أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أعلام السنة المنشورة
لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون، وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون، بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ﷺ وعلى آله وصحبه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعلى التابعين لهم بإحسان، الذين لا ينحرفون عن السنة ولا يعدلون، بل إياها يقتفون وبها يتمسكون وعليها يوالون ويعادون، وعندها يقفون، وعنها يذبون ويناضلون، وعلى جميع من سلك سبيلهم وقفا أثرهم إلى يوم يبعثون.

أما بعد:

فهذا مختصر جليل نافع، عظيم الفائدة جم المنافع، يشتمل على قواعد الدين، ويتضمن أصول التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب، ولا نجاة لمن بغيره يدين، ويدل ويرشد إلى سلوك المحجة البيضاء ومنهج الحق المستبين، شرحت فيه أمور الإيمان وخصاله، وما يزيل جميعه أو ينافي كماله، وذكرت فيه كل مسألة مصحوبة بدليلها، ليتضح أمرها وتتجلى حقيقتها ويبين سبيلها، واقتصرت فيه على مذهب أهل السنة والاتباع، وأهملت أقوال أهل الأهواء والابتداع؛ إذ هي لا تذكر إلا للرد عليها، وإرسال سهام السنة عليها، وقد تصدى لكشف عوارها الأئمة الأجلة، وصنفوا في ردها وإبعادها المصنفات المستقلة، مع أن الضد يعرف بضده ويخرج بتعريف ضابطه وحده، فإذا طلعت الشمس لم يفتقر النهار إلى استدلال، وإذا استبان الحق واتضح فما بعده إلا الضلال، ورتبته على طريقة السؤال ليستيقظ الطالب وينتبه، ثم أردفه بالجواب الذي يتضح الأمر به ولا يشتبه، وسميته ( أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ) والله أسأل أن يجعله ابتغاء وجهه الأعلى، وأن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا، نعمة منه وفضلا، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير، وإليه المرجع والمصير، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.

1

س: ما أول ما يجب على العباد؟

ج: أول ما يجب على العباد معرفة الأمر الذي خلقهم الله له، وأخذ عليهم الميثاق به، وأرسل به رسله إليهم وأنزل به كتبه عليهم، ولأجله خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وبه حقت الحاقة ووقعت الواقعة، وفي شأنه تنصب الموازين وتتطاير الصحف، وفيه تكون الشقاوة والسعادة، وعلى حسبه تقسم الأنوار، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

2

س: ما هو ذلك الأمر الذي خلق الله الخلق لأجله؟

ج: قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } وقال تعالى { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } وقال تعالى: { وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وقال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الآيات.

3

س: ما معنى العبد؟

ج: العبد إن أريد به المعبَّد أي المذلل المسخر، فهو بهذا المعنى شامل لجميع المخلوقات من العوالم العلوية والسفلية: من عاقل وغيره، ورطب ويابس، ومتحرك وساكن، وظاهر وكامن، ومؤمن وكافر، وبر وفاجر، وغير ذلك. الكل مخلوق لله عز وجل، مربوب له، مسخر بتسخيره، مدبر بتدبيره، ولكل منها رسم يقف عليه، وحد ينتهي إليه، كل يجري لأجل مسمى لا يتجاوزه مثقال ذرة { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } وتدبير العدل الحكيم. وإن أريد به العابد المحب المتذلل خص ذلك بالمؤمنين الذي هم عباده المكرمون وأولياؤه المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

4

س: ما هي العبادة؟

ج: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة والبراءة مما ينافي ذلك ويضاده.

5

س: متى يكون العمل عبادة؟

ج: إذا أكمل فيه شيئان وهما كمال الحب مع كمال الذل، قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }.

6

س: ما علامة محبة العبد ربه عز وجل؟

ج: علامة ذلك أن يحب ما يحبه الله تعالى ويبغض ما يسخطه، فيمتثل أوامره ويجتنب مناهيه، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه، ولذا كان أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه.

7

س: بماذا عرف العباد ما يحبه الله ويرضاه؟

ج: عرفوه بإرسال الله تعالى الرسل وإنزاله الكتب، آمرا بما يحبه الله ويرضاه، ناهيا عما يكرهه ويأباه، وبذلك قامت عليهم حجته الدامغة، وظهرت حكمته البالغة، قال الله تعالى: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

8

س: كم شروط العبادة؟

ج: ثلاثة: الأول صدق العزيمة وهو شرط في وجودها، والثاني إخلاص النية، والثالث موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يدان إلا به، وهما شرطان في قبولها.

9

س: ما هو صدق العزيمة؟

ج: هو ترك التكاسل والتواني وبذل الجهد في أن يصدق قوله بفعله، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }.

10

س: ما معنى إخلاص النية؟

ج: هو أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، قال الله عز وجل: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } وقال تعالى: { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } وقال تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } وقال تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } وغيرها من الآيات.

11

س: ما هو الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يدان إلا به؟

ج: هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام، قال تبارك وتعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } وقال تعالى: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } وقال تعالى: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } وقال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وقال تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وغيرها من الآيات.

12

س: كم مراتب دين الإسلام؟

ج: هو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل واحد منها إذا أطلق شمل الدين كله.

13

س: ما معنى الإسلام؟

ج: معناه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، قال الله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } وقال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } وقال تعالى: { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ }.

14

س: ما الدليل على شموله الدين كله عند الإطلاق؟

ج: قال الله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } وقال النبي ﷺ: « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » [1] وقال ﷺ: « أفضل الإسلام إيمان بالله » [2] وغير ذلك كثير.

15

س: ما الدليل على تعريفه بالأركان الخمسة عند التفصيل؟

ج: قوله ﷺ في حديث سؤال جبريل إياه عن الدين: « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا » وقوله ﷺ: « بني الإسلام على خمس » فذكر هذه غير أنه قدم الحج على صوم رمضان وكلاهما في الصحيحين.

16

س: ما محل الشهادتين من الدين؟

ج: لا يدخل العبد في الدين إلا بهما، قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } وقال النبي ﷺ: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله » " [3] الحديث، وغير ذلك كثير.

17

س: ما دليل شهادة أن لا إله إلا الله؟

ج: قول الله تعالى: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وقوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } وقوله تعالى: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } وقوله تعالى: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ }. الآيات، وقوله تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا }. الآيات، وغيرها.

18

س: ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله؟

ج: معناها نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله تعالى وإثباتها لله عز وجل وحده لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه، قال الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }.

19

س: ما هي شروط شهادة أن لا إله إلا الله التي لا تنفع قائلها إلا باجتماعها فيه؟

ج: شروطها سبعة: الأول: العلم بمعناها نفيا وإثباتا. الثاني: استيقان القلب بها، الثالث: الانقياد لها ظاهرا وباطنا. الرابع: القبول لها فلا يرد شيئا من لوازمها ومقتضياتها. الخامس: الإخلاص فيها. السادس: الصدق من صميم القلب لا باللسان فقط. السابع: المحبة لها ولأهلها، والموالاة والمعاداة لأجلها.

20

س: ما دليل اشتراط العلم من الكتاب والسنة؟

ج: قول الله تعالى: { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ } أي بلا إله إلا الله، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم، وقول النبي ﷺ: « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة » [4]

21

س: ما دليل اشتراط اليقين من الكتاب والسنة؟

ج: قول الله عز وجل: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } إلى قوله { أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } وقول النبي ﷺ: « أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة » [5] وقال ﷺ لأبي هريرة: « من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة » [6] كلاهما في الصحيح.

22

س: ما دليل اشتراط الانقياد من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } وقال النبي ﷺ: « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » [7]

23

س: ما دليل اشتراط القبول من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله تعالى في شأن من لم يقبلها: { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ } إلى قوله: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ }. الآيات، وقال النبي ﷺ: « مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ». [8]

24

س: ما دليل اشتراط الإخلاص من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله تعالى: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } وقال تعالى: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ }. وقال النبي ﷺ: « أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه » [9] وقال النبي ﷺ: « إن الله تعالى حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله » " [10]

25

س: ما دليل الصدق من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله تعالى: { الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } إلى آخر الآيات، وقال النبي ﷺ: « ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار » [11] وقال للإعرابي الذي علمه شرائع الإسلام إلى أن قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله ﷺ: « أفلح إن صدق » [12]

26

س: ما دليل اشتراط المحبة من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وقال النبي ﷺ: « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار » [13]

27

س: ما دليل الموالاة لله والمعاداة لأجله؟

ج: قال الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } إلى قوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ } الآيتين، وقال تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الآية، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ } إلى آخر السورة، وغير ذلك من الآيات.

28

س: ما دليل شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ؟

ج: قول الله تعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } الآية، وقوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } وقوله تعالى: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } وغيرها من الآيات.

29

س: ما معنى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ؟

ج: هو التصديق الجازم من صميم القلب المواطئ لقول اللسان بأن محمدا عبده ورسوله إلى كافة الناس إنسهم وجنهم { شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } فيجب تصديقه في جميع ما أخبر به من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرم من حرام، والامتثال والانقياد لما أمر به، والكف والانتهاء عما نهى عنه، واتباع شريعته والتزام سنته في السر والجهر مع الرضا بما قضاه والتسليم له، وأن طاعته هي طاعة الله ومعصيته معصية الله؛ لأنه مبلغ عن الله رسالته ولم يتوفه الله حتى أكمل به الدين وبلغ البلاغ المبين وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وفي هذا الباب مسائل ستأتي إن شاء الله.

30

س: ما شروط شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ وهل تقبل الشهادة الأولى بدونها؟

ج: قد قدمنا لك أن العبد لا يدخل في الدين إلا بهاتين الشهادتين وأنهما متلازمتان، فشروط الشهادة الأولى هي شروط في الثانية، كما أنها هي شروط في الأولى.

31

س: ما دليل الصلاة والزكاة؟

ج: قال الله تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وقال تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } وقال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } الآية، وغيرهما.

32

س: ما دليل الصوم؟

ج: قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وقال تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } الآيات، وفي حديث الأعرابي: أخبرني ما فرض الله عليّ من الصيام. فقال: « شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا » الحديث.

33

س: ما دليل الحج؟

ج: قال الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وقال تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } وقال النبي ﷺ: « إن الله تعالى كتب عليكم الحج » [14] الحديث في الصحيحين، وتقدم حديث جبريل وحديث: « بني الإسلام على خمس » وغيرها كثير.

34

س: ما حكم من جحد واحدا منها أو أقر به واستكبر عنه؟

ج: يقتل كفرا كغيره من المكذبين والمستكبرين مثل إبليس وفرعون.

35

س: ما حكم من أقر بقواعد الإسلام الخمس ثم تركها لنوع تكاسل أو تأويل؟

ج: أما الصلاة فمن أخرها عن وقتها بهذه الصفة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل حدا لقوله تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وحديث: « أمرت أن أقاتل الناس » [15] الحديث وغيره، وأما الزكاة فإن كان مانعها ممن لا شوكة له أخذها الإمام منه قهرا ونكله بأخذ شيء من ماله؛ لقوله ﷺ: « ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله معها » [16] الحديث، وإن كانوا جماعة ولهم شوكة وجب على الإمام قتالهم حتى يؤدوها للآيات والأحاديث السابقة وغيرها، وفعله أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وأما الصوم فلم يرد فيه شيء ولكن يؤدبه الإمام أو نائبه بما يكون زجرا له ولأمثاله. وأما الحج فكل عمر العبد وقت له لا يفوت إلا بالموت، والواجب فيه المبادرة، وقد جاء الوعيد الأخروي في التهاون فيه، ولم ترد فيه عقوبة خاصة في الدنيا.

36

س: ما هو الإيمان؟

ج: الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويتفاضل أهله فيه.

37

س: ما الدليل على أنه قول وعمل؟

ج: قال الله تعالى: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } الآية، وقال تعالى: { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ }. وهذا معنى الشهادتين اللتين لا يدخل العبد في الدين إلا بهما، وهي من عمل القلب اعتقادا ومن عمل اللسان نطقا لا تنفع إلا بتواطئهما، وقال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، سمى الصلاة كلها إيمانا، وهي جامعة لعمل القلب واللسان والجوارح، وجعل النبي ﷺ الجهاد وقيام ليلة القدر وصيام رمضان وقيامه وأداء الخمس وغيرها من الإيمان، وسئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: « إيمان بالله ورسوله » [17]

38

س: ما الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه؟

ج: قوله تعالى: { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } - { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } - { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } - { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } - { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } - { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } - { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا } - { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } وغير ذلك من الآيات، وقال ﷺ: « لو أنكم تكونون في كل حالة كحالتكم عندي لصافحتكم الملائكة » [18] أو كما قال.

39

س: ما الدليل على تفاضل أهل الإيمان فيه؟

ج: قال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } إلى { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ } وقال تعالى: { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } وقال تعالى: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ }. الآيات، وفي حديث الشفاعة: أن الله « يخرج من النار من كان في قلبه وزن دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان ». وفي رواية: « يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة » [19]

40

س: ما الدليل على أن الإيمان يشمل الدين كله عند الإطلاق؟

ج: قال النبي ﷺ في حديث وفد عبد القيس: « آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا من المغنم الخمس » [20]

41

س: ما الدليل على تعريف الإيمان بالأركان الستة عند التفصيل؟

ج: قول النبي ﷺ لما قال له جبريل عليه السلام: « أخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره » [21]

42

س: ما دليلها من الكتاب جملة؟

ج: قال الله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } وقوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } وسنذكر إن شاء الله دليل كل على انفراده.

43

س: ما معنى الإيمان بالله عز وجل؟

ج: هو التصديق الجازم من صميم القلب بوجود ذاته تعالى الذي لم يسبق بضد ولم يعقب به، هو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، حي قيوم، أحد صمد { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } وتوحيده بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.

44

س: ما هو توحيد الإلهية؟

ج: هو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تعالى كائنا من كان، كما قال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } وقال تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } وقال تعالى: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } وغير ذلك من الآيات، وهذا قد وفت به شهادة أن لا إله إلا الله.

45

س: ما هو ضد توحيد الإلهية؟

ج: ضده الشرك، وهو نوعان: شرك أكبر ينافيه بالكلية، وشرك أصغر ينافي كماله.

46

س: ما هو الشرك الأكبر؟

ج: هو اتخاذ العبد من دون الله ندا يسويه برب العالمين يحبه كحب الله ويخشاه كخشية الله ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه ويرجوه ويرغب إليه ويتوكل عليه، أو يطيعه في معصية الله، أو يتبعه على غير مرضاة الله، وغير ذلك، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } وقال تعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } وقال تعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } وغير ذلك من الآيات، وقال النبي ﷺ: « حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا » وهو في الصحيحين. ويستوي في الخروج بهذا الشرك عن الدين المجاهر به ككفار قريش وغيرهم، والمبطن له كالمنافقين المخادعين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، قال الله تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }. وغير ذلك من الآيات.

