مغامرات حاجي بابا الإصفهاني/26

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مغامرات حاجي بابا الإصفهاني الفصل السادس والعشرون. سيرة زينب الجارية الكردية
المؤلف: جيمس موريير
المترجم: Ghainmem (نم)


الفصل السادس والعشرون. سيرة زينب الجارية الكردية[عدل]

أنا ابنة زعيم القبيلة المشهور في كردستان باسم أوكوز آغا. لا أعرف أمي، وسمعت أني ولدت في الطقوس السرية في كرند؛[1] ولكن بما أن هذه الطقوس السرية لا يحكى عنها بيننا نحن الأكراد، لم أجرؤ يوماً على الاستفهام من أحد عنها، ومن ثم لم أستطع التحقق ما إن كانت أخبار ولادتي صحيحة أم لا. المؤكد أنني لم أعتبر أحداً أمي، بل نشأت بين نسائنا، وأقدم أصدقائي كان مهرٌ يعيش معنا في بيتنا. لقد ولد في الخيمة التي كانت تسكنها نساء والدي، وكانت الفرس أمه من أصل عربي صرف، وكانت معاملتها وكأنها واحدة من أفراد الأسرة لا معاملة دابة، بل كان أبي يهتم ويعتني بها أكثر مما يهتم ويعتني بأي واحدة من زوجاته، وكان لها أدفأ مكان في الخيمة وأغطية جميلة، وفي كل سفراتنا كانت موضع الاهتمام الأكبر. وعندما ماتت الفرس عمّ الحداد المخيم كله. وكان المهر مخصصاً ليصبح جواد أبي، ولا يزال حتى أيامنا فخر كردستان. ولكن ليت ولعنا بهذه الدواب لم يكن بهذه الشدة! فلولاه لربما بقيت حرة، إذ كل المصائب التي رمانا بها القدر كانت بسبب فرس سأحكي لك عنها لاحقاً.

تعرف أن الأكراد يأبون أن يخضعوا لأية سلطة، إلا أن أسلافنا (وأبي أيضاً حتى زمن ليس ببعيد) كانوا يرعون قطعانهم وينصبون خيامهم في ذاك الجزء من جبال كردستان التي تتبع للأتراك وتخضع لحكم الباشا في بغداد. ومتى وجد الأمير أن الحرب وشيكة كان يدعو قبائلنا لنقدم له فرساناً، وفرساننا مشهورون في أرجاء آسيا بشجاعتهم وبسالتهم في ساحات القتال. وكان والدي بفضل قوته وبسالته وفروسيته من المقربين إلى الباشا فيطلبه دائماً في مثل هذه المناسبات. ومنظره مهيب عندما يمتطي حصانه، وعندما يقع على وجهه ظل قبعته تثير نظراته الرعب. لقد قتل العديد من الرجال في المعارك فمُنِح خصلة من شعر الحصان يثبتها على رمحه. ولكن أجمل منظر له حين يلبس دروعه. لن أنسى مظهره العظيم عندما رأيته في السرج بين ألف فارس يرتدون جميعهم دروعاً لامعة، وريش الطاووس يزين خوذهم، ورماحهم تلمع في نور الشمس وهم يستعدون للانضمام إلى جيوش الباشا. وبدأت بعض محننا من تلك الحملة. لقد تقدم الوهابيون نحو أراضي بغداد بل هددوا أسوار المدينة حين رأى الباشا أن الوقت قد حان لدعوة الأكراد لمساعدته.

نزل الباشا إلى الميدان بجيوش ضخمة وانطلق نحو العدو. وجاء والدي بجيشه ملتفاً على العدو في الجبال وباغتهم ليلاً، وحدث أن اشتبك والدي مع ابن الشيخ العربي نفسه الذي كان يقود جموع الوهابيين؛ فقتله أبي واغتنم درعه وسلاحه وأخذ معه الفرس التي كان يركبها عدوه. وكان يعرف تمام العلم قيمة هذه الغنيمة، فأخذ كل الاحتياطات على الفور كيلا يعلم بها زعيم الأتراك؛ فلو علم لفعل كل ما بوسعه ليستولي عليها منه. فأرسل الدابة إلى دياره وأمر رجاله بالتنقل خفيةً وأن يسكنوها في خيمة حريمه. إلا أن حيلته لم يكن منها جدوى، إذ أن بطولته وتفاصيلها باتت معروفة للجميع. ولكن بما أن الباشا كان يقدِّر أبي تقديراً عظيماً ولم يكن هناك ما يدعوه إلى الافتراض أن الفرس غير عادية فلم يسأل عنها.

