مغامرات حاجي بابا الإصفهاني/23

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مغامرات حاجي بابا الإصفهاني الفصل الثالث والعشرون. حاجي بابا يستاء من وضعه ومن خموله ويقع في العشق
المؤلف: جيمس موريير
المترجم: Ghainmem (نم)


الفصل الثالث والعشرون. حاجي بابا يستاء من وضعه ومن خموله ويقع في العشق[عدل]

بقيت مستاءً من حاضري وغير واثق من مستقبلي، وكانت أيامي تمر في خمول كامل. وبما أنني لم أرغب في تعلم حرفة التطبيب التي تعلمها الكثيرون قبلي بلا أساس متين، فلم أهتم بالأمور التي كانت تشغل بال الميرزا أحمق. ربما كان علي أن أغادر بيته في الحال لولا وقوع ظرف نابع من انقطاع رزقي جعلني محتجزاً في بيته. والمشاعر التي انبثقت منه طغت على جميع الأفكار الأخرى حتى استعبدتها؛ واضطربت انفعالاتي حتى اعتقدت أن المجنون في ذروة جنونه لا يمكن أن يكون أكثر جنوناً مني. وأظن أنه غني عن الشرح أنني وقعت في العشق.

مضى الربيع وجاءت أول أيام الحر الصيفية فدفعت أغلب سكان المدينة إلى أن يفرشوا على أسطح منازلهم. وبما أنني لم أكن أحب السهر مع الخدم والفراشين والطهاة الذين كانوا يجتمعون عادةً في الغرفة العامة فرشت فراشي في زاوية الشرفة المطلّة على الباحة الداخلية لبيت الطبيب التي تحيط بها غرف الحريم. كانت الباحة مربعة تطل عليها نوافذ الغرف ومزروعة بالورد والياسمين وأشجار الحور. وفي وسطها مصطبة خشبية تفرش عليها الأسرّة لينام عليها أهل البيت في أيام الحر. رأيت عدداً من النساء تجلسن في زوايا الباحة ولكن لم يجذبني مظهر أي واحدة منهن، وحين صدف أن لمحنني تعالت أصواتهن بالشتم والسب ووُصِفتُ بكل الأنعات البذيئة التي يمكن تخيلها.

حاجي بابا وزينب.

ثم في ليلة من الليالي وبعد مغيب الشمس، عندما كنت أفرش فراشي، نظرت بالصدفة من أعلى الجدار الذي كان جزء منه متهدماً فرأيت على الشرفة الملاصقة صبية تقوم بفرز ونشر أوراق التبغ. كان خمارها الأزرق مرمياً على رأسها، وعندما كانت تنحني تتدلى جديلتان طويلتان من صدغيها بصورة جذابة تكادان تلامسان الأرض وتغطيان أغلب وجهها وتكشفان منه ما يكفي ليشعل في قلبي الرغبة برؤيته كاملاً. كل ما رأيته فيها كان يوحي بالجمال. كانت يداها صغيرتين ومصبوغتين بالحناء. وكانت قدماها صغيرتين أيضاً، وكل شكلها كان يضيء فتنة وجمالاً ونضارة. وقفت أنظر إليها حتى لم أعد أستطيع احتواء عواطفي فخطوت نحوها فسمعَتْ صوت الحركة ورفعت رأسها وتلفتت حولها وهي تعدل خمارها، فرأيت وجهاً يفوق جماله كل تصور ولقيت نظرة من عينين ساحرتين فشعرت قلبي يشتعل ناراً. غطت الصبية رأسها بحركة غاضبة، وبقيت أنظر إليها حتى قالت أخيراً وهي مستمرة في عملها: «لماذا تنظر إلي؟ هذا حرام.»

فصرختُ: «من أجل الحسين سيد الشهداء، لا تديري وجهك عني! الحب ليس حراماً، فنظرة عينيك حرقت قلبي فحولته إلى شواء! من أجل أمك التي حملتك، اسمحي لي أن أرى وجهك ثانية!»

فأجابك بنبرة أكثر هدوءاً: «لماذا تطلب مني هذا؟ أنت تعرف: حرام أن تسمح المرأة لأحد برؤية وجهها، فأنت لست أبي ولا أخي ولا زوجي، بل لا أعرف من أنت. ألا تخجل أن تقول هذا الكلام لفتاة؟»

وهنا تركتْ حجابها يسقط، وكأنه بالخطأ، فسنحت لي فرصة رؤية وجهها مرة أخرى، فكان أجمل مما تصورته. كانت عيناها كبيرتين وسوداوين وأهدابهما طويلة مصبوغة بالكحل تشكلان كميناً تصوِّب منها رماحها. وكان حاجباها مقوسين يتلامسان فوق الأنف يرسمان خطاً لا يحتاج إلى تجميل يصلهما ببعضهما. وكان أنفها كأنف النسر وفمها صغيراً تعبيره أحلى ما يمكن، وفي وسط ذقنها رصعةٌ معلّمة بعناية بوشمٍ أزرق. لا شيء يضاهي جمال شعرها: كان أسود كالفحم وينزل في جدائل طويلة على طول ظهرها. سحرني جمالها، وبتأملها أدركت الكثير من الاستعارات التي قرأتها عند شعرائنا، حول أشجار السرو والشوادن الرشيقة والببغاوات آكلة السكر. شعرت أنني مستعد أن أنظر إليها إلى الأبد بلا ملل، وأحسست برغبة عارمة بالقفز فوق الجدار لألمسها. كان هواي يشتعل، وأوشكت أقترب منها حين سمعت صوتاً حاداً ينادي اسم زينب مرة تلو الأخرى بنبرة غاضبة، فتركت حبيبتي الشرفة مستعجلة وبقيت متسمراً بالمكان الذي رأيتها منه أول مرة. مكثت هناك وقتاً طويلاً أملاً بعودتها، ولكن بلا جدوى. كنت أصيخ السمع إلى كل صوت ولكني لم أسمع إلا الصوت المزعج نفسه الذي كان على ما يبدو يهاجم الجميع وكل شيء بالتتابع، ولا يمكن أن تكون صاحبته إلا زوجة الحكيم باشي التي يذاع عنها أنها امرأة عنيفة سيئة الطبع تستعبد زوجها شر الاستعباد.

تأخر الوقت وكنت أنوي الذهاب إلى الفراش واليأس يملأ قلبي، وهنا سمعت الصوت نفسه يصيح: «يا زينب، إلى أين أنت ذاهبة؟ لماذا لا تنامين؟»

سمعت صوت فاتنتي يجيبها ولكني لم أميز كلماتها، وفهمت ما قالت حين رأيتها تظهر مرة أخرى على الشرفة. كان قلبي يدق ويكاد ينفجر، واندفعت نحو الجدار الذي يفصل بيننا لأقفز فوقه، إلا أنني توقفت عندما رأيتها تأخذ السلة وتجمع أوراق التبغ فيها وتعود مستعجلة؛ وقبل أن تختفي همست بصوت خافت: «تعال إلى هنا ليلة الغد!» هزت هذه الكلمات هيكلي كله رعشةً لم أعرف لها مثيلاً في السابق فبقيت أكررها في قلبي وأفكر فيها حتى وقعت في غفلة الحمى ولم أستيقظ في الصباح التالي إلا عندما سطعت أشعة الشمس في وجهي.