نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الأول/الجزء السابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم الأول - الجزء السابع
المؤلف: الإدريسي


إن هذا الجزء السابع من الإقليم الأول تضمن في حصته ووجب له قطعة من البحر الهندي وجملة جزائر متفرقة فيها أنواع من الأمم وعلى جنوبه أيضاً بقايا من بلاد الكفرة السود وما اتصل بها على البحر من بلاد الزنج ونحن الآن نريد بعون الله أن نذكر جميع ذلك ذكراً شافياً ونأتي به على استقصاء فنقول إن هذا البحر هو بحر الهند وعلى ضفته مدينة بروة وهي آخر بلاد الكفرة الذين لا يعتقدون شيئاً وإنهم يأخذون الأحجار القائمة فيدهنونها بدهن السمك ويسجدون لها ومثل هذه السخافة وما جانسها تعبدهم واعتقادهم الفاسد وهم على ذلك ثابتون بعض هذه البلاد في طاعة ملك بربرة وبعض في طاعة الحبشة ومن بروة على الساحل إلى بذونة ثلاثة أيام في البحر وهي مدينة خراب قليلة الدمارة وحشة المساكن قذرة البقاع وعيش أهلها من السمك ولحوم الصدف والضفادع الأحناش والفيران والورل والحيوان الذي يسمى أم حبين وغير ذلك من الحيوانات التي لا تؤكل وهم يتصيدون في البحر عوماً من غير مركب ولا وقوف في ساحل وإنما هم يتصيدون بالسباحة بشباك صغار يصنعونها من النبات ويربطونها في أرجلهم ولهم أخيات وأنشوطات يجذبونها بأيديهم إذا أحسوا بأن الحوت دخل في شباكهم بصنعة قد أحكموها وحيل قد هندموها وعرفوها ويضعون في شباكهم حناش الطين وبها يطعمون للحوت ومع هذا فإنهم في فاقة وفقر وضيق حال لكن الله عز وجل حبب المواطن لأهلها فهم قد قنعوا بذلك ورضوه لأنفسهم وهم في طاعة الزنج.

ومن هذه المدينة على الساحل إلى مدينة ملندة من بلاد الزنج ثلاثة أيام في البحر بلياليها ومدينة ملندة على ضفة البحر على خور ماء عذب وهي مدينة كبيرة وأهلها مخترقون بالصيد براً وبحراً فيصيدون في البر النمور والذئاب ويصيدون في البحر ضروباً من الحيتان فيملحونها ويتجرون بها وعندهم معدن حديد يحتفرونه ويعملونه وهو جل مكسبهم وتجارتهم وأهلها يزعمون أنهم يسحرون الحيوان الضار حتى لا يضر إلا لمن أرادوا ضره والنقمة منه وأن السباع والنمور لا تعدو عليهم بما يسحرونها به واسم السحر عندهم بلغتهم المقنقا.

ومن هذه المدينة إلى مدينة منبسة على الساحل مسافة يومين وهي مدينة صغيرة للزنج وأهلها محترفون باستخراج الحديد من معدنه والصيد للنمور وكلابهم حمر تغلب كل الذئاب وجملة السباع وهي في نهاية من القهر لها وهذه المدينة على البحر وعلى ضفة خور كبير تدخله المراكب مسيرة يومين وليس عليه شيء من العمارة أكثر من أن الوحوش تسكن في غياض ضفتيه معاً فهم يصيدونها هناك كما قدمنا ذكره وفي هذه المدينة سكنى ملاث الزنج وأجناده يمشون رجالة لأن الدواب ليست عندهم ولا تعيش بأرضهم.

ومن منبسة إلى قرية البانس في البر ستة أيام ومجرى ونصف في البحر وقرية البانس قرية جامعة آهلة بالناس وهم يعبدون الرجيم والرجيم عندهم طبل كبير كالبتية مجلد من وجه واحد ويربطون في ذلك الجلد شريطاً يجذبونه به فيكون له صوت هائل يسمع على ثلاثة أميال أو نحوها ومدينة البانس هي آخر بلاد الزنج وتتصل بها أرض سفالة الذهب فمنها على الساحل إلى مدينة تسمى بتهنة ثمانية أيام في البر ومجرى ونصف في البحر وذلك لأن ما بين هاتين المدينتين جون كبير يأخذ في جهة الجنوب فيعوق عن الطريق قصداً وبين هاتين المدينتين في البحر جبل عال عريض يقال له عجرد والماء قد حفر جوانبه من كل ناحية فيصوت الموج به صوتاً هائلاً وهذا الجبل المذكور يجتذب إلى نفسه من المراكب ما لاصقه فالمسافرون يتنحون عنه ويفرون منه.