47

س: ما هو الشرك الأصغر؟

ج: هو يسير الرياء الداخل في تحسين العمل المراد به الله تعالى، قال الله تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وقال النبي ﷺ: « أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » [22] فسئل عنه فقال: ( الرياء )، ثم فسره بقوله ﷺ: « يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه » [23] ومن ذلك الحلف بغير الله كالحلف بالآباء والأنداد والكعبة والأمانة وغيرها، قال ﷺ: « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد » [24] وقال ﷺ: « لا تقولوا والكعبة، ولكن قولوا ورب الكعبة » [25] وقال ﷺ: « لا تحلفوا إلا بالله » وقال ﷺ: « من حلف بالأمانة فليس منا » [26] وقال ﷺ: « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك » [27] وفي رواية: ( وأشرك ). ومنه قوله: ما شاء الله وشئت. وقال النبي ﷺ للذي قال ذلك: « أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده » [28] ومنه قول: لولا الله وأنت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا داخل على الله وعليك، ونحو ذلك. قال ﷺ: « لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان » [29] قال أهل العلم: ويجوز لولا الله ثم فلان، ولا يجوز لولا الله وفلان.

48

س: ما الفرق بين الواو وثم في هذه الألفاظ؟

ج: لأن العطف بالواو يقتضي المقارنة والتسوية، فيكون من قال: ما شاء الله وشئت، قارنًا مشيئة العبد بمشيئة الله مسويا بها، بخلاف العطف بثم المقتضية للتبعية، فمن قال: ما شاء الله ثم شئت، فقد أقر بأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، لا تكون إلا بعدها، كما قال تعالى: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وكذلك البقية.

49

س: ما هو توحيد الربوبية؟

ج: هو الإقرار الجازم بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره والمتصرف فيه، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا مضاد له ولا مماثل، ولا سمي له ولا منازع في شيء من معاني ربوبيته، ومقتضيات أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } الآيات، بل السورة كلها، وقال تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وقال تعالى: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } الآيات، وقال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقال تعالى: { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } وقال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ } الآيات، وقال تعالى: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } وقال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } وقال تعالى: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } وقال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }.

50

س: ما ضد توحيد الربوبية؟

ج: هو اعتقاد متصرف مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو جلب خير أو دفع شر أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته كعلم الغيب والعظمة والكبرياء ونحو ذلك، وقال الله تعالى: { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } الآيات، وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } الآية، وقال تعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } وقال تبارك وتعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } الآيات، وقال تعالى: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } وقال تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } وقال النبي ﷺ: « يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما أسكنته ناري » [30] وهو في الصحيح.

51

س: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟

ج: هو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه ووصف به رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت بلا كيف، كما جمع الله تعالى بين إثباتها ونفي التكييف عنها في كتابه في غير موضع كقوله تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } وقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } وقوله تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } وغير ذلك، وفي الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله عنه « أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ - يعنى لما ذكر آلهتهم - انسُبْ لنا ربك، فأنزل الله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } » والصمد الذي { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت ولا يورث { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }. قال: لم يكن له شبيه ولا عديل، وليس كمثله شيء. [31]

52

س: ما دليل الأسماء الحسنى من الكتاب والسنة؟

ج: قال الله عز وجل: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } وقال سبحانه: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } وقال عز وجل: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } وغيرها من الآيات، وقال النبي ﷺ: « إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة » [32] وهو في الصحيح، وقال النبي ﷺ: « أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي » [33] الحديث.

53

س: ما مثال الأسماء الحسنى من القرآن؟

ج: مثل قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } - { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } - { إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } - { إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } - { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } - { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } - { إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } - { وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ } - { إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } - { إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } - { إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } - { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } - { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } - { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } - { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } - { أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } - { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } - وقال تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } وقال تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وقوله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } وغيرها من الآيات.

54

س: ما مثال الأسماء الحسنى من السنة؟

ج: مثل قوله ﷺ: « لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم » [34] وقوله ﷺ: « يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا بديع السماوات والأرض » [35] وقوله ﷺ: « بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم » [36] وقوله ﷺ: « اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه » [37] الحديث، وقوله ﷺ: « اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، أنت الباطن فليس دونك شيء » [38] الحديث، وقوله ﷺ: « اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن » [39] الحديث، وقوله ﷺ: « اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » [40] وقوله ﷺ: « يا مقلب القلوب » [41] الحديث، وغير ذلك كثير.

55

س: على كم نوع دلالة الأسماء الحسنى؟

ج: هي على ثلاثة أنواع، دلالتها على الذات مطابقة، ودلالتها على الصفات المشتقة منها تضمنا، ودلالتها على الصفات التي ما اشتقت منها التزاما.

56

س: ما مثال ذلك؟

ج: مثال ذلك اسمه تعالى الرحمن الرحيم يدل على ذات المسمى، وهو الله عز وجل مطابقة، وعلى الصفة المشتق منها وهي الرحمة تضمنا، وعلى غيرها من الصفات التي لم تشتق منها كالحياة والقدرة التزاما، وهكذا سائر أسمائه، وذلك بخلاف المخلوق، فقد يسمى حكيما وهو جاهل، وحكما وهو ظالم، وعزيزا وهو ذليل، وشريفا وهو وضيع وكريما وهو لئيم، وصالحا وهو طالح، وسعيدا وهو شقي، وأسدا وحنظلة وعلقمة وليس كذلك، فسبحان الله وبحمده هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه.

57

س: على كم قسم دلالة الأسماء الحسنى من جهة التضمن؟

ج: هي على أربعة أقسام، الأول: الاسم العلم المتضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى وهو الله، ولهذا تأتي الأسماء جميعها صفات له كقوله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } ونحو ذلك، ولم يأت هو قط تابعا لغيره من الأسماء. الثاني: ما يتضمن صفة ذات الله عز وجل كاسمه تعالى السميع المتضمن سمعه، الواسع جميع الأصوات، سواء عنده سرها وعلانيتها، واسمه البصير المتضمن بصره النافذ في جميع المبصرات سواء دقيقها وجليلها، واسمه العليم المتضمن علمه المحيط الذي { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ }. واسمه القدير المتضمن قدرته على كل شيء إيجادا وإعداما، وغير ذلك. الثالث: ما يتضمن صفة فعل الله كالخالق الرازق البارئ المصور وغير ذلك. الرابع: ما يتضمن تنزهه تعالى وتقدسه عن جميع النقائص كالقدوس السلام.

58

س: كم أقسام الأسماء الحسنى من جهة إطلاقها على الله عز وجل؟

ج: منها ما يطلق على الله مفردا أو مع غيره، وهو ما تضمن صفة الكمال بأي إطلاق، كالحي القيوم الأحد الصمد ونحو ذلك، ومنها ما لا يطلق على الله إلا مع مقابله، وهو ما إذا أفرد أوهم نقصا كالضار النافع، والخافض الرافع، والمعطي المانع، والمعز المذل، ونحو ذلك، فلا يجوز إطلاق الضار ولا الخافض ولا المانع ولا المذل على انفراده، ولم يطلق قط شيء منها في الوحي كذلك لا في الكتاب ولا في السنة، ومن ذلك اسمه تعالى المنتقم، لم يطلق في القرآن إلا مع متعلقه كقوله تعالى: { إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ } أو بإضافة ذو إلى الصفة المشتق منها كقوله تعالى: { وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }.

59

س: تقدم أن صفات الله تعالى منها ذاتية وفعلية، فما مثال صفات الذات من الكتاب؟

ج: مثل قوله تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }، { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }، { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ }، { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }، { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا }، { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }، { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ }، { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ }، وغير ذلك.

60

س: ما مثال صفات الذات من السنة؟

ج: كقوله ﷺ: « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه » [42] وقوله ﷺ: « يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض أو القبض، يرفع ويخفض » [43] وقوله ﷺ في حديث الدجال: « إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور » [44] وأشار بيده إلى عينه. الحديث، وفي حديث الاستخارة: « اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب » [45] الحديث، وقوله ﷺ: « إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعا بصيرا قريبا » [46] وقوله ﷺ: « إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي » [47] الحديث، وفي حديث البعث: « يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك » [48] الحديث، وأحاديث كلام الله لعباده في الموقف، وكلامه لأهل الجنة وغير ذلك ما لا يحصى.

61

س: ما مثال صفات الأفعال من الكتاب؟

ج: مثل قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } وقوله: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ } الآية، وقوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } وقوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } وقوله تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } وقوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } وقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } وغيرها من الآيات.

62

س: ما مثال صفات الأفعال من السنة؟

ج: مثل قوله ﷺ: « ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر » [49] الحديث، وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: « فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا » [50] الحديث، ونعني بصفة الفعل هنا الإتيان لا الصورة فافهم، وقوله ﷺ: « إن الله يقبض يوم القيامة الأرض، وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك » [51] الحديث، وقوله ﷺ: « لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي » [52] وفي حديث احتجاج آدم وموسى: « فقال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده » [53] فكلامه تعالى ويده صفتا ذات، وتكلمه صفة ذات وفعل معا، وخطه التوراة صفة فعل. وقوله ﷺ: « إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل » [54] الحديث، وغيرها كثير.

63

س: هل يشتق من كل صفات الأفعال أسماء أم أسماء الله كلها توقيفية؟

ج: لا بل أسماء الله تعالى كلها توقيفية، لا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو أطلقه عليه رسوله ﷺ، وكل فعل أطلقه الله تعالى على نفسه فهو فيما أطلق فيه مدح وكمال، ولكن ليس كلها وصف الله به نفسه مطلقا ولا كلها يشتق منها أسماء، بل منها ما وصف به نفسه مطلقا كقوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } وسمى نفسه الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، ومنها أفعال أطلقها الله تعالى على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة، وهي فيما سيقت له مدح وكمال كقوله تعالى: { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }، { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }، { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }، ولكن لا يجوز إطلاقها على الله في غير ما سيقت فيه من الآيات، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ونحو ذلك، وكذلك لا يقال ماكر مخادع مستهزئ، ولا يقوله مسلم ولا عاقل، فإن الله عز وجل لم يصف نفسه بالمكر والكيد والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك بالعدل حسنة من المخلوق، فكيف من الخلاق العليم العدل الحكيم.

64

س: ماذا يتضمن اسمه العلي الأعلى وما في معناه كالظاهر والقاهر والمتعال؟

ج: يتضمن اسمه الأعلى الصفة المشتق منها، وهو ثبوت العلو له عز وجل بجميع معانيه، علو فوقيته تعالى على عرشه عال على جميع خلقه، بائن منهم، رقيب عليهم، يعلم ما هم عليه، قد أحاط بكل شيء علما، لا تخفى عليه منهم خافية. وعلو قهره فلا مغالب له ولا منازع ولا مضاد ولا ممانع، بل كل شيء خاضع لعظمته، ذليل لعزته، مستكين لكبريائه، تحت تصرفه وقهره، لا خروج له من قبضته. وعلو شأنه، فجميع صفات الكمال له ثابتة، وجميع النقائص عنه منتفية، عز وجل وتبارك وتعالى، وجميع هذه المعاني للعلو متلازمة لا ينفك معنى منها عن الآخر.

65

س: ما دليل علو الفوقية من الكتاب؟

ج: الأدلة الصريحة عليه لا تعد ولا تحصى، فمنها هذه الأسماء وما في معناها، ومنها قوله: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } في سبعة مواضع من القرآن، ومنها قوله تعالى: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } ومنها قوله تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } ومنها قوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } وقوله تعالى: { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } وقوله: { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ } وقوله تعالى: { يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } وغير ذلك كثير.

66

س: ما دليل ذلك من السنة؟

ج: أدلته من السنة كثيرة لا تحصى، منها قوله ﷺ في حديث الأوعال: « والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه » [55] وقوله لسعد في قصة قريظة: « لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة »، وقوله ﷺ للجارية: « أين الله ؟ قالت في السماء. قال: أعتقها فإنها مؤمنة » [56] وأحاديث معراج النبي ﷺ وقوله ﷺ في حديث تعاقب الملائكة: « ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم » [57] الحديث، وقوله ﷺ: « من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب » [58] الحديث، وقوله ﷺ في حديث الوحي: « إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان » [59] الحديث، وغير ذلك كثير، وقد أقر بذلك جميع المخلوقات إلا الجهمية.

67

س: ماذا قال أئمة الدين من السلف الصالح في مسألة الاستواء؟

ج: قولهم بأجمعهم رحمهم الله تعالى: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق والتسليم، وهكذا قولهم في جميع آيات الأسماء والصفات وأحاديثها: { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا }، { آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }.

68

س: ما دليل علو القهر من الكتاب؟

ج: أدلته كثيرة، منها قوله تعالى: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } وهو متضمن لعلو القهر والفوقية، وقوله تعالى: { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } وقوله تعالى: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } وقوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } وقوله تعالى: { مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } وقوله تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } وغير ذلك من الآيات.

69

س: ما دليل ذلك من السنة؟

ج: أدلته من السنة كثيرة، منها قوله ﷺ: « أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها » [60] وقوله ﷺ: « اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك » [61] الحديث، وقوله ﷺ: « إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت ولا يعز من عاديت » [62] وغير ذلك كثير.

70

س: ما دليل علو الشأن وما الذي يجب نفيه عن الله عز وجل؟

ج: اعلم أن علو الشأن هو ما تضمنه اسمه القدوس السلام الكبير المتعال وما في معناها، واستلزمته جميع صفات كماله ونعوت جلاله، فتعالى في أحديته أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا له، أو ظهيرا أو شفيعا عنده بدون إذنه أو عليه يجير، وتعالى في عظمته وكبريائه وملكوته وجبروته عن أن يكون له منازع أو مغالب أو ولي من الذل أو نصير، وتعالى في صمديته عن الصاحبة والولد والوالد والكفؤ والنظير، وتعالى في كمال حياته وقيوميته وقدرته عن الموت والسنة والنوم والتعب والإعياء، وتعالى في كمال علمه عن الغفلة والنسيان وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، وتعالى في كمال حكمته وحمده عن خلق شيء عبثا وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي ولا بعث ولا جزاء، وتعالى في كمال عدله عن أن يظلم أحدا مثقال ذرة أو أن يهضمه شيئا من حسناته، وتعالى في كمال غناه عن أن يطعم أو يرزق أو يفتقر إلى غيره في شيء، وتعالى في جميع ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله عن التعطيل والتمثيل، وسبحانه وبحمده وعز وجل وتبارك وتعالى وتنزه وتقدس عن كل ما ينافي إلهيته وربوبيته وأسماءه الحسنى وصفاته العلى: { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ونصوص الوحي من الكتاب والسنة في هذا الباب معلومة مفهومة مع كثرتها وشهرتها.

71

س: ما معنى قوله ﷺ في الأسماء الحسنى « من أحصاها دخل الجنة »؟

ج: قد فسر ذلك بمعاني منها: حفظها ودعاء الله بها والثناء عليه بجميعها، ومنها أن ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها فيما يليق به وما كان يختص به نفسه تعالى كالجبار والعظيم والمتكبر، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد كالغفور الشكور العفو الرؤوف الحليم الجواد الكريم، فليقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد كعزيز ذي انتقام شديد العقاب سريع الحساب، فليقف منه عند الخشية والرهبة. ومنها شهود العبد إياها وإعطاؤها حقها معرفة وعبودية، مثاله من شهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته عليهم واستواءه على عرشه بائنا من خلقه مع إحاطته بهم علما وقدرة وغير ذلك، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمدا يعرج إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه وعمله ما يخزيه ويفضحه هنالك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والإعزاز والإذلال، والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ }، فمن وفى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية فقد استغنى بربه وكفاه، وكذلك من شهد علمه المحيط وسمعه وبصره وحياته وقيوميته وغيرها ولا يرزق هذا المشهد إلا السابقون المقربون.

72

س: ما ضد توحيد الأسماء والصفات؟

ج: ضده الإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، وهو ثلاثة أنواع:

الأول: إلحاد المشركين الذين عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه وسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا فاشتقوا اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من المنان.

الثاني: إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله تعالى ويشبهونها بصفات خلقه، وهو مقابل لإلحاد المشركين، فأولئك سووا المخلوق برب العالمين، وهؤلاء جعلوه بمنزلة الأجسام المخلوقة وشبهوه بها تعالى وتقدس.

الثالث: إلحاد النفاة المعطلة، وهم قسمان: قسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى ونفوا عنه ما تضمنته من صفات الكمال فقالوا: رحمن رحيم بلا رحمة، عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، وأطردوا بقيتها كذلك. وقسم صرحوا بنفي الأسماء ومتضمناتها بالكلية، ووصفوه بالعدم المحض الذي لا اسم له ولا صفة، سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون الجاحدون الملحدون علوا كبيرا { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا }، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }.

73

س: هل جميع أنواع التوحيد متلازمة فينافيها كلها ما ينافي نوعا منها؟

ج: نعم هي متلازمة، فمن أشرك في نوع منها فهو مشرك في البقية، مثال ذلك دعاء غير الله وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، فدعاؤه إياه عبادة بل مخ العبادة، صرفها لغير الله من دون الله، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع شر معتقدا أنه قادر على قضاء ذلك، هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنه متصرف مع الله في ملكوته، ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء من دون الله إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان وفي أي مكان ويصرحون بذلك، وهو شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعا محيطا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات.

74

س: ما الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة؟

ج: أدلة ذلك من الكتاب كثيرة، منها قوله تعالى: { وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ } وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } وقوله تعالى: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ }، وتقدم الإيمان بهم من السنة في حديث جبريل وغيره، وفي صحيح مسلم أن الله تعالى خلقهم من نور. والأحاديث في شأنهم كثيرة.

75

س: ما معنى الإيمان بالملائكة؟

ج: هو الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله مربوبون مسخرون و { عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }، { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }، { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ }، ولا يسأمون ولا يستحسرون.

76

س: اذكر بعض أنواعهم باعتبار ما هيأهم الله له ووكلهم به؟

ج: هم باعتبار ذلك أقسام كثيرة، فمنهم الموكل بأداء الوحي إلى الرسل وهو الروح الأمين جبريل عليه السلام، ومنهم الموكل بالقطر وهو ميكائيل عليه السلام، ومنهم الموكل بالصور وهو إسرافيل عليه السلام، ومنهم الموكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت وأعوانه، ومنهم الموكل بأعمال العباد وهم الكرام الكاتبون، ومنهم الموكل بحفظ العبد من بين يديه ومن خلفه وهم المعقبات، ومنهم الموكل بالجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه، ومنهم الموكل بالنار وعذابها وهم مالك ومن معه من الزبانية، ورؤساؤهم تسعة عشر، ومنهم الموكل بفتنة القبر وهم منكر ونكير، ومنهم حملة العرش، ومنهم الكروبيون، ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام من تخليقها وكتابة ما يراد بها، ومنهم الملائكة يدخلون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر، ومنهم صفوف قيام لا يفترون، منهم ركع سجد لا يرفعون، ومنهم غير من ذكر { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ }، ونصوص هذه الأقسام من الكتاب والسنة لا تخفى.

77

س: ما دليل الإيمان بالكتب؟

ج: أدلته كثيرة منها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ } وقوله تعالى: { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } الآيات، وغيرها كثير، ويكفي في ذلك قوله تعالى: { وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ }.

78

س: هل سميت جميع الكتب في القرآن؟

ج: سمى الله منها في القرآن: هو، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وذكر الباقي جملة فقال تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ }، وقال تعالى: { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا }، وقال تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى }، وقال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }، فما ذكر الله منها تفصيلا وجب علينا الإيمان به تفصيلا، وما ذكر منها إجمالا وجب علينا الإيمان به إجمالا، فنقول فيه ما أمر الله به رسوله: { وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ }.

79

س: ما معنى الإيمان بكتب الله عز وجل؟

ج: معناه التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله عز وجل، وأن الله تكلم بها حقيقة، فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } وقال تعالى لموسى: { إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي }، { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا }، وقال تعالى في شأن التوراة: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ } وقال في عيسى: { وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ } وقال تعالى: { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا }، وتقدم ذكرها بلفظ التنزيل، وقال تعالى في شأن القرآن: { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } وقال تعالى فيه: { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا }، وقال تعالى: { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } الآيات، وقال تعالى فيه: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } الآيات، وغيرها كثير.

80

س: ما منزلة القرآن من الكتب المتقدمة؟

ج: قال الله تعالى فيه: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } وقال تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وقال تعالى: { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، قال أهل التفسير: مهيمنا مؤتمنا وشاهدا على ما قبله من الكتب ومصدقا لها، يعني يصدق: ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه، كما قال تبارك وتعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ }، وغير ذلك.

81

س: ما الذي يجب التزامه في حق القرآن على جميع الأمة؟

ج: هو اتباعه ظاهرا وباطنا والتمسك به والقيام بحقه، قال الله تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا } وقال تعالى: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } وقال تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ }، وهي عامة في كل كتاب والآيات في ذلك كثيرة، وأوصى النبي ﷺ بكتاب الله فقال: « فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به » [63] وفي حديث علي مرفوعا: « إنها ستكون فتن » قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله »[64] وذكر الحديث.

82

س: ما معنى التمسك بالكتاب والقيام بحقه؟

ج: حفظه وتلاوته والقيام به آناء الليل والنهار وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والوقوف عند حدوده، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إلى ذلك على بصيرة.

83

س: ما حكم من قال بخلق القرآن؟

ج: القرآن كلام الله عز وجل حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا، فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق والألسن والأصوات مخلوقة، والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة والمسموع غير مخلوق، قال الله تعالى: { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ }، وقال تعالى: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } وقال تعالى: { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } وقال تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " أديموا النظر في المصحف ". والنصوص في ذلك لا تحصى، ومن قال القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر يخرجه من الإسلام بالكلية؛ لأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، وكلامه صفته، ومن قال شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتل كفرا ليس له شيء من أحكام المسلمين.

84

س: هل صفة الكلام ذاتية أو فعلية؟

ج: أما باعتبار تعلق صفة الكلام بذات الله عز وجل واتصافه تعالى بها، فمن صفات ذاته كعلمه تعالى بل هو من علمه، وأنزله بعلمه، وهو أعلم بما ينزل، وأما باعتبار تكلمه بمشيئته وإرادته فصفة فعل، كما قال النبي ﷺ: « إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي » الحديث. ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله في صفة الكلام: إنها صفة ذات وفعل معا، فالله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متصفا بالكلام أزلا وأبدا وتكلمه وتكليمه بمشيئته وإرادته، فيتكلم إذا شاء متى شاء وكيف شاء بكلام يسمعه من يشاء وكلامه صفته لا غاية له ولا انتهاء { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }، { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ }، { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }.

85

س: من هم الواقفة وما حكمهم؟

ج: الواقفة هم الذين يقولون في القرآن: لا نقول هو كلام الله ولا نقول مخلوق. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ( من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، ومن كان لا يحسنه بل كان جاهلا جهلا بسيطا فهو تقام عليه الحجة بالبيان والبرهان، فإن تاب وآمن بأنه كلام الله تعالى غير مخلوق، وإلا فهو شر من الجهمية ) [65]

86

س: ما حكم من قال لفظي بالقرآن مخلوق؟

ج: هذه العبارة لا يجوز إطلاقها نفيا ولا إثباتا؛ لأن اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو القرآن، فإذا أطلق القول بخلقه شمل المعنى الثاني، ورجع إلى قول الجهمية، وإذا قيل: غير مخلوق شمل المعنى الأول الذي هو فعل العبد، وهذا من بدع الاتحادية، ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.

87

س: ما دليل الإيمان بالرسل؟

ج: أدلته كثيرة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } وقال النبي ﷺ: « آمنت بالله ورسله ». [66]

88

س: ما معنى الإيمان بالرسل؟

ج: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه، وأن جميعهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا، ولم يغيروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } وأنهم كلهم على الحق المبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا ﷺ خليلا وكلم موسى تكليما، ورفع إدريس مكانا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الله فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات.

89

س: هل اتفقت دعوة الرسل فيما يأمرون به وينهون عنه؟

ج: اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقادا وقولا وعملا، ويكفر بكل ما يعبد من دونه، وأما الفروض المتعبد بها فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها مالا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانا من الله تعالى { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا }.

90

س: ما الدليل على اتفاقهم في أصل العبادة المذكورة؟

ج: الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين مجمل ومفصل. أما المجمل فمثل قوله تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وقوله تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } الآيات، وأما المفصل فمثل قوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }، { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ }، { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }، { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }، { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي }، وقال موسى: { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا }، { وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }، { قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }. وغيرها من الآيات.

91

س: ما دليل اختلاف شرائعهم في فروعها من الحلال والحرام؟

ج: قول الله عز وجل: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ }. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( شرعة ومنهاجا ): سبيلا وسنة. ومثله قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبو إسحاق السبيعي، وفي صحيح البخاري: قال النبي ﷺ: « نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد » [67] يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي والحلال والحرام { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا }.

92

س: هل قص الله جميع الرسل في القرآن؟

ج: قد قص الله علينا من أنبائهم ما فيه كفاية وموعظة وعبرة، ثم قال تعالى: { وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ }. فنؤمن بجميعهم تفصيلا فيما فصل، وإجمالا فيما أجمل.

93

س: كم سمى منهم في القرآن؟

ج: سمى منهم فيه آدم ونوح وإدريس وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وشعيب ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.

94

س: من هم أولو العزم من الرسل؟

ج: هم خمسة ذكرهم الله عز وجل على انفرادهم في موضعين من كتابه: الموضع الأول: في سورة الأحزاب وهو قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } الآية، الموضع الثاني: في سورة الشورى وهو قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } الآية.

95

س: من أول الرسل؟

ج: أولهم بعد الاختلاف نوح عليه السلام، كما قال تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } وقال تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ }.

96

س: متى كان الاختلاف؟

ج: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " [68]

97

س: من هو خاتم النبيين؟

ج: خاتم النبيين محمد ﷺ.

98

س: ما الدليل على ذلك؟

ج: قال الله تعالى: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }، وقال النبي ﷺ: « إنه سيكون بعدي كذابون ثلاثون كلهم يدعي أنه نبي وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي » [69] وفي الصحيح قوله لعلي رضي الله عنه: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » [70] وقوله ﷺ في حديث الدجال: « وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي » [71] وغير ذلك كثير.

99

س: بماذا اختص نبينا محمد ﷺ عن غيره من الأنبياء؟

ج: له ﷺ خصائص كثيرة قد أفردت بالتصنيف منها: كونه خاتم النبيين كما ذكرنا، ومنها: كونه ﷺ سيد ولد آدم كما فسر به قوله تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ }، وقال النبي ﷺ: « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » [72] ومنها: بعثته ﷺ إلى الناس عامة جنهم وإنسهم كما قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }. الآية، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا }، وقال ﷺ: « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة » [73] وقال ﷺ: « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » [74] وله ﷺ من الخصائص غير ما ذكرنا فتتبعها من النصوص.

100

س: ما هي معجزات الأنبياء؟

ج: المعجزات هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، وهي إما حسية تشاهد بالبصر أو تسمع كخروج الناقة من الصخرة، وانقلاب العصا حية، وكلام الجمادات، ونحو ذلك، وإما معنوية تشاهد بالبصيرة كمعجزة القرآن، وقد أوتي نبينا ﷺ من ( كل ذلك )، فما من معجزة كانت لنبي إلا وله ﷺ أعظم منها في بابها، فمن المحسوسات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وكلام الذراع، وتسبيح الطعام، وغير ذلك مما تواترت به الأخبار الصحيحة ولكنها كغيرها من معجزات الأنبياء التي انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يبق إلا ذكرها، وإنما المعجزة الباقية الخالدة هي هذا القرآن الذي لا تنقضي عجائبه و { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }.

101

س: ما دليل إعجاز القرآن؟

ج: الدليل على ذلك نزوله في أكثر من عشرين سنة متحديا به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقا وأعلاها بيانا قائلا: { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ }، { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }، { قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ }، فلم يفعلوا ولم يروموا ذلك مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون، ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }، وقال ﷺ: « ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » [75] وقد صنف الناس في وجوه إعجاز القرآن من جهة الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والآتية من المغيبات وما بلغوا من ذلك إلا كما يأخذ العصفور بمنقاره من البحر.

102

س: ما دليل الإيمان باليوم الآخر؟

ج: قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } وقال الله تعالى: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } وقال الله تعالى: { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا } إلى غير ذلك من الآيات.

103

س: ما معنى الإيمان باليوم الآخر وما الذي يدخل فيه؟

ج: معناه التصديق الجازم بإتيانه لا محالة، والعمل بموجب ذلك. ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة. وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر: نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها، وبالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله عز وجل، وبالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم عز وجل.

104

س: هل يعلم أحد متى تكون الساعة؟

ج: مجيء الساعة من مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وقال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً } الآية، وقال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } الآيات، ولما قال جبريل للنبي ﷺ: فأخبرني عن الساعة. قال: « ما المسئول عنها بأعلم من السائل » [76] وذكر أماراتها وزاد في رواية: « في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى » وتلا الآية السابقة.

105

س: ما مثال أمارات الساعة من الكتاب؟

ج: مثل قوله تعالى: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } الآية، وقوله تعالى: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } وقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ }. الآيات، وقوله تعالى: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } الآيات، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } الآيات وغيرها.

106

س: ما مثال أمارات الساعة من السنة؟

ج: مثل أحاديث طلوع الشمس من مغربها، وأحاديث الدابة، وأحاديث الفتن كالدجال والملاحم، وأحاديث نزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وأحاديث الدخان، وأحاديث الريح التي تقبض كل نفس مؤمنة، وأحاديث النار التي تظهر، وأحاديث الخسوف وغيرها.

107

س: ما دليل الإيمان بالموت؟

ج: قال الله تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } وقال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وقال تعالى لنبيه ﷺ: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } وقال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } وقال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } وقال تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } قال تعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } وغير ذلك من الآيات، وفيه من الأحاديث ما لا يحصى، والأمر مشاهد لا يجهله أحد وليس فيه شك ولا تردد ولكن عناد واستكبار، ولا يعمل على موجب إيمانه به وبما بعده إلا عباد الله المخلصون، ونؤمن أن كل من مات أو قتل أو بأي سبب كان إن ذلك بأجله لم ينقص منه شيئا، قال الله تعالى: { كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى } وقال تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }.

108

س: ما دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه من الكتاب؟

ج: قال الله تعالى: { كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } وقال تعالى: { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } وقال تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } الآية، وقال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } وقال تعالى: { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } وغير ذلك من الآيات.

