إحياء علوم الدين/كتاب آداب الأكل/الباب الرابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إحياء علوم الدين
كتاب آداب الأكل - الباب الرابع
المؤلف: أبو حامد الغزالي



الباب الرابع

في آداب الضيافة


ومظان الآداب فيها ستةٌ:الدعوة أولاً ثم الإجابة ثم الحضور ثم تقديم الطعام ثم الأكل ثم الانصراف ولنقدم على شرحها إن شاء الله تعالى.

فضيلة الضيافة: قال ﷺ "لا تكلفوا الضيف فتبغضوه فإنه من أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله" وقال ﷺ "لا خير فيمن لا يضيف" ومر رسول الله ﷺ برجل له إبل وبقر كثيرة فلم يضفه ومر بامرأة لها شويهات فذبحت له فقال ﷺ "انظروا إليهما إنما هذه الأخلاق بيد الله فمن شاء أن يمنحه خلقاً حسناً فعل" وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ إنه نزل به ﷺ ضيف فقال. "قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئاً من الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله ما أسلفه إلا برهن فأخبرته فقال؛ والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني لأديته فاذهب بدرعي وارهنه عنده" وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا أراد ان يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغدى عنده وكان يكنى أبا الضيفان، ولصدق نيته فيه دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا، فلا تنقضي ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة. وقال قوام الموضع إنه لم يخل إلى الآن ليلة عن ضيف وسئل رسول الله ﷺ: ما الإيمان? فقال: "إطعام الطعام وبذل السلام" وقال ﷺ "في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام" وسئل عن الحج المبرور فقال "إطعام الطعام وطيب الكلام" وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة. والأخبار الواردة في فضل الضيافة والإطعام لا تحصى فلنذكر آدابها.

أما الدعوة:فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال ﷺ "أكل طعامك الأبرار" في دعائه لبعض من دعا له وقال ﷺ " لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي" ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص. قال ﷺ "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء" وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيجاش وقطع رحم وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيجاشاً لقلوب الباقين. وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله ﷺ في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين. وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب. وينبغي أن لا يدعو إلا من أحب إجابته قال سفيان: من دعا أحداً إلى الطعام وهو يكره الإجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان. لأنه حمله على الأكل مع كراهة ولو علم ذلك لما كان يأكله. وإطعام التقي إعانة على الطاعة وإطعام الفاسق تقوية على الفسق. قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة? قال: لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة نفسهم. وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع. قال ﷺ "لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت".

وللإجابة خمسة آداب: الأول: أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإجابة وقال: انتظار المرقة ذل، وقال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي ومن المتكبرين من يجيب الأغنياء دون الفقراء وهو. خلاف السنة. كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين "ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله عليه وسلم فقال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب وقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم. وأما قول القائل إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي؛ فقد قال بعضهم هذا خلاف السنة وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد منة وكان يرى ذلك يداً له على المدعو. ورسول الله ﷺ كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفاً وذخراً لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أن يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاةً أو تكلفاً فليس من السنة إجابته بل الأولى التعلل، ولذلك قال بعض الصوفية. لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه. وقال سري السقطي رحمه الله: آه على لقمة ليس علي لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة. فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد. وقال أبو تراب النخشي رحمة الله عليه: عرض علي طعام فامتنعت فابتليت بالجوع أربعة عشرة يوماً فعلمت أنه عقوبته. وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه كل من دعاك تمر إليه فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني.

الثاني: أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك. يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ميلاً عد مريضاً سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخاً في الله. وإنما قدم الدعوة والزيارة لأن فيه قضاء حق الحي فهو أولى من الميت وقال ﷺ "لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت" وهو موضع على أميال من المدينة أفطر فيه رسول الله ﷺ في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره.

الثالث: ألا يمتنع لكونه صائماً فليحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل. وقد قال ﷺ لمن امتنع بعذر الصوم "تكلف لك أخوك وتقول إني صائم" وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما:من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم. ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب. وقد قيل الكحل والدهن أحد القرائين.

الرابع: أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال،أو كان يقام في الموضع منكر من فرش ديباج أو إناء فضة أو تصوير حيوان على سقف أو حائط أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التشاغل بنوع من اللهو والعزف والهزل واللعب واستماع الغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب تحريمها أو كراهيتها،وكذلك إذا كان الداعي ظالماً أو مبتدعاً أو فاسقاً أو شريراً أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر.

