مقدمة ابن خلدون/القسم الثاني من المقدمة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الأول
المؤلف: ابن خلدون


فصل ـ القسم الثاني من المقدمة[عدل]

في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها[عدل]

وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسّرون في تفسير سورة «والفجر» في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ 89: 6- 7 فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وصفت بأنّها ذات عماد أي أساطين وينقلون أنّه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان هما شديد وشدّاد ملكا من بعده وهلك شديد فخلص الملك لشدّاد ودانت له ملوكهم وسمع وصف الجنّة فقال لأبنينّ مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدّة ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وأنّها مدينة عظيمة قصورها من الذّهب وأساطينها من الزّبرجد والياقوت وفيها أصناف الشّجر والأنهار المطّردة [1] ولمّا تمّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتّى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السّماء فهلكوا كلّهم. ذكر ذلك الطّبريّ والثّعالبيّ والزّمخشريّ وغيرهم من المفسّرين وينقلون عن عبد الله بن قلّابة [2] من الصّحابة أنّه خرج في طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر عليه وبلغ خبره معاوية فأحضره وقصّ عليه فبحث عن كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له ثمّ التفت فأبصر ابن قلّابة فقال هذا والله ذلك الرّجل. وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض وصحارى عدن الّتي زعموا أنّها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقبا والأدلّاء تقصّ طرقه من كلّ وجه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولا ذكرها أحد من الأخباريّين ولا من الأمم ولو قالوا إنّها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه إلّا أنّ ظاهر كلامهم أنّها موجودة وبعضهم يقول إنّها دمشق بناء على أنّ قوم عاد ملكوها وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنّها غائبة وإنّما يعثر عليها أهل الرّياضة والسّحر مزاعم كلّها أشبه بالخرافات والّذي حمل المفسّرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد أنّها صفة إرم وحملوا العماد على الأساطين فتعين أن يكون بناء ورشّح لهم ذلك قراءة ابن الزّبير عاد إرم على الإضافة من غير تنوين ثمّ وقفوا على تلك الحكايات الّتي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة الّتي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات وإلّا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنّهم أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوّتهم لأنّه بناء خاصّ في مدينة معيّنة أو غيرها وإن أضيفت كما في قراءة ابن الزّبير فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة وإلياس مضر وربيعة نزار وأيّ ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الّذي تمحّلت [3] لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية الّتي ينزّه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصّحّة. ومن الحكايات المدخولة للمؤرّخين ما ينقلونه كافّة في سبب نكبة الرّشيد للبرامكة من قصّة العبّاسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنّه لكلفه بمكانهما من معاقرته إيّاهما الخمر أذن لهما في عقد النّكاح دون الخلوة حرصا على اجتماعهما في مجلسه وأنّ العبّاسة تحيّلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبّه حتّى واقعها (زعموا في حالة السكر) فحملت ووشي بذلك للرّشيد فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العبّاسة في دينها وأبويها وجلالها وأنّها بنت عبد الله بن عبّاس ليس بينها وبينه إلّا أربعة رجال هم أشراف الدّين وعظماء الملّة من بعده. والعبّاسة بنت محمّد المهديّ ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمّد السّجّاد ابن عليّ أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العبّاس عمّ النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النّبويّة وصحبة الرّسول وعمومته وإقامة الملّة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبيّة وسذاجة [4] الدّين البعيدة عن عوائد التّرف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصّون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطّهارة والذّكاء [5] إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنّس شرفها العربيّ بمولى من موالي العجم بملكة جدّه من الفرس أو بولاء جدّها من عمومة الرّسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه واستخلصتهم ورقّتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرّشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همّته وعظم آبائه ولو نظر المتأمّل في ذلك نظر المنصف وقاس العبّاسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولجّ في تكذيبه وأين قدر العبّاسة والرّشيد من الناس. وإنّما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدّولة واحتجافهم [6] أموال الجباية حتّى كان الرّشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرّف في أمور ملكه فعظمت آثارهم وبعد صيتهم وعمّروا مراتب الدّولة وخططها [7] بالرّؤساء من ولدهم وصنائعهم واحتازوها عمّن سواهم من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم. يقال إنّه كان بدار الرّشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين صاحب سيف وصاحب قلم زاحموا فيها أهل الدّولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالرّاح لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون وليّ عهد وخليفة حتّى شبّ في حجره ودرج من عشّه وغلب على أمره وكان يدعوه يا أبت فتوجّه الإيثار من السّلطان إليهم وعظمت الدّالّة منهم وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه وخضعت لهم الرّقاب وقصرت عليهم الآمال وتخطّت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء وتسرّبت إلى خزائنهم في سبيل التّزلّف والاستمالة أموال الجباية وأفاضوا في رجال الشّيعة وعظماء القرابة العطاء وطوّقوهم المنن وكسبوا [8] من بيوتات الأشراف المعدم وفكّوا العاني [9] ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم وأسنّوا لعفاتهم [10] الجوائز والصّلات واستولوا على القرى والضّياع من الضّواحي والأمصار في سائر الممالك حتّى أسفّوا البطانة وأحقدوا الخاصّة وأغصّوا [11] أهل الولاية فكشفت لهم وجوه المنافسة والحسد ودبّت إلى مهادهم الوثير من الدّولة عقارب السّعاية حتّى لقد كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم السّاعين عليهم لم تعطفهم لما وقر في نفوسهم من الحسد عواطف الرّحم ولاوزعتهم أواصر القرابة وقارن ذلك عند مخدومهم نواشئ الغيرة والاستنكاف من الحجر والأنفة وكان الحقود الّتي بعثتها منهم صغائر الدّالّة. وانتهى بها الإصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصّتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أخي محمّد المهديّ الملقّب بالنّفس الزّكيّة الخارج على المنصور ويحيى هذا هو الّذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الدّيلم على أمان الرّشيد بخطّه وبذل لهم فيه ألف ألف درهم على