نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الأول/الجزء التاسع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم الأول - الجزء التاسع
المؤلف: الإدريسي


إن هذا الجزء التاسع من الإقليم الأول تضمن قطعة من البحر الهندي وهو البحر المعروف بالبحر الصيني وفيه شيء من البحر المسمى بحر دارلاروى وفي هذا البحر جملة جزائر نذكرها بعد هذا بعون الله وقوته فنقول إن هذا البحر الهندي على جنوبه قطعة من بلاد سفالة التي قدمنا ذكرها وقرى وعمارات فمنها مدينة جسطة وهي مدينة صغيرة وبها يوجد التبر كثيراً وهو غلتهم وشغلهم وإياه يطلبون ومنه معايشهم وأكلهم السلاحف البحرية ولحوم الصدف وعندهم الذرة قليلاً وهي على خور كبير تدخله المراكب وليس لأهل جسطة مراكب ولا دواب يتصرفون عليها وإنما يتصرفون بأنفسهم ويستخدم بعضهم بعضاً وأهل القمر وتجار بلاد المهراج يدخلون إليهم ويجالسونهم ويتجرون معهم.

ومن مدينة جسطة إلى مدينة دغوطة في البحر ثلاثة أيام بلياليها ومنها إلى جزيرة القمر مجرى واحد ومدينة دغوطة آخر بلاد سفالة التبر وهي على خور كبير وأهلها عراة لا يستترون بشيء من الثياب لكنهم يستترون بأيديهم عند التقائهم بالتجار الداخلين إليهم من سائر الجزائر المجاورة لهم ونساؤهم محتجبات لا يدخلن الأسواق ولا المحافل لأنهن عراة فهن لذلك يلزمن أمكنتهن اللاتي يأوين إليها وفي هذه المدينة وبأرضها يوجد التبر مثل ما يوجد بغيرها من أرض سفالة ويتصل بأرض سفالة أرض الواق واق وبها مدينتان حقيرتان وساكنها قليل لضيق عيشها وتكدر رزقها واسم الواحدة منها ددوا واسم الثانية بنهنة وتليهما قرية كبيرة تسمى دغرغه وهم سودان قباح الصور مشوهو الخلقة وكلامهم نوع من الصفير وهم عراة لا يستترون بشيء والداخل إليهم قليل وأكلهم الحوت والصدف ولحوم السلاحف تتصل بهم جزائر الواق واق وسنذكرها فيما يرد بعد هذا بعون الله تعالى وكل واحدة من هذه البلاد على خور كبير وليس بأرض هؤلاء القوم شيء من الذهب ولا تخرج من عندهم تجارة ولا مراكب لهم ولا دواب.

فأما جزيرة جالوس فأهلها زنج سود عراة يأكلون من سقط في أيديهم كما قدمنا ذكرهم وعندهم جبل ترابه فضة إذا مسته النار تحلل وصار فضة ومنها إلى جزيرة لنكبالوس يومان ومن جزيرة لنكبالوس إلى جزيرة كله خمسة أيام وهي جزيرة كبيرة يسكنها ملك يسمى حبابه الهندي وبهذه الجزيرة معدن الرصاص القلعي وهو بها كثير صافي الجوهر والتجار يغشونه بعد خروجه عنها ومنها يتجهز به إلى جميع الأرض ولباس أهلها الفوط يلبس الرجل والمرأة فوطة واحده وبهذه الجزيرة منابت الخيزران وبها الكافور الجيد وهو شجر كبير يشبه شجر الصفصاف لكنه تظل الشجرة منه مائة رجل وأكثر والكافور يستخرج من هذه الشجرة بأن ينقب في أعلاها نقب فيسيل منه عدة جرار وإذا انقطع الجرى نقب أسفل من ذلك في وسط الشجرة فينساب منها قطع الكافور وهو صمغ ذلك الشجر غير أنه ينعقد في داخلها ثم تبطل تلك الشجرة فتنحى ويقصد غيرها وخشب شجر الكافور أبيض خفيف وفي هذه الجزيرة عجائب يقع واصفها في حد التكذيب.

