نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم السادس/الجزء السابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم السادس - الجزء السابع
المؤلف: الإدريسي


إن الذي تضمنه هذا الجزء السابع من الإقليم السادس قطعة من البحر الخزري ومتصل بلاد بسجرت الداخلة وبسجرت الخارجة مع ما يليها في جهة الشمال من بلاد اسقوتية ونريد أن نذكرها على هيئتها ومواضع سموتها حسب ما سبق لنا من القول في سائر الأقاليم والله المعين فنقول إن أكثر هذه الأرضين التي سميناها صحار متصلة وقفار غير عامرة وبلادها قلائل متباعدة ومنافعها قليلة والسلوك فيها صعب لاختلاف أممها وتعذر طرقها. فأما بلاد بسجرت الداخلة فقد قدمنا ذكرها ورسمنا حدودها في الإقليم الخامس وأما بلاد بسجرب الخارجة فمنها قاروقيا ونمجان وغرخان وهذه البلاد عامرة بأهلها مكتفية بذاتها وفيها من التجارات والصناعات حسب ما يكفيهم وبعضهم يداخل أرض بعض ويقتضون حوائجهم من البلاد المتجاورة وهي بلاد خصيبة كثيرة العشب والسوائم. وبسجرت قبيلتان يسكنان في آخر بلاد الغز على ظهر بلغار ومبلغهم في العدد نحو ألفي رجل يمتنعون في مشاجر لا يقدر أحد من جاورهم عليهم وهم في طاعة بلغار ولهم حزم وشدة وأهل بسجرت آخرهم متاخم لبجناك وبسجرت وبجناك أتراك يتاخمون الروم وبينهم مهادنة في أكثر الأوقات وربما أغار بعضهم على بعض فتجري بينهم حروب ومن بلغار إلى أول حد الروس عشر مراحل. ويتصل بأرض بسجرت البلاد المنتنة وسنذكرها باستقصاء بعد هذا في الجزء الثامن بحول الله وقوته وكذلك أيضاً يجاور أرض بسجرت الخارجة من جهة المشرق بعض البلاد المنتنة. ومن بسجرت الخارجة أيضاً إلى مدينة نمجان في جهة المشرق ثماني مراحل ومدينة نمجان مدينة صغيرة متحضرة يملكها رجل من الأتراك والولاية في ولده وولد ولده لا يتحول عنهم لحسن سيرهم ورفقهم بعامتهم وهذه المدينة على ضفة نهر يسمى سوقان وبالمشرق من هذه المدينة جبل أرجيقا فيه معادن نحاس يخدمها أزيد من ألف رجل ويستخرج منه الكثير ويتجهز به إلى أرض خوارزم وإلى سائر بلاد الشاش وإلى ما جاورهم من بلاد الأغزاز ومن هذه المدينة أيضاً تخرج جلود الثعالب وجلود الحيوان المسمى الببر في النهر إلى بحر الخزر فيبيعونها في بحر الخزر والديلم بالأثمان العالية ويصنع بهذه المدينة من الفخار والبرام ما تحسن صفته ويطول مكثه ويوجد بسواحل هذا النهر أصناف من الحجارة الملونة الثمينة ويوجد به أيضاً كثير من الحجر اللازورد وفي هذا من ضروب السمك وأنواع الحيتان ما يجل عن الوصف ويتجاوز حد الذكر حتى أن أهل مدينة نمجان يصيدونه بأيسر حيلة وأخف مؤونة فيأخذون منه الشيء الكثير فيتأدمون به وينعشون منه ويملحون أكثره ويجلبونه في مراكبهم إلى أن يأتوا البحر الخزري فيقطعوا فيه مساحلة إلى مدينة اثل وغيرها فيبيعونه هناك ويتصرفون به.

ومن مدينة نمجان إلى مدينة غرخان ثماني مراحل وهي مدينة من أرض اسقوتيا الترك وهي كبيرة عامرة بأهلها على شمال نهر اثل الواصل إلى بحر طبرستان وهي مدينة لها رساتيق وعمارات متصلة وربما وصل إليها التجار والمسافرون في النهر المذكور وبها يسكن ملك اسقوتيا الترك وهو ملك له رجال وعدد وأسلحة وحصون كثيرة والعمارات عنه متباعدة وفي هذا البلد من الصناعات والمصنوعات ما يشف على الأحتياج ويصنع بها من السروج والأسلحة ما لا يصنع ببلدة من بلاد الأتراك مثلها جودة وإتقاناً. ومن مدينة غرخان إلى مدينة قاروقيا في النهر إنحداراً ثمانية أيام وفي البرية ست عشرة مرحلة غرباً وقاروقيا مدينة حسنة مبانيها من خشب وخركاهات لبود وأهل بلغار يغزونهم في كل حين وبينهم ست عشرة مرحلة وحروبهم أبداً مع الدهر قائمة. ومن مدينة قاروقيا في جهة الشمال إلى بسجرت الخارجة عشر مراحل بين جبال وعرة وطرق صعبة السلوك ضيقة المسالك وبين قاروقيا وبسجرت الداخلة اثنتا عشرة مرحلة بين جبال وعرة ومسالك صعبة وبلاد بسجرت بلاد كثيرة متباعد بعضها من بعض وبين وسط بسجرت الداخلة ووسط بسجرت الخارجة إحدى عشرة مرحلة وزي أهل بسجرت وزي الترك البلغارية واحد ولباسهم القراطق الكبار وفيما ذكرناه من ذلك كفاية.

نجز الجزء السابع من الإقليم السادس والحمد لله ويتلوه الجزء الثامن إن شاء الله.