العقد الفريد/الجزء الأول/8

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

وإن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بني عمه أو بني أبيه ناصحاً يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا عصبية تنفرهم تنفست الأيام بهم وتراخت الحال بأمرهم فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع العظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد ولا يستصلحه وإن جهد إلا بعد دهر طويل وشر كبير. وليس المهدي - وفقه الله - فاطماً عاداتهم ولا قارعاً صفاتهم بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك ويد ممثلة لعينك وصخرة لا تزعزع وبهمة لا يثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل تقي العرض نزيه النفس جليل الخطر قد اتضعت الدنيا عن قدره وسما نحو الآخرة بهمته فجعل الغرض الأقصى لعينه نصباً والغرض الأدنى لقدمه موطئاً فليس يغفل عملاً ولا يتعدى أملاً وهو رأس مواليك وأنصح بني أبيك رجل قد غذي بلطيف كرامتك ونبت في ظل دولتك ونشأ على قويم أدبك. فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كان قفلاً فتحه أمرك وباباً أغلقه نهيك فجعل العدل عليه وعليهم أميراً والإنصاف بينه وبينهم حاكماً فأعطاهم مالهم وأخذ منهم ما عليهم غرس لك في الذي بين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متمثلة في حواشي عوامهم متمكنة من قلوب خواضهم فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه ولا يلزمهم حق إلا أدوه وهذا أحدهم. والآخر عود من غيضتك ونبعة من أرومتك فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي. فسلطه - أعزك الله - عليهم ووجهه بالجيوش إليهم ولا تمنعك ضراعة سنه وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من الشك والجهل مع الكهولة وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق ومحامد الفعال ومحاسن الأمور وصواب التدبير وصرامة الأنفس كفراخ عتاق الطير المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: أفتاء أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر وأهل خراسان في حال عز على ما وصف ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلاً ليس بقديم الذكر في الجنود ولا بنبيه الصوت في الحروب ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء دخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان أحدهما: أن الأعداء يغتمزونها منه ويحتقرونها فيه ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه قبل الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه. والأمر الآخر: أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة ولم يعرفوه بالصوت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم وربما وقع البوار قبل الاختبار. وبباب المهدي - وفقه الله - رجل مهيب نبيه حنيك صيت له نسب زاك وصوت عال قد قاد الجيوش وساس الحروب وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل الثقة فلو ولاه المهدي أمرهم لكفاه الله شرهم. قال المهدي: جانيت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية إذ رأي الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا. ولكن أين تركتم ولي العهد قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده ونسيج وحده ومن الدين وأهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله ولكن وجدنا الله عز وجل قد حجب عن خلفه وستر من دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجري به المقادير من حوادث الأمور وريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك فكرهنا شسوعه عن محلة الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود وموضع الوجوه ومجمع الأموال التي جعلها الله عز وجل قطباً لمدار الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال وأبناء المروق. وقلنا إن وجه المهدي ولى عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبه بغيره إلا أن ينهض إليهم بنفسه وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامه واستدامت الحال بأيامه حتى يقع عرض لا يستغنى فيه أو يحدث أمر لا بد فيه منه صار ما بعده مما هو أعظم هولاً وأجل خطراً له تبعاً وبه متصلاً. قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه وعلى غير ما تصفون الأمر عليه. نحن - أهل البيت - نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم ومحتوم من الأمر قد أنبأت به الكتب وتتابعت عليه الرسل وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا وتكامل بحذافيره عندنا فبه ندبر وعلى الله نتوكل. إنه لا بد لولي عهدي عقبي من بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود. أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله ثم يخرج نشطاً إليهم حنقاً عليهم يريد أن لا يدع أحد من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال إلا توطأه بحر القتل وألبسه قناع القهر وطوقه طوق الذل ولا أحداً من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار البدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وجداول بذله. فإذا خرج مزمعاً له مجمعاً عليه لم يسر إلا قليلاً حتى يأتيه أن قد عملت حيله. وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب ووقعت طائرة الأهواء واجتمع عليه المختلفون بالرضا فيميل نظراً لهم وبراً بهم وتعطفاً عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بيت الله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال. وأما الآخر فإنه يوجه إليهم من يعتقد له الحجة بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمت الفرق بقرانها له وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه فأصغت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد لأول ناحية بخعت بطاعتها وألقت بأزمتها فألبسها جناح نعمته وأنزلها ظل كرامته وخصها بعظيم حبائه ثم عم الجماعة بالمعدلة وتعطف عليهم بالرحمة. فلا تبقى فيهم ناحية دانية ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتين: ناحية يغلب عليهم الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون آخر من يبعث وأبطأ من يوجه فيضطمر عليها موجدة ويبتغي لها علة لا يلبث أن يجدها بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر فيهم القتل ويحيط بهم الأسر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد. وناحية لا يبسط لهم أماناً ولا يقبل لهم عهداً ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا. ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هرابهم في لجج البحار وقلل الجبال وخمر الأردية وبطون الأرض تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً حتى يدع الديار خراباً والنساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف في كتبناً وقتاً ولا نصحح منع غير ما قلنا تفسيراً. وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضى الله له من الشخوص إليها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتذأب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه. فمن يصحبه من الوزراء ومن يختار له من الناس قال محمد بن الليث: أيها المهدي إن ولى عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علماً قد تثنت نحوه أعناقها ومدت سمته أبصارها. وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك: عطل الحال غفل الأمر واسع العذر. فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة وأمراء الأمة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع آثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سبق إليهم أغلب الأشياء عليهم فلا يفتأ المهدي - وفقه الله - ناظراً له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمره وأجل موقعاً في قلوب رعيته وأحمد حالاً في نفوس أهل ملته. ولا أوقع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدلة تنتشر من أثره ومحبة للخير وأهله. وإن يختار المهدي - وفقه الله - من خيار أهل كل بلدة وفقهاء أهل كل مصر أقواماً تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه. قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني إنك قد أصبحت لسمت عيون العامة نصباً ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نامية وأمرك ظاهر. فعليك بتقوى الله عز وجل وطاعته فاحتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله عز وجل كافيك من أسخطه إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمن عترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذهم لأولياء دينه أنصاراً وعلى إقامة عدله أعوانا يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد. وإن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونصرف نزول العظائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم. فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها وحتوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها. قد مضت لهم وقائع صادقات ومواطن صالحات أخمدت نيران الفتن وقصمت دواعي البدع وأذلت رقاب الجبارين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا وأقاموا في ظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أرباباً في أقطار الأرضين وملوكاً على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلاء ومحالفة الأسى وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حتى طاعتهم ووسيلة دالتهم وماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم. أي بني: ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلب مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتزين به في عين رعيتك واجعل عمال القدر وولاة الحجج مقدمة بين يدي عملك ونصفة منك لرعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلاً توليه أمرهم وتجعل العدل حاكماً بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال القدر وولاة الحجج. فلا يضيعن عليك ما في ذلك - إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع - من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسلامة عواقب الأمور. ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلاً وبعراً حبلك متعلقاً رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أدب فاضل وحلم راجح ودين صحيح. والآخر له دين غير مغمور وموضع مدخول بصير بتقلب الكلام وتصريف الرأي وإيحاء الأدب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع آداباً نافعة وآثاراً باقية من تجميل محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره في حربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي ويرعى في خضرة جناني: ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواماً يكونون جيرانك وسمارك وأهل مشاورتك فيما تورد وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة الله أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلاً يهدي إلى الصواب قلبك وهادياً ينطق بالحق لسانك. وكتب في شهر ربيع الآخرة سنة سبعين ومائة ببغداد. صفة جياد الخيل كان رسول الله ﷺ يستحب من الخيل الشقر. وقال: لو جمعت خيل العرب في صعيد واحد ما سبقها إلا أشقر. وسأله رجل: أي المال خير قال: سكة مأبورة ومهرة مأمورة. وكان عليه الصلاة والسلام يكره الشكال في الخيل. ووصف أعرابي فرساً فقال: إذا تركته نعس وإذا حركته طار. وأرسل مسلم بن عمرو لابن عم له بالشام يشتري له خيلاً. فقال له: لا علم لي بالخيل. فقال: ألست صاحب قنص قال: بلى. قال: انظر كل شيء تستحسنه في الكلب في الفرس. فأتى بخيل لم يكن في العرب مثلها. وقال بعض الضبيين في وصف فرس: متقاذف عبل الشوى شنج النسا سباق أندية الجياد عميثل وإذا تعلل بالسياط جيادها أعطاك نائله ولم يتعلل سأل المهدي مطر بن دراج عن أي الخيل أفضل قال: الذي إذا استقبلته قلت نافر وإذا استدبرته قلت زاخر وإذا استعرضته قلت زافر. قال: فأي هذه أفضل قال: الذي طرفه إمامه وسوطه عنانه. وقال آخر: الذي إذا مشى ردى وإذا عدا دحا وإذا استقبل أقعى وإذا استدبر جبى وإذا استعر استوى. وسأل معاوية بن أبي سفيان صعصعة بن صوحان: أي الخيل أفضل! قال: الطويل الثلاث القصير الثلاث العريض الثلاث الصافي الثلاث. قال: فسر لنا. قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والحزام. وأما القصر الثلاث فالصلب والعسيب والقضيب. وأما العريض الثلاث فالجبهة والمنخر والورك وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين والحافر. وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معد يكرب: كيف معرفتك بعراب الخيل قال: معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده. فأمر بأفراس فعرضت عليه. فقال: قدموا إليها الماء في التراس فما شرب ولم يكتف فهو من العراب وما ثنى سنبكه فليس منها. قلت: إنما المحفوظ أن عمر شك في العتاق والهجن فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فأخبره. فأمر سلمان بطست من ماء فوضع بالأرض ثم قدم إليه الخيل فرساً فرساً فما ثنى سنبكه وشرب هجنه وما شرب ولم يثن سنبكه عربه. وقال حسان بن ثابت يصف طول عنق الفرس: بكل كميت جوزه نصف خلقه أقب طوال مشرف في الحوارك وقال زهير: وملجمنا ما أن ينال قذاله ولا قدماه الأرض إلا أنامله وقال آخر: له ساقا ظليم خا ضب فوجئ بالرعب وقال آخر: هريت قصير عذاب اللجام أسيل طويل عذار الرسن لم يرد بقوله. قصير عذار اللجام قصر خده وإنما أراد طول شق الفم. وأراد بطول عذار الرسن: طول الخد. وقال آخر: بكل هريت نقي الأديم طويل الحزام قصير اللبب وقال أبو عبيدة يستدل على عنق الفرس برقة جحافله وأرنبته وسعة منخريه وعري نواهقه ودقة حقويه وما ظهر من أعالي أذنيه ورقة سالفتيه وأديمه ولين شعره. وأبين من ذلك كله لين شكير ناصيته وعرفه. وكانوا يقولون. إذا اشتد نفه ورحب متنفسه وطال عنقه واشتد حقوه وانهرت شدقه وعظمت فخذاه وانشبخت أنساؤه وعظمت فصوصه وصلبت حوافره ووقحت ألحق بجياد الخيل. قيل لرجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم من المقرف قال: نعم أما الكريم فالجواد الجيد الذي نهز نهز العير وأنف تأنيف السير الذي إذا عدا اسلهب وإذا أقبل أجلعب وإذا انتصب اتلأب. وأما المقرف: فإنه الذلول الحجبة الضخم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا أرسلته قال: أمسكني وإذا أمسكته قال: أرسلني. وكان محمد بن السائب الكلبي يحدث: أن الصافنات الجياد المعروضة على سليمان بن داود عليهما السلام كانت ألف فرس ورثها عن أبيه فلما عرضت ألهته عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب فعرقبها إلا أفراساً لم تعرض عليه. فوفد عليه أقوام من الأزد وكانوا أصهاره فلما فرغوا من حوائجهم قالوا: يا نبي الله إن أرضنا شاسعة فزودنا زاداً يبلغنا. فأعطاهم فرساً من تلك الخيل وقال: إذا نزلتم منزلاً فاحملوا عليه غلاماً واحتطبوا فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعامكم فساروا بالفرس فكانوا لا ينزلون منزلاً إلا ركبه أحدهم للقنص فلا يفلته شيء وقعت عينه عليه من ظبي أو بقر أو حمار إلى أن قدموا إلى بلادهم فقالوا. ما لفرسنا هذا اسم إلا زاد الراكب. فسموه زاد الراكب. فأصل فحول العرب من نتاجه. ويقال إن أعوج كان منها