الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب (1951)/الباب الأول/الفصل الأول:تقهقر رومة الداخلي وأزمة القرن الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تقهقر رومة الداخلي وأزمة القرن الثالث
الباب الأول: المقدمة
أسد رستم
[9]

الفصل الأول

تقهقر رومة الداخلي وازمة القرن الثالث

النظام الكولوني وتأخر الزراعة: كان من جراء التوسع العسكري الروماني أَنْ تعاظم كسب قادة الجيش وضباطه وحكَام الولايات وكبار الموظفين فعادوا إلى اوطانهم متمتعين بجميع ضروب التنعم والترف، مشبعين بغطرسة من ذاق لذة السلطة المطلقة بعيداً عن وازع الشريعة الرومانية وقيود النظم الجمهورية. ولم يكن في نظر الرومانيين ليليق بشيوخهم وعظمائهم ووجوههم أن يتعاطوا التجارة أو الصناعة، فتهافت الأغنياء والكبراء على اقتناء المزارع يضمون بعضها إلى بعض، فيكوّنون منها مزارع مترامية متسعة، ويستاقون اليها من ملكت أيمانهم من الارقاء. ولم يقوَ المزارع الصغير على مزاحمة جاره الكبير فضم ارضه الصغيرة الى ارض جاره الكبيرة، وربط نفسه بتلك الارض إلى الابد. ومع أن هذا النظام الكولوني لم يجعل منه رقيقاً لسيده، فانه فقد حريته ان يذهب حيث يشاء. وتعددتْ هذه المزارع الضخمة في ايطالية وصقلية واسبانية، [10]ولم يبقَ من المزارع الصغيرة القديمة الا نزر يسير.

وكانت حياة الرقيق في هذه المزارع شاقة تعسة. فانه كان يُحشر ليلًا في الثكنات حشراً ويُساق نهاراً الى الحقل سوقاً. وكان يكوى بمياسم ليبقى الوسم علامة يعرف بها عند الفرار. فنفر الرقيق من صحبة سيده وانقبضت نفسه عن العمل له باخلاص وامانة. واضطر سيده ان يكلفه من العمل انواعاً معينة، تلك التي لا تتطلب الكثير من الامانة والاخلاص، فحمله على تربية المواشي ورعايتها. فتضاءلت على الايام حقول القمح وبساتين الزيتون وكروم العنب، وبار بعض الاراضي وترك لينبت فيه العشب فترعاه تلك المواشي. واعتمدت رومة على قمح مصر وحبوبها لتغذية ابنائها وابناء المدن الايطالية الاخرى، وحذرت تصدير هذه الحبوب الى اي مكان آخر. وسئم المزارع الكولوني هذا النظام، فهجر الارياف وازدحم في المدن، ولا سيما رومة، ونافس غيره من الفقراء فيها على نصيب يناله معهم من احسان الدولة، وكانت رومة قد اخذت تقل حروبها منذ عهد اوغوسطوس قيصر فيتناقص معها عدد الاسرى. وقلت اليد العاملة. فبارت الارض لهذا السبب ايضاً. وضعف الانتاج الزراعي.

عداء مزمن بين الاغنياء والفقراء: وثار العبيد الارقاء قبل اوغوسطوس اكثر من مرة، ودامت ثورتهم الثالثة بقيادة اسبارتاكوس سنتين (٧٣–٧١ق.م)، وانتفضوا على سادتهم في صقلّية وقتلوهم واعلنوا استقلالهم عن رومة. ونفر اصحاب الحقول الاحرار في ايطالية وغيرها واحرقوا المزارع الكبيرة التي انشأها كبار الملاكين. فكان هذا كله مظهراً للضغائن في الصدور بين الاغنياء والفقراء. ولم ينتهِ صراع العبيد والفقراء بانتصار ليكينيوس كراسوس على اسبارتاكوس،[1] بل [11]استمرّ متقطعاً ما دامت الامبراطورية الرومانية. ومن هنا قول ماكروبوس الفيلسوف السياسي الذي عاش في القرن الخامس بعد الميلاد: «عبيدنا اعداؤنا». وكان كلما صرع سيد بيد مجهولة اتهم بقتله ارقاؤه وقاسوا من جراء ذلك شتى الوان العذاب، وربما فقدوا الحياة.

