إطوياني ملامة وانشراني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إطوياني ملامة وانشراني

إطوياني ملامة وانشراني
المؤلف: حيدر بن سليمان الحلي



إطوياني ملامة وانشراني
 
بلغ الوجدُ حيث لا تبلغاني
قد عناني جويً يطول وفيه
 
يقصر اللومُ عن مردّ عناني
كيف عيني لم تغدُ بيضاء حزناً
 
وهي قد أصبحت بلا إنسان؟
إنَّ صوت النعيِّ مذ خاض سمعي
 
خلته في حشاي غربَ سنان
وعضضت البنانَ غيظاً ولكن
 
لا يفيد المكلوم عضُّ البنان
فاعذراني إذا ربطتُ فؤادي
 
بيدي وانطويتُ ممّا دهاني
إنَّ قلبي من دهشتي طار رعباً
 
فغدا وهو دائم الخفقان
كفكفا عن حشاي غرب ملامي
 
من جراح الجوى بها ما كفاني
أين منّي صبري لأرضى فأسلو
 
صبري اليوم والرضا ميّتان
أنا يا لائميّ أدرى بطبّي
 
فاعذلاني ما عشتُ أو فاعذراني
سليّاني بردً روحي وإلا
 
فبماذا عنه إذاً سلواني
قرّباه فوق الثرى اليوم منّي
 
أو فمنه تحت الثرى قرَّباني
واقبراه إذاً بقلبي وإلا
 
فخذاه بقبره واقبراني
وإلى جنب مهجتي وسّداه
 
أو إلى جنب جسمه وسّداني
فحياتي وموته رزآن
 
لم أقدّرْ عليَّ يجتمعان
بل تخيلتُ أن يعيش وأفنى
 
أو سواءً تضمُّنا حفرتان
لم أفارقه أجنبياً ولكنْ
 
هو روحي وفارقت جثماني
قد نشرنا ما بيننا الودَّ دهراً
 
فطواه الردى وليت طواني
غمّضا ناظري ما عشتُ غيظاً
 
فعلى مَن بعد "الرضا" تفتحان
وزفيري ثقّف حنايا ضلوعي
 
فعلى ودِّ مَن تبين حواني
وخطوب الزمان دونك شخصي
 
فلك اليوم قد كشفتُ عياني
نزعت عنّي الحوادث درعى
 
فبمن أبَّقى شبا الحدثان
فلكم قد لويت دهري وهذا
 
دهري اليوم كيف شاء لواني
لك أسمحتُ يا خطوب الزمان
 
ذهبتْ نخوتي فهاك عناني
قد أبانت حشاي فاستهدفيها
 
نكبة طوّحت ضحى ً بأبان
راصدتني من حيث لست أراها
 
أعين النائبات وهي تراني
فرمتني من حيث لا أتّقيها
 
بسهام الهموم والأحزان
فأنا اليوم يا نوائبُ كلّي
 
مقتلٌ بارزٌ لمن قد رماني
كنت قدماً أذودُ نبلك عنّي
 
ببناني فأين منّي بناني؟
قد نعاه الناعي إليَّ أيدري
 
لا درى أنه إلى َّ نعاني؟
فحسبت الفؤاد منّي أضحى
 
بين نابي ذي سورة ٍ افعوان
لهف نفسي على صريع حمامٍ
 
ليس لي عنه بالدفاع يدان
ودَّت المكرمات لو أنَّ منها
 
غسلته بدمعها العينان
ومسجّى ً بنعشه في حبيرِ
 
هو والجودُ فيه ملتحفان
حملوه وخلفه كلُّ عافٍ
 
بدماه عيناه فائرتان
قائلاً: أيكة الرجاء اظمأي اليو
 
م وعودي مصفرَّة العيدان
مصَّ منك الصعيدُ ماء سماحٍ
 
كنت فيه ريانة الأغصان
عجباً خفَ نعشه وهو قد سار
 
ر بثقل المعروف والإحسان
بل أراه ما خفَّ إذ سار لكن
 
حملته ملائكُ الرحمان
شيَّعته الأنامُ بالأحزان
 
والتقته بالبشر حورُ الجنان
هل كذا جلّ نعشُ ميتٍ سواه
 
أختلطا عند نعشه العالمان
وعليه قد ودَّت الأرضُ يبقى
 
ويرى كلَ مَن عليها فان
فاحملاني إلى ثراه أحملاني
 
وقفا بي عليه وقفة عان
ودعاني خلف الصعيد أناديه
 
نداء المروَّع اللهفان
يا فقيداً فقدتُ منه غماماً
 
كلما قلت قد ظمئت سقاني
ودفيناً دفنتُ منه حساما
 
كنت أعددته لحرب الزمان
أغمدتْه في الترب كفِّي فشلَّت
 