ولكن بعد فترة وجيزة من انقضاء الحرب، وبعد أن تقهقر الوهابيون إلى صحرائهم وعاد الأكراد إلى جبالهم فوجئنا في صباح أحد الأيام بزيارة أحد كبار المسؤولين في قصر الباشا، وهو ميرآهور، أي قيّم الاصطبل، يرافقه قافلة من عشرة رجال مسلحين. اندفع الجميع لإكرامهم، فسيقت خيلهم إلى أقرب مرعى وفير العشب، ودعي الفرسان إلى خيمة الرجال حيث قدمت لهم القهوة والغلايين، ونصب على النار قدر ضخم من الرز واللحم، وذُبِح كبشان وجهزت النسوة المقبلات وشرعن بعجن العجين وبخبز أكوام من الخبز بهذه المناسبة، أي قمنا بكامل واجبات الكرم المفروضة على قبائل الرحل.

حالما عرف والدي بقدوم الضيوف عندما ضبطوا على مبعدة من المخيم خطر على باله هدف زيارتهم، فأمر ابنه الأكبر بأن يركب الفرس بلا تأخير وأن ينطلق بها إلى وادٍ قريب ويمكث بها هناك حتى يصله خبر. كانت خيامنا تصطف على ضفة ساقية جبلية حفرت وادياً عميقاً، لذا كان من السهل الانسلال عبر الوادي. والجبال الشاهقة حولنا، والتي نعرفها جيداً، تضمن لنا ملجأ آمناً لو وقعت أية اضطرابات.

أتذكر التفاصيل وكأن القصة حدثت بالأمس. فنحن النساء كانت خيمتنا ملاصقة لخيمة الرجال ففتحنا بأصابعنا فتحات في اللباد واسترقنا النظر منها. وكان قيم الاصطبل وتركيان آخران جالسين، والباقون واقفين عند المدخل مرتكئين على سيوفهم. كان أبي جالساً على السجادة ويداه على ركبتيه وقدماه تحته يظهر التواضع، وفي الوقت نفسه يتابع بنظرات حادة كل ما يجري حوله.

فقال أبي: «أهلاً وسهلاً بالضيوف. حلّت البركة!»

فردّ الميرآهور عليه: «البركة فيكم. اشتقنا لكم. اكتحلت عيوننا برؤيتكم!»

وبعد أن كرروا هذه التحيات وتحيات مماثلة مراراً وتكراراً صمتوا ودخنوا غلايينهم وانشغلوا بها عن الأحاديث حتى امتلأ المكان بالدخان.

ثم قال الميرآهور: «سيدنا ومولانا الباشا يبعث إليك بالسلام، وهو يحبك، وأنت أعز وأقدم أصدقائه. أنت – ما شاء الله! – رجل طيب، والأكراد جميعهم رجال طيبون، أصدقاؤهم أصدقاؤنا وأعداؤهم أعداؤنا!»

وأثنى الأتراك الواقفون على كلامه بهمهمة مبهمة، وأجاب والدي وهو يرفع كتفيه ويضغط يديه على ركبتيه: «أنا في خدمة الباشا وفي خدمتكم، شرفتموني. الحمد لله نأكل خبزنا ونرتدي قبعاتنا بالمائل دونما خوف في ظل حكم الباشا أغدق الله عليه من نعمته.»

وتابع الضيف بعد سكوت قصير: «جئنا يا أوكوز آغا بمسألة حساسة. لقد أرسل الوهابيون (اللعنة على لحاهم!) وفداً إلى الباشا يطلبون منه الفرس التي كان يركبها ابن شيخهم ساعة مقتله. ومع أنهم قالوا أن دمه على رؤوسنا ولا يفديه إلا روح الباشا أو ابنه، ولكنهم مستعدون للتنازل عن الثأر بشرط أن تعاد الفرس إليهم، فهي، كما قالوا، ذات أصل رفيع لا يضاهيه أي خيل في بلاد العرب، وأن أصلها يعود جيلاً بعد جيل إلى الفرس التي ركبها نبينا المبارك ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة، وأنهم مستعدون مقابل استعادتها لسكب الذهب على أرض البلاط حتى يكتفي الباشا ويقول لهم «توقفوا!». وكل العالم يدري أنك أنت البطل الذي غلب ابن الشيخ وقتله، وأن فرسه غنيمتك. وقد رأى مولاي الباشا بعد استشارة أعيان بغداد ونبلائها أن يعيد الفرس إلى الوهابيين؛ وبما أن الأمر بات الآن قضية حكومية أرسلني لأطلب منك أن تسلمني الدابة لآخذها إلى بغداد. هذه هي غايتي، وقد بلغتك بها.»

فصاح أبي: «والله! بالله! قسماً بملح الباشا الذي آكله وبروحك وحياة أمك التي حملتك وبالنجوم والسماوات، أقسم أن الوهابي كذاب! فأين تلك الفرس الأصيلة التي يزعمون خسارتها من تلك الدابة الهزيلة التي كانت من نصيبي؟ صحيح أنني غنمت فرساً، ولكنها كانت نحيلة ورديئة فبعتها لأعرابي بعد يوم من المعركة. عندي سرجها ولجامها، إن أحببتم، أما الدابة نفسها فليست عندي.»

