقة له بحال ولا وجود بل أحقر حقير في العالم وأسفل سافل هو خير منه ولا يوصف لا بعلو في الحيز ولا بسفول ولا شيء من ذلك

الوجه الثاني قوله إن بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم وتلك الجهة لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له قد قررت فيما تقدم أن العالم كري الشكل وإذا كان كذلك لم يكن له يمين ولا يسار بل ليس له إلا جهة المحدب وهو المحيط والباري خارج العالم فيمتنع أن يكون الباري إلا فوق العالم

فقولك بعد هذا إذا كان عن يمين العالم أو يساره أسقط من قولك إذا كان داخل العالم فإن العالم له داخل وأما يمين أو يسار فليس له وفرض وجود موجود داخل العالم ممكن وفرض وجود موجود عن يمينه ويساره غير ممكن كما قررته

الوجه الثالث هب أن بعض سطوح العالم سميته يمينا أو يسارا مع كونه مستديرا بالنسبة والاضافة لكن سطوح العالم مستوية في العلو فليس شيء أعلا مما تقدره يمينا أو يسارا وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلا الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن فجعل الأعلى هو الأوسط وذكرنا أن هذا لا يتأتى إلا في الجسم المستدير لأنه يمكن أن يجعل وسطه أعلاه وكذلك ما يفرض متيامنا فيه أو متياسرا هو أيضا يكون أعلاه وإن لم يكن وسطه فقوله بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم كلام باطل وقد قرره هو وكما اتفق عليه أهل الحساب بل قد أخبر النبي أن عرشه على سمواته مثل القبة وقد قدمنا دلالة الكتاب والسنة والاجماع مع الحساب العقلي على أن الأفلاك مستديرة فبطل ما ذكره

الوجه الرابع هب أنه يمكن فرض متيامنا عن العالم أو متياسرا وأنه لا يكون كذلك حينئذ فوق العالم فقد لا يسلم المنازع أن هذا الفرض يمكن في حق الله تعالى لأنه العلي الأعلى الذي يستحق العلو لذاته ولا يلزم من جواز انخفاض غيره عن بعض الموجودات جواز انخفاضه هو وإذا كان هذا الفرض غير معلوم الجواز أو هو ممتنعا في حق الله تعالى لم يكن ما يلزم عليه لازما لأن التقدير الممتنع يلزمه حكم ممتنع كما لو فرض أنه معدوم أو أنه غير عالم أو أن العالم فوقه أو أنه محتاج إلى خلقه وغير ذلك

الوجه الخامس أن هذا الفرض هب أنه ممكن أو يقدر تقديرا فلم قيل أن ما يكون متيامنا عن العالم أو متياسرا ولو كان غير الله يكون فوقه شيء قوله لأن تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن العلو يقال هذا تخليط فقولك الجهة التي في جهة العلو يقتضي شيئين أحدهما في الآخر وقولك لا يمكن فرض وجودها يقتضي أنها شيء موجود وقولك خالية عن العالم يقتضي أن فوق العالم شيء غير الله وهو موجود موصوف في العلو وهذا باطل بل كفر باجماع المسلمين فإن الله خالق كل شيء والعالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فلو كان فوقه شيء موجود غير الله لكان ثم موجود غير الله لم يخلقه الله بل هو مستغن عن الله لاسيما وقد جعل الله محتاجا إليه وهذا لا يقوله عاقل فضلا عن أن يقوله مسلم وقد تقدم الكلام على هذا بأبسط من هذا لما ذكر أن الله يحتاج إلى حيز في الأدلة العقلية ولما ذكر أن الحيز منها في الأدلة السمعية وفي غير ذلك

الوجه السادس أنا قد قررنا غير مرة أن ليس فوق العالمين إلا رب العالمين وليس هناك غيره ولا شيء يشاركه في العلو غيره بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون هناك ما هو عال عليه فقوله الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له لا جهة هناك إلا الله فهو الذي يشار إليه موجودا والاشارة إلى موجود غيره هناك ممتنعة فإن كنت تعتقد أن هناك موجودا يشار إليه فأبطل ما تعتقده وإلا فالناس لا يعتقدون هذا ومنازعة الانسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان

الوجه السابع قولك إن الحاصل في الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في تلك الجهة العالية على العالم ممنوع بل باطل لأنه استحق العلو بذاته لا لأمر منفصل عنه كما استحق الأزلية بنفسه لا لأمر منفصل عنه فقول القائل علوه تبع لعلو الجهة كقوله إنه قديم تبع لقدم الزمان وكل من الخيالات الفاسدة بل هو الأول بنفسه الذي ليس قبله شيء وهو الآخر بنفسه الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر بنفسه الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن بنفسه الذي ليس دونه شيء

الوجه الثامن هب أن الجهة في العلو أو الدهر في القدم شيء موجود تبع له فوجوده تبع لوجود الحق لا أن علو الحق وقدمه تبع له فإن ذلك يكون داخلا في مسمى نفسه كما يقال إن الحيز هو جوانب المتحيز فإن كون الدهر هو عبارة عن قدمه فقدمه وحيزه داخل في مسماه وصفة من صفاته فلا يكون هو سبحانه تبعا لصفاته ولو قدر شيئا خارجا عن صفاته لكان وجوده تابعا لوجود الحق وكان الحق هو الموجب له فكيف يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في تلك الجهة وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والعادلون به علوا كبيرا

فإن كلام هذا وأمثاله عدل بالله وإشراك به وجعل أنداد له وضرب أمثال له حيث جعل علوه وفوقيته على العالم بمنزلة علو الملك على سريره أو هو في هواء سطحه الذي قد سفل الرجل عنه فيكون دونه ويكون ذاك باقيا على علوه وجعل علوه محتاجا إلى ما يعلو به كما يحتاج الانسان إلى السطح أو السرير فكلامه في علو الله يوجب أنه جعله مثل هذا العلو يجمع من التمثيل لله والعدل به ابتداءا ومن جحد علوه المستلزم لجحود ذاته انتهاءا ولهذا كان السلف والأئمة يصفون هؤلاء بالأمرين بأنهم ممثلون عادلون بالله وبأنهم معطلون جاحدون لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الذي قاله السلف والأئمة يلزمهم لزوما لا محيد عنه وقد يظهر هذا تارة وكثيرا ما يظهر الأمران ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلا ولكن قدروا المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين

أحدهما أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوا له فجعلوه فردا من أفراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على الأفراد حيث قالوا كلما كان فوق غيره فلابد أن يكون كذا أو كلما كان كذا فلابد أن يكون كذا وأيضا فإنهم مثلوه بغيره على ذلك التقدير وهو لا يكون مثلا لغيره لا تحقيقا ولا تقديرا من التقادير التي يقع فيها شبهة ونزاع على ذلك التقدير يعلم أن له من الخصوص ما يقطع مماثلته لغيره

الوجه الثاني أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتابة والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضا فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل أنداد له والأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والاجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب فعطلوا الشرع والعقل جميعا مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون

الوجه التاسع أن يقال قد قلت لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علة الجهة أكمل من علو الباري ولم تذكر على ذلك حجة إلا قولك لأنه بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في الجهة

فيقال لك أنت قد قدرت تقديرا أن الباري عن يمين العالم أو عن يساره ولم تذكر دليلا على امتناع ذلك في الجهة وكل واحد من هاتين الدعوتين ممنوعة فلا نسلم لك إمكان هذا التقدير في حق الباري ولا امتناعه في الجهة أو لا اسلم لك مجموع إمكان هذا وامتناع هذا بل قد يشتركان في الامكان أو الامتناع فهذا المنع له ثلاث موجبات أحدها إمكانها جميعا والثاني امتناعهما جميعا والثالث تيامن الجهة وتياسرها وامتناع تيامن الباري وتياسره فلم تذكر حجة تنفي واحدا من هذه الوجوه ونحن نذكر توجيه هذه الأجوبة فنقول

الوجه العاشر أن الجهة والحيز إما أن تكون وجودية أو عدمية فإن كانت عدمية لم يجز أن توصف بعلو على العالم ولا سفول ولا يقال إن علو الباري تبع لها ولا أنه محتاج إليها ولا شيء من هذه الأمور فبطلت الحجة

وإن كان الحيز والجهة أمرا وجوديا فمن المعلوم أنه إذا قدر تيامن الرب وتياسره فبتقدير تيامن ذلك الشيء الموجود المسمى بالحيز والجهة أولى بالتيامن والتياسر فإن ذلك إن كان من صفات الرب الداخلة في مسمى اسمه فهي تبع له وإن كان شيئا منفصلا كالعماء أو العرش أو ما يقدر فإن تقدير التحول على هذا أولى من تقديره على الله فإن انتقال هذا وتحوله أولى بالجواز من انتقال الله تعالى وتحوله ولهذا لم ينازع في هذا المسلمون الذين ينازعون في جواز الحركة والانتقال على الله بل يجوزون ذلك على العرش وغيره وينازعون في جوازه على الله فظهر أن تقدير تيامن الحيز والجهة وتياسره أولى من تقدير ذلك في الرب

وإذا كان كذلك فقوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الرب في يمين العالم أو يساره لا يكون موصوفا بالعلو وتلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرضها خالية عن العلو باطل قطعا بل إن كانت شيئا يحتمل الصفات يوصف بالعلو ويكون في الجهة فإن خلوه عن صفة العلو أولى من خلو الله عن صفة العلو على كل تقدير وإن كان شيئا لم يحتمل هذه الصفة ولا يكون في جهة فهذا عدم لا يقال فيه إنه عال عن العالم فضلا عن أن يقال إن علوه لذاته وعلو الباري تبع له

الوجه الحادي عشر إن كثيرا من المسلمين من الصفاتية الذين يقولون إن الرب فوق العالم وفوق العرش يقولون إنه لا يجوز عليه الحركة والانتقال ولا يتصور أن يتيامن أو يتياسر فضلا عن أن يكون خاليا عن صفة العلو فيكون ما قدرته في حق الباري ممتنعا بل أصحابه الذين يقولون إنه فوق العرش يقولون بذلك وإذا كان هذا التقدير ممتنعا عندهم كان أدن أحواله أن يكون كما ادعيته من علو الجهة أنها عالية لذاتها لا يمكن فرضها خالية عن هذا العلو فكيف وقد تقدم بينان أن الأمر ليس كذلك وإذا كان على أسوء التقديرين يكون كل منهما مما يمنع زواله فيكون علو كل منهما لذاته فلا يكون علو الجهة أكمل من علو الله ولا يكون مستكملا بها بل إن امتنع عليه الحركة والزوال امتنع تحوله عن العلو فإذا كنت في هذا المقام لو اشركت بالله فجعلت الجهة له عدلا وشبها في مشاركتها له في العلو الذاتي لكان هذا الاشراك خيرا من أن يفضل علو الجهة على علوه ويجعل علوها بنفسه وعلوه بها

فتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحوده لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة أخرى كحصين الخزاعي لما كان مشركا وأمثاله الذي قال له النبي كم تعبد اليوم إله قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء فلا ريب أن شرك هذا أخف من جحود فرعون مع أن هذا لما قال النبي فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فهو يعتقد أن الاله الذي في السماء أعظم من تلك الآلهة فأنتم لم ترضوا أن تجعلوا علو الله أكمل من علو غيره ولا جعلتموه مثل علوه بل جعلتم علو الغير أكمل من علوه وهو يحتاج إلى ذلك الغير الذي هو مستغن عنه وكل هذا إفك وبهتان عظيم على رب العالمين

الوجه الثاني عشر أن المسلمين المزيد يجوزون عليه النزول والمجيء والاتيان والحركة قد يوافقون الأولين في أنه لا يكون إلا عاليا حتى يقولوا أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ويقولون وصفه بهذه الصفات لا ينافي علوه فهؤلاء أيضا يوجبون له العلو ويقولون إنه عال بذاته ويمتنع أن يكون غير عال وإن جوزوا عليه الحركة والانتقال وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لا نسلم إمكان خروج الله عن صفة العلو لوجه من الوجوه حتى نقدر له تيامن أو تياسر يخرجه عن أن يكون موصوفا بالعلو بل هذا يمتنع عندهم فإذا كان كذلك كان قولهم مثل قول اخوانهم المتقدمين في توجيه المنع فيقولون لا نسلم أن علو الجهة يكون أكمل من غيره وأنه محتاج إليها هذا لو كانت الجهة أمرا يمكن وصفه بالعلو بحيث يحتمل أن يكون في ذاته عاليا وإلا فإذا لم يكن كذلك بطل أصل الكلام

الوجه الثالث عشر أن يقال هب أنه سلم لك أنه قد يتيامن أو يتياسر بحيث لا يكون موصوفا بالعلو لكن لا يسلم أن الجهة التي توصف بالعلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن العلو فإن الذي يحتمل صفة لا يكون إلا موجودا إذ المعدوم لا يحتمل الصفات ولا يقال إنه في جهة العلو ولا في جهة السفل ولا في شيء من الجهات وإذا كان موجودا كان تقدير خروجه عن صفة العلو أولى من تقدير كون الله ليس موصوفا بالعلو على كل وجه من الوجوه فإن التحول والانتقال وجوازه على المخلوق أولى من جوازه على الخالق

الوجه الرابع عشر أن كونه موصوفا بعلو ذاته على العالم إما أن يكون واجبا له أو لا يكون فإن كان واجبا له فأنتم معاشر الجهمية من أعظم الناس سلبا لهذا الواجب عنه وتقولون إن علوه إنما هو القدرة فقط فالذي يقول إنه تارة يكون عاليا بذاته على العالم وتارة يكون غير عال بل إما متيامنا أو متياسرا وغير ذلك مع كونه عاليا بالقدرة التي أثبتموها في الحالين هو أعظم وصفا لله بصفة الكمال منكم حيث أثبت له العلو الذي أثبتموه وزاد عليكم بأن أثبت له من العلو الذي هو كمال مالم تثبتوه أنتم ثم هو موع هذا إذا وصفه وزاد عليكم بأن أثبت له من الذي هو كمال مالم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه بما يقتضي أن يكون علو الجهة أكمل منه مثل تجويز عدم العلو عليه بعض الأوقات هو أحسن حالا منكم حيث سلبتموه هذا العلو الذي هو كمال فمن اثبته له ولو لم يجعله أكمل فيه من غيره هو أحسن حالا فليس لكم أن تبطلوا قوله بتصحيح قولكم فإن كان علو ذاته على العالم ليس بصفة الكمال لم يصح أن يقال علو الجهة أكمل من علوه لأن التفضيل في الكمال يقتضي الاشتراك فيه فإذا كان كل واحد من علو ذاته على العالم ومن علو الجهة على العالم ليس هو صفة كمال لم يكن أحدهما أكمل من الآخر فبطلت هذه الحجة وظهر أن هذه الحجة باطلة على التقديرين ولله الحمد

الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم تقولون ليس علوه إلا علو القدرة فإذا قدر أنه جعل نفسه متيامنا عن العالم أو متياسرا بل جعل نفسه في غمام بل جعل نفسه تحت العرش ونحو ذلك مما فيه علو شيء فوقه مع كونه مقتدرا على ذلك وعلى كل شيء ومقتدرا على تغيير كل شيء وتحويله وجعل العالي سافلا وجعل السافل عاليا لم يخرج بذلك عما يستحقه من صفة العلو عندكم وخروجه عن العلو بالجهة لا ينافي الكمال عندكم فلا يكون في ذلك نقص بحال حتى يكون مستكملا وغير مستكمل ولو قيل إنه في الجهة أو قيل أنه واجب أن يكون في الجهة أو واجب أن يكون متحيزا فإن الذي يقول هذا قد لا يقول إن ذلك صفة كمال بل هو جائز عليه كما يجوز من أفعاله وكما تجوز رؤيته وذلك ليس بنقص

فأنتم موافقون على أن كونه غير عال بالجهة ليس بصفة نقص فالذي يقول إنه عال إذا قال لكم سواء في حقه علا على العالم أو لم يقل وسواء كان في الجهة أو لم يكن هو في الحالين غير موصوف بصفة نقص بل هو موصوف بالقدرة على هذا كله فإن هذا القائل أثبت له من صفة القدرة التي هي العلو عندكم أعظم مما أثبتوه ولم يثبت له نقصا بحال وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون علوه بالجهة لا كمالا ولا نقصا إذا كانت قدرته كاملة على التقديرين وهو العلو عندكم وإذا كان كذلك لم يكن ما هو أعلى منه لو كان موجودا أكمل منه ولم يكن هو مستكملا بذلك الغير لأن ذلك فرع كون ذلك كمالا وهذا قد وافقتموه على أنه ليس بكمال وهو قد وافقكم على ما هو كمال وأثبته أكمل مما أثبتموه فلا يلزم من قال أنه على العرش أن يكون غيره أكمل منه ولا أنه مستكمل بغيره

الوجه السادس عشر أن يقال هب أن العلو بالجهة كمال فأنتم تقولون إن العلو بالقدرة أكمل منه فإذا وافقكم موافق على هذا وقال علو القدرة أكمل من العلو بالجهة وكل شيء موجود سواء كان حيزا أو جهة أو شيئا غير ذلك فإن الله قادر عليه مدبر له قاهر له فإذا قدر أنه تيامن أو تياسر أو نزل حتى يجعل شيئا أعلى منه بالجهة فهو أعلى من ذلك الشيء بالقدرة والربوبية والتدبير وهو الذي جعله في تلك الجهة بمشيئته واختياره وذلك الشيء مفتقر إلى الله عز وجل والله غني عنه وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون أكمل من الله في العلو ولا أن يكون الرب مستكملا به وأن الرب خرج عن صفة العلو مع لزومها لذلك بل الرب موصوف بالعلو الحقيقي عندكم على ذلك والقهر له والتدبير وذلك موصوف بأنه تحت حكم الله وأمره فإذا شاء الرب أن يرفع جهته مع كونه مدبرا لم يلزم أن يكون هذا نقصا على الأصول التي سلمتموها كما يضربون به المثل فيقولون إن الملك هو أعلا من رعيته وإن كان مكان بعض رعيته فوق مكانه ولهذا يقال لمجلسه المجلس العالي والسامي وإن كان مجلس رعيته أعلا حيزا منه

فإذا كان الأمر كذلك فقولك لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري أتريد به أن علوه ليس إلا بالجهة فقط ليس هو قادرا على العالم مدبرا له أم تريد أن علوه بالجهة مع ماله من العلو بالقدرة فإن أردت الأولى فهو أعظم الكفر وأبطل الباطل ولا يقوله مسلم ولا عاقل يقر بالصانع بل المؤمنون متفقون على أن الله قادر على العالم وليس العالم قادر عليه فإذا ضموا إلى ذلك أنه عال بالجهة والحيز وفرض أن من العالم ما علا عليه بعض الأعيان بالجهة فقط بل لو علا عليه دائما بالجهة فقط مع علو الرب عليه بالقدرة لكان علو الرب أكمل من علو ذلك فكيف إذا كان الرب هو الذي دبره وهو الذي علا وبمشيئته وأمره يكون جميع شئوونه

الوجه السابع عشر قولك أن يكون للباري ناقصا بذاته مستكملا بغيره إنما يصح إذا كان الحيز والجهة غيرا له وذلك إنما يصح لو كان الحيز والجهة أمرا منفصلا عنه فأما إذا كان الحيز هو حده ونهايته فالجهة كونه بحيث يشار إليه لم يكن هناك غيرا له عند الصفاتية الذين يقولون ليست صفاته غيره ومن سمى هذا غيرا كان قوله مستكملا بغيره كقوله مستكملا بعلمه وقدرته وحياته وذلك مثل قوله مستكملا بنفسه وهذا ليس بممتنع بل هو واجب فالكلام في كماله كالكلام في وجوده

قد تقدم الكلام في قول القائل هو واجب بنفسه وما يدخل في ذلك من صفاته وأنه لا يكون موجودا إلا بما تستحقه ذاته من صفاته بل لا يكون موجود قط إلا كذلك ففرض عدم ذلك جحد لجميع الموجودات وتكلمنا على لفظ الغير والحيز والافتقار ونحو ذلك وكذلك القول في قول القائل هو مستكمل بغيره إذا فسر ذلك الغير بما هو من صفاته اللازمة لم يكن ذلك ضارا بل هذا أمر واجب فإن الكمال لا يكون إلا بأمور وجودية لا يكون بالأمور العدمية وهو سبحانه كامل بتلك الأمور الوجودية التي حقيقته وذاته عليها

الوجه الثامن عشر أن ذلك الغير الذي جعلته مستكملا به أهو غير غني عن الله أم غير مفتقر إلى الله إن قلت إنه غني عن الله فليس في الوجود شيء غني عن الله بل جميع الكائنات مفتقرة إليه وإن قلت بل هو المفتقر إلى الله كان معنى قولك أنه يكون مستكملا بما هو مفتقر إليه والأمر المفتقر إليه إما أن يكون من لوازم ذاته وإما أن يكون كائنا بمشيئته واختياره فيعود الأمر إلى أنه مستكمل بذاته ومشيئته التي هي من لوازم ذاته فيكون ذلك الاستكمال بذاته كما تقدم وحينئذ فلا يصح قولك ناقص لذاته مستكمل بغيره لأن ذاته مستلزمة لذلك الكمال فلا يتصور نقصها

