نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الثاني/الجزء الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم الثاني - الجزء الأول
المؤلف: الإدريسي


إنا لما رسمنا الإقليم الأول وما احتوى عليه في عشرة الأجزاء التي قسمناه بها وذكرنا في كل جزء منه حصته الواجبة له من الأمصار والقرى والجبال والأرضين المعمورة والمغمورة وما بها من الحيوانات والمعادن والبحور والجزائر والملوك والأمم وما لهم من السير والزي والأديان وجب علينا أن نذكر في هذا الإقليم الثاني ما فيه من البلاد والقلاع والمدن والأمصار والبراري والقفار والبحار وجزائرها وأممها ومسافات طرقها حسبما سبق لنا من ذكر ذلك في الإقليم الأول ونبتدئ الآن بذكر الجزء الأول من الإقليم الثاني بحول الله وعونه.

فنقول إن هذا الجزء الأول من الإقليم الثاني مبدؤه من المغرب الأقصى حيث بحر الظلمات ولا يعلم ما خلفه وفي هذا الجزء من الجزائر جزيرة مسفهان وجزيرة لغوس وهما من الجزائر الستة المتقدم ذكرها وتسمى الخالدات ومنها بدأ بطلميوس بالتعديل وأخذ أطوال البلاد وعروضها وإلى هتين الجزيرتين وصل ذو القرنين أعني الإسكندر ومنها رجع.

فأما جزيرة مسفهان فحكى صاحب كتاب العجائب أن في وسطها جبلاً مدوراً عليه صنم أحمر بناه أسعد أبو كرب الحميري وهو ذو القرنين الذي ذكره تبع في شعره ويسمى بهذا الاسم كل من بلغ طرفي الأرض وإنما نصب أبو كرب الحميري ذلك الصنم هناك ليكون علامة لمن قصد تلك الناحية من البحر ليعرفه أنه ليس خلافه ملسك يسلكه ولا موضع يخرج إليه وأيضاً أن في جزيرة لغوس المذكورة صنم وثيق البناء لا يمكن الصعود إليه وفي هذه الجزيرة يقال مات الذي بناه وهو تبع ذو المراثد وقبره هناك في هيكل مبني من المرمر والزجاج الملون وحكى صاحب كتاب العجائب أن في هذه الجزيرة دواب هائلة وأن فيها أموراً تطول أوصافها وتمتنع العقول عن قبولها.

وفي سواحل هذا البحر الصادر عن هذه الجزائر وغيرها يوجد العنبر الجيد ويوجد أيضاً في ساحله حجر البهت وهو مشهور عند أهل المغرب الأقصى ويباع الحجر منه بقيمة جيدة لا سيما في بلاد لمتونة وهم يحكون عن هذا الحجر أن من أمسكه وسار في حاجة قضيت له بأوفى عناية وشفع فيها وهو جيد عندهم في عقد الألسنة على زعمهم ويوجد أيضاً بساحل هذا البحر أحجار كثيرة ذات ألوان شتى وصفات مختلفة يتنافسون في أثمانها ويتوارثونها بينهم ويذكرون أنها تتصرف في أنواع من العلاجات الطبية الفاعلة بالخاصية فمن ذلك أحجار تعلق على الثدي الموجعة فتبرأ من وجعها مسرعاً ومنها أحجار تعلق للولادة فتسهل وأحجار يمسكها الماسك بيده ويشير على من شاء من النساء والأطفال فيتبعه ومثل هذه الأحجار عندهم كثيرة وهم بالرقى عليها مشهورون وبه معروفون.

وفيما تضمنه هذا الجزء بقية من أرض مقزارة السودان وماؤها قليل ولا عمارة بها ولا سالك فيها إلا في النادر لقلة وجود الماء كما قلنا وسالكها لا يمكنه سلوكها إلا أن يعد مع نفسه الماء لدخول هذه الأرض مع بعض ما يليها من أرض قمنورية.

وأرض قمنورية منها في جهة الشمال متصلة من غربيها بالبحر المظلم وتتصل من جهة شرقيها بصحراء نيسر وعلى هذه الصحراء طريق تجار أهل أغمت وسجلماسة ودرعة والنول الأقصى إلى بلاد غانة وما اتصل بها من أرض ونقارة التبر وأما أرض تنورية المذكورة فكانت بها مدن للسودان مشهورة وقواعد مذكورة لكن أهل زغاوة وأهل لمتونة الصحراء الساكنون من جهتي هذه الأرض طلبوا هذه الأرض أعني أرض قمنورية حتى أفنوا أكثر أهلها وقطعوا دابرهم وبددوا شملهم على البلاد وأهل بلاد قمنورية فيما يذكره التجار يدعون أنهم يهود وفي معتقدهم تشويش وليسوا بشيء ولا على شيء ولا ملك فيهم ولا ملك عليهم بل هم ممحونون من جميع الطوائف المجاورين لهم المحدقين بأرضهم وكانت في القديم من الزمان السالف لأهل قمنورية مدينتان عامرتان اسم إحداهما قمنورى واسم الأخرى نغيرا وكانت هتان المدينتان تحتويان على أمم من القمنورية وبشر كثير وكان لهم رؤوس وشيوخ يدبرون أمرهم ويحكون في مظالمهم وما وقع بينهم فأفنتهم الأيام وتوالت عليهم الفتن والغارات من جميع الجهات فقلوا في تلك الأرض وفروا عنها واعتصموا في الجبال وتفرقوا في الصحارى ودخلوا في ذمة من جاورهم وتستروا في أكنافهم فلم يبق من أهل قمنورية إلا قوم قلائل متفرقون في تلك الصحارى وبمقربة من الساحل عيشهم من الألبان والحوت وهم في نكد من كد العيش وضيق الحال وهم ينتقلون في تلك الأرض مع مهادنة من جاورهم ويقطعون أيامهم مسالمة إلى حين.