الخامس: أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملاً في أبواب الدنيا بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة وذلك بأن تكون نيته الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ في قوله "لو دعيت إلى كراع لأجبت" وينوي الحذر من معصية الله تعالى لقوله ﷺ "من لم يجب الداعي فقد عصى الله ورسوله" وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعاً لقوله ﷺ "من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله" وينوي إدخال السرور على قلبه امتثالاً لقوله ﷺ "من سر مؤمناً فقد سر الله" وينوي مع ذلك زيارته ليكون من المتحابين في الله إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التزاور والتباذل لله. وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضاً،وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه. فهذه ست نيات تلحق إجابته بالقربات آحادها فكيف مجموعها? وكان بعض السلف يقول:أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب وفي مثل هذا قال ﷺ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" والنية إنما تؤثر في المباحات والطاعات أما المنهيات فلا. فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع النية ولم يجز أن يقال الأعمال بالنيات. بل لو قصد بالغزو الذي هو طاعة المباهاة وطلب المال انصرف عن جهة الطاعة. وكذلك المباح المردد بين وجوه الخيرات وغيرها يلتحق بوجوه الخيرات بالنية فتؤثر النية في هذين القسمين لا في القسم الثالث.

وأما الحضور: فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد،ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراماً فليتواضع قال ﷺ "إن من التواضع لله الرضى بالدون من المجلس" ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء وسترهم. ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره. ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس. وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء، كذلك فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما. وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال:الغسل قبل الطعام لرب البيت أولى: لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل وفي آخر الطعام يتأخر بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه. وإذا دخل فرأى منكراً غيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف. والمنكر فرش الديباج واستعمال أواني الفضة والذهب والتصوير على الحيطان وسماع الملاهي والمزامير وحضور النسوة المتكشفات الوجوه وغير ذلك من المحرمات حتى قال أحمد رحمه الله:إذا رأى مكحلةً رأسها مفضض ينبغي أن يخرج، ولم يأذن في الجلوس إلا في ضبة وقال: إذا رأى كلةً فينبغي أن يخرج فإن ذلك تكلف لا فائدة فيه ولا تدفع حراً ولا برداً ولا تستر شيئاً؛وكذلك قال:يخرج إذا رأى حيطان البيت مستورة بالديباج كما تستر الكعبة. وقال:إذا اكترى بيتاً فيه صورة أو دخل الحمام ورأى صورة فينبغي أن يحكها فإن لم يقدر خرج. وكلما ذكره صحيح وإنما النظر في الكلة وتزيين الحيطان بالديباج فإن ذلك لا ينتهي إلى التحريم إذ الحرير يحرم على الرجال قال رسول الله ﷺ "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها" وما على الحائط ليس منسوباً إلى الذكور ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة بل الأولى إباحته بموجب قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله" لا سيما في وقت الزينة إذا لم يتخذ عادة للتفاخر. وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه ولا يحرم على الرجال الانتفاع بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري والنساء. والحيطان في معنى النساء إذ لسن موصوفات بالذكورة.

وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة: الأول: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ومهما حضر الكثيرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير؛إلا أن يكون المتأخر فقيراً أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس في التأخير وأحد المعنتين في قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين" أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى: "فما لبث أن جاء بعجل حنيذ" وقوله "فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" والروغان: الذهاب بسرعة وقيل في خفية. وقيل جاء بفخذ من لحم وإنما سمي عجلاً لأنه عجله ولم يلبث. . قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله ﷺ إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب ويستحب التعجيل في الوليمة. قيل الوليمة في أول يوم سنة وفي الثاني معروف وفي الثالث رياء.

الثاني: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالةً فينبغي أن تقع في أسفل المعدة. وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى "وفاكهة مما يتخيرون" ثم قال "ولحم طير مما يشتهون" ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال عليه السلام "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات. ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ. أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه. وهو أحد معنى الإكرام أعني تقديم اللحم. وقال تعالى في وصف الطيبات "وأنزلنا عليكم المن والسلوى" المن: العسل، والسلوى: اللحم؛ سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الإدام ولا يقوم غيره مقامه ولذلك قال ﷺ " كلوا من طيبات ما رزقناكم" فاللحم والحلاوة من الطيبات. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضا عن الله. وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل. قال المأمون: شرب الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعض الأدباء: إذا دعوت إخوانك فأطعمتهم حصرمية وبورانية وسقيتهم ماءً بارداً فقد أكملت الضيافة. وأنفق بعضهم دراهم في ضيافة، فقال بعض الحكماء: لم نكن نحتاج إلى هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً فهو كفاية. وقال بعضهم: الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين. ويقال أن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل فذلك أيضاً مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة. وفي الخبر: إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من البقول إلا الكرات، وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح، وسبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان، فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة.

