إحياء علوم الدين/كتاب آداب الأكل/الباب الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إحياء علوم الدين
كتاب آداب الأكل - الباب الثالث
المؤلف: أبو حامد الغزالي



الباب الثالث

في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين


تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير. قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فتقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير. قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم. وقال الحسن رحمه الله: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله يستحي أن يسأله عن ذلك. هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام قال ﷺ "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم مادامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع" وروي عن بعض علماء خراسان: أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاماً كثيراً لا يقدرون على أكل جميعه وكان يقول بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك" فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك. لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه" وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده. وفي الخبر "ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان" وقال علي رضي الله عنه "لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق. وقيل اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا. وفي الخبر يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة "يا ابن آدم جعت فلم تطعمني فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين? فيقول: جاع أخوك فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني" وقال ﷺ "إذا جاءكم الزائر فأكرموه" وقال ﷺ "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام" وقال ﷺ "خيركم من أطعم الطعام" وقال ﷺ "من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار بسبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمس مائة عام".

وأما آدابه: فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام. أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوماً متربصاً لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهى عنه قال الله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه" يعني منتظرين حينه ونضجه. وفي الخبر: من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراما ولكن حق الداخل إذا لم يتربص وأتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له: كل نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد، وإن كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل، بل ينبغي أن يتعلل، أما إذا كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به. قصد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعاً والدخول على مثل هذه الحالة إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف وكان عون بن عبد الله المسعودي له ثلاثمائة وستون صديقاً يدور عليهم في السنة ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر ولآخر سبعة يدور عليهم في الجمعة فكان إخوانهم معلومهم بدلاً عن كسبهم وكان قيام أولئك بهم على قصد التبرك عبادة لهم فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقاً بصداقته عالماً بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه، إذا المراد من الإذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة. فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه. ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب. وقد قال تعالى "أو صديقكم" ودخل رسول الله ﷺ دار بريرة وأكل طعامها وهي غائبة وكان الطعام من الصدقة فقال؛ "بلغت الصدقة محلها" وذلك لعلمه بسرورها بذلك. لذلك يجوز أن يدخل الدار بغير استئذان اكتفاء بعلمه بالإذن، فإن لم يعلم فلابد من الاستئذان أولاً ثم الدخول. وكان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن. وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول: هكذا كنا. وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائماً يأكل من متاع بقالٍ في السوق يأخذ من هذه الجونة تينةً ومن هذه قسبةً فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيدٍ في الورع تأكل متاع رجلٍ بغير إذن? فقال:يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى "أو صديقكم" فقال: فمن الصديق يا أبا سعيدٍ? قال: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب . ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول: ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال. كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئاً فقيل له قد أخذ فلان فقال:قد أحسن فلما لقيه قال:يا أخي إن عادوا فعد. فهذه آداب الدخول.

وأما آداب التقديم: فترك التكلف أولاً وتقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم. دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال: لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه وقال بعض السلف في تفسير التكلف "أن تطعم أخاك مالا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة" وكان الفضيل يقول: "إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيمنعه من الرجوع إليه وقال بعضهم ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته. وقال بعضهم:كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه فإما أن تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء فقطع التكلف ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم. روي أن رجلاً دعا علياً رضي الله عنه فقال علي: أجيبك على ثلاث شرائط لا تدخل من السوق شيئا ولا تدخر ما في البيت ولا تجحف بعيالك وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك نوعا إلا ويحضر شيئا وقال بعضهم:دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزاً وخلاً وقال: لولا أن نهينا عن التكلف لتكلفت لكم وقال بعضهم: إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر. وقال سلمان أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا وأن نقدم إليه ما حضرنا وفي حديث يونس النبي ﷺ: أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسراً وجزلهم بقلاً كان يزرعه ثم قال لهم: "كلوا لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم" وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة: أنهم كانوا يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه?.

الأدب الثاني: وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه؛ كذلك السنة ففي الخبر أنه ما خير رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما وروى الأعمش عن أبي وائلٍ أنه قال:مضيت مع صاحبٍ لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعيرٍ وملحاً جريشاً؛فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح سعتراً كان أطيب،فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعتراً، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة. هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح، فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع الزعفراني إذ كان نازلاً عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لوناً آخر بخطه،فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال:ما أمرت بهذا? فعرضت عليه الرقعة ملحقاً فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سروراً باقتراح الشافعي عليه. وقال أبو بكر الكتاني: دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح فقلت له:أي شيءٍ تعمل وأنا أشربه كله في مرةٍ واحدةٍ? فضحك وقال:هذا أفضل لك من حجة. وقال بعضهم:الأكل على ثلاثة أنواع،مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب.

الأدب الثالث: أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضلٌ جزيلٌ. قال رسول الله ﷺ:"من صادف من أخيه شهوة غفر له ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى" وقال ﷺ فيما رواه جابر:"من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ وأطعمه الله من ثلاث جناتٍ جنة الفردوس وجنة عدنٍ وجنة الخلد". الأدب الرابع: أن لا يقول له:هل أقدم لك طعاماً? بل ينبغي أن يقدم كان. قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له:أتأكل? أو أقدم إليك? ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع. وإن كان يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو يصفه لهم. قال الثوري: إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك. وقال بعض الصوفية: إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب.