البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح/الباب الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح
المؤلف: زيادة بن يحيى الراسي


الباب الأول: الرد على النصارى في دعوى ألوهية المسيح عليه السلام

يفيد أن سيدنا عيسى عليه السلام ليس هو لي بإله حقيقي بالذات، وغير مساو لله تعالى في الجوهر، وأن تسميته إلها هو نعت ووصف كحسب عادة كتب العهدين؛ أعني: التوراة والإنجيل، اللذين كانا يسميان أشراف الشعب وأكابرهم آلهة، فهو أي المسيح عليه السلام كان من أشراف الأنبياء وأفاضلهم، وكانت تحق له هذه التسمية بنوع خصوصي.

فأقول أولا: إن هذا الاعتقاد الذي هو: أن سيدنا عيسى عليه السلام إله بالذات ومساو لله تعالى في الجوهر هو بدعة حديثة مستجدة في الديانة النصرانية.

ثانيا: إن هذا الرأي لم يقبل عندما ابتدع في الابتداء في الجيل الرابع عند عموم النصارى الذي كانوا في تلك الأعصار، إذ أنهم قد اعتلوا واحتجوا على من ابتدعوه بأن هذه الزيادة، أعني أن الابن أي عيسى مساو لله تعالى في الجوهر ليست موجودة في التوراة ولا في الإنجيل حرفيا، بل هي منكم جملة استنباطية اختراعية، وقد ختم على رأيهم هذا جملة مجامع، منها مجمع مادلي، والمجمع الملتئم في سيرمة نحو سنة 360 من تاريخ عيسى عليه السلام، وكان حاضرا فيه وراضيا به وخاتما عليه فيليكس،[1] ومرة أخرى ليباريوس أاسقفي روما، الذين يسمون في العصور المتأخرة باباوات، وأساقفة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس، الذين يسمونهم في الأزمنة المتأخرة بطاركة، مع قساوسهم ورهبانهم ووعاظهم ونواب ملوكهم، الذين من رأيهم موجود جملة ملايين إلى يومنا هذا في بلاد أوستريا وليبا وأميريكا والإنكليز وغيرها، ويسمون الموحدين. [2]

ثالثا: إن بعضا من النصارى القدماء قد كان يعتقد بأن اللاهوت هو مصاحب الناسوت مصاحبة، أو كما يقال إن الله يحل في الصالحين، وأن سيدنا عيسى كان إنسانا خالصا كالأنبياء وليس إلها وإنسانا. الذين قد يوجد من هؤلاء جملة ألوف وكرات في بلاد المشرق، في الهند والصين والعجم، وبين النهرين: بغداد وما يحوطها، وغير محلات، ويسمون نساطرة.

رابعا: وبالإجمال أقول: إن الذي أورده أولئك النصارى القدماء، المار ذكرهم، وخلفهم من بعدهم من الرد والمجاوبة على مخترعي مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، لما أرادوا أن يبحثوا رأيهم في تلك السندات الضعيفة والبيانات السخيفة، التي نحن الآن سنورد أقواها وجواها في هذا الباب، لكي يحصل مها إنتاج «أيما هو الدين الصحيح». وهي قد تشتمل على ستة بيانات أصولية. [3] [4]

البيان الأول

عن قول يوحنا الإنجيلي في الإصحاح العاشر: «أنا والأب واحد».

فمن قوله «أنا والأب واحد» المنسوب إلى عيسى عليه السلام، قد استبطوا مساواة الابن أي عيسى الأب في الجوهر.

فأجابهم الغير قابلين هذه الزيادة: نعم إن يوحنا الإنجيلي قال هذا، إلا أن هذا القول لايفيد المساواة، لأنه هو أيضا يقول في الإصحاح السابع عشر في طلب السيد المسيح ودعائه: «كما أنت يا أبتاه فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا» هكذا صلى ودعا لأجل حوارييه.

فإن كان معناه أن قوله: «أنا والاب واحد» يفيد المساواة في الجوهر، فيلزم أن يكون التلاميذ الذين قال عنهم ليكونوا واحدا فينا هم أيضا مساوين للأب والابن في الجوهر، وهذا رأي شنيع. [5]

وأيضا: إن يوحنا هذا نفسه قد استعمل لفظة "واحد" في رسالته الأولى الكلية في قوله: «ثلاثة شهود في السماء الأب والكلمة والروح والثلاثة هم واحد، وثلاثة شهود على الأرض الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد».