الثالث: أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل. وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي. وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه. ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان. وقال بعض الشيوخ: قدم إلى بعض المشايخ لوناً بالشام فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخراً، فقال: وكذا عندنا بالشام، ولم يكن له لون غيره فخجلت منه. وقال آخر: كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حملاً، بالطست ولم يقدم غيرها، فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحاً: إن الله تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعاً نطلب فتيتاً إلى السحور. فلهذا يستحب أن يقدم الجميع أو يخبره بما عنده.

الرابع: أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة وهي من التمكن على المائدة التي يقال إنها خير من لونين فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان. حكى عن الستوري وكان صوفياً مزاحاً فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل وكان صاحب المائدة بخل فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق ضاق صدره وقال: يا غلام ارفع إلى الصبيان، فرفع الحمل إلى داخل الدار فقام الستوري يعدو خلف الحمل فقيل له: إلى أين? فقال: آكل مع الصبيان فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل. ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلاً. كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأكل وقال. بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم، وكان السلف يستحسنون ذلك منه.

الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنع ومراءاة لاسيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن يأكلوا الكل إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن يتبرك بفضلة طعامهم إذ في الحديث لا يحاسب عليه. أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاماً كثيراً على مائدته فقال له سفيان: يا أبا إسحق أما تخاف أن يكون هذا سرفاً? فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. فإن لم تكن هذه النية فالتكثير تكلف. قال ان مسعود رضي اله عنه: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة. ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله ﷺ فضلة طعام قط لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع. وينبغي أن يعزل أولاً نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم. وما بقي من الأطعمة فليس للضيفان أخذه وهو الذي تسميه الصوفية الزلة إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راض أو علم ذلك بقرينة حاله وأنه يفرح به فإن كان يظن كراهية فلا ينبغي أن يؤخذ وإذا علم رضاه فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء، فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه أو ما يرضى به رفيقه عن طوع لا عن حياء.

فأما الانصراف: فله ثلاثة آداب: الأول: أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وقد أمر بإكرامه قال عليه الصلاة والسلام" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" وقال عليه السلام"إن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار" قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله فقال: "كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم" وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج على المائدة. قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف? قال طلاقة الوجه وطيب الحديث. وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حسناً وأطعمنا حسناً الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق والتواضع قال ﷺ "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول فلما سمع حضر وكانوا قد تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل وقال: قد غسلتها? فانصرف يحمد الله تعالى فقيل له في ذلك فقال: قد أحسن الرجل دعانا بنية وردنا بنية فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق. وحكى أن أستاذ أبى القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات فرده الأب في المرات الأربع وهو يرجع في كل مرة تطيباً لقلب الصبي بالحضور ولقلب الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى واطمأنت بالتوحيد وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها فلا تنكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكل من الواحد القهار. ولذلك قال بعضهم: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه.

الثالث: أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعى قلبه في قدر الإقامة وإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى إخراجه قال ﷺ "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة" نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل. قال رسول الله ﷺ "فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان"

فصل

يجمع آداباً ومناهي طبية وشرعية متفرقة

الأول: حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الأكل في السوق دناءة، وأسنده إلى رسول الله ﷺ وإسناده قريب. وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. ورئي بعض المشايخ من المتصوفة يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال: ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت، فقيل تدخل المسجد? قال أستحي أن أدخل بيته للأكل فيه. ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه، وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعماله في ترك التكلف كان ذلك منه تواضعاً.

الثاني: قال علي رضي الله عنه:من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء، ومن أكل في يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبةً حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه واللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب والبسقارجات تعظم البطن وترخي الأليتين،ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء، ولن تستشفي النفساء بشيء أفضل من الرطب، والسمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن والسواك يذهبان البلغم، ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء وليكرر العشاء وليلبس الحذاء،ولن يتداوى الناس بشيء مثل السمن وليقل غشيان النساء وليخف الرداء وهو الدين.

