البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح/الباب الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح
المؤلف: زيادة بن يحيى الراسي


الباب الثالث: الرد على مطاعن النصارى فى نبينا محمد ﷺ

رد على ما يدعيه النصارى ويتوهمونه بأن نبينا الأعظم ﷺ قد حصل منه أمور منافية وغير حسنة، منقولة من القرآن الشريف، مع كون أن مثل هذه الدعاوى والأمور الملحوظة فيه قد وجدت مفعولة من الأنبياء الذين سبقوه وأبلغ منها، كما تشهد بذلك كتبهم وتحسب عادية ولا غير حسنة.

أقول: إن دعوى النصارى على نبينا ﷺ بأنه قد حصل مه أمور منافية وغير حسنة هي دعوى غير صحيحة لأمور:

أولا: يدعون بأن نبيا الأعظم ﷺ كان قصده فيما ادعاه ليس روحانيا بل كان يقصد غاية جسدية، وهذه الغاية هي التي لأجلها ادعى النبوة، مثل اتخاذ امرأة زيد ومثل تزوجه بعدة نساء، وأنه كان يميل إلى الملاذ الجسدية.

والحال أن الأخذ من النساء أكثر من واحدة لم يكن ممنوعا في قبيلته وبني جنسه حتى يدعي النبوة لأجل أن يأخذ أكثر من واحدة، لاسيما وأن سيدنا إبراهيم ﷺ وأولاده قد ورد عنهم في التوراة أنهم أخذوا نساء كثيرات، حتى إني لأقول إن سيدنا سليمان وأباه داود قد أخذا نساء بعدد وافر ولم يحسب لهما ذلك ذنبا.

وفي ابتداء النصرانية قد كتب بولس إلى تيطس « بأن ينتخب الأسقف رجل امرأة واحدة». ويظهر من ذلك أن النصارى مباح لهم أخذ أكثر من امرأة واحدة.

وثانيا: عن اتخاذه امرأة زيد زوجة وأنه قد جاء عليه الأمر بتزوجها وعلى زعمهم أن هذا الشئ غير لاثق.

والحال أن هذه عادة كانت جارية عند العرب وعند اليهود أيضا أن يأخذوا نساء غيرهم بعد أن يتركوا من رجالهم وهذا الترك هو المسمى طلاقا، ومن فحوى آية الأحزاب ترى هذا الجواب. [1]

قالت توراتكم في سفر الملوك الثاني في الإصحاح الثالث عن داود عليه السلام وأنه أخذ ابنة شاؤل التي كان اسمها ميكال من زوجها "فليطال بئ ليش" من دون أن تطلق من زوجها، وما حسبت التوراة ذلك ذنبا على داود كما قررنا أن هذه العادة المستمرة عند اليهود والعرب، أي الطلاق قد جاء به الأمر في التوراة ومثبت في القرآن الشريف. وقد تزورون أن عيسى منعه، وقد استجازه في الزنا فقط وأنه قال: «في البدء خلقهما ذكرا وأنثى والذي زوجه الله...» إلى آخرة.

والحال إن كان هذا القول قاله عيسى فيلزمه أن يتزوج هو أيضا، لأن هذا القول يلزم منه مع منع الطلاق وجوب الزواج له وللرهبان. [2]

وعلى أي حال كان لم يحسب ذلك ذنبا، لأن رجال الله الصالحين الذين سبقوا نبينا المصطفى ﷺ قد تتهمونهم بأنهم عملوا أمورا منافية للشريعة وللطبيعة، ولم يخطئهم كتابكم، وذلك كتزوج سيدنا إبراهيم للسيدة سارة، التي كانت أخته من أبيه، وليست من أمه، الموجود شرحها في الإصحاح العشرين، والعدد الثاني عشر من سفر التكوين، وكيعقوب عليه السلام الذي قد تزوج الأختين معا، وكيهوذا ابن سيدنا يعقوب الزاني بكنته ومن ذريته منها بالزنا كان المسيح، كما هو مصرح في التوراة والإنجيل، وسيدنا لوط المقول عنه عندكم إنه سكر وزنى بابنتيه وحبلتا منه، كما هو مصرح في التوراة. وسكر سيدنا نوح، وأمثال ذلك كثر، ولم يذكر في مفعولاتهم هذه أنهم أخطأوا فيها، وحاشا أنبياء الله من ذلك.