ما ذكره الطّبريّ ودفعه الرّشيد إلى جعفر وجعل اعتقاله بداره وإلى نظره فحبسه مدّة ثمّ حملته الدّالّة على تخلية سبيله والاستبداد بحلّ عقاله حرما [12] لدماء أهل البيت بزعمه ودالّة على السّلطان في حكمه. وسأله الرّشيد عنه لمّا وشي به إليه ففطن وقال أطلقته فأبدى له وجه الاستحسان وأسرّها في نفسه فأوجد السّبيل بذلك على نفسه وقومه حتّى ثلّ عرشهم وألقيت عليهم سماؤهم وخسفت الأرض بهم وبدارهم وذهبت سلفا ومثلا للآخرين أيّامهم ومن تأمّل أخبارهم واستقصى سير الدّولة وسيرهم وجد ذلك محقّق الأثر ممهّد الأسباب وانظر ما نقله ابن عبد ربّه في مفاوضة الرّشيد عمّ جدّه داود بن علي في شأن نكبتهم وما ذكره في باب الشّعراء في كتاب العقد في محاورة الأصمعيّ للرّشيد وللفضل بن يحيى في سمرهم تتفهّم أنّه إنّما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه وكذلك ما تحيّل به أعداؤهم من البطانة فيما دسّوه للمغنّين من الشّعر احتيالا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائظه لهم وهو قوله: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا ممّا نجد واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبد وإنّ الرّشيد لمّا سمعها قال: «إي والله إنّي عاجز» حتّى بعثوا بأمثال هذه كامن غيرته وسلّطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ باللَّه من غلبة الرّجال وسوء الحال. وأمّا ما تموّه له الحكاية من معاقرة الرّشيد الخمر واقتران سكره بسكر النّدمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء، وأين هذا من حال الرّشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدّين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السّماك والعمريّ ومكاتبته سفيان الثّوريّ وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكّة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصّلوات وشهود الصّبح لأوّل وقتها. حكى الطّبريّ وغيره أنّه كان يصلّي في كلّ يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحجّ عاما ولقد زجر ابن أبي مريم مضحكه في سمره حين تعرّض له بمثل ذلك في الصّلاة لمّا سمعه يقرأ «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي 36: 22» وقال والله ما أدري لم؟ فما تمالك الرّشيد أن ضحك ثمّ التفت إليه مغضبا وقال يا ابن أبي مريم في الصّلاة أيضا إيّاك إيّاكوالقرآن والدّين ولك ما شئت بعدهما وأيضا فقد كان من العلم والسّذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جدّه أبي جعفر بعيد زمن إنّما خلّفه غلاما وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدّين قبل الخلافة وبعدها وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطّإ يا أبا عبد الله إنّه لم يبق على وجه الأرض أعلم منّي ومنك وإنّي قد شغلتني الخلافة فضع أنت للنّاس كتابا ينتفعون به تجنّب فيه رخص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر ووطّئه للنّاس توطئة قال مالك فو الله لقد علّمني التّصنيف يومئذ ولقد أدركه ابنه المهديّ أبو الرّشيد هذا وهو يتورّع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال ودخل عليه يوما وهو بمجلسه يباشر الخيّاطين في إرقاع [13] الخلقان من ثياب عياله فاستنكف المهديّ من ذلك وقال يا أمير المؤمنين عليّ كسوة هذه العيال عامنا هذا من عطائي فقال له لك ذلك ولم يصدّه عنه ولا سمح بالإنفاق فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرّشيد على قرب العهد من هذا الخليفة وأبوّته وما ربّي عليه من أمثال هذه السّير في أهل بيته والتّخلّق بها أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها وقد كانت حالة الأشراف من العرب الجاهليّة في اجتناب الخمر معلومة ولم يكن الكرم شجرتهم وكان شربها مذمّة عند الكثير منهم والرّشيد وآباؤه كانوا على ثبج [14] من اجتناب المذمومات في دينهم ودنياهم والتّخلّق بالمحامد وأوصاف الكمال ونزعات العرب. وانظر ما نقله الطّبريّ والمسعوديّ في قصّة جبريل بن بختيشوع الطّبيب حين أحضر له السّمك في مائدته فحماه عنه ثمّ أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله وفطن الرّشيد وارتاب به ودسّ خادمه حتّى عاينه يتناوله فأعدّ ابن بختيشوع للاعتذار ثلاث قطع من السّمك في ثلاثة أقداح خلط إحداها باللّحم المعالج بالتّوابل والبقول والبوارد والحلوى وصبّ على الثّانية ماء مثلّجا وعلى الثّالثة خمرا صرفا وقال في الأوّل والثّاني هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السّمك بغيره أو لم يخلطه وقال في الثّالث هذا طعام ابن بختيشوع ودفعها إلى صاحب المائدة حتّى إذا انتبه الرّشيد وأحضره للتّوبيخ، أحضر الثلاثة الأقداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط وأماع وتفتّت ووجد الآخرين قد فسدا وتغيرت رائحتهما فكانت له في ذلك معذرة وتبين من ذلك أنّ حال الرّشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته ولقد ثبت عنه أنّه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتّى تاب وأقلع وإنّما كان الرّشيد يشرب نبيذ التّمر على مذهب أهل العراق [15] وفتاويهم فيها معروفة وأمّا الخمر الصّرف فلا سبيل إلى اتّهامه بها ولا تقليد الأخبار الواهية فيها فلم يكن الرّجل بحيث يواقع محرّما من أكبر الكبائر عند أهل الملّة ولقد كان أولئك القوم كلّهم بمنحاة من ارتكاب السّرف والتّرف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدّين الّتي لم يفارقوها بعد فما ظنّك بما يخرج عن الإباحة إلى الحظر وعن الحلّة إلى الحرمة ولقد اتّفق المؤرّخون الطّبريّ والمسعوديّ وغيرهم على أنّ جميع من سلف من خلفاء بني أميّة وبني العبّاس إنّما كانوا يركبون بالحلية الخفيفة من الفضّة في المناطق والسّيوف واللّجم والسّروج وأنّ أوّل خليفة أحدث الرّكوب بحلية الذّهب هو المعتزّ بن المتوكّل ثامن الخلفاء بعد الرّشيد وهكذا كان حالهم أيضا في ملابسهم فما ظنّك بمشاربهم؟ ويتبيّن ذلك بأتمّ من هذا إذا فهمت طبيعة الدّولة في أوّلها من البداوة والغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الأوّل إن شاء الله والله الهادي إلى الصّواب. ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافّة عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه وأنّه كان يعاقر الخمر وأنّه سكر ليلة مع شربه [16] فدفن في الرّيحان حتّى أفاق وينشدون على لسانه: يا سيّدي وأمير النّاس كلّهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدّين وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرّشيد وشرابهم إنّما كان النّبيذ ولم يكن محظورا عندهم وأمّا السّكر فليس من شأنهم وصحابته للمأمون إنّما كانت خلّة في الدّين ولقد ثبت أنّه كان ينام معه في البيت ونقل في فضائل المأمون وحسن عشرته أنّه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسّس ويلتمس الإناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم وثبت أنّهما كانا يصلّيان الصّبح جميعا فأين هذا من المعاقرة وأيضا فإنّ يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرّج عنه التّرمذيّ كتابه الجامع [17] وذكر المزنيّ الحافظ أنّ البخاريّ روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في جميعهم وكذلك ما ينبزه [18] المجّان بالميل إلى الغلمان بهتانا على الله وفرية على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصّاص الواهية الّتي لعلّها من افتراء أعدائه فإنّه كان محسودا في كماله وخلّته للسّلطان وكان مقامه من العلم والدّين منزّها عن مثل ذلك وقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به النّاس فقال سبحان الله سبحان الله ومن يقول هذا؟ وأنكر ذلك إنكارا شديدا وأثنى عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد وقال أيضا يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيء ممّا كان يرمى به من أمر الغلمان ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنّه كانت فيه دعابة وحسن خلق فرمى بما رمى به ابن حيّان في الثّقات وقال لا يشتغل بما يحكى عنه لأنّ أكثرها لا يصحّ عنه ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربّه صاحب العقد من حديث الزّنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران وأنّه عثر في بعض اللّيالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل [19] مدلّى من بعض السّطوح بمعالق وجدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده وتناول المعالق فاهتزّت وذهب به صعدا إلى مجلس شأنه كذا ووصف من زينة فرشه وتنضيد أبنيته وجمال رؤيته ما يستوقف الطّرف ويملك النّفس وأنّ امرأة برزت له من خلل السّتور في ذلك المجلس رائقة الجمال فتّانة المحاسن فحيّته ودعته إلى المنادمة فلم يزل يعاقرها الخمر حتّى الصّباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حبّا بعثه على الإصهار إلى أبيها وأين هذا كلّه من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الرّاشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملّة ومناظرته العلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه فكيف تصحّ عنه أحوال الفسّاق المستهترين [20] في التّطواف باللّيل وطروق المنازل وغشيان السّمر سبيل عشّاق الأعراب وأين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصّون والعفاف وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرّخين معروفة وإنّما يبعث على وضعها والحديث بها الانهماك في اللّذّات المحرّمة وهتك قناع المخدّرات ويتعلّلون بالتّأسّي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذّاتهم فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون بأشباه هذه الأخبار وينقّرون عنها عند تصفّحهم لأوراق الدّواوين ولو ائتسوا بهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللّائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون. ولقد عذلت يوما بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلّم الغناء وولوعه بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم بن المهديّ كيف كان إمام هذه الصّناعة ورئيس المغنّين في زمانه؟ فقلت له يا سبحان الله وهلّا تأسّيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصمّ عن عذلي وأعرض وَالله يَهْدِي من يَشاءُ 2: 213. ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين والأثبات في العبيديين خلفاء الشّيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطّعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصّادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبّاس تزلّفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم وتفنّنا في الشّمات بعدوّهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التّفطّن لشواهد الواقعات وأدلّة الأحوال الّتي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرّدّ عليهم. فإنّهم متّفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشّيعة أنّ أبا عبد الله المحتسب لمّا دعي بكتامة للرّضى من آل محمّد واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهديّ وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محلّ الخلافة واجتازا بمصر وأنّهما خرجا من الاسكندريّة في زيّ التّجّار ونمي خبرهما إلى عيسى النّوشريّ عامل مصر والاسكندريّة فسرّح في طلبهما الخيّالة حتّى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبّسوا به من الشّارة والزّيّ فأفلتوا إلى المغرب. وأنّ المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقيا بالقيروان وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء العيون في طلبهما فعثر أليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفيّ مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشّيعة على الأغالبة بالقيروان ثمّ كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب وإفريقية ثمّ باليمن ثمّ بالإسكندريّة ثمّ بمصر والشّام والحجاز وقاسموا بني العبّاس في ممالك الإسلام شقّ الأبلمة [21] وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويزايلون من أمرهم ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيريّ من موالي الدّيلم المتغلبين على خلفاء بني العبّاس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم وخطب لهم على منابرها حولا كاملا وما زال بنو العبّاس يغصّون بمكانهم ودولتهم وملوك بني أميّة وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم وكيف يقع هذا كلّه لدعيّ في النّسب يكذب في انتحال الأمر واعتبر حال القرمطيّ إذ كان دعيّا في انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرّقت أتباعه وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين كذلك لعرف ولو بعد مهلة: ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم فقد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه السّلام ومصلّاه وموطن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الملائكة ثمّ انقرض أمرهم وشيعتهم في ذلك كلّه على أتمّ ما كانوا عليه من الطّاعة لهم والحبّ فيهم واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصّادق ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدّولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصيّة ممّن سلف قبلهم من الأئمّة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبّس في أمره ولا يشبّه في بدعته ولا يكذّب نفسه فيما ينتحله. والعجب من القاضي أبي بكر الباقلانيّ شيخ النّظّار من المتكلّمين كيف يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرّاي الضّعيف فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدّين والتّعمّق في الرّافضيّة فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالّذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السّلام في شأن ابنه «إِنَّهُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ 11: 46. [22] » وقال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة يعظها يا فاطمة اعملي فلن أغني عنك من الله شيئا ومتى عرف امرؤ قضيّة أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل والقوم كانوا في مجال لظنون الدّول بهم وتحت رقبة من الطّغاة لتوفّر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرّر خروجهم مرّة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل: فلو تسأل الأيّام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكانيا حتّى لقد سمّي محمّد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد الله المهديّ بالمكتوم سمّته بذلك شيعتهم لما اتّفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم فتوصّل شيعة بني العبّاس بذلك عند ظهورهم إلى الطّعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرّأي القائل [23] للمستضعفين من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولّون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشّام ومصر والحجاز من البربر الكتّامين شيعة العبيديّين وأهل دعوتهم حتّى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا النّسب وشهد بذلك عندهم من أعلام النّاس جماعة منهم الشّريف الرّضيّ وأخوه المرتضى وابن البطحاويّ ومن العلماء أبو حامد الأسفرايينيّ والقدّوريّ والصّيمريّ وابن الأكفانيّ والأبيورديّ وأبو عبد الله بن النّعمان فقيه الشّيعة وغيرهم من أعلام الأمّة ببغداد في يوم مشهود وذلك سنة ستّين وأربعمائة في أيّام القادر وكانت شهادتهم في ذلك على السّماع لما اشتهر وعرف بين النّاس ببغداد وغالبها شيعة بني العبّاس الطّاعنون في هذا النّسب فنقله الأخباريّون كما سمعوه ورووه حسبما وعوه والحقّ من ورائه. وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحّة نسبهم فالمعتضد أقعد [24] بنسب أهل البيت من كلّ أحد والدّولة والسّلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصّنائع وتلتمس فيه ضوالّ الحكم وتحدى إليه ركائب الرّوايات والأخبار وما نفق فيها نفق عند الكافّة فإن تنزّهت الدّولة عن التّعسّف والميل والأفن [25] والسّفسفة وسلكت النّهج الأمم ولم تجر [26] عن قصد السّبيل نفق في سوقها الإبريز الخالص واللّجين [27] المصفّى وإن ذهبت مع الأعراض والحقود وماجت بسماسرة العرب البغي والباطل نفق البهرج والزّائف والنّاقد البصير قسطاس نظره وميزان بحثه وملتمسه. ومثل هذا وأبعد منه كثيرا ما يتناجى به الطّاعنون في نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (رضوان الله عليهم) الإمام بعد أبيه بالمغرب الأقصى ويعرّضون تعريض الحدّ بالتّظنّن في الحمل المخلّف عن إدريس الأكبر إنّه لراشد مولاهم قبّحهم الله وأبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أنّ إدريس الأكبر إنّه لراشد مولاهم قبّحهم الله وأبعدهم ما أجلهم أما يعلمون أنّ إدريس الأكبر كان إصهاره في البربر وأنّه منذ دخل المغرب إلى أن توفّاه الله عزّ وجلّ عريق في البدو وأنّ حال البادية في مثل ذلك غير خافية إذ لا مكامن لهم يتأتّى فيها الرّيب وأحوال حرمهم أجمعين بمرأى من جاراتهنّ ومسمع من جيرانهنّ لتلاصق الجدران وتطامن [28] البنيان وعدم الفواصل بين المساكن وقد كان راشد يتولّى خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه بمشهد من أوليائهم وشيعتهم ومراقبة من كافّتهم وقد اتّفق برابرة المغرب الأقصى عامّة على بيعة إدريس الأصغر من بعد أبيه وآتوه طاعتهم عن رضى وإصفاق [29] وبايعوه على الموت الأحمر وخاضوا دونه بحار المنايا في حروبه وغزواته ولو حدّثوا أنفسهم بمثل هذه الرّيبة أو قرعت أسماعهم ولو من عدوّ كاشح أو منافق مرتاب لتخلّف عن ذلك ولو بعضهم كلّا والله إنّما صدرت هذه الكلمات من بني العبّاس أقتالهم [30] ومن بني الأغلب عمّالهم كانوا بإفريقيّة وولاتهم. وذلك أنّه لمّا فرّ إدريس الأكبر إلى المغرب من وقعة بلخ أوعز الهادي إلى الأغالبة أن يقعدوا له بالمراصد ويذكوا عليه العيون فلم يظفروا به وخلص إلى المغرب فتمّ امره وظهرت دعوته وظهر الرّشيد من بعد ذلك على ما كان من واضح مولاهم وعاملهم على الاسكندريّة من دسيسة التّشيّع للعلويّة وإدهانه [31] في نجاة إدريس إلى المغرب فقتله ودسّ الشّمّاخ من موالي المهديّ أبيه للتّحيّل على قتل إدريس فأظهر اللّحاق به والبراءة من بني العبّاس مواليه فاشتمل عليه إدريس وخلطه بنفسه وناوله الشّمّاخ في بعض خلواته سمّا استهلكه به [32] ووقع خبر مهلكه من بني العبّاس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدّعوة العلويّة بالمغرب واقتلاع جرثومتها ولمّا تأدّى إليهم خبر الحمل المخلّف لإدريس فلم يكن لهم إلّا كلا ولا [33] وإذا بالدّعوة قد عادت والشّيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بإدريس بن إدريس قد تجدّدت فكان ذلك عليهم أنكى من وقع السّهام وكان الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرّشيد على إدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلّا التّحيّل في إهلاكه بالسّموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الأغالبة بإفريقية في سدّ تلك الفرجة من ناحيتهم وحسم الدّاء المتوقّع بالدّولة من قبلهم واقتلاع تلك العروق قبل أن تشج [34] منهم يخاطبهم بذلك المأمون ومن بعده من خلفائهم فكان الاغالبة عن برابرة المغرب الأقصى أعجز ولمثلها من الزّبون [35] على ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء [36] ممالك العجم على سدّتها وامتطائهم صهوة التّغلّب عليها وتصريفهم أحكامها طوع أغراضهم في رجالها وجبايتها وأهل خططها [37] وسائر نقضها وإبرامها كما قال شاعرهم: خليفة في قفص ... بين وصيف وبغا يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا فخشي هؤلاء الأمراء الأغالبة بوادر السّعايات وتلوا بالمعاذير فطورا باحتقار المغرب وأهله وطورا بالإرهاب بشأن إدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه يخاطبونهم بتجاوزه حدود التّخوم من عمله وينفذون سكّته في تحفهم وهداياهم ومرتفع جباياتهم تعريضا باستفحاله وتهويلا باشتداد شوكته وتعظيما لما دفعوا إليه من مطالبته ومراسه وتهديدا بقلب الدّعوة إن ألجئوا إليه وطورا يطعنون في نسب إدريس بمثل ذلك الطّعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا يبالون بصدقة من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلّف من صبية بني العبّاس وممالكهم العجم في القبول من كلّ قائل والسّمع لكلّ ناعق ولم يزل هذا دأبهم حتّى انقضى أمر الأغالبة فقرعت هذه الكلمة الشّنعاء أسماع الغوغاء وصرّ عليها بعض الطّاعنين أذنه واعتدّها ذريعة إلى النّيل من خلفهم عند المنافسة. وما لهم قبّحهم الله والعدول عن مقاصد الشّريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون وإدريس ولد على فراش أبيه والولد للفراش. على أنّ تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان فاللَّه سبحانه قد أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ففراش إدريس طاهر من الدّنس ومنزه عن الرّجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه وإنّما أطنبت في هذا الرّد سدّا لأبواب الرّيب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض مؤرّخي المغرب ممّن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الإيمان بسلفهم وإلّا فالمحلّ منزّه عن ذلك معصوم منه ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكنّي جادلت عنهم في الحياة الدّنيا وأرجو أن يجادلوا عنّي يوم القيامة ولتعلم أنّ أكثر الطّاعنين في نسبهم إنّما هم الحسدة لأعقاب إدريس هذا من منتم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإنّ ادّعاء هذا النّسب الكريم دعوى شرف عريضة على الأمم والأجيال من أهل الافاق فتعرض التّهمة فيه. ولمّا كان نسب بني إدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس وسائر ديار المغرب قد بلغ من الشّهرة والوضوح مبلغا لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في دركه إذ هو نقل الأمّة والجيل من الخلف عن الأمّة والجيل من السّلف وبيت جدّهم إدريس مختطّ فاس ومؤسّسها من