أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين/موقعة اليمامة - محاولة اغتيال خالد - زواج خالد للمرة الثانية - أسماء من قتل باليمامة من مشهوري الصحابة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
موقعة اليمامة - محاولة اغتيال خالد - زواج خالد للمرة الثانية - أسماء من قتل باليمامة من مشهوري الصحابة
المؤلف: محمد رشيد رضا


[77]
موقعة اليمامة
أخر سنة 11 هـ وبدء سنة 633 م

كان خالد بن الوليد يحارب المرتدين في اليمامة من أتباع مسيلمة. واليمامة موطن بني حنيفة في وسط شبه جزيرة العرب وفي اتجاه الشرق قليلاً، الشرق منها يوالي البحرين وبني تميم، والغرب يوالي أطراف اليمن والحجاز والجنوب نجران، والشمال أرض نجد. وطول اليامة عشرون مرحلة وهي على أربعة أيام من مكة. بلاد نخل وزرع.

بلغ عدد جيوش مسيلمة 40٬000 مقاتل وهؤلاء هم الذين سار خالد لمحاربتهم.

كان مسيلمة رجلا صغير الجسم دمیم الوجه له كفاءة تؤهله للزعامة. وكان قد قدم إلى النبي في وفد بني حَنيفة واجتمع برسول الله ثم رجع إلى قومه وادعى أنه شريك رسول الله في النبوة، فاتبعه بنو حنيفة. وكتب مسیلمة إلى رسول الله يذكر أنه شريكه في النبوة وأرسل كتاباً مع رسولين فسألها رسول الله عنه فصدقاه فقال ها لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما، وكان كتاب مسيلمة:

[78]«من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الل . اما بعد فإني أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يعتدون» فكتب إليه رسول الله : «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى فإن الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين». فلما مات رسول الله وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسلمة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة فاستعجل وانهزم وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه أبو بكر «لا أرينك ولا تراني، لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة ثم تسير أنت وجندك لا تستبرئون الناس حتى تلقي بها مهاجر بن أبي أمية[1] باليمن وحضرموت». وكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد فإذا [79]فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة.

فلا رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه فقبل عذره وأوعب معه المهاجرين والأنصار، وعلى الأنصار (ثابت بن قيس بن شاس) وعلى المهاجرين (أبو حذيفة وزيد بن الخطاب) وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه. فلما وصلوا إليه سار إلى اليامة بجيشه لملاقاة العدو . ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بِعَقْرَباء[2] وخرج إليه الناس وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأراً لهم في بني عامر - فلم يكن يقصد قتال المسلمين -فأخذه المسلمون وأصحابه وقتلهم خالد واستبقاه لشرفه في بني حنيفة وكانوا ما بين أربعين إلى ستين وترك مسيلمة [80]الأموال وراء ظهره.

وفي صباح اليوم التالي التقى الجيشان بسهل عقرباء وقال شرحبيل بن مسيلمة : «یا بني حنيفة قاتلوا فإن اليوم يوم الغَيرة فإن انهزمتم تستردف النساء سپیات وینکحن غير خطيبات. فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساء كم» فاقتتلوا بعقرباء.

وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة. وكانت مع عبد الله بن حفص بن غانم فقتل فقالوا لسالم «نخشى عليك من نفسك» فقال «بئس حامل القرآن أنا إذاً».

وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شاس وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة[3]، فقتله زيد بن الخطاب واشتد القتال ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط وانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى [81]مجّاعة وإلى خالد فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا إلى مجاعة وهو عند زوجة خالد يحرسها فأرادوا قتلها فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال «أنا لها جار» فتركوها، وقال لهم «عليكم بالرَّجَال» فقطعوا الفسطاط وحاق الخطر بالمسلمين في هذه الساعة وأخذ بعضهم يحث على القتال ويستفز الهمم. فقال ثابت بن قیس :

«بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين. اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء يعني المسلمين» ثم قاتل حتی قتل

وقال زيد بن الخطاب :

«ولا تحوُّزَ بعد الرجال. والله لا أتكلم اليوم حتی نهزمهم، أو أقتل فأكلمه بحجتي. غضوا أبصاركم.وعضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدم».

وقال أبو حذيفة :

«يا أهل القرآن زینوا القرآن بالفعال»

[82]وقد كانت لهذه الكلمات الحماسية أثرها في النفوس فحمل خالد في الناس حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وقاتل العدو قتال المستميت. وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة لبني حنيفة. وقُتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين.

ولما رأی خالد ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغَيرة فقال:

«امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حيّ ولنعلم من این نؤتَی».

وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرون والأنصار. فلما امتازوا قال بعضهم لبعض «اليوم يستحي من الفرار» فيا رثي يوم كان أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في البوادي.

وثبت مسیلمة فدارت رحاهم عليه، وأدرك خالد أن الحالة لا تهدأ إلا إذا قتل مسيلمة فحمل عليهم ودعا إلى البراز ونادي بشعار المسلمين يومئذ وكان «یا محمداه».

[83]فلم يبرز إليه أحد إلا قتله، وحمل على مسيلمة ففر وفر أصحابه ، وصاح خالد في الناس فهجموا عليهم فكانت الهزيمة ، ونادي المحكم بن الطُّفيل وهو أحد قواد بني حنيفة المشهورين «يا بني حنيفة الحديقة. الحديقة[4]» ثم رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله. وكان ممن دخل الحديقة مسيلمة. وقال البَرَاء بن مالك «يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة» فتردد المسلمون خوفاً عليه. ثم احتملوه فألقوه. فلما أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة التي كانت مغلقة حتى فتحها للمسلمين فاندفع المسلمون إليها كالسيل الجارف، فأغلق الباب عليهم بعد دخولهم جميعا ، ورمی بالمفتاح من وراء الجدار حتى لا يتمكن أحد من الخروج فاقتتلوا قتالاً شديداً وقتل مسیلمة. قتله وحشي مولی جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه، ووحشي هذا هو قاتل حمزة كما تقدم في السيرة النبوية. فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة وأخذهم السيف من كل جانب حتى قتلوا عن [84]آخرهم وأخبر خالد بقتل مسيلمة فخرج بمَجَّاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة وأخذ يكشف له عن جثت القتلى حتى عثر عليه ، فقال مجاعة لخالد «ما جاءك إلا سرعان الناس[5] وإن جماهير الناس في الحصون». فقال ويلك ما تقول؟ قال هو والله الحق فهلم لأصالحك عن قومي، وكان خالد نهكته الحرب، وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رق وأحب الدعة والصلح ثم قال مجاعة: أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر فارجع إليك، فانطلق ودخل الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان، ومشيخة فانية ورجال ضعفي فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن وأن يشرفن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهم ثم رجع فأتي فقال: قد أبوا ما صالحتك عليه وقد أشرف لك نقضاً عليَّ وهم مني براء - فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودت - ولكن إن شئت صنعت شيئاً فعزمت على القوم. قال ما هو؟ قال تأخذ من ربع السبي وتدع ربعاً . فقال قد فعلت . قال : قد صالحتك.

[85]فلما فرغ فتحت الحصون فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ فقال خالد لمجاعة: ويحك ! خدعتني. قال: قومي ولم أستطع إلا ما صنعت

وقيل صالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي ولما عرض هذا الصلح عارض قوم من بني حنيفة، ومنهم سلمة بن عمير الحنفي فإنه أبى إلا الحرب وتجنيد أهل القرى والعبيد غير أن مجاعة أصر على الصلح وكتب خالد كتاب الصلح وهذا نصه : «هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارةوسلمة بن عمير وفلاناً وفلاناً : قاضاهم على الصفراء، والبيضاء[6] ونصف السبي والحلقة[7] والكراع[8] وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد، وذمة أبي بكر خليفة رسول الله لا وذمم المسلمين على الوفاء» .

ثم وصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم لكنه وصل متأخرة لأن خالدة كان قد صالحهم فوفي [86]هم ولم يغدر، والذي أوصل كتاب أبي بكر هوسلمة بن سَلَامَة بن وَقْش.

وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسکره.

محاولة اغتيال خالد


لما اجتمعت بنو حنيفة للبيعة، قال سَلَمَةُ بن عمير لمجاعة استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة، وقد أراد أن يفتك به فأذن له. فأقبل سلمة ابن عمير مشتملاً على السيف يريد ما يريد. فقال خالد: من هذا المقبل؟ قال مجاعة: هذا الذي كلمتك فيه وقد أذنت له. قال: أخرجوه عني. فأخرجوه عنه ففتشوه فوجدوا معه السيف فلعنوه وشتموه وأوثقوه وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وأيم الله ما أردت إلا تُستأصل بنوحنيفة، وتسبى الذرية والنساء، وايم الله لوأن خالداً علم أنك حملت السلاح لقتلك وما نأمنه إن بلغه أن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت فأوثقوه وجعلوه في الحصن وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه وعلى الإسلام.

[87]وعاهدهم سلمة على أن لا يحدث حدثاً ويتركوه فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهداً. فأفلت ليلاً فعمد إلى عسکر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فأتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشد عليهم بالسيف، فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه[9].

زواج خالد للمرة الثانية

تقدم عند ذكر قصة مالك بن نويرة أن خالد بن الوليد تزوج أم تميم امرأة مالك بعد قتله، وأن أبا بكر لما استدعاه إليه عنفه على ذلك لكنه في هذه المرة أراد أن أيضاً بابنة مجاعة فعرض عليه ذلك. فقال له مجاعة: «مهلاً إنك قاطع ظهري ، وظهرك معي عند صاحبك» قال : أيها الرجل زوجني فزوجه. فبلغ ذلك أبا بكر ، فكتب إليه كتاباً شديد اللهجة وهذا ما جاء فيه :

[88]«لعمري يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد».

