يا بلادي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
يا بلادي
المؤلف: إيليا أبو ماضي



مثلما يكمن اللّظى في الرّماد
 
هكذا الحبّ كامن في فؤادي
لست مغرى بشادن أو شاد
 
أنا صبّ متيّم ببلادي
هو حبّ لا ينتهي والمنيّة
 
لا ولا يضمحلّ والأمنيّة
كان قبلي وقبل الشّجيّه
 
كان من قبل في حشا الازليّه
خلّياني من ذكر ليلى وهند
 
واصرفاني عن كل قدّ وخدّ
كلّ حسناء غير حسناء عندي
 
أو أرى وجدها بقومي كوجدي
كلّ شيء في هذه الكائنات
 
من جماد وعالم ونبات
وقديم وحاضر أو آت
 
صائر للزوال أو للممات
أنت ما دمت في الحياة حياتي
 
فإذا ما رجعت للظلمات
واستحالت جوارحي ذرّات
 
فلتقل كلّ ذرة من رفاتي
ولتقل كلّ نفحة من ندّ
 
ولتقل كلّ دمعة في خدّ
ولتّقل كلّ غرسة فوق لحدي
 
وليقل كلّ شاعر من بعدي
ربّ ليل سهرته للصبّاح
 
حائرا بين عسكر الأشباح
ليس لي مؤنس سوى مصباحي
 
ونداء الملاّح للملاّح
تتهادى في السّير كالملكات
 
أو كسرب النّعام في الفلوات
مقبلات في النّهر أو رائحات
 
تحت ضوء الكواكب الزّاهرات
تتمشّى في صفحتيه النّسائم
 
فترى الموج فيه مثل الأراقم
يتلوّى،وتارة كالمعاصم
 
كلف الماء بالنّسيم الهائم
هجع النّاس كلهم في المدينه
 
وتولّت على ((نويورك))السّكينة
وجفوني، بغمضها، مستهينه
 
لا ترى غير طيف تلك الحزينه
ذاك ليل قطعته أتأمّل
 
رسمها الصّامت الذي ليس يعقل
وبناني مع خاطري تتنقل
 
بين هذا الحمى وذاك المنزل
ههنا رسم منزل اشتهيه
 
ههنا مربع أحبّ ذويه
ههنا رسم معهد كنت فيه
 
مع رفاقي أجرّ ذيل التّيه
كم تطلعت في الخطوط الدّقيقه
 
ولثمت الطّرائق المنسوقه
قنعت بالخيال نفسي المشوقه
 
ليت هذا الخيال كان حقيقه
يا رسوما قد هيّجت اشواقي
 
طال، لو تعلمين، عهد الفراق
أين تلك الكؤوس، أين السّاقي؟
 
أين تلك الأيّام، أين رفاقي؟
يارسوم الرّبوع والأصحاب
 
بحياتي عليك بالأحباب
أخبرني فقد عرفت مصابي
 
أترى عائد زمان التّصابي
سبقتني دنيا أرادت لحافي
 
فأنا الآن آخر في السّباق
نصف عمري نصفي الباقي
 
كرثاء الأوراق للأوراق
ما تراني إذا تغنّى الشّادي
 
ومضى في الغناء والإنشاد
فأطار الأسى عن الأكباد
 
أحسب العود في يديه ينادي
وإذا ما جلست تحت الظّلام
 
أرقب البدر من وراء الغمام
رنّ في مسمعي فهزّ عظامي
 
شبه صوت يقول للنوّام
وإذو ما ذهبت في البستان
 
بين زهر الخزام والأقحوان
أسمع الهاتفات في الأفنان
 
قائلات وللكلام معان
وإذا ما وقفت عند الغدير
 
حيث تمشي الطّيور خلف الطّيور
خلت أنّ الأمواه ذات الخرير
 
قائلات معي لأهل الشّعور
ما لقومي وقد دهتها الدّواهي
 
بالذي يطفىء النّجوم الزّواهي
ويثير (الحماس) في الأمواه
 
قعدوا بين ذاهل أو لاه
هي أمّ لكم وأنتم بنوها
 
حفظت عهدكم فلا تنكروها
أنتم أهلها وأنتم ذووها
 