فنرى أنهم ثلاثة جواهر وليس هم جوهرا واحدا، لأن الروح جوهر والماء جوهر والدم جوهر[6]

وأيضا قد أوضحوا لهم؛ أعني النصارى القدماء للمبتدعين: أن التوراة والإنجيل يعلمان بوحدانية الله تعالى الواحد الأحد مرارا كقوله: «إن الله واحد»، وقوله: «ان لا إله غير الإله الواحد»، وقوله: «إله واحد الذي يفعل كل شئ»، ورقوله: «إله واحد أبو الكل»، وقوله: «أنت تؤمن أن الله واحد»، و«لكي يكون إله سيدنا يسوع المسيح أبو المجد»، و«إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»، و«يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك». وما سمعوا من كتابهم حرفيا أن الله تعالى وحاشاه ثلاثة أقانيم ثلاثة أشخاص، ولا قرأوا في التوراة والإنجيل أن عيسى مساو للأب في الجوهر.

وكما قرر صابليوس في نحو القرن الثالث أن المقول في الإنجيل «عمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس» هي أوصاف ونعوت لطبائع مختلفة، وليست أقانيم وأشخاص متساوية بالحق، وهي كما يقال مثال ذلك في الاستعمال عن غير الأب الحقيقي والابن الحقيقي: هذا أبي وهذا ابني وهذا روحي. [7]

وهي نعوت شريفة للتبجيل، أعني: إضافة تبجيل، وفي الكتاب مثل ذلك وسيأتي بيانه.

وهكذا كان اعتقاد النصارى المعاصرين له في الدهور الأولى، المطابق لقوله تعالى في القرآن الشريف: ﴿قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾

البيان الثاني

استدل النصارى على أن عيسى عليه السلام سمي في الإنجيل إلها وابن إله، كقوله: «أنت ابن الله»، و«إلها كان الكلمة»، و«إذا كنت أنا الرب والمعلم غسلت أقدامكم»، و«هذا ابني الحبيب».

ومن هذه الجملة وأمثالها يستنتجون مساواة الابن أي عيسى للأب فى الجوهر، وأنه إله بالذات وورب.

فأجابهم نصارى تلك الأزمنة الحقيقيون، بلسان مجمعهم قائلين: نعم إن هذه الكلمات هي موجودة في الإنجيل مع أمثالها، إلا أنها لا تفيد المساواة في الجوهر؛ لأن موسى الكليم عليه السلام دعي هذه التسمية بقوله له في سفر الخروج في الإصحاح السابع: «قد أقمتك إلها لفرعون». وكذلك سليمان عليه السلام دعي ابن الله في سفر صموئيل الثاني في الفصل السابع بقوله: «وأنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا». وكذلك يوسف عليه السلام في سفر التكوين في الإصحاح الحادي والأربعين والسابع والأربعين سمي ربا، ورزق أباه يعقوب بقوله: «والمنادي ينادي قدامه أنت رب ومتسلط» وبقوله: «وارزق يوسف أباه وإخوته»، وقيل أيضا في المزمور إلى أئمة اليهود: «إذا قلت إنكم آلهة وبنوا العلي كلكم»، و«الله قام في مجمع الآلهة».

وفي المزمور المائة والرابع والثلاثين قد قيل فيه: «لأن الرب عظيم وربنا أفضل من جميع الآلهة» والملائكة في سفر أيوب دعوا «أبناء الله».

والشعب الإسرائيلي بوجه العموم دعي «ابن الله» حين قال الله لفرعون في سفر الخروج: «إن اسرائيل ابني البكر، أطلقه حتى يعبدني»، وحتى إني لأقول: إن لفظة «إله» التي بينا أنها كانت ينعت بها البشر نعتا ووصفا وإضافة قد وجدت في التوراة في اللغة العبرانية اسما أيضا يستعمله كل من يريد لنفسه، كلفظة «ايلياه» التي إذا ترجمت إلى اللغة العربية حرفا بحرف تراها اسما مركبا من اسمين: «ايل ياه»، أي: إله أبدي كائن، ولفظة اليشع أيضا إذا ترجم اسمه يكون إله مخلص طايق.