وثالثا: قال النصارى بأن دعواه للنبوة كانت لأجل أنه كان يميل إلى الملاذ الجسدية، والحال أن ملاذ الجسد ليست من الأشياء المحرمة بذاتها والمذمومة، لأنها مخلوقة من الله لأجل أن الإنسان إذا تمتع بها بالعدل يبتهج ويشكر الخالق، لأنه تبارك وتعالى خلق المخلوقات على أقسام؛ منها للنظر: المنظورات البهية، وللشم: المشمومات الزكية، ولحاسة الذوق: الأطعمة الشهية، ولحاسة السمع: الأخبار والأنغام المفرحة، ولحاسة اللمس: الملومسات الناعمة الوهية.

فهذه بالدليل العقلي فضلا عن الدليل النقلي أن الله سبحانه ما خلقها للإنسان إلا لكي يتمتع بها، ولو كان الأخذ من النساء أكثر من واحدة شيئا رديا ومذموما لما كان الأنبياء والصالحون باشروه كإبراهيم وداود وسليمان وغيرهم. ومحبة الملاذ لو كانت غير حسنة لما كانت الأفاضل استعملوها لأنه مذكور في الإنجيل عمل ولائم كثيرة كقوله: «إنسانا صنع عرسا لابنه».

وقوله: «وعجوله المعلوفة قد ذبحت»، [3] وعرس قانا الجليل الذي كان سيدنا عيسى فيه ويزورون عليه بأنه حول الماه إلى الخمر حتى سكروا ولو كان كذلك لما ذم بولس المانعين لها إذ قال إنه في الأيام الأخيرة «يمرق قوما يحرمون الأطعمة التي خلقها الله:».

ورابعا: يدعون على نبيا الأعظم ﷺ دعوى أخرى وهو أنه قتل أناسا في أيام دعوته وهذا شئ غير حسن على دعواهم الباطلة

أقول: إن النبي ﷺ نعم إنه قتل أناسا في مغازيه الشريفة، إلا أن قتله كان لذوي التعصب عليه المحاربين له، المعادين لشريعته الغراء السامية، المريدين إبطال دينه الحق، المخاتلين له، الجاعلين عليه الفتن غير هادئة، كما يوجد شرح ذلك بالتفصيل في القرآن الشريف عن سبب نزول الآيات الواردة بحق ذلك، وكما نراه ينصحهم المرات العادة قبل قتاله لهم، ويتهددهم ويتوعدهم ويوعدهم، لكى يميلهم عن كفرهم وشرهم وإلحاق الضرر به وبدينه الحق. وحينما لم يقبلوا قوله ولم يرجعوا عما هم عليه من الكفر والضلال والشرك، كانت تنزل تلك الآيات الشريفة عليه حسب مقتضى الحال، تارة بأن يجادلهم بالرفق، [4] بقوله (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) وتارة بأن يأخذ الجزية منهم [5] لتصغيرهم، وتارة برفع الشفقة عنهم [6] بقوله تعالى له (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم) وقوله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كحما يقاتلونكم كافة) ومثل ذلك في القرآن العظيم كثير.