ويلي هذه الجزيرة جزيرة جابة وجزيرة سلاهط وجزيرة هزلج وبين كل واحدة منها وأختها فرسخان وأكثر أو أقل وهذه الجزائر كلها لملك واحد اسمه جابة وهو يلبس حلة الذهب وقلنسوة الذهب مكللة بالدر والياقوت ودراهمه مطبوعة بصورته وهو يعبد البد والبدود هي الكنائس بلغة أهل الهند وبد الملك حسن البناء حسن الصنعة وقد كلفت جميع جوانبه بالرخام وداخل البد يحيط به من كل جهة أصنام مصنوعة من حجارة الرخام الأبيض وعلى رؤوسها التيجان المكللة وعليها الحلل وسائر الثياب المنسوجة من الذهب ونحوه وصلاتهم في هذه الكنائس إنما تكون غناءً وتلحيناً وتصفيقاً لطيفاً بالأكف وزفن الجواري الحسان في شعورهن ولعبهن بأنواع من الخف والتخلع وكل ذلك يكون بين أيدي المصلين والمجتمعين في البد ولكل بد من تلك الجواري عدة يأكلن ويلبسن من مال البد وذلك أن المرأة إذا ولدت بنتاً حسنة الصورة جميلة القد تصدقت بها على البد فإذا ترعرعت وشبت كستها من الثياب أبلغ ما تقدر عليه وتأخذ أمها بيدها وحولها أهلها نساءً ورجالاً وتصير بها إلى البد الذي تصدقت بها أمها عليه وتدفعها إلى خدامه وتنصرف فإذا صارت الطفلة بيد خدام البد دفعوها إلى نساء عارفات بالزفن والتخلع وجمل اللعب بما يحتاج إليه فإذا قبلت التعليم لبست أفضل الثياب وحليت بأرفع الحلي ولزمت البد ولم يكن لها خروج منه ولا زوال عنه وكذلك سنة الهنديين الذين يعبدون البدود وبهذه الجزائر شجر النارجيل كثير والموز المتناهي في الطيب أيضاً كثير عندهم وكذلك السر والأرز بها موجود وبجزيرة هزلج مهوأة كبيره لا يقف أحد على قعرها وهي من عجائب الأرض المريئة.

ويتصل بجزيرة جابة جزيرة مابط على قرب منها وهي تحت طاعة ملك جابة وفيها نارجيل وموز وقصب وأرز وبجزيرة سلاهط صندل كثير وسنبل وقرنفل وصفة شجر القرنفل شبه نبات شجر الحناء في دقة أغصانها وحمرتها ولها زهر يتفتح عن كمام شبيهة بزهر النارنج سواء فإذا سقط الزهر جنيت تلك الكمام ونقعت في مياه هناك إلى أن يصلح منها ما أرادوه ثم يخرجونه ويجففونه فقاحاً وخشباً ويبيعونه إلى التجار الواردين عليهم فيشترونه منهم ويتجهزون به إلى جميع الأقطار وفي آخر هذه الجزيرة بركان نار تتقد مقدار ارتفاعه مائة ذراع فهي بالنهار دخان وبالليل نار تشتعل.

وعلى يسار جزيرة مابط جزيرة تنومة وبينها وبين مابط يوم وهي جزيرة عامرة ولباس أهلها الأزر وبها مياه عذبة وأرز وقصب سكر ونارجيل وبها أيضاً مغائص اللؤلؤ وبجزيرة تنومة يوجد العود الهندي والكافور ونبات العود تكون أوراقه وأغصانه شبيهة بأوراق وأغصان النبات المسمى الصاص بالسواء والعود أصوله تستخرج في وقت لا يكون في غيره بعد أن يتقدم في قطع أغصانه قبل ذلك بأشهر ثم ينحت أعلاها ويزال رخوها وتوخذ قلوبها الصلبة فتجرد بالاسكرفاج وهو مبرد العود حتى تنقى ثم تجرد بالزجاج ثم توضع في أوعية خيش وتصقل صقلاً كثيراً ثم تخرج عن تلك الأوعية وتباع من التجار الواصلين هناك فتخرجه التجار إلى جميع البلاد ويصرفونه ومن جزيرة تنومة إلى جزيرة قمار خمسة أيام وإلى هذه الجزيرة ينسب العود القماري وبها يعرف وهو جيد لكن العود الصنفي أجود منه وبهذه الجزيرة الصندل والأرز وأهلها يلبسون الفوط ويجالسون التجار ويعاملون الجلة وفيهم عدالة ظاهرة وجودة مشهورة وإنصاف كامل وعبادتهم الأصنام والبدود وهم يحوقون موتاهم بالنار.

ويتصل بجزيرة قمار مما يلي الساحل جزيرة صنف وبينهما ثلاثة أميال وبها يوجد العود الصنفي وهو أفضل من العود القماري لأنه يغرق في الماء لجودته وثقله وبهذه الجزيرة بقر وجواميس لا أذناب لها وبها النارجيل والموز والقصب السكري والأرز وأهلها لا يذبحون شيئاً من الحيوان الماشي على أربع ولا غيره من الهوام والحشرات وإنما تؤكل البقر عندهم إذا ماتت بل يعافها أكثرهم ولا يأكلها ومن قتل بقرة لزمه القتل أو تقطع يده وإذا وقفت البقر عن الخدمة والتصرف وضعت في بيوت وتركت حتى يموتها موتها الطبيعي وبهذه الجزيرة ملك اسمه زنبد وأهلها سمر يلبس كل واحد منهم فوطتين فوطة يتزر بها وفوطة يلتحف بها ومياههما عذبة ومنها إلى جزيرة صندى فولات عشرة أيام.