فات نصري وابتُ بالخذلان
شغلت منطقي عليه المراثي
 
وخلا من هوى سواه جناني
يا تراني أثني على مَن بمدحٍ
 
وهوى من أحبُّه يا تراني
مات محي الثنا ولولا أبوه
 
قلت في لحده دفنت لساني
ذاك منه صفاته الغرِّ جاءت
 
في مزايا علاه طبق المعاني
صالح الفعل راجحُ الفضل غوث الـ
 
ـمستغيثين غيثُ أهل الأماني
ورعٌ ناسكٌ تفرّغ لله
 
بقلبٍ من خوفه ملآن
جامعٌ قسوة الحميَّة للدين
 
انتصاراً ورقّة الإيمان
وبعزِّ الملوك يصبح مرهو
 
باً ويمسي بذلَّة الرهبان
صدق المدحُ في علاه فقل ما
 
شئت في مجده العظيم الشان
هو في الخير من قديم الليالي
 
خيرُ من قد مشت به قدمان
أثقلت كاهل الزمان أياديه
 
فأمسى عياله الثقلان
وعلى الأرض كلها من نداه
 
أثرٌ طيبٌ بكل مكان
قد بنى للقرى على الكرخ بيتاً
 
والتقى اسُّ ذلك البنيان
شارعَ الباب تلتقي طرقُ الأر
 
ض جميعاً لديه بالضيفان
رافعاً تحت ظلمة الليل للسا
 
رين فيه ذوائبَ النيران
كرماً قد أعدَّ للضيف فيه
 
عدد الطارقين غرَّ الجفان
مكرماتٌ ترى رضيع سماحٍ
 
عندها الدهرَ لا رضيع لبان
شكرُها أعجز الأنام فأنّي
 
قابلتها الأيامُ بالكفران؟
قلتُ للبحر هل تساويه يوماً
 
قال كلا: لا يستوي البحران
وسألتُ الحيا أتحكيهُ جوداً
 
قال: أين الباكي من الجذلان؟
ليس يحكيه في سماحة كفٍ
 
غيرُ من قد حكاه عزَّة شان
ذاك «عبد الكريم» من قد تسامى
 
شرفاً حطَّ دونه النَّيران
فهما فرقدا علاءٍ ومجدٍ
 
وهما ديمتا ندى ً وامتنان
كلما عنّ مفخرٌ يوم سبقٍ
 
فيه تلقاهما شريكي عنان
ولدا فتية ً هُم شهبُ الفخر
 
وإلا جداولُ الإحسان
متساوين في المكارم قد فا
 
قوا بفضل النهى على الفتيان
ينشر الحيُّ من طوى الموت منهم
 
ويعيد الباقي حياة الفاني
ما فقدت «الرضا» وذلك باقٍ
 
«مصطفى » الجود يا ركاب الأماني
فرديه خفائفاً تصدرى منه
 
ثقال الخطى على الركبان
هو صبحُ الأيام سعد الليالي
 
بهجة الدهر نور عين الزمان
تتلقاه من شذا حسبيه
 
عطرَ الجيب طيّب الأردان
ومن البشر في محيّاه بدرٌ
 
وبكفيه للندى «جعفران»
والأغرُّ "الهادي" إذا حار وفدٌ
 
فسناه دلالة الحيران
هو طلقُ العنان في الجود طلق الـ
 
ـوجه طلق اليدين طلق اللسان
ومزاياه في سما المجد شهبٌ
 
وهو فيها وصنوه القمران
و"أمين التقى وهل ضمّ مثلاً
 
لأمين في عصرنا المشرقان؟
طاهر النفس طاهر الجيب والأبـ
 
ـراد عفٌّ في السر والإعلان
أبداً في تقاه لم تتغبَّر
 
بغبار الآثام منه اليدان
وهو في صدق لهجة ٍ «كأبي ذرٍ»
 
وتقوى ً تحكى تقى "سلمان"
والمرجّى «محمدٌ حسنُ» الطلـ
 
ـعة ينضو اللثام عن كيوان
مخبراتٌ مخايل الفضل فيه
 
أن سيسموا فخراً على الأقران
يا «أبا المصطفى » وحلمك أرسى
 
في لقاء الخطوب من ثهلان
لك نفسٌ قدسية الذات فيها
 
حزتَ أعلى مراتب العرفان
وصف الله أن قلبك للتقـ
 
ـوى مشيراً بآية الامتحان
وأرى الصابرين في عصرنا أنت
 
عناك الإلهُ في القرآن
حيث لو قيل عددّوهم عددنا
 
ك ونعيا عن أن نجيء بثاني
هو جمعٌ اُريد بالذكر منه
 
واحدٌ وهو أنت عند البيان
فرِّغ القلب من جوى الثكل يا من
 
هو في الفضل ملءُ عين الزمان