الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب (1951)/الباب الأول/الفصل الثاني:ظهور النصرانية وانتشارها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الفصل الثاني:ظهور النصرانية وانتشارها
الباب الأول: المقدمة
أسد رستم
[24]

الفصل الثاني

ظهور النصرانية وانتشارها

( ٣۰ – ۳۹۰ ب. م)

الرسل والتلاميذ والاخوة: توفي السيد في السنة ۳۰ بعد الميلاد. وتابع اتباعه الطقوس الاسرائيلية الشائعة آنئذٍ. فتعبدوا في هيكل سليمان. وتجمعوا في اروقته. وكانوا جميعهم يهوداً من الطبقات الوضيعة تجمعوا من اورشليم ومن الجليل ومن سائر انحاء فلسطين. وكان بعضهم من يهود البونط ومن قبدوقية ومصر وليبية والقيروان، وكان بينهم بعض اليهود العرب ايضاً. وكانوا يعقدون من آن الى آخر اجتماعات خاصة تغمرهم فيها محبة قوية ويتناولون في اثنائها طعاماً مشتركاً. وكانوا رسلا وتلاميذ بالنسبة لمعلمهم، واخوة بالنسبة للمحبة المتبادلة بينهم. ولم يعتبروا انفسهم في هذه المرحلة الاولى مذهباً خاصاً من مذاهب اليهود ولا كنيسة من كنائسهم. والكنيسة في عرف اليهود آنئذٍ جماعة قليلة من اليهود يتعبدون مستقلين عن الجماعة الكبرى.

ولا نعلم عدد المسيحيين في هذه الفترة الاولى من تاريخهم بالضبط. فهم مئة وعشرون في الفصل الاول من سفر اعمال الرسل، وخمس مئة في الفصل الخامس عشر من رسالة بولس الاولى الى اهل كورنثوس، وثلاثة آلاف بعد عظة بطرس الاولى، ثم خمسة آلاف في الفصل الرابع من سفر [25]الاعمال، وذلك بين السنة ٣٥ والسنة ٣٧ بعد الميلاد. وليس لدينا من الادلة التاريخية الواضحة الراهنة ما يمكننا من وصف نظمهم وصفاً كاملًا. ولكن هنالك ما يدل على تقدم الرسل الاثني عشر بينهم، وعلى تقدم التلاميذ السبعين بعد هؤلاء. وهنالك ايضاً ما يدل على نفوذ كلمة بطرس ويوحنا ابن زبدي ويعقوب اخي الرب. وكان يعقوب بموجب رواية القديس يوسيبيوس[1] نافذ الكلمة محترماً جداً نظراً لزهده وورعه الشديد، اكنب الركبتين من كثرة الركوع، لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً، وليس لديه سوى رداء واحد.

ومارس المسيحيون في هذه الفترة نفسها طقوساً ثلاثة: المعمودية ووضع الايدي والشركة. فكان على مستجد يقبل الدعوة ان يتعمد باسم يسوع المسيح وان يُبارك بوضع الايدي وان يمارس الشركة وكسر الخبز.[2]

وجاءَ في الفصل الرابع من سفر اعمال الرسل ايضاً انه كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة، وانه لم يكن احد يقول ان شيئاً من امواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً. وانه لم يكن فيهم احد محتاجاً لان كل الذين كانوا اصحاب حقول او بيوت كانوا يبيعونها ويأتون باثمان المبيعات ويضعونها عند ارجل الرسل. فكان يوزع على كل واحد كما يكون له احتياج.

اليهود: وعلى الرغم من تمسك المسيحيين الاولين بالناموس والانبياء عملًا بقول السيد ان السماء والارض تزولان ولا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس، فان كرزهم بيسوع مسيحاُ اخرجهم في [26]نظر اليهود على الله والناموس. واشتد نشاطهم وكثر عددهم فشكاهم الصدّيقيون الى المجمع وطلبوا الى رئيس الكهنة ان يوقف الرسل ففعل. ثم طلبهم الى المجمع وقال لهم: أَلم نوصكم الا تعلموا بهذا الاسم? فاجاب الرسل: ينبغي ان يطاع الله اكثر من الناس. ان اله آبائنا رفع يسوع رئيساً ليعطي اسرائيل التوبة ومغفرة الخطايا! فلما سمع اعضاء المجمع هذا القول حنقوا وارادوا ان يقتلوهم. فقام غمالائيل الفرّيسي واوصى بالاعتدال. فاكتفى المجمع بجلد الرسل ثم اطلقهم. فخرج الرسل فرحين وعادوا إلى التبشير. وحوالي السنة ٣٦ بعد الميلاد طلب المجمع اسطفانوس للمثول امامه بتهمة التجديف على موسى وعلى الله. فقال في الدفاع عن نفسه قوله المأثور: يا قساة الرقاب انتم دائماً تقاومون الروح القدس. ايُّ الانبياء لم يضطهده آباؤكم? اخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه.[3] فصرّوا باسنانهم واخرجوه خارج المدينة ورجموه. فكان اول الشهداء. وظهر في هذه الآونة شاوول الفريسي (بولس فيما بعد). وكان يدخل الى البيوت ويجر النساءَ والرجال من المسيحيين ويدفع بهم الى السجن.[4]

