مغامرات حاجي بابا الإصفهاني/النص الكامل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مغامرات حاجي بابا الإصفهاني النص الكامل
المؤلف: جيمس موريير
المترجم: Ghainmem (نقاشمساهمات)


محتويات

الفصل الأول. مولد حاجي بابا ونشأته[عدل]

كان والدي، حسن كربلائي، من أشهر حلاقي إصفهان. تزوج وهو في السابعة عشرة من ابنة شماعٍ كان يسكن قرب محله، ولكن الزواج لم يكن موفقاً لأن زوجته لم تنجب له أولاداً، ولذلك أهملها. ولكن براعته في الحلاقة أكسبته صيتاً طيباً وجلبت تحت يده رؤوساً كثيرة، لا سيما من التجار، وبعد عشرين سنة من العمل وجد أبي أنه يستطيع أن يتزوج ثانيةً. في تلك الفترة كان بين زبائنه صيرفي غني يحلق أبي رأسه بكل عناية ومهارة، وفي يوم من الأيام، عندما كان الصيرفي يستمتع بمرور الموس على رأسه، طلب أبي يد ابنته فقبل بكل رضا، وبعد بضعة أيام عقد القران.

قرر أبي زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدّسة للتخلص من لجاجة زوجته الأولى وغيرتها، وليكسب رضا حميه الجديد الذي كان يظهر التقوى رغم أن الناس لاحظوا غير مرة عادته في تقليم العملة الذهبية. أخذ أبي زوجته الجديدة معه، فولدتني أثناء هذا السفر. كان أبي معروفاً باسم حسن الحلاق قبل سفره، أما بعد عودته أخذ لقب كربلائي؛ وصار الناس يسمونني بالحاجي لأنني ولدت في الطريق إلى كربلاء، بناء على إصرار والدتي التي كانت تدللني، ولصق هذا اللقب باسمي منذ صغري وطوال حياتي، وكثيراً ما كان مصدر احترام لا أستحقه لأن هذا اللقب لا يطلق إلا على زائري الكعبة الشريفة وقبر الرسول الكريم.

حاجي بابا يحلق جمّالاً.

بعد عودة والدي من كربلاء المقدسة عاد إلى مهنته، وجذبت سمعته سمعة المسلم التقي إلى محله رجال الدين والتجار، إذ كان رجال الدين يأملون بالحلاقة مجاناً مقابل بركاتهم له بالعودة بالسلامة، والتجار يعتقدون أنهم سينجحون أكثر في غش زبائنهم بعد أن تلمس رأسهم يدٌ لمست قبر الحسين. كان من المفترض أن أتعلم مهنة أبي، وكان تعليمي سيقتصر على ما يلزم للصلاة، لولا أن الملا الذي كان أبي يحلق رأسه كل أسبوع مجاناً، كما كان يقول: من أجل حب الله ورسوله، أراد أن يرد الجميل فصار يعلمني القراءة والكتابة في مدرسة الجامع القريب الذي كان يقوم عليها. وقد أفلحت بعنايته حتى صرت بعد سنتين أستطيع قراءة القرآن وأن أكتب بخط واضح. وفي الأوقات الباقية كنت أعمل في محل أبي الذي تعلمت فيه مبادئ المهنة؛ وفي أوقات كثرة الزبائن كان أبي يأمرني بالتمرن على رؤوس البغالين والجمالين، وبعض هؤلاء كلفتهم تجاربي الباكرة آلاماً وجروحاً لا تحصى.

وعندما بلغت السادسة عشرة كنت قد نجحت في الدراسة والحلاقة معاً. وفضلاً عن حلاقة الرأس وتنظيف الأذنين ونتف الشعر بالخيط وصبغ اللحى وتشذيبها، فقد اشتهرت أيضاً في فن الحمامات. ما كان أحد يضاهيني في فنون التدليك والتمسيد على الطريقة الهندية والكشميرية والتركية وابتدعت أسلوباً جديداً لطق المفاصل وضرب الأطراف.

تعلمت بفضل معلمي الكثير من قصائد شعرائنا، وكنت أستطيع تزيين حديثي بالاقتباسات المناسبة من سعدي وحافظ شيرازي وغيرهم من شعراء الفرس. هذا بالإضافة إلى صوتي الجميل وسرعة بديهتي مما جعل الذين كانت رؤوسهم أو أطرافهم تحت يدي يشهدون بأنني شاب محبوب، وذاع صيتي بين هواة الكيف والذوق الرفيع.

كان محل أبي يقع جنب الخان الكبير الذي يقيم فيه الكثير من التجار الفرس والأجانب. وكثيراً ما كان هؤلاء يعطونه بقشيشاً فوق الأجرة المعتادة بسبب فصاحة لسان ابنه. واحد من هؤلاء، تاجر من بغداد، أعجب بي إعجاباً كبيراً وكان يأبى أن يحلق رأسَه أحدٌ غيري. كان يطلب مني أن أحادثه بالتركية التي كنت أتكلمها قليلاً، وأثار فضولي وهو يصف جمال المدن الكثيرة التي زارها حتى صرت أتوق للسفر. كان التاجر يبحث في تلك الفترة عن محاسب، وبما أنني كنت أجيد الحلاقة والقراءة والحساب فقد عرض عليّ هذا العمل بشروط مغرية للغاية، فوافقت وأخبرت والدي فوراً بما صممت عليه. كان والدي يخشى فراقي وحاول أن يقنعني ألا أترك مهنة أكيدة من أجل أخرى محفوفة بالمخاطر والتقلبات؛ ولكنه، عندما عرف كم كانت شروط التاجر مغرية، وبعد أن فكر أن التاجر قد يموت يوماً بلا شهود فأصبح تاجراً بدلاً عنه، توقف عن إقناعي وبارك لي وأعطاني موسين جديدين.

ولكن حزن أمي على فراقي ومخاوفها على سلامتي لم تنفرج باحتمالات الغنى في المستقبل؛ كما أنها لم تتوقع أي خير من بداية العمل مع رجل من أهل السنّة. ومع ذلك، فقد أعطتني كيساً من الخبر اليابس المكسر وعلبة مرهم قالت أنه يجبر الكسور ويشفي الآلام الباطنة، ثم أمرتني أن أخرج من البيت ووجهي إلى الوراء يواجه الباب لأضمن العودة الآمنة إلى الدار من رحلة مثل هذه، تبدأ بعلامات الشؤم.


الفصل الثاني. حاجي بابا يبدأ أسفاره. لقاؤه مع التركمان وأسره[عدل]

كان صاحبي الجديد عثمان آغا متّجهاً إلى مشهد ليشتري جلود الخراف ليبيعها في إسطنبول. كان رجلاً قصيراً بديناً ذا أنف ثخين بارز ولحية سوداء كثيفة. كان مسلماً صالحاً صارماً في عباداته، لا يتوانى عن نزع جوربه حتى في أبرد الليالي ليغسل قدميه قبيل صلاة الصبح كي يصحّ وضوءه. ومع ذلك كان يكره شيعة علي كرهاً شديداً، ولو أنه كان يكتم هذا ما دام في بلاد فارس. همّه الوحيد كان كسب المال، فلم يكن يخلد إلى النوم قبل أن يتأكد أن ماله مخبأ في مكان أمين. ومع ذلك كان يحب الكيف: يدخن باستمرار ويأكل أكلاً لذيذاً ويشرب الخمر سراً، أما علانيةً فينذر بالهلاك كلَّ من يشرب هذا الشراب الحرام.

تحدد موعد انطلاق القافلة في الربيع، فأجرينا التحضيرات اللازمة. اشترى عثمان آغا بغلاً قوياً لنفسه وأعطاني حصاناً تعيساً يحمل، ما عداي، النركيلة (لأن صاحبي كان يفضل التدخين على الطريقة الفارسية) والمنقل والزق والفحم وملابسي؛ أما العبد الذي كان يطبخ ويفرش ويحمّل البغال فكان يمتطي بغلاً آخر يحمل الفرش والسجاد وأواني الطبخ؛ وأخيراً، كان بغل ثالث يحمل صندوقين فيهما ملابس صاحبي وكل الأغراض الضرورية الأخرى.

في الليلة السابقة لسفرنا أخبأ عثمان آغا خمسين توماناً في الحشوة القطنية لعمامته من باب الاحتياط، ولم يُعلم بالأمر أحداً غيري. أما ماله الباقي فكان في أكياس جلدية بيضاء صغيرة وضعها في وسط الصندوقين.

كانت القافلة تتألف مما يقارب خمسمئة حصان وبغل ومئتي جمل، وكان أغلبها يحمل بضائع للبيع في شمال بلاد فارس، يرافقها نحو مئة وخمسين رجلاً من تجار وخدمهم وبغالين ومرشدين. وعدا هؤلاء انضم إلى القافلة جماعة من الحجاج المتجهين إلى مقام الإمام رضا في مشهد، ما بعث الاطمئنان في قلوب المسافرين ظناً منهم أن الناس الذين يسعون لزيارة أماكن مقدسة مدفوعين بتقواهم أو نفاقهم أو أملهم بالكسب المادي يضفون قداسة على القافلة كلها.

يكون جميع الرجال في مثل هذه المناسبات مسلحين، وصاحبي الذي كان يغمض عينيه من صوت البندقية ويصفرّ وجهُه متى رأى سيفاً مسلولاً، كان يحمل بندقية طويلة على ظهره وسيفاً معقوفاً على جنبه وطبنجتين ضخمتين في زناره، وباقي سطح جسمه مغطى بالخراطيش والمدكات وقوارير البارود وغيرها. وأنا أيضاً سلحوني من الرأس إلى القدمين وحمّلوني رمحاً طويلاً. أما العبد فكان يحمل سيفاً راح نصف نصله وبندقية بلا مغلاق.

انطلقنا عند الفجر من ضاحية إصفهان الشمالية يتصدرنا شاويشات الحجاج الذين أعلنوا انطلاقنا بصيحات عالية وقرع طبولهم النحاسية. بعد فترة وجيزة تعرفنا على رفاق السفر الذين كانوا جميعهم مسلحين، ولكن رغم شكلهم المخيف كانوا أناساً مسالمين. كان جو السفر يبهرني، فجعلت حصاني يعدو تارة ويقفز تارة أخرى، فأزعج ذلك صاحبي الذي قال لي أن الدابة لن تتحمل مشقة السفر إذا أهلكتها بتمارين الفروسية. وبعد قليل أصبحت محبوباً من الجميع وصرت أحلق رؤوس بعض المسافرين بعد انتهاء مسير اليوم. أما صاحبي، فقد كنت مصدر راحة له؛ فبعد يوم كامل من القعود على البغل كان يستسلم لي فأمارس عليه بعض الفنون التي تعلمتها في الحمّام، فأعجن جسمه عجناً وأفركه بيديّ لأعالج التيبُّس في جسمه وأطرافه.

وصلنا إلى طهران دون أية صعوبات ومكثنا فيها عشرة أيام لنريح بغالنا وحتى يزداد عددنا. الجزء الخطر من الرحلة كان أمامنا، إذ أن قبيلة من قبائل التركمان ثارت على شاهنا العظيم فصارت تقطع الطريق بين طهران ومشهد، وقد هاجموا مؤخراً قافلةً ونهبوها وأسروا أفرادها. كانت أخبار التركمان مرعبة وجعلت الكثيرين من جماعتنا يفكرون بالامتناع عن السفر إلى مشهد، وبينهم صاحبي؛ ولكن حين وصله أن أسعار جلود الخراف في إسطنبول قد ارتفعت، تغلب حب الربح على خوفه.

الشاويش يتكلم عن التركمان.

كان شاويشٌ يجمع الحجاج في طهران وجوارها بانتظار وصول قافلتنا، وحالما وصلنا أعلمنا أنه جاهز للانضمام إلينا مع حشد من الحجاج، وقال أن هذا من حسن حظنا باعتبار مخاطر الطريق التي تنتظرنا. كان الشاويش شخصية معروفة في الطريق بين طهران ومشهد، مشهوراً بشجاعته، وقد اكتسب هذه السمعة بعد أن قطع رأس تركماني وجده ميتاً على قارعة الطريق وأحضره إلى طهران. كان ضخم الجثة طويلاً وعريض المنكبين ذا وجه مستطيل تزينه بضعة شعرات قاسية على ذقنه الناتئ، يرتدي درع صدر من حديد وخوذة ذات سلاسل تنزل على كتفيه وسيفاً معقوفاً على جنبه وطبنجتين وراء حزامه ويحمل ترساً وراء ظهره ورمحاً طويلاً في يده، وكان مظهره كله يدل على تحدي الأخطار. كان يتفاخر بشجاعته ويتكلم عن التركمان بازدراء حتى قرر صاحبي السفر برفقته. جهزت القافلة للسفر بعد أسبوع من احتفالات رأس السنة، وبعد صلاة الجمعة في المسجد الكبير توجهنا إلى قرية الشاه عبد العظيم التي تجمَّع فيها المسافرون كلهم، ومنها بدأنا سفرنا.

كنا نتقدم ببطء عبر بلاد ظمأى كئيبة ليس فيها ما يريح العين أو يسر القلب. كلما صادفنا مسافرين أو اقتربنا من قرية كان مرشدونا يرفعون أصواتهم باسم الله ورسوله ويصيحون بأصوات عالية صاخبة ويقرعون بأحزمة جلدية على الطبول المعلقة على سروجهم. كانت أحاديثنا تدور عادةً حول التركمان، ومع أننا كنا نتفق أنهم خصومٌ أقوياء، كنا نواسي نفسنا أن كثرة عددنا وشكلنا الباسل يُرهِب أي عدو، وكنا نقول: «ما شاء الله، من هؤلاء الكلاب الذين يتجرؤون على مهاجمتنا؟» وكان كل واحد منا يتبجج بشجاعته، وعلى رأسهم صاحبي الذي كانت أسنانه تصطك رعباً كان يتباهى بما سيفعله بالتركمان لو هاجمونا؛ ولو تسمعه تتخيل أنه طوال حياته لم يعمل شيئاً سوى قاتل التركمان ونزل بهم ذبحاً. والشاويش الذي كان غيوراً على أن يحسبه الجميع الرجل الشجاع الوحيد في القافلة قال بصوت عالٍ حين سمع كلام صاحبي: «لا يتحدثْ أحدٌ عن التركمان حتى يراهم، إذ لا ينجو من براثنهم إلا آكل السباع (قالها وهو يفتل شاربيه). وحقاً قال سعدي:[1]

إلى أصعب الأعمال أرسل مجرِّباً بأشراكه يصطد لك الأسد الوردا
ودعْ عنك مفتول السواعد في الصبا يُرى قلبه في حومةِ الحرب مُنقدّا
وإنّ الذي جرّب الحربَ عِلْمُهُ كحكم إمام الشرع معتبر جدا»

ولكن عثمان آغا كان عنده أمل بأنه في أمان أكثر من غيره لأنه مثل التركمان من أتباع عمر؛ وقد لفّ قطعة من الموصلين الأخضر حول طربوشه ليظهر أنه من الأشراف، أي من سلالة الرسول ﷺ الذي، كما يتوقع القارئ الكريم، لم يكن يقربه أكثر من البغل الذي كان يركبه.

بعد عدة أيام من المسير أخبرنا الشاويش بصوت مهيب أننا نقترب من الأماكن التي يقبع فيها التركمان بانتظار القوافل، وأمرنا أن نسير بصفوف متراصة وأن نحضِّر أنفسنا للمقاومة الشرسة في حال هوجمنا من قبل التركمان. عندما سمع عثمان آغا هذا الخبر ربط بندقيته وسيفه وطبنجتيه على ظهر البغل الذي كان يحمل حاجياته وشكا من اضطراب في بطنه، ولف نفسه في عباءته تاركاً نواياه السابقة في ذبح التركمان، وأخذ مسبحته وبدأ يكرر «استغفر الله» تسع وتسعين مرة، وسلم نفسه لقضاء الله وقدره، وعلّق آماله بالشاويش الذي عرض للجميع التعاويذ المعلقة في شتى أنحاء جسمه، والتي تحميه حتماً، كما قال، من سهام التركمان ورماحهم.

كان شاويشنا الباسل، هو واثنان من شجعان مثله، يسيرون في مقدمة القافلة، ومن وقت إلى آخر كانوا ينخسون خيلهم فيعدون جيئة وذهاباً وهم يهزّون رماحهم.

صاحب حاجي بابا والتركماني الضخم.

وأخيراً حدث ما كنا نخشاه: سمعنا عدة طلقات ثقبت آذاننا بعدها صرخات همجية. توقف الجميع، من بشر ودواب، فوراً وتجمّعوا كالقطيع أو مثل مجموعة فراخ هاجمها صقر. ولكن عندما رأينا جماعة من التركمان تهجم علينا تغيرت الساحة فوراً: فالبعض هرب والبعض الآخر، وبينهم صاحبي، استسلموا للخوف ووقعوا عن دوابهم على وجوههم وهم يصيحون: «يا الله! يا أئمة! يا محمد! هلكنا! سنموت! متنا!» فك البغّالون الحمول عن ظهور الدواب وركبوها فارين. أمطر التركمان علينا وابلاً من السهام فاكتمل نصرهم علينا. كان شاويشنا الباسل أول الهاربين، ولم نره أو نسمع عنه بعدها. أما المهاجمون فانشغلوا بالغنائم المتناثرة في كل مكان.

تكوّم صاحبي بين رزمتين من البضائع أملاً بأن يختبئ من التركمان، ولكن اكتشفه هناك تركماني ضخم البدن رهيب المظهر فكّره بادئ الأمر بالةً من البضاعة فقلبه فانفرد على قامته مثل حمار القبان ومدّ ذراعيه وساقيه نحو التركماني وهو يتوسَّل إليه متذلِّلاً. بدأ ينادي باسم عمر ويشتم علياً، ولكن لم يُجدِ شيء من هذا، فقد جرّده التركماني من كل ملابسه عدا عمامته احتراماً للونها ولم يترك له سوى سراويله التحتية وقميصه ولبس أمام عينيه سرواله الفخم وعباءته. أما ملابسي فلم تكن تستحق السلب لذا بقيتُ أرتديها، كما احتفظت بالموسين، وكان هذا من دواعي سروري.

بعد أن أتمّ التركمان نهب القافلة تقاسموا الأسرى. وبعد ذلك عصبوا أعيننا وأركبوا كل واحد منّا وراء ظهر واحد منهم. وبعد يوم كامل من المسير على هذه الحال توقفنا في الليل في وادٍ مهجور، وفي اليوم التالي وجدنا أنفسنا في طرقات لا يعرفها إلا التركمان.

سرنا على دروب جبلية فارغة حتى وصلنا إلى أرض سهلة واسعة لا حدود لها تبدو كأنها آخر الدنيا، تتناثر فيها خيام آسرينا السوداء وتسرح فيها قطعانهم.


الفصل الثالث. آسر حاجي بابا وقيمة الموسين[عدل]

كان تقسيم الأسرى بين التركمان من حسن حظنا، إذ وقعت أنا وعثمان آغا في يد سيد واحد، وهو قاطع الطريق الرهيب الذي ذكرته آنفاً. كان اسمه أصلان سلطان، وكان زعيم قبيلة كبيرة وصلنا إلى مضاربها فور نزولنا من الجبال. كانت خيامه تتوضع على جانبي وادٍ عميق تجري في قعره ساقية تنبع من سلسلة التلال القريبة. وكانت المراعي الخضراء المليئة بالقطعان تمتد مد البصر. رفاقنا الآخرون أخذوهم إلى مناطق أبعد ووزعوهم بين قبائل التركمان الأخرى التي تقطن في هذه البلاد.