ومن جزيرة الصنف إلى مدينة لوقين ثلاث مراحل وهي أول مراقي الصين وبها طرز الديباج والحرير الصيني ومنها يخرج إلى جميع الجهات وبها يعمل الغضار الصيني ومنها يتجهز به أيضاً إلى سائر البلاد المتصلة بها والمتباعدة عنها وبها أرز وحبوب ونارجيل وقصب ولباس أهلها الفوط وهم يجالسون التجار ويداخلون الناس ولهم همم عالية ونفوس أبية ويستعملون أنواع الطيب أكثر من سائر بلاد الهند.

ومن مدينة لوقين إلى مدينة خانافو مسيرة أربعة أيام في البحر وعشرين يوماً في البر وهي أعظم مراقي الصين وبها ملك مهاب له مملكة شامخة وفيلة كثيرة وأجناد وأسلحة وأهلها يأكلون الأرز والألبان والنارجيل وقصب السكر والمقل وهي على خور تطلع فيه المراكب مسافة شهرين إلى مدينة باجه وهي مدينة البغبوغ والبغبوغ هو ملك الصين بأجمعها وإلى مدينته ينتهي مسافروا بلاد الغرب وبها جميع الفواكه والبقول والحنطة والشعير والأرز ولا يوجد بجميع بلاد الهند والصين عنب ولا تين البتة وإنما يوجد عندهم ثمار شجر يسمى الشكي والبركي وأكثر ما يكونان ببلاد الفلفل وهو شجر له ساق غليظة وورق شبيه بورق الكرنب أخضر ما هو وله ثمر طول الثمرة أربعة أشبار مستدير شبيه بالدلاع له قشرة حمراء وفي جوفها حب مثل حب البلوط يشوى في النار ويؤكل مثل ما يؤكل القسطل وطعمهما سواء ولحم هذا الثمر إذا أكل وجد له آكله طعماً شهياً لذيذاً يجتمع فيه طيب التفاح وطيب الكمثرى وبعض طعم الموز والمقل وهو ثمر بديع الصفة شهي الطعم وهو أجل ما يؤكل ببلاد الهند وقد يوجد ببلاد الهند نبات يسمى العنبا وهو شجر كبير يشبه شجر الجوز وودقه كودقه وله ثمر مثل ثمر المقل حلو إذا عقد في أوله ويجمع في ذلك الحين فيعمل بالخل فيكون طعمه كطعم الزيتون سواء وهو عندهم أيضاً من الكوامخ الشهية ومن مدننة خانفو إلى مدينة خانكو مسيرة ثمانية أيام وسنذكرها في موضعها من الجزء العاشر بعد هذا بيمن الله وعونه.

ومن مدينة الصنف الساحلية إلى جزيرة شامل أربعة أيام وهي في آخر البحر الصنفي معمورة القطر مجتمعة الأهل وفيها حنطة وأرز وموز كثير وقصب سكر وبها سمك كبير العظم لذيذ الطعم يغني آكله عن أكل اللحم ومن جزيرة شامل إلى جزيرة عاشورا أربعة أيام وهي جزيرة قليلة العامر وأرضها أرض حرشاء كثيرة العقارب والأفاعي وجبالها متصلة ومنها إلى جزيرة ملاي يوم خفيف وهي جزيرة كبيرة ممتدة من المغرب إلى المشرق وفيها مدينة يسكنها ملك الجرز ودراهمه فضة تسمى بالدراهم الطاطرية وله أجناد وفيلة ومراكب كثيرة وفيها موز ونارجيل وأرز وقصب وهذه الجزيرة فيما يزعم أهلها أنها تتصل بالبحر الزفتي من آخر الصين وقد يوجد في هذا البحر المسمى بحر الصنف أنواع من الحيتان وضروب من السمك وجمل من العجائب يستدلون بها على السلامة أو العطب وسنذكر أكثر ذلك فيما يلي آخر هذا الجزء من الإقليم الثاني ونأتي منه بما ذكره المتجولون ونقله المسافرون واتفقت عليه أقاويل الناقلين حسب الطاقة ومبلغ الجهد بحول الله سبحانه وعونه وتأييده. نجز الجزء التاسع من الإقليم الأول والحمد لله ويتلوه الجزء العاشر منه إن شاء الله.