ومثل هذه الكلمات قد وجدت كثيرا في الكتب القديمة، وما كان أحد يتصور أو يعتقد في موسى عليه السلام أو في خلافه المنعوتين بهذه النعوت أنهم آلهة بالذات أو مساوون لله تعالى في الجوهر، مع أن الآيات الخارقة المفعولة على أيديهم كان لها الأولوية أن تعطيهم ما تدعونه لعيسى عليه السلام أعني: الألوهية بالذات.

وعدا ذلك أن هذه النعوت أعني: لفظة البنوة لله، والولادة من الله، قد تسمت بها النصارى في تلك الأزمنة في الكتاب؛ لأنهم سموا أبناء الله، ومولودين من الله، والله أبوهم، حيث يقال في إنجيل متى: «وأبوكم السماوي هو كامل»، وقوله: «وليس لكم أجر عند أبيكم السماوي»، و«كم بالحري أبوكم يعطي الخيرات»، وقوله: «ومن دون إرادة أبيكم» و«إن أباكم واحد الذي هو في السماوات».

وفي إنجيل لوقا يقول: «وبنو الله من أجل أنهم بنو القيامة» وفي إنجيل يوحنا يقول: «وأن يجمع أبناء الله المتفرقين».

وفي رسالة قرنيته يقول: «وأنا أكون لكم أبا وأنتم تكونون لي بنين وبنات»، وفي رسالة غلاطية يقول: «وأنتم كلكم أبناء الله بالإيمان». ويعقوب الحواري يقول: «وحسب رحمته ولدنا ثانية»، ويوحنا الحواري في رسالته يقول: «وكل من ولده الله فما يخطئ»، و«كل محب فهو مولود من الله».

فهذه الشهادات وأمثالها لم يعتبرها آل السنين والأجيال الأولى إلا إنها مثل المقول على المسيح عيسى، وكانوا يعتقدون أن عيسى عليه السلام يمتاز عنهم بالبكورية، كما قيل عنه «إنه بكر كل خليقة»، وأن الله تعالى كان يظهر الآيات على يديه، كما هو محرر في الإنجيل وفي أعمال الرسل، ولكونه هو الشفيع والوسيط. وكما يفضل نبي عن نبي وصالح عن صالح، فهو عليه السلام في الأولوية أحق، من كونه مقدما ورأسا وأخا، كما قال عن نفسه عليه السلام: «ها أنا والبنون الذين أعطانيهم الله»، وقول بولس للعبرية: «إنه ما استحى [أي عيسى] أن يسميهم».

وفي رسالته إلى أفسس قال: «إنه هو رأس جسد الكنيسة، وكما أن الرجل هو رأس المرأة، فكذلك المسيح هو رأس الكنيسة»، أعني أن بولس يريد أن يستنتج من كلامه أنه كما أن المرأة والرجل من جوهر واحد، فالمسيح والكنيسة من جوهر واحد، وكما يمتاز الرأس عن الجسد، هكذا يمتاز المسيح ويتشرف عليه السلام عن الكنيسة التي هي جماعة النصارى.

وبالإيجاز أقول: إن هذه التسميات قد جاءت على موجب اصطلاح اللغة اليونانية والعبرانية استعمالا وأصولا، لا العربية، وقد قادت النصارى إلى أن استنتجوا منها أن عيسى هو ابن بالذات لله تعالى، ومساو له في الجوهر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذه الصيغة قد حرمها القرآن الشريف، لأن في قطع الأسباب تنقطع المسببات.

البيان الثالث

الذي يظن النصارى أن به يثبتون الألوهية لعيسى وهي أوصاف القدم المقولة عليه، حيث نقل عنه في إنجيل يوحنا في الإصحاح الثامن أنه قال: «إني قبل إبراهيم كنت»، وفي الإصحاح الأول قال: «وهذا كان في البدء عند الله»، وأمثاله.

فنجيب: أن هذه لا يفهم منها عند النصارى القدماء، الذين كانوا في القرون الأولى، أنه إله بالذات ومساو لله تعالى في الجوهر، بل كانوا يفهمونها من قول سليمان عليه السلام إنه قديم ومخلوق ومولود قبل صنع الجبال والآكام، لأنه أي سيدنا سليمان أنبأ عن سيدنا عيسى عليه السلام بقوله بلسان حاله: «الرب خلقني ابتداء طرقه لأعماله وقبل جميع الآكام ولدني».