109

س: ما دليل ذلك من السنة؟

ج: الأحاديث الصحيحة في ذلك بلغت مبلغ التواتر، فمنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. فيراهما جميعا » - قال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس - قال: « وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين » [77] وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة » [78] وحديث القبرين وفيه: « إنهما ليعذبان » [79] وحديث أبي أيوب رضي الله عنه قال: "خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا فقال: « يهود تعذب في قبورها » [80] وحديث أسماء: « قام رسول الله ﷺ خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة » [81] وقالت عائشة رضي الله عنها: « ما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر » [82] "وفي قصة الكسوف وأمرهم ﷺ « أن يتعوذوا من عذاب القبر » [83] وكل هذه الأحاديث في الصحيح، وقد سقنا منها نحو ستين حديثا من طرق ثابتة عن الجماعة من الصحابة يرفعونها في شرحنا على السلّم فليراجع.

110

س: ما دليل البعث من القبور؟

ج: قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إلى قوله: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } وقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } وقوله تعالى: { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } وقوله تعالى: { وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } الآيات، وقوله: { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } إلى آخر السورة، وقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إلى آخر السورة، وقوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وغيرها من الآيات. وكثيرا ما يضرب الله تعالى لذلك مثلا بإحيائه الأرض بالماء فتصبح تهتز مخضرة بالنبات بعد موتها بالجدب إذ كانت قبل هامدة، بذلك ضرب النبي ﷺ المثل في حديث العقيلي الطويل حيث قال: « ولعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تجعله من عند رأسه فيستوي جالسا، فيقول: ربك ( مهيم )؟ لما كان فيه. يقول: رب، أمس اليوم. ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله. فقلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي بشرية واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فيخرجون من الأصواء من مصارعهم » [84] الحديث، وغيره كثير.

111

س: ما حكم من كذب البعث؟

ج: هو كافر بالله عز وجل وبكتبه ورسله قال الله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ } وقال تعالى: { وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }، وقال تعالى: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } وغيرها من الآيات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: « قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد » [85]

112

س: ما دليل النفخ في الصور وكم نفخات ينفخ فيه؟

ج: قال الله تعالى: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } ففي هذه الآية ذكر نفختين الأولى للصعق والثانية للبعث، وقال تعالى: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } الآية، فمن فسر الفزع في هذه الآية بالصعق فهي النفخة الأولى المذكورة في آية الزمر، ويؤيده حديث مسلم وفيه: « ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا - قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله - قال - فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطرا كأنه الطل، أو قال: الظل - شعبة الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فإذا هم قيام ينظرون » الحديث، ومن فسر الفزع بدون الصعق فهي نفخة ثالثة متقدمة على النفختين، ويؤيده ما في حديث الصور الطويل، فإن فيه ذكر ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين.

113

س: كيف صفة الحشر من الكتاب؟

ج: في صفته آيات كثيرة، منها قوله تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } الآية، وقوله تعالى: { وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } الآيات، وقوله تعالى: { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا } الآيات، وقوله تعالى: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } الآيات، وقوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا } وهو نقل الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، وقوله تعالى: { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ } وغير ذلك من الآيات كثير.

114

س: كيف صفته من السنة؟

ج: قال النبي ﷺ: « يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا » [86] وعن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رجلا قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: « أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة » [87] وقال ﷺ: « إنكم محشورون حفاة عراة غرلا { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } الآية، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم » [88] الحديث. "وقالت عائشة رضي الله عنها في ذلك: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض. فقال: « الأمر أشد من أن يهمهم ذلك » [89]

115

س: كيف صفة الموقف من الكتاب؟

ج: قال الله تعالى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } الآيات، وقال الله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } الآيات، وقال تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } الآيات، وقال تعالى: { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } الآيات، وقال تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } الآيات، وغير ذلك كثير.

116

س: كيف صفة الموقف من السنة؟

ج: فيها أحاديث كثيرة منها: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } قال: « يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » [90] وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم » [91] وهذه في الصحيح، وغيرها كثير.

117

س: كيف صفة العرض والحساب من الكتاب؟

ج: قال تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } الآيات، وقال تعالى: { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } الآيات، وقال تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ } وقال تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } وقال تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }، وقال تعالى { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } الآيات، وغيرها كثيرة.

118

س: كيف صفة ذلك من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ: « من نوقش الحساب عذب » قالت عائشة رضي الله عنها: أليس يقول الله تعالى: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا }؟ قال: « ذلك العرض » [92] وقال ﷺ: « يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك » - وفي رواية: « فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك » [93] وقال ﷺ: « وما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة »، وقال ﷺ: « يدنو أحدكم - يعني المؤمنين - من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم » [94] وغير ذلك من الأحاديث.

119

س: كيف صفة نشر الصحف من الكتاب؟

ج: قال الله تعالى: { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }، وقال تعالى: { وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ } وقال تعالى: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } وقال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ } إلى قوله: { الْخَاطِئُونَ } وفي آية الانشقاق: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } وقال: { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } فهذا يدل على أن من يؤتى كتابه بيمينه يؤتاه من أمامه، ومن يؤتى كتابه بشماله يؤتاه من وراء ظهره، والعياذ بالله عز وجل.

120

س: ما دليل ذلك من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ: « يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد: { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ } وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: "يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار" [95] الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود، وغير ذلك من الأحاديث.

121

س: ما دليل الميزان من الكتاب وكيف صفة الوزن؟

ج: قال الله تعالى: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا * وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } وقال تعالى: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } وقال تعالى في الكافرين: { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } وغير ذلك من الآيات.

122

س: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة، منها حديث البطاقة التي فيها الشهادتان، وأنها ترجح بتسعين سجلا [96] من السيئات، كل سجل منها مدى البصر، ومنها قوله ﷺ في ابن مسعود رضي الله عنه: « أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد » [97] وقال ﷺ: « إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة - وقال: اقرءوا { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } » [98] وغير ذلك من الأحاديث.

123

س: ما دليل الصراط من الكتاب؟

ج: قال الله عز وجل: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } وقال تعالى: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } الآيات.

124

س: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ في حديث الشفاعة: « يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عُقيفاء تكون بنجد، يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا » [99] الحديث في الصحيح. وقال أبو سعيد رضي الله عنه: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف" [100]

125

س: ما دليل القصاص من الكتاب؟

ج: قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } وقال تعالى: { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ } إلى قوله: { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } الآيات، وقوله تعالى: { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } الآيات.

126

س: ما دليل القصاص وصفته من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ: « أول ما يقضى بين الناس في الدماء » [101] وقوله ﷺ: « من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منه اليوم فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه » [102] وقوله ﷺ: « يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض » [103] مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. كلها في الصحيح، وغيرها كثير.

127

س: ما دليل الحوض من الكتاب؟

ج: قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } السورة.

128

س: ما دليل وصفته من السنة؟

ج: فيه أحاديث كثيرة بلغت مبلغ التواتر منها: قوله ﷺ: « أنا فرطكم على الحوض » [104] وقوله ﷺ: « إني فرط لكم وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن » [105] وقوله ﷺ: « حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدا » [106] وقوله ﷺ: « أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر » [107] وغير ذلك من الأحاديث فيه كثيرة.

129

س: ما دليل الإيمان بالجنة والنار؟

ج: قال الله تعالى: { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } الآية، وغيرها ما لا يحصى. وفي الصحيح من دعاء النبي ﷺ في صلاة الليل: « ولك الحمد، أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، النبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق » [108] الحديث، وقوله ﷺ: « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » [109] أخرجاه، وفي رواية: « من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء ».

130

س: ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟

ج: معناه التصديق الجازم بوجودهما وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما لا تفنيان أبدا، ويدخل في ذلك كل ما احتوت عليه هذه من النعيم وتلك من العذاب.

131

س: ما الدليل على وجودهما الآن؟

ج: أخبرنا الله عز وجل أنهما معدتان، فقال في الجنة: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } وقال في النار: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } وأخبرنا أنه تعالى أسكن آدم وزوجه الجنة قبل أكلهما من الشجرة، وأخبرنا تعالى بأن الكفار يعرضون على النار غدوا وعشيا، وقال النبي ﷺ: « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء » [110] الحديث، وتقدم في فتنة وعذاب القبر: « إذا مات أحدكم يعرض عليه مقعده » [111] الحديث، وقال ﷺ: « أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم » [112] وقال ﷺ: « اشتكت النار إلى ربها عز وجل فقالت: ربي أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير » [113] وقال ﷺ: « الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء » [114] وقال ﷺ: « لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: اذهب فانظر إليها » [115] الحديث، وقد عرضتا عليه ﷺ في مقامه يوم كسفت الشمس وعرضت عليه ليلة الإسراء، وفي ذلك من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.

132

س: ما الدليل على بقائهما لا تفنيان أبدا؟

ج: قال الله تعالى في الجنة: { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وقال تعالى: { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } وقال تعالى فيها: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } وقال تعالى: { لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ } وقال تعالى: { إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } وقال تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } إلى قوله { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } وغيرها من الآيات، فأخبر تعالى بأبديتها وأبدية حياة أهلها، وعدم انقطاعها عنهم وعدم خروجهم منها، وكذلك النار قال تعالى فيها: { إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } وقال تعالى: { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } وقال تعالى: { لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } وقال تعالى: { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا } وغير ذلك من الآيات. فأخبرنا تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن أهل النار الذين هم أهلها خلقت لهم وخلقوا لها، أنهم خالدون فيها أبدا، فنفى تعالى خروجهم منها بقوله: { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } ونفى انقطاعها عنهم بقوله: { لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } ونفى فناءهم فيها بقوله: { ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا } وقال النبي ﷺ: « أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون » [116] الحديث، وقال ﷺ: « إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم » [117] وفي لفظ: كل خالد فيما هو فيه، وفي رواية: « ثم قرأ رسول الله ﷺ: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } » وهي في الصحيح، وفي ذلك أحاديث غير ما ذكرنا.

133

س: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة؟

ج: قال الله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } وقال تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } وقال تعالى في الكفار: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } فإذا حجب أعداءه لم يحجب أولياءه. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: « إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا » [118] وقوله: كما ترون هذا، أي كرؤيتكم هذا القمر، تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، كما أن قوله في حديث تكلم الله عز وجل بالوحي: « ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان » [119] وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي ﷺ أن يحمل شيء من كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله عز وجل، وفي حديث صهيب عند مسلم: « فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل » [120] ثم تلا هذه الآية: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة صريحة ذكرنا منها في شرح سلم الوصول خمسة وأربعين حديثا عن أكثر من ثلاثين صحابيا. ومن رد ذلك فقد كذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وكان من الذين قال الله تعالى فيهم: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ }. نسأل الله تعالى العفو والعافية، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه آمين.

134

س: ما دليل الإيمان بالشفاعة، وممن تكون، ولمن تكون، ومتى تكون؟

ج: قد أثبت الله عز وجل الشفاعة في كتابه في مواضع كثيرة بقيود ثقيلة، وأخبرنا تعالى أنها ملك له ليس لأحد فيها شيء، فقال تعالى: { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا }. فأما متى تكون؟ فأخبرنا عز وجل أنها لا تكون إلا بإذنه كما قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ }، { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ }، { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى }، { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ }. وأما ممن تكون؟ فكما أخبرنا تعالى أنه لا تكون إلا من بعد إذنه، أخبرنا أيضا أنه لا يأذن إلا لأوليائه المرتضين الأخيار كما قال تعالى: { لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } وقال: { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا }. وأما لمن تكون؟ فأخبرنا أنه لا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى }، { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } وقال تعالى عنهم: { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } وقال تعالى فيهم: { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } وقد أخبرنا النبي ﷺ أنه أوتي الشفاعة، ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولا حتى يقال له: « ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع » [121] الحديث. ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: « فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة » ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدا إلى آخر حديث الشفاعة، وقال له أبو هريرة رضي الله عنه: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: « من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه » [122]

135

س: كم أنواع الشفاعة وما أعظمها؟

ج: أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده وهي خاصة لنبينا محمد ﷺ وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل كما قال تعالى: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: « أنا لها » [123] كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما.

الثانية: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته.

الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.

الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها فيخرجون قد امتحشوا وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.

الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة.

السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره: « ولا تزاد جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك، ويبقى في الجنة » فضل عمن دخلها فينشئ الله تعالى أقواما فيدخلهم. [124] وفي ذلك من النصوص ما لا يحصى فمن شاءها وجدها من الكتاب والسنة.

136

س: هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟

ج: قال رسول الله ﷺ: « قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله - قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أني يتغمدني الله برحمة منه وفضل ». وفي رواية: « سددوا وقاربوا وأبشروا فأنه لن يدخل الجنة أحد عمله - قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل » [125]

137

س: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.

ج: لا منافاة بينهما بحمد الله فإن الباء المثبتة في الآية هي باء السببية لأن الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، لا يحصل إلا بها إذ المسبب وجوده بوجود سببه، والمنفي في الحديث هي باء الثمنية، فإن العبد لو عمر عمر الدنيا وهو يصوم النهار ويقوم الليل ويجتنب المعاصي كلها لم يقابل كل عمله عشر معشار أصغر نعم الله عليه الظاهرة والباطنة، فكيف تكون ثمنا لدخول الجنة، { رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ }.

138

س: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟

ج: قال الله تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا } وقال تعالى: { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } وقال تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } وقال تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } الآية، وقال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ } وقال تعالى: { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } وغير ذلك من الآيات، وتقدم في حديث جبريل: « وتؤمن بالقدر خيره وشره » [126] وقال ﷺ: « واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك » [127] وقال ﷺ: " « وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل » [128] وقال ﷺ: « كل شيء بقدر حتى العجز والكيس » [129] وغير ذلك من الأحاديث.

139

س: كم مراتب الإيمان بالقدر؟

ج: الإيمان بالقدر على أربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم وأسرارهم وعلانيتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن، وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح والقلم. المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهما متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن؛ فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة وما لم يشأ الله تعالى لم يكن لعدم مشيئة الله إياه لا لعدم قدرة الله عليه، تعالى الله عن ذلك وعز وجل: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا }. المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا فيما بينهما إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه.

140

س: ما دليل المرتبة الأولى وهي الإيمان بالعلم؟

ج: قال الله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } وقال تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } وقال تعالى: { عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ } وقال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } الآيات، وقال تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } وقال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وقال تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } وقال تعالى: { أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وقال تعالى: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وفي الصحيح قال رجل: "يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: « نعم » قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: « كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له » [130] وفيه: "سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: « الله أعلم بما كانوا عاملين » [131] وفي مسلم قال رسول الله ﷺ: « إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » وفيه: قال ﷺ: « إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة » [132] وفيه: وقال ﷺ: « ما منكم من نفس إلا وقد علم الله منزلها من الجنة والنار » قالوا: يا رسول الله، فلم نعمل أفلا نتكل، قال: « لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له » [133] ثم قرأ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } إلى قوله { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } وغير ذلك من الأحاديث.

141

س: ما دليل المرتبة الثانية، وهي الإيمان بكتابة المقادير؟

ج: قال الله تعالى: { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } وقال تعالى: { إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ } وقال تعالى في محاجة موسى وفرعون: { قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } وقال تعالى: { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } وغير ذلك من الآيات. وقال ﷺ: « ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة » رواه مسلم. وفيه قال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: « لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير »، قال: ففيم العمل؟ فقال: « اعملوا فكل ميسر » - وفي رواية - « كل عامل ميسر لعمله » وغير ذلك من الأحاديث.