ولا يخفى ان رومة ميزت في شرائعها بين فصيلتين من الرقيق: ارقاء الارياف، وارقاء المدن.[2] وكان هؤلاء يشملون في عدادهم الخدم والحشم والاطباء والاساتذة ورجال الفن والقلم وحاشية الاباطرة وكبار الرجال في السياسة والحرب. ولما كان الجهاز الاداري مربوطاً بشخص الامبراطور فانه اصبح منذ عهد كلوديوس يعج بهؤلاء الارقاء من رجال الاباطرة. بيد ان الارقاء لم ينظموا صفوفهم ولم يكن لديهم في وقت من الاوقات برنامج سياسي معين يسعون لتحقيقه. وجل ما بلغوا اليه انهم كرهوا اسيادهم، وثاروا في وجههم، وتمنوا زوال نعمتهم وذلك بحركات متفرقة في غالب الاحيان.

تأَخر الصناعة والتجارة: وأَدى توسع رومة في الشمال والجنوب والشرق والغرب الى توسع مماثل في افق ابنائها العاملين في حقلي الصناعة والتجارة. فخرجوا من ايطالية إلى الولايات الجديدة يوظفون اموالهم فيها. وقام من ابناء هذه الولايات نفسها، ولا سيما الشرقية منها، من شاطر هؤلاء عملهم وانتاجهم. فنشطت الزراعة والصناعة والتجارة في الولايات، واخذت آسية الصغرى مثلًا تصدر ذرتها وخمرها وسمكها المجفف ومنسوجاتها الصوفية وصباغها الارجواني. وعاد زجاج الساحل اللبناني الى سابق تفوقه، ومثله كتان هذا الساحل وحريره وصوفه المصبوغ. وعادت الجاليات اللبنانية السورية الى سابق عهدها في الغرب توزع بضاعة البلد الام في ايطالية [12]وصقلية وغالية ووادي الرين وبريطانية، وظهرت نشيطة قوية في تراقية ووادي الدانوب الاسفل وجنوبي روسية. ومع الزمن فقدت ايطالية سيطرتها الاقتصادية التي كانت قد كسبتها في حروب التوسع المتتالية، وانتاجها الصناعي الذي كانت تنتجه بالكميات الكبيرة قلَّ وتدنى فاصبح في مستهل القرن الثالث بعد الميلاد انتاجاً افرادياً قليلًا. وقلَّ الدخل عموماً، فقل دخل الدولة، والتجأَ الاباطرة إلى غش العملة فاصبحت هذه في عهد مرقوس أوريليوس مغشوشة بمقدار ربع وزنها. وبعد جيلين فقط لم يبقَ في النقود الفضية أكثر من خمسة في المائة من زنتها فضة.

انحطاط الجيش: وكانت الخدمة العسكرية في أوائل عهد رومة محصورة في المواطنين الرومانيين اولئك الذين ملكوا ارض رومة وسنوا شرائعها. وكان على كل جندي ان يقسم بكل وقار واحترام يمين الطاعة لقادته والولاء للامبراطور والامبراطورية. وجاءَ يوليوس قيصر فمنح حقوق المواطن الروماني[3] بعض وجوه الولايات واعيانها ممن لمس فيهم الولاء والاخلاص لرومة وامبراطوريتها. وقضت ظروف الفتح والتوسع بتكبير الجيش، فجندت رومة ابناء الولايات في وحداتٍ «مساعدة». وفي ايام ادريانوس وخلفائه تساهلت رومة فمنحت كل من لمست فيه استعداداً لتفهمها والامتزاج بابنائها هذا الحق الكبير. ثم جاءَت يولية دمنة الحمصية وابنها كركلا فاباحا هذا الحق في السنة ٢١٢ لجميع سكان الامبراطورية. فأَصبح الجيش والحالة هذه مؤلفاً من جميع عناصر حوض البحر المتوسط.