الوجه التاسع عشر أنك زعمت في نهايتك أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل وإنما ثبت امتناع النقص عليه إذا أثبته بالاجماع وقد تقدم بعض حكاية ألفاظه في ذلك وقال في مسألة السمع والبصر لما احتج أصحابه بأن ضد ذلك نقص فقال في الأسولة على الحجة ولئن سلمنا أن ضد السمع والبصر نقص فلم قلتم إن النقص على الله محال قال واعلم أن أجود ما قيل في بيان هذه المقدمة الاجماع وعلى هذا تصير الدلالة سمعية لأن الذي يدل على كون الاجماع حجة إما الآيات وإما الأخبار

وإذا كان الأمر كذلك كان المستمسك في الابتداء بالآيات الدالة على كونه سميعا بصيرا أولى من ذكر هذه الطريقة الطويلة والاجماع لم ينعقد على أمور معينة بل كل مسلم ينزه الله عما يعتقده نقصا

وإذا كان هذا فالجهة فيها نزاع عظيم بين الناس وأكثر المسلمين بل أكثر العالمين بل سلف الأمة وأئمتها يقولون بأن الله تعالى فوق العالم وعلى العرش فإن كان هذا نقصا لم يكن قد انعقد الاجماع على نفيه وأنت فقد زعمت أن العقل لا ينفى عنه النقص فلا يكون معك حجة على نفي هذا الذي سميته نقصا لا من عقل ولا من سمع ولا يصح قولك وذلك محال هذا لو كان هذا الذي سميته نقصا مستمرا فكيف إذا كان فيه استكمال بالغير فإنه من المعلوم أن الناقص المستكمل بغيره خير من الناقص الذي ليس مستكملا لا بنفسه ولا بغيره

وبهذا الوجه وأمثاله يتبين أن هؤلاء الجهمية مع ما هم عليه من التعطيل الذي زخرفوه بشوب التنزيه فإنهم لا ينزهون الله تعالى عما يجب تنزيهه عنه من النقايص والعيوب بل يصفونه بالفقر والحاجة وبغير ذلك من الصفات كما بيناه في غير هذا الموضع ويعترف أئمة كلامهم أن العقل لا يقتضي تنزيه الله عن النقص وإنما يأخذون مقدمات سلمها لهم المسلمون فيحتجون بها على المسلمين في ابطال بعض دينهم وهذا شأن المنافقين الذين يجادلون بكتاب الله تعالى كما في الحديث موقوفا على عمر ومرفوعا إلى النبي وكما في حديث عبد الملك بن عمير عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله يقول إني أخاف عليكم ثلاثا وهي كائنة زلة العالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم ورواه ابن أبي حاتم والنجاد وغيرهما من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم وهذا مشهور من حديث كثير بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قيل وما هي يا رسول الله قال زلة العالم وحكم جائر وهوى متبع وروي من حابر وحديث الأئمة المضلين نحفوظ وأصله في الصحيح فروى ثوبان عن رسول الله إنه قال أخوف ما أخالف على أمتي بعدي الأئمة المضلون ويروى من حديث أبي الدرداء وشداد بن أوس

وأما اللفظ الذي ذكرناه فهو محفوظ عن عمر بن الخطاب من حديث ابن المبارك ووكيع وغيرهما عن مالك بن مغول سمعت أبا حصين يذكر عن زياد ابن حدير قال قال عمر بن الخطاب يهدم الإسلام زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وفي مسند الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا ديلم بن غزوان العبدي ثنا ميمون الكردي عن أبي عثمان النهدي قال إني جالس تحت منبر عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله يقول إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان وفي رواية أخرى يتكلم بالحكمة ويعمل بالفجور ورواه من حديث مالك بن دينار عن ميمون ولفظه حذرنا رسول الله كل منافق عليم ورووا عن عمر بن الخطاب أنه قال أخوف ما أخاف على هذه الأمة الذين يتأولون القرآن على غير تأويله

ومن المشهور عن عمر أنه قال إذا جادلكم أهل البدع بشبهات القرآن فخذوهم بالسنة فإن أهل السنة أعلم بكتاب الله تعالى منهم فإن المنافق لا يعتقد وجوب اتباع الكتاب والسنة واتباع الاجماع إذ ليس في باطن الأمر متدينا باتباع النص والاجماع بل يأخذ من النص ولاجماع ما يحتج به على المؤمنين في تنفيق نفاقه وترويج غشه وتلبيسه

وإذا كان كذلك فما يرفع الله به الدرجات كما رفع درجات ابراهيم ويوسف عليهم السلام أن يحتج عليهم بالحجج الدافعة لهم وأن يكادوا كيدا حسنا لدفع كيدهم وعدوانهم على الايمان وأهله فلا يمكنون من القدح في الايمان بما يسلمه لهم المؤمنون بل إذا عارضوا ما يقوله المؤمنون من الحق بحجج فسلم لهم المؤمنون بعض مقدماتها بين لهم أن تلك الحجج عليهم لا لهم أو أنها على فساد قولهم وفعلهم أدل منها على ما عارضوه من الحق

بل لو كان المتنازعان مبطلين كأهل الكتاب والمشركين إذا تجادلوا أو تقاتلوا كان المشروع نصر أهل الكتاب على المشركين بالقدر الذي يوافقهم عليه المؤمنون إذا لم يكن في ذلك مفسدة تقاوم هذا المصلحة فإن ذلك من الحق الذي يفرح به المؤمنون كما قال تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء فإنها نزلت كما استفاض في التفسير والمغازي والحديث في اقتتال الروم النصارى والفرس المجوس وكانت المجوس قد غلبت النصارى على أرض الشام وغيرها فغلبت الروم وفرح بذلك مشركو قريش لأن المجوس إليهم أقرب من النصارى لأن كلاهما لا كتاب له واغتم لذلك المؤمنون لأن النصارى إليهم أقرب لأنهم أهل كتاب فذكر ذلك أبو بكر للنبي فأخبره النبي أن الروم سوف تغلب فارس بعد ذلك في بضع سنين وناظرهم أبو بكر على هذا قبل تحريم ذلك وظهرت الروم على فارس بعد ذلك

فهؤلاء الجهمية قد سلم لهم المؤمنون أن الله غني عن كل ما سواه فإنه سبحانه مقدس عن كل نقص وأنه أحد لا مثل له والجهمية في الحقيقة لا يعتقدون فيه هذا المعنى ولا هذا التنزيه ولا هذه الوحدانية بل يثبتون له أمثالا ويصفونه بالحاجة وما يستلزم الحاجة ولا ينزهونه عن النقائص والعيوب وقد يصرحون بذلك تارة وتارة بأنه ليس على ذلك دليل عقلي فالاتحادية منهم كصاحب الفصوص وغيره يصرحون بأنه موصوف بكل ما يوصف به كل موجود من عيب ونقص وغير ذلك وهؤلاء المتكلمة منهم كالرازي يصرحون بأن العقل لا ينفي عنه النقائص وبذلك يظهر أن تسميته لما عطله من الصفات تقديسا كتسمية الملاحدة تعطيلهم تقديسا وقد علموا أن المسلمين يقولون إنه منزه عن النقص فأخذوا هذا اللفظ يجحدون به ما يستحق من صفات الحمد زاعمين أن ذلك نقص كما زعم أن علوه على العرش نقص أو يستلزم النقص كما زعم أنه يستلزم الحاجة وأنه مستلزم لعدم الوحدانية

فتبين لهم صورة الحال وهو أن هذه الأمور التي يوافق المسلمون على نفيها وإن كنتم لا تقيمون على نفيها حجة عقلية هي على فساد قولكم أدل منها على فساد قول من نازعكم من أهل الاثبات وإن كان مخطئا في بعض ما يقوله إذا كان خطاه أقل من خطاكم وهو مع ضلاله عن بعض الهدى أقرب إليه منكم

وإذا كان الأمر كذلك فهؤلاء الذين يزعمون أنهم ينفون عن الله النقص بكونه على العرش قد بينا أنهم يصفونه بالنقص إما تصريحا وإما لزوما ويصرحون بأن العقل لا ينفي النقص عن الله كانوا لم ينفوا ذلك إلا بالإجماع فلم يجمع المسلمون على قولهم فلا يكون لهم حجة على نفي كونه على العرش لو كان فيه ما زعموه من النقص والاستكمال بالغير فكيف والنقص إنما هو لازم على قولهم كما قد بين ذلك غير مرة

وقيل لك ثانيا هب أن هذا متناقض لكن إذا كانوا قد جمعوا في قولهم من إثبات كونه على العرش وبين نفي كونه جسما فلما أن يكون إثبات هذا أو نفي هذا متناقضا أو لا يكون فإن لم يكن متناقضا صح قولهم وبطل قولك في نفي الجهة فإذا كان هذا متناقضا لم يكن الزامهم لوازم أحد النقيضين بأولى من الزامهم النقيض الآخر فإن حقيقة هذا عند من يقول إنهم تناقضوا أنهم قد قالوا هو فوق العرش ليس فوق العرش وهو جسم وهو ليس بجسم ومثل هذا إما أن يجعل لهم قولين فيكون لهم قول بأنه فوق العرش ولوازمه وهو أنه جسم وقول بأنه ليس بجسم ولوازمه وهو أنه ليس فوق العرش

أو يذكر قولهم المتناقض على جهته ولا يلزمون لوازم النفي دون لوازم الاثبات ولا لوازم الاثبات دون لوازم النفي بل يثبت اللازم كما أثبت الملزوم وإن قيل إن فيها تناقضا وإذا كان كذلك لم يجز أن يلزموا بأن يكون متحيزا أو غير متحيز فإن ذلك لا يلزمهم ما داموا جامعين بين النفي والاثبات وهذا بين

ولهذا لا يزال هؤلاء وأمثالهم يميلون إلى النفاة من وجه وإلى المثبتة من وجه

وقيل لك ثالثا هب أن هؤلاء متناقضين في إثبات موجود ليس بجسم فوق العالم فقولك بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه أعظم تناقضا فإن قولك موجود يقضي ثبوت أحد الأمرين فإذا نفيتهما فقد نفيت لازم الوجود المعلوم بالفطرة الضرورية لاسيما وقد علم بالضرورة الفطرية أن الله فوق العالم وأن ما يكون لا داخل ولا خارجه فإنه لا يكون إلا معدوما

وقالوا لك رابعا لا نسلم أن هذا تناقض بل قد علمناه بالضرورة الفطرية والضرورة الدينية والأدلة السميعة والعقلية أنه فوق العرش وعلمنا بما وافقتنا عليه من الأدلة العقلية وما تذكر في موافقتنا عليه من الأدلة الشرعية أنه ليس بجسم وموجب الأدلة الصحيحة لا تتناقض وإذا لم تتناقض فإذا قدرنا فوق العالم ما ليس بجسم لم يمكن أن يكون في حيز كما يكون الاجسام وحينئذ ما تذكره من اللوازم في هذه الحجة وفي نظائرها من الحجج مثل لزوم كونه منقسما أو جوهرا فردا وكونه في حيز أو أكثر من حيز ممنوعة