142

س: كم يدخل في هذه المرتبة من التقادير؟

ج: يدخل في ذلك خمسة من التقادير كلها ترجع إلى العلم، التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله القلم وهو التقدير الأزلي. الثاني: التقدير العمري، حين أخذ الميثاق يوم قال: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }. الثالث: التقدير العمري أيضا عند تخليق النطفة في الرحم. الرابع: التقدير الحولي في ليلة القدر. الخامس: التقدير اليومي، وهو تنفيذ كل ذلك إلى مواضعه.

143

س: ما دليل التقدير الأزلي؟

ج: قال الله تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } الآيات. وفي الصحيح: قال النبي ﷺ: « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء » [134] وقال ﷺ: « إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة » [135] الحديث في السنن، وقال ﷺ: « يا أبا هريرة جف القلم بما هو كائن » [136] الحديث في البخاري، وغير ذلك كثير.

144

س: ما دليل التقدير العمري يوم الميثاق؟

ج: قال الله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } الآيات. وروى إسحاق بن راهويه: أن رجلا قال: يا رسول الله، أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: " إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار" [137] وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عنها فقال رسول الله ﷺ: « إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون » [138] الحديث بطوله، وفي الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: « أتدرون ما هذان الكتابان »؟ فقلنا، لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى: « هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيه ولا ينقص منهم أبدا » [139] فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟! فقال: « سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل »، ثم قال رسول الله ﷺ بيده فنبذهما ثم قال: « فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق السعير ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.

145

س: ما دليل التقدير العمري الذي عند أول تخليق النطفة؟

ج: قال الله تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }. وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: « إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » وفيه روايات غير هذه، عن جماعة من الصحابة بألفاظ أخر والمعنى واحد.

146

س: ما دليل التقدير الحولي في ليلة القدر؟

ج: قال الله تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا } الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت أو حياة ورزق ومطر، حتى الحجاج يقال: يحج فلان، ويحج فلان، وكذا قال الحسن وسعيد بن جبير ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم.

147

س: ما دليل التقدير اليومي؟

ج: قال الله تعالى: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }. وفي صحيح الحاكم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن مما خلق الله تعالى لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مرة، ففي كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [140] وكل هذه التقادير كالتفصيل من القدر السابق، وهو الأزلي الذي أمر الله تعالى القلم عندما خلقه أن يكتبه في اللوح المحفوظ، وبذلك فسر ابن عمر وابن عباس رضي الله عنْهما قوله تعالى: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [141] وكل ذلك صادر عن علم الله، الذي هو صفته تبارك وتعالى.

148

س: ماذا يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة؟

ج: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح، ولهذا لما أخبر النبي ﷺ أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها قال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل قال: « لا، اعملوا فكل ميسر » ثم قرأ: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } الآية. فالله سبحانه وتعالى قدر المقادير وهيأ لها أسبابا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشدّ اجتهادا في فعلها والقيام بها وأعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه هذا كل الفقه من قال من الصحابة لما سمع أحاديث القدر: ما كنت أشدّ اجتهادا مني الآن. وقال النبي ﷺ: « احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز » [142] وقال ﷺ لما قيل له: "أرأيت دواء نتداوى به ورقى نسترقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: « هي من قدر الله » [143] يعني أن الله تعالى قدر الخير والشر وأسباب كل منهما.

149

س: ما دليل المرتبة الثالثة وهي الإيمان بالمشيئة؟

ج: قال الله تعالى: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وقال تعالى: { وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وقال تعالى: { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ } وقال تعالى: { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } وقال تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } وغير ذلك من الآيات ما لا يحصى. وقال ﷺ: « قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء » [144] وقال ﷺ في نومهم في الوادي: « إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء » [145] وقال: « اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء » [146] « لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله وحده » [147] وقال ﷺ: « من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين » [148] « وإذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، وإذا أراد الله هلكة أمة عذبها ونبيها حي » [149] وغير ذلك من الأحاديث في ذكر المشيئة والإرادة ما لا يحصى.

150

س: قد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله وبما علمنا من صفات أنه يحب المحسنين والمتقين والصابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، مع كون كل ذلك بمشيئة الله وإرادته وأنه لو شاء لم يكن ذلك فإنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، فما الجواب لمن قال: كيف يشاء ويريد ما لا يرضى به ولا يحبه؟

ج: اعلم أن الإرادة في النصوص جاءت على معنيين: إرادة كونية قدرية وهي المشيئة ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا بل يدخل فيها الكفر والإيمان والطاعات والعصيان والمرضيّ والمحبوب والمكروه وضده، وهذه الإرادة ليس لأحد خروج منها ولا محيص عنها كقوله تعالى: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } وقوله تعالى: { وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } الآيات وغيرها. وإرادة دينية شرعية مختصة بمراضي الله ومحابه، وعلى مقتضاها أمر عباده ونهاهم كقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وغيرها من الآيات، وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية، فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي. فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته، وهدى لإجابته من شاء منهم كما قال تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }. فعمم سبحانه الدعوة وخص الهداية بمن شاء { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى }.

151

س: ما دليل المرتبة الرابعة من الإيمان بالقدر وهي مرتبة الخلق؟

ج: قال الله تعالى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } وقال تعالى: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } وقال تعالى: { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } وقال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ } وقال تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وقال تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } وقال تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقال تعالى: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } وغير ذلك من الآيات. وللبخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة مرفوعا: « أن الله يصنع كل صانع وصنعته » وقال النبي ﷺ: « اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها إنك وليها ومولاها » [150] وغير ذلك من الأحاديث.

152

س: ما معنى قول النبي ﷺ: « والخير كله في يديك والشر ليس إليك » [151] مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟

ج: معنى ذلك أن أفعال الله عز وجل كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل وجميع أفعاله حكمة وعدل يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها كما هي معلومة عنده سبحانه وتعالى، وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد لما يلحقه من المهالك، وذلك بما كسبت يداه جزاءا وفاقا، كما قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } وقال تعالى: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }.

153

س: هل للعباد قدرة ومشيئة على أفعالهم المضافة إليهم؟

ج: نعم للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة وإرادة، وأفعالهم تضاف إليهم حقيقة وبحسبها كلفوا وعليها يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله إلا وسعهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكتاب والسنة ووصفهم به، ولكنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، ولا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين، كما تقدم في نصوص المشيئة والإرادة والخلق، فكما لم يوجدوا أنفسهم لم يوجدوا أفعالهم، فقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم تابعة لقدرته ومشيئته وإرادته وفعله، إذ هو خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم، وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله وإرادته وقدرته وأفعاله، كما ليس هم إياه، تعالى الله عن ذلك، بل أفعالهم المخلوقة لله قائمة بهم لائقة بهم مضافة إليهم حقيقة، وهي من آثار أفعال الله القائمة به اللائقة المضافة إليه حقيقة، فالله فاعل حقيقة، والعبد منفعل حقيقة، والله هاد حقيقة، والعبد مهتد حقيقة، ولهذا أضاف كلا من الفعلين إلى من قام به، فقال تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ } فإضافة الهداية إلى الله حقيقة وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة، فكما ليس الهادي هو عين المهتدي، فكذلك ليس الهداية هي عين الاهتداء، وكذلك يضل الله من يشاء حقيقة وذلك العبد يكون ضالا حقيقة، وهكذا جميع تصرف الله في عباده، فمن أضاف الفعل والانفعال إلى العبد كفر، ومن أضافه إلى الله كفر، ومن أضاف الفعل إلى الخالق والانفعال إلى المخلوق كلاهما حقيقة، فهو المؤمن حقيقة.

154

س: ما جواب من قال: أليس ممكنا في قدرة الله أن يجعل كل عباده مؤمنين مهتدين طائعين مع محبته ذلك منهم شرعا؟

ج: بلى هو قادر على ذلك كما قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } الآية، وقال: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا } وغيرها من الآيات. ولكن هذا الذي فعله بهم هو مقتضى حكمته وموجب ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته؛ فقول القائل: لم كان من عباده الطائع والعاصي كقول من قال: لم كان من أسمائه الضار النافع، والمعطي والمانع، والخافض الرافع، والمنعم والمنتقم. ونحو ذلك؛ إذ أفعاله تعالى هي مقتضى أسمائه وآثار صفاته، فالاعتراض عليه في أفعاله اعتراض عليه في أسمائه وصفاته، بل وعلى إلهيته وربوبيته: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }.

155

س: ما منزلة الإيمان بالقدر من الدين؟

ج: الإيمان بالقدر نظام التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: « اعملوا فكل ميسر لما خلق له ». فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعاله خالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن جميع المخلوقين خالقون، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }. وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى }. وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } ولم يقولوا كما قال الفاجر: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.

156

س: كم شعب الإيمان؟

ج: قال الله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }. وقال النبي ﷺ: « الإيمان بضع وستون » وفي رواية: « بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان » [152]

157

س: بم فسر العلماء هذه الشعب؟

ج: قد عدها جماعة من شراح الحديث وصنفوا فيها التصانيف فأجادوا وأفادوا، ولكن ليس معرفة تعدادها شرطا في الإيمان بل يكفي الإيمان بها جملة، وهي لا تخرج عن الكتاب والسنة، فعلى العبد امتثال أوامرهما واجتناب زواجرهما وتصديق أخبارهما، وقد استكمل شعب الإيمان والذي عددوه حق كله من ( أمور الإيمان )، ولكن القطع بأنه هو مراد النبي ﷺ بهذا الحديث يحتاج إلى توقيف.

158

س: اذكر خلاصة ما عدوه؟

ج: قد لخص الحافظ في الفتح ما أورده ابن حبان بقوله: إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن، فأعمال القلب المعتقدات والنيات على أربع وعشرين خصلة، الإيمان بالله، ويدخل فيها الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } واعتقاد حدوث ما دونه والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومحبة الله والحب والبغض فيه ومحبة النبي ﷺ واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه ﷺ واتباع سنته والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك التكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب، وأعمال اللسان، وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء والذكر ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو وأعمال البدن، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة منها ما يتعلق بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهر حسا وحكما ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا والاعتكاف والتماس ليلة القدر والحج والعمرة والطواف كذلك، والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك والوفاء بالنذر والتحري في الإيمان وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين ويدخل فيه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة والرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمارة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد، ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حله وإنفاقه في حقه، ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها سبعا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضها إلى بعض مما ذكر، والله أعلم.

159

س: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟

ج: أدلته كثيرة منها قوِله تعالى: { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }. وقال النبي ﷺ: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء » [153] وقال ﷺ: " « نعما للعبد أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له » [154]

160

س: ما هو الإحسان في العبادة؟

ج: فسره النبي ﷺ في حديث سؤال جبريل لما قال له: « فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » [155] فبين ﷺ أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، أعلاهما عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان. الثاني: مقام المراقبة وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، ويتفاوت أهل هذين المقامين بحسب نفوذ البصائر.

161

س: ما هو ضد الإيمان؟

ج: ضد الإيمان الكفر، وهو أصل له شعب، كما أن الإيمان أصل له شعب، وقد عرفت مما تقدم أن أصل الإيمان هو التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد بالطاعة، فالكفر أصله الجحود والعناد المستلزم للاستكبار والعصيان، فالطاعات كلها من شعب الإيمان وقد سمى في النصوص كثير منها إيمانا كما قدمنا، والمعاصي كلها من شعب الكفر وقد سمى في النصوص كثير منها كفرا كما سيأتي، فإذا عرفت هذا عرفت أن الكفر كفران، كفر أكبر يخرج من الإيمان بالكلية وهو الكفر الاعتقادي المنافي لقول القلب وعمله أو لأحدهما، وكفر أصغر ينافي كمال الإيمان ولا ينافي مطلقه وهو الكفر العملي، الذي لا يناقض قول القلب ولا عمله ولا يستلزم ذلك.

162

س: بين كيفية منافاة الكفر الاعتقادي للإيمان بالكلية وفصل لي ما أجملته في إزالته إياه؟

ج: قد قدمنا لك أن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب هو: التصديق، وقول اللسان هو: التكلم بكلمة الإسلام، وعمل القلب هو: النية والإخلاص، وعمل الجوارح هو الانقياد بجميع الطاعات، فإذا زالت جميع هذه الأربعة قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح زال الإيمان بالكلية، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع البقية، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وذلك كمن كذب بأسماء الله وصفاته أو بأي شيء مما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وإنزال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان كله بزواله وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به.

163

س: كم أقسام الكفر الأكبر المخرج من الملة؟

ج: علم مما قدمناه أنه أربعة أقسام: كفر الجهل والتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق.

164

س: ما هو كفر الجهل والتكذيب؟

ج: هو ما كان ظاهرا وباطنا كغالب الكفار من قريش ومن قبلهم من الأمم الذين قال الله تعالى فيهم: { الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وقال تعالى: { وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } وقال تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } الآيات. وقال تعالى: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } الآيات وغيرها.

165

س: ما هو كفر الجحود؟

ج: هو ما كان بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنا ككفر فرعون وقومه بموسى، وكفر اليهود بمحمد ﷺ. قال الله تعالى في كفر فرعون وقومه: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وقال تعالى في اليهود: { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } وقال تعالى: { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

166

س: ما هو كفر العناد والاستكبار؟

ج: هو ما كان بعدم الانقياد للحق مع الإقرار به ككفر إبليس؛ إذ يقول الله تعالى فيه: { إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } وهو لم يمكنه جحود أمر الله بالسجود ولا إنكاره، وإنما اعترض عليه وطعن في حكمه الآمر به وعدله وقال: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وقال: { لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } وقال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }.

167

س: ما هو كفر النفاق؟

ج: هو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس، ككفر ابن سلول وحزبه الذين قال الله تعالى فيهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } إلى قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وغيرها من الآيات.

168

س: ما هو الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة؟

ج: هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر مع بقاء اسم الإيمان على عامله، كقول النبي ﷺ: « لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض » [156] وقوله ﷺ: « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » [157] فأطلق ﷺ على قتال المسلمين بعضهم بعضا أنه كفر، وسمى من يفعل ذلك كفارا، مع قول الله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } فأثبت الله تعالى لهم الإيمان وأخوة الإيمان ولم ينف عنهم شيئا من ذلك. وقال تعالى في آية القصاص: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ }. فأثبت تعالى له أخوة الإسلام ولم ينفها عنه، قال النبي ﷺ: « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد ». زاد في رواية: « ولا يقتل وهو مؤمن - وفي رواية - ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم » الحديث في الصحيحين، مع حديث أبي ذر فيهما أيضا قال ﷺ: « ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة » قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: « وإن زنى وإن سرق ثلاثا » ثم قال في الرابعة: " على رغم أنف أبي ذر". فهذا يدل على أنه لم ينف عن الزاني والسارق والشارب والقاتل مطلق الإيمان بالكلية مع التوحيد فإنه لو أراد ذلك لم يخبر بأن من مات على لا إله إلا الله دخل الجنة وإن فعل تلك المعاصي، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وإنما أراد بذلك نقص الإيمان ونفي كماله، وإنما يكفر العبد بتلك المعاصي مع استحلاله إياها المستلزم لتكذيب الكتاب والرسول في تحريمها بل يكفر باعتقاد حلها وإن لم يفعلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

169

س: إذا قيل لنا: هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر، فلم كان مخرجا من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي؟

ج: اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، لا يبقى معها شيء من ذلك، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولا بد، ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن { قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } إلا ذلك مع قولهم لما سئلوا: { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } قال الله تعالى: { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }. ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا، بل بالعملي المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله.