وأَدى التوسع العسكري الكبير الى تغيير آخر في الجيش. فالحدود الشاسعة الطويلة والاعمال الحربية المتتابعة المتتالية قضت بتطويل مدة الخدمة العسكرية. والتأخر الاقتصادي اضطر الحكومة الرومانية ان تقطع [13]جنود الحدود اراضي يحرثونها وان تجيز لهم ان يتأهلوا وان يقيموا في اكواخهم قرب الحدود. فقضى الجنود حياتهم باكملها في خدمة العلم واصبحوا طائفة عسكرية تعيش لنفسها، لا جيشاً شعبياً يقوم بخدمة الدولة.

ومما عجَّل كثيراً في انحطاط الجيشِ ان اوغوسطوس قيصر لم يعنَ بايجاد طريقة قانونية لانتخاب الامبراطور تنتقل سلطة الامبراطور بموجبها من سلف إلى خلف دون ما خلل يقطع الاستمرار. فنتج عن هذا الخلل انه أَصبح في طاقة الجند ان يختاروا من يرضون عنه وان يعزلوه وان يعينوا غيره مكانه، كما امسى الامبراطور نفسه قليل المهابة والاحترام.

الامبراطور: وكان الامبراطور في بدء الامر وجيهاً رومانياً كبيراً خُوّل سلطة عسكرية واسعة في ظروف حربية قاهرة. وكانت هذه السلطة او هذه القيادة[4] تنتهي بانتهاء الحرب. وكان مجلس الشيوخ يقيم في ظروف معينة اكثر من قائد واحد في وقت واحد. ثم جاءَت الامبراطورية بطولها وعرضها وتعددت مشاكلها فوكلت رومة القيادة الى رجل واحد طوال عمره. وبقيت سيادة الدولة الرومانية تظلُّ هذا الامبراطور الفرد ومنها يستمد سلطته. وبقي هو ممثل الجمهورية[5] الاوحد. واستحق لقب اوغوسطوس اي قديس لانه كان في نظر الرومانيين رمز الهة رومة الحي،[6] ويرى بعض رجال الاختصاص ان سلطة الامبراطور كانت في البدء سلطة عسكرية لانها لم تطبق قبل عهد سبيتميوس سويروس الا في خارج رومة وفي خارج ايطالية، ويرون ايضاً ان سائر [14]الالقاب[7] التي حملها الاباطرة الاولون لم تزدهم سلطة ابداً.

وتقادمت المجالس القوميسية[8] في رومة واصابها الهرم. فانحصرت السلطة التشريعية بيد مجلس الشيوخ[9] وكذلك ادارة الدولة وفرض الضرائب فيها وجبايتها. ولو دام هذا الحصر لصح القول بان الدولة الرومانية كانت ارستوقراطية يرأسها ديكتاتور عسكري. ولكن شيئاً من هذا لم يكن. فالامبراطور كان منذ البدء قد شاطر مجلس الشيوخ السلطة في الولايات. فترتب عليه منذ بداية الامبراطورية ان يكون لديه حكام وان يفصل بين ماليته ومالية الدولة. ولما كانت القوة العسكرية بيده كان من الطبيعي جداً ان يتطاول على حقوق مجلس الشيوخ في نطاق سلطته وان تتدرج الدولة الرومانية في سلم الملكية.

وحاول الامبراطور الروماني اللبناني سويروس الكسندروس (٢٢٢–٢٣٥ب.م) الذي نشأَ وترعرع في عرقة عكار ان يعيد إلى مجلس الشيوخ حقوقه المسلوبة، فشاور المجلس في جميع اعماله وطلب اليه انتقاء كبار الموظفين في رومة وفي الولايات وتقديم الاكفاء لجميع الوظائف الاخرى. ورقى حكام الولايات الى رتبة عضو في مجلس الشيوخ كي لا ينظر في امرهم من كان دون هذه الرتبة. وبعبارة وجيزة حاول الا يفعل شيئاً يعكر صفو العلاقات بينه وبين مجلس الشيوخ.