وخشي اتباع اسطفانوس سوءَ العاقبة. وكانوا من اليهود اليونانيين. ففروا الى أَوطانهم في شرقي البحر المتوسط. واستقاموا فيها كارزين مبشرين. وقام فيليبس في هذه الاثناء يبشر في السامرة وفي ساحل فلسطين في غزة ويافه وقيصرية فلقي فيها نجاحاً. وكان الرسل ولا سيما بطرس ويوحنا يرقبون عمل فيليبس فيقومون بزيارات رعائية خارج اورشليم يتعرفون بها الى المسيحيين الجدد مشددين عزائمهم مثبتين لهم في الايمان. وسجَّل فيليبس بكرزه في السامرة خروجاً على الخطة المتبعة في التبشير [27] الاولي. فان الرسل كانوا قد حصروا عملهم في أوساط اليهود متبعين في ذلك قول السيد: «الى طريق امم لا تمضوا، والى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا الى خراف بيت اسرائيل الضالة.[5]» ولكن العمل كان قد توطد فيما يظهر فبدأَ التبشير بين الامم. ورأَى بطرس وهو في يافه ان الله يأمره الا يقول عن انسانٍ ما انه دنس او نجس، فقبل دعوة كرنيليوس قائد المئة الايطالية وقال ان الله لا يقبل الوجوه بل في كل امة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده.[6] وانتقل الرسل بهذا من دور الى دور وبدأَوا يعملون بالآية: «واذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها.[7]»

وفي السنة ٤١ بعد الميلاد تولى عرش اليهود في ظل رومة هيرودوس اغريبه حفيد هيرودوس الكبير. فاراد ان يستميل الشعب اليه، فتظاهر بالتدين وشرع يضطهد المسيحيين اضطهاداً منظماً. فقتل يعقوب اخا يوحنا بالسيف. وإذ رأى ان ذلك يرضي اليهود عاد فقبض على بطرس وزجه في السجن. وكان ما كان من أمر خروجه بأعجوبة[8] - وتوجه الى انطاكية.

انطاكية : وكانت انطاكية آنئذٍ ثالثة مدن الامبراطورية الرومانية ومركز الحكم والسلطة في سورية ولبنان وفلسطين. وكانت الجالية اليهودية فيها كبيرة يربو عددها على خمسين الفاً. وكانوا يتكلمون اليونانية، ويعيشون عيشة اليونان، ويكسبون الرزق بالاتجار. فلما تشتت المسيحيون من جراء الضيق الذي حصل بسبب اسطفانوس اجتاز بعضهم الى الساحل [28]اللبناني وقبرص. وحلّ آخرون في انطاكية. وكان بين هؤلاء قوم قبرصيون وقيروانيون. فلما دخلوا انطاكية بشروا اليهود و«اليونانيين» بالرب يسوع. «وكانت يد الرب معهم فآمن عدد كثير ورجعوا الى الرب.[9]» وجاءهم بطرس في السنة ٤٥ واقام بينهم ثماني سنوات. وبعد ان اطمأن لعمله في انطاكية وما جاورها أقام افذيوس رئيساً على كنيستهم وذهب في السنة ٥٣ الى رومة. وعرف المسيحيون بهذا الاسم لاول مرة في انطاكية.

بولس : وكان الشاب الفريسي شاوول بولس يتابع التفتيش عمن اعتنق النصرانية من اليهود ليضطهدهم باسم الناموس. فقام في السنة ٣١ بعد الميلاد الى دمشق ليوقف انتشار النصرانية في اوساطها اليهودية. وما ان اقترب منها حتى «ابرق حوله نور من السماء. فسقط على الارض وسمع صوتاً يقول له: شاوول، شاوول! لماذا تضطهدني?[10]» فكان ما كان من امر تنصره. وكان قد ولد شاوول في طرسوس بين الخامسة والعاشرة بعد الميلاد. وكان والده فريسياً متعصباً فجعل ابنه يدرس الشريعة والناموس. وأَبعده عن المدارس اليونانية. ويرجح رجال الاختصاص ان ما ناله شاوول من الفلسفة اليونانية جاءَ عن طريق الاحتكاك الشخصي بابنائها لا عن درس وتعليم. ورحل شاوول وهو لا يزال حدثا الى اورشليم في طلب العلوم الدينية فاخذ عن غمالائيل المشار اليه آنفاً. وكان غمالائيل من اكبر علماء الدين في ذلك العصر. ويستدل من كتاب «اعمال بولس» الذي يرقى الى القرن الثاني بعد الميلاد ان بولس كان مربوع [29]القامة مائلًا نحو القصر، معوج الساقين، أَصلع الرأس، كثيف الحاجبين، اقنى الانف. وجاء في رسالته الثانية الى أهل مكورنثوس انه «أُعطي شوكة في الجسد لئلا يرتفع.[11]» ويستدل من رسائله انه كان حاد الطبع، شجاعاً جريئاً، شديد العاطفة، ثاقب النظر، واسع الخيال، مقداماً.

وبدأ بولس عمله التبشيري بين يهود دمشق. فضجوا وطلبوا حبسه. ولكن اخوانه في النصرانية عاونوه على الفرار. فقضى ثلاث سنوات أو اكثر في البادية يتأمل رسالته الجديدة ويبشر العرب. ثم عاد الى اورشليم يستغفر الرسل ويبشر في الاوساط اليهودية اليونانية. ولكن هؤلاء حاولوا قتله، فأشار عليه الرسل بوجوب الابتعاد والاقامة في طرسوس مسقط رأسه. وكانت الدعوة قد لقيت نجاحاً في انطاكية كما سبق ان اشرنا. فذهب كبير المسيحيين فيها برنابا الى طرسوس، وجاء ببولس الى انطاكية فتعاونا في الخدمة (٤٢–٤٥ ب.م). كان بين المسيحيين في انطاكية جماعة من التجار. فجمعوا مقداراً من المال ووضعوه تحت تصرف بولس وبرنابا لاجل التبشير. فقاما برحلة تبشيرية الى قبرص وآسيا الصغرى (٤٥–٤٧ ب.م) ولقيا بعض النجاح. ثم عادا الى انطاكية، فعلما فيها ان الرسل لم يرضوا عن عمالهما التبشيرية لانهما كانا قد قبلا في النصرانية وثنيين لم يختتنوا. وكانا يريان ان لا بد من التساهل في مثل هذه الامور لئلا تبقى النصرانية شيعة يهودية منشقة. فنزلا الى اورشيلم (٥٠ ب.م) وبحثا امر الاختتان فايدهما بطرس وعارضهما يعقوب. ثم تم الاتفاق على ان يمتنع المؤمن غير المختتن عما ذبح للاصنام وعن الدم والمخنوق والزنى. «فان حفظ نفسه منها فنعمَّا يفعل ويكون معافى.[12]» وعاد بولس وبرنابا [30]الى انطاكية.