الثالث: قال الحجاج لبعض الأطباء: صف لي صفةً آخذ بها ولا أعدوها قال: لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتياً ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواءً إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها،ولا تأكلن طعاماً إلا أجدت مضغه،وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه شيئاً،ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة. وفي معناه قول العرب: تغد تمد تعش تمش يعني تمدد كما قال الله تعالى: "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" أي يتمطط. ويقال إن حبس البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه.

الرابع: في الخبر: "قطع العروق مسقمة وترك العشاء مهرمة" والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكاذة - يعني الآلية - وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغذى، إذ به يبقى الحلم ويزول الطيش وهو أيضاً أقل لشهوته لما يرى في السوق. وقال حكيم لسمين: أرى عليك قطيفةً من نسج أضراسك فمم هي? قال من أكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان.

الخامس: الحمية تضر بالصحيح كما يضر تركها بالمريض، هكذا قيل. وقال بعضهم: من احتمى فهو على يقين من المكروه وعلى شك من العوافي،وهذا حسن في حال الصحة ورأى رسول الله ﷺ صهيباً يأكل تمراً وإحدى عينيه رمداء فقال:أتأكل التمر وأنت رمد? فقال:يا رسول الله إنما آكل بالشق الآخر يعني جانب السليمة فضحك رسول الله ﷺ.

السادس: أنه يستحب أن يحمل طعام إلى أهل الميت، ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب قال عليه السلام: "إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون" فذلك سنة. وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه ما يهيأ للنوائح والمعينات بالبكاء والجزع فلا ينبغي أن يؤكل معهم.

السابع: لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل ولا يقصد الطعام الأطيب رد بعض المزكين شهادة من حضر طعام سلطان فقال: كنت مكرهاً ، فقال: رأيتك تقصد الأطيب وتكبر اللقمة وما كنت مكرهاً عليه? وأجبر السلطان هذا المزكي على الأكل فقال: إما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل فلم يجدوا بداً من تزكيته فتركوه . وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياماً في السجن فكانت له أخت في الله فبعثت إليه طعاماً من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل، فعاتبته المرأة بعد ذلك فقال: كان حلال ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد السجان وهذا غاية الورع.

الثامن: حكي عن فتح الموصلي رحمه الله أنه دخل على بشر الحافي زائراً فأخرج بشر درهماً فدفعه لأحمد الجلاء خادمه وقال: اشتر به طعاماً جيداً وأدماً طيباً، قال: فاشتريت خبزاً نظيفاً وقلت: لم يقل رسول الله ﷺ لشيء اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه سوى اللبن فاشتريت اللبن واشتريت تمراً جيداً فقدمت إليه فأكل وأخذ الباقي. فقال بشر: أتدرون لم قلت اشتر طعاماً? لأن الطعام الطيب يستخرج خالص الشكر، أتدرون لم لم يقل لي كل? لأنه ليس للضيف أن يقول لصاحب الدار كل، أتدرون لم حمل ما بقي? لأنه إذا صح التوكل لم يضر الحمل. وحكى أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى أنه اتخذ ضيافة فأوقد فيها ألف سراج فقال له رجل: قد أسرفت فقال له: ادخل فكل ما أوقدته لغير الله فأطفئه فدخل الرجل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع. واشترى أبو علي الروذباري أحمالاً من السكر وأمر الحلاويين حتى بنوا جداراً من السكر عليه شرف وَمحاريب على أعمدة منقوشة كلها من سكر ثم دعا الصوفية حتى هدموها وانتهبوها.

التاسع: قال الشافعي رضي الله عنه الأكل على أربعة أنحاء: الأكل بإصبع من المقت، وبإصبعين من الكبر، وبثلاث أصابع من السنة، وبأربع وخمس من الشره. وأربعة أشياء تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة. وأربعة تقوي البصر: الجلوس تجاه القبلة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس. وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر، والنظر إلى المصلوب، والنظر إلى فرج المرأة، والقعود في استدبار القبلة. وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير، وأكل الإطريفل الأكبر، وأكل الفستق، وأكل الجرجير،. والنوم على أربعة أنحاء: فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات والأرض، ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد، ونوم على الشمال وهو نوم الملوك لهضمهم طعامهم، ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين. وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين والعلماء. وأربعة هن من العبادة: لا يخطو خطوةً إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم المساجد وكثرة قراءة القرآن. وقال أيضاً: عجبت لمن يدخل الحمام على الريق ثم يؤخر الأكل بعد أن يخرج كيف لا يموت? وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الأكل كيف لا يموت? وقال:لم أر شيئاً أنفع في الوباء من البنفسج يدهن به ويشرب. والله أعلم بالصواب.