وعني سويروس الكسندروس بشؤوون الجيش فراقب عن كثب حركات الوحدات وأَمن العدل بينهم وأَقطعهم الارض عند الحدود وزودهم بالمواشي والارقاء لحراثتها وزرعها شرط ان يدخلوا ابناءَهم في الخدمة بعدهم. [15]ولكنهم لم يرضوا عن المفاوضات التي اجراها مع القبائل الالمانية عبر الرين في السنة ٢٣٥ واخذوا عليه انقيادَه لوالدته ففاوضوا مكسيميانوس مدرب الجيش وكانوا قد احبوه لشجاعته وكرمه. وقتلوا الامبراطور ووالدته ونادوا بمكسيميانوس امبراطوراً. فدخلت الامبراطورية الرومانية في ازمة سياسية مخيفة كادت تمزقها تمزيقاً وتهوي بها إلى الحضيض. وانكشف ضعفها وتبين ان اوغوسطوس قيصر ذاك المصلح الكبير لم يوفق الى طريقة قانونية لانتقاء الامبراطور تنتقل بموجبها سلطته من سلف الى خلف دون ما خلل يقطع الاستمرار. وتبين ايضاً ان الجيش بعد ان انفصل عن الشعب الروماني واصبح خليطاً من كل من هب ودب بقي يمارس سلطة هائلة في انتقاء الامبراطور بالاشتراك مع مجلس الشيوخ وان هذه السلطة اصبحت غاشمة بعد انحطاط الجيش كما سبق ان اشرنا.