فصل

وقد ذكر في نهايته على نفي الجهة حجة أخرى فنذكرها وإن كان موادها داخلة فيما ذكرناه ليكمل ما ذكره في ذلك فقال المسألة الثانية في أنه ليس في الجهة قال وقبل الخوض في الاستدلال لابد من البحث عما لا يكون جسما هل يعقل حصوله في الجهة أم لا فإن لم يعقل حصوله كانت الدلالة على نفي الجسمية كافية في نفي الجهة قال وزعم من أثبت الجهة نفى الجسمية أنا نعلم بالضرورة اختصاص الأكوان بالجهة المخصوصة مثل الكون القائم بأعلى الجدار والكون القائم بأسفله ولا يضرنا في ذلك ما يقال الأكوان إنما تحصل في الجهات على طريق التبعية لمحلها لأنا نقول الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة بالاستقلال أو التبعية وتسليم الخاص يتضمن تسليم العام فإذا سلمتم اختصاص الأكوان والجهات على سبيل التبعية فقد سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات ومتى ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسما نفي اختصاصه بالجهة والحيز وإذا ثبت ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله إقامة الدليل على نفي حصوله في الجهة والحيز

يقال هذا الذي ذكره يمكن الجواب عنه بأن يقال لا يحصل في الجهة إلا الحيز أو ما قام به أو يقال لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال إلا الجسم لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال أو التبعية إلا الجسم أو ما قام به وأي هذه العبارات قيل لم يكن ما ذكره دليلا على إمكان أن يكون في الجهة قائم بنفسه غير الجسم

ونحن نذكر حجته قال فنقول الباري تعالى لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد

والأول باطل لأن الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الحيز الثاني أو غيره والأول باطل وإلا لكان الشيء الواحد حاصلا دفعة واحدة في حيزين وهو محال ولو عقل ذلك فليعقل مثله في الجسم حتى يحصل الجسم الواحد دفعة واحدة في حيزين وأنه محال والثاني أيضا محال أما أولا فلأنه يلزم منه انقسام ذاته وهو محال على ما مر وأما ثانيا فلأن اختصاص كل جزء منه بحيزه إما أن يكون واجبا أو جائزا والقسمان باطلان على ما سيأتي

وأما إن قيل بأنه في حيز واحد فهو باطل لوجهين الأول بأنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه والثاني فلأن حصوله في ذلك الحيز إما أن يكون واجبا أو غير واجب والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر الأحياز ولو كان كذلك لكانت الأحياز أمورا وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضا ولو كانت الأحياز أمورا وجودية لكان إما يمكن الإشارة الحسية إليها أو لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون الباري الحال فيه منقسما أولا يكون منقسما فيكون ذلك الشيء مختصا بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل الباري تعالى فيه وجب استحالة الاشارة الحسية الى الباري تعالى لأنا نعلم بالضرورة أن مالا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الاشارة الحسية إليه فإذا لا يكون الباري في الجهة وهو المطلوب وأما إن لم يكن حصول الباري واجبا فاختصاصه بها لابد وأن يكون لفاعل مختار سواء إن كان بواسطة معنى أولا بواسطة معنى وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث فاختصاص الباري بالحيز محدث فهو إذا في الأزل ما كان حاصلا في الحيز والشيء الذي لا يكون كذلك استحال أن

يصير محتاجا إلى الحيز فثبت أن الباري يمتنع أن يكون في الأحياز والجهات

قال ويمكن أن يعتمد في هذه المسألة أيضا على أنه لو كان في الجهة لكان منقسما لأن الجانب الذي منه يلينا غير الجانب الذي لا يلينا وذلك يوجب انقسام ذاته لكنا بينا أن الانقسام عليه تعالى محال فحصوله في الجهة والحيز أيضا محال قال وهذا الكلام إنما يدفع القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ ولم يذكر في نهايته على نفي الجهة إلا هذا الكلام وقد تقدم ما ذكره على نفي الجسم

وهذه الحجة هي مثل الحجة الرابعة التي ذكرها في تاسيسه لكن فيها حشو وزيادة مستغنى عنها لا حاجة إليها وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتيانا بحشو القول الكثير الذي نقل فائدته أو تعلم مضرته كما يروى فيهم عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه ذكر قال أنا ضمين وذمتي رهينة لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سبخ أصل وإن أبغض الناس إلى الله تعالى رجل قمش علما حتى إذا ارتوى من ماء آجن وامتلأ من غير طائل سماه أشباهه من الناس عالما فإن نزلت به احدى الشبهات هيأ له حشو الرأي من قيله فلا هو سكت عما لا يعلم فيسلم ولا تكلم بما يعلم فيغنم تصرخ منه الدماء وتبكي منه الفروج الحرام وهو من أحق الناس بهذا هؤلاء المتكلمون في أصول الدين بغير كتاب الله وسنة رسوله ويوقعون بين الأمة العداوة والبغضاء بما لا أصل له حتى قد يكفروا من خالفهم ويبيحوا قتلهم وقتالهم كما يفعل أهل الأهواء من الخوارج والرافضة والجهمية والمعتزلة كما فعله هذا المؤسس في كتابه هذا وأمثاله حيث كفر الذين خالفوه وهم أحق بالإيمان بالله ورسوله منه بدرجات لا تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله

ولهذا كان التكفير لمن يخالفهم من أهل السنة والجماعة من شعار المارقين كما قال النبي فيما استفاض عنه من الأحاديث الصحيحة في صفة الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان

وهؤلاء الذي يدعون الإيمان لأنفسهم دون أهل السنة والجماعة من المسلمين كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة لهم نصيب من قوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون وبعضهم مع بعض كما قال الله تعالى وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون فهم كما قال الامام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب قد جمعوا وصفي الاختلاف الذي ذمه الله في كتابه فإنه ذم الذين خالفوا الأنبياء والذي اختلفوا على الأنبياء فآمن كل منهم ببعض وكفر ببعض قال في الأولين ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال في الثاني ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد وقال تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم وقال إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله وقال ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم

وهؤلاء الجهمية معروفون بمفارقة السنة والجماعة وتكفير من خالفهم واستحلال دمه كما نعت النبي الخوارج لكن قولهم في الله أقبح من قول الخوارج وإن كان للخوارج من المباينة للجماعة والمقاتلة لهم ما ليس لهم مع أن أهل المقالات ذكروا أن قول الخوارج في الصفات هو قول الجهمية والمعتزلة هذا ذكره الأشعري وغيره من المعتزلة وهذا والله أعلم يكون قول من تأخر من الخوارج إلى أن حدث التجهم في أول المأة الثانية وأما الخوارج الذين كانوا في زمن الصحابة وكبار التابعين فأولئك لم يكن قد ظهر في زمنهم التجهم أصلا ولا عرف في الأمة إذ ذاك من كان ينكر الصفات أو ينكر أن يكون على العرش أو يقول أن القرآن مخلوق أو ينكر رؤية الله تعالى ونحو ذلك مما ابتدعته الجهمية من هذه الأمة

وقد تكلمنا على هذه الحجة في غير هذا الموضع بما فيه كفاية ونذكر ما يليق بهذا الموضع وذلك من وجوه

أحدها أن قوله لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد يقال له أما الذين يقولون إنه فوق العرش وليس بجسم وهم أئمة أصحابك والكلابية وطوايف كثيرة من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وقد ذكر الأشعري أنه قول أهل السنة وأصحاب الحديث فيمنعون التلازم ويقولون لا نسلم أنه إذا كان في جهة بمعنى أنه نفسه فوق العرش لكان إما أن يكون في حيز واحد أو في أكثر من حيز فإن هذا التلازم إنما فيما إذا كان فوق العالم جسما أما إذا وافقتمونا على أنه ليس بجسم فإن التقدير يكون إذا كان فوق العالم ما ليس بجسم أو إذا كان في الجهة ما ليس بجسم فإنه إما أن يكون في حيز واحد أو أكثر ومعلوم أن ما ليس بجسم لا يكون في الحيز الاصطلاحي لافي واحد ولافي أكثر وهذا ظاهر واضح

فإن قلت هذا متناقض فإنه إذا كان فوق العالم أو في الجهة وجب أن يكون جسما قيل لك أولا قد صدرت هذا الكلام في هذه المسألة بأنه لايلزم من نفي كون الشيء جسما نفي اختصاصه بالحيز وإذا سلمت لهم لم يكن لك أن تنازعهم فيه فإن هذا رأس المسألة فيكون التقدير باتفاق منك ومنهم أن ما ليس بجسم إذا كان في الجهة بمعنى أنه يكون فوق العالم هل يكون في حيزين يعني الحيز الاصطلاحي وهم يقولون أنه لا يكون في الحيز الاصطلاحي مع كونه فوق العالم ومع كونه في الجهة وهي جهة العلو

الوجه الثاني أن يقال قولك في حيز واحد أوفي أكثر من حيز يقتضي تعدد الأحياز وذلك ممنوع فإن الأحياز إما أن تكون وجودية أو عدمية وهي ليست وجودية كما قررته في هذه الحجة وفي غيرها وإذا كانت عدمية فالعدم المحض لا يتعدد ولا يقال فيه إما أن يكون واحدا أو اثنان فامتنع أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين

ويتقوى هذا بالوجه الثالث وهو أن الحيز إما أن يكون وجوديا أو عدميا فإن كان وجوديا جاز اختصاصه بأمر وجودي على سبيل الوجوب كاختصاصه بصفاته الواجبة له الوجودية وحينئذ فيبطل ما ذكره في الحجة من امتناع كونه في الحيز واجبا أو جائزا وإن كان الحيز عدميا لم يصح أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين وهذا يقتضي بطلان أحد طريقيه الذي ذكرهما في هذه الحجة أحدهما إما أن يكون في حيز أو حيزين والثاني امتناع كونه واجبا أو جائزا

يوضح هذا الوجه الرابع وهو أن أحياز المتحيز الوجودية اللازمة له هي حدوده ونهايته والعدمية هي ما يقال إنه تقدير المكان فإن أراد بالحيز الأمر الوجودي منعت الحجة التي منع فيها أن يكون له حيز واجب وأن أراد به الأمر العدمي منع انقسامه إلى واحد وكثير

فإن قيل الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يتجدد ويتعدد باتحاد الحال وتعدده فإذا كان الحال فيه جوهرا واحدا كان واحدا وإن كان جواهر متعددة كان متعددا