حالما وصلنا خرج سكان المخيم جميعهم ليتفرجوا علينا، وبينما كان سيدنا يتلقى التحيات، هجمت علينا مجموعة كلاب الرعي الضخمة التي اكتشفت فوراً أننا غرباء فنبحت علينا وكادت تمزقنا. كان شال عثمان آغا الأخضر يقدم له شيئاً من الحماية، ولكن كبرى زوجات الزعيم، بانو، أي السيدة، أعجبت به وأرادت الحصول عليه، فبقي عثمان آغا في عمامته المبطنة التي أخبأ ماله فيها. هذه أعجبت زوجة أخرى من زوجات أصلان سلطان التي أرادت أن تبطن بها سرج جملها الذي قرّح ظهره، فنزعوه عن رأسه ورموه مع الأمتعة الأخرى في زاوية الخيمة. حاول عثمان آغا جاهداً أن يدافع عن عمامته، لكن بلا جدوى، إذ أعطوه بدلاً عنها قبعة قديمة من جلد خروف كانت ملكاً لأسير مشؤوم مثلنا مات في الأسر من الغم والحزن والحنين.

بما أن عثمان آغا كان سميناً وبطيء الحركة فقد كلفوه برعي الإبل في الجبال لأنهم لم يكونوا يخشون فراره. أما أنا فمنعوني من مغادرة المخيم وشغلوني في خض أكياس جلدية فيها خاثر لصناعة الزبدة.

بمناسبة الحملة الناجحة دعا أصلان سلطان عشيرته كلها إلى وليمة. حضّروا قاظاناً ضخما من الرز وشووا خروفين كاملين. اجتمع الرجال، وكانوا جميعهم من أقارب أصلان سلطان، والكثير منهم شارك في الحملة، في خيمة، والنساء في خيمة أخرى. قُدِّم الأكل للرجال أولاً، وبعد أن شبعوا نقلوه إلى خيمة النساء، وبعد أن فرغن منه أعطوا الفضلات إلى الرعاة الذين لم يتركوا منه إلا العظام التي كانوا يرمونها مع فضلات الصحون لنا تارة وللكلاب تارة أخرى. ولكن عندما كنت أنتظر لقمتي بفارغ الصبر لأنني لم أكد أذوق الطعام منذ بداية الأسر، نادتني إحدى النساء سراً من وراء الخيمة، وعندما وصلت إلى هناك وجدت على الأرض صحناً من الرز مع قطعة من اللية. قالت الامرأة أن الصحن أرسلته لي إحدى زوجات الزعيم التي أشفقت على حالي، ثم أسرعت ذاهبة دون أن تنتظر كلمات شكر مني.

قضى الرجال يومهم في التدخين والتحدث عن بطولاتهم، أما النساء ففي الغناء ودق الدف، بينما بقيت أنا وعثمان آغا نتأمل أحوالنا التعيسة. جعلني صحن الرز الذي أتاني أشعر أن وضعي ليس ميئوساً منه، وكنت أحاول أن أواسي صاحبي، لكنه بقي يبكي نصيبه النحس. قلت له أن على المسلم أن يسلم بقضاء الله وقدره، والله كريم. ولكن رده كان: «ما أسهل أن تقول الله كريم ولم يكن لديك شيء تخسره! أما أنا فمفلس، مفلس للأبد!» وشرع يحسب، حتى آخر درهم، ما خسره في رأس المال والأرباح التي كان يأمل الحصول عليها بعد شراء جلود الخراف في مشهد ثم بيعها في إسطنبول.

في اليوم التالي حان موعد فراقنا، إذ أُرسل صاحبي إلى الجبال مع خمسين جملاً، مرفقة بوعيد فظيع من أصلان سلطان بقطع أذني عثمان آغا وأنفه لو ضاع أحدها، ولو مات جمل يضاف ثمنه إلى الفدية التي طلبها مقابل الإفراج عنه. ورغبةً مني في التعبير عن امتناني له أقعدته على سرج جمل في وسط المخيم وحلقت رأسه مستخدماً الماء من ساقية قريبة وقطعة من الصابون والموس الذي نجحت في المحافظة عليه. وقريباً اكتشفت أن هذا الاستعراض لمهنتي ومهارتي فيها قد تكمن فيه فائدة جمة؛ إذ فجأة تذكر كل من لديه رأس أنه يريد أن يحلقه، فوصل الخبر إلى أصلان سلطان الذي استدعاني وأمرني فوراً بحلاقة رأسه الذي لم يكن فيه موضع إصبع إلا وفيه ندبة من جرح قديم، وكان شكله يمكن أن يمثل خريطة دقيقة للصحراء الجبلية التي قطعناها منذ أيام. هذا الرجل، الذي لم يعرف نعمة أكبر من أن يجزّ رأسه أحد الحلاقين المحليين بالسكين الذي يسلخون به الخراف، شعر تحت يدي وكأنه في الجنة، فمدحني مديحاً جماً وقال أنني لم أحلق جلده بل حلقت قلبه على عمق مسير يومين تحت الجلد، ثم حلف أنه لن يقبل أية فدية مقابل الإفراج عني وأمر أن أكون حلاقه الشخصي.

أترك للقارئ الكريم أن يخمّن ما كان يختلج في صدري عندما سمعت هذا الكلام. وبينما انحنيت لسيدي الجديد وقبلت ركبته بكل شكر واحترام، عزمت الاستفادة من حرية الحركة التي قد أحصل عليها نتيجة الثقة بي لأهرب في أول فرصة. قربي من الزعيم جعلني موضع ثقة، ورغم أنني بقيت تحت المراقبة، صار لدي الوقت للتفكير بخطط النجاة من هذه العبودية الكريهة.


الفصل الرابع. إبداعه في استرجاع مال عثمان آغا من التركمان وتصميمه على الاحتفاظ به[عدل]

من أولى الضرورات لتحقيق خطتي في الفرار كان الحصول على النقود المخبأة في عمامة عثمان آغا. ولكن العمامة كانت مرمية في زاوية خيمة النساء التي لم أكن أستطيع الدخول إليها، لذا كان الأمر يحتاج إلى براعة كبيرة كي أحصل عليها دون أن أثير الشبهات. ذاع صيتي كحلاق ماهر في مخيمنا ومخيمات الجيران، وكانت خدماتي مطلوبة عند الرجال دون النساء. كنت أرى أن بانو تودّ أن تتعرف علي أقرب، ولكن بما أنها لم تكن تستطيع أن تطلب خدماتي كحلاق، ولا النساء الأخريات، فقد اقتصرت علاقاتنا على تبادل النظرات وحركات لطف من جهتها وعلامات الشكر والامتنان من جهتي.

ولكن التركمان لديهم بعض العلم حول الحياة الحضارية، وكانوا يعرفون أن الحلاقين في بلاد فارس هم كذلك جراحون، وأنهم، عدا الحلاقة والتمسيد في الحمامات، يجيدون الفصادة وقلع الأضراس وجبر الكسور. وبعد مدةٍ شعرت بانو أنها تريد فصادة فأرسلت إليّ تسألني إن كنت أستطيع أن أقدم لها هذه الخدمة. كانت تلك فرصة مؤاتية لأعرف أنباء الغرض الذي كنت أصبو إليه، وربما أجد وسيلة للحصول عليه، لذا وافقت قائلاً أنني بارع في الفصادة، ولا أحتاج سوى إلى مبضع أو سكين صغير. وجدوا الأداة المطلوبة فوراً، وحدد أحد شيوخ العشيرة الذي كان يزعم معرفة علم النجوم أن اقتران الكواكب الموائم للفصادة سيحدث في الصباح التالي.

حاجي بابا يجري الفصادة.

وفي الصباح المبارك أدخلوني إلى خيمة النساء. كانت بانو جالسة على سجادة على الأرض بانتظاري. لم تكن هذه السيدة ممن يمكن أن يثيروا أحاسيس عاطفية عند شخص مثلي لأنها أولاً كانت سمينة جداً ولا يشبه شكلها تلك الأشكال الرشيقة التي اعتدنا أن نعشقها في بلادنا، لذا نظرت إليها باشمئزاز؛ أما ثانياً، كنت أهاب أصلان سلطان، ولو فكرت بعطفها لبقيت أعيش في خوف مستمر على سلامة أذنيّ. حظيت باهتمام كبير من جهة بانو وساكنات الخيمة الأخريات اللاتي اعتبرنني طبيباً وطلبت كل واحدة أن أجس نبضها. كنت أفحص بنظري زوايا الخيمة، وأنا أقوم بتحضيراتي للفصادة، أملاً برؤية الغرض الذي كنت أتوق إلى الحصول عليه. وهنا خطر لي أنني يمكن أن أستخدم عملية الفصادة لخدمة غرضي فطلبت أن أفحص نبض بانو مرة أخرى، وبعد أن فحصته بتأنٍّ وتأمُّل قلت أن مرضها ليس عادياً ويتطلب فصادة خاصة نسميها الفصادة الأفلاطونية، وهي ألاّ يُفصد الدم على الأرض بل يُجمع في وعاء كي أستطيع أن أفحصه فيما بعد ثم أخلطه برماد نبتة أعرفها ثم أطمره في الأرض إلى الجنوب الشرقي من سكن بانو عندما يشرق كوكب الزهرة، على أن لا يراني أحد. أعجب الحاضرون بهذه الطريقة العلاجية الغريبة واقتنعوا بعمق معارفي واتساعها، وقالت بانو أنها لا تريد إلا الفصادة على طريقة أفلاطون وأمرت أن يُحضر وعاء مناسب لذلك.

كنت أعرف أن قلة الأواني عند الرحّل لن تسمح لهم بالاستغناء عن أي واحد منها. وبالفعل، بعد أن عدّدوا جميع الأقدار والزبادي والأباريق وجدوها إما ضرورية أو أغلى من أن يضحّى بها. كنت متردداً أأقول لهن مباشرةً عن ضالتي، وهنا تذكرتْ بانو كأسها الجلدي القديم وأمرت إحدى النساء بالبحث عنه في زاوية الخيمة، فأحضرتْه. أخذتُ الكأس وقلت: «هذا لن يجدي نفعاً، انظروا، لقد تمزق»، وأنا أشير بالسكين إلى القطَب وفي الوقت نفسه أقطعها واحدة تلو الأخرى. وهنا صاحت بانو: «أين عمامة ذاك الأمير العجوز؟» فردّت الزوجة الثانية: «إنها لي، أريدها لأصلح سرجي!» فصرخت بانو في وجهها: «لك! لا إله إلا الله! ألستُ أنا السيدة هنا؟ سآخذها!» فصاحت الثانية: «لن تأخذيها!» وتبع ذلك لغطٌ وصخبٌ حتى خشيتُ أن يصل إلى مسمع أصلان سلطان فيأتي ويحل الخلاف بأن يسلب موضوع نزاعهن منهن. ولكن لحسن حظي تدخّل المنجِّم وقال أن دم بانو سيكون في رقبة الزوجة الثانية لو أصيبت بانو بأي مكروه، فقبلتْ أن تتخلى عن العمامة. حضّرت نفسي لإجراء الفصادة، ولكن عندما شاهدت بانو السكين خافت وقالت أنها لا تريدها. خفت أنني سأخسر ضالتي المنشودة بعد كل هذا التعب فجسست نبضها وقلت لها بكل رزانة أن اعتراضاتها لن تجدي لأن الفصادة مكتوبة عليها، وما كتبه خالق الكون في اللوح المحفوظ لا يردّه مخلوق. كان هذا الردّ مفحماً، واتفق الجميع معي أن معارضة القضاء والقدر حرام، فأعطتني يدها وهي تتصنع رباطة الجأش. أجريت الفصادة بمهارة فائقة وجمعت الدم في العمامة وأخذتها معي وقلت ألا يمس العمامة أحد غيري لأن ما يحدث للمريض من خير أو شر يتوقف على ما يحدث للدم بعد فصادته وجمعه، فحملته إلى خارج المخيم.

انتظرت حتى نام الجميع ثم مزقت البطانة وأخرجت الخمسين توماناً وطمرتها في مكان أمين، وكذلك طمرت العمامة. وفي الصباح أخبرت بانو أنني قمت بكل شيء على أكمل وجه، فأرسلت لي خروفاً مشوياً محشياً بالرز والزبيب مع إبريق من العيران.

عندما حصلت على الخمسين توماناً تذكرت صاحبي المسكين الذي كان يعيش حياةً كلُّها ضجر بين الإبل في الجبال، بينما أنا أعيش في رخاء، حتى خطر على بالي أن أرد ماله له؛ لكنني ناقشت الأمر مع نفسي فقلت: «لولا بديهتي لضاع المال للأبد، فمن أحق به؟ ثم أنه لن يستفيد منه في وضعه الحالي، وعلى الأغلب سيُسلَب منه من جديد، لذا فمن الأفضل أن أحتفظ به أنا. ويبدو أنه قد كُتب عليه أن يفقد هذا المال وكُتب لي أن أكسبه.» وجدت هذه الحجج معقولة، فسكت ضميري عن تأنيبي، واعتبرت نفسي المالك الشرعي لهذه النقود. إلا أنني حاولت أن أرسل إليه بنصف الخروف الذي تلقيته، وذلك عن طريق راعٍ كان ذاهباً إلى الجبال، وحلف أنه لن يأكل من الأمانة شيئاً. ما وثقت في كلامه، ولكن ضميري طالبني أن أحاول مشاركة صاحبي شيئاً من رخائي. ولكن، واحسرتاه! حالما قطع الراعي الوادي الذي يحدّ المخيم رأيته يحمل اللحم إلى فمه، ولم أشكّ أنه لم يترك إلا العظام قبل أن يختفي عن نظري. لم أجد جدوى في اللحاق به بعد أن كان قد ابتعد، لذا رميت نحوه حجراً ودعوت باللعنة على رأسه، إلا أن أياً منهما لم يصب الهدف.


الفصل الخامس. حاجي بابا يضطر إلى قطع الطريق وغزو بلده[عدل]

أمضيت بين التركمان أكثر من سنة حصلت خلالها على ثقة سيدي التامة، فصار يستشيرني في أموره الشخصية والعامة كافة. وبما أنه اعتقد أنه يمكن أن يعتمد عليّ فقد اقترح عليّ مرافقته في حملة السطو التي كان يخطط لها. قبلت ذلك بكل سرور لأنها كانت تعطيني أملاً بالفرار حالما نصل إلى فارس. حتى هذا الوقت لم يُسمح لي بالتجول خارج المعسكر والمراعي المحيطة، لذا لم يكن لي علم بطرق ودروب الصحراء الملحية التي تفصل بين التركمان وبلاد فارس، وكنت أعرف أنني لو حاولت الهرب لكان مصيري إما الموت في صحراء أجهلها أو العودة إلى التركمان ليعاملوني بمزيد من القسوة. أما الآن فصار أمامي فرصة للتعرف على البلد، وقلت لنفسي أنني إن لم أستطع الهروب أثناء هذه الحملة يمكنني أن أحاول بعد عودتنا، بعد أن أكون قد تعرفت على دروب الصحراء.

يقوم التركمان بحملاتهم الكبرى في الربيع غالباً عندما يكثر الكلأ في الجبال والسهول لخيولهم وتكثر القوافل في الطرقات لينهبوها. ومع اقتراب الموسم دعا أصلان سلطان كبار عشيرته ورؤساء العشرات ورؤساء المئات الذين كانوا جميعهم مهرة في السلب والنهب، وطرح عليهم خطة التسلل إلى قلب إيران. كان هدفه أن يصلوا إلى إصفهان ثم يدخلوها في الليل وينهبوا الخان الكبير الذي يستضيف أغنى التجار. كان أصلان سلطان سيقود الناس عبر الصحراء الملحية لأنه كان يعرفها أفضل من كل مواطنيه؛ واقترح على الجماعة أن أكون أنا دليلهم في إصفهان لأنني أعرف شوارعها وأسواقها وجاداتها، لذلك سيكون علي أن أقودهم متى دخلنا المدينة. اعترض البعض قائلين أن الثقة بغريب وعلاوة على ذلك ابن البلد الذي يريدون نهبه من التهور لأنه سيهرب لحظة وصوله إلى موطنه. وبعد جدال طويل اتفقوا أن يسير فارسان على جانبيّ، وإذا ظهرت لهم أدنى علامة على نيتي بالهرب يقتلانني فوراً.

بعد الاتفاق على موعد الحملة بدأ التركمان بتدريب خيولهم واختاروا لي حصاناً ممتازاً فاز مرتين في سباقاتهم،[2] وجهزوني على عادتهم، فأعطوني قبعة كبيرة من جلد الخروف وعباءة من جلد الخروف أيضاً وسيفاً وقوساً وسهاماً ورمحاً ثقيلاً ذي سنان يمكن فكه وتركيبه عند الحاجة. كان معي كيس من الشعير لإطعام حصاني وحبال ووتد طويل لعقله أثناء الراحة، وحمل كل واحد منا بضعة أرغفة من الخبز[3] وستة بيضات مسلوقة، أما احتياجاتنا الباقية فكانت تعتمد على الحظ والقدرة على تحمل الجوع. تعودت على تحمل الجوع خلال إقامتي في الأسر، أما التركمان فلا يضاهيهم في ذلك أحد.

أخرجت الخمسين توماناً وخبأتها بعناية في حزامي، ووعدت صاحبي القديم الذي هزل جسمه من الغم حتى لم يبق منه سوى العظم أنني، إذا استطعت الهروب، سأفعل ما بوسعي لإقناع أهله وأصدقائه بأن يفدوه. ولكنه أجابني: «آه يا حاجي، لن يفديني أحد. ابني سيفرح بمالي وزوجتي بزوج جديد. لا أمل عندي، سأموت في الأسر. ولا أطلب منك إلا معروفاً واحداً: أن تسأل عن سعر جلود الخراف في إسطنبول.»

وعندها دخلت في صراع جديد مع ضميري حول التومانات: هل أعيدها له؟ ألن يستفيد أكثر إذا بقيت معي؟ فقد يعتمد حظي في الفرار في هذه المرة على بضعة دنانير، وليس عند عثمان آغا فرصة نجاة إلا بواسطتي. وباعتبار كل هذه الأمور تركت النقود في حزامي.

حدد المنجّم يوم وساعة السفر فانطلقنا عند الغروب وبقينا نسير حتى الصباح. ترأس أصلان سلطان جماعتنا التي تكونت من عشرين رجلاً بما فيهم أنا كانوا جميعهم من فرسان العشائر المجاورة وكلّهم لصوص متمرّسون. كنا نركب خيولاً اشتهرت في أنحاء آسيا لسرعتها وقوة تحملها. كنا جميعاً مسلحين ومظهرنا مظهر أخطر عصابة لصوص على وجه المعمورة. كنت أشعر أن طبيعتي ليست طبيعة مقاتل ولكنني كنت ألعب دوري بكل مهارة مثلي مثل أي شخص وقع في مأزق كهذا، حتى صدّق سيدي الجديد وأصحابه أنني رستم[4] بعينه، ولكنني كنت أخشى ساعة التجربة.

أدهشتني مهارة أصلان سلطان في قيادتنا عبر الغابات في الجبال التي تحد سهوب قبجاق. كانت الدروب الوعرة والهاويات ترهبني ولكن رفاقي كانوا لا يكترثون بالخطر واثقين بخطا خيولهم الثابتة. بعد نزولنا من الجبال أصبحنا في سهول بلاد فارس القاحلة، وكانت معرفة أصلان سلطان بدروبها وتلالها عظيمة وبصيرته في الاستدلال من آثار الحيوانات كانت عجيبة حقاً، إذ كان يستطيع أن يعرف نوعها ووجهتها وإن كان ركابها أصدقاء أم أعداء وإن كانت محملة أم لا وعددها، وكل هذا بدقة فائقة.

كنا نتنقل بحذر بالغ عندما وصلنا إلى المناطق المأهولة من بلاد فارس، نختبئ نهاراً ونسير بسرعة ليلاً. تزودنا بالعلف والطعام في آخر مخيمات الرحل على حدود الصحراء الملحية الكبيرة، ومتى دخلنا الصحراء مشينا بأقصى سرعة تتحملها خيولنا. وبعد نحو 120 فرسخاً[5] وصلنا إلى مشارف إصفهان. اقتربت لحظة جني ثمار تعبنا واختبار شجاعتي، وقد ملأ الخوف قلبي حين سمعت خطة الهجوم التي اقترحها رفاقي.