وكان فحلاً لهلال بن عامر أنتجته أمه ببعض بيوت الحي فنظروا إلى طرف يضع جحفلته على كاذتها على الفخذ مما يلي الحياء فقالوا: أدركوا ذلك الفرس لا ينزو على فرسكم لعظم أعوج وطول قوائمه. فقاموا إليه فوجدوا المهر فسموه أعوج. وأخبرنا فرج بن سلام عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: أغير على أهل النسار وأعوج موثق بثمامة فجال صاحبه في متنه ثم زجره فاقتلع الثمامة فخرجت تحف في متنه كالخذروف وراءه. فغدا بياض يومه وأمسى يتعشى من جميم قباء. وقال الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالديباج أما سماؤه فريا وأما أرضه فمحول قوله سماؤه: أعلاه وأرضه: أسفله. يريد قوائمه. وللطائي نظير هذا حيث يقول: مبتل متن وصهوتين إلى حوافر صلبة له ملس فهو لدى الروع والحلائب ذو أعلى مندى وأسفل يبس أو أدهم فيه كمتة أمم كأنه قطعة من الغلس صهصلق في الصهيل تحسبه أشرج حلقومه على جرس وقال حبيب أيضاً يصف فرساً أهداه إليه الحسن بن وهب الكاتب: ما مقرب يختال في أشطانه ملآن من صلف به وتلهوق بحوافر حفر وصلب صلب وأشاعر شعر وحلق أحلق ذو ألق تحت العجاج وإنما من صحة إفراط ذاك الأولق تغرى العيون به ويفلق شاعر في نعته عفواً وليس بمفلق بمصعد من حسنه ومصوب ومجمع في خلقه ومفرق قد سالت الأوضاح سيل قرارة فيه فمفترق عليه وملتقى صافي الأديم كأنما ألبسته من سندس ثوباً ومن إستبرق مسود شطر مثل ما اسود الدجى مبيض شطر كابيضاض المهرق فكأن فارسه يصرف إذ بدا في متنه ابنا للصباح الأبلق إملسه إمليده لو علقت في صهوتيه الصين لم تتعلق يرقى وما هو بالسليم ويغتدي دون السلاح سلاح أروع مملق وقال أبو سويد: شهد أبو دلف وقعة البذ وتحته فرس أدهم وعليه نضح الدم. فاستوقفه رجل من الشعراء وأنشد: كم ذا تجرعه المنون ويسلم لو يستطيع شكا إليك الأدهم في كل منبت شعرة من جلده نمق ينمقه الحسام المخذم ما تدرك الأرواح أدنى سيره لا بل يفوت الريح فهو مقدم رجعته أطراف الأسنة أشقراً واللون أدهم حين ضرجه الدم قال: فأمر له بعشرة آلف درهم. ومن قولنا في وصف الفرس: ومقربة يشقر في النقع كمتها ويخضر حيناً كلما بلها الرشح تطير بلا ريش إلى كل صيحة وتسبح في البر الذي ما به سبح وقال عدى بن الرقاع: يخرجن من فرجات النقع دامية كأن آذانها أطراف أقلام وطلب البحتري الشاعر من محمد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب فرساً ووصف له أنواعاً من الخيل في شعره فقال: لآكلفن العيس أبعد همة يجري إليها خائف أو مرتجى وإلى سراة بني حميد إنهم أمسوا كواكب أشرقت في مذحج والبيت لولا أن فيه فضيلة تعلو البيوت بفضلها لم يحجج فأعن على غزو العدو بمنطو أحشاؤه طي الرداء المدرج متسربل شية طلت أعطافه بدم فما تلقاه غير مضرج أو أدهم صافي الأديم كأنه تحت الكمى مظهر بيرندج ضرم يهيج السوط من شؤبوبه هيج الجنائب من حريق العرفج خفت مواقع وطئه فلو أنه يجري برملة عالج لم يرهج أو أشهب يقق يضئ وراءه متن كمتن اللجة المترجرج تخفى الحجول ولو بلغن لبانه في أبيض متألق كالدملج أوفى بعرف أسود متفرد فيما يليه وحافر فيروزجي أو أبلق ملأ العيون إذا بدا من كل لون معجب بنموذج جذلان تحسده الجياد إذا مشى عنقاً بأحسن حلة لم تنسج وعريض أعلى المتن لو عليته بالزئبق المنهال لم يترجرج خاضت قوائمه الوثيق بناؤها أمواج تحنيب بهن مدرج ولأنت أبعد في السماحة همة من أن تضن بموكف أو مسرج كأن على المتنين منه إذا انتحى مداك عروس أو صلاية حنظل مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من عل درير كخذروف الوليد أمره تتابع كفيه بخيط موصل كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل فأخذت الشعراء هذا التشبيه من امرئ القيس فحذوا عليه فقال طفيل الخيل: إني وإن قل مالي لا يفارقني مثل النعامة في أوصالها طول تقريبها المرطى والجوز معتدل كأنه سبد بالماء مغسول أو ساهم الوجه