وقام بولس بعد هذا برحلتين تبشيريتين الثانية والثالثة. وشملت الثانية (٥٠–٥٢ ب.م) غلاطية وفيليبي وثيسالونيكية واثينة وكورنثوس وافسس وانطاكية. وشملت الثالثة (٥٣–٥٨ ب.م) افسس وكورنثوس وبعض جزر الارخبيل اليوناني وصور وعكة وقيصرية فلسطين فالقدس. وكان بولس يبشر اليهود اولًا فالوثنيين فيلقى صعوبات واحدة لم تتغير إما مقاومة عنيفة من بعض الاوساط المتمسكة يهودية كانت او وثنية، وإما تحريضاً من تجار المواشي المعدة للذبح في الهياكل او من تجار الاصنام. ولكنه كان يتغلب عليها بشجاعته وصبره وايمانه. وقدر له في هذه الآونة ان يكسب عدداً من الرجال والنساء الاطهار الذين عملوا معه بكل غيرة ونشاط، فكانوا له شبه اركان حرب يقومون باهم الخدمات. وبين هؤلاء تيموثاوس ومرقس ولوقا الطبيب وليدية وبريسلة.

واثيرت قضية الاختتان مرة ثانية فعاد بولس الى اورشليم في السنة ٥٨ بعد الميلاد. وما ان ظهر في الهيكل حتى ثار ثائر اليهود. فامسكوا به وجروه الى خارج الهيكل وحاولوا قتله. ولكن الجنود تدخلوا وساقوه الى الحبس. واتهمه اليهود بالتشويش والتفرقة بين الصفوف. فابقاه الحاكم الروماني في السجن سنتين متتاليتين. وأَلح بولس بان ترفع قضيته الى القيصر لانه يتمتع بحقوق المواطن الروماني، فكان له ذلك وارسل الى رومة في السنة ٦١ بعد الميلاد. فاوقف في بيت بحراسة الجند وبات ينتظر محاكمته امام نيرون. ويرجح انه قضى شهيداً في السنة ٦٤ مع بطرس وغيره من ضحايا نيرون. ويعتقد البعض انه لم يلقَ حتفه قبل السنة ٦٦. وجاء في التقليد انه أطلق سراحه بادئ ذي بدء وانه بشر في اسبانية وآسية قبل ان يقتل في رومة في السنة ٦٦، ولكنه قول ضعيف.

[31]يوحنا : وليس بين الرسل الآخرين من نعلم عنه شيئاً بقدر ما نعلم عن يوحنا. فاننا نجده حوالي السنة ٦٧ في افسس محبوباً محترماً. ويبدأ دوميتيانوس اضطهاده فيقاسي يوحنا عذاب الزيت الحامي ويخلص بأعجوبة ليُنقل الى جزيرة باتموس محكوماً عليه بالاشغال الشاقة فيكتب فيها رؤيا يوحنا. ثم يطلق سراحه في عهد نرفه فينتقل الى افسس مبشراً بالمحبة مجدداً، مؤسساً،مدوناً انجيله في السنة ٩٠ بعد الميلاد.

مرقص وتوما وغيرهما : ومما حفظه لنا التقليد ودوَنه القديس يوسيبيوس في تاريخه ان مرقس الانجيلي اسس كنيسة الاسكندرية ولقي حتفه فيها وذلك في السنة ٦٢ او ٦٨ بعد الميلاد. ومما يروى ايضاً ان القديس اندراوس أَسس كنيسة القسطنطينية. وان القديس توما بشر في فارس والهند وأَسس كنيسة الرها. وعلى الرغم من اجتهاد صديقنا المرحوم اغناطيوس رحماني بطريرك السريان الكاثوليك فانه لا يمكننا القول معه ان كنيسة الرها أُسست في عهد السيد المسيح بناءً على طلب ملكها العربي أَبجر الخامس الذي اتصل بالسيد طالباً الشفاء من مرض ألمَّ به. ومما جاءَ في التقليد ايضاً ان القديس كوارتوس احد التلاميذ السبعين أَسس كنيسة بيروت.