وأيضا نبينا السيد الأعظم قد ورد عنه ﷺ بأنه مخلوق قبل الكون، وظهوره كان ضمن حساب التاريخ.

فإذًا: من قول سليمان، الذي يرمز به إلى عيسى عليه السلام على زعمكم، بأن الرب خلقه قبل أن يبدع اللجج والآكام، نعلم أن عيسى ليس هو فوق الأزمان ولا هو أزلي، ويتبع ذلك أنه ليمى بإله حقيقي. وإن قلنا إن النبوءة كانت مقولة من سليمان على جسد عيسى المخلوق، فجسده عليه السلام قد كان ظهوره تحت حساب التاريخ، وليس مخلوقا قبل الآكام كما تزعمون.

وأيضا داود عليه السلام في هذا المعنى في زبوره يقول: «يا رب ملجأ كنت لنا في جيل وجيل من قبل أن تكون الجبال وتخلق الأرض». وهذا يدل لي على أن أرواحنا مخلوقة قبل أن تخلق الأرض ولا يفيد أننا آلهة أزليين، أو أنه كما قيل في الرؤيا في معنى ذلك فيما زعموا عن يوحنا أنه سمى المسيح في الإصحاح الثالث عشر خروفا بقوله: «الذي للخروف الذي ذبح منذ إنشاء العالم».

وقد يعلم من هذه أيضا أنها تفيد قصد الشئ لا وجوده، ولأن المسيح على زعمكم الباطل ذبح في عهد بيلاطوس، وليس منذ إنشاء العالم كما زعمتم من قول يوحنا في رؤياه.[8]

وأيضا أقول: نعم إن سليمان قد تكلم على أن الحكمة في الله أزلية، يقول عنها من الأزل أسست، والنصارى فسروا هذه الحكمة أنها عيسى، فنحن لا نعارضهم بهذا التفسير، وأن سليمان يذكرها مرارا على معان كثيرة بعيدة عن فرضهم، حتى وفي هذه الجملة يشير أنها أسست أي مفعولة، بل نجاوبهم بأنها ليست وحدها في الله أزلية، بل جميع صفاته كالقدرة والرحمة والمعرفة والسمع والبصر وما شابه ذلك، فإذا فسرت النصارى الحكمة وأنها أقنوم عيسى، فيلزم أن يكون في الإلهية أقانيم كثيرة على عدد صفاته، لأن سليمان ذاته قال: «إن الله بالحكمة أسس الأرض وبالفطنة أتقن السموات، وبالمعرفة شقق اللجج» كما في العبراني، فهاهنا يستنتج أربعة أقانيم في إلههم وهم: الله والحكمة والفطنة والمعرفة، وقد يظهر أيضا أن الفطنة هي أعظم من الحكمة، لأن بها أتقنت السماوات وبالحكمة أسست الأرض.

البيان الرابع

أن النصارى المتأخرين يستندون على أوصاف السيادة المقولة على عيسى عليه السلام مستنبطين له منها الإلهية، مثل قوله في يوحنا: «إن الأب لا يدين أحدا بل أعطى الحكم كله للابن»، وقوله «كل شئ أعطيت من أبي». وأمثال ذلك كثير.

فأجيب: والحال أن مثل هذه الأوصاف وما يتبعها لا ينبغي أن تقبل أدنى شبهة بأن الابن غير مساو للأب في الجوهر، ولأنه يقول «وأعطى الحكم كله للابن» و«كل شئ أعطيت من أبي»، فيكون الأب هو المعطي والابن هو الآخذ، والأخذ للحكم ليس هو من شيم الألوهية ورتبتها، لأن رتبة الألوهية تعطي الحكم، والمسيح نفسه قد فسر ذلك لما أتبع كلامه إذ قال: «لأنه ابن البشر».

فهذه الأوصاف كما قررنا لا تثبت الألوهية بالذات لعيسى، لأنه في الأول قال إن الله تعالى أعطى له الحكم، وفي الثاني قد كشف عن الحق كله بقوله: لأنه ابن البشر، ولم يقل عنه: إنه يدين ويحكم بحسب طبيعته الخالقة، أو لأنه ابن الله بالطبيعة.