كان مشروعهم أن يدخلوا إصفهان من أحد المداخل غير المحروسة التي كنت أعرفها جيداً وأن يتجهوا فوراً نحو الخان الملكي الكبير حيث يجتمع في هذا الموسم الكثير من التجار ومعهم أموال وفيرة جهزوها لشراء البضائع. كان علينا أن نخطف كل النقود التي نجدها، ومن يستطع عليه أن يخطف تاجراً أيضاً، وقبل أن ينتبه أهل المدينة نكون قد صرنا على طريق العودة. وجدت أن هذه الخطة خطرة جداً ولا يرجح أن تنجح وقلت ذلك ونصحتهم بالرجوع عنها. ولكن أصلان سلطان نظر إلي نظرة حازمة وقال: « يا حاجي! فتّح عينيك! الأمر ليس لعباً. وقسماً بلحية النبي، إذا رأيت منك أي بوادر تنذر بالخيانة فسأحرق أباك. نجحنا سابقاً، لم لا ننجح هذه المرة؟» ثم أمرني أن أبقى إلى جنبه وأمر حرامياً آخر أن يركب من جنبي الآخر، وحلفا أنهما سيثقبانني برمحيهما لو لاحظوا مني أي بادرة خوف أو محاولة فرار.

دخلنا إلى المدينة من منطقة الخراب الواقعة شرقيها ووصلنا إلى الشوارع المأهولة التي كانت فارغة في مثل هذه الساعة. وعندما اقتربنا من موقع الخان توقفنا تحت أقواس أحد البيوت المهجورة التي كثيراً ما تصادَف حتى في المناطق المأهولة من المدينة، وترجّلنا وربطنا خيولنا وتركناها برعاية اثنين من رجالنا، ومن باب الاحتياط حددنا مكاناً للتجمع في وادٍ يبعد خمسة فراسخ عن إصفهان لو اضطررنا إلى الفرار. ثم توجهنا إلى الخان سيراً على الأقدام بكل حذر، ونحن نتجنب الأسواق التي تحرسها دوريات شرطة، حتى وصلنا إلى بوابة الخان.

خفق قلبي وأنا أقف في مكان أعرف كل شبر فيه، جنب محل والدي. أمرت الجميع أن يتوقفوا هناك وتقدمت من باب الخان الذي كان مقفلاً وأمسكت حجراً وضربت الباب به وأنا أنادي الحارس باسمه: «افتح الباب يا محمد علي، فقد وصلت القافلة!»

فأجاب محمد علي، وهو بين اليقظة والنوم، دون أن يفتح الباب: «أي قافلة؟» فأجبته: «القافلة من بغداد.» – «من بغداد؟ قافلة بغداد وصلت البارحة. أتضحك على لحيتي؟»

التركمان يندفعون إلى الخان.

رأيت أن حيلتي فشلت فاضطررت إلى الاستفادة من اسمي، فقلت: «إنها تلك القافلة التي سافر معها حاجي بابا ابن حسن كربلائي الحلاق وعثمان آغا التاجر التركي. معي أخبار طيبة، وأريد هدية!»

«ماذا؟ حاجي بابا الذي كان يحلق رأسي دائماً؟ مكانك بقي فارغاً! أهلاً وسهلاً بك!»

وبدأ يحلّ أقفال البوابة الضخمة، وعندما بدأت تنفتح ظهر وراءها رجل عجوز صغير يرتدي سروالاً داخلياً يحمل في يده مصباحاً حديدياً كان نوره كافياً لنرى أن الخان مليء بالتجار وبضائعهم.

أمسك أحد اللصوص بالحارس فوراً واندفعنا جميعاً إلى الخان وبدأنا العمل. كان التركمان يعرفون تماماً من خبرتهم في النهب الأماكن التي تخبأ فيها الأموال فاستولوا في لحظات على كل الذهب والفضة في الخان. ولكنهم أرادوا أيضاً أن يخطفوا اثنين أو ثلاثة من أغنى التجار لتكون فديتهم مصدر رزق إضافي لهم. وقبل أن ينتبه الناس قبضوا على ثلاثة رجال فكروهم غنيمة جيدة لأنهم كانوا ينامون على أسرّة فخمة تسترهم لحف من صوف رفيع ويتوسدون وسائد مطرّزة، فأوثقوا أيديهم وأرجلهم وأقعدوهم على أحسن خيولهم وراء الفارس وانطلق هؤلاء الفرسان إلى الملتقى على الفور.

ولما كنت أعرف الخان جيداً وأعرف الغرف التي يشغلها أغنى التجار عادةً فقد ذهبت خلسةً إلى واحدة من هذه الغرف، تلك التي كان ينزل فيها عثمان آغا، فوجدت فيها صندوقاً صغيراً كتلك الصناديق التي يضع التجار نقودهم فيها فأخذته وسررت كثيراً حين وجدت فيه كيساً ثقيلاً أخبأته في جيبي، مع أنني لم أستطع التأكد بسبب الظلام من نوع المعدن فيه.

عندما أشرفت عمليتنا على الانتهاء كان أهل المدينة قد استيقظوا. تجمع قاطنو الخان جميعهم، من بغالين وساسة وخدم، على سقفه، وتجمع سكان البيوت المجاورة حول الخان لا يعرفون ما العمل؛ جاء مأمور الشرطة ورجاله واعتلوا سقف الخان وزادوا من الفوضى بصيحاتهم: «امسكوهم! اضربوهم! اقتلوهم!» دون أن يفعلوا شيئاً كي يتصدوا للعدو. أُطلِقت بضعة طلقات نارية عشوائية، ولكن بفضل الظلام والفوضى العامة نجحنا في التسلل خارجاً بلا خسائر. خطر على بالي أكثر من مرة خلال هذه المعمعة أن أترك هذه العصابة التي أجبروني على الانضمام إليها وأن أختبئ في قرنةٍ وأنتظر حتى يغادروا المكان؛ ثم فكرت بيني و بين نفسي أنني لو نجحت في ما أفكر به فإن ملابسي ستكشفني وسأقع ضحية غضب الغوغاء قبل أن أخبرهم بهويتي الحقيقية، أو أن المأمور سيقطع رأسي ويرسله إلى طهران على أنه رأس تركماني كدليل على نصره الباسل على عصابة من اللصوص.

كنت واقفاً أمام محل أبي وأنا أفكر بكل هذه الأمور حين أمسكني أحدهم من يدي بقوة، وحين التفتُّ رأيت وجه أصلان سلطان الشرس الذي هددني بالقتل فوراً إن لم أكن محل ثقته بي. ولكي أثبت له بسالتي أمسكت بلحية فارسي كان يمر جنبنا ورميته أرضاً وصرخت به أنني سأقتله إذا لم يستسلم فوراً ولم يتبعني بكل هدوء وطاعة، فبدأ يتوسل إلي أن أتركه من أجل الإمام حسين ومن أجل روح أبي ومن أجل لحية عمر، فعرفت والدي من صوته، ثم من ومضة فانوس رأيت وجهه المألوف. يبدو أنه سمع الضوضاء فترك فراشه كي يتأكد من سلامة محل الحلاقة، الذي لم يكن فيه من الخيرات سوى بضعة بشاكير وعلبة أمواس وقطعة صابون وسجادة. ولحظة عرفته تركت لحيته وكدت أنحني أمامه لأقبّل يده؛ ولكن حياتي كانت في خطر لو أظهرت الخوف أو التردد، لذا تظاهرت بأنني أضربه وأنا أوجه ضرباتي لسرج بغل كان مرمياً على الأرض. وفجأة سمعته يتمتم لنفسه: «آه، لو كان حاجي بابا هنا لما سمح أن يعاملوني هكذا!» فتركته فوراً وقلت للتركمان: «لن نستفيد منه، فهو ليس سوى حلاق.» ثم ركبنا خيولنا وغادرنا المدينة دون أن يطاردنا أحد.


الفصل السادس. الأسرى الثلاثة وتقاسم الغنائم[عدل]

وصلنا إلى الملتقى وترجلنا عن خيولنا لنريحها كي تستعيد قواها ونستعيد قوانا بعد أتعاب هذه الليلة. سرق أحد أفراد العصابة في طريقه خروفاً، فحضّرناه بسرعة كي نشويه: قطّعناه إلى قطع صغيرة جعلناها على أسياخ وشويناها على نار بطيئة من الحطب وروث الحيوانات ثم أكلناه بشهية ونهم.

كان همّنا التالي أن نتحقق من قيمة أسرانا. أحدهم كان رجلاً طويلاً في الخمسين، ذا نظرة ثاقبة ووجه أصفر نحيل ولحية خفيفة يلبس سروالاً داخلياً من حرير وقميصاً من صوف؛ والثاني كان رجلاً قصير القامة سميناً متورّد الوجه يرتدي بزة داكنة مزررة على صدره ويبدو أنه رجل قانون. الثالث كان رجلاً ضخماً كثير الشعر خشن المظهر ذا عضلات مفتولة وكان مقيداً أفضل من غيره بسبب مقاومته الشرسة للأسر.

بعد أن فرغنا من وجبتنا وأعطينا بقاياها للأسرى استدعيناهم واحداً واحداً لنستجوبهم كي نعرف حرفة كل واحد منهم ووضعه. استقدمنا الرجل الطويل النحيل أولاً لأن مظهره الغني جعل التركمان يعلقون أملهم عليه. وبما أنني كنت الوحيد من يجيد الفارسية، فقد توليت مهمة الترجمة.

سأله أصلان سلطان: «من أنت وما وضعك؟» فأجابه الأسير: «أحب أن أقول لفائدة حضراتكم أنني لا شيء، رجل فقير.»

«وماذا تعمل؟»

«أنا شاعر في خدمة حضرتكم. ماذا يمكن أن أكون؟»

فصاح التركماني الأكثر همجية: «شاعر! وما الفائدة منه؟»

فأجابه أصلان سلطان وهو يتوهج من الغضب: «لا فائدة منه، إنه لا يسوى عشرة تومانات! الشعراء كلهم فقراء يعيشون مما يحصلون عليه من غيرهم بالمكر والخديعة. من يفدي شاعراً؟ ولكن، إن كنت فقيراً، كيف تلبس هذه الملابس الرفيعة؟»

رد الشاعر: «شرّفني بها منذ أيام أمير شيراز مقابل قصيدة مدحته فيها.»

وعندها سلب التركمان ملابسه وأعطوه عباءة من جلد خروف بدلاً عنها وصرفوه واستدعوا الأسير التالي، الرجل قصير القامة، وسأله أصلان: «من أنت؟ وما هي حرفتك؟»

أجاب الرجل: «أنا قاضٍ فقير.»

«وكيف وجدناك نائماً على فراش فخم إن كنت فقيراً؟ يا ابن الكلب! إن كنت تكذب فسنقطع رأسك! اعترف أنك غني! القضاة جميعهم أغنياء، فهم يبيعون العدالة وضميرهم لمن يدفع ثمناً أكبر!»

فقال الأسير: «أنا قاضي غلادون، في خدمتكم. استدعاني حاكم إصفهان لأسلمه ضرائب القرية.»

فسأله أصلان: «وأين أموال الضرائب؟»

فأجاب القاضي: «حضرت كي أخبره أن القرية ليس لديها نقود لتسدد ضرائبها، إذ قضى الجراد على محصولنا ولم نر قطرة مطر في الموسم الماضي.»

سأل واحدٌ من العصابة: «وما قيمة هذا الرجل في النهاية؟»

رد أصلان سلطان: «لو صدف أنه قاضٍ عادل فقيمته عالية لأن الفلاحين سيجمعون ما في وسعهم ليفدوه كي يعود إليهم. وإن لم يكن كذلك فلا يسوى فلساً واحداً. لنحتفظ به، إذ أن فديته قد تكون أكبر من فدية تاجر. هيا نرى كم يمكن أن نستفيد من الأسير الأخير.»

فأتوا بالرجل الخشن واستجوبه أصلان سلطان بأسلوبه المعتاد: «من أنت؟» فردّ بصوت خشن: «أنا فرّاش»

فصاح الجميع: «فرّاش؟ كذّاب، كذّاب! كيف وجدناك نائماً على فراش فخم؟»

«كنت نائماً على فراش سيدي.»

فصرخ الجميع: «أنه يكذب! إنه تاجر! أنت تاجر! اعترف أنك تاجر وإلا قطّعناك إرباً!»

ونزل الكل به ضرباً حتى صاح المسكين أنه تاجر. ولكنني رأيت من مظهره أنه لا يمكن أن يكون تاجراً بل كان صادقاً حين قال أنه فرّاش، فقلت لرفاقي أنهم لن يحصلوا على فدية مقابله، ونصحتهم بإخلاء سبيله. وهنا تكالبوا كلهم علي وأمطروني بالشتائم واللعنات وقالوا لي أنني، إن تعاطفت مع أبناء بلدي، سيكون مصيري مثل مصيرهم وسأعود عبداً كما كنت، لذا فضّلت أن أسكت وأتركهم يفعلون ما يشاؤون.

بعد أن تبين لهم أن آمالهم في الأسرى كانت خائبة باتوا في مزاج سيء واختلفوا في الرأي عمّا يجب أن يفعلوا بهؤلاء المخطوفين الذين لا فائدة منهم، فرأى بعضهم الاحتفاظ بالقاضي وقتل الفرّاش والشاعر، وطرح آخرون إبقاء القاضي من أجل الفدية واستعباد الفرّاش، ولكنهم اتفقوا على أن الشاعر لا يستحق إلا القتل.

شعرت بالشفقة والعطف تجاه هذا الرجل، إذ كان يبدو من سلوكه وأخلاقه أنه رجل ذو شأن رغم أنه كان يدّعي الفقر؛ ولما رأيت أنه في خطر وشيك، قلت للعصابة: «إن قتل هذا الرجل، والله، لحماقة كبرى! أن تقتلوا شاعراً أسوأ من أن تقتلوا أوزّة تبيض ذهباً! ألا تعرفون أن بعض الشعراء أغنياء، أو يمكن أن يصبحوا أغنياء في أي وقت لو أرادوا لأنهم يحملون ثروتهم في رأسهم؟ ألم تسمعوا قصة الخليفة الذي كان يعطي الشاعر مثقال ذهب على كل بيت ينشده؟ ألا يقال أن الشاه يكرم الشعراء؟ وما أدراكم أنه ليس شاعر الشاه نفسه؟»

فقال أحد المجرمين: «إذن، فلينظم لنا أبياتاً حالاً، وإن لم نحصل على مثقال ذهب مقابل كل بيت نقتله!»

فصاح الجميع، وقد ابتهجوا بهذه الإمكانيات الباهرة لكسب المال: «هيا انشدنا فوراً وإلا قطعنا لسانك!»

وأخيراً اتفقوا على إبقاء الأسرى الثلاثة، وقرروا التوجه إلى سهول قبجاق فور الانتهاء من تقاسم الغنائم.

جمعنا أصلان سلطان معاً وأمرنا أن يعرض كل واحد ما سرقه. بعضهم جاء بأكياس ذهب، وآخرون بأكياس فضة، إلا أن اهتمامهم لم يقتصر على النقود، بل طُرحت أمامنا شكائم ذهبية للغلايين ومعطف من فرو السمور وإبريق فضي وشالات وأغراض أخرى كثيرة؛ وعندما جاء دوري طرحت كيس التومانات، وكان أكبر الأكياس وأثار استحساناً وهتافات صاخبة من جميع أفراد العصابة، وصاحوا:

«أحسنت! أحسنت يا حاجي! انظروا، أصبح تركمانياً جيداً! لقد تفوّق علينا جميعاً!»

وفرح سيدي بنجاحي أكثر من غيره ومدحني مديحاً جماً، وقال:

«يا حاجي، يا ابني، قسماً بروحي وبرأس والدي، أحسنت! سأزوجك من جارية لي وستعيش بيننا، وسيكون لك خيمة وعشرون رأساً من الغنم، ولسوف أدعو كل عشيرتي إلى حفل زفافك!»

وقع هذا الكلام عميقاً في قلبي وزاد من عزيمتي بالهروب منهم في أول فرصة؛ ولكن لحظتها انصبّ اهتمامي على تقاسم الغنائم، إذ كان أملي أن لي منها حصة جيدة. ولكن، واحسرتاه، لم يعطوني ولا فلس، وسدىً صرخت وتوسلت؛ كل ما سمعته منهم كان: «إذا قلت كلمة أخرى فسنقطع رأسك!» فاضطررت إلى أن أواسي نفسي بالخمسين توماناً التي كانت في حزامي، وأنا أراقبهم يتنازعون على حصصهم. وأخيراً تحولت الساحة إلى خصام صاخب، وكادت تنتهي بسفك الدماء لولا أنّ فكرةً خطرت على بال أحدهم فصاح: «لِمَ الخصام ومعنا قاضٍ؟ فليحكم بيننا بما أمر الله ورسوله!»

فوضع الحرامية القاضي المسكين بينهم في الحال وأمروه بالإفتاء في شأن الغنائم التي كان بعضها ملكه سابقاً، ولم يحصل على أي أجر مقابل حكمه بينهم سوى بضعة لطمات ممن اعتبروا نفسهم مظلومين.


الفصل السابع. قصة الشاعر[عدل]

عدنا من الطريق الذي أتينا منه، ولكن أبطأ مما جئنا بسبب الأسرى الذين كانوا يركبون وراء الفرسان تارة ويسيرون بينهم تارة أخرى.

أثار مظهر الشاعر منذ أول لحظة فضولي لمعرفة سيرته؛ وبما أنني تعلّمت في زماني شيئاً من الآداب، كنت أشعر بشيء من التفاخر وأنا أفكر أنني أرعى أديباً وأحميه في ساعة الضيق. أخفيت شعوري نحوه واستطعت إقناع التركمان أن يكلفوني بملازمته بحجة أنني سأحمله على تأليف الشعر. وبما أننا كنا نتحادث بلغتنا بكل طلاقة دون أن يفهمنا أحد، فقد أخبرته عن قصتي وأعلمته برغبتي في الفرار، ووعدته أن أفعل كل ما في وسعي لأساعده. بدا الشاعر مسروراً لسماع الكلام اللطيف حيث لم يتوقع إلا المعاملة السيئة، وعندما نلت ثقته حكى لي عن نفسه دونما تردد. وكما توقعت، فقد كان رجلاً ذا شأن، إذ كان شاعر البلاط، وقد كرّمه الشاه بلقب ملك الشعراء. كان في طريق العودة من شيراز (حيث أرسله الشاه بمهمة) إلى طهران، وكان قد وصل إلى إصفهان في اليوم الذي وقع في أيدي التركمان. وبعد أن رويت له قصتي كي نلتهي عن ضجر الطريق عبر الصحراء الملحية، طلبت منه أن يحكي لي قصته، فقال:

«ولدت في مدينة كرمان، واسمي عسكر. بقي أبي فترة طويلة حاكم كرمان في زمان حكم الطواشي آغا محمد شاه؛ ورغم كثرة التآمر عليه والدسائس ضده، حصّنته براعته واحترام الناس له من أن يتغلب أعداؤه عليه، فحافظ على سلامة عينيه، ومن عظيم حظه أنه مات بسلام في فراشه خلال حكم الشاه الحالي الذي سمح لي بوراثة تركة أبي البالغة عشرة آلاف تومان. أوليت اهتماماً بالغاً بالتعلم، وقبل أن أبلغ السادسة عشرة من عمري اشتهرت بأدبي إذ كنت أكتب بخط جميل وأحفظ عن ظهر قلب شعر سعدي وحافظ والفردوسي، وأبرع في كتابة الشعر إلى درجة أنني في شبابي كنت لا أتكلم إلا شعراً، وتطرقت لمواضيع الشعر كافة. كتبت عن حب ليلى ومجنون؛ لم أسمع يوماً تغريد البلابل، لكنني تغنيت بحب البلبل للوردة؛ وأينما ذهبت كنت أنظم الشعر وأنشده للحضور.

في تلك الفترة كان الشاه يحارب صادق خان الذي حاول الاستيلاء على العرش فخاض الشاه معركة قادها بنفسه هزم خلالها خصمه المتمرد، فأنشدت حالاً قصيدة مديح، وفي تصويري للحرب جعلت رستم يقف على سحابة يراقب ميدان المعركة فيشكر نصيبه أنه ينظر إليها من السماء ولا يخوض فيها على الأرض، وإلا لما نجا من بسالة الشاه وبأسه. لم أتردد في المبالغة والتملق وتفوقت على كل الشعراء حين قلت أن صادق خان وجيشه ليس لديهم سبب للتذمر، إذ رفع ملجأ الكون رؤوسهم عالياً حتى السماء، وقد أشرت بذلك إلى برجٍ أمر جلالته ببنائه من رؤوس المغلوبين.

وصل كلامي إلى الشاه فشرفني باستدعائي إلى حضرته وأمر أن يُملأ فمي ذهباً أمام حشد غفير من البلاط وبعد هذا صرت أحضر إلى القصر في أي وقت وأكتب الشعر في كل المناسبات. وإظهاراً لحماسي قلت للشاه أنه كما كتب فردوسي يوماً شاه نامه، أي كتاب الملوك، يليق به، وهو أعظم ملوك بلاد فارس، أن يكون عنده شاعر يصف زمان حكمه، فطلبت منه أن يأذن لي بكتابة شاهنشاه نامه، أي كتاب ملك الملوك، فتكرم صاحب الجلالة بإعطائي إذنه اللطيف.

كان بين أعدائي في البلاط الخازن الذي فرض علي غرامة قدرها 12 ألف تومان دون أدنى سبب، إلا أن الشاه ألغاها قائلاً أنني شاعر زماني. وفي يوم من الأيام دار الحديث عن كرم الشاه محمود غزنوي الذي أعطى للفردوسي مثقال ذهب على كل بيت شعر في الشاهنامه. فقلت على أمل أن يصل كلامي إلى الشاه: «إن كرم الشاه الحاكم مثل كرم الشاه محمود، بل أكثر، لأن الشاه محمود أغدق بالنعم على أعظم شعراء الفرس، بينما صاحب الجلالة أغدق بنعمته على الشاعر المتواضع الذي يقف أمامكم.»

فسألني الحضور ما هي النعم العظيمة التي حصلت عليها، فأجبت: «أولاً، لمّا توفي والدي ترك عشرة آلاف تومان، فسمح الشاه لي أن أرثها؛ كان بإمكانه أن يأخذها لكنه تركها لي، وهذه عشرة آلاف تومان. ثم أراد الخازن أن يغرمني باثني عشر ألف تومان، فألغاها جلالته وهذه اثنا عشر ألف تومان فوق تلك. والباقي ما تكرّم علي الشاه به منذ صرت في خدمته.» ثم هتفت: «يحيا الشاه إلى الأبد! أطال الله ظله ونصره على كل أعدائه!» وكل هذا الكلام وصل إلى صاحب الجلالة، وبعد أيام وهبني حلة تكريم من معطف مزركش وشال لخصري وآخر لرأسي وعباءة مطرزة مبطنة بالفراء، كما كرمني بفرمان يسميني فيه ملك الشعراء ووضعت هذا الفرمان على عمامتي لثلاثة أيام متتالية أتلقى التهانئ من أصدقائي وأشعر أنني ذو شأن أكثر من أي وقت مضى.

كتبت قصيدة تؤدي غرضين في آن واحد: أنتقم بها من الخازن على معاملته الجائرة لي وأسترضيه في نفس الوقت لأنها كانت تحمل معنيين في كل بيت، وما اعتبره الخازن في جهله مديحاً كان في الواقع هجاء، وفكر أن كل تلك الكلمات الغريبة (التي كان أغلبها كلمات عربية لا يفهمها) لا يمكن أن تحمل إلا إطراء، ولم يخطر على باله لحظةً أنها ليست إلا ازدراء. لقد أخفيت معاني القصيدة بحيث يستحيل على أحدٍ فهمها دون أن أشرحها له بنفسي.

إلا أن تفوقي لم يقتصر على الشعر؛ كنت أهوى الميكانيكا، وبعض اختراعاتي لاقت قبولاً في البلاط. لقد اخترعت عجلة دائمة الحركة لا تحتاج سوى إلى بضعة إضافات وتحسينات لتعمل، وصنعت أنواعاً من الورق الملوّن واخترعت محبرة جديدة، وكنت في طريقي إلى صناعة القماش، إلا أن جلالته أوقفني قائلاً: «يا عسكر، اشتغل بالشعر، فعندما أحتاج إلى قماش يحضره التجار لي من بلاد الفرنجة» فأطعته، وفي عيد رأس السنة عندما يقدم كل خدمه الهدايا للشاه قدّمت له عود أسنان ذهبياً في علبة أنيقة وأرفقته بقصيدة شبهت فيها أسنان جلالته باللؤلؤ، وعود الأسنان بصياد اللآلي، ولثتيه بالمرجان الذي يوجد اللؤلؤ بينه، ولحيته وشاربيه بأمواج البحر، فأمر الشاه كل الحضور بتقبيلي على فمي، وهنأني الجميع على فصاحتي وخيالي، وأكّدوا لي بصوت واحد أن أناشيد الفردوسي أمام قصائدي ليست إلا نهيق الحمير.

بهذا اكتسبت الرعاية الكريمة فأراد جلالته أن يعطيني فرصة لأحصل على شيء من المال عدا علامات التكريم فبعثني في مهمة حمل ثوب التكريم الذي يرسله سنوياً إلى ابنه أمير ولاية فارس. استقبلوني في شيراز بكل فخامة وقدموا لي الهدايا الثمينة، هذا عدا ما جمعته من القرى التي مررت بها في طريقي، فصار معي مبلغ كبير من المال. والليلة الماضية فقدت كل شيء، سرقوا مني كل ما أملك، وها أنت ترى أمامك أتعس الخلق. إذا لم تساعدني في النجاة سأموت في الأسر. قد يودّ الشاه أن يخلصني لكنه لن يدفع فلساً ليفديني، والخازن ليس صديقي؛ وبعد أن قلت للوزير أن كل ما لديه من الحكمة غير كافٍ حتى ليربط ساعة، ناهيك عن فهم آليتها أو إدارة شؤون البلد، أخشى أنه أيضاً لن يحزن لغيابي. أخذ هؤلاء الهمج النقود التي كان يمكن أن أفدي نفسي بها، ولا أعرف من أين أحصل على المبلغ المطلوب. هذا ما قدّر الله لي، وأنا أرضى بما كتبه علي بكل تسليم، ولكني أتوسل إليك لأنك مسلم مثلي تكره عمراً وتحب علياً، أتوسل إليك أن تعينني ما استطعت في يومي الأسود.


الفصل الثامن. حاجي بابا يفر من التركمان. المستجير من الرمضاء بالنار[عدل]

حالما انتهى الشاعر من رواية قصته أكّدتُ له أنني سأبذل قصارى جهدي لخدمته، ولكنني أوصيته بالصبر لأنني لم أجد وسيلة لاسترجاع حريتي بعد، وكنت أتوقع مصاعب عظيمة في تخليصه من الأسر في الوقت نفسه. فمن المستحيل أن نحتال على تيقظ آسرينا ما دمنا في الصحراء المكشوفة: كانت خيولهم جيدة مثل حصاني ومعرفتهم بالمنطقة أفضل من معرفتي بها، فمحاولة الفرار في هذه الظروف ضرب من الجنون، لذا لم يبق لي إلا الانتظار حتى تسنح لي الفرصة المناسبة للهروب.

وصلنا إلى تخوم الصحراء الملحية فأصبحنا قرب الطريق الذي يصل طهران بمشهد على مسافة نحو عشرين فرسخاً عن دامغان، فأمر أصلان سلطان جماعته بالتوقف واقترح أن ننتظر يوماً أو يومين في وهدٍ قرب الطريق عسى أن يبعث الله لنا بعض المسافرين لنخطفهم أو قافلة تجارية لننهبها. وفي فجر اليوم التالي هرع إلينا أحد عيوننا الذي كان يقبع على تلة غير بعيدة يخبرنا أنه رأى سحابات من الغبار في الطريق من دامغان تقترب منا متّجهةً إلى مشهد.

وفي غمضة عين امتطينا خيولنا، وترك التركمان أسراهم موثقي الأيدي والأرجل في الوهد ليعودوا إليهم بعد الانتهاء من نهب القافلة، وطلعنا بكل حذر نتوخى الدم والغنائم.

سار أصلان سلطان أمام الجميع لاستطلاع الأوضاع، وناداني إليه قائلاً: «الآن يا حاجي أمامك فرصة للتميُّز والنجاح. سترافقني كي ترى الاحتياطات التي أتّخذها قبل أن أكشف كامل جماعتنا. عليك أن تتعلمها كي تستطيع قيادة حملة مماثلة في المستقبل. آخذك معي لأنني قد أحتاج إلى ترجمان، فنادراً ما يصادف في هذه القوافل أناس يتحدثون لغتنا. سوف ندنو منهم ما استطعنا وقد نحاول الدخول في مفاوضات مع مرشد القافلة، وإن لم نتوصل إلى اتفاق نهجم عليهم بكامل قوانا.»

ومع اقترابنا من المسافرين لاحظت أن أصلان سلطان ظهرت عليه علامات الارتباك، ثم قال: «أخشى أنها ليست قافلة، فصفوفهم متراصة، ولا أسمع الأجراس. الغبار كله متجمع في بقعة صغيرة. أرى الرماح! إنها فرقة فرسان كبيرة تركب جياداً نجيبة! لن نغامر بمواجهتهم.»

في هذه اللحظة رأيت بوضوح أنها ليست قافلة بل رجل رفيع الشأن، ربما أحد الولاة، يسافر برفقة حرسه وخدمه وحشمه وبكل الأبهة والفخامة المعتادة في مثل هذه المناسبات.

قفز قلبي في صدري وأنا أرى هذه الفرصة المؤاتية للفرار. لو أستطيع الاقتراب منهم حتى يأخذوني أسيراً قبل أن أثير شكوك سيدي أصلان سلطان أصل إلى بر الأمان، ومع أنني سأتلقى ضرباً من الحرس بادئ الأمر، سيكون عندي فرصة كي أكشف لهم هويتي وأروي لهم قصتي، وفصاحتي كفيلة بإقناعهم. لذا قلت لرفيقي: «هيا نقترب أكثر لنكشف أمرهم!» ثم نخست حصاني دون أن أنتظر إذنه، فتبعني فوراً ليوقفني، وحالما اجتزنا تلةً على الطريق حتى رأينا الفرقة كاملة على مبعدة مرمى سهم منا وانكشفنا لها، وفور ذلك انفصل عنها ستة أو سبعة فرسان وانطلقوا نحونا بأقصى سرعة، فقفلنا هاربين، وبينما كان أصلان سلطان ينخس حصانه كنت ألجم حصاني، وبعد لحظات لحق بي الفرسان وقبضوا عليّ، وخلال غمضة عين رموني أرضاً وجردوني من سلاحي وسلبوا مني الخمسين توماناً والموسين وكل ما أملك، ورغم أنني كنت أصرخ أنني لا أنوي الهرب وثقوا يديّ وراء ظهري بالشال الذي أخذوه من خصري وجرّوني جرّاً وهم يلطمونني كي أتحرك بسرعة إلى سيدهم الذي توقف يحيط به خدمه.

ومن علامات الطاعة والتبجيل التي كان يبديها مرافقوه أدركت أنه من الأسرة المالكة، وتأكدت من هذا عندما اقتربنا منه، إذ تلقيت بضعة ضربات على رأسي كي أفهم أن عليّ السجود أمام الشاه زاده، أي الأمير. أمرهم الشاه زاده بفك وثاقي، وحالما شعرت بالحرية أفلتُّ من أيدي الرجال من حولي ورميت نفسي نحوه فأمسكت بطرف ثوبه وصرخت: «أستجير بحماية الشاه زاده!» اندفع أحد الحرس نحوي ليعاقبني على وقاحتي، لكن الأمير أصرّ أن عرف الأجداد مقدس لا يجوز الإخلال به ووعدني أني في حمايته، وأمر خدمه ألاّ يضايقوني وطلب مني أن أروي له كيف وقعت في الورطة التي أنا فيها.

وقعت على ركبتي وقبّلت الأرض ورويت له قصتي باختصار، ثم أضفت تأكيداً لكلامي أنه لو أمر فرسانه بمهاجمة جماعة التركمان الذين لا يزالون قريبين من هنا لاستطاعوا إنقاذ شاعر الشاه ورجلين آخرين من رعاياه الذين وقعوا أسرى في أيدي التركمان، وهؤلاء سيؤكدون له كل ما قلت.

ما كدت أنتهي من كلامي حتى عاد الفرسان الذين كانوا يطاردون أصلان سلطان تظهر عليهم علامات الفزع وحلفوا بعليّ ورأس الشاه أن جيشاً ضخماً من التركمان لا يقل عن ألف مقاتل يزحف نحونا، وعلينا التحضير للقتال. سدىً وهباءً حاولت أن أشرح لهم أن عدد التركمان لا يتجاوز العشرين: لا أحد كان يصدقني بل نعتوني بالجاسوس والكذاب، وأجمعوا أنهم سيقتلونني فوراً لو هاجمهم التركمان. ثم تحرك الموكب بسرعة وحذر إلى الأمام والجميع يتلفتون يميناً ويساراً وهم يبدون علامات الرعب الذي يثيره مجرد اسم التركمان في كل أرجاء بلادنا.

بما أن حصاني سُلب مني، سمحوا لي بامتطاء بغل، وعلى ظهره وجدت الوقت الكافي لأفكر في نصيبي المشؤوم ومستقبلي البائس. بلا فلس واحد في جيبي، وبلا أصدقاء، لم أكن أرى أمامي سوى الجوع. لم تساعدني قوة إيماني على مواساة نفسي بأن هذا ما كتب الله عليّ، وكنت أبكي جهراً حماقتي التي قادتني بمحض إرادتي إلى الحال التي أصبحت فيها؛ أما حبي لأهل جلدتي الذي كان يضطرم في صدري عندما كنت أسيراً فقد تخلى عني تماماً، فبدأت أشتمهم علناً، وقلت لمن حولي:

«أنتم تسمون أنفسكم مسلمين، ولكنكم أسوأ من الكلاب! الكلاب؟ بل أنتم أسوأ من كلاب المسيحيين! حتى التركمان بشرٌ أمامكم!»

ولكن هذه الشتائم ما أثارت عند من يسمعني سوى الضحك، فبدأت أفكر كيف أستعطفهم، فقلت: «أستحلفكم بحب الإمام حسين، وبحب النبي، وبأرواح أولادكم، لماذا تعاملون غريباً هكذا؟ ألست مسلماً مثلكم؟ ماذا فعلت لكم كي تطعموني الحزن والغم؟ لجأت إليكم كما ألجأ إلى أصدقاء، فنبذتموني كأنني عدوكم.»

لكن هذا الحديث لم يجدِ أيضاً، عدا عن أن أحد البغالين، واسمه علي قاطر[6]، الذي كان يشعل أركيلته، مدها إلي لآخذ نفساً من الدخان قائلاً: «يا ابني، كل شيء في هذه الدنيا بيد الله.» ثم أشار إلى بغله قائلاً: «إذا خلق الله هذه الدابة بيضاء، فهل بوسع علي قاطر أن يجعلها سوداء؟ اليوم طعامها شعير، وغداً تقتات على الشوك. ما كتبه الخالق لا يغيره مخلوق. دخّن وافرح واحمد الله أنه لم يمتحنك بأسوأ مما أصابك به. قال حافظ: استفد من كل لحظة فرح واحسبها مكسباً لك، فلا يعرف أحدٌ عواقب الأمور.»

كلام البغّال أراح بالي قليلاً، وعندما وجد أنني مثله أحفظ الشعر ولا أرفض مؤاساته لي عاملني بكل لطف وتقاسم معي طعامه حتى نهاية الرحلة. أخبرني أن الأمير الذي وقعت في يده كان الابن الخامس للشاه الذي ولاه مؤخراً على خراسان، وكان الآن في طريقه إلى مشهد مقعد حكمه، ويرافقه حرس أكثر من المعتاد بسبب الوضع المزعج على الحدود التركمانية، ويقال أنه مكلف بالشروع بعمليات حاسمة ضدهم وعليه أن يبعث بأكبر عدد ممكن من رؤوسهم إلى طهران لتكويمها أمام بوابة قصر الشاه، وأضاف: «أنت محظوظ أن عنقك بقي سليماً. لو كنت أشقر ذا عينين صغيرتين وقليل الشعر، وليس أسمر، لقتلوك وملّحوا رأسك بكل عناية وأرسلوه إلى طهران على أنه رأس أمير تركماني.»

حاجب الأمير يضرب حاجي بابا بكعب حذائه.

عندما وصلنا مساءً إلى مبيتنا في خان مهجور متهدم على تخوم الصحراء قررت أن أسعى إلى الوصول إلى حضرة الشاه زاده كي أحاول استرجاع نقودي وحصاني وسلاحي، ولم أتردد في اعتبارها ملكاً لي رغم أن صوتاً خافتاً في قلبي كان يهمس أن أحداً غيري له مثل حقي فيها. كنت أتصيد الفرصة المناسبة فوجدتها قبل صلاة العشاء فقدمت نفسي للأمير. كان جالساً على سجادة مفروشة على سطح الخان متّكئاً إلى وسادة، وقبل أن يرميني الحاضرون خارجاً صرخت: «عندي تظلُّم!». فأمرني الشاه زاده بالاقتراب منه وسألني عن مبتغاي، فشكوت له معاملة خدمه لي إذ سلبوني من خمسين توماناً، وتوسلت إليه أن يعاد إلي حصاني وسلاحي؛ فسأل المحيطين به عن أسماء هؤلاء الرجال، وعندما أخبروه أرسل خيّامه ليحضرهم أمامه، وحالما حضرا عرفتهما وأكّدت ذلك للشاه زاده، فقال لهم:

«يا أولاد الكلاب، أين النقود التي سرقتموها من هذا الرجل؟»

فصاحا على الفور: «لم نأخذ شيئاً!»

فأجابهما: «سنعرف ذلك حالاً. نادوا الفرّاشين، وليضربوا هذين النذلين على أقدامهما حتى يعيدا الخمسين توماناً.»

وفي نفس اللحظة أمسكوا بهما ورفعوا أقدامهما في الهواء بعد أن ربطوها بحبل، وبعد عدة ضربات اعترفا أنهما أخذا النقود، وأخرجاها من جيوبهما، فأُخِذت إلى الشاه زاده الذي عدّها بتأنٍّ ووضعها تحت الوسادة التي كان يتّكئ عليها ثم قال لي: «انصرف.» تجمدت مفتوح الفم من الدهشة إذ كنت أتوقع أن تعاد نقودي إلي، فتقدم مني حاجبه وأمسكني من كتفيّ ودفعني بقوة، وهنا صرخت: «نقودي! أين هي؟»

فقال الأمير: «ماذا يقول؟ اضربوه بالأحذية إذا تكلّم ثانيةً.» فنزع الحاجب حذاءه الأخضر وضربني على فمي بكعبه المقوّى بالحديد قائلاً: «أتتكلم مع ابن الشاه بهذه اللهجة؟ اذهب بأمان الله وفتّح عينيك وإلا قطعت أذنيك!» ثم سحبوني ودفعوني بعيداً.

عدت يائساً إلى صديقي البغال الذي لم يتفاجأ البتة بما حدث وقال: «وهل توقعت غير ذلك؟ أليس هو شاه زاده أولاً وأخيراً؟ متى استولى أي رجل ذو سلطة على غرض، أتعتقد أنك تستطيع استعادته منه؟ والله، أسهل أن تسحب عضة عشب من فم البغل من أن تحصل على نقودٍ وقعت في يد أمير.»


الفصل التاسع. حاجي بابا يصبح سقاء[عدل]

وصلنا إلى مشهد في الموعد، ودخل الشاه زاده إليها في موكب مهيب بين كل الصخب والاستعراض والفوضى التي ترافق مثل هذه المناسبات. وجدت نفسي وحيداً في مدينة غريبة بعيداً عن أصدقائي وعن أي إنسان يمكن أن ألتمس عوناً منه، وليس عندي حتى موس حلاقة. وبعد أن تفقّدت ما أملك وجدت أن ممتلكاتي تقتصر على خمسة تومانات نجحتُ في نشلها من الكيس الذي سرقته في خان إصفهان وخبأتها في بطانة قبعتي، ورداء بني من الصوف وسترة من جلد الخروف وقميص وسروال وحذاء ثقيل. بقيت في ضيافة البغال ما دام يتلقى حصته اليومية من الأطعمة أثناء مرافقة الشاه زاده؛ أما الآن، بعد أن خرج هو وبغاله من خدمة الأمير، لم يعد يمكن أن أقبل ضيافته. فكرت في العودة إلى حرفتي، ولكن من يسلم رقبته لموس رجل ذي سمعة جاسوس تركماني؟ ومع أن مالي كان يكفي لشراء ما أحتاجه للحلاقة، إلا أنه غير كافٍ لأفتح محلاً، وكنت أكره أن أعمل بالمياومة.

نصحني صديقي البغال الذي كان يعرف سبل مشهد ووسائلها أن أعمل سقاء، وقال: «أنت شاب قوي البدن، صوتك جميل، وتستطيع أن تجذب الناس إليك بإنشادك. وفضلاً عن ذلك لديك موهبة في المجاملة والتملق والضحك على اللحى. يأتي إلى مشهد أفواج من زائري مرقد الإمام رضا عليه السلام، وهؤلاء يعتقدون أن الصدقة هي السبيل لمحو ذنوبهم لذا يتصدقون بسخاء على صاحب أحسن دعاء. يجب أن تبيع كل جرعة ماء باسم الإمام حسين عليه السلام. لا تطلبْ أبداً أجراً من أحد، ومتى شرب المسافر ارفع صوتك بالدعاء حتى يسمعك الجميع، وقل: «بارك الله سفركم! حماكم الإمام عليه السلام من العطش في الآخرة!» وأدعية أخرى مثلها. قل ما شئت لمن قطعوا خمسمئة فرسخ من أجل الصلاة في مشهد، فهم يصدقون أي شيء. كنتُ سقاءً في مشهد وأعرف هذه الحرفة تمام المعرفة؛ بعدها استطعت شراء خمسة بغال فأصبحت الشخص الذي تراه.»

اتبعت نصيحة صديقي، فاشتريت قربة من جلد فيها حنفية من نحاس وكوباً ملوناً مطلياً. وبعد أن ملأت القربة بالماء تركتها مدّةً من الوقت لتذهب رائحة الجلد ثم انطلقت إلى مرقد الإمام عليه السلام وباشرت مهنتي الجديدة في الحال. اخترت لنفسي صيحة «ماء! ماء! باسم الإمام عليه السلام، ماء!» وكنت أصيحها بكل قوة صدري، وبما أنني أخذت منذ يومين بضعة دروس من صديقي، كانت مهارتي مثل قدامى الممارسين. وفور ظهوري جذبت انتباه زملائي في المهنة الذين بادروني بنظرات فيها تساؤل عن حقي في منافستهم، وعندما اقتربت من الخزان لأملأ قربتي حاولوا افتعال خصام معي، وأحدهم دفعني ليوقعني في الخزان؛ ولكن لمّا رأوا تصميمي المدعوم بعضلات قوية اضطروا إلى التراجع واللجوء إلى الشتائم؛ وفي مجال الشتائم كنت معلماً بلا منازع وتفوقت فيها عليهم بكل يسرٍ فأسكتُّهم تماماً.

بدا الأمر وكأنني ولدت لأعمل سقاء: فالماء الذي أخذته من خزان قذر كان يحوّله مديحي إلى ماء زمزم وإلى ماء من أنهار الجنة، وكان الإقبال عليه يفوق كل تصوّر، وكذلك النقود التي جمعتها مقابل توزيعه مجاناً. كنت أترقب باستمرار قدوم فوج جديد من الزائرين، وقبل أن يترجلوا عن بغالهم، يغطيهم غبار الطريق وفي قلبهم ارتياح النجاة من التركمان، أدعوهم باسم النبي إلى ماء يروي عطشهم، وأحمد الله على سلامتهم من التركمان وألمّح أن عليهم أن يكرموني على دعائي لهم، ونادراً ما تخيب أعمالي.

حاجي بابا يحمل القربة الضخمة.

اقترب موعد شعائر محرّم فقررت أن أجهِّز نفسي لدور السقاء الذي يحمل الماء في تمثيلية تقدَّم في آخر أيام ذكرى محرم. تجرى التمثيلية في ميدان واسع أمام جمهور غفير وبحضور الشاه زاده، وكنت أحب أن يذيع صيتي وأكسب بعض المال بعد أن أستعرض قوتي. يتمثل دور السقاء في التمثيلية في حمل قربة ضخمة من الماء مع حركات عجيبة. كان ينافسني في هذا الدور السقاء الذي أداه بنجاح في السنة الماضية، ولكن قربتي كان فيها من الماء أكثر مما يقوى على حمله، ولم أكن أخشى أن يتغلب عليه. لكن الناس نصحوني أن أتقي شره لأنه لئيم الطبع ولن يتوانى عن إيذائي متى سنحت له الفرصة.

وعندما جاء يوم الاستعراض تجمع كل سكان المدينة في الميدان ليشاهدوا الشعائر الدينية وكان الشاه زاده جالساً وراء نافذة فوق بوابة قصره، وخرجت إلى الساحة عاري الصدر والدم يسيل من جسمي أحمل قربة هائلة من الماء. ولما وصلت إلى مقربة النافذة التي كان الأمير يجلس وراءها دعوت له بالصحة وطول العمر بأعلى صوت فرمى إلي عملة ذهبية وعبّر عن إعجابه بأدائي. تحمست لإطرائه فدعوت عدداً من الأولاد أن يتسلقوا ظهري فتكوموا على القربة مما أثار دهشة الناس وإعجابهم؛ فناديت ولداً آخر، وهنا برز غريمي من الحشد وقفز على ظهري واستقر فوق الجالسين عليه أملاً أن يسحقني سحقاً. ولكنني جمّعت كل قواي فحملت حملي بين صيحات الإعجاب. وأخيراً أنزلت عبئي عن ظهري وحييت الناس الذين صفقوا لي ورموا إلي قطعاً نقدية صغيرة.

ومع أنني لم أشعر بأي سوء وأنا أؤدي دوري بحماس أمام الحشود، بعد أن تخلصت من عبئي وعدت إلى منزلي أصابني ألم فظيع في ظهري جعلني غير مؤهل لحمل الماء في المستقبل، فبعت قربتي والأدوات الأخرى، ووجدت أنني أصبحت غنياً مقارنة بحالتي البائسة عندما جئت إلى مشهد. لم أكن أعرف ماذا أفعل في وضعي هذا لأن صديقي البغال كان قد سافر مع قافلة إلى طهران، ولم يكن عندي أحد غيره أستنصحه. فكرت أن أشكو الأذى الذي ألحقه بي غريمي وآخذه إلى القاضي، ولكن بعض من حولي قالوا أن ذلك لن يجدي لأن الشريعة الإسلامية ليس فيها حكم في رض الظهر؛ هناك حكمٌ أن العين بالعين والسن بالسن، ولا شيء عن الظهر. لو كان عندي صديقٌ ذو نفوذ ليوصي القاضي بقضيتي لكان عندي أمل أن أحصل على تعويض؛ أما رجل غريب بلا مال ولا صديق فلن يحصل على شيء، وقد يخسر بقايا ما كسبه من عرق جبينه.


الفصل العاشر. حاجي بابا يناجي نفسه ويصبح بائع دخان متجولاً[عدل]

شاورت نفسي فيما يمكنني أن أعمل لأكسب رزقي، وفكرت في عدد من المسالك: التسول في إصفهان كان حرفة ممتازة، وباعتبار أنني نجحت في السقاية، كنت على الأغلب نجحت فيه أيضاً، ولأصبحت خلال فترة وجيزة من معلمي هذه المهنة. من جهة أخرى، يمكن أن أصبح بهلواناً يقدم عروضاً مع دب مروَّض. ولكن المهنة الأولى تحتاج إلى بعض الخبرة لمعرفة حيلها، والمهنة الثانية يلزمها معرفة في ترويض الدببة، لذا تركت هاتين الفكرتين. كان يمكنني أيضاً أن أعمل في حرفتي فأستأجر محل حلاقة؛ ولكنني ما أحببت فكرة الاستقرار في مشهد، لا سيما أنها بعيدة عن بلدي إصفهان. وأخيراً قررت أن أتبع ميولي، وبما أنني كنت أهوى التدخين قررت أن أصبح بائع دخان متجولاً، فاشتريت غلايين من شتى الأحجام وصينية خشبية وضعت فيها رؤوس الغلايين مثبتة إلى حزامي، ووعاءً من حديد للجمر أحمله في يدي وملقطاً حديدياً وإبريق نحاس للماء علقته على خطاف وراء ظهري وأكياساً طويلة أضع فيها أنواع التبغ. كل هذه الأدوات كانت مثبتة حول جسمي، وإذا حملتها جميعها صار شكلي يشبه القنفذ عندما تنتصب كل أشواكه. كنت أحمل ألواناً متنوعة من التبغ: الطبسي والشوشاني والشيرازي والبغدادي واللاذقاني، ولكني ما كنت ربحت شيئاً لو أعطيت كل عباد الله تبغاً صرفاً، ولكني شكلت مخزوناً كبيراً من شيء يسير من التبغ مستعيناً بألوان الروث. كنت أتعرف بالفراسة على ذواقي التبغ بين زبائني فأعطيهم تبغاً صرفاً تقريباً. كانت أرباحي تتوقف على مقدرتي على تمييز الناس، فأولئك من الطبقة المتوسطة كنت أعطيهم تبغاً نصف ممزوج، ولمن أدنى منهم مزيجاً ثلاثة أرباعه روث، أما الطبقة الدنيا فكانوا يحصلون على خليط يكاد يخلو من التبغ، وحالما أرى علامات الاستياء أستعمل كل مهارتي في مدح أنواع التبغ الموجودة عندي، فأعرض لهم عينات من أفضل ألوان التبغ وأتغنّى بنوعيتها الممتازة وأروي لهم قصة المزارع الذي أقتنيتها منها، ثم ألهيهم بقصة مسلية أحاول أن أطيل في روايتها حتى يأخذ الزبون نفسين أو ثلاثة.

بعد فترة وجيزة اشتهرت في كامل مشهد بجودة دخاني. وكان بين زبائني درويشٌ، ولكنه كان ذواقةً لدرجة أنني كنت أضطر ألا أعطيه إلا التبغ الصرف. ومع أنني لم أكن أربح منه الكثير، لا سيما أنه لم يكن يحاسبني بانتظام، إلا أن حديثه كان لطيفاً ومسلياً، كما أنه دلّ عليّ العديد من أصدقائه، ولذا سعيت أن أحافظ على صداقته.

كان الدرويش صفر رجلاً غريب المظهر: معقوف الأنف أسود العينين، نظرته ثاقبة ولحيته كثيفة، وينسدل شعره الأسود الطويل على كتفيه. كانت قبعته المخروطية مطرزة بآيات من القرآن وبالدعاءات، ويحمل على ظهره جلد أيل أحمر صوفه إلى الخارج، وفي يده عصا طويلة مصفحة بالحديد يضعها عادة على كتفه، وفي يده الأخرى قرعة معلقة بثلاث سلاسل يمدها عندما يطلب صدقة من المارة، وفي حزامه مشبك من عقيق معلق به عدد من المسبحات الخشبية الثقيلة. وعندما كان يسير في الشوارع والأسواق تثير تصرفاته وكلماته الموحشة العجيبة الرهبة في الناظرين؛ وقد عرفت فيما بعد أنه كان يقصد تمثيل هذه الشخصية، لأنه عندما كان يدخن من عندي، وإذا صدف أن لا أحد كان موجوداً في الجوار، كان يتحول إلى إنسان لطيف وبسيط وصريح، وبعد قليل صارت صداقتنا حميمة، فعرّفني على مجموعة صغيرة من أصدقائه الدراويش ودعاني إلى اجتماعاتهم. ورغم أن هذا كان يتضارب مع مصلحتي التجارية، لأنهم كانوا يدخنون من تبوغي الفاخرة أكثر من باقي زبائني مجتمعين، إلا أن مجالستهم كانت ممتعة فلم أستطع الامتناع عنها.

قال الدرويش صفر لي في إحدى الليالي التي دخن فيها أكثر من المعتاد: «يا حاجي بابا، أنت أكبر من أن تبقى بائع دخان طوال عمرك، فلم لا تصبح درويشاً مثلنا؟ لحى الرجال عندنا مثل التراب، ومع أن حياتنا غير مستقرة، لكنها متنوعة وفيها الكثير من وقت الفراغ. نحن ننظر إلى البشر نظرة صيادين ونكسب رزقنا من نقائصهم وسذاجتهم؛ ومما رأيته فيك أعتقد أنك ستشرِّف مهنتنا، وقد تشتهر مع الزمن مثل الشيخ سعدي نفسه.» استحسن رفيقاه كلامه وألحّوا عليّ أن أنضم إليهم. لم أكن أمانع هذه الفكرة، ولكني اعترفت بجهلي، وقلت:

«كيف يمكن أن يكتسب إنسانٌ جاهلٌ وسطحي مثلي على الفور كل العلوم التي يحتاجها الدرويش؟ صحيح أنني أعرف القراءة والكتابة وأحفظ القرآن وشعر حافظ وسعدي عن ظهر قلب، والكثير من الشاهنامه للفردوسي، ولكنني جاهل تماماً فيما عدا ذلك.»

فردّ عليّ الدرويش صفر: «آه، يا صديقي، أنت لا تعرف إلا القليل عن الدراويش، وأقل من ذلك عن جنس البشر. ما يحتاجه الدرويش ليس التبحُّر في العلوم: أهم شيء هو الجرأة. أعِدُك، يكفي عُشر علمك مع شيء من الوقاحة، وستلعب بأكياس سامعيك وعقولهم ورؤوسهم ولحاهم كما تشاء. من لا يخجل يستطيع أن يحقق الكثير. بفضل الوقاحة كنت نبيّاً، بالوقاحة صنعت المعجزات، بالوقاحة كنت أشفي المرضى على فراش الموت وأعيدهم إلى العافية، أي بالجرأة والوقاحة كنت أعيش حياةً كلُّها رفاهٌ، ويخافني ويحترمني أولئك الذين لا يعرفون – مثلك – الدراويش على حقيقتهم. لو رأيتُ الأمر جديراً بالعناء ورضيتُ أن أواجه المصاعب والمخاطر كتلك التي واجهها محمد ﷺ لأصبحت الآن نبياً عظيماً مثله، ولما استصعبت أن أشقّ القمر كما فعل – بل أن أشق الشمس – متى كسبت ثقة من يسمعني. وبالوقاحة يمكن تحقيق هذا كله وأكثر من ذلك، إذا استخدمتها بالشكل المناسب.»

وبعد أن ختم الدرويش صفر حديثه استحسن رفيقاه كلامه؛ وحكوا لي قصصاً مسلية لا تحصى عن أفعالهم السابقة، فصرت أتوق لمعرفة المزيد عن هؤلاء الرجال الرائعين، فوعدوني أن يقصّوا علي سِيَرَهم في لقائنا القادم، وأوصوني بأن أفكر في هذه الأثناء في حياة أكثر كرامة ومتعة من بائع متجول للدخان المغشوش.



الفصل الحادي عشر. قصة الدرويش صفر والدرويشين الآخرين[عدل]

عندما اجتمعنا سويةً في المرة القادمة، كل واحد يحمل غليونه في يده وسندنا ظهورنا إلى الجدار في غرفة صغيرة تطل نافذتها على باحة مربّعة صغيرة تنمو فيها الأزهار، بدأ الدرويش صفر، باعتباره رئيس حلقتنا، قصته قائلاً:

«أنا ابن "لوطي باشي"، أي كبير مهرِّجي أمير شيراز، ورقّاصة شهيرة اسمها طاووس. يمكنكم أن تتصوروا تربيتي في مثل هذه الأسرة. مضت حياتي منذ نعومة أظفاري بين السعادين والدببة التي كان يملكها أبي وأصدقاؤه، وربما اكتسبت موهبتي في التشبُّه التي طالما استفدت منها في حياتي من تلك الحيل التي كان الناس يعلّمونها ومن سرعة تعلم الحيوانات لها. ولما بلغت الخامسة عشرة صرت مهرجاً محترفاً، أستطيع بلع النار ونفث الماء وأداء كل أشكال ألعاب الخفة، وكنت على الأغلب سأتقدم أكثر وأكثر في هذه المهنة لولا أن ابنة زنبوركجي باشي، أي رئيس مدفعية الإبل، وقعت في حبي بعد أن رأتني أرقص على الحبل أمام القصر في عيد رأس السنة. كان فارس شاب في مدفعية الإبل أعزّ أصدقائي، وكانت أخته تقيم في أندرون الرئيس، وهي التي أعلمته بما أثاره مظهري في قلب سيدتها. وبما أنني لم أكن أعرف الكتابة، ذهبت في الحال إلى ميرزا، أي كاتب، كان يقطن في كوخ صغير في زاوية السوق وطلبت منه أن يكتب لي رسالة حب ولا يبخل بالحبر الأحمر ويكثر ما استطاع من الاستعارات والكنايات والبلاغة، فكتب رسالة لا مثيل لها، إذ كانت تقول في مطلعها أنني ميّتٌ وسبب موتي نور عينيها الذي حرق قلبي؛ ورغم هذا الكلام قلت في خاتمتها أنني لم أر وجهها يوماً وأتمنى أن تسمح لي بمقابلتها. ومن فرحي بهذه الرسالة الرائعة أخبرت الكاتب باسم فاتنتي، وحالما أخذ الكاتب أجره مني ذهب إلى زنبوركجي باشي ليبوح له بسرّي طمعاً بأجر آخر منه. أن يجرؤ ابن لوطي باشي بالنظر إلى ابنة زنبوركجي باشي جريمة لا تغتفر، وبما أن زنبوركجي باشي كان ذا نفوذ في القصر فقد استصدر أمراً بطردي من شيراز على الفور، وكان أبي يهاب غضب الأمير ويخشى أنني سأنافسه في مهنته قريباً، لذا لم يحاول أن يستبقيني.

وفي الصباح التالي، عندما كنت أودع أصدقائي السعادين والدببة وغيرهم من حيواناتنا، قال لي أبي: «يا صفر، يا ابني، إنني حزين لفراقنا. ولكن بفضل تربيتي وبفضل عيشك بجانبي وبجانب حيواناتنا، ستنجح في حياتك بالتأكيد. سأعطيك ما يضمن لك كسباً سريعاً، وهو أكبر سعاديني وأكثرها فطنةً. صادقه من أجلك واحببه كما أحببتني، وأتمنى لك أن تصل يوماً ما إلى المرتبة التي وصل إليها أبوك.» ثم وضع السعدان على كتفي، فتركت بيت والدي برفقته.

توجهت نحو إصفهان في مزاج سيء، فلم أكن أعرف أأفرح أم أحزن لهذا التغير في حياتي. حريتي والسعدان من دواعي الفرح بالتأكيد، ولكن فراقي لأصدقائي الحيوانات، وللأماكن التي كنت أحبها منذ طفولتي، وفوق كل هذا ابتعادي عن تلك الجميلة المجهولة التي صورتها في مخيلتي بجمال شيرين نفسها أثارت في قلبي ألماً لا يطاق، وعندما وصلت إلى كوخ درويش قرب وادي الله أكبر انتابني حزن شديد فجلست على صخرة ورفعت صوتي بالبكاء، والسعدان يقعد جنبي.

سمع الدرويش بكائي وظهر أمامي فجأة، فارتعبت ظناً مني أنه غول، ولكنه خاطبني بكلام لطيف وسألني عن سبب حزني ثم أخذني إلى خيمته التي كانت بين صخرتين، وفيها رأيت درويشاً آخر شكله مرعب أكثر من الأول. كان لباسه مثل لباسي الآن (في الواقع، القبعة التي أرتديها كانت له)، ولكن نظراته كانت موحشة ومرعبة إلى درجة لم أستطع إتقانها حتى الآن.

عندما رأى الدرويش رفيقي بدا وكأن فكرة ما خطرت على باله، فتكلم سراً إلى الدرويش الآخر، ثم اقترح علي مرافقتهما إلى إصفهان، ووعدني أن يكون لطيفاً معي، وإذا سلكت معه سلوكاً حسناً سيعلمني مهنة تساعدني على كسب الرزق. وافقت بكل سرور، وبعد أن أعطانا الدرويش في الكوخ غليوناً لندخنه غادرنا المكان دونما تأخر، ومشينا صامتين بعض الوقت.

في الطريق بدأ الدرويش بيدين[7] يسألني بدقة عن حياتي الماضية وبدا مسروراً بإنجازاتي؛ ثم شرع يصف لي ميزات عيش الدراويش وأثبت لي أنها أفضل من حرفة المهرج الدنئية، وفي النهاية أقنعني بامتهان حرفته، قائلاً أنني، لو اتخذته معلماً، سيعلمني ما يعرف، وأكد لي أن ذلك ليس بالقليل بما أنه يُعتبَر أكثر دراويش بلاد فارس كمالاً. بدأ يحدثني عن السحر والتنجيم وأعطاني عدداً من الوصفات لصناعة التعاويذ والحجب لكل الأحوال والمناسبات، والتي يكفيني بيعها لكسب الرزق. ذنب الأرنب، إذا ما وُضع تحت وسادة طفل، يجعله ينام، ودمه، إذا ما أعطي لحصان، يجعله سريعاً لا يتعب؛ عين الذئب وعظام أصابعه إذا ثبّتّها على ولد تعطيه الشجاعة، وشحمه، إذا دهنت امرأة جسمها به، تحول حب زوجها لها إلى لامبالاة، وصفراؤه إذا ما استخدمت بالطريقة المماثلة تجلب لها الخصوبة. ولكن أغلى السلع ثمناً في الأندرونات هو كوس كفتار، أي جلد أنثى الضبع المجفَّف، والذي، إذا لبسته حول جسمك، يستميل عواطف الجميع نحوك. تحدث الدرويش مطوّلاً عن هذه المواضيع حتى أثار فضولاً وشوقاً إليها في قلبي بإمكانات الكسب الباهرة، ثم طرح اقتراحاً يمكن أن يخمن القارئ أنه كان مرفوضاً تماماً، إذ قال:

الدرويش يذبح السعدان.

«يا صفر، أنت لا تعرف الكنز الذي بحوزتك على شكل سعدان، ولا أعني ثمنه وهو حي، إنما وهو ميت. لو كان ميتاً لاستطعت أن أستخرج منه مكونات هامة للتعاويذ التي تساوي وزنها ذهباً في حريم الشاه. اعلم أن كبد السعدان من هذا النوع تحديداً يسترجع لحاملته حبّ من تريد، وجلد أنفه، إذا لبسته حول عنقك، يحميك بالتأكيد من السموم، ورماده بعد حرقه على نار بطيئة يضفي على من يبتلعه كل خصائص السعدان، أي الدهاء والمهارة والقدرة على التشبُّه.» ثم اقترح أن نقتل السعدان.

أزعجني هذا الاقتراح كثيراً، فقد تربيت مع هذا السعدان، وتقاسمت معه أفراح الحياة وأتراحها، ولم أكن أتحمل أن أفقده بهذه الطريقة الفظيعة. كنت سأرد على الدرويش بيدين بالرفض الصريح، ولكني لاحظت كيف أن تعابير وجهه تغيرت من البشاشة إلى الغيظ، فخشيت أنه سيأخذ عنوةً ما لا طاقة لي بحمايته، فاضطررت رغم أنفي أن أوافق على تنفيذ خطته. فابتعدنا عن الطريق واختبأنا في وادٍ صغير وجمعنا حطباً وأشعلناه بالصوان الذي كان الدرويش يحمله معه. أمسك الدرويش سعداني المسكين بيديه وذبحه فوراً، ثم شرّحه، وبعد أن أخذ كبده وسلخ الجلد عن أنفه حرقه، وبعد أن احترق، جمّع رماده بكل عناية ولفه في منديله، ثم تابعنا طريقنا.

وصلنا بعد فترة إلى إصفهان، وفيها بدّلت ملابس المهرج بملابس درويش، ثم توجهنا إلى طهران. وفي طهران أحدث ظهور معلّمي ضجة كبيرة؛ فحالما انتشر خبر وصوله حتى تزاحم الناس ليطلبوا مشورته. كانت الأمهات تطلب حماية لأطفالهن ضد إصابتهم بالعين، والزوجات تعاويذ ضد غيرة أزواجهن؛ والمقاتلون حجباً تحميهم من رصاص الأعداء وسيوفهم، ولكن أهم زبائنه كانت النساء من حريم الشاه، وأهم طلباتهن كانت وسيلة سحرية لاستجلاب عناية الشاه. جمّع الدرويش بيدين مجموعة متنوعة من المواد المناسبة لهذا الغرض، من شعر الوشق وفقرات البوم ودهن الدببة، يحضِّر منها خلطات متنوعة. باع لإحدى السيدات، التي كانت لحوحة أكثر من غيرها بسبب تقدمها في السن، كبد سعداني، وأكد لها أنها حالما تظهر أمام جلالته وهي تلبسه على جسمها، سيميزها عن كل منافساتها فوراً؛ وأعطى لامرأة أخرى التي شكت أن الشاه لم يلاحظها يوماً رغم كل محاولاتها للفت انتباهه أعطاها مغليّاً من رماد السعدان؛ ولثالثة، كانت تطلب دواءً ضد التجاعيد، أعطاها مرهماً يجعل وجهها أملس بشرط دهنه بالطريقة الموصوفة والامتناع عن الضحك وتحريك الوجه.

بدأ الدرويش بيدين يلقنني مبادئ هذه الأسرار وكان دوري في أحيان كثيرة يتعلق بإعانته على الاحتيال؛ كلما احتاج معلمي إلى صنع شيء خارق لدعم سمعته في حال فشلت تعاويذه. ولكن كل الأرباح، سواء من هذه الخدمات أم من بقايا سعداني، كانت تذهب إلى جيبه فقط، ولا أحصل منها على شيء.

رافقت الدرويش بيدين في رحلاته إلى بلاد كثيرة مارسنا فيها فنوننا، وفي بعضها كانوا يبجلوننا تبجيل الأولياء الأتقياء وفي بعضها الآخر يرجموننا بالحجارة. وبما أننا كنا نتنقل راجلين، كانت تلك فرصة لي كي أتعرف بالتفصيل على كل مكان. رحلنا من طهران إلى إسطنبول، ومنها إلى القاهرة، مروراً بحلب ودمشق؛ وبعد القاهرة ذهبنا إلى مكة والمدينة، ثم ركبنا سفينة في جدة ونزلنا في سورات في غوجارات، ومنها مشينا إلى لاهور وكشمير.

وفي كشمير حاول الدرويش بيدين كعادته الاحتيال على سكانها، ولكن تبين أنهم مثقفون أكثر من اللازم فاضطررنا إلى الهروب خلسةً منها. وأخيراً وصلنا إلى هرات، فعوّضنا الله على فشلنا في كشمير بسذاجة الأفغان الذين كانوا يصدقون كل ما نقوله لهم. كان الدرويش بيدين يخطط ليظهر بصفة نبي، وعندما أشرفنا على الانتهاء من التحضير لصناعة المعجزات حدث أن الدرويش بيدين الذي كان يعد الآلاف بدوام الحياة والشباب مات فجأة. منذ وصولنا اعتزل الدوريش في كوخ صغير على رأس جبل قرب هرات، وقلنا للناس أنه لا يأكل إلا مما يأتيه به الجن والغول، ولكنه في الواقع مات من التخمة بعد أن أكل أكثر مما يستوعبه كرشه من اللحم والدهن. لهذا أخبرت الناس أن الجن غاروا من جنس البشر على صحبة مثل هذا الرجل فأتخموه بأطعمة السماء حتى لم يبق في جسمه مكان للروح، فغادرته، وحملتها إلى السماء الخامسة ريح شمالية شرقية قوية أرسلها الله. هذه الريح تهب دوماً مئة وعشرين يوماً في أيام الصيف، ولولاها لما تحمل السكان الحر الفظيع؛ ولكنني استطعت إقناعهم أنها معجزة صنعها الدرويش بيدين لهم ولأحفادهم حتى الأزل كي يعتبروا. ومع أن بعض الشيوخ شككوا في هذه القصة قائلين أنهم يتذكرون هذه الريح منذ ولدوا، لم يكن لشهادتهم أي وزن أمام النفوذ الذي اكتسبناه عند الشعب. كان تشييع الدرويش في موكب مهيب، وحمل نعشه إشاق ميرزا[8] أمير هرات، وبنى أكثر الأفغان ورعاً مزاراً فوق قبره صار منذ حينها مكاناً يقصده الناس من كل أنحاء البلاد.

بقيت في هرات بعد موت صاحبي لأستفيد من ميزات صحبتي وتتلمذي على يد هذا الرجل، ولم أندم على ذلك، فقد بعت تعاويذي بأسعار باهظة ثم جمعت مبلغاً من المال ببيع أشعار لحية صديقي المرحوم وقصاصات أظافره التي زعمت أنني جمعتها خلال اعتصامه على رأس الجبل، مع أنها كانت في مجملها مني أنا. وبعد أن بعت منها ما يصنع عدداً من لحى محترمة ومئات الأظافر الطويلة رأيت أن أترك المكان قبل أن يكتشف أحد الغش رغم سذاجة الأفغان العجيبة.

تنقلت بعدها في أنحاء بلاد فارس، وأخيراً نزلت بين هزارة، وهي قبيلة كبيرة تسكن الخيام وتعيش في البوادي بين كابل وقندهار. لقيت بينهم نجاحاً فاق كل توقعاتي، إذ فعلت ما لم يفعله الدرويش بيدين في هيرات فأصبحت نبياً.»

وضع الدرويش صفر يده على كتف الدرويش بجواره وتابع: «كان صديقي شريكي في هذه المغامرة، وهو يتذكر براعتنا في إقناع الهزارة بأن لدينا قدراً مليئاً بالرز المطبوخ لا يفرغ أبداً، وقد اضطر أكثرهم تشكيكاً في تصديق هذه المعجزة بعد أن أكلوا منه بنفسهم. باختصار، أنا حضرة إحسان الذي سمعتم الكثير عنه في خراسان مؤخراً. صحيح أن جيوش الشاه هزمت أتباعي، ولكن خلال زمان عملي نبياً جمعت من تعصُّب أتباعي وسذاجتهم ما يكفيني لأعيش باقي عمري في رخاء. بقينا في مشهد مدة من الزمن دون أن نلفت الأنظار، ولكن منذ أسبوع صنعنا معجزة، إذ وهبنا البصر لفتاة عمياء، فأصبح لنا عند الشعب مهابة واحترام.»

ختم الدرويش صفر قصته وطلب إلى جاره الذي شاركه في هزارة أن يحكي عن نفسه، فبدأ قصته قائلاً:

«كان والدي من أشهر علماء قم وفقهائها، وعرف بدقته في صلواته وصومه أكثر من أي رجل آخر فيها. كان زبدة الشيعة ومثالاً للمسلمين. أنجب من الأبناء الكثير وربانا تربية صارمة فيما يتعلق بشعائر ديننا، ولكن فقرنا دفعنا إلى تحصيل المال بالمكر والتظاهر والخديعة حتى استقرت هذه الصفات في طبعنا، وعندما انكشف أمرنا لصقت بنا سمعة أكبر منافقين وحرامية في بلدنا، وسمعتي صارت أسوأ من الآخرين فاضطررت أن أصبح درويشاً؛ أما سمعة الدرويش فقد اكتسبتها نتيجة حادثة حصلت معي وكانت من حسن حظي.

ما أن وصلت إلى طهران وأقمت في غرفة مقابل دكان عطار حتى جاءت إلي امرأة عجوز مسرعةً وقالت لي أن سيدها – أي العطار – مرض بعد أن أكل أكثر من المعتاد، وأن الدواء الذي تناوله لم ينفعه وأن ذويه يريدون أن يجربوا حجاباً عسى أن يشفيه، فطلب مني أن أكتب لها حجاباً مناسباً. لم يكن عندي ورق ولا حبر ولا قلم، فطلبتُ أن أذهب إلى أندرونه، أي بيت الحريم، وأكتب الحجاب هناك، فوافقتْ. دخلت إلى باحة مربعة صغيرة ثم إلى غرفة وجدت فيها المريض طريح الفراش يحيط به من النساء ما تتسع له الغرفة، تصحن معاً: «واه، واه، إنه يموت، يموت!» كانت تتناثر حوله أدوات طبية تشير إلى أن الأقربين قد فعلوا كل شيء كي ينقذوه أو يميتوه: فكان هناك على الرف كوب كبير فيه الدواء الموصوف وفي الزاوية أنبوب من زجاج، وكان الطبيب جالساً يدخن، فبعد أن وجد أن الوسائل البشرية لم تنفع نصح باللجوء إلى الوسائل الغيبية فأوصى بكتابة حجاب كملاذ أخير، وصدف أن هذا الواجب كان من نصيبي. أثار الدرويش الجديد آمالاً جديدة لأن دخولي ترافق بحركة وضجة. طلبت ورقاً وأنا أظهر الرزانة والثقة بقواي (مع أنني لم أكتب حجاباً في حياتي)، فأعطوني قطعة ورق كبيرة تبدو وكأنها استخدمت لتغليف الدواء. وبكل ثقة غطيت الورقة بكلمات غريبة أدس بينها آيات من القرآن وأسماء الله ومحمد وعلي والحسن والحسين، وأكتب من حين إلى آخر أرقاماً بدل الحروف. ثم ناولتها للطبيب الذي طلب ماءً وغسل الحبر عن الورق في الكوب الذي فيه بقايا دوائه، بينما يدعو الحاضرون لشفاء المريض، ثم قال: «ليشربها المريض باسم الله، وإن قُدِّر له أن يعيش تعيده الأسماء المقدسة التي يشربها إلى الحياة؛ وإن كتب الله له غير ذلك فلن ينفع علمي ولا علم أي آدمي آخر.»

أعطي المريض الشراب وعيون الجميع تراقب وجهه. بقي الرجل لفترة ما لا يتحرك ولا تبدو عليه علامات الحياة؛ ثم أدهش الجميع، بما فيهم أنا والحكيم، إذ أصدر أنيناً ورفع رأسه وطلب الطشت وتقيّأ قيئاً غزيراً وطاب.

نسبت هذا التغير في قلبي إلى الدواء الذي كان ملفوفاً في الورقة، فأعطى المفعول الموصوف؛ ولكن جهراً أعلنت للجميع أن الشفاء كان نتيجة الحجاب الذي كتبته بيدي التقية، ولولا تدخلي لمات المريض.

وحاول الحكيم من جهته أن ينسب النجاح كله لنفسه، فحالما فتح المريض عينيه بدأ الطبيب يصيح: «أترون؟ ألم أقل لكم؟ انظروا ما أحسن وصفتي! لولاها ما كان الرجل نجا!»

لم أتركه يكمل حديثه فقاطعته قائلاً: «ما دمت حكيماً لماذا لم تشفه بل دعوتني إلى هنا؟ اشتغل بفصاداتك ولصاقاتك ولا تتدخل فيما لا يعنيك!»

فردّ علي: «يا درويش، لا أشك في أنك تجيد كتابة الحجب ويمكنك أن تحصل مقابلها على ثمن كبير، ولكن الكل يعرف من هم الدراويش، وإن كانت حجبهم تفيد، فذلك ليس بفضل تقواهم.»

صحت في وجهه غاضباً: «من أنت يا كلب حتى توجه إليّ مثل هذا الكلام؟ أنا عبد الله وخادم رسوله، أما أنتم الأطباء فجهلكم يضرب به المثل، تخفونه بالكلام عن القضاء والقدر: فإن طاب المريض تنسبون الفضل كله لأنفسكم، وإن مات تقولون هذا ما كتب الله له، وما كتبه الخالق لا يرده مخلوق. اذهب، اذهب من هنا، وعندما توصل مريضاً آخر إلى شفا الموت اطلبني مرة أخرى وسأغطي على جهلك السافر وأتدارك أمر المريض كما فعلت اليوم.»

«قسماً برأسي وبموتك! لن أسمح لأحد أن يسمعني مثل هذا الكلام، ولا سيما لدرويش كلب!» ثم هجم عليّ وهو يتفوه بكل الشتائم التي يعرفها.

رددت على شتائمه بشتائم خير منها، فبدأنا المشاجرة، فأمسكني من شعري وأمسكته من لحيته ونتفنا شعر بعضنا، وتضاربنا وتباصقنا وتقاتلنا بشراسة لا نأبه بالمريض ولا بصراخ النساء، وربما كنا سنسبب أذى لبعضنا لولا أن إحدى النساء هرعت إلينا تخبرنا بأن دورية الشرطة تدق على الباب وتسأل ما سبب كل هذه البلبلة.

تركنا بعضنا، فلاحظت أن الموجودين كانوا إلى جانبي، إذ أبدوا ازدراءهم بعلم الحكيم الذي لا يعرف إلا الحصول على الأجر دون أن يخدم مرضاه، واعتبروني رجلاً تقياً له القدرة على برء الأمراض بخط يده.

انسحب الطبيب محاولاً الحفاظ على ماء وجهه قدر المستطاع، وقبل أن يغادر الغرفة انحنى وجمع من الأرض شعر لحيته مضيفاً إليه بعضاً من شعري، وقال: «سنرى من يضحك أخيراً عندما تحضر أمام القاضي غداً؛ ففي طهران غرامة كل شعرة من اللحية تومان، ولن تستطيع شراء هذه الشعرات رغم كل تعويذاتك وحجبك!»

لكنني كنت واثقاً أنه لن ينفذ تهديده خوفاً على سمعته، ولم أخش الاستدعاء إلى القاضي، وقررت الاستفادة من الظرف المؤاتي. ذاع خبر العطار في كل أرجاء طهران وصرت موضع اهتمام الجميع. كنت أكتب الحجب من الصباح إلى المساء وآخذ مقابلها أجوراً تتناسب مع وضع زبائني، وخلال فترة وجيزة تجمع لدي مبلغ جيد من المال. لكني لم أكن أشفي عطاراً غنياً كل مرة، وبقيت أعيش من سمعتي المتضائلة تدريجياً؛ وأخيراً قررت مضطراً إلى الترحال في أرجاء بلاد فارس فتركت طهران. دبّرت أموري ببراعة وكانت سمعتي تسبقني إلى كل مدينة أتجه إليها. أخذت من العطار شهادة ممهورة بختمه أنه أعيد إلى الحياة بحجاب من يدي وكنت أبرزها لتأكيد صدق الأخبار عني، وأعيش حتى الآن على هذه السمعة الطيبة، وهي تدعمني جيداً في الحاضر، وحالما أجد أنها تتضاءل أترك المكان وأذهب إلى مكان آخر.»

وعندما جاء دور الدرويش الثالث، قال:

«روايتي قصيرة، مع أنني أعمل راوياً. أنا ابن معلم مدرسة، وقد لاحظ أبي قوة ذاكرتي فجعلني أقرأ القصص الكثيرة الموجودة بلغتنا وأرويها له؛ وعندما وجد أن مخزون القصص في رأسي صار كافياً أرسلني في زي درويش كي أقص الحكايات على الناس وأكسب رزقي.

كانت محاولاتي الأولى فاشلة، إذ كان الناس يسمعون الحكاية ثم يذهبون دون أن يكافئوني على أتعابي؛ وشيئاً فشيئاً اكتسبت الخبرة اللازمة، فصرت بدل أن أروي القصة من أولها إلى آخرها أتوقف في موضع شيّق منها وأخاطب السامعين أطلب منهم أن يكرموني فأجمع حفنة من العملة النحاسية. مثلاً، في قصة ملك الصين وأميرة سمرقند عندما يمسك الوحش هزرمان الملك يريد أن يأكله، والملك بين فكيه، وسط العاصفة ورعب حرسه، والأميرة ترتجف وتتوسل إلى الوحش أن يرحمه، أتوجه للحضور قائلاً: «والآن أيها الجمهور الكرام، افتحوا أكياسكم وتبرعوا بما تسخى به أنفسكم للراوي كي يحكي لكم كيف استطاع ملك الصين بأعجوبة أن يقطع رأس الوحش!» وبهذه الطريقة أكسب رزقي من فضول عباد الله؛ وعندما أستنفد قصصي في مكان أتوجه إلى مكان آخر وأبدأ عملي من جديد.»


الفصل الثاني عشر. حاجي بابا يكتشف أن الغش عليه عقاب في الدنيا قبل الآخرة، ويفكر في تغيير عمله[عدل]

بعد أن انتهى الدراويش من رواية قصصهم شكرتهم على هذه السير الشيقة والعبرة والنصائح وقررت أن أتعلم منهم ما استطعت لأصبح درويشاً في حال اضطررت إلى ترك مهنتي الحالية. علمني الدرويش صفر عدداً من الحيل التي يستخدمها ليظهر للعالم رجلاً عظيم التقوى، وتعلمت من الآخر فن كتابة الحجب وعلمني الراوي عدداً من قصصه وأعارني كتبه وأعطاني القواعد العامة لاستثارة فضول الجمهور حتى يخرجوا نقودهم من جيوبهم وهم لا يشعرون.

حاجي بابا والمحتسب المتنكر.

في الوقت نفسه بقيت أبيع الدخان والغلايين؛ ولكن نتيجة معاشرتي للدراويش الذين كانوا يستهلكون كل أرباحي كنت أضطر إلى خلط تبغ زبائني الآخرين أكثر من المعتاد، لذا كانوا يستنشقون دخان الروث والقش والأوراق المتفسخة.

وفي مساء يوم من الأيام بعد العشاء عندما كان تجار الأسواق يغلقون محلاتهم أستوقفتني امرأة عجوز تلبس ملابس بالية ظهرها متقوِّس وطلبت مني أن أجهز لها غليوناً. كان حجابها يغطي وجهها تماماً وصوتها لا يكاد يُسمع. جهّزت لها واحدة من أسوأ خلطاتي، وعندما وضعَتْها في فمها بدأت تبصق وتسعل وتصيح، وفجأة ظهر ستة شباب أقوياء يحملون العصي وأمسكوني ورموني على ظهري. نزعت العجوز حجابها فرأيت أنه المحتسب بعينه.

صاح المحتسب: «أمسكت بك أخيراً أيها الإصفهاني الملعون! أنت الذي تسمم شعب مشهد بخلطاتك المقرفة! ستأكل من الضربات على عدد الفلوس التي أخذتها مقابل دخانك!» ثم قال لمأموريه: «عليكم بالفلقة، اضربوه حتى تنزل أظافره!»

حاجي بابا يعاقَب بالفلقة.

ربطوا قدميّ فوراً بالعروة الفظيعة ونزلوا فيهما ضرباً حتى رأيت صور ألف محتسب تختلط مع صور عشرة آلاف عجوز شمطاء تتراقص أمام عيني وتضحك وهي تنظر كيف أتألم وأتلوى. حاولت استرحام المحتسب بروح أبيه وأمه وجده وبحياته وحياة أولاده وبحياة الشاه زاده والنبي وعلي وكل الأئمة، ولعنت الدخان والتدخين والمدخنين، وحاولت استعطاف المتفرجين وأصدقائي الدراويش الذين كانوا يقفون بينهم دون أن يحركوا ساكناً، وبقيت أصرخ وأتوسل وأتلوى حتى فقدت الحس وغبت عن الدنيا.

عندما استرجعت وعيي وجدت نفسي جالساً مسنوداً إلى الجدار على طرف الطريق يحيط بي حشد من الناس، ينظرون بفضول إلى وضعي التعيس دون أن تبدو على أحد علامات الشفقة. سلبوني من الغلايين والإبريق وكل ما كان لي، فلم يبقَ أمامي إلا أن أحبو إلى بيتي؛ الحمد لله، لم يكن بعيداً ووصلت إليه على يديّ وركبتيّ، وأنا أصدر أنّات فيها من اليأس والألم ما يفوق كل تصوّر.

بعد أن قضيت يوماً في عذاب لا يوصف، وقد تورمت قدماي حتى صارتا كتلة من اللحم والدم، زارني أحد الدراويش الذي غامر بزيارتي، كما قال لي، ولم يأت قبل هذا الوقت لأنه خشي أن يمسكوا به بتهمة أنه شريكي في الجريمة. مر هذا الدرويش في حياته بضرب مماثل، لذا كان يعرف طريقة تطبيب آثاره، وبفضله استعادت قدماي خلال فترة وجيزة شكلهما السابق.

وجدت ما يكفي من الوقت خلال نقاهتي للتفكير في وضعي، فقررت أن أترك مشهد لأنني أيقنت أنني دخلتها في ساعة نحس؛ مرةً رضضت ظهري ثم تعرضت للفلقة. نجحت في جمع مبلغ صغير من المال طمرته بعناية في قرنةٍ قرب غرفتي، ونويت أن أستخدمه لأصل إلى طهران مع أول قافلة متوجهة إليها. أخبرت الدراويش عن خطتي فاستحسنوها، وعرض الدرويش صفر أن يرافقني إلى طهران قائلاً: «بلغني أن ملالي مشهد يحسدونني على نفوذي المتزايد ويتآمرون عليّ، وبما أنني لا أقدر عليهم، يجب أن أبحث عن رزقي في مكان آخر.»

اتفقنا أن عليّ أن أرتدي زي الدراويش، وبعد أن اشتريت القبعة والمسبحة وجلد عنزة في السوق أصبحت جاهزاً للرحيل في أي لحظة.

ضاق صدرنا في مشهد حتى كدنا نقرر الرحيل بلا مرافقين أملاً بحظنا، ثم ارتأينا قراءة البخت مستعينين بسعدي قبل أن نتخذ قرارنا. وبعد أن صلى الدرويش صفر كما ينبغي فتح الكتاب وقرأ فيه: «مما يخالف رأي الصواب وينقض عهود أولي الألباب استعمال الدواء بالظنون والذهاب في طريق مجهول بلا دليل ورفقة قافلة.»[9] وهذا الإنذار الرائع شرح صدورنا فقررنا العمل به.

عندما كنت أستعلم عن رحيل القوافل إلى طهران صادفت صديقي علي قاطر البغال الذي وصل تواً إلى مشهد وكان يساوم تاجراً على نقل بضاعته، وهي جلود الخراف من بخارى، إلى العاصمة. حالما رآني حياني بكل بشاشة وأشعل نركيلته ودعاني لأشاركها معه. حكيت له كل ما حدث لي منذ فراقنا، وحكى لي ما حدث له. بعد أن ترك مشهد مع قافلة تتجه إلى إصفهان، وبغاله محمَّلة بسبائك الفضة وجلود الخراف، ورغم المخاوف من التركمان، وصلوا إلى وجهتهم بسلامة. كانت المدينة لا تزال تناقش هجمة التركمان على الخان التي وصفتها سابقاً، وكانت الرواية السائدة أن الغزاة هجموا بقوّة ضخمة لا تقل عن ألف رجل، وواجههم السكان بكل بسالة وشجاعة، وأحدهم، الحلاق حسن كربلائي، ألحق بيده جرحاً بليغاً بأحد قادتهم ولم يفلت التركماني من يده إلا بأعجوبة.

لم أفصح عن هذا الجزء من سيرتي لأحد، ولكي أخفي عن البغال ارتباكي نفثت في وجهه سحابة من الدخان.

ومن إصفهان أخذ علي قاطر منسوجات قطنية وتبغاً وأواني نحاسية إلى يزد، وأقام فيها فترةً ينتظر بينما تتجمع قافلة إلى مشهد، وحمّل بغاله ببضائع من صنع يزد. وافق علي قاطر أن نرافقه أنا والدرويش صفر إلى طهران، ووعدنا بأنه سيسمح لنا بالركوب على بغاله كلما تعبنا من المشي.


الفصل الثالث عشر. حاجي بابا يغادر مشهد ويشفى من رض ظهره ويروي قصة[عدل]

عندما قطعت بوابة مشهد وأصبحت خارجها هززت قبة معطفي قائلاً في قلبي: «أصابك الله بكل ألوان ‏المصائب!» كيلا يسمعني أحد من الحجاج العائدين إلى ديارهم بعد زيارة مشهد، وفعل الدرويش صفر مثلي ‏بعد أن التفت يميناً ويساراً، ثم شفينا غليلنا بشتم هذا المكان: أنا بسبب الضربات التي أشبعوني بها وهو بسبب ‏مضايقة الملالي له. قال لي الدرويش صفر:‏

‏«أنت ‏‎–‎‏ يا صديقي – شاب، والخبرة والحكمة لا تكتسبان إلا بالألم والمعاناة. لا تتذمر من أول فلقة لأنها ‏ستحميك من الوقوع في مثل هذه المآزق مرة أخرى، وأنت الآن ستعرف المحتسب ولو تنكر بجلد شيطان. أما ‏أنا، في عمري، مضطر لسوء حظي إلى الهجرة – لماذا؟ بسبب معجزة تافهة صنعت من أمثالها المئات!»‏

فقلت له: «كان بإمكانك أن تبقى في مشهد لو شئت: لو كنت تصلي الفرض والنفل لاستطعت أن تتحدى ‏الملالي.»‏

فأجابني: «هذا صحيح، ولكن الآن يقترب رمضان، ولو بقيت لراقبوني عن كثب طوال الوقت؛ وبما أنني ‏لن أصوم (فالدخان ضرورة لي كالهواء والخمر كالخبز)، رأيت أن أرحل لينطبق علي حكم المسافر. ربما ‏كنت أستطيع خداعهم كما فعلت مراراً، وأن أدخن وأشرب سراً؛ ولكن شخصاً مثلي يرتزق من إظهاره للتقوى ‏سيخضع لمراقبة دقيقة، ولا يجوز أن يجازف.»‏

وصلنا إلى سمنان دون أن يطرأ شيء جدير بالذكر، إلا أن قبل وصولنا إليها بيومين كنت أساعد علي ‏قاطر على تحميل أحد بغاله فرضضت ظهري في المكان نفسه. كان الألم لا يطاق فحال دون استمراري في ‏السفر مع القافلة، فقررت أن أمكث حتى أبرأ منه، لا سيما أننا تجاوزنا المناطق التي يجتاحها التركمان فلم أعد ‏معتمداً على مرافقة القافلة. تابع الدرويش صفر مسيره وهو يتوق إلى تذوق خمور العاصمة ومباهجها.‏

أويت إلى مقبرة في طرف البلدة وفرشت جلد العنزة في زاوية أحد قبورها الفخمة وأعلنت عن وصولي ‏حسب عادة الدراويش المسافرين بالنفخ في بوقي وصيحات «هو الحق! الله أكبر!» بصوت جهوري مسموع. ‏اتخذت مظهراً موحشاً غريباً واستعددت لتطبيق ما تعلمته من فنون الاحتيال.‏

حاجي بابا يخضع لعلاج رض ظهره بالكيّ.

زارني عدد من النساء طلباً للحُجُب، ومقابلها كنّ يجلبن لي الفاكهة واللبن والدبس وما إليه. اشتدّ عليّ ‏ألمي فسألت إن كان في سمنان أحد يعرف المداواة. لم يكن في البلدة ممن يعرفون فن الطب إلا الحلاق ‏والبيطار، الأول يختص في الفصادة وقلع الأضراس ورد الكسور، والثاني كثيراً ما يستشار في أمراض البشر ‏نظراً لمعرفته بأمراض الخيل. كان عداهما عجوز شمطاء تشبه جنّيّة يعتبرونها المرجع في كل الحالات التي ‏عجز عنها الحلاق والبيطار، تعرف الكثير من الوصفات لكل الآلام والأمراض. زارني هؤلاء بالتتالي واتفقوا ‏أن مرضي يعود للبرد، وعكس البرد النار، لذا ينبغي تطبيق الكي حالاً على المنطقة المصابة، وكلّفوا البيطار ‏بتنفيذه لأنه كان يتعامل مع الحديد البارد والحامي، فأحضر منقل فحم ومنفاخاً وأشياشاً، وأضرم النار ثم سخن ‏الأشياش، وعندما احمرّت وضعوني منبطحاً على بطني ثم كووا على ظهري ثلاث عشرة علامة باسم علي ‏والأئمة الاثني عشر عليهم السلام، ومع كل لمسة حديد كانوا يصيحون «الله الشافي». تحملت نصف العملية ‏بصبر وجلد ثم بدأت أصرخ من الألم، لكنهم لم يتركوني حتى أكملوا كل شيء. أخذ شفاء الحروق وقتاً طويلاً، ‏وما كانت شفيت لولا أنني بقيت في مأواي في راحة تامة؛ وفي نهاية هذه الفترة ذهب الألم تماماً وعادت القوة ‏إلى بدني. وبطبيعة الحال، عزا الجميع شفائي لتدخل علي والأئمة الذين أشرفوا على العملية واقتنعت البلدة ‏كلها بنجاعة الكي؛ أما أنا فاعتقدت أن الراحة الطويلة كانت خير طبيب، إلا أنني احتفظت برأيي لنفسي، فلم ‏أكن أمانع من أن يعتقد الجميع أنني بحماية كل هؤلاء الأولياء الأفاضل.‏

قررت حينها أن أتابع سفري إلى طهران، ولكن قبل ذلك أردت أن أجرّب نفسي بدور درويش وأختبر ‏موهبتي في رواية القصص أمام أهل سمنان؛ فذهبت إلى ساحة صغيرة عند مدخل السوق التي تجد فيها الناس ‏يتسكعون عند الظهيرة، وأطلقت الصيحات المعتادة في هذه المناسبات فتجمع حولي حشد جلسوا على الأرض ‏حول البقعة التي اتخذتها مسرحاً لي. تذكرت قصة قصيرة حول حلاّق بغداد سمعتها عندما كنت أعمل في ‏الحلاقة؛ وفي وسط حلقة من العاطلين والأعين المحدقة بي والأفواه المفتوحة بدأت قصتي الأولى قائلاً:‏

‏«في عهد الخليفة هارون الرشيد كان في بغداد حلاق مشهور اسمه علي الصقال، اكتسب شهرته من دقة ‏يده وبراعته في حرفته، إذ كان يستطيع أن يحلق الرأس ويشذب اللحية وهو معصوب العينين دون أن يسبب ‏أدنى جرح أو خدش. ولم يكن في بغداد كلها رجلٌ يهتم بمظهره إلا وحلق عنده. ومع الزمن تكبر الحلاق ‏وتغطرس فصار يأبى أن يحلق إلا من لقبه بيك أو آغا. وكان الحطب في بغداد نادراً وغالياً؛ وبما أنه كان ‏يستهلك الكثير منه كان الحطابون يجلبون أحمالهم إلى محله قبل غيره لأنهم كانوا متأكدين أنه سيشتري منهم ‏في أغلب الأحوال. وحصل يوماً أن أتى حطاب جديد لا يعرف أخلاق علي الصقال إلى محله وعرض عليه ‏حملاً من الحطب أحضره من بعيد على ظهر حماره، فأعطاه علي الصقال سعراً قائلاً: «هذا مقابل كل الخشب ‏على ظهر حمارك.» فوافق الحطاب وأنزل الحطب وطالبه بالثمن، إلا أن الحلاق قال: «لم تعطني كل الخشب ‏بعد، يجب أن تعطيني السرج أيضاً، فهذا كان اتفاقنا.» فصاح الحطاب في دهشة عظيمة: «كيف ذلك؟ أيعقل ‏هذا؟» وبعد جدال طويل استولى الحلاق على السرج والحطب فانصرف الفلاح المسكين مغموماً حزيناً، ‏وذهب إلى القاضي، ولكن القاضي كان من زبائن علي الصقال فرفض أن يسمع شكوى الحطاب؛ فذهب إلى ‏قاضٍ أعلى، إلا أن ذلك القاضي كان من أصدقاء علي الصقال فلم يكترث هو الآخر بالأمر؛ فقصد الحطاب ‏المفتي، لكن المفتي، بعد أن فكر في الأمر ملياً، قال أنه لا يستطيع أن يفتي في القضية، إذ لم يرد شيء عنها ‏في القرآن والسنّة، ونصح الحطاب أن يسلّم بخسارته. ولكن الحطاب لم ييأس، فطلب من كاتب أن يكتب له ‏تظلماً لأمير المؤمنين وقدّمه بيده للخليفة قبل صلاة الجمعة.‏

كان أمير المؤمنين معروفاً بعدله وبأنه يقرأ التظلمات جميعها بنفسه، وبعد حين طلب الحطابَ إلى ‏حضرته. وحين دخل الحطاب على أمير المؤمنين ركع وقبّل الأرض ثم جلس وقد غطى يديه وضمّ قدميه ‏ينتظر الحكم. قال هارون الرشيد له: «يا صديقي، الكلام لصالح الحلاق والعدل لصالحك؛ القانون يصاغ ‏بالكلام والاتفاق يكون بالكلام. القانون يجب أن يأخذ مجراه، وإلا فقد قيمته؛ والاتفاقات يجب الالتزام بها، وإلا ‏فلن يعود هناك ثقة بين الرجال. إذن، وجب أن يحتفظ الحلاق بالخشب، ولكن...» وهنا اومأ أمير المؤمنين ‏للحطاب أن يدنو منه وهمس في أذنه شيئاً لم يسمعه أحد غيره ثم صرفه وهو راضٍ.‏

في هذا المكان قطعت قصتي ومددت كأساً صغيراً من الصفيح كنت أحمله في يدي قائلاً: «أيها الحضور ‏الكرام، لو تكرمتم عليّ بشيء أخبرتكم بما همس الخليفة في أذن الحطاب.» أثرت بذلك فضولاً عظيماً عند ‏المستمعين فما بقي أحد إلا وأعطاني فلساً أو قرشاً. فتابعت القصة:‏

إذن، فقد همس الخليفة للحطاب كلاماً جعله يخرج وهو مسرور، وهذا ما سوف أقصه عليكم. بعد أن أبدى ‏الحطاب للخليفة مظاهر الطاعة، عاد إلى حماره الذي كان مربوطاً على مقربة من القصر وعاد إلى بلده. وبعد ‏أيام قدم إلى الحلاق وكأنّ شيئاً لم يحدث بينهما فقال أنه يودّ، وهو ورفيق له من بلده، الاستمتاع بمهارة يده، ‏فاتفقا على الأجرة مقابل حلاقة كليهما. وبعد أن حلق الحلاق رأس الحطاب سأله أين رفيقه فأجابه الحلاق: ‏‏«إنه ينتظر خارج المحل. سأحضره في الحال.» فخرج وعاد مع حماره قائلاً: «هذا هو رفيقي، وعليك أن ‏تحلقه.» فصاح الحلاق: «أحلقه! ألا يكفي أنني نجّست يدي برأس واحد مثلك، فتطالبني أن أحلق حمارك! ‏أخرج حالاً وإلا أرسلتكما معاً إلى جهنم!» ثم دفعهما من محله.‏

حلاقة الحمار.