قيل الجواب عن هذا هو الوجه الخامس وهو أن هذه المسألة قد صدرها بالكلام في الحيز مع من يقول أنه ليس بجسم ومع هذا فإنه يكون مختصا بالجهة وقد قال هو لما ذكر الحجة إذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسما نفي اختصاصه بالجهة والحيز

وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون الحال فيه جسما أو جوهرا فردا أو لا يستلزم ذلك فإن كان الحيز مستلزما لذلك لم يكن المختص بالحيز إلا جسما أو جوهريا فردا وحينئذ فيلزم من نفي كونه جسما وكونه جوهرا فردا أن لا يكون متحيزا كما قد يفعله المؤسس وغيره أحيانا وهو خلاف الفرض فإن الفرض نفي الحيز والجهة بدون البناء على نفي الجسمية خلافا لمن يقول ليس بجسم ولكنه في الحيز والجهة فإذا كان هذا الدليل لا يتم إلا بنفي الجسمية بطل هذا الدليل من أصله ومتى كان الحيز مستلزما للجسم أو للجوهر الفرد لزم من نفي اللازم وهو الجسم والجوهر الفرد نفي الملزوم وهو الحيز وإن كان الحيز ليس مستلزما للجسم والجوهر الفرد لم يلزم أن يكون الحال فيه جسما ولا جوهرا فردا وحينئذ فلا يلزم أن يقال ينقسم بانقسام الحال فيه إن كان جوهرا فردا كان الحيز واحدا وإن كان جسما كان أكثر من واحد فإن الحال فيه على هذا التقدير لا يكون جسما ولا جوهرا فردا وإن كان كذلك ظهر أن تقسيمه الحيز إلى واحد وإلى أكثر من واحد غير لازم على هذا التقدير ولا يصح الدليل على التقدير الأول وذلك يظهر بطلانه على التقديرين

الوجه السادس أن يقال هب أنه لم يسلم أن الحيز مستلزم لكون الحال فيه جسما ولم يسلم أن نفي الجسم لا يستلزم نفي الحيز لكن يقال انقسام الحيز إلى واحد أو أكثر من واحد إما أن لا يعلم إلا بأن يعلم أن محله جسم أو جوهر أو يعلم قبل العلم بحال محله فإن لم يعلم اتحاده وتعدده إلا بالحال فيه لم يلزم إذا قيل إن الله في حيز أن يكون الحيز منقسما إلى واحد وعدد حتى يثبت أنه يجب أن يكون الله جسما أو جوهرا فردا فيكون العلم بانقسام الحيز إلى واحد وعدد متوقفا على العلم بأن الباري تعالى يجب أن يكون على هذا التقدير جسما أو جوهرا فردا وهو لم يبين ذلك وإذا تبين ذلك كان نفي الجسم كافيا له في نفي كونه متحيزا فلم يحتج حينئذ إلى تقسيم الحيز إلى واحد أو أكثر من ذلك فظهر أن هذا الذي ذكره لم يذكر عليه حجة ولو ذكر عليه حجة لم يحتج إلى ذكره وعلى التقديرين فلا يصلح ذكره لامع الحجة ولا بدون الحجة على هذا التقدير وإن كان العلم بانقسامه إلى واحد أو عدد يعلم بدون أن يعلم أن محله جوهر أو جسم فليذكر ذلك أو لم يذكره فيتوجه المنع ثم إنه لا يصلح أن تحتج على ذلك إلا بكون الحيز ينقسم بانقسام الحال فيه والحال فيه لا يكون إلا جوهرا أو جسما لأن التقدير أن انقسامه لا يتوقف العلم به على هذه الحجة

الوجه السابع أن يقال وصف الشيء بأنه واحد وبأنه أكثر من واحد إما أن يستلزم كونه موجودا أو لا يستلزم كونه موجودا فإن استلزم كونه موجودا لزم من هذا التقسيم أن يكون وجوديا وأنت قد ذكرت في تمام الحجة أنه ليس بوجودي وإن كان الوصف بأنه وجودي وإن كان الوصف بأنه واحد وبأكثر من واحد لايستلزم أنه موجود بطل ما ذكره فيما تقدم حكايته عنه من أن الجسم منقسم ليس بواحد فإنه بنى ذلك على أن الوحدة صفة قائمة بالجسم قال والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعينا متميزا عن غيره فإنه إذا ثبت أن كون الموصوف واحدا أو أكثر لا يستلزم أن يكون موجودا لم يلزم أن تكون الوحدة والكثرة صفة وجودية فإن المعدوم لا يوصف بالصفة الوجودية فإذا لم يجب أن تكون الوحدة وجودية لم يجب أن يقوم بالجسم ولا أن يكون عرضا فلا يمتنع أن يكون الجسم واحدا وإذا كان الجسم واحدا مع عظمته ولم يكن فيه كثرة وجودية لم يصح أن يستدل بحلوله في الحيز على انقسام الحيز وتعدده وحينئذ فإذا لم يلزم من حلول الجسم في الحيز أن يكون الحيز متعددا منقسما في نفسه لم يلزم من حلول الرب في الحيز أن يكون منقسما وجاز حلوله في الحيز الذي لا يقال إنه أكثر من واحد ولا يكون أقل القليل ولايكون جوهرا فردا

وبالجملة فإذا لم يكن الجسم مشتملا على كثرة مع كونه في الحيز فالباري أولى أن يكون كذلك وحيزه أولى بذلك وهو يبطل ما ذكره

الوجه الثامن أن يقال الحيز في نفسه ليس إلا واحدا وليس هو في نفسه منقسما ولا متكثرا وإذا كان كذلك لم يصح أن يكون الحال فيه إما أن يحل في حيز واحد أو في أحياز متعدده فإن هذا مقتضى أن الحيز فيه كثرة وهذا ممنوع وتوجيه ذلك أن الناس قد تنازعوا في الجسم هل واحد في نفسه أو هو متكثر فيه انقسامات حاصلة على قول كما تقدم حكايته وتقدم أن المؤسس لم يذكر على انقسامه وعدم وحدته حجة وإذا كان الأمر كذلك مع أن الجسم يقبل الانقسام بلا نزاع فالحيز الذي لا يعقل فيه وجود الانقسام أولى أن لا يكون فيه كثرة ولا انقسام وهذا ظاهر

بل يقال في الوجه التاسع إن انقسام الحيز في نفسه قبل حلول شيء فيه ممتنع قطعا سواء قيل إن الجسم واحد أو منقسم في نفسه وذلك لأن الحيز هنا ليس المراد به شيئا موجودا كما قد قرره وإنما هو تقدير المكان وهذا هو مسمى الحيز في اصطلاح كثير من المتكلمين وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يتميز بعضه عن بعض قبل حلول ما يتقدر به وهذا معلوم بالحس والضرورة العقلية ولا يقول قائل إن ذلك يتميز بالإشارة فإن الإشارة إلى العدم محال وإنما يشار إلى موجود وإذا كان الحيز لا يتعدد ولا ينقسم قبل حلول الحال فيه كان تعدده تابعا لتعدد الحال فيه فإن لم يثبت كون الحال فيه جسما منقسما لم يكن منقسما وإذا كان المنازع له يقول إن الحال فيه ليس هو جسما أو هو جسم وليس بمنقسم في نفسه بطل انقسام الحيز ومن المعلوم أن القائلين بأنه متحيز يقولون هذا تارة وهذا تارة كما تقدم ذكر ذلك عنهم

ومن قال إنه منقسم بمعنى يتميز بعضه عن بعض فجوابهم ما يقال في الوجه العاشر أن يقال الحيز الواحد هو ما يحل فيه الجوهر الفرد كما فسرته فيما بعد فإن الحال فيه يكون أقل القليل ويتعالى الله عن ذلك وإذا كان كذلك كان ثبوته مبنيا على ثبوت الجوهر الفرد وأنت قد اعترفت أنك وأذكياء الطوائف متوقفون فيه لتعارض الأدلة فيه وإذا لم يعلم ثبوت الجوهر الفرد لم يعلم ثبوت حيز واحد بهذا الصغر واذا لم يعلم ذلك بطل العلم بأن الحيز إما واحدا بهذا التفسير وإما أكثر من واحدا بهذا التفسير وإما أكثر من واحد

الوجه الحادي عشر أن يقال لك ما مرادك بالحيز الواحد وبأي شيء يتميز الحيز الواحد عما هو أكثر منه فإن أردت به ما يحله الجوهر الفرد لم يثبت توحد الحيز حتى يثبت الجوهر الفرد ويثبت حلوله فيه ومن المعلوم أن الحيز لو كان ثابتا في نفس الأمر فليس هو مما يحس حتى يعلم حلوله في الحيز أو عدم حلوله بل أكثر ما يقال إنه داخل الجسم في حيز علمنا أن الجواهر التي خلقت فيه أيضا لكن هذا لا يفيد تميز الحيز الواحد عن غيره ولا العلم به وإذا كان الحيز الواحد الذي أردته لا يتميز ولا يعلم به كان العلم بحلول الشيء فيه أو عدم حلوله باطلا لأن العلم بحلول الشيء في محله فرع تصور المحل فإذا كان المحل لا يعلم توحده ولا يتميز كان الحكم بثبوت الحلول فيه أو عدمه حكما باطلا فيكون الدليل باطلا

الوجه الثاني عشر أن يقول لك المنازع إما أن تريد بالحيز الواحد ما يحل فيه الجوهر الفرد أو ماهو أكبر منه فإن أردت الأول فحلول الرب فيه محال كما ذكرته وكان المنازع يقول لك يحل في أكثر من واحد بهذا التفسير

وأما قولك الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الآخر أو غيره يقال لك لا هو هو ولا هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره كما تقدم تقرير ذلك على أصل كثير من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم غير مرة بأن الغيرين ماجاز وجود أحدهما دون الآخر أو ماجاز مفارقته له في مكان أو زمان أو وجود وحينئذ فلا يرد ما ذكرته على كونه هو هو وكونه غيره وإن أردت بالواحد ما هو أكبر من محل الجوهر الفرد لم يكن الحال مستلزما لأن يكون أقل القليل وقد بطل حجة الصغير وسيأتي الكلام على الوجوب والجواز

