مغامرات حاجي بابا الإصفهاني/05

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مغامرات حاجي بابا الإصفهاني الفصل الخامس.
المؤلف: جيمس موريير
المترجم: Ghainmem (نم)


الفصل الخامس. حاجي بابا يضطر إلى قطع الطريق وغزو بلده[عدل]

أمضيت بين التركمان أكثر من سنة حصلت خلالها على ثقة سيدي التامة، فصار يستشيرني في أموره الشخصية والعامة كافة. وبما أنه اعتقد أنه يمكن أن يعتمد عليّ فقد اقترح عليّ مرافقته في حملة السطو التي كان يخطط لها. قبلت ذلك بكل سرور لأنها كانت تعطيني أملاً بالفرار حالما نصل إلى فارس. حتى هذا الوقت لم يُسمح لي بالتجول خارج المعسكر والمراعي المحيطة، لذا لم يكن لي علم بطرق ودروب الصحراء الملحية التي تفصل بين التركمان وبلاد فارس، وكنت أعرف أنني لو حاولت الهرب لكان مصيري إما الموت في صحراء أجهلها أو العودة إلى التركمان ليعاملوني بمزيد من القسوة. أما الآن فصار أمامي فرصة للتعرف على البلد، وقلت لنفسي أنني إن لم أستطع الهروب أثناء هذه الحملة يمكنني أن أحاول بعد عودتنا، بعد أن أكون قد تعرفت على دروب الصحراء.

يقوم التركمان بحملاتهم الكبرى في الربيع غالباً عندما يكثر الكلأ في الجبال والسهول لخيولهم وتكثر القوافل في الطرقات لينهبوها. ومع اقتراب الموسم دعا أصلان سلطان كبار عشيرته ورؤساء العشرات ورؤساء المئات الذين كانوا جميعهم مهرة في السلب والنهب، وطرح عليهم خطة التسلل إلى قلب إيران. كان هدفه أن يصلوا إلى إصفهان ثم يدخلوها في الليل وينهبوا الخان الكبير الذي يستضيف أغنى التجار. كان أصلان سلطان سيقود الناس عبر الصحراء الملحية لأنه كان يعرفها أفضل من كل مواطنيه؛ واقترح على الجماعة أن أكون أنا دليلهم في إصفهان لأنني أعرف شوارعها وأسواقها وجاداتها، لذلك سيكون علي أن أقودهم متى دخلنا المدينة. اعترض البعض قائلين أن الثقة بغريب وعلاوة على ذلك ابن البلد الذي يريدون نهبه من التهور لأنه سيهرب لحظة وصوله إلى موطنه. وبعد جدال طويل اتفقوا أن يسير فارسان على جانبيّ، وإذا ظهرت لهم أدنى علامة على نيتي بالهرب يقتلانني فوراً.

بعد الاتفاق على موعد الحملة بدأ التركمان بتدريب خيولهم واختاروا لي حصاناً ممتازاً فاز مرتين في سباقاتهم،[1] وجهزوني على عادتهم، فأعطوني قبعة كبيرة من جلد الخروف وعباءة من جلد الخروف أيضاً وسيفاً وقوساً وسهاماً ورمحاً ثقيلاً ذي سنان يمكن فكه وتركيبه عند الحاجة. كان معي كيس من الشعير لإطعام حصاني وحبال ووتد طويل لعقله أثناء الراحة، وحمل كل واحد منا بضعة أرغفة من الخبز[2] وستة بيضات مسلوقة، أما احتياجاتنا الباقية فكانت تعتمد على الحظ والقدرة على تحمل الجوع. تعودت على تحمل الجوع خلال إقامتي في الأسر، أما التركمان فلا يضاهيهم في ذلك أحد.

أخرجت الخمسين توماناً وخبأتها بعناية في حزامي، ووعدت صاحبي القديم الذي هزل جسمه من الغم حتى لم يبق منه سوى العظم أنني، إذا استطعت الهروب، سأفعل ما بوسعي لإقناع أهله وأصدقائه بأن يفدوه. ولكنه أجابني: «آه يا حاجي، لن يفديني أحد. ابني سيفرح بمالي وزوجتي بزوج جديد. لا أمل عندي، سأموت في الأسر. ولا أطلب منك إلا معروفاً واحداً: أن تسأل عن سعر جلود الخراف في إسطنبول.»

وعندها دخلت في صراع جديد مع ضميري حول التومانات: هل أعيدها له؟ ألن يستفيد أكثر إذا بقيت معي؟ فقد يعتمد حظي في الفرار في هذه المرة على بضعة دنانير، وليس عند عثمان آغا فرصة نجاة إلا بواسطتي. وباعتبار كل هذه الأمور تركت النقود في حزامي.

حدد المنجّم يوم وساعة السفر فانطلقنا عند الغروب وبقينا نسير حتى الصباح. ترأس أصلان سلطان جماعتنا التي تكونت من عشرين رجلاً بما فيهم أنا كانوا جميعهم من فرسان العشائر المجاورة وكلّهم لصوص متمرّسون. كنا نركب خيولاً اشتهرت في أنحاء آسيا لسرعتها وقوة تحملها. كنا جميعاً مسلحين ومظهرنا مظهر أخطر عصابة لصوص على وجه المعمورة. كنت أشعر أن طبيعتي ليست طبيعة مقاتل ولكنني كنت ألعب دوري بكل مهارة مثلي مثل أي شخص وقع في مأزق كهذا، حتى صدّق سيدي الجديد وأصحابه أنني رستم[3] بعينه، ولكنني كنت أخشى ساعة التجربة.

أدهشتني مهارة أصلان سلطان في قيادتنا عبر الغابات في الجبال التي تحد سهوب قبجاق. كانت الدروب الوعرة والهاويات ترهبني ولكن رفاقي كانوا لا يكترثون بالخطر واثقين بخطا خيولهم الثابتة. بعد نزولنا من الجبال أصبحنا في سهول بلاد فارس القاحلة، وكانت معرفة أصلان سلطان بدروبها وتلالها عظيمة وبصيرته في الاستدلال من آثار الحيوانات كانت عجيبة حقاً، إذ كان يستطيع أن يعرف نوعها ووجهتها وإن كان ركابها أصدقاء أم أعداء وإن كانت محملة أم لا وعددها، وكل هذا بدقة فائقة.

كنا نتنقل بحذر بالغ عندما وصلنا إلى المناطق المأهولة من بلاد فارس، نختبئ نهاراً ونسير بسرعة ليلاً. تزودنا بالعلف والطعام في آخر مخيمات الرحل على حدود الصحراء الملحية الكبيرة، ومتى دخلنا الصحراء مشينا بأقصى سرعة تتحملها خيولنا. وبعد نحو 120 فرسخاً[4] وصلنا إلى مشارف إصفهان. اقتربت لحظة جني ثمار تعبنا واختبار شجاعتي، وقد ملأ الخوف قلبي حين سمعت خطة الهجوم التي اقترحها رفاقي.

كان مشروعهم أن يدخلوا إصفهان من أحد المداخل غير المحروسة التي كنت أعرفها جيداً وأن يتجهوا فوراً نحو الخان الملكي الكبير حيث يجتمع في هذا الموسم الكثير من التجار ومعهم أموال وفيرة جهزوها لشراء البضائع. كان علينا أن نخطف كل النقود التي نجدها، ومن يستطع عليه أن يخطف تاجراً أيضاً، وقبل أن ينتبه أهل المدينة نكون قد صرنا على طريق العودة. وجدت أن هذه الخطة خطرة جداً ولا يرجح أن تنجح وقلت ذلك ونصحتهم بالرجوع عنها. ولكن أصلان سلطان نظر إلي نظرة حازمة وقال: « يا حاجي! فتّح عينيك! الأمر ليس لعباً. وقسماً بلحية النبي، إذا رأيت منك أي بوادر تنذر بالخيانة فسأحرق أباك. نجحنا سابقاً، لم لا ننجح هذه المرة؟» ثم أمرني أن أبقى إلى جنبه وأمر حرامياً آخر أن يركب من جنبي الآخر، وحلفا أنهما سيثقبانني برمحيهما لو لاحظوا مني أي بادرة خوف أو محاولة فرار.

دخلنا إلى المدينة من منطقة الخراب الواقعة شرقيها ووصلنا إلى الشوارع المأهولة التي كانت فارغة في مثل هذه الساعة. وعندما اقتربنا من موقع الخان توقفنا تحت أقواس أحد البيوت المهجورة التي كثيراً ما تصادَف حتى في المناطق المأهولة من المدينة، وترجّلنا وربطنا خيولنا وتركناها برعاية اثنين من رجالنا، ومن باب الاحتياط حددنا مكاناً للتجمع في وادٍ يبعد خمسة فراسخ عن إصفهان لو اضطررنا إلى الفرار. ثم توجهنا إلى الخان سيراً على الأقدام بكل حذر، ونحن نتجنب الأسواق التي تحرسها دوريات شرطة، حتى وصلنا إلى بوابة الخان.

خفق قلبي وأنا أقف في مكان أعرف كل شبر فيه، جنب محل والدي. أمرت الجميع أن يتوقفوا هناك وتقدمت من باب الخان الذي كان مقفلاً وأمسكت حجراً وضربت الباب به وأنا أنادي الحارس باسمه: «افتح الباب يا محمد علي، فقد وصلت القافلة!»

فأجاب محمد علي، وهو بين اليقظة والنوم، دون أن يفتح الباب: «أي قافلة؟» فأجبته: «القافلة من بغداد.» – «من بغداد؟ قافلة بغداد وصلت البارحة. أتضحك على لحيتي؟»

التركمان يندفعون إلى الخان.

رأيت أن حيلتي فشلت فاضطررت إلى الاستفادة من اسمي، فقلت: «إنها تلك القافلة التي سافر معها حاجي بابا ابن حسن كربلائي الحلاق وعثمان آغا التاجر التركي. معي أخبار طيبة، وأريد هدية!»

«ماذا؟ حاجي بابا الذي كان يحلق رأسي دائماً؟ مكانك بقي فارغاً! أهلاً وسهلاً بك!»

وبدأ يحلّ أقفال البوابة الضخمة، وعندما بدأت تنفتح ظهر وراءها رجل عجوز صغير يرتدي سروالاً داخلياً يحمل في يده مصباحاً حديدياً كان نوره كافياً لنرى أن الخان مليء بالتجار وبضائعهم.

أمسك أحد اللصوص بالحارس فوراً واندفعنا جميعاً إلى الخان وبدأنا العمل. كان التركمان يعرفون تماماً من خبرتهم في النهب الأماكن التي تخبأ فيها الأموال فاستولوا في لحظات على كل الذهب والفضة في الخان. ولكنهم أرادوا أيضاً أن يخطفوا اثنين أو ثلاثة من أغنى التجار لتكون فديتهم مصدر رزق إضافي لهم. وقبل أن ينتبه الناس قبضوا على ثلاثة رجال فكروهم غنيمة جيدة لأنهم كانوا ينامون على أسرّة فخمة تسترهم لحف من صوف رفيع ويتوسدون وسائد مطرّزة، فأوثقوا أيديهم وأرجلهم وأقعدوهم على أحسن خيولهم وراء الفارس وانطلق هؤلاء الفرسان إلى الملتقى على الفور.

ولما كنت أعرف الخان جيداً وأعرف الغرف التي يشغلها أغنى التجار عادةً فقد ذهبت خلسةً إلى واحدة من هذه الغرف، تلك التي كان ينزل فيها عثمان آغا، فوجدت فيها صندوقاً صغيراً كتلك الصناديق التي يضع التجار نقودهم فيها فأخذته وسررت كثيراً حين وجدت فيه كيساً ثقيلاً أخبأته في جيبي، مع أنني لم أستطع التأكد بسبب الظلام من نوع المعدن فيه.

عندما أشرفت عمليتنا على الانتهاء كان أهل المدينة قد استيقظوا. تجمع قاطنو الخان جميعهم، من بغالين وساسة وخدم، على سقفه، وتجمع سكان البيوت المجاورة حول الخان لا يعرفون ما العمل؛ جاء مأمور الشرطة ورجاله واعتلوا سقف الخان وزادوا من الفوضى بصيحاتهم: «امسكوهم! اضربوهم! اقتلوهم!» دون أن يفعلوا شيئاً كي يتصدوا للعدو. أُطلِقت بضعة طلقات نارية عشوائية، ولكن بفضل الظلام والفوضى العامة نجحنا في التسلل خارجاً بلا خسائر. خطر على بالي أكثر من مرة خلال هذه المعمعة أن أترك هذه العصابة التي أجبروني على الانضمام إليها وأن أختبئ في قرنةٍ وأنتظر حتى يغادروا المكان؛ ثم فكرت بيني و بين نفسي أنني لو نجحت في ما أفكر به فإن ملابسي ستكشفني وسأقع ضحية غضب الغوغاء قبل أن أخبرهم بهويتي الحقيقية، أو أن المأمور سيقطع رأسي ويرسله إلى طهران على أنه رأس تركماني كدليل على نصره الباسل على عصابة من اللصوص.

كنت واقفاً أمام محل أبي وأنا أفكر بكل هذه الأمور حين أمسكني أحدهم من يدي بقوة، وحين التفتُّ رأيت وجه أصلان سلطان الشرس الذي هددني بالقتل فوراً إن لم أكن محل ثقته بي. ولكي أثبت له بسالتي أمسكت بلحية فارسي كان يمر جنبنا ورميته أرضاً وصرخت به أنني سأقتله إذا لم يستسلم فوراً ولم يتبعني بكل هدوء وطاعة، فبدأ يتوسل إلي أن أتركه من أجل الإمام حسين ومن أجل روح أبي ومن أجل لحية عمر، فعرفت والدي من صوته، ثم من ومضة فانوس رأيت وجهه المألوف. يبدو أنه سمع الضوضاء فترك فراشه كي يتأكد من سلامة محل الحلاقة، الذي لم يكن فيه من الخيرات سوى بضعة بشاكير وعلبة أمواس وقطعة صابون وسجادة. ولحظة عرفته تركت لحيته وكدت أنحني أمامه لأقبّل يده؛ ولكن حياتي كانت في خطر لو أظهرت الخوف أو التردد، لذا تظاهرت بأنني أضربه وأنا أوجه ضرباتي لسرج بغل كان مرمياً على الأرض. وفجأة سمعته يتمتم لنفسه: «آه، لو كان حاجي بابا هنا لما سمح أن يعاملوني هكذا!» فتركته فوراً وقلت للتركمان: «لن نستفيد منه، فهو ليس سوى حلاق.» ثم ركبنا خيولنا وغادرنا المدينة دون أن يطاردنا أحد.

هوامش[عدل]

  1. السباقات عند التركمان والفرس تختبر قدرة الخيل على التحمل لا سرعتها الفعلية.
  2. الخبز المذكور هنا يُخبَز على صفائح معدنية محدبة، وهو بثخن رقعة ورق بني.
  3. رستم هو بطل أسطوري من تاريخ الفرس، وهو من أبطال الشاه نامه كمثال على القوة والشجاعة. ومعركته مع اسفنديار التي استمرت يومين كاملين موضوع القصائد الفارسية.
  4. الفرسخ يعادل ثلاثة أميال ونصف.