ولم ترق مباحث أَفلاطون كثيراً في عين اليونان ولم تعجبهم حكمةُ أَرسطو بل صبت عقولهم على نوع من الفلسفة يكسبهم هناء المعيشة وراحة البال. فنادى زينون الصوري بالفضيلة غايةً للحياة يستوي لديها الالم واللذة. وعلم ابيقوروس ان الخير الاعظم هو اللذة سواء اكانت عقلية ام جسدية شرط الا تخرج عن دائرة الفضيلة. وشاعت قصة أَهميروس ان آلهة اليونان كانت في الاصل ملوكاً بشراً أُلهوا بعد وفاتهم وصدق الناس هذه القصة، ففقدت الآلهة القديمة ما كان لها من الاحترام في عيون المتعبدين. ولم يكن محظوراً على احد ان يصرح بما كان يكنّه قلبه نحو الآلهة مهما كان اعتقاده فيها. وكان السواد الاعظم من الشعب اليوناني غير متعلم. وكان لا بد لهم [32]من آلهة، فمالوا الى تكريم الآلهة الشرقية. فاجتازت الديانة المسيحية من بلاد الى بلاد في سهولة ويسر. ولم تتعرض الديانة الرومانية القديمة لمسلك الشخص او لسيرته الخاصة، ولم تَعِد العبادَ بالسعادة المستقبلة. وانشق المجتمع الروماني كما سبق ان اشرنا الى طبقتين متباغضتين طبقة المتمولين اصحاب الاراضي الفسيحة وطبقة الارقاء المستعبدين والفقراء المساكين. وكثر عدد هؤلاء وساءَت احوالهم وثاروا وتمردوا. فجاءهم بولس الخيَّام الطرسوسي منادياً بتعاليم سيده، معلناً أبوّة الله وأخوّة البشر، مردداً تعاليم السيد: «تعالوا اليَّ يا جميع المتعبين.» فكان لكلامه اثر بليغ وفعل عظيم في قلوب الرومانيين التُعابى.

الدولة الرومانية والنصرانية :وكانت الدولة الرومانية قد بسطت سلطتها على جميع انحاء حوض البحر المتوسط وربطت أجزاء امبراطوريتها بشبكة واسعة من الطرقات وفرضت شرائعها ولغتها، فبلغ بذلك عالم البحر المتوسط درجة من التوحيد لم يبلغها من قبل. وبهذا التوحيد سهلت رومة انتشار الدين الجديد. ولكن كبار الرومانيين لمسوا في تعاليم هذا الدين نفسه خطراً يهدد سلامة الدولة. وتفصيل هذا ان اليونانيين والرومانيين لم يفرّقوا بين الوطنية والدين. فالمواطن عندهم كان مواطناً بقدر اشتراكه في التعبد لاله المدينة. وباتساع أفق المدينة السياسي اتسع كذلك افق دينها. فلما تمَّ لرومة بسط سلطانها في حوض البحر المتوسط اعتبر رجالها إِلاهتهم رومة إلاهة الامبراطورية باسرها. وبهر اوغوسطوس رعايا رومة في الشرق بقوته وتدبيره وعظمته فرأوا في شخصه مخلصاً الهياً يمنع الحروب ويوطد السلم. وهو ما تنص به جملة نقوش في نواحي متعددة من آسية الصغرى ترقى الى القرن الاول قبل الميلاد. وفي السنة ٢٩ قبل الميلاد ذهب اليونان في آسية الصغرى الى ابعد من هذا فانشأوا هيكلًا خاصاً لعبادة رومة واوغوسطوس. ورأَى اوغوسطوس في هذا الامر خيراً له [33]ولرومة. فشجع عليه رعاياه ونقله الى الغرب. فظهر في ليون مثلًا في السنة ١٢ قبل الميلاد مذبح لرومة ولاوغوسطوس معاً. وقام مثله في السنة ٥ بعد الميلاد في مدينة كولون. ونشأت في جميع انحاء الامبراطورية اخويات دينية سياسية دعيت الواحدة منها أوغوسطالية. وكانت تقيم الحلقات لاوغوسطوس وتترنم به وترقص. واتخذ هو لنفسه لقب الحبر الاعظم[13]. وما كادت تنتظم امور هذا الدين الامبراطوري الجامع حتى اخذ رسل المسيح وتلاميذه يبشرون باله لا اله الا هو، تجسّد وولد من مريم العذراء، وصلب وتألم ومات من اجل البشر، وقام وصعد الى السماء ليدين الجميع. ولو حصر الرسل والتلاميذ عملهم في الاوساط اليهودية لما تنبهَ الرومان وتيقظوا. ولكنهم بشروا «الخليقة كلها» وحملوا رسالة السيد الى امهات المدن، لا بل الى رومة نفسها. فكان لا بد من الاضطهاد.

الاضطهاد : ويجدر بالقارئ ان يذكر فيما يتعلق بالاضطهاد اربع حقائق: أولًا ان المؤرخين يشيرون عادة الى عشرة اضطهادات بين السنة ٦٤ بعد الميلاد والسنة ٣١٣ سنة البراءَة. وثانياً ان الاضطهاد أُجري بموجب تشريع خاص صدر عن الامبراطور نيرون في السنة ٦٤ وقضى بألا يكون احد مسيحياً[14]. وثالثاً ان الاضطهاد لم يكن دائماً عاماً شاملًا. ورابعًا انه لا يمكن تحديد عدد الضحايا ويجوز القول انهم كانوا كثراً.