170

س: إلى كم ينقسم كل من الظلم والفسوق والنفاق؟

ج: ينقسم كل منهما إلى قسمين: أكبر هو الكفر، وأصغر دون ذلك.

171

س: ما مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر؟

ج: مثال الظلم الأكبر ما ذكره الله تعالى في قوله: { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } وقوله تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } وقوله تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }. ومثال الظلم الذي دون ذلك ما ذكر الله تعالى بقوله في الطلاق: { وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } وقوله تعالى: { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }.

172

س: ما مثال كل من الفسوق الأكبر والأصغر؟

ج: مثال الفسوق ما ذكره الله تعالى بقوله: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } وقوله تعالى: { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } وقوله تعالى: { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }. ومثال الفسوق الذي دون ذلك قوله تعالى في القذفة: { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } روي أنها نزلت في الوليد بن عقبة.

173

س: ما مثال كل من النفاق الأكبر والأصغر؟

ج: مثال النفاق الأكبر ما قدمنا ذكره في الآيات من صدر البقرة، وقوله تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } إلى قوله: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } الآيات، وقوله تعالى: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } وغير ذلك من الآيات. ومثال النفاق الذي دون ذلك ما ذكره النبي ﷺ بقوله: «

آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان » [158] وحديث: « أربع من كن فيه كان منافقا » [159] الحديث.

174

س: ما حكم السحر والساحر؟

ج: السحر متحقق وجوده وتأثيره مع مصادفة القدر الكوني، كما قال تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ } وتأثيره ثابت في الأحاديث الصحيحة. وأما الساحر فإن كان سحره مما يتلقى عن الشياطين، كما نصت عليه آية البقرة فهو كافر، لقوله تعالى: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } إلى قوله: { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } الآيات.

175

س: ما حد الساحر؟

ج: روى الترمذي عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: « حد الساحر ضربه بالسيف » [160] وصحح وقفه وقال العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل من سحره ما يبلغ الكفر فأما إذا عمل دون الكفر فلم ير عليه قتلا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر وابنه عبد الله وابنته حفصة، وعثمان بن عفان وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم رحمهم الله.

176

س: ما هي النشرة وما حكمها؟

ج: النشرة هي حل السحر عن المسحور فإن كان ذلك بسحر مثله فهي من عمل الشيطان، وإن كانت بالرقى والتعاويذ المشروعة فلا بأس بذلك.

177

س: ما هي الرقى المشروعة؟

ج: هي ما كانت من الكتاب والسنة خالصة وكانت باللسان العربي، واعتقد كل من الراقي والمرتقي أن تأثيرها لا يكون إلا بإذن الله عز وجل، « فإن النبي ﷺ قد رقاه جبريل عليه السلام » [161] ورقى هو كثيرا من الصحابة وأقرهم على فعلها بل وأمرهم بها وأحل لهم أخذ الأجرة عليها، كل ذلك في الصحيحين وغيرهما.

178

س: ما هي الرقى الممنوعة؟

ج: هي ما لم تكن من الكتاب ولا السنة، ولا كانت بالعربية، بل هي من عمل الشيطان واستخدامه والتقرب إليه بما يحبه، كما يفعله كثير من الدجاجلة والمشعوذين والمخرفين وكثير ممن ينظر في كتب الهياكل والطلاسم كشمس المعارف وشموس الأنوار وغيرهما مما أدخله أعداء الإسلام عليه وليست منه في شيء، ولا من علومه في ظل ولا فيء، كما بيناه في شرح السلم وغيره.

179

س: ما حكم التعاليق من التمائم والأوتار والحلق والخيوط والودع ونحوها؟

ج: قال النبي ﷺ: « من علق شيئا وكل إليه » [162] « وأرسل ﷺ في بعض أسفاره رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت » [163] وقال ﷺ: « إن الرقى والتمائم والتولة شرك » [164] وقال ﷺ: « من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له » [165] وفي رواية: « من تعلق تميمة فقد أشرك » [166] وقال ﷺ للذي رأى في يده حلقة من صفر: " ما هذا "؟ فقال: من الواهنة. قال: « انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا » [167] وقطع حذيفة رضي الله عنه خيطا من يد رجل، ثم تلا قوله تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: ( من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ) [168] وهذا في حكم المرفوع.

180

س: ما حكم المعلق إذا كان من القرآن؟

ج: يروى جوازه عن بعض السلف، وأكثرهم على منعه كعبد الله بن عكيم وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأصحابه رضي الله عنهم، وهو الأولى لعموم النهي عن التعليق، ولعدم شيء من المرفوع يخصص ذلك، ولصون القرآن عن إهانته إذ قد يحملونه غالبا على غير طهارة، ولئلا يتوصل بذلك إلى تعليق غيره، ولسد الذريعة عن اعتقاد المحظور والتفات القلوب إلى غير الله عز وجل، لا سيما في هذا الزمان.

181

س: ما حكم الكهان؟

ج: الكهان من الطواغيت وهم أولياء الشياطين الذين يوحون إليهم كما قال تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } الآية. ويتنزلون عليهم ويلقون إليهم الكلمة من السمع فيكذبون معها مائة كذبة كما قال تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } وقال ﷺ في حديث الوحي: « فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة » [169] الحديث في الصحيح بكماله. ومن ذلك الخط بالأرض الذي يسمونه ضرب الرمل، وكذا الطرق بالحصى ونحوه.

182

س: ما حكم من صدق كاهنا؟

ج: قال الله تعالى: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } وقال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } الآية. وقال تعالى: { أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } وقال تعالى: { أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى } وقال تعالى: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وقال النبي ﷺ: « من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » [170] وقال ﷺ: « من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما » [171]

183

س: ما حكم التنجيم؟

ج: قال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } وقال تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } وقال تعالى: { وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ }. وقال النبي ﷺ: « من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد » [172] وقال النبي ﷺ: « إنما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وحيف الأئمة » [173] وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: " ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق " [174] وقال قتادة رحمه الله تعالى: خلق الله هذه النجوم لثلاث زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به [175]

184

س: ما حكم الاستسقاء بالأنواء؟

ج: قال الله تعالى: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } وقال النبي ﷺ: « أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالأنواء والنياحة » [176] وقال ﷺ: « وقال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب » [177]

185

س: ما حكم الطيرة وما يذهبها؟

ج: قال الله تعالى: { أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } وقال النبي ﷺ: « لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر » [178] وقال ﷺ: « الطيرة شرك، الطيرة شرك ». قال ابن مسعود: وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل [179] وقال ﷺ: « إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك » [180] ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو: « من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: " أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك » [181] وقال النبي ﷺ: « أصدقها الفأل ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك » [182]

186

س: ما حكم العين؟

ج: قال النبي ﷺ: « العين حق » [183] ورأى ﷺ جارية في وجهها سفعة فقال: « استرقوا لها فإن بها النظرة » [184] وقالت عائشة رضي الله عنها: « أمرني النبي ﷺ أو أمر النبي ﷺ أن يسترقى من العين » [185] وقال ﷺ: « لا رقية إلا من عين أو حمة » [186] وكلها في الصحيح. وفيها أحاديث غير ما ذكرنا كثيرة، ولا تأثير لها إلا بإذن الله، وقد فسر بها قوله عز وجل: { وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ } عن كثير من السلف رضي الله عنهم.

187

س: إلى كم قسم تنقسم المعاصي؟

ج: تنقسم إلى صغائر هي السيئات، وكبائر هي الموبقات.

188

س: بماذا تكفر السيئات؟

ج: قال الله تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } وقال تعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } فأخبرنا الله تعالى أن السيئات تكفر باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات. وكذلك جاء في الحديث: « وأتبع السيئة الحسنة تمحها » [187] وكذلك جاء في الأحاديث الصحيحة أن إسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الخطا إلى المساجد والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان وقيام ليلة القدر وصيام عاشوراء وغيرها من الطاعات أنها كفارات للسيئات والخطايا، وأكثر تلك الأحاديث فيها تقييد ذلك باجتناب الكبائر، وعليه يحمل المطلق منها فيكون اجتناب الكبائر شرطا في تكفير الصغائر بالحسنات وبدونها.

189

س: ما هي الكبائر؟

ج: في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم فقيل: هي كل ذنب ترتب عليه حد، وقيل: هي كل ذنب أتبع بلعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة، وقيل: هي كل ذنب يشعر فعله بعدم اكتراث فاعله بالدين وعدم مبالاته به وقلة خشيته من الله، وقيل غير ذلك، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسمية كثير من الذنوب كبائر على تفاوت درجاتها فمنها كفر أكبر كالشرك بالله والسحر، ومنها عظيم من كبائر الإثم والفواحش وهو دون ذلك كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والتولي يوم الزحف وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقول الزور، ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وشرب الخمر وعقوق الوالدين وغير ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع " [188] ا هـ. ومن تتبع الذنوب التي أطلق عليها أنها كبائر وجدها أكثر من السبعين، فكيف إذا تتبع جميع ما جاء عليه الوعيد الشديد في الكتاب والسنة من إتباعه بلعنة أو غضب أو عذاب أو محاربة أو غير ذلك من ألفاظ الوعيد، فإنه يجدها كثيرة جدا.

190

س: بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟

ج: تكفر جميعها بالتوبة النصوح، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } وعسى من الله محققة، وقال تعالى: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }. الآيات، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }. الآيات وغيرها، وقال النبي ﷺ: « التوبة تجب ما قبلها »، وقال ﷺ: « لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني فنام نومة ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده » [189]

191

س: ما هي التوبة النصوح؟

ج: هي الصادقة التي اجتمع فيها ثلاثة أشياء: الإقلاع عن الذنب والندم على ارتكابه، والعزم على أن لا يعود أبدا، وإن كان فيه مظلمة لمسلم تحللها منه إن أمكن، فإنه سيطالب بها يوم القيامة، إن لم يتحللها من اليوم ويقتص منه لا محالة، وهو من الظلم الذي لا يترك الله منه شيئا، قال ﷺ: « من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له حسنات أخذ من حسناته وإلا أخذ سيئات أخيه فطرحت عليه » [190]

192

س: متى تنقطع التوبة في حق كل فرد من أفراد الناس؟

ج: قال الله تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة سواء كان عمدا أو غيره وأن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وقال النبي ﷺ: « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » [191] ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، فأما إذا عاين الملك، وحشرجت الروح في الصدر وبلغت الحلقوم وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم فلا توبة مقبولة حينئذ ولا فكاك ولا خلاص { وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ } وذلك قوله عز وجل عقب هذه الآية: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ }. الآية.

193

س: متى تنقطع التوبة من عمر الدنيا؟

ج: قال الله تعالى: { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } الآية. وفي صحيح البخاري: قال رسول الله ﷺ: « لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك من حين { لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } » [192] ثم قرأ الآية وقد وردت في معناها أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ في الأمهات وغيرها، وقال صفوان بن عسال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه » [193] رواه الترمذي، وصححه النسائي، وابن ماجه في حديث طويل.

194

س: ما حكم من مات من الموحدين مصرا على كبيرة؟

ج: قال الله عز وجل: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } وقال تعالى: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } وقال تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ } الآية. وقال تعالى: { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وقال تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وقال تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } وغير ذلك من الآيات. « وقال النبي ﷺ: « من نوقش الحساب عذب » فقالت له عائشة رضي الله عنها: أليس يقول الله: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } قال: « بلى وإنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب عذب ».[194] وقد قدمنا من النصوص في الحشر وأحوال الموقف والميزان ونشر الصحف والعرض والحساب والصراط والشفاعات وغيرها ما يعلم به تفاوت مراتب الناس وتباين أحوالهم في الآخرة بحسب تفاوتهم في الدار الدنيا في طاعة ربهم وضدها من سابق ومقتصد وظالم لنفسه، إذا عرفت هذا فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات:

الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدا.

الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال الله تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتناديهم فيها، قال: { وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } إلى قوله: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ }.

الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى أن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فيحد لهم حدا فيخرجونهم، ثم يحد لهم حدا فيخرجونهم وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيرا. ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذابا في النار وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنبا وأضعف إيمانا كان بضد ذلك، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: « من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه » [195] وهذا مقام ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام واختلفوا فيه اختلافا كثيرا: { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }.

195

س: هل الحدود كفارات لأهلها؟

ج: قال النبي ﷺ وحوله عصابة من أصحابه: « بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه »، يعني غير الشرك، قال عبادة: فبايعناه على ذلك [196]

196

س: ما الجمع بين قوله ﷺ في هذا الحديث: « فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه » وبين ما تقدم من أن من رجحت سيئاته بحسناته دخل النار؟

ج: لا منافاة بينهما، فإن ما يشاء الله أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير الذي فسره النبي ﷺ بالعرض، وقال في صفته: « يدنو أحدكم من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم » [197] وأما الذين يدخلون النار بذنوبهم فهم ممن يناقش الحساب، وقد قال ﷺ: « من نوقش الحساب عذب ».

197

س: ما هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى بسلوكه، ونهانا عن اتباع غيره؟

ج: هو دين الإسلام الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه ولم يقبل من أحد سواه ولا ينجو إلا من سلكه، ومن سلك غيره تشعبت عليه الطرق وتفرقت به السبل، قال الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } وخط النبي ﷺ خطا ثم قال: « هذا سبيل الله مستقيما » [198] وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: « هذه سبل ليس منها سبيل إلا عليه الشيطان يدعو إليه »، ثم قرأ: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } وقال ﷺ: « ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم » [199]

198

س: بماذا يتأتى سلوكه والسلامة من الانحراف عنه؟

ج: لا يحصل ذلك إلا بالتمسك بالكتاب والسنة والسير بسيرهما والوقوف عند حدودهما وبذلك يحصل تجريد التوحيد لله، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } وهؤلاء المنعم عليهم المذكورون هاهنا تفصيلا هم الذين أضاف الصراط إليهم في فاتحة اِلكتاب بقوله تعاليِ: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } ولا أعظم نعمة على العبد من هدايته إلى هذا الصراط المستقيم، وتجنيبه السبل المضلة، وقد ترك النبي ﷺ أمته على ذلك كما قال النبي ﷺ: « تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك » [200]

199

س: ما ضد السنة؟

ج: ضدها البدع المحدثة وهي شرع ما لم يأذن به الله، وهي التي عناها النبي ﷺ بقوله: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » [201] وقوله ﷺ: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة ضلالة » [202] وأشار ﷺ إلى وقوعها بقوله: « وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة » [203] وعينها بقوله ﷺ: « هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ». وقد برأه الله تعالى من أهل البدع بقوله: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ } الآية.

200

س: إلى كم قسم تنقسم البدعة باعتبار إخلالها بالدين؟

ج: تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة دون ذلك.

201

س: ما هي البدع المكفرة؟

ج: هي كثيرة وضابطها من أنكر أمرا مجمعا عليه متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة؛ لأن ذلك تكذيب بالكتاب، وبما أرسل الله به رسله كبدعة الجهمية في إنكار صفات الله عز وجل، والقول بخلق القرآن أو خلق أي صفة من صفات الله عز وجل، وإنكار أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما وغير ذلك، وكبدعة القدرية في إنكار علم الله وأفعاله وقضائه وقدره، وكبدعة المجسمة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه وغير ذلك من الأهواء، ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه فهذا مقطوع بكفره بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له، وآخرون مغرورون ملبس عليهم فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم، وإلزامهم بها.