الوجه الثالث عشر أن يقال هذه الحجة مشتملة على حجتين إحداهما حجة الانقسام أو الصغر وهي تعم الأقسام والثانية ما يخص قسما قسما مع ذلك ونحن نتكلم على الحجتين جميعا فإحداهما حجة الانقسام والتركيب والأخرى هي من جنس حجة تماثل الأجسام وهاتان الحجتان هما جماع ما يذكره النفاة في هذا الباب فإنه يعود إلى ما يذكره من التركيب وإلى ما يذكره من التمثيل وقد تقدم فيما يمتنع من ذلك وبينا أن سورة الإخلاص قل هو الله أحد الله الصمد تنزهه عن الممتنع من هذين فاسمه الأحد منع التشبيه الممتنع عليه واسمه الصمد منع الانقسام والتركيب الممتنع عليه ولكن هؤلاء النفاة غلوا في ذلك وتعدوا حدود الله فيه فزادوا على الحق من الباطل شيئا كثيرا كما أن من المثبتة من غلا في الاثبات وتعدى حدودا الله حتى زاد على إثبات الحق زيادات باطلة والله يهدينا الصراط المستقيم وليس هذا موضع الشرح والبسط لما تضمنته هذه السورة العظيمة من أصول التوحيد والايمان فإنها كثيرة عظيمة إذ الأحدية والصمدية ينتظمان أصول التوحيد والإيمان والدين في أسماء الله وصفاته في دينه إذ دينه الحق يتبع ما هو عليه سبحانه في نفسه

ولما كان الدين عند الله هو الإسلام والإسلام هو الاستسلام لله وحده وله ضدان الاشراك والاستكبار فالمستكبر استكبر عن الإسلام له والمشرك استسلم لغيره وإن كان قد استسلم له فمعنى الأحد يوجب الاخلاص لله المنافي للشرك ومعنى الصمد يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار فإن الصمد يتضمن صمود كل شيء إليه وفقره إليه

وأيضا فدين الله واحد لا تفرق فيه والصمد يناسب اجتماعه فالله سبحانه وتعالى هو الاله الواحد ودينه واحد وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير مفترقين واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق والتوحيد أبدا قرين الاجتماع لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لابد فيه من التثنية والتعدد كما أن الاشراك مقرون بالتفرق قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ولهذا كان شعار الطائفة الناجية هو السنة والجماعة دون البدعة والفرقة فإن أصل توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وأصل البدع الاشراك بالله شركا أصغر أو أكبر

وهؤلاء الملبسون يقولون لا ينقسم أو لا يتجزأ أو لا يتبعض ونحو ذلك ولو لم يريدوا إلا ما هو حق لكانوا محسنين لكن حقيقة قولهم أنه ليس هناك شيء يتصور أن يكون مجتمعا فضلا أن يكون متفرقا ولا شيء موجود يتميز عن غيره فضلا عن أن يكون منقسما فأخذوا لفظ التفرق والانقسام فوضعوه على غير المعاني المعروفة ونفوا به ما يستلزم نفي الحقيقة بالكلية كما فعل غيرهم في نفي العلم والقدرة ونحوهما أو نفي الأسماء كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك فنفي الصفات يستلزم نفي الأسماء كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع

والمقصود هنا الكلام على هاتين الحجتين الانقسام والجواز بحسب ما ذكره في نهايته وإن كان قد تقدم الكلام عليها فنقول:

قوله إذا كان في أكثر من حيز لزم انقسامه لا نسلم أنه يستلزم انقسامه ولا نسلم أيضا أن الحيز الكبير ينقسم حتى يكون مافيه منقسما ولو كان هو منقسما لم نسلم أن كل ما في المنقسم يجب أن يكون منقسما

الوجه الرابع عشر أنه قد تقدم غير مرة أن هذا الانقسام أكثر ما يراد به امتياز بعضه عن بعض وبينا أن هذا مثل امتياز الصفات وبينا أن هذا مما يجب أن يقر به كل أحد في كل موجود وأن نفي هذا يستلزم جحد الموجودات جميعها الواجب والممكن وبينا أن ما يذكر في ذلك من الافتقار والغير والحيز فهو ألفاظ مجملة مشتركة مشتبهة يراد بها حق وباطل فيجب أن ينفى ما فيها من الباطل دون الحق الذي يريده بعض الناس بهذه الألفاظ وقد تقدم بسط ذلك بما يغني عن إعادته وهو أحال على ما تقدم فأحلنا أيضا عليه

الوجه الخامس عشر أن المنازع يقول به هب أن في حيز واحد فلم قلت أن ذلك محال قولك إنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه يقال لا نسلم أنما هو حيز واحد لا يتسع إلا مقدار الجوهر الفرد بل يكون واحدا وهو عظيم وهذا في الحيز أولى منه في الجسم فإذا كان قال طوائف إن الجسم يكون عظيما ويكون واحدا فالحيز أولى وأيضا فمن قال إنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو هو جسم وليس بمركب فإنه يقول بثبوت حيز واحد عظيم

الوجه السادس عشر أن المنازع يقول الجوهر الفرد لا يخلو إما أن يكون ثابتا أو لا يكون فإن كان ثابتا لم تكن قد ذكرت دليلا عقليا على نفي كونه بقدره كما اعترفت بذلك فيما تقدم في نهايتك في المسلك الثاني على نفي الجسم أن المنازع إذا أصر على المطالبة بالدليل على أنه حال كونه بقدر الجوهر فطريق دفعه أن يتمسك بالوجوه التي استدل بها على نفي الجزء الذي يتجزأ حتى تنقطع المطالبة وإذا لم يكن لك طريق إلا هذا فهذا الطريق باطلة إذا قدر ثبوت الجوهر الفرد فإنه بتقدير ثبوته تكون الوجود التي احتج بها على نفيه باطلة وإذا لم يكن الجوهر الفرد ثابتا لم يجز أن يقال إن الحال في الجزء الواحد هو أقل القليل بل لم يكن الحيز الواحد إذا فسر بذلك وجود أصلا وإذا كان كذلك فعلى التقديرين لا تكون قد ذكرت حجة على أنه لا يكون في الحيز الواحد وإنما تعتصم في مثل ذلك بالإجماع إجماع العقلاء وإجماع المسلمين داخل في ذلك

فيقال لك هؤلاء المنازعون يقول إنه عظيم في نفسه أعظم من كل عظيم وأكبر من كل كبير وأعلى من كل عال قد وسع كرسيه السموات السبع والأرضين السبع ويقولون لك ماقدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم أو كما قال فهذا مستند ثان نفى كونه بقدر الجوهر الفرد فإن سلمت ذلك لم يكن لك أن تقول ليس فوق العرش ولا هو في نفسه كبير وعظيم ولم يكن ما سلموه يستلزم أن لا يكون فوق العرش وإن قيل إنه في حيز واحد أو جهة واحدة وإن لم تسلم ذلك بل زعمت أنما فوق السماوات رب ولا هناك إله أصلا وأن محمدا لم يعرج به إلى الله تعالى بل صعد إلى علو العالم فقط وأن رب العالمين ليس داخل العالم ولا خارجه قالوا لك نحن نقول إن من وصفه بهذا فقد جعله معدوما والمعدوم أحقر من الجوهر الفرد وإذا كان كذلك لم نسلم لك مادمت مصرا على هذا النفي أنه أحقر من الجوهر الفرد فإن ذلك يستلزم تسليم النقيضين فيكون قد سلمنا أنه معدوم وأنه ليس أحقر من الجوهر الفرد وذلك باطل وإذا لم يسلم له على هذا التقدير أنه أحقر من الجوهر الفرد لم يكن له أن يحتج بالاجماع كما تقدم نظير هذا

وتقدم ما قرره في أول نهايته أن الاحتجاج بمثل هذا الاجماع الذي يختلف فيه المأخذ لا يصح نظرا ولا مناظرة فإن المناظر ليس له أن يحتج بموافقة موافق بناءا على مأخذ لا يعتقد صحته والمناظر يجيبه خصمه بأنك إن وافقتني على المأخذ وإلا منعتك الحكم على هذا التقدير لأنه عندي تقدير غير واقع فلا يكون له حجة بحال ولو احتج بها في الفطرة في إعظام الله أن يكون كذلك قيل له هذه الفطرة التي فيها أن الله تعالى فوق العالم وهي تحيل الله أن يقال ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه كما يحيله أن يقال هو بقدر الجوهر الفرد فإن كان ما الفطرة من هذا حقا فكذلك الآخر وحينئذ فلا يبقى معه حجة على نفي كونه بقدر الجوهر الفرد لا عقلية ولا سمعية لأن السمع إما نص وإما إجماع والسمعيات التي وصف الله فيها نفسه بأنه علي وعظيم وكبير معناها عندهم القدرة والقهر لا يعنون بها عظم قدره في نفسه فلا ينافي ما زعموه صغر المقدار لا سيما مع ما يعتمدونه من القول بأن الملك العظيم والآدمي العظيم يكون بقدر الجوهر الفرد لأن الحياة ولازمها لا تحل إلا في قدر ذلك كما تقدم وإذا لم يكن لهم على ذلك حجة بطلت هذه الحجج التي ذكرها وظهر عجزهم عن تنزيه الله تعالى أن يكون فيه نقص فلا يقدرون أن ينزهوه على أصولهم العقلية عن نقص ولا عن صغر

الوجه السابع عشر قوله في الحجة الثانية حصوله في ذلك الحيز إما واجب وإما جائز يقال إن أريد بالحيز ما هو داخل في مسمى اسمه مثل ما يدخل في صفاته في مسمى اسمه ومثل ما يدخل حدود الشيء ونهايته في مسى اسمه فيقال حصوله فيه واجب ويكون وجوديا والكلام في قوله يكون منقسما قد تقدم غير مرة بأن الانقسام لفظ مجمل تختلف فيه الاصطلاحات فهو منفي بالمعنى الذي لا يلزم من هذا والمعنى الذي يلزم لا محذور فيه بل هو واجب لكل موجود

الوجه الثامن عشر قول من يقول لا يجوز عليه الحركة والانتقال فإنه يقول حصوله في الحيز المعين يكون واجبا

وأما قوله لو كان كذلك لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة غيره فيكون وجوديا يقول لا نسلم وذلك لأن الاختصاص لا يجب أن يكون لمعنى في الحيز يجوز أن يكون لمعنى في الرب وهو ما توافقهم عليه من امتناع الحركة والانتقال وعدم ذلك ليس بنقص عندك ولا عندهم كما تقدم وتقدم أن ما الزمتهم من كونه يكون كالزمن هو لك ألزم أيضا فأنت وهم مشتركون في ذلك وهو بك الصق منه بهم

الوجه التاسع عشر أن يقال هب أنه وجودي وحقيقته مخالفة لحقيقة غيره وأنه يمكن الاشارة الحسية إليه فقولك إنه إن كان منقسما كان الحال فيه منقسما يمنعون الملازمة كما تقدم ويقولون في الانقسام بما تقدم من الجواب المفصل

الوجه العشرون قولك أولا يكون منقسما فيكون مختصا بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل يقال هب أن هذا الحيز أمر وجودي فلم لا يجوز أن يكون حيز هو عدمي والتسلسل إنما يلزم أن لو كان لكل حيز وجودي حيز وجودي