وهتف الميرآهور: «الله! الله! إن هذا لأمرٌ خطير. يا أوكوز آغا، أنت رجل مستقيم، وأنا كذلك. لا تضحك على لحانا ولا تصرفنا بلا عماماتنا. إذا عدنا إلى الباشا ولم نحضر الفرس معنا نخرج بسواد الوجه وباب الصداقة بينك وبين الباشا يوصد إلى الأبد. أستحلفك بروحك: أين ذهبت بالدابة؟»

فأجاب والدي: «يا صديقي، ماذا أقول لك؟ الفرس ليست هنا، والوهابيون كذابون، ولم أقل إلا الحق.» ثم دنا من الميرآهور وتحدث معه طويلاً بصوت خافت وكلام طيب وإيماءات نشيطة وقناعة قوية، وبدا في نهاية الحديث أنهما اتفقا على أمر. فقال الميرآهور جهراً:

«طيب، ما دام الأمر كذا والدابة ليست عندك فالله كريم ولا يردّ مخلوقٌ ما قدّره الخالق. نحن عائدون إلى بغداد.»

فقام أبي من مقعده ودخل خيمة الحريم تاركاً ضيوفه يدخنون ويشربون القهوة استعداداً للوليمة. وأمر زوجته، وكانت الأمينة على أمواله، بأن تحضر له كيساً من الذهب لفوه في خرق بالية ووضعوه في صندوق تركوه مع عدة حصان فاخرة وسرج فخم وأغراض ثمينة أخرى في قرنة الخيمة. وأخرج عشرين ديناراً ذهبياً وربطها في طرف منديل وأخفاها في جيبه، ثم أمر بتقديم الغداء في الحال وعاد إلى ضيوفه. وخلال المأدبة ساد الصمت باستثناء أحاديث قليلة دارت حول الخيل وكلاب الصيد والسلاح. سحب الميرآهور من حزامه فرداً طويلاً مطعماً بالفضة وعرضه للحضور قائلاً أنه فرد إنكليزي أصلي. ورجل آخر استعرض سيفه وأكد أنه نصل خراساني أسود فائق الجودة. وأبرز أبي سيفاً قائماً طويلاً ذي حدين استولى عليه من ابن شيخ الوهابيين الذي أرداه قتيلاً.

وعندما جهز الغداء مدوا مائدة جلدية مستديرة أمام الضيف نثرت عليها أرغفة الخبز الساخن، وقدموا الماء لغسل اليدين. ووضعوا في وسط المائدة صحناً خشبياً كبيراً من الشوربة، وقال والدي جهراً «بسم الله» فجلس جميع الحضور، وهم الميرآهور ومرافقوه العشرة ووالدي وثلاثة من بني قومنا، حول الصحن وقدم كل واحد منهم كتفه اليمنى وأكلوا الشوربة بملاعق خشبية. وبعد الشوربة جاء خروف مشوي كاملاً مزقوه إلى قطع خلال وقت وجيز وحظي كل واحد بأكبر قطعة استطاع اقتطاعها. وبعد ذلك جاء طبق ضخم من الرز أكله الحضور جميعهم بأصابعهم. وبعد أن شبع الجميع قاموا واغتسلوا وهم يقولون «الحمد لله» و«أدام الله نعمته عليكم». وأخيراً رفعت المائدة وأخذت إلى خارج الخيمة حيث أكمل الرعاة ما تبقى من الوليمة.

لم يكن الميرآهور يحب المبيت في الجبال، وهمّ بالرحيل، فذهبت حاشيته لتجهيز الخيل، فتركوه على انفراد مع والدي في الخيمة. وبما أنني تابعت المجريات من بدايتها أصررت على متابعة ما يجري بينهما فاستمعت إلى محادثتهما بانتباه.

قال والدي: «ما أستطيع أن أقدمه هو عشرة دنانير. إننا فقراء، فمن أين لي المال؟» فأجاب الميرآهور: «مستحيل. أنت خير من يعرف ماذا سيحدث لو لم أقبض ضعف هذا المبلغ: حالما يعرف الباشا أننا عدنا بدون الفرس سيأمرني بالعودة إليك للقبض عليك ومصادرة كل ما تملك. في الحقيقة، أمرني بأن أقبض عليك فوراً لو رفضت طلبه، ولكني لن أمسَّك بسوء إذا وافقت على شروطي، وهي عشرون دينار ذهباً. والقرار لك يا صديقي.» فأخرج والدي المنديل من جيبه وأخرج النقود منه وعدّ عشرين ديناراً في يد الميرآهور، وهذا، بعد أن تأكد من أن القطع جميعها صالحة وغير معيبة، حل عمامته ووضع الذهب في طياتها ثم لفها حول رأسه ثانيةً، وقال لأبي: «الآن بيننا خبز وملح، وإذا سعى الباشا لإيذائك سأتدخل لصالحك. ولكن عليك أن ترسل إليه هديةً وإلا فلا يستطيع أحد أن يقيك من شره.»

فأجاب والدي: «على رأسي! عندي كلب صيد شهير ذاع صيته في كل أرجاء كردستان يستطيع أن يمسك الغزال وهو يعدو؛ إنه وحش لم ير أبو شاه فارس مثله حتى في أحلامه. أيكفي هذا؟»

«هذا ممتاز، لكنه لن يكفي؛ فأنت تريد أن يرضى مولاي الباشا عنك.»

