أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين/هزيمة بني تميم وقصة مالك بن نويرة - زواج خالد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
هزيمة بني تميم وقصة مالك بن نويرة - زواج خالد
المؤلف: محمد رشيد رضا


[70]
هزيمة بني تميم
وقصة مالك بن نُوَيرة

بعد أن أخضع خالد بن الوليد القبائل التي تقطن التلال الواقعة شمالي المدينة سار لقتال بني تميم بهضبة عند الخليج الفارسي وهم قسمان : نصاری وعباد أصنام منتشرون في المراعي الواسعة بين اليامة ومصب الفرات وكانوا قد أسلموا في زمن النبي كسائر القبائل العربية وفرق فيهم عماله ، فكان الزِّبْرِقان منهم وسهل بن منجاب وقيس بن عاصم وصفوان بن صفوان وسَبرَة بن عمرو ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة . ثم ارتدوا ومنعوا الزكاة بعد وفاة رسول الله ولما تولى أبو بكر الخلافة وانتصر في أول موقعة له سار صفوان بن صفوان إلى أبي بكر بصدقات بني عمرو إلا أنه في هذه الأثناء تشاغلت تميم بعضها ببعض ، وبينما هم كذلك جاءتهم سَجاح بنت الحارث بن سوید بن عقفان التميمية قد أقبلت من الجزيرة وادعت النبوة وكانت ورهطها في أخوالها من [71]تغلب تقود ربيعة ومعها الهذيل بن عمران في بني تغلب وكان: نصرانياً فترك دينه وتبعها، كما أن سَجاح كانت قد اعتنقت الديانة المسيحية قبل أن تتنبأ ومعها عَقَّة بن هلال في النمر وزياد بن فلان في إياد والسليل بن قيس في شیبان، فأتاهم أمر أعظم مما هم فيه لاختلافهم.

وكانت سَجَاح تريد غزو المدينة، فأرسلت إلى مالك بن نويرة تطلب الموادعة فأجابها إلا أن قبائل تميم الأخرى أبَوْا أتباعها ، وحاربوها في عدة مواقع فانهزمت هي ومالك ، وبعد أن صالحتهم وبادلتهم الأسرى سارت في جنود الجزيرة قاصدة اليمامة وقالت :

«عليكم باليامة ودُفُّوا[1] دفيف الحمامة. فإنها غزوة صَرَّامة[2] لا يلحقكم بعدها ملامة».

وكانت سَجَاح تريد مهاجمة مسيلمة ، فقصدت بني حنيفة . فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثُمامةُ وشُرَحْبيل بن حسنة والقبائل التي حولهم على حجر وهي اليامة فأهدى لها ثم أرسل يستأمنها على نفسه [72]حتى يأتيها فجاءها في أربعين من بني حنيفة. فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش.

واجتمع مسيلمة بسجاح وضرب لها قبة وتزوجها وصالحها على غلات الهامة سنة تأخذ النصف وتترك النصف، فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقبة وزيادة لأخذ النصف الباقي فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فانفضوا، ويلاحظ أن سجاح لم تقم مع زوجها مسيلمة الذي آمنت به، بل تركته وعادت إلى الجزيرة.

أما مالك بن نويرة فإنه ندم على ما فعل لاتباعه سجاح وتحير في أمره وسار خالد بن الوليد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيء يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره. وتخلفت الأنصار عن خالد وقالوا ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن نحن فرغنا من بزاخة أن نقيم حتى يكتب إلينا فتركهم خالد ومضى، وندمت الأنصار ولحقوه ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد فيها أحداً، وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم [73]الاجتماع فلا قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه. فجاءته الخيل مالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن یربوع . وكان فيهم أبو قتادة ، فشهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا ، وقال قوم إنهم لم يفعلوا ذلك .

فلما اختلفوا في أمرهم أمر خالد بن الوليد بحبسهم فحبسوا في ليلة باردة وأمر منادياً فنادى أدفئوا أسراكم وهي في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكاً ، وسمع خالد الداعية[3] فخرج وقد فرغوا منهم فقال : «إذا أراد الله أمراً أصابه».

زواج خالد

تزوج خالد أم تميم امرأة مالك بن نويرة . ولما وصل الخبر إلى المدينة قال عمر لأبي بكر إن سيف خالد فيه رَهَق[4] وأكثر عليه في ذلك . فقال يا عمر : « تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشِيم[5] سيفأ سلَّه [74]الله على الكافرين » ووَدَى مالكا[6]، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل ودخل المسجد وعليه قَباء[7] وقد غرز في عمامته أسهماً، فقام عمر فنزعها وحطمها، وقال له: قتلت امرأ مسلماً ثم نزوت على امرأته[8] والله لأرجمنك بأحجارك وخالد لا يكلمه يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذره، وتجاوز عنه وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب فخرج خالد وعمر جالس. فقال: هلم إلي يا ابن أم شَمْلة فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه. وقدم أخوه متمم بن نويرة على أبي بكر يطالب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم فأمر أبو بكر برد السبي وودى مالكاً من بيت المال. غير أن سير ويليام موير يقول في كتابه (الخلافة) طبعة 1924 صفحة 26[9] إن أبا بكر أمر برد الأسرى لكنه رفض أن يدي مالكاً من غير أن يشير إلى المصدر الذي استند إليه في الرفض، وهذا يخالف ما جاء في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير [75]وأسد الغابة. فقد ورد في هذه المراجع أن أبا بكر أمر برد السبي وودى مالكاً. وقد كانت زوجة مالك بن نويرة غاية الجمال. وكان خالد بن الوليد يحبها فقتل زوجها مالكا ليتزوجها مع أنه أقر بالإسلام. وقال مالك عندما أمر خالد بقتله: «إن هذه التي قتلتني» يريد زوجته، وهذا الذي استوجب غضب عمر على خالد. وكان يريد أن يرجمه باعتباره زانياً.

وفي زواج خالد بزوجة مالك بن نميرة يقول أبو نمير السعدي:

ألا أقل لحي أوطئوا بالسنابك
 
تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيا عليه بعرسه
 
وكان هوى فيها قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف
 
عنان الهوى عنها ولا متمالك

[76]

فأصبح ذا أهل وأصبح مالك
 
إلى غير أهل هالكاً في الهوالك[10][11]


كان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال فقلنا إنا مسلمون. فقالوا ونحن مسلمون. قلنا فما بال السلاح معكم؟ قالوا فما بال السلاح معكم؟ قلنا فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا. وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعه: ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا. قال أو ما تعده لك صاحباً؟ ثم قدمه وضرب عنقه وعنق أصحابه.

هامش

  1. دفوا : أسرعوا
  2. مرامة : قاطعة
  3. الداعية: الصراخ
  4. الرهق: غشيان المحارم.
  5. لا أشيم: لا أغمد سيفا.
  6. دفع ديته (المصحح) .
  7. قباء ثوب يلبس فوق الثياب، وقيل يلبس فوق القميص ويتمنطق عليه ج أقبية.
  8. نزا: وثب.
  9. Muir 'Sir William' - The Caliphate (924) Page 26
  10. راجع تاريخ أبي الفداء.
  11. نستبعد صحة هذه الرواية. وليس كل ما ورد من الروايات في كتب التاريخ صحيحا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله الله في أصحابي لا تتخذوهم هدفا ... أي اتقوا الله في أصحابي لا تؤذوهم. ونحن نميل إلى اختيار الروايات التي تنزه الصحابة جميعا رضي الله عنهم وغفر لهم.(المنقح).