الوجه الحادي والعشرون قولك وإن لم تمكن الاشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل فيه الباري وجب استحالة الاشارة إلى الباري لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا تمكن الاشارة الحسية إلى جهته استحالت الاشارة الحسية إليه فإذا لا يكون الباري في الجهة

يقال لك الضروري بأن ما لا يشار إلى جهته لا يشار إليه ليس بأن ما لا يشار إليه لا يشار إلى جهته ثم كثير من الناس بل أكثرهم يقولون ذلك مثل العلم الضروري بأن ما يشار إليه وإلى جهته لا يكون إلا جسما وكثير من الناس إن ذلك مثل العلم الضروري بأن مالا يشار إليه ولا إلى جهته ولا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوما بل المقرون بأن هذا علم ضروري أعظم من المقرين بذلك

وإذا كان كذلك فإن نازعتهم في هذا العلم الضروري لم يكن عليهم أن يسلموا لك ذلك العلم الضروري الذي يلزمهم بتسليمه نفي هذا العلم الضروري لأن تسليم العلم الضروري يستلزم نفي علم ضروري تسليم لتنافي العلمين الضروريين وذلك باطل ولا يجب تسليم الباطل وإن لم تنازعهم في هذا العلم الضروري لم يكن ما ذكرته حجة عليهم فإنه إذا سلم أنه فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه حصل المطلوب

الوجه الثاني والعشرون قولك وإن لم يكن حصوله في الجهة واجبا فاختصاصه بها لابد أن يكون لفاعل مختار فاختصاص الباري به محدث فهو في الأزل ما كان في الحيز والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلا في الحيز وفي نسخة محتاجا إلى الحيز

فيقال لك إذا كان الحيز أمرا وجوديا كالعرش والغمام كان اختصاص الله بكونه فوق العرش تابعا لخلقه العرش وذلك حاصل بمشيئته واختياره وهو محدث وهو وإن لم يكن في الأزل على العرش لكن لم قلت إذا لم يكن في الأزل على العرش أنه يستحيل أن يصير بعد ذلك على العرش هذا لم تذكر عليه دليلا وأما إن كان المدعي أنه يستحيل أن يصير محتاجا إلى الحيز فهذا حق لكن كونه فوق العرش لا يوجب احتياجه إلى شيء بل هو الحامل بقدرته للعرش ولكل شيء

الوجه الثالث والعشرون أن يقال العلو على العرش للناس فيه قولان مشهوران أحدهما أنه نسبة وإضافة بينه وبين العرش من غير فعل محدث يقوم بذات الرب وهؤلاء قد يقولون الاستواء من صفات الذات وعلى هذا التقدير فتجديده بخلق العرش كتجديد سائر النسب والاضافات وذلك جائز باتفاق العقلاء كتجديد المعية والثاني أنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا عليه كما دل على ذلك القرآن والذي قال هذا يقول في استوائه إلى السماء ونزوله ومجيئه وإتيانه ونحو ذلك مثلما يقول في الاستواء وإن ذلك من أفعال ذات الله تعالى وهؤلاء هم جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفيه وغيرهم وعامة كلام السلف يدل على هذا وهذا متصل بمسألة حلول الحوادث به وهو قد ذكر أنه ليس في الأدلة العقلية ما ينفي حلول الحوادث به وذكر أن الطوائف جميعهم يلزمهم القول به وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يستوي عليه بعد أن لم يكن مستويا

وإذا كان على القولين لا يمتنع أن يصير فوق العرش وإن لم يكن في الأزل عرش يكون الله فوقه بطل ما ادعاه من أنه إذا كان اختصاص الباري بالحيز محدثا فهو إذا في الأزل ما كان حاصلا في الحيز والشيء الذي يكون كذلك استحال أن أن يصير حاصلا في الحيز فإن ذلك لا يستحيل على الوجه الذي بيناه وأما إن كان قد قال استحال أن يصير محتاجا إلى الحيز فهذا حق لكن تجدد الأمور الجائزة لا يقتضي أنه محتاج إليها

الوجه الرابع والعشرون أنه يقال قولك في أصل هذه الحجة الثانية حصوله في الحيز إما أن يكون واجبا أو غير واجب يقال لك أتريد بالحيز نوع الحيز أم تريد الحيز المعين فإن اللام تكون للجنس وتكون للحيز المعين فإن أردت به النوع لم يصح ما ذكرته في القسم الأول وهو قولك لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز لكانت حقيقته محالفة لحقيقة غيره لأن الحيز على هذا التقدير هو النوع ولا يختص بشيء دون شيء كما أن القائل إذا قال لو كان الجسم مختصا بالحيز لم يرد به حيزا بعينه بل يريد به أنه مختص بأنه لا يكون إلا متحيزا فيمتنع أن يكون غير متحيز أردت به الحيز المعين لم يصح ما ذكرته في القسم الثاني وهو أنما كان كذلك ما كان في الأزل حاصلا في الحيز المعين والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلا في الحيز وذلك أن الحيز تقدير المكان ليس أمرا موجودا فلم قلت إنه إذا لم يكن في الأزل في حيز معين امتنع أن يكون بعد ذلك في حيز معين فإن هذا مبني على مسألة حلول الحوادث وقد تقدم القول فيه

الوجه الخامس والعشرون أن قولك الشيء الذي يكون كذلك استحال أن يصير حاصلا يمنعه المنازع ويقول لا نسلم أن كل اختصاص بحيز معين وهو تقدير المكان يكون محدثا وأنه يمتنع أن يصير في حيز لم يكن فيه بل الحي القادر سبحانه يختص بما يشاء من الأحياز ولا يلزم من ذلك اختصاصه بحيز معين ولا يلزم من ذلك أن أصل التحيز محدث بل هو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء من الأجسام ولا يكون الجسم مخلوقا في حيز ولا يختص بحيز بل له أن ينقله من حيز إلى حيز

وهؤلاء يقولون حياته وقدرته توجب ذلك ونفي إمكان ذلك يقتضي نفي حياته وقدرته كما تقدم بعض حكاية قولهم ويقولون اختصاصه بحيز دون حيز هو نسبة وإضافة إلى ذلك الحيز والأمور الإضافية لا يمنع تجددها ولا زوال المتقدم منها بإتفاق العقلاء فإن الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يجري فيه القولان في العرش ونحوه فمن قال الاستواء عليه مجرد نسبة أمكن أن يقول ذلك هنا ومن قال إن فيه حركة قال بذلك هنا

الوجه السادس والعشرون قولك حصوله في الحيز إما أن يكون واجبا وإما أن يكون غير واجب يقول لك المنازع قولا مفصلا الاختصاص بأصل الحيز واجب أما تعين حيز دون حيز فهو ممكن ليس بواجب وذلك لأن الحيز في الاصطلاح المشهور للمتكلمين هو تقدير المكان وهم يقولون إن كل متحيز يستلزم نوع التحيز وأما الحيز المعين فيجوز أن ينتقل عنه المتحيز كما لو شاء الله تحويل العالم من حيز إلى آخر

ثم لهم هنا قولان أحدهما أن اختصاصه بذلك الحيز المعين مجرد نسبة وإضافة وإذا كان تجدد النسب والإضافات له وزوالها من الأمور الموجودة جائزة باتفاق العقلاء فحدوث هذه النسب وزوالها عما هو تقدير المكان بطريق الأولى والأحرى

الثاني أي يقال أكثر ما ذلك الحركة وهذا جائز كما تقدم في قولهم استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا عليه وإنه يجىء يوم القيامة ويأتي ونحو ذلك

فصل

قال الرازي الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة

الشبهة الأولى لهم أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بجهة من الجهات لست ولما لم يكن الباري محايثا للعالم وجب كونه تعالى مباينا عن العالم بجهة من الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصا بجهة فوق أما قولهم إن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مبينا عنه بجهة فلهم فيها طريقان

الطريق الأول ادعاء البديهة إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول الكتاب

الطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك قال الرازي وأنا أذكر محصل تلك الكلمات على الترتيب الصحيح على أحسن وجه يمكن تقرير تلك الشبهة وهو أن يقال لاشك أن كل موجودين في الشاهد فإن أحدهما لابد وأن يكون محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهدكذلك إما أن يكون لخصوص كونه جوهرا أو لخصوص كونه عرضا أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك المشترك إما الحدوث وإما الوجود

والكل باطل سوى الوجود فوجب أن تكون العلة لذلك الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى إما أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة

قال وأعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات نحن نذكرها وتلك الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات

أما المقدمة الأولى وهي قولنا إن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة لابد له من علة والدليل عليه هو أن المعدومات لا يصح فيها هذا الحكم وهذه الموجودات يصح فيها هذا الحكم فلولا امتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه هذا الحكم بأمر من الأمور وإلا لما كان هذا الامتياز واقعا

وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن هذا الحكم لا يمكن تعليله بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا فالدليل عليه أن المقتضى لهذا الحكم لو كان هو كونه جوهرا لصدق على الجوهر أن ينقسم إلى ما يكون محايثا لغيرة وإلى ما يكون مباينا عنه ومعلوم أن ذلك محال لأن الجوهر يمتنع أن يكون محايثا لغيره وبهذا الطريق تبين أن المقتضي لهذا الحكم ليس كونه عرضا لامتناع أن يكون العرض مباينا لغيره بالجهة

المقدمة الثالثة في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث ويدل عليه وجوه

الأول أن الحدوث عبارة عن وجود سبقة عدم والعدم غير داخل في العلة وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود

والثاني وهو الذي عول عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت بينه وبين ابن فورك فقال لو كان هذا الحكم معللا بالحدوث لكان الجاهل بكون السماء حادثة جاهلا بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في هذا العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم إذا كان أمرا معينا فالجاهل بذلك المقتضي يجب أن يكون جاهلا بذلك الحكم ألا ترى الوجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان اعتقاد أنه غير موجود مانعا من التقسيم بالقدم والحدوث فلما كان التقسيم إلى الأبيض والأسود معلقا بكونه كان ملونا كان اعتقاد أن الشيء غير ملون مانعا من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا الدهري الذي يعتقد قدم السموات والأرض لا يمنعه ذلك من اعتقاد أن السموات والأرضين إما أن تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علمنا أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث

الوجه الثالث في بيان أن المقتضي لها الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن الهيصم أيضا في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثا وصف يعلم بالاستدلال وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثا أو مباينا بالجهة حكم معلوم بالضرورة والوصف المعلوم الثبوت بالاستدلال لا يجوز أن يكون أصلا للحكم الذي يعلم ثبوته بالضرورة فثبت بهذه الوجوه أن المقتضي لهذا الحكم ليس هو الحدوث

المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان المقتضي لهذا الحكم في الشاهد هو الوجود والباري موجود وكان المقتضي لكونه تعالى إما محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة حاصلا في حقه فكان هذا حاصلا هناك

فاعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في الشاهد والغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائدا على حقيقته فإنه ما لم يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير هذه الشبهة ومن نظر في تقريرنا لهذه الشبهة وتقريرهم لها علم أن التفاوت بينهما كبير

قال والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلا بد أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا بالجهة وهذه المقدمة ممنوعة وبيانه من وجوه

الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ولا مباينة عنه بالجهة وذلك لأنهم بثبتون العقول والنفوس الفلكية الناطقة ويثبتون الهيولي ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز فلا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما لم يبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد إما أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه

الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ويثبتون فناءا لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو مباينة عن العالم بالجهة فما لم يبطلوا ذلك لا تتم دعواهم

الثالث أنا نقيم الدليل على أن الاضافات أعراض موجودات في الأعيان ثم نبين أنها تمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل كلامهم وإنما قلنا إن الاضافات أعراض موجودات في الأعيان وذلك لأن المعقول من كون الإنسان أبا لغيره مغاير لذاته المخصوصة بدليل أنه يمكن أن يعقل ذاته مع الذهول عن كونه أبا وابنا والمعلوم غير ما هو غير معلوم

وأيضا فإنه يمكن ثبوت ذاته منفكة عن الأبوة والنبوة مثل عيسى عليه السلام وآدم فإنه ما كان أبا لأحد ولا ابنا لأحد من الذكور والثابت غير ما هو ثبات فكونه أبا وابنا مغايرا لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفا سلبيا أو ثبوتيا والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة واقعة له ورافع العدم الوجود فثبت أن الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذ ثبت هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال إنه قائم بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال أن يقال إنها مباينة عن ذات الأب بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهرا قائما بذاته مباينا عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضا محال فثبت بهذا الدليل وجود موجود لا يمكن أن يقال إنه محايث لغيره ولا أن يقال مباين عنه بالجهة وإذا ثبت هذا بطل قولهم

السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلا للانقسام إليهما لكن قبول القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكما عدميا وإنما قلنا إن أصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمرا ثابتا لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه بكونه قابلا والذات قابلة لتلك الصفة القائمة بها فيكون قبول ذلك القبول زائدا عليه ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه لما كان أصل القبول عدميا كان قبول القسمة أيضا كذلك لأن القبول للقسمة قبول مخصوص فتلك الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال وإن كانت عدمية لزم القطع بأن قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالا فثبت أن قبول القسمة لا يمكن تعليله

السؤال الثالث هب أنه من الأحكام الوجودية فلم لا يجوز أن يكون معللا بخصوص كونه جوهرا أو بخصوص كونه عرضا قوله لأن كونه جوهرا يمنع من المحايثة وكونه عرضا يمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الانقسام إلى قسمين يمنع كونه مانعا من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم أن الوجود في الشاهد قسمان أحدهما أن يكون محايثا لغيره بالجهة وهو العرض والثاني أن يكون مباينا لغيره بالجهة وهو الجوهر فهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين فإن عندنا وجوب كونه محايثا لغيره معلل بكونه عرضا ووجوب كون القسم الثاني مباينا عن غيره بالجهة معلل بكونه جوهرا فبطل قولكم إن خصوص كونه عرضا وجوهرا لا يصلحان لعلة هذا الحكم

وإن أردتم به أن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين حكم واحد وأنه ثابت في جميع الموجودات التي في الشاهد فهو باطل لأن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلا عن أن يثبت في جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهو إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهرا امتنع أن يكون محايثا لغيره بالجهة فلم يكن قابلا لهذا الانقسام وإن كان عرضا امتنع أن يكون مباينا لغيره بالجهة فلم يكن قابلا لهذا الانقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم أن قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثا لغيره أو يكون مباينا عنه بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بني عليه أنه لا يمكن أن يعلل هذا الحكم بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين مختلفتين معللين بعلتين مختلفتين

السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا فلم قلتم إنه لابد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما الدليل على هذا الحصر أقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا فلم نجد قسما آخر إلا أنا بينا في الكتب المطلولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة بين النفي والاثبات

السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود ولكن لا نسلم قولكم أنا وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين

أحدهما أن من المحتمل أن يقال المقتضى لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثا للعالم أن مباينا عنه هو كونه بحيث تصح الاشارة الحسية إليه وذلك لأن كل شيئين تصح الاشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الاشارة إلى أحدهما عين الاشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما أن تكون غير الاشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضي لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشارا إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما لم يقيموا الأدلة على أنه مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال إنه يجب أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشارا إليه بحسب الحس هو مما وقع النزاع فيه وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل

الثاني لاشك أن ما سوى الله تعالى إما أن يكون محايثا لغيره أو مباينا عن غيره بالجهة ولاشك أن الله تعالى محالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ لو لم يكن مخالفا لهما بحقيقته المخصوصة لكان مثلا للجواهر أو الأعراض ويلزم منه كونه تعالى محدثا كما أن الأعراض والجواهر محدثة وذلك محال

وإذا ثبت هذا فنقول إن الجواهر والأعراض يشتركان في الأمر الذي وقعت به المخالفة بينهما وبين ذات الباري فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لقبول الانقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث

السؤال السادس سلمنا الحصر فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث قوله أولا الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه بصدق عليه كونه قابلا للعدم والوجود وأيضا كون الشيء منقسما إلى المحايث والمباين أيضا معناه كونه قابلا للانقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم أما قوله ثانيا لو كان المقتضى لهذا الحكم هو الحدوث لكان الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين

الأول لم قلتم إن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل الانسان بأسباب المرض والصحة لا يوجب جهله بحصول المرض والصحة وجهل نفاة الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادرا على الخلق والتكوين لا يوجب جهله بوجود هذا العالم

الثاني لو كان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضي لكون الموجودين في الشاهد إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجودا أن يعلم وجوب كونه محايثا للعالم أو مباينا له لكن الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لابد وأن يكون إما محايثا للعالم أو مباينا له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضي لهذا الحكم هو كونه موجودا وهذا السؤال قد اورده الأستاذ ابن فورك من أصحابنا على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جوابا سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم بالأثر مع الجهل بالمؤثر ولا يمتنع أن يحصل العلم بالمؤثر مع الجهل بالأثر وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ثالثا كونه محدثا وصف استدلالي وكونه إما محايثا أو مباينا أمر معلوم بالبديهة والوصف الاستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهة قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء استدلالي والأثر بديهي

السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو الوجود لكن لم قلتم إنه يلزم حصوله في حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب إنما يلزم لو كان الوجود أمرا واحدا في الشاهد والغائب أما إذا لم يكن الأمر كذلك بل كان وقوع لفظ الوجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالاشراك اللفظي كان هذا الدليل ساقطا بالكلية ثم إن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا بأن الوجود في الغائب والشاهد واحد إذ لو كان كذلك لزمهم إما القول بكون الباري تعالى مثلا للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده زائدا على ما هيته والقوم لا يقولون هذا الكلام

السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن هاهنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وأنه محال ولزم أيضا في العرض وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسما إلى هذين القسمين نظرا إلى كونه موجودا وإنما يمتنع ذلك الانقسام نظرا إلى مانع منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا اعتراف بأنه لا يلزم من كون الوجود علة لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفا بالوجود لاحتمال أن يكون ماهية المخصوص مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثا لغيره أو مباينا عنه إلا أن خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلم يلزم من كونه تعالى موجودا كونه بحيث يكون إما محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة

السؤال التاسع أنما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعا وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه

الأول أن كل ما سوى الله فهو محدث فيكون صحة الحدوث حكما مشتركا بينهما فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلابد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو الوجود ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث وهو محال

الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم قائم بالحجم ثم يذكر التقسيم إلى آخره حتى يكون الباري تعالى إما حجما أو قائما بالحجم والقوم لا يقولون به

الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه في أي جهة كان ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يصح على الباري كونه محايثا للعالم أو مباينا عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن لا يكون اختصاص الله بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال

الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهرا فردا أو يكون مركبا من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا لابد وأن يكون معللا بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض

الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهم إما أن يكون مساويا للعالم أو زائدا عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار وانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الأربعة حكم لابد له من علة ولا علة إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة

قال واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنفيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسولة القاهرة والاعتراضات القادحة ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سببا لمزيد من الأجر والثواب بمنه وفضله

قلت والكلام على هذا مع العلم بأن المقصود ذكر القول والفصل والحكم العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعة ليس المقصود استيفاء حجج المثبتة بل إذ تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة وعرف فرط معاداته لهؤلاء المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة بالسنن ومذاهب السلف ومع ما فيهم من الانحراف ثم تبين ظهور حججهم العقلية التي ذكرها دع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية مع استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل ارسطو وأبي معشر وشعيتهما من الفلاسفة والمنجمين والمعتزلة وغيرهم ومع أنه لم يبق ممكنا فيما فيه شبهة حجة عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله

وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا له أحدهما ادعاء البديهة وقد ذكر أنه سبق الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولا حول ولا قوة إلا بالله

وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا عن الوجه المفصل لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضا أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق اسلاما وعقلا ودينا وجهادا وملكا في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة الظاهر وكانت قد انتشرت إذا ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر وقد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره وكان والد ابن سينا منهم وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض المشرق وكثير من جنده يميل إليهم وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره وقد صنف مثل ذلك وبعده كتب آخر وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن فيه

وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصار وهو من أجل المشايخ وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبو حامد الاسفرائيني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله ابن حامد إمام الحنابلة على ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري وجرت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبككتين في مملكته نحو هذا وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ولعنت أيضا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية والحنفية وغيرهم قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصرا بالإسلام عارفا به غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند وروي أنه قتل عشرة آلاف زنديق

فكان مما حكاه ميمون النسفى الحنفي في كتابه وهو من نفاة العلو أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاما هذا معناه وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه إلى أبي اسحاق الأسفرائيني وأن الاسفرائيني لم يجب أيضا بما يدفع به ذلك إلا أن قال يلزم من الاثبات أن يكون جسما أو نحو هذا

مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من إثبات أن الله فوق العرش كما ذكر ذلك في غير موضع من كتبه وحكاه عن الأشعري وابن كلاب وارتضاه وذكر البيهقي عنه في كتاب الصفات أنه قال استوى بمعنى علا وقال في قوله أأمنتم من في السماء أي من فوق السماء واحتج البيهقي لذلك بقول النبي لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سماوات وبقول ابن عباس إن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19