فقال أبي: «اسمع ما خطر على بالي: عندي ابنة أجمل من القمر، ورْكاءُ ممتلئةُ البدن. وقل له: مع أن اليزيديين كافرون في عينه، وأنهم كالتراب تحت قدميه، فقد يحب أن يحوز حسناء تغار من جمالها حوريات الجنة، وأنا مستعد أن أرسلها إليه.»

فصفق الميرآهور بيديه مسروراً وصاح: «أحسنت يا أوكوز آغا! هذا عظيم! سأنقل عرضك إليه ولا شك في أن هديتك ستعجبه فيصرف الوهابيين خائبين، وسيكون لك يد قوية في بيت حريم الباشا تخرجك من هذا المأزق وتحميك في المستقبل!»

وبدا أنهما اتفقا على هذا، فتركت مرصدي وأنا الضحية، لأفكر في مصيري. كنت سأبكي بادئ الأمر على ما حكم والدي علي به، ولكن بعد تفكير قلت: «يا ربي! سأكون زوجة الباشا! وسألبس أثواباً رفيعة! وسيحملونني في هودج! وأثير حسد كل بنات الجبال!»

وبعد فترة رأيت من خيمتي الميرآهور ومرافقيه يركبون خيولهم بمحاذاة سلسلة التلال قرب مخيمنا، آخذين معهم كلب الصيد لابساً أفخم عدته. ثم سمعت أبي يحمد الله على تخليصه من هؤلاء الضيوف الثقال.

وحالما اختفى زوارنا من الأنظار، أرسل أبي أحد أولاد الرعاة إلى ابنه في الجبال يأمره أن يعود بالفرس. وبعد أن وصلت الدابة إلى بر الأمان في خيمة الحريم، دعا شيوخ قبيلته من أقاربه وأقارب زوجاته الذين كانوا يخيمون في جوارنا، وشرح لهم أوضاعه، وبيّن أن الخراب سيلحق بنا جميعاً إذا مكثنا في أراضي الباشا الذي لن يقصِّر في ابتزازنا وفرض الغرامات علينا حتى يودي بنا إلى الفقر والإفلاس. كان الزعماء مجتمعين في خيمة الرجال وعددهم عشرة، وفي الصدر يجلس عم أبي أكبر شيوخ القبيلة، وهو رجل مسن لحيته البيضاء كالثلج تصل إلى نطاقه.

قال أبي: «أنتم خير من يعلم أننا يزيديون، وتعرفون حق المعرفة الحقد الذي يكنه المسلمون جميعهم لنا. لقد تظاهر الباشا بالصداقة نحوي لأنني قاتلتُ إلى جانبه في معاركه واستبسلتُ في القتال وشربتُ دم أعدائه. ولكن حبه للمال يعلو على كل شيء ولن يشبعه إلا التراب، ويحبُّ أن يراني أنا وأبي وجدي وجميع أسلافنا وأبناء جلدتنا في الجحيم. عددنا أقل من أن نقدر عليهم، مع أنني، وقسماً بتلك القوة العظيمة التي نعبدها، لولا أن عندنا زوجات وأولاد نحميهم لما خفتُ من مواجهته ممتطياً فرسي والرمح في يدي والسيف على جانبي ومن مواجهة جميع أولاد الحرام الأنذال تحت يده، وأحب أن أرى ذاك الشركجي[2] الذي يجرؤ على الوقوف في وجهي. ولذا أطرح عليكم أن نترك أراضي الأتراك حالاً ونرحل إلى فارس حيث نلقى الترحيب والحماية.»

فتحرك عم والدي والجميع يصغي بإجلال إلى ما سيقوله: «يا أوكوز آغا، أنت ابن أخي، وأنت ولدي، وأنت زعيم قبيلتنا وعمادها وحافظها. لو نصحتك بأن تعيد الفرس إلى الباشا لاعتبرتني غير جدير بأن أكون كردياً ويزيدياً؛ وحتى لو حصل عليها الآن لن ننجو من شره، إذ أعرف من تجربتي مع الحكام الأتراك أنهم متى وجدوا ذريعة للظلم والاضطهاد لا يتوانون عن استغلالها. ومن ثم فإني من رأيك: لا يجوز لنا أن نبقى هنا. أنا رجل عجوز وقد اعتدت منذ طفولتي على رعي خيولنا وقطعاننا في هذه الجبال وأن أرى الشمس تشرق من وراء ذاك الجبل وتغرب في ذلك السهل البعيد، وأحب هذه البقاع التي ولد أسلافنا وولدنا وترعرعنا فيها وأكره فراقها، ولكني لن أرضى أن يقال عني أن مشاعري كانت سبباً لهلاك قبيلتنا، ولذا أدعو إلى الرحيل بلا تلكؤ، فالتأجيل خطر. فخلال يومين ستأتي جيوش الباشا وتأخذ رهائن منا، فنبقى محبوسين هنا ويدركنا الخراب. لنذهب يا أولادي، والله أكبر وهو الغفور الرحيم. وقد يأتي يوم نعود فيه إلى الترحال بين المراعي الصيفية ومضاربنا الشتوية بلا خوف ولا قلق.»