لا تعينوا بالصّمت من ظلموها
كن نبيا يستنزل الإلهاما
 
كن مليكا يصدر الأحكاما
كن غنيا، كن قائدا، كن إماما
 
كن حياة،كن غبطة، كن سلاما
شوق يروح مع الزّمان ويغتدي
 
والشّوق، إن جدّدته يتجدّد
دع عنك نصحي بالتّبلّد ساعة
 
يا صاح، قد ذهب الأسى بتبلّدي
ما زاد في أسف الحزين وشجوه
 
شيء كقولك للحزين تجلّد
ما زلت أعصيه إلى أن هاجني
 
ذكر الحمى فعصيت كلّ منفّد
وأطار عن جفني الكرى وأطارني
 
عن مرقدي مشي الهموم بمرقدي
في جنح ليل مثل حظّي حالك
 
كالبحر ساج... مقفر كالفدفد
أقبلت أنظر في النّجوم مصعدا
 
عيني بين مصوب ومصعد
أو واجف أو راجف مترجرج
 
أو ظافر أو حائر متردّد
يمشين في هذا الفضاء وفوقه
 
وكأنّما يمشين فوق الأكبد
والبدر منبعث الشّعاع لطيفه
 
صاف كذهن الشّاعرالمتوقّد
ما زال ينفذ في الدّجى حتّى استوى
 
فيه، فيا لك أبيضا في أسود
والشهب تلمع في الرّفيع كأنّها
 
أحلام أرواح الصّغار الهجّد
ينظرون عن كثب إليه خلسة
 
نظر الملاح إلى الغرير الأمرد
فعجبت مّمن نام ملء جفونه
 
والكون يشهد مثل هذا المشهد
ورأيتني فوق الغمام محلقا
 
في الأفق ما بين السّهاوالفرقد
فسمعت صوتا من بعيد قائلا
 
يا أيّها السّاري مكانك تحمد
ما دمت في الدّنيا فلا تزهد بها
 
فأخو الزّهادة ميت لم يلحد
لا تقنطنّ من النّجاح لعثرة
 
ما لا ينال اليوم يدرك في غد
كم آكل ثمرا سقاه غيره
 
دمه، وكم من زارع لم يحصد
لو كان يحصد زرعه كلّ امرىء
 
لم تخلق الدّنيا ولم تتجدّد
بالذكر يحيا المرء بعد مماته
 
فانهض إلى الذكر الجميل وخلّد
فلئن ولدت ومتّ غير مخلّد
 
أثرا فأنت كأنّما لم تولد
حتّى م في لا شيء يقتتل الورى
 
إنّ الحمام على الجميع بمرصد
طاشت حلوم المالكين، فذاهل
 
لا يستفيق وحائرلا يهتدى
وأفقت، إذ قطع الكلام مكلّمي
 
فنظرتني فإذا أنا لم أصعد
ما للكواكب لا تنام ولا تني
 
قد طال سهدك يا كوكب فارقدي
كم تنظرين إلى الثّرى من حالق
 
ما في الثّرى لأخي الأسى من مسعد
أو تريني عندما اشتّدّ الدّجى
 
واشتدّ دائي نام عني عوّدي
حتّى لقد كاد القريض يعقّني
 
ويصون عنّي ماءه وأنا الصّدى
أمسي أهمّ به ويظلع خاطري
 
فكأنّما أنا ماتح من جلمد
لا تسألني لم سهدت فإنّني
 
لو كان في وسعي الكرى لم أسهد
صرفت يد البلوى يدي عن أمرها
 
ما خلت أمري قطّ يخرج من يدي
في أضلعي نار أذابت أضلعي
 
ومشت إلى كبدي ولّما تخمد
أخشى على الأحشاء من كتمانها
 
وأخاف أن أشكو فيشمت حسّدي
ومليحة لا هند من أسمائها
 
كلاّ، وليست كالحسان الخرّد
نشز الجواري والإماء تمردّدت
 
وونت فلم تنشز ولم تتمرّد
في النّفس منها ما بها من دهرها
 
أزكى السّلام عليك أرض الموعد
يا ليت شعري كم أقول لها انهضي
 
وتقول أحداث الزّمان لها اقعدي
ليس الذي لاقته هينا إنّما
 
حمل الأذى هين على المتعوّد!