أزمة القرن الثالث: وهبَّ مكسيميانوس (٢٣٥–٢٣٨ب.م)، وكان عملاقاً في جسمه يتابع الحرب فيما وراء الرين. ولكن الجنود في افريقية لم يرضوا عنه فاعلنوا غورديانوس الاول امبراطوراً في السنة ٢٣٧ وكان هذا قد ناهز الثمانين من العمر فأشرك ابنه غورديانوس الثاني في الحكم معه. وقاومهما والي موريتانية (الجزائر) فقُتل غورديانوس الثاني في ميدان القتال وانتحر والده العجوز. وثار جنود مكسيميانوس في وجهه فقتلوه في اثناء حصار اكريلية في ولاية البندقية. وتدخل مجلس الشيوخ فانتخب بوبيانوس وبلبينوس فغورديانوس الثالث حفيد الاول نزولاً عند رغبة الشعب، ولكن الحرس الامبراطوري قتل الاولين وابقى غورديانوس الثالث حفيد غورديانوس الاول وكان لا يزال في الثالثة عشرة من عمره (٢٣٨–٢٤٤) ثم خرّ صريعاً في السنة ٢٤٤ بيد قائد الحرس. وكان قد اضطر غورديانوس الثالث ان يشرك فيلوبوس العربي معه في الحكم في السنة ٢٤٣ نزولاً عند رغبة جنود الشرق فعقد هذا صلحاً مع الساسانيين [16]وهرول الى رومة، وتسلم ازمة الحكم فيها (٢٤٤–٢٤٩ب.م). ومما يروى عنه انه تقبل النصرانية سراً. وفي السنة ٢٤٩ انتفض الجند في مناطق الدانوب فأرسل فيلوبوس العربي القائد ديقيوس ليخمد ثورتهم. وما ان وصل اليهم حتى نادوا به امبراطوراً (٢٤٩–٢٥١) فحارب فيلوبوس وقتله في موقعة فارونة. وقام ديقيوس يحارب القوط في البلقان في السنة ٢٥١ فسقط في ميدان القتال في ما وراء الدانوب. فنادى الجند بغالوس امبراطوراً (٢٥١–٢٥٣) واشرك هذا هوستيليانوس بن ديقيوس في الحكم معه ثم قتله. وعم داء الطاعون في اثناء حكمه جميع انحاء الامبراطورية فزاد في الطين بلة. ثم عمد اميليانوس هذا وهو قاهر القوط إلى خلع الامبراطور في السنة ٢٥٣ فحلّ محله ولكن الجنود قتلوه بعد اربعة اشهر من الحكم ونادوا بفاليريانوس امبراطوراً بعده (٢٥٣–٢٦٠ب.م) فأَشرك هذا ابنه غاليانوس في الحكم معه وقاما يحاربان قبائل الافرنج في غالية والالماني في شمالي ايطالية والقوط عند الدانوب والساسانيين عند الفرات. وفي اثناء حصار الرها في السنة ٢٦٠ وقع فاليريانوس اسيراً في يد شابور وتوفي اسيراً، وتابع غاليانوس الحكم بعد ابيه (٢٦٠–٢٦٨) وجابه ما كان اشد هولاً: ضغط البرابرة ولا سيما القوط الذين انقضوا من البحر الاسود بمراكبهم الخاطفة، وظهور عدد كبير من المنافسين. فدخلت الامبراطورية في فترة الطغاة الثلاثين واشهرهم تتريقوس في غالية واسبانية. ولا يجوز القول إن أُذينة العربي كان منهم لأنه حافظ طوال عهده على الولاء القانوني الشكلي لغاليانوس. واعتبره هذا شريكاً له في الحكم. وسقط غاليانوس محارباً ضد اوريولوس في السنة ٢٦٨. ولكن الجنود نادوا بكلوديوس الثاني (٢٦٨–٢٧٠) امبراطوراً فقتل هذا اوريولوس وقهر الالماني والقوط ولكنه توفي بالطاعون فخلفه اوريليانوس (٢٧٠–٢٧٥) اذ نادى به جنوده امبراطوراً. وصالح القوط وتنازل عن حقوق رومة [17]في ما وراء الدانواب واخضع زينب، ثم قهر تتريقوس في غالية واتحذ لنفسه لقب معيد الدولة العالمية[10]، ولكنه قتل في حملة قام بها على الساسان، فانتخب مجلس الشيوخ تسيتوس امبراطوراً بايعاز من الجند (٢٧٥). وتوفي هذا بعد ثلاثة اشهر في اثناء الحملة التي شنها على قبيلة الالاني في آسيا الصغرى. ولم يفلح اخوه في تسنم الحكم بعده لانكساره امام بروبوس (٢٧٦–٢٨٢ب.م). وردَّ بروبوس هجمات الافرنج والبورغنديين والالماني والفندال وشغل الجنود بتجفيف المستنقعات وانشاء الترع وبناء الطرق فثاروا عليه وقتلوه. فتولى الامر بعده قائد الحرس كاروس (٢٨٢–٢٨٣) ولكن صاعقة اصابته بعد ان احتل طيسفون عاصمة ساسان. فخلفه ابنه نومريانوس (٢٨٤) ولكنه قتل بمؤامرة والد زوجته كارينوس الذي طمع في ملك صهره فلم يفلح لان الجند كانوا قد نادوا بديوقليتيانوس الشهير (٢٨٤–٣٠٥).[11]

غزوات الشعوب الجرمانية: وكان يقطن المانية وسائر اوروبة الشمالية برابرة من الجنس الهندي الاوروبي شقر الشعور زرق العينين طوال القامة لم يرتقوا كثيراً منذ عهد انسان العصر الحجري. وكانت كل قبيلة منهم تقيم في منطقة محدودة لا يتجاوز قطرها ستين كيلومتراً، ولا يزيد عدد نفوسها عن خمسة وعشرين الفاً او ثلاثين. وكانوا يقيمون في قرى تضم كل واحدة منها مائة عائلة. وكانت المنازل التي يسكنونها اكواخاً حقيرة يسهل نقلها. وكان السكان على وجه الجملة لا يرغبون في [18]الفلاحة والزراعة، بل كانوا يؤثرون رعاية المواشي وتربيتها. وكانوا يجهلون الكتابة تماماً ولا يتعاطون التجارة الا قليلاً. وكانوا اقوياء البنية ذوي بأس وجلد يميلون إلى الحرب والغزو والنهب ويتنقلون من مكان إلى آخر يتبعهم نساؤهم واولادهم في مركبات ضخمة. وكانوا يجيدون ركوب الخيل ويعتنون بها عناية فائقة.