وأما قوله: «إن من يكرم الابن فقد يكرم الأب» وقوله: «ويكرمون الابن كما يكرمون الأب» فهي مثل قوله: «من أهانكم فقد أهانني ومن أهانني فقد أهان الذي أرسلني»، و«من سمع منكم فقد سمع مني»، و«من يرحم مسكينا يقرض الله»، وأمثال ذلك كثير. [9]

البيان الخامس

يستند النصارى على ما ورد عن عيسى عليه السلام من قول بولس في العبرية بأنه، أي عيسى: «شعاع مجده وصورة جوهره»، يعني مجد الأب، وهذا الضمير عائد إلى لفظة الله، ويستنبطون من قوله «شعاع مجده وصورة جوهره» مساواته لله تعالى في الجوهر.

فأجيب أن هذا السند هو كالذي قبله، إذ أنه لا يفيد المساواة في الجوهر، لأنه قيل في سفر التكوين ما يحل هذا الإشكال، فقد قال عن الإنسان إنه خلق على صورة الله، وذلك في الإصحاح الأول إذ قال: «وخلق الله الإنسان كصورته».

ثم إن بولس كتب أيضا لقرنيته في الإصحاح الحادي عشر: «إن الإنسان صورة الله ومجده. وحيث إن لفظة صورة الله ومجده قيلت على المسيح وعلى الإنسان أيضا، فلا تفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، وكما تجد أقوالا كثيرة من بولس إلى كولوسي في الإصحاح الأول عن عيسى: «أنه ابن محبته»، أي ابن محبة الله، وأنه «صورة الله ومجده، وأنه بكر كل خليقة»، فيلزم أيضا أن نعرف معانيها، لأنه على معنى قوله: «إنه ابن محبة الله»، فمعلوم وظاهر جدا أن ابن المحبة غير الابن الطبيعي، حسبما أكد ذلك بولس نفسه في رسالته إلى الروم، إذ أنه سمى عيسى «ابن الله بالقوة»، ولم يقل بالطبيعة، وأتبع ذلك بقوله: «حسب روح التقديس»، أي بحيث هو مقدس سمي ابن الله بالقوة، وبقوله: «إنه صورة الله ومجده» و«آدم أيضا صورة الله ومجده»، وبقوله: «إنه بكر كل خليقة»، فيكون معناه أن المسيح قديم ومخلوق وليس بخالق.

وأما قوله الذي يتلوه: «إنه به خلقت البرايا» أعني: لأجله أو بواسطته، وقد كتب قدها للعبرانيين في الإصحاح الأول: «لأن به خلق العالمين» لأن هذه الباء في اليوناني هي باء السببية الواسطية. ونبينا السيد الأعظم ﷺ قد ورد عنه أنه لأجله خلق الوجود.

وأثبت قولي وأختمه بما أورده يوحنا في رؤياه في الإصحاح الثالث بقوله عن عيسى عليه السلام: «إنه رأس خليقة الله»، أي أنه أول المخلوقين، هذا على زعم كتابكم المطابق قول بولس: «إنه بكر كل خليقة».

والنتيجة لهذا القول جميعه هو كيف أن عيسى قيل عنه في كتبكم إنه أول المخلوقات، وإنه بكر كل خليقة، وأنتم تدعون أنه خالق؟ [10] [11]

البيان السادس

أن بولس قد كتب إلى فيلبي قائلا عن عيسى: «الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله»، فعلى هذا يستندون أن عيسى عديل الله في الجوهر، تعالى شأنه.

فأجيب: إن هذه الجملة غير كافية في اللفظ والمعنى، لأننا إذا تعقلنا جملتها فنراها أنها لا تفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، بل إنها تظهر المعادلة في الصورة وليمى في الجوهر؛ لأنه قال عنه: «إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله»، يعني بالصورة.

فهذه المعادلة من القرائن قد علمت بهذا الوجه المشروح، وأما بالجوهر فلم يقال عنه إنه عديل الله بالجوهر ومساويه. وهكذا لفظة المعادلة في الاستعمال في كامل قواعد اللغات، وأنها لاتفيد إلا الوجه المقصود فقط من القرائن، لأن بطرس الحواري أيضا يقول في رسالته الثانية في الإصحاح الأول قولا أبلغ من المعادلة في الصورة عن الناس المؤمنين بعيسى: «إنهم صاروا شركاء الطبع الإلهي»، ويعقوب أبو الإسرائيليين في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والثلاثين يقول إلى العيص أخيه: «إني نظرت وجهك كوجه الله»، وسيدنا داود عليه السلام قيل عنه إنه نظر قلب الله بقوله: «إني نظرت داود بن يسى رجلا نظير قلبي» يعني نظير قلب الله تعالى.