بيوتهم ومسجده لصق محلّتهم ودروبهم وسيفه منتضى برأس المئذنة العظمى من قرار بلدهم وغير ذلك من آثاره الّتي جاوزت أخبارها حدود التّواتر مرّات وكادت تلحق بالعيان فإذا نظر غيرهم من أهل هذا النّسب إلى ما أتاهم الله من أمثالها وما عضد شرفهم النّبويّ من جلال الملك الّذي كان لسلفهم بالمغرب واستيقن أنّه بمعزل عن ذلك وأنّه لا يبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه [38] وأنّ غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممّن لم يحصل له أمثال هذه الشّواهد أن يسلّم لهم حالهم لأنّ النّاس مصدّقون في أنسابهم وبون ما بين العلم والظّنّ واليقين والتّسليم فإذا علم بذلك من نفسه غصّ بريقه وودّ كثير منهم لو يردّونهم عن شرفهم ذلك سوقة ووضعاء [39] حسدا من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد وارتكاب اللّجاج والبهت بمثل هذا الطّعن الفائل والقول المكذوب تعلّلا بالمساواة في الظنّة والمشابهة في تطرّق الاحتمال وهيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبالغ أعقاب إدريس هذا من آل الحسن. وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الحوطيّ بن محمّد بن يحيى العوّام بن القاسم بن إدريس بن إدريس وهم نقباء أهل البيت هناك والسّاكنون ببيت جدّهم إدريس ولهم السّيادة على أهل المغرب كافّة حسبما نذكرهم عند ذكر الادارسة إن شاء الله تعالى ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرّأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهديّ صاحب دولة الموحّدين ونسبته إلى الشّعوذة والتّلبيس فيما أتاه من القيام بالتّوحيد الحقّ والنّعي على أهل البغي قبله وتكذيبهم لجميع مدّعياته في ذلك حتّى فيما يزعم الموحّدون اتّباعه من انتسابه في أهل البيت وإنّما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنّهم لمّا رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدّين بزعمهم ثمّ امتاز عنهم بأنّه متبوع الرّأي مسموع القول موطأ العقب نفسوا ذلك عليه [40] وغضّوا منه بالقدح في مذاهبه والتّكذيب لمدّعياته وأيضا فكانوا يؤنسون [41] من ملوك لمتونة أعدائه تجلّة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم لما كانوا عليه من السّذاجة وانتحال الدّيانة فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشّورى كلّ في بلده وعلى قدره في قومه فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحربا لعدوّهم ونقموا على المهديّ ما جاء به من خلافهم والتّثريب [42] عليهم والمناصبة [43] لهم تشيّعا للمتونة وتعصّبا لدولتهم ومكان الرّجل غير مكانهم وحاله على غير معتقداتهم وما ظنّك برجل نقم على أهل الدّولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدّولة من أصولها وجعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوّة وأشدّ شوكة وأعزّ أنصارا وحامية وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلّا خالقها وقد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم من الهلكة وتقرّبوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدّعوة والتّعصّب لتلك الكلمة حتّى علت على الكلم ودالت بالعدوّتين من الدّول وهو بحالة من التّقشّف والحصر [44] والصّبر على المكاره والتّقلّل من الدّنيا حتّى قبضه الله وليس على شيء من الحظّ والمتاع في دنياه حتّى الولد الّذي ربّما تجنح إليه النّفوس وتخادع عن تمنّيه فليت شعري ما الّذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله وهو لم يحصل له حظّ من الدّنيا في عاجله ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تمّ أمره وانفسحت دعوته سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وأمّا إنكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده [45] حجّة لهم مع أنّه إن ثبت أنّه ادّعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لأنّ النّاس مصدّقون في أنسابهم وإن قالوا إنّ الرّئاسة لا تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصّحيح حسبما يأتي في الفصل الأوّل من هذا الكتاب والرّجل قد رأس سائر المصامدة ودانوا باتّباعه والانقياد إليه وإلى عصابته من هرغة حتّى تمّ أمر الله في دعوته فاعلم أنّ هذا النّسب الفاطميّ لم يكن أمر المهديّ يتوقّف عليه ولا اتّبعه النّاس بسببه وإنّما كان اتّباعهم له بعصبيّة الهرغيّة والمصموديّة ومكانه منها ورسوخ شجرته فيها وكان ذلك النّسب الفاطميّ خفيّا قد درس عند النّاس وبقي عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النّسب الأوّل كأنّه انسلخ منه ولبس جلدة هؤلاء وظهر فيها فلا يضرّه الانتساب الأوّل في عصبيّته إذ هو مجهول عند أهل العصابة ومثل هذا واقع كثيرا إذا كان النّسب الأوّل خفيّا وانظر قصّة عرفجة وجرير في رئاسة بجيلة وكيف كان عرفجة من الأزد ولبس جلدة بجيلة حتّى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهّم منه وجه الحقّ والله الهادي للصّواب وقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالإطناب في هذه المغالط فقد زلّت أقدام كثير من الأثبات والمؤرّخين الحفّاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافّة من ضعفة النّظر والغفلة عن القياس وتلقّوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا رويّة واندرجت في محفوظاتهم حتّى صار فنّ التّاريخ واهيا مختلطا وناظره مرتبكا وعدّ من مناحي العامّة فإذا يحتاج صاحب هذا الفنّ إلى العلم بقواعد السّياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السّير والأخلاق والعوائد والنّحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتّفق منها والمختلف والقيام على أصول الدّول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتّى يكون مستوعبا لأسباب كلّ خبره وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا وإلّا زيّفه واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التّاريخ إلّا لذلك حتّى انتحله الطّبريّ والبخاريّ وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمّة وقد ذهل الكثير عن هذا السّر فيه حتّى صار انتحاله مجهلة [46] واستخفّ العوامّ ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتّطفّل عليه فاختلط المرعيّ بالهمل [47] واللّباب بالقشر والصّادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ الذّهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيّام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطّن له إلّا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ إنّما هو اختلاف على الأيّام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدّول سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسّريانيّون والنّبط والتّبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصّة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم [48] ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثمّ جاء من بعدهم الفرس الثّانية والرّوم والعرب فتبدّلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثمّ جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السّلف ثمّ درست دولة العرب وأيّامهم وذهبت الأسلاف الذين شيّدوا عزّهم ومهّدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل التّرك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشّمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسّبب الشّائع في تبدّل الأحوال والعوائد أنّ عوائد كلّ جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكميّة النّاس على دين الملك وأهل الملك والسّلطان إذا استولوا على الدّولة والأمر فلا بدّ من أن يفزعوا إلى [49] عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدّولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأوّل فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشّيء وكانت للأولى أشدّ مخالفة ثمّ لا يزال التّدريج في المخالفة حتّى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسّلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة. والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذّهول والغفلة عن قصده وتعوّج به [50] عن مرامه فربّما يسمع السّامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين مع أنّ التّعليم لهذا العهد من جملة الصّنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة والمعلّم مستضعف مسكين منقطع الجذم [51] فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصّنائع المعاشيّة إلى نيل الرّتب الّتي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربّما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتّلف ولا يعلمون استحالتها في حقّهم وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأنّ التّعليم صدر الإسلام والدّولتين لم يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنّما كان نقلا لما سمع من الشّارع وتعليما لما جهل من الدّين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبيّة الّذين قاموا بالملّة هم الّذين يعلّمون كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم على معنى التّبليغ الخبريّ لا على وجه التّعليم الصّناعيّ إذ هو كتابهم المنزل على الرّسول منهم وبه هداياتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصّوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمّة لا تصدّهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عاذل الأنفة ويشهد لذلك بعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلّمونهم حدود الإسلام وما جاء به من شرائع الدّين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقرّ الإسلام ووشجت عروق الملّة حتّى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الأيّام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشّرعيّة من النّصوص لتعدّد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التّعلّم فأصبح من جملة الصّنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتّعليم واشتغل أهل العصبيّة بالقيام بالملك والسّلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السّلطان عن التّصدّي للتّعليم واختصّ انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبيّة والملك والحجّاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبيّة العرب ومناهضة قريش في الشّرف ما علمت ولم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الأمر عليه لهذا العهد من أنّه حرفة للمعاش وإنّما كان على ما وصفناه من الأمر الأوّل في الإسلام ومن هذا الباب أيضا ما يتوهّمه المتصفّحون لكتب التّاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرّئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرّتب يحسبون أنّ الشّأن خطّة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل ويظنّون بابن أبي عامر صاحب [52] هشام المستبدّ عليه وابن عبّاد من ملوك الطّوائف بإشبيليّة إذا سمعوا أنّ آباءهم كانوا قضاة أنّهم مثل القضاة لهذا العهد ولا يتفطّنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبيّنه في فصل القضاء من الكتاب الأوّل وابن أبي عامر وابن عبّاد كانا من قبائل العرب القائمين بالدّولة الأمويّة بالأندلس وأهل عصبيّتها وكان مكانهم فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرّئاسة والملك بخطّة القضاء كما هي لهذا العهد بل إنّما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبيّة من قبيل [53] الدّولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب وانظر خروجهم بالعساكر في الطّوائف [54] وتقليدهم عظائم الأمور الّتي لا تقلّد إلّا لمن له الغنى [55] فيها بالعصبيّة فيغلط السّامع في ذلك ويحمل الأحوال على غير ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الأندلس لهذا العهد لفقدان العصبيّة في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيّات [56] من البربر فبقيت أنسابهم العربيّة محفوظة والذّريعة إلى العزّ من العصبيّة والتّناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرّعايا المتخاذلين الذين تعبّدهم القهر ورئموا للمذلّة [57] يحسبون أنّ أنسابهم مع مخالطة الدّولة هي الّتي يكون لهم بها الغلب والتّحكّم فتجد أهل الحرف والصّنائع منهم متصدّين لذلك ساعين في نيله فأمّا من باشر أحوال القبائل والعصبيّة ودولهم بالعدوة الغربيّة وكيف يكون التّغلّب بين الأمم والعشائر فقلّما يغلطون في ذلك ويخطئون في اعتباره. ومن هذا الباب أيضا ما يسلكه المؤرّخون عند ذكر الدّول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمّه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره كلّ ذلك تقليد لمؤرّخي الدّولتين من غير تفطّن لمقاصدهم والمؤرّخون لذلك العهد كانوا يضعون تواريخهم لأهل الدّولة وأبناؤها متشوّفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتّى في اصطناع الرّجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لأبناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبيّة الدّولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كلّه وامّا حين تباينت الدّول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصّة ونسب الدّول بعضها من بعض في قوّتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الأمم أو يقصّر عنها فما الفائدة للمصنّف في هذا العهد في ذكر الأبناء والنّساء ونقش الخاتم واللّقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنّما حملهم على ذلك التّقليد والغفلة عن مقاصد المؤلّفين الأقدمين والذّهول عن تحرّي الأغراض من التّاريخ اللَّهمّ إلّا ذكر الوزراء الّذين عظمت آثارهم وعفت [58] على الملوك أخبارهم كالحجّاج وبني المهلّب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الإخشيديّ وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والإشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أنّ التّاريخ إنّما هو ذكر الأخبار الخاصّة بعصر أو جيل فأمّا ذكر الأحوال العامّة للآفاق والأجيال والأعصار فهو أسّ للمؤرّخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبيّن به أخباره وقد كان النّاس يفردونه بالتّأليف كما فعله المسعوديّ في كتاب مروج الذّهب شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثّلاثين والثّلاثمائة غربا وشرقا وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدّول وفرّق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرّخين يرجعون إليه وأصلا يعوّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثمّ جاء الكبريّ من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصّة دون غيرها من الأحوال لأنّ الأمم والأجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغيّر وأمّا لهذا العهد وهو آخر المائة الثّامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الّذي نحن شاهدوه وتبدّلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامّة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثّامنة من الطّاعون الجارف الّذي تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدّول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلّص من ظلالها وفلّ من حدّها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التّلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السّبل والمعالم وخلت الدّيار والمنازل وضعفت الدّول والقبائل وتبدّل السّاكن وكأنّي بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنّما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها وإذا تبدّلت الأحوال جملة فكأنّما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره وكأنّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنّحل الّتي تبدّلت لأهلها ويقفو مسلك المسعوديّ لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرّخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربيّ إمّا صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في التّأليف بالمغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطّلاعي على أحوال المشرق وأممه وأنّ الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعوديّ إنّما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلّبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنّه لمّا ذكر المغرب قصّر في استيفاء أحواله وفوق كلّ ذي علم عليم ومردّ العلم كلّه إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعيّن واجب ومن كان الله في عونه تيسّرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التّأليف والله المسدّد والمعين وعليه التّكلان وقد بقي علينا أن نقدّم مقدّمة في كيفيّة وضع الحروف الّتي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا. اعلم أنّ الحروف في النّطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيّات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصّوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان معالحنك والحلق والأضراس أو بقرع الشّفتين أيضا فتتغاير كيفيّات الأصوات بتغاير ذلك القرع وتجيء الحروف متمايزة في السّمع وتتركب منها الكلمات الدّالّة على ما في الضّمائر وليست الأمم كلّها متساوية في النّطق بتلك الحروف فقد يكون لأمّة من الحروف ما ليس لأمّة أخرى والحروف الّتي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيّين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم وكذلك الإفرنج والتّرك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثمّ إنّ أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدّلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر الثّمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الّذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن الدّلالة الكتابيّة مغفلا عن البيان وربّما يرسمه بعض الكتّاب بشكل الحرف الّذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده وليس بكاف في الدّلالة بل هو تغيير للحرف من أصله. ولمّا كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الّذي يليه كما قلناه لأنّه عندنا غير واف بالدّلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجميّ بما يدلّ على الحرفين اللّذين يكتنفانه ليتوسّط القارئ بالنّطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته وإنّما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصّراط في قراءة خلف فإنّ النّطق بصاده فيها معجم متوسّط بين الصّاد والزّاي فوضعوا الصّاد ورسموا في داخلها شكل الزّاي ودلّ ذلك عندهم على التّوسّط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كلّ حرف يتوسّط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسّطة عند البربر بين الكاف الصّريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقّطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدلّ ذلك على أنّه متوسّط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسّط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنّه متوسّط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنّا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الّذي من لغتنا وغيّرنا لغة القوم فاعلم ذلك والله الموفّق للصّواب بمنّه وفضله [59] .

الحواشي[عدل]

  1. الجارية.
  2. هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي وكنيته: أبو قلابة وهو من التابعين (معجم الأدباء) .
  3. تمحل للشيء بمعنى، احتال في طلبه. وفي العبارة اضطراب، والتصويب «الّذي تمحل لتوجيهه بأمثال هذه الحكايات» .
  4. بمعنى الوضع الصحيح الطبيعي الّذي لم تشبه شائبة (قاموس) .
  5. في جميع النسخ المطبوعة الذكاء بالذال، وفي النسخة الباريسية المخطوطة، الزكاء بالزين وهو الأصح بمعنى الصلاح.
  6. احتجف الشيء: استخلصه وحازه. والأصح استعمال كلمة احتجانهم، واحتجن الشيء أي جذبه، ولكن ابن خلدون يتعمد استعمال الكلمات الفريدة.
  7. جمع خطة بضم الخاء وهي بمعنى الأمر، واما بالكسر كما أوردها محقق لجنة البيان العربيّ بمعنى «المكان المختط لعمارة: فليس لها معنى في هذا المقام.
  8. يتعدى فعل كسب بنفسه إلى مفعول ثان، وهو هنا بمعنى: كسب فلانا مالا أي اناله (قاموس) .
  9. العاني: الأسير.
  10. اسنوا الجوائز: أي اجزلوها، والعفاة جمع عاف، وهو طالب المعروف.
  11. ثقال كلمة غص للطعام، واستعملها هنا ابن خلدون للغيظ على التشبيه.
  12. أي لحرمة دماء أهل البيت.
  13. الأصح أن يقول في رقع الخلقان أو في ترقيعها. والخلقان الثياب البالية (قاموس) .
  14. الثبج من كل شيء: معظمه، أعلاه ووسطه ومنه حديث عبادة: يوشك أن يرى الرجل من ثبج المسلمين أي من وسطهم، وقيل: من سراتهم وعليتهم (قاموس)
  15. يقصد به مذهب أبي حنيفة.
  16. الشرب: الذين يشربون معا، جمع شارب (قاموس) .
  17. كذا بالأصل في جميع النسخ، والتصويب: وخرّج عنه الترمذي في كتابه الجامع.
  18. الأصح، ما ينبزه به المجان. وفي بعض النسخ (ما يثبجه المجان) .
  19. كذا بالأصل في جميع النسخ ولعلها عثر على زنبيل، أو بمعنى زلّ: أي لم ينتبه للزنبيل فوقع فيه.
  20. المستهتر: لشيء بالفتح المولع به لا يبالي بما فعل فيه وشتم له والّذي كثرت أباطيله هـ- قاموس.
  21. يقال: الأمر بيننا شق الأبلمة. والأبلمة هي الخوصة أي ورقة الدوم وهي شجرة تشبه النخلة. وذلك لأنها تؤخذ فتشق طولا على السواء. والمعنى أنهم قاسموا بني العباس أعمالهم. وفي نسخة لجنة البيان العربيّ «شق الأبلة» وهو تحريف.
  22. سورة هود آية 46.
  23. أي الضعيف أو الخاطئ.
  24. اقعد، بمعنى أكفأ.
  25. الأفن: ضعف الرأي.
  26. قوله ولم تجر بضم الجيم: أي لم تمل.
  27. اللجين: الفضة.
  28. اطمأنت وتطامنت: انخفضت (لسان العرب) .
  29. واصفقت يده بكذا أي صادفته ووافقته، وقد استعملها ابن خلدون بمعنى الموافقة وهو ضعيف. والأصح عن رضا وصفق من صفق: أي ضرب يده على يده (لسان العرب) .