وكانت رومة قد جعلت من الرين والدانوب وما بينهما حدوداً فاصلة بينها وبين هذه القبائل وحصنت هذه الحدود واقامت عليها فرقاً تحميها، لكن هذا كله لم يمنع تسرب جماعات من الجرمان الى داخل حدود الامبراطورية. واغوسطوس نفسه كان قد اذن لبعض هؤلاء بالبقاء داخل الحدود. وكان يوليوس قيصر من قبله قد ادخل الجرمان في خدمة الجيش لا سيما فرق الخيالة. وكان قد ادى التقهقر الاقتصادي وقلة اليد العاملة الى قبول بعض العناصر الجرمانية في المزارع الكبيرة كما ادى ضعف الحكم عموماً الى التساهل مع بعض القبائل الجرمانية تدخل برمتها البلاد ويستخدم رجالها في الجيش جنوداً مرتزقة.

وفي اوائل القرن الثالث بعد الميلاد كانت قبيلة الافرنج لا تزال مرابطة عند ضفاف الرين الاسفل، ووراءَها الى الشرق قبيلة السكسون فالسويفي فالفندال وجميعها في شمال المانية. وكانت قبائل الالماني مرابطة بين الدانوب والرين الاعلى. وكانت قبائل القوط قد نزحت عن البلدان الاسكندنافية منذ نهاية القرن الثاني بعد الميلاد وحلت ضيوفاً ثقيلة على الالاني والسرامطة في جنوب روسية. فأقام القوط الشرقيون بين نهري الدنيبر والدنيستر والقوط الغربيون في ما نسميه اليوم رومانية والمجر. وادى ضعف الدولة الرومانية واضطراب احوالها الى تيقظ هذه القبائل واشتداد طمعها. فحاول بعضها قطع الحدود الرومانية فزادوا الامبراطورية بعملهم هذا انهماكاً وتعباً وتقهقراً.

[19] وفي ربيع السنة ٢٦٧ بعد الميلاد احتشد عدد غفير من القوط وغيرهم من قبائل الدانوب وجنوبي روسية عند مصب نهر الدنيستر. فأبحر بعضهم على متن بضعة آلاف مركب صغير واتجهوا جنوباً ولحق بهم الباقون براً. ونزل بعض المبحرين منهم في بيثينية وتوغلوا في آسية الصغرى، وتابع الباقون سفرهم البحري فدخلوا البوسفور وحاولوا اقتحام بيزنطة لكنهم لم يفلحوا فاستأنفوا رحلتهم الى بحر ايجه فغزوا ثيسالونيكية وكسندرية وسائر سواحل اليونان، وبلغ بعضهم إلى كريت ورودوس وقبرص. فتصدى لهم بروبوس حاكم مصر عند بامفيلية بما جمع من سفن رومانية وردهم على اعقابهم. وفعل مثل هذا أُذينة العربي في آسية الصغرى. وهب الامبراطور كلوديوس إلى محاربتهم في البلقان فسجل انتصاراً كبيراً بالقرب من نيش وقتل منهم خمسين الفاً وطارد الباقين عبر مقدونية فهلك بعضهم بالطاعون ودخل الباقون في خدمة الجيش الروماني. ونال كلوديوس بحق لقب «قاهر القوط»،[12] وتعددتْ هذه الهجمات البربرية وتعاقبتْ طوال هذا القرن.

الافلاطونية الجديدة: وأدى تقهقر رومة الداخلي الى نزعات جديدة في الفكر. فدفعت الفوضى والحروب والاوبئة وما تبعها بعضَ رجال الفكر الى الابتعاد عن هذا العالم الفاني والتأمل في عالم ازلي ملؤه الخير والجمال. فعكف عدد من رجال الفلسفة على فيثاغورس زاهدين ورعين مستوحين قائلين بالسحر والعرافة جاعلين من بعض حلقاتهم انتداءات سحرية. فظهرت فيثاغورية جديدة قال بها فلاسفة في الشرق والغرب معاً.