وفي عهد نيرون (٥٤–٦٨ب.م) اتهم المسيحيون باحراق رومة سنة ٦٤ فكان ما كان من شتى الوان العذاب. واستشهد الرسولان بطرس [34]وبولس. ويرى بعضهم ان بولس قضى حوالي السنة ٦٧. وفي ايام دوميتيانوس (٨١–٩٦ب.م) على اثر ثورة اليهود حلَّ بالمسيحيين دور آخر من العذاب. فاستشهد في رومة عدد من الاشراف لاول مرة. وذاق يوحنا الانجيلي آلام الحرق بالزيت الحامي ونفي الى جزيرة باتموس. وأُستشهد تيموثاوس في آسيا الصغرى. والقي القبض على اقارب السيد في فلسطين ثم اطلق سراحهم. وجاءَ دور تريانوس (٩٨–١١٧) فلقي اسقف اورشليم القديس سمعان حتفه مصلوباً (١٠٧). وقضى اسقف انطاكية اغناطيوس الشهير في رومة في السنة نفسها. وأُعدم كثيرون في بيثينية ومقدونية. وكتب طيباريوس حاكم فلسطين الى الامبراطور يقول: ان المسيحيين في انطاكية ازدحموا مستميتين في سبيل الرب. وفي عهد انطونينوس (١٣٨–١٦١)، في السنة ١٥٥ استشهد بوليكاربوس اسقف ازمير ومرقس اسقف اورشليم. وقضى في رومة حوالي السنة ١٦٥ القديس يوستينوس النابلسي الفيلسوف المعلم وذلك في عهد مرقس اوريليوس. واستشهد في ايام هذا الامبراطور نفسه أيضاً بوبليوس اسقف اثينة وحكم على كثيرين بالعمل الشاق في المناجم. واهتم سبتيموس سويروس (١٩٣–٢١١) لانتشار النصرانية في مصر فملأ السجون بالنصارى ودفع ببعضهم الى الجلادين في الاسكندرية، وببعضٍ الى الحيوانات المفترسة في مدرج قرطاجة. ولكن خلفاءَه أباطرة السلالة السورية اللبنانية لم يقتفوا اثره في شيء من هذا، بل قام احدهم سويروس الكسندروس يحاول انشاءَ هيكل لعبادة المسيح في رومة. وجاءَ فيليبوس العربي (٢٤٤–٢٤٩) يلاطف ويهادن. فحمل ذلك خلفه داسيوس (٢٤٩–٢٥١) ان يُكره جميع السكان في المدن والارياف ان يمثلوا امام رجال السلطة في وقت محدد ليقدموا الذبيحة لشخص الامبراطور. فارتد عن الدين الجديد عدد من الاغنياء والوجهاء واستشهد في سبيله عدد كبير من المؤمنين. وبين هؤلاء اوريجانيوس [35]اللاهوتي الفيلسوف الذي سجن في قيصرية فلسطين وعذب فيها ومات من جراحه في صور (٢٥٤)، والكسندروس اسقف اورشليم، وبابيلاس اسقف انطاكية، ونسطوريوس أسقف مجدّو. ولاحق الامبراطور فاليريانُوس (٢٥٣–٢٦٠) الزعماء المسيحيين والكهنة فأمر هؤلاء في السنة ٢٥٧ ان يقدموا الذبيحة للآلهة الوثنية وحرّم على المسيحيين الاجتماع في المقابر ومحلات العبادة، واكد تنهم ان فعلوا أعدموا اعداماً. فدُهم القديس ترسيسيوس وجماعة من المؤمنين وهم يصلون في سرداب سلارية، فماتوا خنقاً. واستشهد سيكستوس اسقف رومة وكبريانوس اسقف قرطاجة. واستشهد في فلسطين الاخوة الثلاثة، وفي قبدوقية الطفل كيريلوس، وفي الاسكندرية عدد كبير من المؤمنين.

واعظم الاضطهادات وافظعها ما جاء منها على يد ديوقليتيانوس الامبراطور (٢٨٤–٣٠٥ب.م) ويصعب القول في حقيقة اسبابها. فلم يكن لهذا الامبراطور شيء مِن شذوذ نيرون او دوميتيانوس، ولا كان ظنوناً ولا قاسياً ولا متديناً او داعياً لدين جديد كأورليانوس. وقد انقضى على حكمه عشر سنوات قبل ان بدأَ بالاضطهاد. وليس لدينا من النصوص ما نستطيع معه ان نتوسع في الاجتهاد مطمئنين. ولكن هنالك امران لا بد من الاشارة اليهما: اولهما ان ديوقليتيانوس الامبراطور أَراد ان يعيد الى الامبراطورية وحدتها ومناعتها، والثاني: انه كان يعاني الصعاب في وقف البرابرة عند الحدود وفي كبت عدوه ملك ملوك الساسان. ولعله رأى في انتشار النصرانية عاملَ تفكُّك في الداخل وخطراً على سلامة الدولة وخصوصاً لان النصرانية كانت قد دخلت فارس وأن المانوية كانت تمتُّ إليها بصلة قوية.

ولم يكن بامكان ديوقليتيانوس ان يبيد جميع المسيحيين ويقطع دابرهم لانه لو فعل لجعل مناطق ومناطق في الشرق قفراً من السكان، فآثر فيما [36]يظهر تدمير الكنيسة واخفاءَ معالمها وتحقير المؤمنين والهبوط بهم الى اسفل الطبقات. وهكذا نراه في الرابع والعشرين من شباط سنة ٣٠٣ يأمر بمنع الاجتماعات المسيحية وبتخريب الكنائس وحرق الكتب وبنكران الدين المسيحي، موعداً الاشراف المسيحيين والوجوه والاعيان بالخلع والاذلال، مهدداً الوضعاء بالعبودية المؤبدة. ثم عاد في السنة نفسها فأمر بسجن الكهنة وباعدامهم ان هم ابوا ان يشتركوا في الذبيحة الوثنية. وزاد فأَمر بوجوب نكران الدين الجديد. فكانت مذابح ومذابح لم تنجُ منها الا الاقاليم الغربية التي كانت آنئذ في عهدة قسطنس والد قسطنطين الكبير. ويقال ان الفضل في ذلك يعود الى زوجته الاولى هيلانة التي كانت قد تقبلت النصرانية قبل زواجها منه. ويقول القديس يوسيبيوس المعاصر ان الرؤوس بُترت في العربية (البادية المتاخمة للشام)، وان السيقان قطعت في قبدوقية، وان المؤمنين علقوا على الاخشاب بين النهرين واشعلت تحتهم النيران. ومما يقوله ايضاً ان عمّال ديوقليتيانوس قطعوا الانوف والآذان والالسن وغرزوا القصب تحت الاظافر ودقوا الحديد في البطون.