ومدينة بتهنة أيضاً من بلاد سفالة وتتصل بأرض الزنج قرى كثيرة كل قرية منها على خور وجميع بلاد الزنج بضائعهم الحديد وجلود النمور الزنجية وهي جلود إلى الحمرة رطبة جداً وليس عندهم دواب وإنما يتصرفون بأنفسهم وينقلون أمتعتهم على رؤوسهم وعلى ظهورهم إلى مدينتي منبسة وملندة فيبيعون هناك ويشترون وليس لزنج مراكب يسافرون فيها وإنما تدخل المراكب من عمان وغيرهما إلى جزائر الزنج فيبيعون بها متاعهم ويشترون متاع الزنج وأهل جزائر الرانج يسافرون إلى الزنج في زوارق ومراكب صغار فيجلبون منها أمتعتها لأنهم يفهم بعضهم كلام بعض وللعرب في قلوب الزنج رعب عظيم ومهابة فلذلك متى عاينوا رجلاً من العرب تاجراً أو مسافراً سجدوا له وعظموا شأنه وقالوا بكلامهم هنيئاً لكم يا أهل بلاد التمر وإن المسافرين في بلادهم يسرقون أبناء الزنج بالتمر يخدعونهم به فينقلونهم من مكان إلى حتى يقبضون عليهم ويخرجونهم من بلادهم إلى البلاد التي يكونون بها وأهل بلاد الزنج كثيرو العدد قليلو العدد وصاحب جزيرة كيش من بحر عمان يغزو بمراكبه بلاد الزنج فيسبي منها خلقاً كثيراً.

ويقابل بلاد الزنج الساحلية جزائر تسمى جزائر الرانج وهي كثيرة وأرضها واسعة وأهلها سمر جداً وكل ما يزرع بها من الذرة وقصب السكر وشجر الكافور لونه أسود ومن جزائر الرانج جزيرة شربوة وتكسيرها على ما يذكر ألف ميل ومائتا ميل وبها مغائص للجوهر وبها أفاويه الطيب والتجار يدخلون إليها ومن جزائر الرانج الواقعة في هذا الجزء الذي نتكلم عليه جزيرة الانجية ومدينتها التي يسكن فيها أهل هذه الجزيرة تسمى الأنقوجة بلغة أهل الرانج وأهلها أخلاط والغالب عليهم أنهم مسلمون في هذا الوقت وبينهما وبين مدينة البانس التي من ساحل بلاد الزنج مجرى واحد ودورها أربع مائة ميل وأكثر عيشهم من الموز والموز عندهم خمسة ألوان فمنه الموز المسمى القند والموز الفيلي أيضاً وقد يوجد في وزن الموزة اثنتا عشرة أوقية والموز العماني والموز المورياني والموز السكري وأكثر عيش أهل هذه الجزيرة منه وهو عجيب الطعم لذيذ الذوق شهي المزازة وهذه الجزيرة يقسمها من العرض جبل يسمى جبل ويره وهو جبل منيع يأوي إليه المنقطعون من المدينة وهم هناك خلق كثير وجمع غزير وربما قطعوا في طرق المدينة وهم ممتنعون في أعلى هذا الجبل متحصنون فيه عمن قصدهم من ناحية صاحب الجزيرة وفيهم منعة ونجده وهم متمكنون من الأسلحة والعدد.

ولهذه الجزيرة أيضاً عمارات متصلة وقرى كثيرة فيها مواشيهم ويزرعون بها الأرز وتجاراتها كثيرة والداخل إليهم في كل سنة كثير بضروب من الأمتعة وجمل من البضائع التي يتصرفون إليها ومنها ويقال إنه لما اضطرب أمر الصين بالخوارج وكثر الظلم والتخليط بالهند صير أهل الصين تجاراتهم إلى الرانج وغيرها من جزائرها وعاملوا أهلها وأنسوا إليهم لعلهم وحسن معاشرتهم ومعاملتهم وسماحة تجارهم فهي لذلك عامرة والمسافر إليها كثير.

وبالقرب من هذه الجزيرة في البحر جزيرة صغيرة فيها جبل عالي الذرى لا يصل أحد إلى أعلاه ولا إلى شيء منه لإحراقه كل ما قرب منه وذلك أنه يظهر منه بالنهار دخان عظيم وبالليل نار تتقد ويخرج من أسفله عيون فمنها باردة عذبة ومنها حارة زعاق.

وبالقرب من جزيرة الرانج المذكورة أيضاً جزيرة كرموه وأهلها سود الألوان يسمون بالبوميين ولباسهم الأزر والفوط وهم أهل دعارة ونجدة ويحملون السلاح وبها يمشون في طرقهم وربما ركبوا في مراكبهم وتعرضوا للسفن فأكلوا متاعها وقطحوا على أهلها ومنعوا من الدخول إليهم إلا أقواماً بأعيانهم لا يخافون عاديتهم وشرهم وبينها وبين ساحل الزنج مجرى يوم وليلة وبينها وبين جزيرة الرانج المسماة أنقوجة مجرى يوم.

وبالقرب من هذه الجزيرة جزيرة القرود وبينهما نحو من ثلاثة مجار ومنها إلى البر المتصل بأرض الحبشة مجريان خفيفان وهي جزيرة كبيرة فيها غياض وشجر وحواف منيعة وبها أنواع من الثمر والقرود بهذه الجزيرة كثيرة تتولد وتتزايد حتى إنها قد تغلبت على هذه الجزيرة لكثرتها ويقال إن لها أميراً تنقاد إليه وتحطه على أعناقها وهو يحكم عليها حتى لا يظلم بعضها بعضاً وألوان هذه القرود إلى الحمرة وهي ذوات أذناب ولها ذكاء وحدة فهم وإذا انكسر عل جزيرتها مركب أو لجأ إليها أحد من الناس عذبته عذاباً بليغاً بالعض والرجم بالقاذورات وتعبث بمن سقط في أيديها عبثاً عظيماً وربما أمضت عليه فقتلته مسرعاً وربما أقلت العبث به فمات بينها جوعاً وقد يتحيل عليها أهل جزيرني خرتان ومرتان فيصيدونها ويخرجونها إلى بلاد اليمن فتباع بالثمن الكثير وأهل اليمن أعني التجار منهم يتخذونها في حوانيتهم حراساً كالعبيد يحرس أمتعة مواليها فلا يتقدر أحد على خدعها ولا على أخذ شيء مما بين أيديها وهي في نهاية من الذكاء ومن هذه الجزيرة التي للقرود إلى جزيرة سقطرى مجريان وأهل سقطرى يتحيلون عليها فيصيدونها بحيلة لطيفة وهي أنهم ينشئون لصيدها زوارق صغاراً جداً فيها طول فيحملونها معهم في المراكب وصورة صيدهم لها أنهم ينسجون على أفواه الزوارق شباكاً من الحبال مهندمة يلقونها مع جوانب الزوارق المذكورة حتى لا تحس بها القرود وتخفى فإذا وصلوا الجزيرة زرقوا في البحر تلك الزرارق وجعلوا فيها طعاماً لتأكله القرود فإذا قربوا من البر قذفتهم القرود بالحجارة فيتركون الزوارق الصغار مع البر وتباعدوا بمراكبهم إلى لجة البحر فإذا نظرت القرود إليهم قد بعدوا ولم يبق مع البر إلا تلك الزوارق قصدتها فوثبت فيها فوجدت بها ذلك الطعام الذي أعد لها فتتزاحم عليه وتشتغل به فيجذب أهل المركب تلك الشباك التي في الزوارق في لطف بحبال تحت الماء مهندمة جذباً لطيفاً فتكسي الشباك فوق أفواه الزوارق ويجتذبون الزوارق إلى أنفسهم فتثب القرود إليهم فلا تدعها الشباك فيتولون ضربها بالعصي حتى تهدأ ويتحيلون عليها حتى يلقوا الأخيات في أعناتها ويخرجونها أحياء إذا أرادوا ذلك وقد يقتلونها بالدق ويسلخون جلودها فيخرجونها معهم إلى بلاد اليمن.