ودعا آخرون الى أَفلاطون ووجدوا في كتابه الطيماوس Timaeus قوتاً قامت به أنفسهم فانتعشت. فأكدوا قوله بالواحد الاوحد. وقالوا [20]بالثنائية الافلاطونية ففرقوا بين النفس والجسد. وجعلوا من خيال افلاطون في الحياة بعد الموت عقيدة. وتقبلوا نظريته في الوسطاء بين الله والبشر Daimones. واكدوا ان رائد الانسان انما هو ان يصير مشابهاً لله. فظهرت افلاطونية جديدة كان لها شأن كبير في عالم الفكر حتى اواخر القرن الخامس.[13]

وأَول من اشتهر بالافلاطونية الجديدة نومانيوس فيلسوف ابامية بين حماة والمعرة. ولا نعلم الشيء الكثير من اخباره. ويجوز القول انه علم في النصف الثاني من القرن الثاني. وان أَفلوطين اعتمد عليه فيما يظهر. وكتب نومانيوس في «مذاهب افلاطون السرية» فشرح ما جاءَ عن النفس في فيدروس وفي الجمهورية. واطلع على حكمة اليهود وتعاليم المسيح فأَولها. ورأى في افلاطون موسى فدعاه موسى اليوناني واعتبره نبياً. ورأى ان الوجود منقسم الى مملكتين مملكة العناية ومملكة المادة. وان المادة أصل الشرور والمفاسد. وانه ليس يليق ان نعزو صنع العالم الى الاله الاعلى وان الابن هو الصانع الذي نظَم الكتلة المادية يتأمل النموذج تارة ويتحول عنه طوراً ليحرك الفلك فيصير حينئذ النفس الكلية.[14]

واشهر المؤسسين في هذا الحقل افلوطين Plotinus، ولد في مصر في ليقوبوليس في السنة ٢٠٤ بعد الميلاد. وبدأ دروسه الفلسفية في سن متقدمة في الثامنة والعشرين في مدينة الاسكندرية. ولكن ما لقيه في هذه الدروس خيّب أمله واعترف بذلك الى احد اصدقائه فقدمه هذا فوراً الى امونيوس سكاس. فعادت رغبته اليه. وبعد ان قضى احدى عشرة سنة [21]في معية هذا المعلم علم ان الامبراطور غورديانوس فتح ابواب هيكل يانوس في رومة ليعلن الحرب على ساسان. فصمم الفيلسوف الطالب على الالتحاق بهذه الحملة العسكرية ليسمع عن فلسفة الفرس والهنود. والتحق بجيش غورديانوس ووصل معه الى الفرات. ثم تمرد الجند واغتالوا الامبراطور عند دورة، فعاد افلوطين الى انطاكية (٢٤٤) وزار ابامية ليطلع عن كثب على فلسفة نومانيوس. ثم قام من انطاكية الى رومة وبدأ يعلم فيها. وتميز بسمو اخلاقه ونفاذ بصيرته فصادف نجاحاً، واقبل على الاخذ عنه عدد من افراد الاسر الممتازة.[15]

وكان قد قام في الاسكندرية في القرن الاول بعد الميلاد فيلون اليهودي وجمع بين الحكمة اليونانية والديانة الاسرائيلية فاستند الى نظرية افلاطون في الكلمة فجعلها متوسطة بين الاله والعالم، وقال ان الاله هو سبب الكلمة وان الكلمة هي علة الروح وان الروح تحرك العالم باسره وتشيع فيه حكمة الخالق. وكان افلاطون قد فرق بين الخير الاعلى والعقل والنفس. وكان ارسطو قد جعل الاله عقلًا محضاً. وكان الرواقيون قد قالوا ان الله هو روح العالم. فأَخذ فيلون من هؤلاء جميعاً وقال ان الواحد هو مبدأ كل شيء وانه الاقنوم الاول وان العقل هو الاقنوم الثاني ولكنه دون الواحد في الكمال وان الاقنوم الثالث هو النفس. وقال ان الواحد هو الخير الذي يفيض عنه الوجود من غير ان ينقصه هذا الفيض شيئاً والوجود يفيض عنه لجوده كما تفيض الحرارة عن النار والنور عن الشمس. وقال: كما ان كل شيء يصدر عن الواحد فكذلك كل شيء يعود اليه. والنفس ايضاً تعود الى خالقها عن طريق الرياضة [22]والتأمل والاستغراق والغيبة عن الوجود.[16]