وفي الإصحاح الثالث من نبوة إرميا النبي يقول عن الله تعالى: «وأعطيكم رعاة كقلبي»، لم يعني نظير قلب الله، ولم يقل عن المقول عنهم هذه الأقوال إنهم آلهة بالذات ومساوين لله تعالى في الجوهر، وكما أنه إذا قلنا: إن زيدا له صورة القمر فهو عديل القمر، ولا يفهم منها أن زيدا عديل القمر بالجوهر، بل المعادلة له في الصورة. وعلى هذا المثال تفهم تلك الجملة التي هي قوله «الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله» ويستفاد منها أن المعادلة بالصورة وليس بالجوهر. [12]

وأيضا نقول: وإن فسروا ذلك بالناسوت فلا ينطبق معهم هذا التفسير، إذ أن الناسوت كان مأخوذا على زعمهم وليس آخذا، وبولس عزا الإعطاء إلى الآخذ لا إلى المأخوذ، أي أن الذي أفرغ ذانه وأخذ صورة عبد هو الذي رفعه الله ووهبه اسما يفوق كل اسم.

فإذا ينتج من كل ما شرحناه: أن يسوع الإنسان السيد الشريف الآخذ صورة عبد، أعني المتصف بالذل والتواضع، هو الذي أعلاه الله إعلاءً. [13]

تنبيه: اعلم أن الذين تنصروا في ابتداء الديانة النصرانية كانوا مركبين من يهود ومن عبدة الأصنام، فالبعض من علماء عبدة الأصنام من المتنصرين إذا سمعوا الإنجيل يقول عن المسيح: إنه إله وابن إله، فكانوا يتصورون أنه إله بالذات كالزهرة والمشتري، كما ظنوا في بولس وبرنابا أنهم آلهة، ولقبوا بولس بهرمس وبرنابا بالمشتري، كما خبرهم شاع في كتاب الابركسيس.

وأما علماء اليهود المتنصرين إذا سمعوا الإنجيل يقول عن المسيح في الإنجيل: إنه إله وابن إله، فكانوا يعتقدون فيه كموسى وكباقي المسمين آلهة، وأنهم مخلوقون وليسو بخالقين، لأنهم لم يسمعوا في الإنجيل في أسمائه المكتوبة والمنبئة عنه، ولا في التوراة اسما صريحا من الأسماء المختصة بالله عز وجل، مثل اسم ياهوفا مفردة، [14] واسم «أهيه اشيراهيه» اللذين لم يطلقا إلا على الله تعالى بالذات، بل كانوا يرون أنه من الأسماء المشتركة التي كانت تقال على الخالق وعلى المخلوقين كألوهيم وأدوناي وأيلواه، وأمثالها.

ولما تنصر الملك قسطنطين في ابتداء الجيل الرابع وجد خلفا في الديانة النصرانية وآراء مشكلة؛ فقصد الفحص هو وخلفه من بعده، وجمعوا مجامع عامة، كما حرر ذلك سعيد البطريق في تاريخه، وغيره من المؤرخين، فكان تارة يثبت رأي اليهود المتنصرين بأن عيسى ليس بإله بالذات بل بالتسمية، وتارة كان يثبت بأنه إله بالذات، أعوذ بالله، كرأي عبدة الأصنام المتنصرين، [15] الذين منهم قسطنطين نفسه، وخلفه ونيكولاوس واسبيردولوس الذين ليس عندهم معرفة في اصطلاح وقواعد التوراة.

وهذا هو الأصل والسبب لهذه الواقعة، مع أن هذه السلالة الملكية كان بعضهم يعقل ويميل إلى الرأي بعدم المساواة، وكان بعضهم يفضله، حتى إن الغربيين مع أتباع البابا والبروتستانيين إلى حد هذا الزمان يعتقدون بأن قسطنطين الملك قد توفي بالمذهب الذي هو عدم المساواة.