202

س: ما هي البدعة التي هي غير مكفرة؟

ج: هي ما لم تكن كذلك مما لم يلزم منه تكذيب بالكتاب ولا بشيء بما أرسل الله به رسله، كبدعة المروانية التي أنكرها عليهم فضلاء الصحابة ولم يقروهم عليها، ولم يكفروهم بشيء منها ولم ينزعوا يدا من بيعتهم لأجلها كتأخيرهم بعض الصلوات إلى أواخر أوقاتها، وتقديمهم الخطبة قبل صلاة العيد، والجلوس في نفس الخطبة في الجمعة وغيرها، وسبهم بعض كبار الصحابة على المنابر، ونحو ذلك مما لم يكن منهم عن اعتقاد شرعية بل بنوع تأويل وشهوات نفسانية وأغراض دنيوية.

203

س: كم أقسام البدع بحسب ما تقع فيه؟

ج: تنقسم إلى: بدع في العبادات، وبدع في المعاملات.

204

س: إلى كم قسم تنقسم البدع في العبادات؟

ج: إلى قسمين: الأول: التعبد بما لم يأذن الله أن يعبد به البتة، كتعبد جهلة المتصوفة بآلات اللهو والرقص والصفق والغناء وأنواع المعازف وغيرهما مما هم فيه مضاهئون فعل الذين قال الله تعالى فيهم: { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً }.

الثاني: التعبد بما أصله مشروع، ولكن وضع في غير موضعه ككشف الرأس مثلا هو في الإحرام عبادة مشروعة، فإذا فعله غير المحرم في الصوم أو في الصلاة أو غيرها بنية التعبد كان بدعة محرمة، وكذلك فعل سائر العبادات المشروعة في غير ما تشرع فيه كالصلوات النفل في أوقات النهي، وكصيام يوم الشك، وصيام العيدين، ونحو ذلك.

205

س: كم حالة للبدعة مع العبادة التي تقع فيها؟

ج: لها حالتان:

الأولى: أن تبطلها جميعا كمن زاد في صلاة الفجر ركعة ثالثة أو في المغرب رابعة أو في الرباعية خامسة متعمدا، وكذلك إن نقص مثل ذلك.

الحالة الثانية: أن تبطل البدعة وحدها كما هي باطلة ويسلم العمل الذي وقعت فيه كمن زاد في الوضوء على ثلاث غسلات فإن النبي ﷺ لم يقل ببطلانه بل قال: « فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم » [204] ونحو ذلك.

206

س: ما هي البدع في المعاملات؟

ج: هي اشتراط ما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، كاشتراط الولاء لغير المعتق كما في قصة بريرة لما اشترط أهلها الولاء قام النبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق ما بال رجال منكم يقول أحدهم: اعتق يا فلان ولي الولاء إنما الولاء لمن أعتق » [205] وكذلك كل شرط أحل حراما أو حرم حلالا.

207

س: ما الواجب التزامه في أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته؟

ج: الواجب لهم علينا سلامة قلوبنا وألسنتنا لهم، ونشر فضائلهم والكف عن مساويهم وما شجر بينهم، والتنويه بشأنهم كما نوه تعالى بذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وثبتت الأحاديث الصحيحة في الكتب المشهورة من الأمهات، وغيرها في فضائلهم، قال الله عز وجل: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } وقال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وقال تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } الآية. وقال تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } الآية، وغيرها كثير. ونعلم ونعتقد أن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » [206] وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وبأنه « لا يدخل النار ممن بايع تحت الشجرة » [207] بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا ألفا وأربعمائة وقيل خمسمائة؛ قال الله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ }. الآية. ونشهد بأنهم أفضل القرون من هذه الأمة التي هي أفضل الأمم، وأن من أنفق مثل أحد ذهبا ممن بعدهم لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه، مع الاعتقاد أنهم لم يكونوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ، ولكنهم مجتهدون للمصيب منهم أجران ولمن أخطأ أجر واحد على اجتهاده وخطؤه مغفور، ولهم من الفضائل والصالحات والسوابق ما يذهب سيئ ما وقع منهم إن وقع، وهل يغير يسير النجاسة البحر إذا وقعت فيه؟ رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك القول في زوجات النبي ﷺ وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ونبرأ من كل من وقع في صدره أو لسانه سوء على أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته أو على أحد منهم، ونشهد الله تعالى على حبهم وموالاتهم والذب عنهم ما استطعنا حفظا لرسول الله ﷺ في وصيته إذ يقول: « لا تسبوا أصحابي » [208] وقال: « الله الله في أصحابي » [209] وقال: « إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به » [210] ثم قال: « وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ». الحديث في الصحيحين وغيرهما.

208

س: من أفضل الصحابة إجمالا؟

ج: أفضلهم السابقون الأولون من المهاجرين، ثم من الأنصار، ثم أهل بدر، فأحد، فبيعة الرضوان، فمن بعدهم، ثم { مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى }.

209

س: من أفضل الصحابة تفصيلا؟

ج: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: « كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم » [211] وقال النبي ﷺ لأبي بكر في الغار: « ما ظنك باثنين الله ثالثهما » [212] وقال ﷺ: « لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي » [213] وقال ﷺ: « إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي » [214] مرتين وقال النبي ﷺ: « إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك » [215] وقال ﷺ: « لقد كان فيما قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر » [216] وقال ﷺ في تكلم الذئب والبقرة: « فإني أومن به وأبو بكر وعمر » [217] وما هما ثَمَّ، ولما ذهب عثمان إلى مكة في بيعة الرضوان قال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: « هذه يد عثمان " فضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان » [218] وقال ﷺ: « من يحفر بئر رومة فله الجنة » [219] فحفرها عثمان، وقال ﷺ: « من جهز جيش العسرة فله الجنة » [220] فجهزه عثمان، وقال ﷺ فيه: « ألا أستحي ممن استحيت منه الملائكة » [221] وقال ﷺ لعلي رضي الله عنه: « أنت مني وأنا منك » [222] وأخبر ﷺ عنه « أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله » [223] وقال ﷺ: « من كنت مولاه فعلي مولاه » [224] وقال ﷺ: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي » [225] وقال: [226] "عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، قال سعيد بن زيد: ولو شئت لسميت العاشر يعني نفسه" [227] رضي الله عنهم أجمعين، وقال ﷺ: « أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله عز وجل أبيّ، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح » [228] وقال ﷺ في الحسن والحسين: « إنهما سيدا شباب أهل الجنة » [229] « وأنهما ريحانتاه » [230] وقال ﷺ: « اللهم إني أحبهما فأحبهما » [231] وقال في الحسن: « إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » [232] فكان الأمر كما قال، وقال في أمهما: « إنها سيدة نساء أهل الجنة » [233] وقد ثبت لكثير من الصحابة فضائل على العموم والانفراد كثيرة لا تحصى، ولا يلزم من إثبات فضيلة لأحدهم في شيء أن يكون أفضل من الآخرين من كل وجه إلا الخلفاء الأربعة، أما الثلاثة فلحديث ابن عمر السابق، وأما علي فبإجماع أهل السنة أنه كان بعدهم أفضل من على وجه الأرض.

210

س: كم مدة الخلافة بعد رسول الله ﷺ؟

ج: روى أبو داود وغيره عن سعيد بن جُمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: « خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء » [234] الحديث، فكان ذلك مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فأبو بكر سنتان وثلاثة أشهر، وعمر عشر سنين وستة أشهر، وعثمان اثنتا عشرة سنة، وعلي أربع سنين وتسعة أشهر ويكملهما ثلاثين بيعة الحسن بن علي ستة أشهر، وأول ملوك الإسلام معاوية رضي الله عنه، وهو خيرهم وأفضلهم ثم كان بعده ملكا عضوضا إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فعده أهل السنة خليفة خامسا لسيره بسيرة الخلفاء الراشدين.

211

س: ما الدليل على خلافة هؤلاء الأربعة جملة؟

ج: الأدلة عليها كثيرة لا تحصى، فمنها حصر مدتها في ثلاثين سنة فكانت مدة ولايتهم، ومنها ما تقدم من تفضيلهم على غيرهم وتفاضلهم على ترتيب خلافتهم، ومنها ما روى أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: « يا رسول الله إني رأيت كأن دلوا أُدلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء » [235] ومنها وهو أقواها إجماعًا من يعتد بإجماعهم على خلافة هؤلاء الأربعة، ولا يطعن في خلافة أحد منهم إلا ضال مبتدع.

212

س: ما الدليل على خلافة الثلاثة إجمالا؟

ج: الأدلة على ذلك كثيرة منها ما تقدم، ومنها حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال ذات يوم: « من رأى منكم رؤيا "؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان » [236] وقال ﷺ: « أرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر » [237] وكلا الحديثين في السنن.

213

س: ما الدليل على خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إجمالا؟

ج: على ذلك أدلة كثيرة، منها ما في الصحيح قال ﷺ: « بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله ثم، أخذه ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن » [238]

214

س: ما الدليل على خلافة أبي بكر وتقديمه فيها؟

ج: الأدلة على ذلك لا تحصى، منها ما تقدم، ومنها ما في صحيح البخاري ومسلم "أن امرأة أتت النبي ﷺ فأمرها أن ترجع قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: « إن لم تجديني فأتي أبا بكر » ومنها ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: « قال لي رسول الله ﷺ: « ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر » [239] وهكذا قال ﷺ في تقديمه في الصلاة في مرض موته ﷺ وأجمع على بيعته جميع أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار فمن بعدهم.

215

س: ما الدليل على تقديم عمر في الخلافة بعد أبي بكر؟

ج: أدلته كثيرة منها ما تقدم، ومنها قوله ﷺ: « إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي » [240] وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومنها ما في حديث الفتنة التي تموج كموج البحر، قال حذيفة رضي الله عنه لعمر: « إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال أيفتح أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال عمر: إذا لا يغلق، فكان الباب عمر وكسره قتله، فلم يرفع بعده سيف بين الأمة » [241] وقد أجمعت الأمة على تقديمه في الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنهما.

216

س: ما الدليل على تقديم عثمان بعدهما في الخلافة؟

ج: الأدلة على ذلك كثيرة منها ما تقدم، ومنها حديث كعب بن عجرة قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله ﷺ: « هذا يومئذ على الهدى » فوثبت فأخذت بضبعي عثمان ثم استقبلت رسول الله، فقلت: هذا. قال: « هذا ». رواه ابن ماجه، ورواه الترمذي عن مرة بن كعب وقال: هذا حديث حسن صحيح [242] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "قال رسول الله ﷺ: « يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه » يقول ذلك ثلاث مرات" [243] رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. وأجمع على بيعته أهل الشورى ثم سائر الصحابة، وأول من بايعه علي رضي الله عنه بعد عبد الرحمن بن عوف ثم الناس بعده.

217

س: ما الدليل على خلافة علي وأولويته بالحق بعدهم؟

ج: أدلة ذلك كثيرة، منها ما تقدم، ومنها قول النبي ﷺ: « ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار » [244] فكان مع علي رضي الله عنه فقتله أهل الشام وهو يدعوهم إلى السنة والجماعة وطاعة الإمام الحق علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ والحديث في الصحيح، وفيه قال ﷺ: « تمرق مارقة على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالحق » [245] فمرقت الخوارج فقتلهم علي رضي الله عنه يوم النهروان، وهو الأولى بالحق بإجماع أهل السنة قاطبة، رحمهم الله تعالى.

218

س: ما الواجب لولاة الأمور؟

ج: الواجب لهم النصيحة بموالاتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكيرهم برفق، والصلاة خلفهم والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، والصبر عليهم وإن جاروا، وترك الخروج بالسيف عليهم، ما لم يظهروا كفرا بواحا، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح والتوفيق.

219

س: ما الدليل على ذلك؟

ج: الأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } الآية. وقول النبي ﷺ: « اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد » [246] وقال ﷺ: « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية » [247] وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: « دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان » [248] وقال ﷺ: « إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا » [249] وقال ﷺ: « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » [250] وقال: « إنما الطاعة في المعروف » [251] وقال ﷺ: « وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع » [252] وقال ﷺ: « من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » [253] وقال ﷺ: « من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهو جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان » [254] وقال ﷺ: « ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع " قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما صلوا » [255] وغير ذلك من الأحاديث، وهذه كلها في الصحيح.

220

س: على من يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما مراتبه؟

ج: قال الله عز وجل: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وقال النبي ﷺ: « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان » رواه مسلم. وفي هذا الباب من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ما لا يحصى، وكلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من رآه لا يسقط عنه إلا أن يقوم به غيره كل بحسبه، وكل ما كان العبد على ذلك أقدر وبه أعلم كان عليه أوجب وله ألزم، ولم ينج عند نزول العذاب بأهل المعاصي إلا الناهون عنها، وقد أفردنا هذه المسألة برسالة بها وافية ولطالبي الحق كافية، ولله الحمد والمنة.

221

س: ما حكم كرامات الأولياء؟

ج: كرامات الأولياء حق، وهو ظهور الأمر الخارق على أيديهم الذي لا صنع لهم فيه، ولم يكن بطريق التحدي، بل يجريه الله على أيديهم، وإن لم يعلموا به كقصة أصحاب الكهف، وأصحاب الصخرة [256] وجريج الراهب [257] وكلها معجزات لأنبيائهم، ولهذا كانت في هذه الأمة أكثر وأعظم لعظم معجزات نبيها، وكرامته على الله عز وجل، كما وقع لأبي بكر في أيام الردة [258] وكنداء عمر لسارية وهو على المنبر فأبلغه وهو بالشام [259] وككتابته إلى نيل مصر فجرى [260] وكخيل العلاء بن الحضرمي إذ خاض بها البحر في غزو الروم، وكصلاة أبي مسلم الخولاني في النار التي أوقدها له الأسود العنسي، وغير ذلك مما وقع لكثير منهم في زمن النبي ﷺ وبعده في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم إلى الآن، وإلى يوم القيامة، وكلها في الحقيقة معجزات لنبينا ﷺ لأنهم إنما نالوا ذلك بمتابعته، فإن اتفق شيء من الخوارق لغير متبع النبي فهي فتنة وشعوذة لا كرامة، وليس من اتفقت له من أولياء الرحمن بل من أولياء الشيطان، والعياذ بالله.

222

س: من هم أولياء الله؟

ج: هم كل من آمن بالله واتقاه واتبع رسوله ﷺ وقال الله تعالى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ثم بينهم فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } الآيات. وقال تعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } الآية. وقال تعالى: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } وقال النبي ﷺ: « إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما أوليائي المتقون » [261] وقال الحسن رحمه الله تعالى: ادعى قوم محبة الله، فامتحنهم الله بهذه الآية: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } الآية. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقوه ولا تغتروا به حتى تعلموا متابعته للرسول ﷺ".

223

س: من هي الطائفة التي عناها النبي ﷺ بقوله: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى » [262]؟

ج: هذه الطائفة هي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة، كما استثناها النبي ﷺ من تلك الفرق بقوله: « كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » وفي رواية قال: « هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ». نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.

يقول جامعه غفر الله تعالى له ولوالديه: فرغت من تسويده نهار الاثنين أول يوم من شهر شعبان عام خمسة وستين بعد الثلاثمائة والألف من هجرة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

وفرغت من تبيضه نهار الأحد رابع عشر من الشهر المذكور، جعل الله سعينا خالصا لوجهه آمين.