واظهر تلاميذ افلوطين بورفيريوس السوري (٢٣٣–٣٠٥). ولد في البثينة من اعمال حوران وتعلم في صور ثم درس الفلسفة على لونجينوس الحمصي في اثينة. فاعجب لونجينوس بشغفه بالعلم ومواهبه النادرة وكان يدعى مالكاً فأطلق عليه لونجينوس اسم «الارجواني» بورفيريوس. وفي السنة ٢٦٣ قام الى رومة فلزم افلوطين فيها واتبع طريقته. واعجب به افلوطين، وكان المعلم يمقت البيان ويستثقل العناية بالجمل والالفاظ وادرك الحاجة إلى اعادة النظر فيما كتب فوكل ذلك الى تلميذه بورفيريوس. فقبل التلميذ المهمة ولكنه لم ينفذ شيئا منها الا بعد وفاة معلمه والحاح طلاب الفلسفة. فدوّن حياة استاذه وجمع محاضراته في مجلدات ستة عرفت ب «الاقسام» Ennead التاسوعات وشَرَحها.[17] ووضع «المدخل إلى المعقولات» آخذاً عن التاسوعات، و«المدخل إلى مقولات ارسطو» اي كتاب الايساغوجي. واشتهر بكتابه ضد النصرانية وجعله خمس عشرة رسالة فانتقد نسب السيد كما جاءَ في متّى، وادعى ان الاناجيل الاربعة متناقضة وان بطرس وبولس غير متفقين في رسائلهما، وهاله عبث المسيحيين بالتراث الثقافي الديني اليوناني.[18]

وقام في النصف الثاني من القرن الثالث في خلقيس (مجدل عنجر لبنان) يمبليخوس العيطوري يدعو الى الافلاطونية الجديدة ويدافع عنها. وهو تلميذ بورفيريوس أخذ عنه في رومة ودرس الرياضيات على اناتوليوس وعاد [23]الى بلاده يعلم في ابامية وفي مجدل عنجر. فقال بصدور الموجودات بعضها عن بعض. ورأى ان افلوطين حين سمى الواحد الاوحد خيراً بالذات فقد حبسه بصفة فوضع فوقه واحداً غير معين ووضع بعده العالم المعقول فأصبح لديه حدود ثلاثة. وجعل العالم المعقول ثلاثة حدود ايضا العقل والصانع وبينهما القدرة الالهية. وجعل للعالم الاستدلالي ثلاثة حدود اخرى الاب والقوة والفهم.[19]


  1. Licinius Crassus, Spartacus.
  2. Familia Rustica, Familia Urbana.
  3. Civis romanus.
  4. Imperium.
  5. Respublica.
  6. Dea Roma.
  7. Pontifex Maximus, Princeps Senatus.
  8. Camice.
  9. Senatus.
  10. Restitutor Orbis.
  11. Maximianus Gordianus, Pubienus Maximus, Calius Balbinus, Philippus Arabs, Decius, Gallus, Aemilianus, Valerianus, Gallienus, Tetricus, Claudius, Aurelianus, Tacitus, Probus, Carus, Numerianus, Carinus, Diocletianus.
  12. Gothicus Maximus
  13. Nock, A. D., Paganism in the Roman Empire, Cam. Anc. Hist. XII, 438ff.
  14. الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص٢٨٥-٢٨٦.
    Leemans, E. A., Numenius (Collection of Fragments) Brussels, 1937.
  15. Bibez, J., Lit. and Philosophy in the Eastern Half of the Empire, Cam. Anc. Hist. XII, 621ff.
  16. من أفلاطون إلى ابن سينا، للدكتور جميل صليبا، ص٣٤-٣٥.
  17. Henri, P., Enseignement de Plotin, Bull. Acad. Belge. Lettres. 1937, 310ff.
  18. Bidez, J., Vie de Porphyre, Ghent, 1918.
  19. Bidez, J., Jamblique et son Ecole, Rev. Etudes Grecques, 1919, 31ff.