والثابت الراهن في عرف البشر أَجمعين ان الاضطهاد يقوي النفوس ويشدد العزائم، فيثير في المؤمن صاحب العقيدة شعور التحدي ويحمله على التفنن في اساليب الوقاية والدعاية ويزوده بمثل عليا يفاخر بها ويسعى لتحقيقها. وليس ابلغ اثراً في تفتير الحماسة الدينية وتحويل الغيرة على الدين الى تنازع على المراكز واحداث الشقاق من تكريس الدين سياسياً وجعله ديناً رسمياً.

النظام والتنظيم : وكان السيد كما سبق ان اشرنا قد انتقى الرسل الاثني عشر والحق التلاميذ الاثنين والسبعين. وفي السنوات الاولى بعد وفاته تذمر اليونانيون اليهود المسيحيون من العبرانيين المسيحيين اليهود «ان [37]أَراملهم كنَّ يُغفل عنهن في الخدمة اليومية.» فدعا الرسل جمهور التلاميذ وقالوا: لا يُرضي ان نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد. فانتخِبوا انتم سبعة منكم مشهوداً لهم فنقيمهم على هذه الحاجة. ففعلوا فصلى الرسل ووضعوا عليهم الايادي. وهؤلاء هم الشمامسة[15]. ثم نقرأُ في الفصل الحادي عشر والخامس عشر من اعمال الرسل عن كهنة يشرفون على الاعمال الخيرية ويجلسون مع الرسل للتشاور وحلَّ بعض المشاكل[16]. واذا تتبعنا بولس في رحلاته التبشيرية نجده ينتقي لكل كنيسة يؤسسها شمامسة لخدمتها ومجلس كهنة لادارتها وقيِّماً اعلى يمثله فيها كتيموثاوس وطيطس ولوقا وغيرهم. ونجده يبقى على صلة بهذه الكنائس جميعها يوجهها ويحل مشاكلها. وكان طبيعياً جداً ان يخلف الرسول في رئاسة كل كنيسة يؤسسها ممثله الاعلى فيها وان يكون لهذا الخليفة سلطة مستمدة من الرسول المؤسس. والواقع الذي تؤيده النصوص انه منذ منتصف القرن الثاني كانت قد انتظمت كل كنيسة مهمة حول رئيس لها دعي أسقفاً، وحول قسيسين وشمامسة وشماسات. ثم تعددت الكنائس فتكتلت في كل ولاية حول كنيسة عاصمتها تكتل المدن في تلك الولاية حول العاصمة. وتهيأت لاسقف كل عاصمة من عواصم الولايات زعامة على غيره من اساقفة ولايته. وفي اغلب الاحيان نجد اساقفة الكنائس التي كانت مبعث الحركة في عهد الرسل يتقدمون على غيرهم من اساقفة الولاية او الولايات المحيطة بهم شأن اساقفة رومة في ايطالية واساقفة قرطاجة في افريقية الشمالية، وساقفة الاسكندرية في مصر وليبية والحبشة واساقفة انطاكية في سوريا ولبنان وفلسطين وغيرها واساقفة كورونثوس في اليونان وما جاورها. اما في آسية الصغرى فان كثرة [38]الكنائس التي فاخرت بشرف الانتساب الى الرسل قد حالت دون تزعم كنيسة واحدة على جميع الكنائس.

وكان طبيعياً ايضاً ان يتقدم اسقف رومة على غيره من الاساقفة لانه كان اسقف عاصمة الامبراطورية وخليفة الرسولين بطرس وبولس. وهو ما يجمع عليه علماء الكنيسة اجماعاً. ولكن هؤلاء يختلفون في صلاحيات هذا الاسقف. فالكاثوليكيون منهم يرونه مطلق الصلاحية والسلطة خليفة السيد على الارض منذ اوائل تاريخ الكنيسة. ويستدلون على هذا بالآية: «انت الصخرة»، وباقوال الآباء الاقدمين كالقديس اقليمنذوس الروماني والقديس اغناطيوس الانطاكي والقديس ايرينيوس اليوناني وغيرهم. والارثوذكسيون منهم يرون في الصخرة صخرة الايمان ويرون في اقوال القديسين ما يوجب تقديماً في الكرامة لا في السلطة، ويحتجون بورود كلمة Principatum في هذه الاقوال عند الاشارة الى صلاحيات اسقف رومة. وهذه الكلمة تعني في رأيهم التصدر في المجالس لا السلطات المطلقة[17].