لم تقطع أباجله يصان وهو ليوم الروع مبذول وقال عبد الملك بن مروان لأصحابه: أي المناديل أفضل فقال: بعضهم: مناديل مصر التي كأنها غرقئ البيض وقال بعضهم: مناديل اليمن التي كأنها أنوار الربيع. فقال: ما صنعتم شيئاً أفضل المناديل مناديل عبدة ابن الطبيب حيث يقول: لما نزلنا ضربنا ظل أخبية وفار باللحم للقوم المراجيل ورداً وأشقر لم ينهئه طابخه ما قارب النضج منها فهو مأكول وقال الأصمعي: ما سبق في الرهان فرس أهضم قط. وأنشد لأبي النجم: منتفج الجوف عريض كلكله قال: وكان هشام بن عبد الملك رجلاً مسبقاً لا يكاد يسبق فسبقت له فرس أنثى وصلت أختها ففرح لذلك فرحاً شديداً وقال: علي بالشعراء. قال أبو النجم: فدعينا فقيل لنا: قولوا في هذه الفرس وأختها. فسأل أصحاب النشيد النظرة حتى يقولوا فقلت له: هل لك في رجل ينقذك إذا استنسئوك قال: هات. فقلت من ساعتي: أشاع للغراء فينا ذكرها قوائم عوج أطعن أمرها وما نسينا بالطريق مهرها حين نقيس قدره وقدرها وصبره إذا عدا وصبرها والماء يعلو نحره ونحرها ملمومة شد المليك أسرها أسفلها وبطنها وظهرها قد كاد هاديها يكون شطرها قال أبو النجم: فأمر لي بجائزة وانصرفت. أبو القاسم جعفر بن أحمد بن محمد وأبو الحسن علي بن جعفر البصري قالا: حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: أن هارون الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومائة إلى الميدان لشهود الحلبة. قال الأصمعي: فدخلت الميدان لشهودها فيمن شهد من خواص أمير المؤمنين والحلبة يومئذ أفراس للرشيد ولولديه الأمين والمأمون ولسليمان بن أبي جعفر المنصور ولعيسى بن جعفر. فجاء فرس أدهم يقال له الربد لهارون الرشيد سابقاً. فابتهج لذلك ابتهاجاً علم ذلك في وجهه وقال: علي بالأصمعي. فنوديت له من كل جانب. فأقبلت سريعاً حتى مثلت بين يديه. فقال: يا أصمعي خذ بناحية الربد ثم صفه من قونسه إلى سنبكه فإنه يقال: إن فيه عشرين اسماً ومن أسماء الطير. قلت: نعم يا أمير المؤمنين وأنشدك شعراً جامعاً لها من قول أبي حزرة. قال: فأنشدنا لله أبوك. قال: فأنشدته: وأقب كالسرحان تم له ما بين هامته إلى النسر الأقب: اللاحق المخطف البطن وذلك يكون من خلقة وربما حدث من هزال أو بعد قود والأنثى قباء والجمع: قب والمصدر: القبب. والسرحان: الذئب شبهه في ضموره وعدوه به وجمعه سراحين وقد قالوا: سراح. والهامة: أعلى الرأس وهي أم الدماغ وهي من أسماء الطير. والنسر: هو ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه كأنه النوى والحصى وهو من أسماء الطير وجمعه نسور. رحبت نعامته ووفر فرخه وتمكن الصردان في النحر رحبت: اتسعت. ونعامته: جلدة رأسه التي تغطى الدماغ وهي من أسماء الطير. وقوله: ووفرة فرخه. الفرخ: هو الدماغ وهو من أسماء الطيور. ووفر: أي تمم يقال: وفرت الشيء ووفرته بالتخفيف فهو موفور. والصردانن: عرقان في أصل اللسان يجري منهما الريق ونفس الرئة وهما من أسماء الطير. وفي الظهر صرد أيضاً وهو بياض يكون في موضع السرج من أثر الدبر يقال: فرس صرد إذا كان ذلك به والنحر: موضع القلادة من الصدر وهو البرك. وأناف بالعصفور من سعف هام أشم موثق الجذر أناف: أشرف. والعصفور: أصل منبت الناصية والعصفور أيضاً: عظم ناتئ في كل جبين والعصفور: من الغرر أيضاً وهي التي سالت ودقت ولم تتجاوز إلى العينين ولم تستدر كالقرحة وهو من أسماء الطير والسعف يقال: فرس بين السعف وهو الذي سالت ناصيته. وهام أي سائل منتشر. وأشم: مرتفع. والشمم في الأنف: ارتفاع قصبته. ويروى: هاد أشم يريد عنقاً مرتفعاً وجمعه: هواد وقوله: موثق أي شديد قوي. والجذر: الأصل من كل شيء. قال الأصمعي وغيره: هو بالفتح وقال أبو عمرو بن العلاء: هو بالكسر. وازدان بالديكين صلصله ونبت دجاجته عن الصدر ازدان: افتعل من قولك زان يزين وكان الأصل ازتان فقلبت التاء دالا لقرب نخرجها من مخرج الزاي وكذلك ازداد من زاد