إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الحج/الباب الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إحياء علوم الدين
كتاب أسرار الحج - الباب الأول
المؤلف: أبو حامد الغزالي



الباب الأول

في فضائلها وفضائل مكة والبيت العتيق


وجمل أركانها وشرائط وجوبها.

الفصل الأول[عدل]

في فضائل الحج وفضيلة البيت ومكة والمدينة حرسهما الله تعالى وشد الرحال إلى المساجد[عدل]

فضيلة الحج[عدل]

قال الله عز وجل "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق" وقال قتادة لما أمر الله عز وجل إبراهيم ﷺ وعلى نبينا وعلى كل عبد مصطفى أن يؤذن في الناس بالحج نادى: يا أيها الناس إن الله عز وجل بنى بيتاً فحجوه وقال تعالى "ليشهدوا منافع لهم" قيل التجارة في الموسم والأجر في الآخرة. ولما سمع بعض السلف هذا قال: غفر لهم ورب الكعبة. وقيل في تفسير قوله عز وجل "لأقعدن لهم صراطك المستقيم" أي طريق مكة يقعد الشيطان عليها ليمنع الناس منها وقال ﷺ "من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال أيضاً ﷺ "ما رؤي الشيطان في يوم أصغر ولا أدحر و أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة" وما ذلك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إذ يقال "إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة" وقد أسنده جعفر بن محمد إلى رسول الله ﷺ. وذكر بعض المكاشفين من المقربين أن إبليس لعنة الله عليه ظهر له في صورة شخص بعرفة فإذا هو ناحل الجسم مصفر اللون باكي العين مقصوف الظهر فقال له: ما الذي أبكى عينك? قال: خروج الحاج إليه بلا تجارة، أقول قد قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك قال: فما الذي أنحل جسمك؛ قال: صهيل الخيل في سبيل الله عز وجل ولو كانت في سبيلي كان أحب إلي، قال: فما الذي غير لونك? قال تعاون الجماعة على الطاعة ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي، قال: فما الذي قصف ظهرك? قال: قول العبد أسألك حسن الخاتمة، أقول يا ويلتى متى يعجب هذا بعمله أخاف أن يكون قد فطن? وقال ﷺ "من خرج من بيته حاجاً أو معتمراً فمات أجري له أجر الحاج المعتمر إلى يوم القيامة ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة" وقال ﷺ "حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة" وقال ﷺ "الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزواره إن سألوه أعطاهم وإن استغفروه غفر لهم وإن دعوا استجيب لهم وإن شفعوا شفعوا" وفي حديث مسند من طريق أهل البيت عليهم السلام "أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لم يغفر له" وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال "ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" وفي الخبر "استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أجل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة وأغبط عمل تجدونه" ولهذا يستحب الطواف ابتداء من غير حج ولا عمرة وفي الخبر "من طاف أسبوعاً حافياً حاسراً كان له كعتق رقبة ومن طاف أسبوعاً في المطر غفر له ما سلف من ذنبه" ويقال: إن الله عز وجل إذا غفر لعبد ذنباً في الموقف غفره لكل من أصابه في ذلك الموقف. وقال بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل عرفة وهو أفضل يوم في الدنيا" وفيه حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وكان واقفاً إذ نزل قوله عز وجل "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" قال أهل الكتاب. لو أنزلت هذه الآية علينا لجعلناها يوم عيد فقال عمر رضي الله عنه: أشهد لقد نزلت هذه الآية في يوم عيدين اثنين؛ يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة. وقال ﷺ "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" ويروى أن علي بن موفق حج عن رسول الله ﷺ حججاً قال: فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: يا ابن موفق حججت عني? قلت: نعم، قال: ولبيت عني? قلت: نعم. قال: فإني أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة والخلائق في كرب الحساب. وقال مجاهد وغيره من العلماء: إن الحجاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان الحمر واعتنقوا المشاة اعتناقاً. وقال الحسن: من مات عقيب رمضان أو عقيب غزو أو عقيب حج مات شهيداً. وقال عمر رضي الله عنه: الحاج مغفور له ولمن يستغفر له في شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول. وقد كان من سنة السلف رضي الله عنهم أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء ويبادرون ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام. ويروى عن علي بن موفق قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة نمت بمنى في مسجد الخيف فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه: يا عبد الله فقال الآخر: لبيك يا عبد الله "قال: تدري كم حج بيت ربنا عز وجل في هذه السنة? قال: لا أدري قال: حج بيت ربنا ستمائة ألف أفتدري كم قبل منهم? قال: لا، قال: ستة أنفس، قال: ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعاً واغتممت غماً شديداً وأهمني أمري فقلت: إذا قبل حج ستة أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس? فلما أفضت من عرفة قمت عند المشعر الحرام فجعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم؛ فحملني النوم فإذا الشخصان قد نزلا على هيئتهما؛ فنادى أحدهما صاحبه وأعاد الكلام بعينه ثم قال: أتدري ماذا حكم ربنا عز وجل في هذه الليلة? قال: لا، قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، قال: فانتبهت وبي من السرور ما يجل عن الوصف. وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: حججت سنة فلما قضيت مناسكي تفكرت فيمن لا يقبل حجه فقلت: اللهم إني قد وهبت حجتي وجعلت ثوابها لمن لم تقبل حجته قال: فرأيت رب العزة في النوم جل جلاله فقال لي: يا علي تتسخى علي وأنا خلقت السخاء والأسخياء وأنا أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأحق بالجود والكرم من العالمين قد وهبت كل من لم أقبل حجة لمن قبلته.