ومن جزيرة القرود في جهة الشمال جزيرة يقال لها القطربة وهي جزيرة عامرة يسكنها قوم نصارى لكن زيهم عربي وهم يتكلمون بالعربية ويدعون أنهم عرب وهم أهل غدر ونكاية يقطعون بالمراكب المارة والآتية فيما بين البحرين والبصرة إلى قرب عمان وهم أخبث عدو يلقى في البحر وفي هذه الجزيرة مغائص للؤلؤ كان أهل اليمن يقصدون إليها ويغوصون بها لكن أهل الجزيرة أكلوا متاع الغواصين والتجار القاصدين إليهم حتى قطعوا الناس عن السفر إليهم.

ويسمى هذا البحر المضمن في هذا الجزء والجزء الذي قبله أعني البحر العماني ببحر هركند بلغة أهل الهند وفي هذا البحر عجائب كثيرة وصور شتى وحيتان ملونة فمنها ما يكون طوله مائة ذراع ودون ذلك ويسمى هذا السمك الوالي وهو ابيض ويتبع هذا السمك الكبير المسمى بالوالي سمكة صغيرة تسمى اللشنك فإذا طغت السمكة الكبيرة وجارت واعتدت على سائر السمك لصقت السمكة الصغيرة المسماة لشنك بأصل أذن الدابة الكبيرة فلا تفارقها حتى تقتلها وفيه سمك ذاهب في العرض إذا شق بطنها وجدت فيه سمكة أخرى وإذا شقت تلك الأخرى وجد في بطنها سمكة أخرى وكذلك إذا فعل بالثالثة مثل هذا وجد في بطنها سمكة أخرى إلى أربع سمكات بعضها في جوف بعض وفي هذا البحر سلاحف طول السلحفاة عشرون ذراعاً وفي بطنها نحو من ألف بيضة وهي تلد وترضع وظهورها الذبل الجيد وفيه سمك على خلقة البقر تلد وترضع وتعمل من جلودها الدرق وفيه سمك طوله مقدار الذراع وله وجه كوجه البومة يطير على الماء ويسمى السبح وقد قيض الله له سمكة أخرى تسمى العنقريس ترعاها تحت الماء فإذا سقط السبح في الماء ابتلعته وفيه أيضاً أسماك طيارة يقال لما النطيق لها مرارات يكتب بها الكتب فإذا جفت قرئت في الظلام كما تقرأ بالنهار في ضوء الشمس وفيه سمكة تسمى الهنس وهي من صدرها إلى رأسها مثل الترس تطيف به عيون تنظر منها وباقيها طويل مثل الحية في طول عشرين ذراعاً ولها أرجل كثيرة كأسنان الميشار من صدرها إلى ذنبها لا تمر بشيء إلا أهلكته.

ومن هذا البحر يخرج العنبر الكثير الطيب الرائحة وقد توجد منه العنبرة من قنطار وأكثر وأقل وهو شيء تقذف به عيون في قعر البحر مثل ما تقذف عيون هيت بالنفط فإذا اشتد هيجان الريح رمى به إلى الساحل وقد وهم فيه بعض الناس حين ظنوا أنه رجيع دابة وليس هو برجيع دابة وإنما هو ما ذكرناه وقد حكى ذلك إبراهيم بن المهدي في كتابه المسمى بكتاب الطيب وذكر فيه أن هارون الرشيد بعث إلى اليمن قوماً من قبله يبحثون عن العنبر ما هو على الحقيقة فأخبر أهل عدن وشرمة وحاسك أنه شيء تقذف به عيون في قعر البحر فيسوقه الموج إلى الساحل صغيراً وكبيراً وليس العنبر بشيء غير ما ذكرناه.

نجز الجزء السابع من الإقليم الأول والحمد لله ويتلوه الجزء الثامن منه إن شاء الله تعالى.