وحين أتم الشيخ كلامه تحدث راعٍ عجوز عارف بكل ما يتعلق بالمواسم وضليع بالأرض بين جبالنا وجبال فارس فقال: «إذا قررنا الرحيل فعلينا أن نرحل فوراً، فيوم تأخير قد يوقفنا. لقد بدأت الثلوج في الجبال بالذوبان وستمتلئ الوديان بالسيول في غضون أسبوع فيعجز الغنم عن عبورها. كما أن الشمس بعد ثلاثة أسابيع ستدخل في برج الحمل فتنجب نعجاتنا إن شاء الله، وينبغي أن تكون قد أتمت الرحلة وارتاحت قبل ذلك بأيام. إذن، علينا أن نعتمد ما هو المكان الذي سنمكث فيه لأن قبائل الرحل في فارس تتشبث بمراعيها، وإذا تعدينا على حقهم بلا إذن من الحكومة سيتقاتل رعاتنا مع رعاتهم ولا يعلم عواقب ذلك إلا الله.»

فردّ أبي: «كلامه صحيح والله.» ثم التفت إلى الراعي وقال: «أحسنت القول يا قره بيغ، عافاك الله! أنت خادم أمين ونصيحتك طيبة. فقبل أن نفكر بالاستقرار في فارس يجب أن يذهب أحدنا إلى كرمانشاه ويطلب إذن الأمير بأن يعين لنا مراعي كافية. ومتى أفلتنا من قبضة الباشا سأتولى الأمر وأعود إليكم فنتجنب النزاع مع قبائل الرحل الآخرين.»

أجمع الحضور على الرحيل الفوري فأعطى والدي أوامره بجمع القطعان ونزع الخيام وتحضير الثيران لتحميلها وتجهيز الإبل ليكون كل شيء معدّاً للرحيل بحلول منتصف الليل لنقطع مرحلتنا الأولى بعد نحو ساعة من مشرق الشمس. وقرر والدي أن يركب فرسه، وهي موضع اهتمامه الأول، بينما زوجته الأولى مع أولادهما كل واحد في الخروج المعلقة على جانبي الدوابّ، وكان الجمل المخصص لحملهم عليه غطاء مزركش بالخرز وقطع القماش الأحمر ومزين بشرابات على كامل محيطه.

وحالما عرفت النسوة بالأمر ملأن الجو بالعويل والبكاء، وبدت المصيبة في أعينهن أكبر مما كانت عليه، إذ اعتقدن أن جيوش الباشا ستدخل المخيم حالاً فتوقع القبيلةَ كلها في الأسر وتأخذ الناس لتبيعهم في أسواق الرقيق.

وأضافت زينب: «أما أنا فشعرت بالبؤس والشقاء لسبب آخر، فمنذ سمعت الحديث بين أبي والميرآهور لم أستطع التفكير إلا في محاسن الانضمام إلى حريم الباشا، وهنا تبدد حلمي، وبدل الثياب الفخمة والقصور المنيفة والهودج المذهب والموقع الرفيع وجدت نفسي وسط ما سئمته من تحميل الدواب وتوضيب الأغراض وخض اللبن وصناعة الزبدة.»

عمت الحركة كامل مخيمنا. كانت الجبال مليئة على مد البصر بقطعان من الماشية يسوقها رعاة قبيلتنا نحو مخيماتهم. فُكِّكت الخيم وأُعِدّت للتحميل على ظهور الدواب. وكانت النسوة، اللاتي وقع عليهن العبء الأكبر من جهود التحضير للرحيل، تسعين في كل مكان لجمع الفرش والأواني ومعدات صنع الزبدة والجميد. لُفّ السجاد وشدت رحال الإبل وجهزت البغال والثيران، ووصلت قطعان الغنم وبركت الإبل في دائرة وحمّلوها بأحمالها، وكذلك الثيران، أما البغال فربطت في سلاسل من خمسة أو سبعة حيوانات وأجراسها تصدر أصواتاً جميلة. أما الغنم والماعز فكانت قد انطلقت في مسيرها بقيادة كلاب الرعي والرعاة يمشي أحدهم في مقدمة القطيع والباقون في مؤخرته.

وفي منتصف الليل لم يبق للمخيم أثر، وبحلول الصباح كانت قافلتنا على مسافة بعيدة تلتف بين الجبال. اتخذنا سبيلاً نادراً ما يمشي الناس فيه خوفاً من أن نلتقي بأحد قد يُعلِم الباشا بوجهتنا، وبعد أيام وصلنا إلى حدود فارس بصعوبات أقل مما توقعنا. وطوال الرحلة بقي والدي ومعه كبار القوم يراقبون مؤخرتنا مستعدين لمقاومة رجال الباشا لو لحقوا بنا وحاولوا عرقلة مسيرنا. ولكن لحسن حظنا لم نصادف إلا الرعاة من قبائل كردية تقطن في البلاد التي قطعناها خلال رحلتنا.