وعدا ذلك: إن سيدنا موسى كليم الله ويشوع بن نون خلفه كانا قد قتلا ألوفا كثيرة، ولكن مع ذلك لم يكن قتلهما إياهم بهذه الوجوه المذكورة لأنهم، أي المقتولين، ما بادروها بالشر كما تخبر توراتهم ولا عصوا شريعتهم، لأنهما لم ينذروهم بدينهما، بل لأن سكان تلك الأرض الموعود بها موسى المقتول منهم ألوفا بليغة، لما سمعوا بقدوم بني إسرائيل ليأخذوا تلك الأرض من أيديهم ويتعبدوهم ويطردوهم منها للحال نهضوا للمحاماة عن أوطانهم وأنفسهم، وكان موسى عليه السلام ونوابه لا يقتلون في حروبهم الرجال فقط كما كان يفعل نبينا ﷺ بل النساء والأولاد والأطفال، ويحرقون بعض بلدانهم وخيراتهم وكامل أمتعتهم.

وكل ذلك إذا فحصنا أسبابه إنما كان خوفا من استعبادهم إياهم فكانوا يمارونم ويحاربونهم خوفا على أنفسهم. [7]

وأما نبيا السيد الأعظم ﷺ مع كون توجهه على من عصى دينه الشريف كان بأمر الله تعالى إلا أنه مع ذلك تراه بريئا من مثل تلك الوجوه المشروحة والمقولة عن موسى وخلفائه.

هامش

  1. حاشية: اعلم أن زيدا كان النبي ﷺ تبناه، ولما طلق زيد امرأته حسب العادة الجارية، فطلبت أن رسول الله يتزوجها فتمنع عن أخذها لأنها كانت تحسب عند العرب أنها كنته ومحرمة عليه. فأتاه جبرائيل بصورة تحليلها له ﷺ، وكان ذلك تشريعا لأمته حتى إذا كان لأحد من المسلمين امرأة وكان عندها غلام متبنيا له وتزوج هذا الغلام ثم طلق امرأته، فيجوز لزوج المرأة أن يتخذ المرأة المطلقة من الغلام امرأة له، بتوضيح أنها ليست كنة شرعية، بل كنة بالتبني.
  2. حاشية: واعلم أن معنى كلام المؤلف – رحمه الله تعالى- منحصر بكلام وجيز، ومعناه كيف يترك الرهبان كلام التوراة ويخالفونه ويضادونه وهو مكرر من المسيح، وذلك بتركهم للزواج، مع أنه قيل إنه في البدء خلقهما ذكرا وأنثى.
  3. حاشية: اعلم أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يورد هذين المثلين إلا للترغيب ودليل على أنها من الأشياء المستحسنة والمحبوبة.
  4. حاشية: اعلم أن المجادلة كانت إلى محبي الأبحاث وأهل المعارف بالتي هي أحسن.
  5. حاشية: اعلم أن الأمر بأخذ الجزية كان من الذين كانوا كفارا ، ويتظاهروا بالكتاب وكانوا كامنين له الشر، حتى يذلهم ويضعف قوتهم لئلا يظهروا، كما يفهم من قوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمرن ما حرم الله ورسوله ولا يديون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ثم ومن كونه أيضا له سلطان، وهذه عادة ذوي السلطة.
  6. حاشية: اعلم أن أمره تعالى برفع الشفقة هو عن المظهرين لنبيه الشر عيانا، ويعلم ذلك من خاتمة الآية لأنه تعالى يقول: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم) إلى آخره.
  7. حاشية: اعلم أن المقتولين في مغازي النبي ﷺ إذا قابلتهم على المقتولين في حروب موسى عليه السلام تراهم بالقياس كل عشرين مقتول من موسى عليه السلام يقابله واحد من نبينا ﷺ، والمشهور عن النبي ﷺ بأنه لم يقتل بيده الشريفة سوى رجل واحد مستحق القتل، لا كما قتل سيدنا موسى عليه السلام الرجل المصري.
البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح
مقدمة | الباب الأول: الرد على النصارى في دعوى ألوهية المسيح عليه السلام | الباب الثاني: الرد على النصارى في استدلالهم على ألوهية المسيح بالمعجزات | الباب الثالث: الرد على مطاعن النصارى في نبينا محمد | الباب الرابع: البشارات بالنبي محمد في التوراة والإنجيل | الباب الخامس: التناقضات في التوراة والإنجيل الدالة على تحريفهما | الخاتمة