فلا نظر خالد في الكتاب جعل يقول : «هذا عمل الأُعَيْسِر يعني عمر بن الخطاب[10]».

ثم ذهب وفد من بني حنيفة إلى أبي بكر وقص عليه ما كان من أمر مسيلمة، وسألهم عن بعض أسجاع مسیلمة فقالوا له شيئاً منها فقال «ويحكم إن هذا الكلام ما خرج من إلّ ولا بِرّ فأين يذهب بكم»؟.

خسائر بني حنيفة: قتل بعقرباء 7000، وبالحديقة نحو 7000، وفي الطلب نحو منها، وكانت موقعة عقرباء أعظم مواقع أهل الردة.

خسائر المسلمين : قتل من المهاجرين والأنصار من المدينة 360ومن المهاجرين من غير المدينة 300 أو يزيدون عدا الجرحى.

[89]
أسماء من قتل باليامة من مشهوري الصحابة
  • أبوحبة بن غَزية الأنصاري.
  • أبودُجانة الأنصاري.
  • أبو عقيل البَلَوي.
  • أبو قيس بن الحارث بن قيس بن علي السهمي.
  • جنادة بن عبد الله المطلبي القرشي.
  • زُرَارة بن قيس الأنصاري.
  • السائب بن عثمان بن مظعون الجُمَحي.
  • السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه.
  • سعد بن جماز الأنصاري
  • سلمة بن مسعود بن سنان الأنصاري .
  • شجاع بن وهب الأسدي.
  • صفوان بن عمرو.
  • ضرار بن الأزور الأسدي.
  • الطفيل بن عمرو الدوسي.
  • عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري.
  • عائذ بن ماعص الأنصاري.

[90]

  • عبَّاد بن بِشرْ الأنصاري.
  • عباد بن الحارث الأنصاري.
  • عبد الله بن الحارث بن قيس بن علي السهمي
  • عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول .
  • عبد الله بن عتيك الأنصاري
  • عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى العامري .
  • علي بن عبيد الله بن الحارث
  • عُمارة بن حزم الأنصاري
  • عمیر بن أوس بن عَتِيك الأنصاري .
  • فروة بن النعمان .
  • قيس بن الحارث بن علي الأنصاري .
  • مالك بن أمية السلمي
  • مالك بن عمرو السلمي
  • مالك بن أوس بن عتيك الأنصاري .
  • مسعود بن سنان الأسود
  • معن بن علي بن الجد البلوي
  • النعمان بن عمر بن الربيع البلوي
  • مریم بن عبد الله المطلبي القرشي .
  • ورقة بن إياس بن عمرو الأنصاري.

[91]

  • الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي ابن عم خالد
  • يزيد بن أوس.
  • یزید بن ثابت أخو زيد بن ثابت.


  1. المهاجر بن أبي أمية أخو أم سلمة زوج النبيلة لأبيها وأمها . كان اسمه الوليد فسماه رسول الله المهاجر.
  2. عقرباء : منزل من أرض اليمامة في طريق النباح قريب من قرقری من اعمال العِرْض وهو لقوم من بني عامر بن ربيعة وهي التي خرج إليها مسيلمة لما بلغه خالد إلى اليامة فنزل بها لأنها في طريق اليامة ودون الأموال وجعل ريف اليمامة وراء ظهره. النباح بين البصرة واليمامة وقرقری أرض يمر بها قاصد اليمامة من البصرة فيها قرى وزروع ونخيل كثيرة، والعِرْض بكسر أوله وسكون ثانيه وادي اليمامة ويقال لكل واد فيه قرى ومياه عرض.
  3. نهار الرجال بن عنفوة كان قد هاجر إلى النبي وفقه في الدين فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة. وليشدد من أمر المسلمين فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة. شهد له أنه، سمع رسول الله يقول: إنه قد أشرك معه فصدقوه وأستجابوا له.
  4. الحديقة هي بستان في أرض اليمامة لمسيلمة مسور بحائط قوي كانوا يسمونه "حديقة الرحمن" فسموه "حديقة الموت".
  5. سرعان الناس: اوائلهم.
  6. الذهب والفضة
  7. السلاح
  8. الكراع وزان غراب : الخيل
  9. الودج بفتح الدال والكسر لغة: عرق الأخدع الذي يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة. والودجان عرقان غليظان يكتنفان ثغرة النحر يمينا ويسارا والجمع أوداج مثل سبب وأسباب.
  10. راجع تعليقنا على زواج سیدنا خالد ص 56 (المنقح)