وبين بلاد قمنورية وبلد سلى وتكرور طرق مجهولة الآثار دارسة المسالك قليلة السالك ماؤها غائر وعلامتها خفية وبين قمنورية وسلى وتكرور مسير ستة عشر يوماً ومن نغيرا إلى سلى نحو من اثني عشر يوماً وكذلك منها إلى بلد ازقي من بلاد لمتونة اثنتا عشرة مرحلة وماؤها قليل يتزود لقلته من حفر يحتفرها السالكون المجتازون بتلك الأرض وفي بلاد قنورية جبل مانان ويتصل بالبحر المحيط وهو جبل منيع عالي الذروة أحمر التربة وفيه أحجار لماعة تعشي البصر إذا طلعت عليها الشمس لا يكاد الناظر ينظر إليها لشعاعها وبريق حمرتها وفي أسفله ينابيع بالماء العذب يتزود ويحمل في الأوعية إلى كل جهة.

ومما يلي مدينة نغيرا وفي شرقيها مع ميل إلى الجنوب جبل بنبوان وهو من أعلى جبال الأرض أجرد أبيض التربة لا ينبت فيه شيء من النبات إلا ما كان من الشيح والغاسول المسمى الحرض ومن علو هذا الجبل في الهواء حكى صاحب كتاب العجائب عنه أن السحاب تمطر المطر دونه ولا تصيب رأسه.

ويلي هذه الأرض المذكورة صحراء نيسر وهي الصحراء التي قدمنا ذكرها وعليها يدخل المسافرون إلى اودغست وغانة وغيرهما من البلاد كما قلناه قبل وهذه الصحراء قليلة الإنس ولا عامر بها وبها الماء قليل ويتزود به من مجابات معلومة ومنها مجابة نيسر التي ذكرنا أنها أربعة عشر يوماً لا ماء بها ولا يوجد له أثر فيها وهي مشهورة بذلك وفي هذه الصحراء المعروفة بصحراء نيسر حيات كثيرة طوال القدود غلاظ الأجسام والسودان يصيدونها ويقطعون رؤوسها ويرمون بها ويطبخونها بالملح والماء والشيح ويأكلونها وهي عندهم أطيب طعام يأكلونه وهذه الصحراء يسلكها المسافرون في زمان الخريف وصفة السير بها أنهم يوقرون أجمالهم في السحر الأخير ويمشون إلى أن تطلع الشمس ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون أجمالهم ويعرسون أمتعتهم ويخيمون على أنفسهم ظلالاً تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك إلى أول وقت العصر وحين تأخذ الشمس في الميل والانحطاط في جهة المغرب يرحلرن من هناك ويمشون بقية يومهم ويصلون به المشي إلى وقت العتمة ويعرسون أينما وصلوا ويبيتون بقية ليلهم إلى أول الفجر الأخير ثم يرحلون وهكذا سفر التجار الداخلين إلى بلاد السودان على هذا الترتيب لا يفارقونه لأن الشمس تقتل بحرها من تعرض للمشي في القائلة عند شدة القيظ وحرارة الأرض وبهذا السبب يلزمون النقلة على هذه الصفة التي ذكرنا.

وفي هذا الجزء أيضاً قطعة من شمال أرض غانة وفيها مدينة اودغست وهي مدينة صغيرة في صحراء ماؤها قليل وهي في ذاتها بين جبلين شبه مكة في الصفة وعامرها قليل وليس بها كبير تجارة ولأهلها جمال ومنها يتعيشون.

ومنها إلى مدينة غانة اثنتا عشرة مرحلة وذلك من اودغست إلى مدن وارقلان إحدى وثلاثون مرحلة ومن اودغست أيضاً إلى مدينة جرمة نحو من خمس وعشرين مرحلة وكذلك من اودغست أيضاً إلى جزيرة اوليل معدن الملح شهر واحد.

وأخبر بعض الثقات من متجولي التجار إلى بلاد السودان أن بمدينة اودغست ينبت بأرضها بقرب مناقع المياه المتصلة بها كمأة يكون في وزن الكمء منها ثلاثة أرطال وأزيد وهو يجلب إلى اودغست كثيراً يطبخونه مع لحوم الجمال ويأكلونه ويزعمون أن ما على الأرض مثله وقد صدقوا.

نجز الجزء الأول من الإقليم الثاني والحمد لله ويتلوه الجزء الثاني منه إن شاء الله.