وعندما وصلنا إلى بر الأمان انطلق والدي إلى كرمانشاه حيث يحكم أحد أبناء الشاه طلباً لحمايته والتماساً لإذن منه بالإقامة في أحد المراعي الواقعة في أراضي فارس. وكنا ننتظر عودته بفارغ الصبر إذ كنا واقفين على الحدود بين البلدين ونخشى الهجوم من الأتراك والفرس. وبما أن كلتا الدولتين انتهجتا سياسة جذب الرحل إلى أراضيهما لم نلق أية مضايقات من أمير الولاية.

وأخيراً عاد والدي ومعه مأمور من الأمير، وخصص هذا الأخير لنا مساحةً من الأرض تبعد عن حدود بلاد فارس نحو عشرة فراسخ. وكان موقعنا الشتوي في ركن آمن من الجبال فيه نبع غزير، ومراعينا الصيفية على مسافة ثلاثة أيام مسيراً تقع، كما وصفوها لنا، في أبرد مكان من الجبال المجاورة، ذات مياه غزيرة وعشب وفير، ولا خطر فيها من هجوم الأتراك.

كان والدي معروفاً في كرمانشاه، ومتى عُرِف بوصوله والغرض منه استقبله الأمير بكل رحابة واحترام وأكرمه بثوب فاخر، ولم يضع أية شروط لمكثه وأغدق عليه بوعود قاطعة بالحماية الكاملة قائلاً: «إذا طالب الباشا بك وبقومك على أنكم رعايا حكومته وطلب مني ألا أستقبلكم عندي فسأحرق أباه وأضحك من لحيته. إن أرض الله مفتوحة لكل عباده، وإذا تعرض رجل للظلم في بقعة من الأرض يرحل إلى بقعة أخرى طلباً للمعاملة الحسنة.» فاستقررنا وعدنا إلى عاداتنا وأشغالنا المعتادة.

وحصل ما توقعه الأمير. بعد وقت وجيز من وصولنا جاء رسول الباشا إلى كرمانشاه ومعه رسالة فيها طلب رسمي بأن والدي وقومه أجمعين ينبغي إعادتهم إلى أرضهم، وروى ملابسات هروبنا. وكانت الرسالة تسمي والدي لصاً سرق فرساً لا تقدر بثمن من اصطبل الباشا نفسه، وتطلب أن تعاد الدابة فوراً، وفي حال لم يعدها الأمير إلى الباشا هدده الأخير بمصادرة أملاك جميع الفرس في بغداد. علم والدي بكل هذه التفاصيل واستدعي للمثول بين يدي الأمير.

تمالكنا الذعر حالما عرفنا بالأمر، إذ أدركنا أن الباشا مصرّ على بذل قصارى جهده ليستولي على الفرس ويخرب بيت أبي، ولا شك أن قبيلة ضعيفة وفقيرة مثل قبيلتنا لا طاقة لها بمجابهة كل هذه المكايد والدسائس والمؤامرات والرشاوى من جانب رجل له مثل هذا النفوذ؛ كما أن هذه الفرس بحد ذاتها قد تكون جريمة في عين حكام فارس فيسعون للاستيلاء عليها منا عند أقرب فرصة تسنح لهم إن لم يكن اليوم. كما سينتشر الخبر بأن الكثيرين منا يزيديون، وهذا وحده يكفي لإثارة الحقد واللعنات عند أي واحد من أتباع شيعة علي، وفي الغالب سنتعرض لكل ألوان الاضطهاد متى أخذت الدسائس والمكائد مسارها، حتى لو لم يطرق موضوع الفرس الأصيلة.

وقبل أن ينطلق والدي إلى قصر الأمير أمر سراً أن تؤخذ الفرس إلى مكان آمن في حال سأله الأمير عنها واضطر إلى نفي وجودها عنده. ولكن تبين بعد عودته أن هذا الاحتياط لم يكن له ضرورة، فقد استقبله الأمير بكل حفاوة وأكد له أنه قرر رفض مطالب الباشا كلها، وألا يخاف والدي على فرسه وينعم بالأمان ما دام في أرضه، قائلاً: «لا عليك يا أوكوز آغا. ما دمت في ظلنا ضع رأسك على وسادة الراحة، فلا معنى لمزاعم الباشا بأنك وقومك من رعايا سلطانه. إن أبواب قصر والدي ملك الملوك مفتوحة للجميع، وكل غريب لمس طرف ثوبه معتصماً به ينعم بالأمان في بلاده. لقد طلبت حمايتنا، ولا نكون مسلمين لو رفضناك. عد إلى مضاربك ولا تشغل بالك واترك أمر الباشا لنا.»

ملأت هذه الأخبار قلوبنا بالغبطة، ودعا والدي زعماء القبيلة وشيوخها إلى وليمة بهذه المناسبة وتداولوا خلالها أوضاعنا وشؤوننا في الحاضر والمستقبل. ونجاح مساعينا أثار البهجة في قلوب جميع الحاضرين إلا واحداً، وهو عم والدي العجوز. كان يعرف أخلاق الفرس لأنه خدم في شبابه عند نادر شاه، ولم يكن يثق في وعود الأمير وكلامه الجميل، وقال مخاطباً الحضور: «أنتم لا تعرفون الفرس، فلم تتعاملوا معهم، لهذا تأمنون لمجاملتهم وما يظهرونه من لطف ودماثة خلق؛ ولكنني عشت بينهم ما يكفي فعرفت قيمة أقوالهم. سلاحهم غير ما اعتدتم عليه في ساحات القتال والانقضاضات الباسلة، فعوضاً عن السيف والرمح يلجؤون إلى الغدر والكيد والتدليس والمكر والنفاق والزور والافتراء، فتجد نفسك في الشرك وأنت لا تتوقع، ويأتيكم الويل والهلاك وأنتم تظنون أنفسكم على فراش من أزهار الورد. إن الكذب خلتهم والكيد شرعهم. إنهم يحلفون بعد كل كلمة يقولونها؛ وأمارة الكذب كثرة الأيمان، فما فائدة الأيمان لمن يقول الحق؟ تجد واحدهم يحلف بروحك وبرأسه وبولدك وبحياة النبي وآله وصحبه، وآخرهم يحلف بالقبلة وحياة الشاه وبلحيته، وثالثهم يحلف بموتك والخبز والملح وبموت الإمام حسين. فهل يأبهون لكل هذه الأمور؟ لا، فهم يعرفون أنهم يكذبون ومن هنا تأتي أيمانهم. فهل نحن في مأمن من الأذى، ولا نخاف على تلك الفَرَس التي جلبت على رؤوسنا كل هذه المصائب؟ إن الفُرْس مولعون بالخيل أكثر من الأتراك، والفَرَس العربية في عيونهم أغلى من الماس والياقوت. لو سمع الشاه عنها سيرسل فوراً يطلبها، فماذا يبقى لنا؟ هل نقاتل العالم كله؟ لا يا إخواني. لكم أن تصدقوا ما شئتم، ولكني أرى أن وضعنا خطر وأنصحكم ألا تضعوا ثقتكم بأي فارسي مهما كانت صفته.»

وقد تبين أن رأي العجوز صائب كل الصواب، وها أنت تراني هنا. ففي صباح باكر، وقبل ساعة من الفجر، سمعنا صخباً غير معتاد بين كلاب المخيم التي انطلقت تنبح وما كانت تسكت. لم نعرها اهتماماً بادئ الأمر لأننا اعتدنا على هجمات الذئاب التي كانت تصدّها كلابنا، ولكن بعد أن طالت الضجة نهض والدي وأبناؤه وذهبوا ليتبينوا الأمر مصطحبين بنادقهم معهم. وقبل أن يمضوا عشرين خطوة رأوا فارساً، ثم فارساً ثانياً ثم عدداً من الفرسان الآخرين، فوجدوا أن مخيمنا محاصر من كل جوانبه. فأطلق والدي نفير الإنذار فوراً، وعمت الحركة المخيم في الحال. هجم الفرسان على والدي ليقبضوا عليه، ولكنه رمى أول واحد فأرداه قتيلاً وطعن فارساً آخر بسيفه، وكان صوت الطلقة وضجة المعمعة إشارة للمعتدين بالهجوم، وفي غضون لحظات دخلوا مخيمنا من كل قرنة، وكانوا يبحثون عن تلك الفرس إذ أول ما هاجموه كانت خيمة الحريم، وفيها استولوا على ما كانوا يطلبون.

ومع بزوغ الفجر وجدنا أن المعتدين كانوا من الفرس وأنهم جاؤوا بأمر من السلطة، ووالدي قتل رئيسهم، وكان هذا سبباً كافياً ليأخذونا أسرى. تصور تعاستنا: المشهد كان مشهد خراب لن أنساه أبداً، وانهالوا على والدي بالإهانات أمام أعيننا، ونهبوا أموالنا، و...

كانت زينب ستحكي لي كيف انتهى بها المطاف جاريةً عند الميرزا أحمق حين سمعنا قرعاً شديداً على باب البيت. قفزنا واقفين في فزع، وطلبت حبيبتي مني أن أخرج بسرعة إلى السطح بينما تذهب هي لترى من الطارق. وعرفت من الصوت الذي يأمرها بفتح الباب أنه الطبيب عينه، فذهبت لتفتح له وهي تبتدع تفسيراً لمائدة الفطور التي سيراها ويسأل عنها.