هامش

  1. حاشية: اعلم أن في زمان مجمع صيرما انعزل فيلكس البابا المذكور وتنصب عوضه ليباريوس، واثنين تصدروا وختموا بعدم قبولهم بالمساواة، (أي مساوات عيسى بالله عز وجل) وحرموا هم ومجمعهم المجمع النيقاوي الأول الذي اخترع هذه الزيادة وابتدعها وجعلها دستور إيمانه.
  2. حاشية: ربما أن مثل هؤلاء كان يمدحهم القرآن الشريف ويكفر القسم الثاني، لأن النصارى قسمان قسم موحد وقسم مثلث.
  3. حاشية: اعلم أن لفظة أصولية قد يراد بها أنه إذا وجد مائة شهادة أو أكثر أو أقل من مثل هذه المعاني فتكون مبينة من مثل هذه الأصول الستة وقد تنحل بحلها المشروح
  4. حاشية: اعلم أن كلما يوجد من البيات في هذا الباب قد ترتد إلى هذه الستة الأصولية.
  5. حاشية: اعلم أنه يوجد أمثلة كثيرة مستعملة على هذا الأسلوب في كامل اللغات عن المتحدثات من شيئين، ولا يقال عها متساوين في الجوهر.
  6. حاشية: ( اعلم أن جملة «الأب والكلمة والروح والثلاثة هم واحد» ليس لها وجود في جلسات المجمع النيقي، لأن هذه الجملة في بعض نسخ الإنجيل القديمة الموجودة عند النصارى الموحدين، ووعند طائفة السريان في اللغة السريانية ليس لها أثر كليا، مع أنها لو وجدت في بعض النسخ، وهي دخيلة ومبتدعة، إلا أنها لا تفيد المساواة، بحيث قد يحلها مثالها التابع لها، وهو قوله الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد، لأننا ننظرهم ثلاثة جواهر، وليس فيهم مساواة في الجوهر كليا. وهذه الشهادة بهذا النسق هي مأخوذة عن كتاب يوناني بخط لليد، ولربما تكون في باقي النسخ مغيرة.
  7. حاشية: إنه يكفي برهانا لعدم المساواة بنعت الروح وحده بالقدس، لأنهم لو كانوا متساويين لكان ينبغي أن يقول عيسى عليه السلام: عمدوهم باممم الأب القدس والابن القدس والروح القدس، ولا يعزو هذا النعت وهو القدس إلى أقنوم واحد وهو الأخير ويترك الباقي.
  8. حاشية: اعلم أن نتيجة هذا البيان الذي هو البيان الثالث قد تشير على أنه إن سلمت النصارى على أن عيسى ذبح قبل إنشاء العالم، فعليا أن نسلم نحن لهم بأن القول عن المسيح كان قبل إبراهيم هو بالفعل. وإن أنكروا وقالوا إنه ما ذبح عيسى أي قبل إنشاء العالم بالفعل فنجاوبهم نحن ونقول إنه ما كان عيسى قبل إبراهيم بالفعل، مع أن هذه القبلية لاتفيد الأولية كيف ما كانت.
  9. حاشية للناسخ : اعلم أنه قد ورد في القرآن الشريف (مثل) قوله: من يكرم الابن فقد أكرم الأب، خطابا للنبي ﷺ إن الذين يبايعونك إنما يايعون الله.
  10. حاشية: اعلم أن هذه الجملة الموجودة في البيان الخامس التي هي قوله: شعاع مجده وصورة جوهره، إذا قرئت في الإنجيل العبراني لا يلزم لها حل مطلقا لأنها محلولة من عين ذاتها ظاهرة جلية، إذ أن لفظة شاع مجده هي في العبراني "توكادها كابود" وتفسيرها بالعربي الزهرة المجيدة، وهي اسم لكوكب الزهرة، وأن بولس نعت بها عيسى، وأنه أي عيسى هو الزهرة المجيدة وصورة جوهرها، وبالمذكر تقال كوكب الغراء المجيد، وصورة جوهره وسايس الجميع بكلامه التوي. هكذا وجدت هذه الجملة في الإنجيل العبراني وليس عائد هذا الضمير على لفظة الله بل على النجم المشبه عيسى به. كذا وجدت في اللغة العبرانية كما قررنا، وهكذا يفهمها اليهود إلى الآ،. وعليك بترجمتها من العبراني تكتفي عن كل ما شرحه المؤلف في هذا البيان.
