نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الخامس/الجزء العاشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم الخامس - الجزء العاشر
المؤلف: الإدريسي


إن في هذا الجزء العاشر من الإقليم الخامس بلاد ياجوج العليا وهي بلاد كثيرة عامرة وهم عدد بهير وجمع غزير وأمم لا يحصون كثرة وبلادهم بلاد خصب ومياه جارية وسهول ومسول تربة ومواش كثيرة وهم من ولد سام بن نوح وهم المفسدون في الأرض وخلقهم خلق صغار جداً وهم فيا يحكى إن طول الرجل منهم أعني من آل ياجوج مثل طول أحدنا ونساءهم مثل ذلك ولا يعرف ما ديانتهم ولا أي شيء معتقدهم. وأما ال ماجوج فأرضهم أسفل هذه الأرض وهم كلهم قصار جداً في نهاية القصر حتى إن طول الرجل منهم لا يتجاوز ثلاثة أشبار ونساءهم مثل ذلك وأوجههم مستديرة في غاية الإستدارة وعليهم شبه الزغب كثير جداً وآذانهم كبار مستديرة مسترخية حتى أن أذن الرجل منهم إذا هي تعلقت تلحق طرف منكبه وكلامهم شبيه بالصفير والشرة عليهم بادية وهم خفاف الوثوب وفيهم زناء فاحش وبلادهم بلاد ثلج وشتاء عام والبرد عندهم لازم في كل الأحايين ويقال إن ياجوج وماجوج أخوان أمهما واحدة وأبوهما واحد والغالب على ألوانهم البياض والحمرة ونكاحاتهم كثيرة ونتاجهم فاش.

وكانوا قبل أن يصل إليهم الإسكندر ويبني السد عليهم في باب جبلهم الذي كانوا يدخلون منه ويخرجون عليه يغيرون على من جاورهم ويتحاشدون على من قصدهم وكانت لهم شنات وغارات مذكورة حتى أنهم أخلوا كثيراً من البلاد والمدن المجاورة لهم من غربي الجبل وهيث سد ذي القرنين المبني عليهم وأكثر تلك البلاد خاوية على عروشها لا قاطن بها ولا ساكن يعول عليها لكثرة حياتها وغور مياهها ووحشة أرضها. وسنذكر هذه الأرض وما جاورها من بلاد تركش وهي قبيلة من الأتراك بل هم الأتراك على الحقيقة وذلك أن في الأخبار المنقولة أن ياجوج وماجوج لما طغوا وغلبوا وأكثروا الفساد في الأرض وشكي أمرهم إلى الإسكندر فلما قصد أرضهم اختبر أمرهم فوجد منهم أمماً عم خيرهم وكثر نسكهم وقل ضررهم وذلك أنهم هاجرواً إلى الإسكندر قبل أن يلحق أرضهم واعترفوا بين يديه أنهم براء من إخوانهم ياجوج وماجوج وشهد كثير من القبائل لهم بذلك وأنهم لم يزلون أبد الدهر يطلبون السلامة والسلم حريصين على ذلك. فتركهم الإسكندر خارج السد وأقطعهم تلك الأرض فسمتهم العرب تركاً لأنهم ممن ترك الإسكندر من آل ياجوج وماجوج وأسكنهم خارج السد فقروا في تلك الأرضين فكثر نسلهم واتصل خيرهم فجميع الترك أعني الخرلخية والتبتية والخرخيزية والتغزغزية والكيماكية والمخامانية والأذكش والتركش والحفشاخ والخلج والغز والبلغارية هؤلاء كلهم أمم تركهم الإسكندر خلف الردم. فانتشروا في الأرض وعمروها وكثرت أنسالهم وفشت أحوالهم واتصلت خيراتهم وعمت بركاتهم وأكثرهم مجوس وعباد نيران والغالب على طباعهم الجفاء وغلظ النفوس وقلة الإنقياد للغلبة وهم بالجملة طائعون لأولي الأمر منهم وفيهم صرامة لازمة وقيام وحمية في طلب الثأر وجايات الأقطار والحمد لله على ما حكيناه مما ورد علينا وصححه الخبر لدينا واط والحول والقوة لله تعالى . نجز الجزء العاشر من الإقليم الخامس بتمام الإقليم ويتلوه الجزء الأول من الإقليم السادس إن شاء الله.