يزيد. والديكان واحدهما ديك وهو العظم الناتئ خلف الأذن وهو الذي يقال له الخششاء والخشاء. والصلصل: بياض في طرف الناصية ويقال: هو أصل الناصية. والدجاجة: اللحم الذي على زوره بين يديه. والديك والصلصل والدجاجة من أسماء الطير. والناهضان أمر جلزهما فكأنما عثما على كسر الناهضان: واحدهما ناهض وهو لحم المنكبين ويقال: هو اللحم الذي يلي العضدين من أعلاهما والجمع: نواهض ويقال في الجمع: أنهض على غير قياس. والناهض: فرخ القطا وهو من أسماء الطير. وقوله: أمر جلزهما أي فتل وأحكم يقال: أمررت الحبل فهو ممر أي فتلته. والجلز: الشد. وقوله: " فكأنما عثما على كسر " أي كأنهما كسراً ثم جبراً. يقال: عثمت يده. العثم: الجبر على عقدة وعوج وعثمان فعلان منه. مسحنفر الجنبين ملتئم ما بين شيمته إلى الغر مسحنفر الجنبين: أي منتفخهما. ملتئم أي معتدل. وشيمته: نحره. والشيمة أيضاً: من قولك: فرس أشيم بين الشيمة وهي بياض فيه ويقال: أن تكون شامة أو شام في جسده. والغر في الطير يسمى الرخمة وهي عضلة الساق. وصفت سماناه وحافزه وأديمه ومنابت الشعر السمانى: طائر وهو موضع من الفرس لا أحفظه إلا أن يكون أراد السمامة وهي دائرة تكون في سالفة الفرس وهي عنقه والسمامة من الطير أيضاً. والأديم: الجلد. وسما الغراب لموقعيه معاً فأبين بينهما على قدر سما الغراب أي ارتفع والغراب: رأس الورك. ويقال للصلوين: الغرابان وهما مكتنفا عجب الذنب. ويقال: هما ملتقى أعالي الوركين. والموقعان منه في أعالي الخاصرتين فأبين أي فرق بينهما على قدر أي على استواء واعتدال. واكتن دون قبيحه خطافه ونأت سمامته عن الصقر اكتن: أي استتر. والقبيح: ملتقى الساقين ويقال أنه مركب الذراعين في العضدين. والخطاف: من أسماء الطير وهو حيث أدركت عقب الفرس إذا حرك رجليه. ويقال لهذين الموضعين من الفرس: المركلان. ونأت أي بعدت. والسمامة: دائرة تكون في عنق الفرس وقد ذكرناها وهي من أسماء الطير. والصقر: أحسبها دائرة في الرأس وما وقفت عليها وهي من أسماء الطير. القطاة: مقعد الردف وهي من أسماء الطير والحر: من الطير يقال إنه ذكر الحمام وهو من الفرس سواد يكون في ظاهر أذنيه. وسما على نقويه دون حداته خربان بينهما مدى الشبر النقوان: واحدهما نقو والجمع. أنقاء وهو عظم ذو مخ وإنما عنى هاهنا عظام الوركين لأن الخرب هو الذي تراه مثل المدهن في ورك الفرس. وهو من الطير: ذكر الحبارى. والحدأة: من الطير وأصله الهمز ولكنه خفف وهي سالفة الفرس وجمعها حداء على وزن فعال كما تقول: عظاءة وعظاء ويقال: عظاية. وإذا فتحت الفاء قلت: حدأة وهي الفأس ذات الرأسين وجمعها: حدأ مثل نواة ونوى وقطاة وقطا. يدع الرضيم إذا جرى فلقاً بتوائم كمواسم سمر الرضيم: الحجارة. والفلق: المكسورة فلقاً. بتوائم: جمع توأم وقد قالوا. تؤم على وزن فعال جمع توأم وهي على غير قياس.


العقد الفريد - الجزء الأول لابن عبد ربه
العقد الفريد/الجزء الأول/1 | العقد الفريد/الجزء الأول/2 | العقد الفريد/الجزء الأول/3 | العقد الفريد/الجزء الأول/4 | العقد الفريد/الجزء الأول/5 | العقد الفريد/الجزء الأول/6 | العقد الفريد/الجزء الأول/7 | العقد الفريد/الجزء الأول/8 | العقد الفريد/الجزء الأول/9 | العقد الفريد/الجزء الأول/10 | العقد الفريد/الجزء الأول/11 | العقد الفريد/الجزء الأول/12 | العقد الفريد/الجزء الأول/13 | العقد الفريد/الجزء الأول/14 | العقد الفريد/الجزء الأول/15 | العقد الفريد/الجزء الأول/16 | العقد الفريد/الجزء الأول/17 | العقد الفريد/الجزء الأول/18 | العقد الفريد/الجزء الأول/19 | العقد الفريد/الجزء الأول/20 | العقد الفريد/الجزء الأول/21 | العقد الفريد/الجزء الأول/22 | العقد الفريد/الجزء الأول/23 | العقد الفريد/الجزء الأول/24 | العقد الفريد/الجزء الأول/25 | العقد الفريد/الجزء الأول/26 | العقد الفريد/الجزء الأول/27 | العقد الفريد/الجزء الأول/28