  11. (حاشية من مخطوط آخر): اعلم أن جملة شعاع مجده التي رقمها بولس في هذه العبارة وقد حلها المؤلف رحمه الله تعالى، هي في اللغة العبرانية غير مفتقرة إلى حل لأنها واردة بمعنى آخر يبعد كثيرا عن صورتها العربية. والوجه الآخر هو: أن هذه الرسالة الواردة فيها هذه العبارة هي من الست رسالات المشبوهات والغير مسلمات فى قدمية النصرانية كما ذكر عنها صاحب كتاب مرشد الطالبين. والدليل على ذلك أن المجمع الأول النيقاوي الذي كان مجتمعا لإثبات هذا المعنى ما أورد هذه العبارة في سنداته التي قررها، أي أنه بعد تاريخ عيسى بثلاث مائة سنة وعشرين ما كان المسيحيون قبلوا هذه الرسالة.
  12. حاشية: اعلم أن بولس نفسه يؤكد هذا الشرح في غلاقة هذه الجملة بقوله ولكنه أخلى ذاته، أي أنه (تنازل) وترك شرف هذه الصورة الفائقة. إذ أنه أخذ صورة عبد، أعني أنه تظاهر بصورة عبد مثل باقي الناس مع سيادته ومعادلته لله في الصورة وشرفه السامي لكي يعلمنا التواضع ويرينا أن الله أثاب هذا الذي ترك ذاته الصائر بشبه الناس رفعة، لأنه يقول: «ولذلك رفعه الله»، وفي نسخة أخرى يقول: «أعلاه الله إعلاء ومنحه اسما يفوق كل اسم». فهل يجوز عند النصارى أن يقال عن اللاهوت أخلى ذاته وأنه يعطي مراتب مثل التي ذكرها بولس وعلقها بالمخلي ذاته. أي أن الله رفعه ومنحه اسما يفوق كل اسم. وهذا الرأي ما أظنه يقال ولا من الكافرين.
  13. حاشية: وهذا الشك بعينه هو الذي كان بعض اليهود المبغضين لعيسى يتأولونه عليه ويطعنونه به بأنه يعادل نفسه بالله من قوله إنه هو ابن الله. وقد كشفه عليه السلام وأعلنه بأنه ليس هو عديل الله من جوابه لهم، لأنه قال: أما هو مكتوب في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم. فإن كان أولئك قيل عنهم إنهم آلهة فالذي قدسه الأب وأرسله تقولون أنتم إنه يجدف، ومعناه عليه السلام إن كانت لفظة ابن الله التي تؤنبوني فيها ما قيلت سابقا على غيري من البشر فيكون الحق معكم على أني أجدف، وإلأ كانت قيلت سابقا على غيري، فكيف تقولون عني أني أجدف إذا قلتها على نفسي أنا المقدس من الله والمرسل
  14. حاشية: اعلم أن لفظة (ياهوفا) إذا كانت مفردة تمتاز عن (ياهوفا) المركبة، حيث أن المركبة يجوز أن تقال على البشر وعلى الأحجار كقوله في سفر الخروج في الإصحاح السابح عشر: «وابتنى هناك موسى مذبحا ودعى اسمه اليهوبا عظمتي».
  15. حاشية: اعلم أن هذا التاريخ المنقول عن سعيد البطريق الذي صار بطريركا على الإسكندرية يستدل منه (على) أنه لم يوجد دليل لهذا الرأي صريح في الكتب يثبت المساواة، أي أنه (لم يجد) علماء تلك الأزمنة في الإنجيل والتوراة جملة صريحة تقول عن المسيح إنه مساو لله في الجوهر وهذا وحده يكفي للبيان.
البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح
مقدمة | الباب الأول: الرد على النصارى في دعوى ألوهية المسيح عليه السلام | الباب الثاني: الرد على النصارى في استدلالهم على ألوهية المسيح بالمعجزات | الباب الثالث: الرد على مطاعن النصارى في نبينا محمد | الباب الرابع: البشارات بالنبي محمد في التوراة والإنجيل | الباب الخامس: التناقضات في التوراة والإنجيل الدالة على تحريفهما | الخاتمة