  30. جمع قتل وهو العدو المقابل.
  31. بمعنى الغش.
  32. بمعنى أهلكه.
  33. كذا في جميع النسخ، وأظن أنها محرفة عن كلالة أي الوارث الّذي ليس بولد للميت ولا والد له.
  34. بمعنى تمتد وترسخ.
  35. يقال للناقة إذا كان من عادتها أن تدفع حالبها عن حلبها: «زبون» (لسان العرب) وقد استعملت هنا بمعنى الأشخاص الذين يدافعون عن الملوك. وان كان هذا الاستعمال ضعيفا. وقد تكررت هذه العبارة بنصها عدة مرات في تاريخ ابن خلدون، لذلك لا يمكننا أن نقول أن ابن خلدون قصد بها كلمة سواها.
  36. بمعنى الثوب.
  37. الخطة: الأرض. والدار يختطها الرجل في أرض غير مملوكة ليتحجرها ويبني فيها وذلك إذا أذن السلطان (لسان العرب) وعنى بها ابن خلدون هنا: بالموظفين المشرفين على أعمال الخطط.
  38. قوله: «لا يبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» مثل يكنى به عن ضعة مكانة شخص بالنسبة لشخص آخر.
  39. قوله: ووضعاء بضم الواو جمع وضيع.
  40. أي حسدوه.
  41. بمعنى يعلمون.
  42. التثريب كالتأنيث والتعيير والاستقصاء في اللوم (قاموس) .
  43. ناصبة مناصبة: عاداه وقاومه.
  44. بمعنى الامتناع عن النساء.
  45. عضده: بكسر الضاد: بمعنى أعانه وكان له عضدا (لسان العرب) .
  46. المجهلة: ما يحملك على الجهل (قاموس) .
  47. هو مثل جيد لاختلاط الجيد بالقبيح.
  48. صنائع: جمع صناعة، وجمع صنيعة بمعنى الإحسان (قاموس) .
  49. وفي بعض النسخ (لا بدّ وأن) وهو تركيب غير فصيح وقد استعمله ابن خلدون كثيرا في كتابه والأصح استعمال «لا بدّ أن ... » وفزع إلى معنى: لجأ إلى.
  50. بمعنى ترجع به.
  51. الجذم: الأصل (قاموس) .
  52. كذا بالأصل في جميع النسخ، وأظنها تحريف من الناسخ وصوابها (حاجب هشام) وهشام هذا هو أحد ملوك الأندلس، وكان ابن أبي عامر حاجبا له.
  53. بمعنى جماعة الدولة.
  54. كذا بالأصل في جميع النسخ والغالب أنه تحريف عن «صوائف» وهي غزوات الصين.
  55. كذا بالأصل في جميع النسخ ولا معنى لها هنا والصحيح، الغناء بمعنى الاجزاء والكفاية.
  56. العصبية بفتحتين التعصب وهو أن يذب الرجل عن حريم صاحبه ويشمر عن ساق الجد في نصره منسوبة إلى العصبة محركة وهم أقارب الرجل من قبل أبيه لأنهم هم الذابون عن حريم من هو منتهاهم وهي بهذا المعنى ممدوحة وإما العصبية المذمومة في الحديث الجامع الصغير ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية فهي تعصب رجال لقبيلة على رجال لقبيلة أخرى لغير ديانة كما كان يقع من قيام سعد على حرام نسبة إلى العصبة بمعنى قوم الرجل الذين يتعصبون له ولو من غير أقاربه ظالما كان أو مظلوما وفي الفتاوي الخيرية من موانع قبول الشهادة العصبية وهي أن يبغض الرجل الرجل لأنه من بني فلان أو من قبيلة كذا والوجه في ذلك ظاهر وهو ارتكاب المحرم ففي الحديث ليس منا من دعي إلى عصبية وهو موجب للفسق ولا شهادة لمرتكبه. قاله الأستاذ أبو ألوفا.
  57. في القاموس: يقولون: «هو رءوم للضيم أي ذليل راضي بالخسف» وهذه العبارة قليلة الاستعمال. والأصح: رئموا المذلة بمعنى ألفوها.
  58. عفا عليه: زاد (قاموس) .
  59. يعتبر ابن خلدون أول من حاول استخدام العلوم الاجتماعية والسياسية مجتمعة وتسخيرها لدراسة التاريخ، غير أنه لم يجد من يخلفه في الإسلام إلى أن جاءت المؤثرات الحديثة تؤثر في العالم الإسلامي وقد باءت بالفشل حتى اليوم كل محاولة لمعرفة المثال الّذي احتذاه ابن خلدون في تفكيره ومن المحتمل انه كانت في بيئته. شمالي افريقيا وفي اسبانيا، أفكار تناقش أمامه بشكل أولي. غير أنه لا جدال في إبداعه الأساس، وقد ذكر ابداعه بقوة إذ قال «ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما. وأعثرنا على علم بين بكرة وجهينة خبره، فان كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية، وان فاتني شيء من إحصائه واشتبهت بغيره مسائله فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق، والله يهدي بنوره من يشاء» ويؤيد صدق قوله تواضعه الواضح. ثم انه ليس هناك مبرر للريبة بابن خلدون عند ما يقول ان مصادر الهامة هي أصول الفقه وكتب الآداب، فهو يقول «وهذا الفن الّذي لاح لنا النظر فيه نجد مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم من جنس مسائله بالموضوع والمطلب مثل ما يذكره الحكماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه الحاكم والوازع، ومثلما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون للعبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع وشأن العبارات أخف ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع والقتل أيضا مفسد للنوع وان الظلم مؤذن بخراب العمران ... » ولا شك أن أعظم ما قام به ابن خلدون هو تطبيق الأفكار السياسية والاجتماعية المبعثرة على التاريخ الّذي يعتبره القوة الحية التي تربط الماضي بالحاضر بعملية واحدة مستمرة. فالإنسان والبيئة والجهود الفردية والتنظيمات الاجتماعية كلها مادة أولية للتاريخ، حسب تحليل ابن خلدون العميق رغم تعسفه أحيانا، وتحليل ابن خلدون هذا رغم إمكان تفسيره على ضوء أسسه الإسلامية، إلا أنه أقرب إلى التوقف الفذ منه إلى مجرد وقفة عادية في مجرى علم التاريخ الإسلامي. (علم التاريخ عند المسلمين ص 165- 166. فرانز روزنثال) .