وقدَّس المسيحيون في عهدهم الاول السبت لا الاحد، ولم يصبح الاحد يوم الرب قبل القرن الثاني. وكانوا يشتركون جميعاً في عشاء واحد مرة في الاسبوع او اكثر، فيستمعون لقراءَة الاسفار وينتهون بعد العشاء بقبلة المحبة «الأغَبة». وكان على المؤمن ان يمتنع عن التقبيل اذا شعر باللذة. وكان على المؤمنات ان يسترن شعورهن بِغطاء او ان يقصصن شعورهن اذا استثقلن الغطاء. وكانوا اذا اجتمعوا للصلاة استمعوا لقراءَة الاسفار وللعظة الاسبوعية واشتركوا في ممارسة الاسرار وتنبأوا رجالًا ونساءً. [39]وكان للكاهن او احد المتقدمين بينهم يفسر هذه النبوءات على ضوء الدين والخلاص. وقبيل انتهاء القرن الثاني اتخذت العبادة المسيحية شكلًا منظماً مع ما في ذلك القراءات والصلوات والذبيحة الالهية. وبقي هذا النظام معمولًا به على سبيل العرف حتى صاغه القديس باسيليوس الكبير (٣٢٩–٣٧٩) والقديس يوحنا الذهبي الفم (٣٤٧–٤٠٧)، فتبلور واخذ شكله الحالي. وثمة خدمة خاصة بيومي الاربعاء والجمعة في اثناء الصوم يعود الفضل في اعدادها الى القديس غريغوريوس الذيالوغوس (٣٤٠–٤٠٠). ونجد المسيحيين الاولين يقولون بالاسرار الثلاثة: المعمودية والتناول والكهنوت، فالسبعة: المعمودية والمسحة والتناول والتوبة والكهنوت والزيجة والزيت المقدس. وعني المسيحيون الاولون بالموتى لانهم قالوا بقيامة الجسد فمارسوا طقوساً معينة لهذه الغاية وتولى الاكليروس الدفن باشراف منهم.

ولا يختلف اثنان فيما نعلم ان المسيحيين الاولين كانوا مثال التقوى والصلاح، وان الايمان بالمسيح وبقرب عودته ليدين الاحياء والاموات كان اعمق اثراً في نفوس اهل ذلك العصر من الايمان بالآلهة القديمة، وان الرسل بلغوا النجاح حيث اخفق كبار الفلاسفة. ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة ان الآباء المؤسسين حرّموا الاجهاض وقتل الاطفال. وانهم لموا اللقطاء وعمّدوهم باسم الرب وربوهم على نفقة الكنيسة. وانهم حضوا المؤمنين على العفة والبتولية واساغوا الزواج لمن خشي العنت فقط. وانهم لم يرضوا عن زواج الارامل ولم يأذنوا بالطلاق الا بين الوثني والنصرانية. ومما يثبت استقامة المسيحيين الاولين وصلاحهم شهادات الوثنيين انفسهم. فبلينيوس الاصغر وجد نفسه مضطراً ان يقول للامبراطور تريانوس ان المسيحيين عاشوا عيشة مثلية مسالمة. وقال غاليانوس العالم انهم توصلوا الى درجة من ضبط النفس وسمو الاخلاق اصبحوا بعدها لا يقلون عن الفلاسفة الحقيقيين في شيء. وادى الشعور بينهم بالخطيئة وبقرب انتهاء العالم ومجيء [40]الديان الى رغبة في الطهارة والى اجتناب كل لذة من لذات الجسد. فكبحوا شهواتهم بالصوم ورياضة الجسم على العذاب، وصدفوا عن الموسيقى والمآكل الشهية والحمامات الساخنة، وارسلوا الشعور واللحى.

آثار المسيحيين الأولين : وحدَّث السيد ولم يدوّن. وآثر المسيحيون الاولون السماع على القراءَة، ولا عجب. بيد ان ظروف التبشير قضت بالتدوين. فالمؤمنون تفرقوا منذ السنين الاولى وتباعدوا. واليونانيون وغيرهم ممن دخل في الدين الجديد لم يكونوا يفهمون الآرامية. فكان لا بد من التدوين. واقدم ما دوّن انجيل متى. والانجيل لفظ يوناني معناه البشرى. ومتى عشَّار يهودي تبع السيد واصبح احد الرسل الاثني عشر. ويستدل من اقوال بعض الآباء كايريناوس ولا سيما بابياس (١٣٠) ان متى تولى تبشير اليهود، فكتب انجيله لهم بالآرامية، وذلك بينما كان بطرس وبولس يعملان في رومة (٥٠–٥٥). وفي تضاعيف هذا الانجيل ما يدل على انه كتب لليهود. فهناك سند طويل يصل نسب السيد بداود الملك، وثمة تفاصيل تجعل من سيرة السيد تكملة لنبوءات التوراة وما الى ذلك. وقد ضاع الاصل الآرامي وبقيت ترجمته الى اليونانية.

وكان بطرس يجهل اليونانية ولا يعرف سوى الآرامية. فلما قضت الظروف بذهابه الى رومة وباقامته فيها استدعى اليه يوحنا الذي كان يدعي مرقس ليترجم له بين الرومانيين وسكان رومة. ومرقس هذا هو في الارجح ابن مريم التي آوت المسيحيين في بيتها في القدس في السنة ٤٤ بعد الميلاد. وقد يكون هو الذي اشير اليه في الاصحاح الخامس عشر من انجيل مرقس: «وتبعه شاب لابساً ازاراً على عريه فامسكه الشبان. فترك الازار وهرب منهم عريان.» وكان مرقس من يهود قبرص يتكلم اليونانية ويقرأ ويكتب فالتحق ببرنابا وبولس. وبعد وفاة الاول أنتقل الى رومة ليعمل مع هامة الرسل. ودوَّن سيرة السيد بطلب من اهل [41]رومة بين السنة ٥٥ والسنة ٦٠ وذلك كما سمعها من فم بطرس بدون زيادة ولا نقصان. ويقول القديس بابياس ان مرقس كتب جميع ما تذكّره، ولكن ليس بالترتيب الذي اتبعه السيد في اعماله واقواله. فبطرس الرسول تكلم بحسب ما دعت اليه الحاجة ودونما تقيد بتسلسل الاحداث.