فضيلة البيت ومكة المشرفة[عدل]

قال ﷺ "إن الله عز وجل قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف فإن نقصوا أكملهم الله عز وجل من الملائكة" وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة وكل من حجها يتعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها وفي الخبر "إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة وإنه يبعث يوم القيامة له عينان ولسان ينطق به يشهد لكل من استلمه بحق وصدق" وكان ﷺ يقبله كثيراً وروي أنه ﷺ سجد عليه وكان يطوف على الراحلة فيضع المحجن عليه ثم يقبل طرف المحجن وقبله عمر رضي الله عنه ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فرأى علياً كرم الله وجهه ورضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات وتستجاب الدعوات، فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع، قال: وكيف? قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتاباً ثم ألقمه هذا الحجر؛ فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد على الكافر بالجحود. قيل: فذلك هو معنى قول الناس عند الاستلام "اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك" وروي عن الحسن البصري رضي الله عنه: أن صوم يوم فيها بمائة ألف يوم وصدقة درهم بمائة ألف درهم وكذلك كل حسنة بمائة الف ويقال: طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة وثلاث عمر تعدل حجة. وفي الخبر الصحيح "عمرة في رمضان كحجة معي" وقال ﷺ "أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم آتي أهل مكة فأحشر بين الحرمين" وفي الخبر "إن آدم ﷺ لما قضى مناسكه لقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام" وجاء في الأثر: إن الله عز وجل ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض فأول من ينظر إليه أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد الحرام فمن رآه طائفاً غفر له ومن رآه مصلياً غفر له ومن رآه قائماً مستقبل الكعبة غفر له. وكوشف بعض الأولياء رضي الله عنهم قال: إني رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ورايت عبادان ساجدة لجدة. ويقال: لا تغرب الشمس من يوم إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة لا يرى الناس لها أثراً، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد. ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة. ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية. ثم يخرج الدجال وينزل عيسى عليه السلام فيقتله والساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب التي تتوقع ولادتها. وفي الخبر "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة" وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى "إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم خرب الدنيا على أثره".

فضيلة المقام بمكة حرسها الله تعالى وكراهيته[عدل]

كره الخائفون المحتاطون من العلماء المقام بمكة لمعان ثلاثة الأول خوف التبرم والأنس بالبيت، فإن ذلك ربما يؤثر في تسكين حرقة القلب في الاحترام، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول: يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم. ولذلك هم عمر رضي الله عنه بمنع الناس من كثرة الطواف، وقال: خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت الثاني تهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العودة فإن الله تعالى جعل البيت مثابة للناس وأمناً أي يثوبون ويعودون إليه مرة بعد أخرى ولا يقضون منه وطراً. وقال بعضهم تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر. وقال بعض السلف: كم من رجل بخراسان وهو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به? ويقال: إن لله تعالى عباداً تطوف بهم الكعبة تقرباً إلى الله عز وجل الثالث الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك مخطر وبالحري أن يورث مقت الله عز وجل لشرف الموضع. وروي عن وهيب بن الورد المكي قال: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاماً بين الكعبة والأستار يقول إلى الله أشكو ثم إليك يا جبرائيل ما ألقى من الطائفين حولي من تفكرهم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مكة وتلا قوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" أي أنه على مجرد الإرادة. ويقال: إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات. وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم، وقيل: الكذب أيضاً وقال ابن عباس: لأن أذنب سبعين ذنباً بركية أحب إلي من أن أذنب ذنباً واحداً بمكة. وركية منزل بين مكة والطائف. والخوف ذلك انتهى بعض المقيمين إلى أن لم يقض حاجته في الحرم بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة. وبعضهم أقام شهراً وما وضع جنبه على الأرض. وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجور دور مكة. ولا تظنن أن كراهة المقام يناقض فضل البقعة لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام بحق الموضع فمعنى قولنا إن ترك المقام به أفضل أي بالإضافة إلى مقام مع التقصير والتبرم، أما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات! وكيف لا ولما عاد رسول الله ﷺ إلى مكة استقبل الكعبة وقال "إنك لخير أرض الله عز وجل وأحب بلاد الله تعالى إلي ولولا أني أخرجت منك لما خرجت" وكيف لا والنظر إلى البيت عبادة والحسنات فيها مضاعفة كما ذكرناه.