ومن مكمني على السطح كنت أرى كل ما يحدث. بدا الطبيب مسروراً أن زينب كانت بمفردها وخاطبها بكلام كله حلاوة وحنان لا يترك أدنى شك برغباته ونواياه. نظر من نافذة بيت زوجته فرأى علامات الأنس فيها وبدأ يستفهم عن السبب حين دخلت الخانم نفسها مع النساء الأخريات وباغتتهما ووقفت أمامهما قبل أن يبتعد الطبيب عن جاريته. لن أنسى في حياتي نظرتها وتعابير وجهها حين رأت هذا المنظر! وصاحت بتهكم واستهزاء: «السلام عليكم! أنا خادمتكم! أرجو أن تكون سعادتكم في أتم الصحة والعافية وأنكما قضيتم وقتاً طيباً! أتوخى المعذرة من حضرتيكما على عودتي السريعة!» ثم اندفع الدم إلى وجهها وتوفقت عن المزاح وانهالت على ضحيتيها المشؤومتين باللعن والسب والشتم : «والفطور! في غرفتي أنا! ما شاء الله! ما شاء الله! إذن، أصبحت في عيونكم أقل من كلب! في بيتي، في غرفتي، فوق سجادتي، على وسادتي، ينصرف خدمي للهو واللذة! لا إله إلا الله! أنا مصعوقة! لقد هويت من السماء إلى الأرض!» ثم توجهت إلى زوجها وزعقت: «انظر في وجهي يا ميرزا أحمق وقل لي، بروحي، أأنت رجل بين الرجال؟ طبيب، لقمان الزمان، حكيم بوجه قردٍ ولحية تيسٍ وظهرٍ أحدب، يلعب دور العاشق آخ، يا لئيم يا دنيء! اللعنة على لحيتك!» ثم وضعت أصابعها الخمسة في وجهه وقالت: «تفو! أبصق في وجهك! أتفضل جارية نجسة علي أنا؟! ماذا فعلت لك لتهينني هكذا؟ عندما لم يكن بين يديك إلا وصفاتك ومساحيقك جئت أنا وجعلتك رجلاً. لم تصبح شيئاً إلا بفضلي! أنت تقف الآن بين يدي الشاه والناس تنحني إجلالاً أمامك، صرت شخصاً مرموقاً يلبس شال كشمير. فقل لي يا شقفة رجل: ما معنى كل هذا؟»

الخانم تعذب زينب.

حاول الحكيم خلال هذا الهجوم الشرس أن يحلف ويقسم أنه بريء، ولكنه كان عاجزاً عن سد سيل الفصاحة من فم زوجته أو تركين غضبها. وصل حنقها إلى درجة جعلت حلقها يطفق بلعنة تتبعها لعنة وبذاءة تتبعها بذاءة في طوفان جارف عارم لا يتوقف. كانت تنتقل من سب زوجها إلى زينب ومن زينب تعود إلى زوجها حتى علت الرغوة شفتيها، ولم تكتف بالكلام وحده بل أمسكت الفتاة المسكينة من إحدى جدائلها الطويلة التي كانت تنسدل على ظهرها وسحبتها حتى جعلتها تصرخ من الألم؛ وبعد ذلك، وبمساعدة الجواري الأخريات، رموها في الحوض في وسط الباحة، وهناك استمروا بضربها ونقعها وغمرها حتى أرهق الجميع من ذلك. آه، ما أقوى كانت رغبتي أن أهرع لنجدتها! صار جسمي كله ناراً حاميةً، وكنت مستعداً أن أشرب دماء هؤلاء الحقيرات الوحشيات. ولكن لم يكن بيدي حيلة، فلو اندفعت إلى بيت الحريم لكان الموت مصيري، ولانتهيت على خازوق، دون أن يفيد هذا زينب في شيء، بل على الغالب كانت ستلقى معاملة أكثر قسوةً مما لقيته، وما كان ذلك سيخفف من غيرة سيدتها. ولهذا، متى هدأت العاصفة في الأسفل تركت مخبئي على السطح وذهبت إلى الخلاء خارج المدينة لأفكر ملياً بما علي أن أفعله الآن. فالبقاء في بيت الطبيب لم يعد وارداً، والأمل في لقاء زينب مرة أخرى كان جنوناً. نزف قلبي عندما فكرت بمصير تلك الفتاة المسكينة، فقد سمعت قصصاً يشيب لها الولدان عما يجري في بيوت الحريم من جور وغبن، ورأيت أن شيطانة مثل الخانم لن تتورع عن ارتكاب أية فظيعة بحق إنسانة واقعة تحت رحمتها.


هوامش[عدل]

  1. هذا يتعلق بلا شك بتلك العادات الغامضة الفاحشة التي يشاع أنها تمارس بين اليزيديين في قرية كرند في كردستان، وتحديداً قبيلة نصيري الذين كثيراً ما يسمونهم «سراج كش»، أي مطفئو المصابيح. ويزعم المؤرخون أن هذه الطقوس تشبه طقوس عبادة فينوس عند البابليين، كما هي موصوفة عند هيرودوت، الكتاب الأول الفصل 199.
  2. الشركجية في الجيوش الشرقية فرق انقضاض تنفصل عن الجيش الرئيسي فتنخرط في القتال في الطليعة، وغالباً ما تتألف من أقوى الجنود وخيرة الفرسان.