وفي السنة ٦٤ بعد الميلاد ساد الاوساط المسيحية الموجهة شعور بالحاجة الى سيرة مرتبة منظمة، مكتوبة بلغة واضحة مضبوطة، وباسلوب رائق جذاب، يستهوي العقول، وينشط الهمم. وكان بينهم رجل عالم ولد في انطاكية، ونشأَ فيها، وتعلم الطب وعمل به، فأشاروا عليه بالامر. فاطلع على ما كتبه متّى ومرقس، وسمع وتحرّى. ولعله اتصل بالسيدة نفسها واخذ عنها. وكان قد رافق بولس في رحلاته وفهم منه اشياء واشياء، فجاءَ انجليه تاريخاً رسمياً، واثراً ادبياً. هو لوقا الطبيب الذي اشار اليه بولس في رسائله مراراً. وكان قد جاءَ رومة بصحبة معلمه فرأى هذا ان توجه الكلمة الى الاوساط العالية في رومة وان تحبب اليها. فظهر هذا الانجيل بحلته القشيبة بين السنة ٦٤ والسنة ٧٠ بعد الميلاد. ومن هنا في الارجح قول القديس ايريناوس ان انجيل لوقا هو انجيل بولس. ويرى رجال الاختصاص علاقة وثيقة بين هذا الانجيل وبين سفر اعمال الرسل من حيث جوهر الرسالة واللغة والاسلوب، فينسبون سفر الاعمال ايضاً الى لوقا الطبيب. ولما كانت اخباره تنتهي عند السنة ٦٣ الى ٦٤ فأنهم يرون انه كتب في هذا الوقت نفسه.

ومن آثار هؤلاء المسيحيين الاولين رسائل بولس الرسول الى اهل رومية وكورنثوس وغلاطية وافسس وفيليبّي وكولوسي وثيسالونيكية ثم رسائله الى تيموثاوس وتيطس وفيليمون. وجميعها دوّن ما بين السنة ٥٢ والسنة ٦٦ بعد الميلاد. وفيها الشيء الكثير من شرح رسالة السيد وتفصيل العقيدة. فاما الرسالة الى العبرانيين فقد تكون له وقد لا تكون. ومن [42]هذه الآثار التي تركها المسيحيون الاولون رسالة يعقوب اخي الرب واسقف اورشليم وهي تصور شدة ايمانه وسمو اخلاقه. ورسالتا بطرس الاولى والثانية، ورسائل يوحنا الرسول الثلاث، ورسالة يهوذا.

ويُجمِع علماء الكنيسة بفرعيها الرئيسيين الارثوذكسي والكاثوليكي على ان الانجيل الرابع هو ليوحنا الحبيب ويرون في دقة المعلومات الجغرافية التي وردت في هذا الانجيل عن القدس وفلسطين كما يرون في شدة العاطفة التي تضمنها نحو شخص السيد ما يؤيد التقليد الموروث ان كاتب هذا الانجيل وسفر الرؤيا هو يوحنا الحبيب نفسه. كتب سفر الرؤيا في اثناء اقامته الجبرية في جزيرة باتموس بين السنة ٩٢ والسنة ٩٦ و كتب الانجيل بعد انتقاله الى أفسس بين السنة ٩٦ والسنة ١٠٤. وكان يوحنا قد اشرف على نهاية عمر طويل وسمع انتقادات الفلاسفة ولمس بعض الشذوذ في العقيدة فجاءَت كتابته فلسفية مسيحية دوّن فيها ذكريات شخصية صدر فيها عن حب خالص للسيد. وما زالت عباراته المملوءة حباً وعطفاً تهز القارئ حتى يومنا هذا. «وهو ايضاً الذي اتكأَ على صدر السيد وقت العشاء وقال: يا سيد من هو الذي يسلمك؟» وهو ايضاً ذاك الذي قال عنه يسوع مخاطباً بطرس: «إن كنت اشاء انه يبقى حتى أجيء فماذا بك؟»

هذا وليس لدينا من آثار هؤلاء المسيحيين الاولين اثر مادي سوى ما حفظته جدران مدافن رومة من صور الصلبان والحمام وجذوع النخل وغصون الزيتون والاسماك وجميعها يعود الى القرن الثاني. وليس بينها ما يستوجب الايضاح سوى السمكة. وهذه كانت تذكّر في الاوساط المسيحية الاولى بالآية: «يسوع المسيح ابن الله المخلص.» وتفسير هذا مرده الى العبارة اليونانية: Iesous Christos Theou Uios Soter فمجموع الحروف الاولى من هذه الكلمات اليونانية يشكل اللفظ اليوناني i-ch-th-u-s ومعناه السمكة.


  1. المؤرخ الأول للكنيسة وأسقف قيصرية (٢٦٥–٣٣٩ب.م).
  2. فقبلوا كلامه واعتمدوا وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس، وكانوا يواظبون على تعليم الرسل الشركة وكسر الخبز والصلوات، اعمال الرسل ٢: ٤١–٤٣.
  3. اعمال الرسل ٧: ٥١–٥٣.
  4. الاعمال ٨: ٣.
  5. متى ١٠: ٥.
  6. الاعمال ١٠: ٣٤-٣٥.
  7. مرقس ١٦: ١٥.
  8. الاعمال ١٢: ١–٢٤.
  9. الاعمال ١١: ١٩–٢١.
  10. الأعمال ٩: ٤.
  11. ١٠: ٩ و١٢: ٧.
  12. اعمال الرسل ١٥: ٢٢–٣٠.
  13. Pontifex Maximus.
  14. Non Licet esse christianum.
  15. الاعمال ٦: ١–٩.
  16. ١١: ٣٠ و١٥: ٢.
  17. Adv, hear III: (propler polentiorem principalitem)
    Epitre 65,4: (principatam)