*

هامش

  1. مسلم
  2. مسلم
  3. متفق عليه
  4. صحيح مسلم
  5. مسلم
  6. مسلم
  7. )، رواه الحسن بن سفيان في الأربعين والبغوي في شرح السنة ( 1 / 213 ) وتاريخ بغداد ( 4 / 369 ) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد، قال ابن عساكر: وهو حديث غريب، قال الألباني: يعني ضعيف، اهـ. ( تعليقه على السنة لابن أبي عاصم 15 )
  8. متفق عليه
  9. صحيح البخاري
  10. متفق عليه
  11. متفق عليه
  12. متفق عليه
  13. متفق عليه
  14. مسلم
  15. متفق عليه
  16. أبو داود والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنة الألباني
  17. متفق عليه
  18. مسلم وابن ماجه واللفظ له.
  19. متفق عليه
  20. متفق عليه
  21. متفق عليه
  22. مسند أحمد وشرح السنة للبغوي. وهو في الصحيحة 951.
  23. ابن ماجه ( 4204 )
  24. أبو داود والنسائي وصححه الألباني.
  25. ينظر النسائي ( 3773 )، قال الحافظ في الإصابة ( 4 / 329 ): أخرجه النسائي وسنده صحيح.
  26. رواه أبو داود وقال الألباني: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
  27. رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني.
  28. أحمد وابن ماجه والنسائي في الكبرى. قال العراقي: رواه النسائي في الكبرى وابن ماجه بإسناد حسن، ا هـ. ( إتحاف 7 / 574 )
  29. أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي.
  30. أحمد وأبو داود وابن ماجة، وبنحوه عند مسلم.
  31. أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي وابن أبي عاصم. قال الحافظ في الفتح ( 8 / 739 ): وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عن أبي يعلى والطبري والطبراني في الأوسط، ا هـ. وقد حسن إسناده السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 410 ) من حديث جابر، ا هـ. قال الهيثمي ( 7 / 146 ): رواه الطبراني في الأوسط، ا هـ.
  32. البخاري
  33. رواه أحمد وابن حبان والحاكم وأبو يعلى وهو في الصحيحة ( 199
  34. متفق عليه
  35. من حديث أنس ولفظه: «.. بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.. » رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني. ورواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
  36. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه قال الإمام الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحافظ العراقي: رواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وصححه من حديث عثمان، ا هـ. قال الزبيدي: وكذلك رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن السني وأبو نعيم في الحلية والضياء في المختارة، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ: « من قال ذلك إذا أصبح وإذا أمسى ثلاث مرات.. » ( إتحاف 5 / 131، 132 )، وقد صححه الألباني.
  37. رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، قال الشيخ شاكر: إسناده صحيح. وقد صححه الألباني
  38. مسلم وأحمد
  39. متفق عليه
  40. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة الأسلمي، ورواه الحاكم والنسائي من حديث محجن بن الأدرع، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.
  41. رواه الترمذي وأحمد والحاكم. قال الألباني: وهو على شرط مسلم. ( مشكاة 102 ) وصححه في تعليقه على كتاب السنة لابن أبي عاصم ( 1 / ح 225 ).
  42. مسلم
  43. متفق عليه
  44. متفق عليه
  45. البخاري
  46. متفق عليه
  47. ابن أبي عاصم في السنة ( 515 )، والآجري في الشريعة ( 126 )
  48. متفق عليه
  49. متفق عليه
  50. متفق عليه
  51. متفق عليه
  52. متفق عليه
  53. متفق عليه
  54. مسلم
  55. ضعيف أبي داود
  56. مسلم
  57. متفق عليه
  58. متفق عليه
  59. البخاري
  60. مسلم
  61. أحمد
  62. أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم، وصححه الألباني.
  63. مسلم
  64. أحمد والترمذي والدارمي. قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف جدا من أجل الحارث الأعور.
  65. ينظر كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل
  66. متفق عليه
  67. متفق عليه
  68. رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذلك الألباني في تحذير الساجد.
  69. أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني. وفي مسلم: « لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله »
  70. متفق عليه
  71. متفق عليه
  72. أحمد والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان، وصححه الألباني. وفي مسلم: « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة »
  73. متفق عليه
  74. مسلم
  75. متفق عليه
  76. متفق عليه
  77. متفق عليه
  78. متفق عليه
  79. متفق عليه
  80. متفق عليه
  81. البخاري
  82. متفق عليه
  83. متفق عليه
  84. قال الهيثمي في المجمع ( 10 / 338 ): رواه عبد الله بن أحمد والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط: أن لقيطا. ا هـ. قال الألباني عن أبي دلهم وجده إنهما مجهولان. وضعف إسناد الحديث بذلك. ( ظلال الجنة 1 / 231 ).
  85. البخاري وأحمد
  86. متفق عليه
  87. متفق عليه
  88. متفق عليه
  89. متفق عليه
  90. متفق عليه
  91. متفق عليه
  92. متفق عليه
  93. متفق عليه
  94. متفق عليه
  95. أحمد وأبو داود والحاكم وضعفه الألباني.
  96. أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم والبغوي في شرح السنة، وصححه الألباني.
  97. قال الهيثمي في المجمع ( 9 / 289 ): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق ( وذكر بعض ألفاظه ) وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبو يعلى رجال الصحيح. ا هـ. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
  98. متفق عليه
  99. متفق عليه
  100. مسلم وأحمد
  101. متفق عليه
  102. البخاري
  103. البخاري
  104. متفق عليه
  105. البخاري
  106. متفق عليه
  107. البخاري
  108. متفق عليه
  109. متفق عليه
  110. البخاري
  111. متفق عليه
  112. متفق عليه
  113. متفق عليه
  114. متفق عليه
  115. أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقال الألباني: حسن صحيح.
  116. مسلم
  117. متفق عليه
  118. متفق عليه
  119. البخاري
  120. مسلم
  121. متفق عليه
  122. البخاري
  123. متفق عليه
  124. متفق عليه
  125. متفق عليه
  126. متفق عليه
  127. أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.
  128. مسلم
  129. مسلم
  130. متفق عليه
  131. متفق عليه
  132. متفق عليه
  133. متفق عليه
  134. مسلم
  135. أحمد وأبو داود والترمذي وابن أبي عاصم. وصححه الألباني.
  136. البخاري
  137. البيهقي في الأسماء والطبري في التفسير. قال الحافظ في المطالب: حديث غريب، وعلق الأعظمي بقوله: أخرجه البزار أيضا، قال البوصيري: رواه إسحاق والبزار بسند ضعيف ( 1 / 89 ).
  138. أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والسنة لابن أبي عاصم. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو في الصحيحة 1639.
  139. أحمد والترمذي. وقال شاكر: إسناده صحيح. وحسن إسناده الألباني في الصحيحة ( 848 ).
  140. رواه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: اسم أبي حمزة ثابت وهو واه بمرة.
  141. الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
  142. مسلم
  143. أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقال الألباني: وبالجملة فأرجو أن يصل الحديث إلى مرتبة الحسن، ا هـ. ( مشكلة الفقر ح 11 ).
  144. مسلم
  145. البخاري
  146. متفق عليه
  147. مسند أبي داود الطيالسي
  148. متفق عليه
  149. مسلم
  150. مسلم
  151. مسلم
  152. متفق عليه
  153. مسلم
  154. متفق عليه
  155. البخاري
  156. متفق عليه
  157. متفق عليه
  158. متفق عليه
  159. متفق عليه
  160. رواه الترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي والطبراني في الكبير وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الآبادي تعليقا على الدارقطني: الحديث أخرجه الحاكم والبيهقي والترمذي، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، ا هـ. قال الحافظ في التقريب: وكان فقيها ضعيف الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع: هو ثقة ويروي عن الحسن أيضا، والصحيح عن جندب موقوف، ا هـ. قال البيهقي: إسماعيل بن مسلم ضعيف. وقد ضعف الحديث ابن حجر والألباني.
  161. مسلم
  162. أحمد والترمذي والحاكم وعبد الرزاق. وحسنه في صحيح سنن الترمذي.
  163. متفق عليه
  164. أحمد وأبو داود وابن ماجه. وصححه الألباني في صحيح أبي داود وحسن إسناده أحمد شاكر. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
  165. أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم ثقات، ا هـ. وفي سنده خالد بن عبيد المعافري، قال الحافظ في التعجيل عنه: ورجال حديثه موثوقون ( 262 )، وقال المنذري: إسناده جيد.
  166. رواه أحمد والحاكم. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات ( 5 / 103 ) وقال المنذري في الترغيب: ورواة أحمد ثقات. وهو في الصحيحة 492.
  167. أحمد وابن ماجه وابن حبان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وهو في الضعيفة 1029.
  168. ابن أبي شيبة وفي سنده الليث بن أبي سليم بن زنيم، قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، ا هـ.
  169. البخاري
  170. أحمد والبيهقي والحاكم وصححه. وصحح إسناده أحمد شاكر. وهو في صحيح الجامع 5815.
  171. مسلم
  172. أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي. وصححه الألباني وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
  173. قال الهيثمي في المجمع ( 7 / 203 ): عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: « إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم وتكذيب بالقدر وحيف السلطان ». رواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو لين وبقية رجاله وثقوا، ا هـ. وذكر الألباني أن للحديث شواهد يرتقي بها إلى الصحة في الصحيحة 1127.
  174. البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وهو في الدر المنثور.
  175. أورده السيوطي في الدر المنثور.
  176. مسلم
  177. متفق عليه
  178. متفق عليه
  179. أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي والبغوي في شرح السنة والحاكم وصححه وأقره الذهبي ووافقه الألباني. وصححه الحافظ العراقي.
  180. رواه أحمد. قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف لانقطاعه، ا هـ.
  181. قال الهيثمي ( 5 / 105 ): رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. اهـ وهو في الصحيحة 1065.
  182. رواه أبو داود والبيهقي وابن السني. وضعفه الألباني
  183. متفق عليه
  184. متفق عليه
  185. متفق عليه
  186. متفق عليه
  187. أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني.
  188. عبد الرزاق والطبري في التفسير.
  189. متفق عليه
  190. تقدم
  191. أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني.
  192. متفق عليه
  193. أحمد والترمذي وابن ماجة. وحسنه الألباني.
  194. تقدم
  195. البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم. وهو في الصحيحة 1932.
  196. متفق عليه
  197. تقدم
  198. أحمد والحاكم وابن حبان والبغوي في شرح السنة وابن أبي عاصم وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني.
  199. رواه أحمد والترمذي والحاكم والطحاوي في مشكل الآثار وابن أبي عاصم، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.
  200. رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وابن أبي عاصم؛ وصححه الألباني.
  201. متفق عليه
  202. أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. هو في صحيح ابن ماجة.
  203. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم. قال الألباني: حسن صحيح.
  204. وذكر ابن حجر في التلخيص ( 1 / 83 ) صحة طرق الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي وابن خزيمة وابن ماجه وأبي داود. وذكر الألباني أن إسناده عند النسائي وابن ماجه وأبي داود حسن إلا في زيادة لفظ ( أو نقص ) فهي زيادة منكرة.
  205. متفق عليه
  206. متفق عليه
  207. مسلم وأبو داود والترمذي
  208. متفق عليه
  209. أحمد والترمذي وابن حبان وابن أبي عاصم وأبو نعيم. وفي سنده عبد الرحمن بن زياد ويقال عبد الله بن عبد الرحمن أو عبد الرحمن بن عبد الله. لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي: لا يعرف. وقال يحيى بن معين: لا أعرفه. وقال الحافظ في التقريب: مقبول، ا هـ. يعني عند المتابعة.
  210. مسلم
  211. البخاري
  212. البخاري
  213. متفق عليه
  214. البخاري
  215. متفق عليه
  216. متفق عليه
  217. متفق عليه
  218. البخاري
  219. البخاري
  220. البخاري
  221. مسلم
  222. البخاري
  223. متفق عليه
  224. رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم وابن أبي عاصم في السنة وابن حبان والطبراني. قال الهيثمي في المجمع ( 9 / 104 ): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي. وذكر الألباني أن الحديث ورد من طرق كثيرة عن عشرة من الصحابة كلها بين صحيح وحسن، ثم قال إنه حديث صحيح بشرطيه بل الأول منه متواتر عنه ﷺ ( الصحيحة 1750 ).
  225. متفق عليه
  226. القائل سعيد بن زيد.
  227. أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي عاصم، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وصححه الألباني.
  228. أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني.
  229. أحمد والترمذي والحاكم وقال: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة، وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله قلت: الحكم فيه لين. قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ. وورد الحديث عن عشرة من الصحابة ذكر طرقها الألباني في الصحيحة 796 ثم قال: فالحديث صحيح بلا ريب، بل هو متواتر كما نقله المناوي، ا هـ.
  230. البخاري
  231. البخاري
  232. البخاري
  233. البخاري
  234. أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والطحاوي وابن حبان وابن أبي عاصم. وقال في السلسلة الصحيحة 460: وجملة القول أن الحديث حسن من طريق سعيد بن جمهان صحيح بهذين الشاهدين لا سيما وقد قواه من سبق ذكرهم وهاك أسماءهم: الإمام أحمد والترمذي وابن جرير الطبري وابن أبي عاصم وابن حبان والحاكم وابن تيمية والذهبي والعسقلاني. ا هـ
  235. أحمد وأبو داود والطبراني وابن أبي عاصم. وفي سنده عبد الرحمن الجرمي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: مقبول، وقال الذهبي: ما حدث عنه سوى ولده أشعث. وقال الألباني: فيه جهالة، وضعف إسناده.
  236. أبو داود والترمذي والحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: أشعث هذا ثقة لكن ما احتجا به، وصححه الألباني.
  237. رواه أحمد وأبو داود وابن أبي عاصم والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وفي سنده عمرو بن أبان قال عنه الحافظ: مقبول ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال في التهذيب: قال ابن حبان: روى عن جابر ولا أدري أسمع منه أم لا. وقال المنذري: فعلى هذا فالإسناد منقطع، لأن الزهري لم يسمع من جابر؛ وضعفه الألباني.
  238. متفق عليه
  239. متفق عليه
  240. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن أبي عاصم والطحاوي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.
  241. متفق عليه
  242. رواه أحمد والترمذي وابن أبي عاصم وابن ماجه وصححه الألباني
  243. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الحاكم: صحيح عالي الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: أنى له الصحة ومداره على فرج بن فضالة. وصححه الألباني بقوله: قد توبع، وبين متابعاته التي صححه بها، انظر ظلال الجنة في تخريج السنة ( 1172 ).
  244. متفق عليه
  245. مسلم
  246. البخاري
  247. متفق عليه
  248. متفق عليه
  249. مسلم
  250. متفق عليه
  251. متفق عليه
  252. مسلم
  253. مسلم
  254. مسلم
  255. مسلم
  256. مسلم
  257. متفق عليه
  258. راجع تاريخ الإسلام للذهبي ( 3 / 20، 25 ).
  259. رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وابن كثير في البداية وابن حجر في الإصابة. وحسن إسناده الحافظ، نقله عنه السخاوي في المقاصد 1333.
  260. ابن كثير في التفسير وفي سنده ابن لهيعة، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ا هـ.
  261. مسلم
  262. متفق عليه