فضيلة المدينة الشريفة على سائر البلاد[عدل]

ما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله ﷺ فالأعمال فيها أيضاً مضاعفة قال ﷺ "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وكذلك كل عمل بالمدينة بألف وبعد مدينته الأرض المقدسة فإن الصلاة فيها بخمسمائة صلاة فيما سواها إلا المسجد الحرام، وكذلك سائر الأعمال. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال "صلاة في مسجد المدينة بعشرة آلاف صلاة وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" وقال ﷺ "من صبر على شدتها ولأوائها كنت له شفيعاً يوم القيامة" وقال ﷺ "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لن يموت بها أحد إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة" وما بعد هذه البقاع الثلاث فالمواضع فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام بها للمرابطة فيها فيه فضل عظيم. ولذلك قال ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" وقد ذهب بعض العلماء إلى الاستدلال بهذا الحديث في المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصلحاء. وما تبين لي أن الأمر كذلك بل الزيارة مأمور بها قال ﷺ "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً" والحديث إنما ورد في المساجد وليس في معناها المشاهد، لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر، وأما المشاهد فلا تتساوى بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله عز وجل، نعم لو كان في موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد وينتقل إليه بالكلية إن شاء ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحال إلى قبور الأنبياء عليهم السلام مثل إبراهيم وموسى ويحيى وغيرهم عليهم السلام، فالمنع من ذلك في غاية الإحالة، فإذا جوز هذا فقبور الأولياء والعلماء والصلحاء في معناها، فلا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد؛ هذا في الرحلة. أما في المقام فالأولى بالمريد أن يلازم مكانه إذا لم يكن قصده من السفر استفادة العلم مهما سلم له حاله في وطنه؛ فإن لم يسلم فيطلب من المواضع ما هو أقرب إلى الخمول وأسلم للدين وأفرغ للقلب وأيسر للعبادة فهو أفضل المواضع له، قال ﷺ "البلاد بلاد الله عز وجل والخلق عباده فأي موضع رأيت فيه رفقاً فأقم واحمد الله تعالى" وفي الخبر "من بورك له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه" وقال أبو نعيم: رأيت سفيان الثوري وقد جعل جرابه على كتفه وأخذ نعليه بيده فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله? قال: إلى بدل أملأ فيه جرابي بدرهم. وفي حكاية أخرى بلغني عن قرية فيها رخص أقيم فيها، قال فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله? فقال: نعم إذا سمعت برخص في بلد فاقصده فإنه أسلم لدينك وأقل لهمتك، وكان يقول هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين? هذا زمان تنقل يتنقل الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن. ويحكى عنه أنه قال: والله ما أدري أي البلاد أسكن? فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة، قيل: فالشام، قال: يشار إليك بالأصابع - أراد الشهرة - قيل? فالعراق، قال: بلد الجبابرة، قيل: مكة، قال: مكة تذيب الكيس والبدن. وقال له رجل غريب: عزمت على المجاورة بمكة فأوصني، قال: أوصيك بثلاث: لا تصلين في الصف الأول ولا تصحبن قرشياً ولا تظهرن صدقة. وإنما كره الصف الأول لأنه يشتهر فيفتقد إذا غاب فيختلط بعمله التزين والتصنع.

الفصل الثاني[عدل]

في شروط وجوب الحج وصحة أركانه وواجباته ومحظوراته[عدل]

أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان: الوقت والإسلام. فيصح حج الصبي ويحرم بنفسه إن كان مميزاً ويحرم عنه وليه إن كان صغيراً ويفعل في الحج من الطواف والسعي وغيره. وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة وجميع السنة وقت العمرة، ولكن من كان معكوفاً على النسك فلا ينبغي أن يحرم بالعمرة لأنه لا يتمكن من الاشتغال عقيبه لاشتغاله بأعمال منى. وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فخمسة: الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والوقت. فإن أحرم الصبي أو العبد ولكن عتق العبد وبلغ الصبي بعرفة أو بمزدلفة وعاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أجزأهما عن حجة الإسلام لأن الحج عرفة، وليس عليهما دم إلا شاة. وتشترط هذه الشرائط في وقوع العمرة عن فرض الإسلام متقدم، ثم القضاء لمن أفسده في حالة الوقوف؛ ثم النذر، ثم النيابة، ثم النفل؛ وهذا الترتيب مستحق، وكذلك يقع وإن نوى خلافه. وأما شروط لزوم الحج فخمسة: البلوغ والإسلام والعقل والحرية والاستطاعة. ومن لزمه فرض الحج لزمه فرض العمرة. ومن أراد دخول مكة لزيارة أو تجارة ولم يكن حطاباً لزمه الإحرام على قول ثم يتحلل بعمل عمرة أو حج وأما الاستطاعة فنوعان: أحدهما المباشرة وذلك له أسباب أما في نفسه فبالصحة، وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ولا عدو قاهر، وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه - كان له أهل أو لم يكن - لأن مفارقة الوطن شديدة وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة وأن يملك ما يقضي به ديونه وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة وأما النوع الثاني: فاستطاعة المعضوب بماله وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه. ويكفي نفقة الذهاب بزاملة في هذا النوع، والابن إذا عرض طاعته على الأب الزمن صار به مستطيعاً ولو عرض ماله لم يصر به مستطيعاً؛ لأن الخدمة بالبدن فيها شرف للولد، وبذل المال فيه منة على الوالد. ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير ولكنه فيه على خطر فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه? وإن مات قبل الحج لقي الله عز وجل عاصياً بترك الحج، وكان الحج في تركته يحج عنه وإن لم يوص كسائر ديونه. وإن استطاع في سنة فلم يخرج مع الناس وهلك ماله في تلك السنة - قبل حج الناس - ثم يمات لقي الله عز وجل ولا حج عليه. ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى. قال عمر رضي الله عنه: لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلاً. وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: لو علمت رجلاً غنياً وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه. وكان ابن عباس يقول: من مات ولم يزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا وقرأ قوله عز وجل "رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال: الحج وأما الأركان التي لا يصح الحج بدونها فخمسة: الإحرام والطواف والسعي بعده والوقوف بعرفة والحلق بعده على قول وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف والواجبات المجبورة بالدم ست: الإحرام من الميقات فمن تركه وجاوز الميقات محلاً فعليه شاة والرمي فيه الدم قولاً واحداً، وأما الصبر بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى وطواف الوداع فهذه الأربعة يجبر تركها بالدم على أحد القولين، وفي القول الثاني فيهادم على وجه الاستحباب. وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة الأول الإفراد وهو الأفضل وذلك أن يقدم الحج وحده فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم واعتمر. وأفضل الحل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية. وليس على المفرد دم إلا أن يتطوع الثاني القران وهو أن يجمع فيقول "لبيك بحجة وعمرة معاً" فيصير محرماً بهما ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج كما يندرج الوضوء تحت الغسل؛ إلا أنه إذا طاف وسعى قبل الوقوف بعرفة فسعيه محسوب من النسكين وأما طوافه فغير محسوب، لأن شرط الطواف الفرض في الحج أن يقع بعد الوقوف. وعلى القارن دم شاة إلا أن يكون مكياً فلا شيء عليه لأنه لم يترك ميقاته إذ ميقاته مكة الثالث التمتع وهو أن يجاوز الميقات محرماً بعمرة ويتحلل بمكة ويتمتع بالمحظورات إلى وقت

الحج ثم يحرم بالحج ولا يكون متمتعاً إلا بخمس شرائط. أحدها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. الثاني. أن يقدم العمرة على الحج. الثالث. أن تكون عمرته في أشهر الحج. الرابع: أن لا يرجع إلى ميقات الحج ولا إلى مثل مسافته لإحرام الحج. الخامس: أن يكون حجه وعمرته عن شخص واحد فإذا وجدت هذه الأوصاف كان متمتعاً ولزمه دم شاة؛ فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو متتابعة وسبعة إذا رجع إلى الوطن، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى الوطن صام العشر تتابعاً أو متفرقاً وبدل دم القران والتمتع سواء. والأفضل الإفراد ثم التمتع ثم القران. وأما محظورات الحج والعمرة فستة؛ الأول: اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة بل ينبغي أن يلبس إزاراً ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فمكعبين فإن لم يجحد إزاراً فسراويل ولا بأس بالمنطقة والاستظلال في المحمل ولكن لا ينبغي أن يغطي رأسه فإن إحرامه في الرأس وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن إحرامها في وجهها. الثاني الطيب فليجتنب كل ما يعده العقلاء طيباً فإن تطيب أو لبس فعليه دم شاة. الثالث: الحلق والقلم وفيهما الفدية أعني دم الشاة، ولابأس بالكحل ودخول الحمام والفصد والحجامة وترجيل الشعر، الرابع: الجماع وهو مفسد قبل التحلل الأول وفيه بدنة أو بقرة أو سبع شياه وإن كان بعد التحلل الأول لزمه البدنة ولم يفسد حجه. والخامس: مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة التي تنقض الطهر مع النساء فهو محرم وفيه شاة وكذا في الاستمناء، ويحرم النكاح والإنكاح ولا دم فيه لأنه لا ينعقد. السادس: قتل صيد البر أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال والحرام فإن قتل صيداً فعليه مثله من النعم يراعى فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ولا جزاء فيه.