توجه الحطاب فوراً إلى الخليفة فأذن له بالدخول فوقف بين يديه وأخبره بما حدث له، فقال أمير المؤمنين ‏لبعض حرسه: «حسناً، أحضروا علي الصقال مع أمواسه أمامي حالاً!» وبعد لحظات مثل الحلاق أمامه، ‏فسأله الخليفة: «لماذا ترفض حلاقة رفيق هذا الرجل؟ ألم تتفقا على حلاقته؟» فأجابه علي وهو يقبّل الأرض: ‏‏«صحيح يا أمير المؤمنين، هذا كان اتفاقنا؛ ولكن، هل يخطر على بال أحد أن رجلاً يرافق حماراً؟ وهل يخطر ‏على البال أن يعامل الحمار معاملة سائر المؤمنين؟» فقال الخليفة: «كلامك صحيح؛ ولكن هل يخطر على ‏البال أن تطالب بالسرج مع الحطب؟ يوم لك ويوم عليك. عليك بالحمار حالاً، وإلا فلا تلومن إلا نفسك!»‏

فاضطر الحلاق أن يحضِّر الصابون ويدهن الدابة به من رأسها إلى حوافرها ثم يحلقها أمام القصر ‏بحضرة أمير المؤمنين والبلاط، والمارة يضحكون ويسخرون منه. وبعد أن فرغ الحلاق من الحمار، صرف ‏الخليفة الحطاب المسكين بعد أن أعطاه ألف دينار، وبقي أهل بغداد يتناقلون القصة ويمدحون عدل أمير ‏المؤمنين.‏


الفصل الرابع عشر. عن الرجل الذي صادفه وعواقب ذاك اللقاء[عدل]

تركت سمنان مرتاحاً، فقد ذهب عني ألم ظهري، وكنت في ريعان شبابي وكامل صحتي، ومعي عشرون ‏توماناً وفّرتها في مشهد، وصار لدي تجربة مع العالم والناس؛ فقررت، حالما أصل إلى طهران، أن أترك حياة ‏الدراويش وأشتري ثياباً جيدة وأجرب حظي في مهنة أفضل وأكرم.‏

عندما كنت أمشي في الطريق على مبعدة يوم مسير من طهران، وأنا أغني بكل صوتي قصة الحب بين ‏ليلى ومجنون لحق بي مراسل يركب حصاناً، فسلم علي وبدأ حديثاً معي ثم دعاني لمشاركة طعامه. كان ‏النهار حاراً، فقبلت دعوته بامتنان. جلسنا على ضفة ساقية تجري في حقل قمح، فنزع المراسل اللجام عن ‏حصانه وأطلقه يرعى في القمح، ثم أخرج من أعماق جيب سرواله منديلاً كان فيه بضعة كتل من الرز ‏المطبوخ وثلاثة أو أربعة أرغفة خبز فمدّه أمامنا، ثم أضاف من كيس معلق على السرج شيئاً من اللبن الخاثر. ‏ثم أخرج من جيب آخر في سرواله، الذي كان يحوي بين ما يحوي نعليه وزاداً من التبغ وكأساً للشرب ‏وفرشاة وأغراضاً أخرى كثيرة، بضعة بصلات أضافها إلى الوليمة، فأكلنا بنهم وفرغنا من الوجبة في لحظات ‏ولعقنا أصابعنا ثم غسلناها في الساقية. لم يسمح لنا الجوع قبل ذلك بالتحدث، أما الآن فقد أشعل كلٌّ منّا غليونه ‏وبدأنا نتبادل الحديث عن السفر. رأى صاحبي من الزي الذي أرتديه أنني درويش واكتفى بهذا، من حسن ‏حظي، لأنني كنت أكره أن أتحدث عن نفسي؛ أما هو فأخبرني أنه مراسل عند حاكم أسترآباد، وكان يحمل ‏خبراً مبشراً عن إطلاق سراح صاحبي القديم عسكر خان شاعر الشاه من الأسر عند التركمان. فاجأني الخبر ‏وأفرحني كثيراً، إلا أنني كتمت مشاعري كيلا يعرف المراسل مدى اهتمامي بمهمته لأن تجربتي في الحياة ‏علمتني أن أكتم أسراري، لذا تظاهرت بأنني لم أسمع هذا الاسم من قبل.‏

أخبرني صاحبي أن الشاعر استطاع أن يصل إلى أسترآباد بسلامة لكنه كان معدوماً تماماً فأرسل يخبر ‏عائلته بحاله. أراني المراسل رسالتين أخرجهما من جيب صدره، ملفوفتين في منديل، وبما أنه كان فضولياً، ‏ولا يعرف القراءة، وضع أمله بي لأخبره بمحتواهما. كانت أولى الرسالتين موجهة إلى ملك الملوك وصف ‏فيها ببلاغة راقية كل المصائب والآلام التي عاناها منذ وقع في يد التركمان، وأن الجوع والعطش والمعاملة ‏الهمجية كانت كلها لا شيء أمام الحرمان من شرف المثول بين يدي درّة الملوك وياقوتة الجلالة وجوهر ‏الكمال في الدنيا ملك الملوك العظيم! وكما تنعم أدنى المخلوقات الزاحفة بدفء الشمس ونورها، يأمل أدنى ‏رعايا الملك العظيم أن ينعم بنور وجهه الجليل، ويدعو ألا يحرمه طول غيابه من ظل عرش الشاه العظيم، ‏فيعود إلى منصبه الصغير قرب حضرة صاحب الجلالة ليتغنى مع البلابل بجمال الورود وكمالها.‏

وكانت الرسالة الثانية إلى الوزير يصف الشاعر فيها هذا الشخص سيء السمعة هزيل البدن شنيع المسلك ‏بأنه الكوكب بين النجوم وعماد الدولة وملاذ المستضعفين ويتوسل رضاه، وكان هناك رسالة مشابهة إلى ‏عدوه السابق الخزندار. ثم قرأت الرسائل إلى أسرته، واحدة منها إلى زوجته والأخرى إلى مدرِّس ابنه ‏والثالثة إلى وكيله. في الرسالة إلى زوجته تحدث عن ترتيب بيت الحريم، ثم عبّر عن أمله بأنها لم تسرف في ‏ملبسها وحافظت على الجواري، وطلب منها أن تجهز نفسها والجواري لخياطة ألبسة له إذ لم يبق لديه ولا ‏لباس لائق.‏

وفي رسالته إلى المعلم أمره بالسهر على أخلاق ابنه، أملاً بأنه قد تعلم كل أشكال الإطراء والمديح، وأنه ‏لا يترك صلواته وقد أجاد ركوب الخيل وتمارين الرمح والرمي من البندقية من على ظهر الجواد وهو يعدو.‏

أما الرسالة إلى وكيله فكان يعطي فيها تعليمات عامة حول تدبير الأمور: أن عليه الاقتصاد والتوفير في ‏كل شيء؛ وأن عليه أن يمثل يومياً أمام الوزير الأول ويقف أمامه ويمتدحه حتى السماء ويتغنى بملكاته ‏العظيمة وشمائله السامية؛ وأن يراقب جيداً النساء والجواري؛ وأن لا تخرج زوجته إلى الحمامات كثيراً، ‏وكلما خرجت هي أو الجواري فعليه بمرافقتهن. وأعرب عن أمله بأن لا يُسمح لأي نساء مشبوهات، لا سيما ‏اليهوديات، بالدخول إلى بيت حريمه؛ وبأنه يجب صيانة الجدران المحيطة ببيت الحريم كما ينبغي لتستره عن ‏أنظار الجيران وتمنع الثرثرة بين النساء من على السقف. كما أمر بأن يُمنع عبده جوهر من الدخول إلى ‏الأندرون، ولو شوهد مع أية جارية فليجلد كلاهما. وأخيراً طلب من الوكيل أن يكافئ الرسول مكافأة يستحقها ‏على حمله مثل هذه الأخبار الطيبة إلى أسرته.‏

طويت الرسائل مرة أخرى وختمت تلك التي كانت مختومة وأعدتها إلى المراسل، ورأيته يتفكر في ‏المكافأة التي سيحصل عليها على إيصال أول خبر عن سلامة الشاعر وقال لي أنه لم يتوقف لا في الليل ولا ‏في النهار خوفاً من أن يسبقه أحد بالخبر، وأن الحصان الذي يركبه كان لفلاح، وقد أخذه منه عنوة في الطريق ‏وترك له حصانه المنهك ليحضره وراءه إلى طهران ليعيد له حصانه.‏

وبعد أن تحادثنا قليلاً، بدا عليه الإرهاق فوقع في نوم عميق. نظرت إليه وقد تمدد على العشب ففكرت ‏بأنني أستطيع أن أسبقه بسهولة، إذ كنت أعرف سيرة الشاعر كاملة، بل أنني شاركته بعض المصاعب التي ‏وقع فيها. وفكرت بأنني أحقّ بأن أروي القصة من أي شخص آخر. وبما يخص الحصان، فلم يكن حق ‏المراسل به أكثر من حقي، حيث أنه قد استولى عليه، وسيلحق الفلاح به قريباً بحصانه. ولذا لم أتردد أكثر، ‏ففتحت المنديل الذي كان في حضن المراسل وأخذت منه الرسالة إلى الوكيل ثم امتطيت الحصان وغرزت ‏الركابى في جنبه وانطلقت أعدو. وفي وقت قصير كنت قد ابتعدت عن النائم وتقدمت في طريقي نحو ‏العاصمة.‏

وخلال مسيري بقيت أفكر عن أفضل سبيل للتصرف، وكيف يجب أن أقدم نفسي إلى أسرة الشاعر لتكون ‏قصتي معقولة ومتسقة لأضمن لنفسي المكافأة المخصصة لرسول الخير. وكان تخميني أنني سبقته بيوم واحد ‏على الأقل؛ فعندما يستيقظ سيضطر على الأغلب إلى المشي على قدميه مسافة ما قبل أن يحصل على حصان ‏جديد، إلا إذا لحقه حصانه مع الفلاح، وهذا مستبعد. وإذا كان يمشي على قدميه فلا يحتمل أن يصدق أحد ‏قصته، ولن يستطيع أن يستعير دابةً ليركبها. ولهذا قررت أن علي، فور وصولي إلى طهران، أن أبيع ‏الحصان وطقمه مقابل أي ثمن يُعرض علي، ثم أتخلى عن ثوبي ثوب درويش وأرتدي ثياباً عادية، ثم آتي ‏إلى باب بيت الشاعر وأقدم نفسي بأنني جئت تواً من السفر وأحكي خير قصة أبتدعها، ولن يكون هذا صعباً ‏نظراً لمعرفتي الجيدة لأحداث حياته.‏


الفصل الخامس عشر. حاجي بابا يصل إلى طهران ويذهب إلى بيت ‏الشاعر[عدل]

دخلت إلى طهران في الصباح الباكر من باب الشاه عبد العظيم حالما فتحوه، وعلى الفور ‏عرضت حصاني للبيع في السوق الواقع قرب الباب، والذي تجري فيه تجارة الخيل كل يوم. لقد ‏جربته فوجدت أنه دابة جيدة نظراً للسرعة التي سار بها منذ غادرت مستعجلاً الرسول؛ إلا أن ‏تاجر الخيل الذي عرضته عليه شرح لي فوراً أن الحصان فيه عيوب كثيرة حتى أقنعني أنني ‏محظوظ لو حصلت مقابله على أي مبلغ. فأولاً كان في أسفل أرجل الحصان لون أبيض، وهذا ‏مكروه، وبقع حول أنفه وعينيه، كما أنه عجوز وأسنانه مهترئة، أي باختصار، اجتمعت فيه كل ‏الخلل التي تعيب الخيل. ولذلك فوجئت حين عرض علي بعد ذلك خمسة تومانات بشرط أن أبيعه ‏مع سرجه ولجامه؛ وبدا لي أنه فوجئ حين قبلت ما عرضه علي. ودفع لي نصف المبلغ وعرض ‏علي حماراً يكاد يموت جوعاً مقابل النصف الثاني، إلا أنني رفضت هذه الصفقة، فوعدني أن ‏يسدد لي الباقي نقداً بعد أن يبيع الحصان. كنت مستعجلاً ولا وقت لدي لمساومته طويلاً، فذهبت ‏إلى السوق واشتريت قبعة سوداء وتركت قبعة الدوريش، ولبست لتبدو عليّ علامات السفر ثم ‏استفهمت عن الطريق إلى دار الشاعر.‏

كانت الدار في حي جميل تحيط بها حدائق تنمو فيها أشجار الحور والرمان، في شارع ‏يجري على طوله جدول ماء، وبمحاذاته رتل من أشجار الدلب. ولكن البيت نفسه كان يبدو عليه ‏غياب صاحبه، فالباب كان نصف مغلق ولم يكن حوله حركة، وعندما دخلت إلى الباحة الأولى ما ‏كدت أرى ما يدل على أنه مسكون، ففكرت أن هذا لا يبشر بالخير فيما يتعلق بمكافأتي. وأخيراً، ‏وفي طريقي إلى الغرفة العلوية فوق الباب رأيت رجلاً في الخمسين من عمره يجلس على سجادة ‏لباد يدخن غليونه، فسألته وعلمت أنه الناظر، وهو من كنت أبحث عنه.‏

فهتفت فوراً: «بشرى سارة! الخان قادم!»‏

فقال: «یعنی چه؟ (أي ماذا تقصد؟) أي خان؟ أين؟ متى؟»‏

وعندما شرحت له الأمر وقدمت له الرسالة الموجهة إليه بدا لي أنه وقع في خليط من الفرحة ‏المصطنعة والشجن الصادق والذهول والقلق.‏

ثم سألني: «ولكن، هل أنت متأكد أن الخان حي يرزق؟»‏

فأجبته: «بكل تأكيد، وقبل أن يمضى يومان سيأتيك رسول آخر يروي لك تفاصيل أكثر عن ‏سلامته، ومعه رسائل إلى الشاه والوزراء وغيرهم.»‏

فبدأ يطلق صيحات غير مترابطة: «شيء عجيب! ما هذا التراب الذي وقع على رؤوسنا؟ أين ‏أذهب الآن؟ ماذا أفعل الآن؟»‏

وبعد أن تمالك نفسه قليلاً توسلت إليه أن يشرح لي سبب انفعالاته وأن يخبرني عن دواعي ‏قلقه وكربه الظاهر تجاه ما يفترض ألا يدعو إلا للفرح. فلم أسمع منه إلا: «يجب أن يكون قد ‏مات؛ الكل يقول أنه ميت؛ امرأته رأت في منامها أن ضرسها الذي كان يؤلمها قد سقط، وهذا ‏يعني أن زوجها مات؛ ثم أن الشاه أعلن موته. لا يمكن أن يكون حياً! بل لا يجوز أن يكون حياً!»‏

فقلت: «طيب، إن كان ميتاً فليكن؛ ولا أستطيع أن أقول إلا أنه كان بين مؤمني استرآباد منذ ‏أقل من أسبوع، وأنه سيثبت بنفسه أنه حي حين يقدم إلى طهران في غضون أسبوع آخر.»‏

وبعد أن قعد الناظر وفكر ملياً فترة من الوقت قال: «لن يدهشك ارتباكي بعد أن أحكي لك ‏وضع الأمور هنا بعد إعلان وفاة سيدي. فأولاً، صادر الشاه كل ممتلكاته: وسلّم بيته وأثاثه ‏وحلاله، بما في ذلك جواريه الجورجيات إلى أحد أبنائه خور علي ميرزا. وقرية سيدي صارت ‏ملكاً للوزير، ومكانته سوف يحتلها الميرزا فضل، وفوق كل هذه الأشياء، زوجته تزوجت من ‏معلم ابنه. قل لي، أليست هذه الأمور كافية لتربكني وتذهلني؟»‏

فوافقته في أن الأوضاع معقدة للغاية، ومن حقه أن يقلق ويرتبك، ثم سألته: «وماذا عن ‏مكافأتي؟»‏

فأجاب: «لا تتوقع شيئاً مني، إذ لم تأتني بما يسرني. يمكنك أن تطلبها من سيدي متى عاد إن ‏أردت؛ أما أنا فليس لدي ما أعطيك إياه.»‏

وعندئذ تركت الناظر يفكر في أمره وودعته، ووعدته أنني سأعود في الأيام القادمة وتركت ‏البيت.‏


الفصل السادس عشر. حاجي بابا يخطط للمستقبل ويتورط في خصام[عدل]

قررت انتظار عودة الشاعر لأحاول بوساطته الحصول على عمل أرتزق منه رزقاً شريفاً ثم أرتقي في ‏حياتي دون اللجوء إلى النصب والاحتيال اللذين مارستهما حتى الآن، إذ سئمت العيش مع سوقة الناس، ‏ورأيت أمام عيني أعداداً من الرجال تبؤوا أرقى المراتب في الدنيا وكسبوا ثروةً وحظوةً، وأصلهم ليس أرقى ‏من أصلي، فبدأت أفكر في الرقاء والرخاء حتى انغمست في تصور نفسي وقد صرت وزيراً، وكيف سأعيش ‏وأتصرف وأنا في منصبه.‏

قلت لنفسي: «من هو أقرب المقربين إلى الشاه، اسماعيل بيك الملقب بالذهبي؟ ليس أكثر من فرّاش؛ وهو ‏ليس أكثر أناقةً ولا ذكاءً ولا فصاحة مني، وأظن لو أننا تبارينا في الفروسية، فرغم سمعته أستطيع أن أعلمه ‏ركوب الخيل بعد أن عشت بين التركمان. والخزندار الشهير الذي يملأ صناديق الشاه بالذهب ولا ينسى ‏صناديقه هو أيضاً، من هو؟ إن ابن حلاق ليس أقل شأناً من ابن بقال، وفي حالنا ابن الحلاق أفضل منه ‏بمراحل، إذ أنني أقرأ وأكتب، أما سعادته، كما يشاع عنه، لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يأكل ما طاب له ويلبس ‏رداءً جديداً كل يوم ويختار – بعد الشاه ‏‎–‎‏ أجمل جواري بلاد فارس، وكل هذا دون أن يحظى حتى بنصف ما ‏عندي من عقل وذكاء ومهارة: فمما تسمعه من كلام الناس تقتنع بأنه ليس أفضل من «كرّ بتشديد»، حمار ابن ‏حمار.‏

بقيت مستغرقاً في هذه الأفكار وأنا جالس أسند الجدار بظهري في إحدى الجادات المكتظة المؤدية إلى ‏قصر الشاه، فتمالكتني صور عظمتي لدرجة أنني حين نهضت لأمشي شرعت أدفع من صدف أن وقع في ‏طريقي وكأن عليهم أن يفسحوا لي السبيل بحكم مقامي الرفيع. بعضهم حملق بي وبعضهم الآخر شتمني ‏وآخرون ظنوا أنني مجنون. وبالفعل، عندما عدت إلى رشدي ونظرت إلى ملابسي البالية ومظهري الفقير ما ‏استطعت إلا أن أبتسم لحماقتي ولذهولهم، فتوجهت مباشرةً إلى سوق الأقمشة والملابس وقد صممت أن أضمن ‏لنفسي كساءً أنيقاً ليكون خطوتي الأولى في تغيير حياتي.‏

وعندما كنت أشق طريقي عبر الحشود توقفت بسبب خصام شديد بين ثلاثة رجال يشتمون بعضهم بعضاً ‏بفظاظة غير معهودة. دفعني فضولي إلى الاقتراب أكثر فرأيت في وسط حلقة الناس الرسول الذي احتلتُ ‏عليه ومعه فلاح يهاجمان تاجر الخيل بعد أن سحباه عن الحصان الذي بعته إليه؛ والفلاح يصيح:‏

‏«هذا حصاني!»‏

والرسول يصيح:‏

‏«هذا السرج لي!»‏

والتاجر يصيح:‏

‏«بل كلاهما ملكي!»‏

أدركت حالاً الخطر الذي وقعت فيه وهممتُ بالانسلال إلى الوراء، وفي هذه اللحظة رآني تاجر الخيل ‏فأمسكني من نطاقي وقال: «هذا هو الرجل الذي باعني حصانه!» وحالما تعرف الرسول على وجهي تحولت ‏وطأة الخصام إلى رأسي مثل غيمة عاصفة وكادت تغمرني وتسحقني، وانهالت الأوصاف من قبيل حرامي ‏وحقير ومحتال على أذنيّ بلا رحمة، فصاح أولهم: «أين حصاني؟» وصرخ ثانيهم: «أعطني سرجي!» ‏وزمجر الثالث: «أعِدْ نقودي!»، وهتف الحشد: «خذوه إلى القاضي!».‏

عبثاً كنت أزعق وأشتم وأجادل وأتحدى؛ وسدىً ذهبت محاولتي أن أتكلم برفق وأصالح: ففي الدقائق ‏العشرة الأولى كان مستحيلاً أن يسمعني أحد، فكل واحد يصرخ ويصدح ويردد شكواه. كان الرسول يستشيط ‏غضباً، والفلاح يشكو من الظلم الذي لحق به، وتاجر الخيل يشتمني بكل ما يخطر على باله من ألفاظ لأنني ‏سرقت ماله. فحاولت إقناع أولهم وملاطفة الثاني وإخافة الثالث. فسألت الرسول: «لم تغضب؟ ها هو سرجك ‏كما كان، ماذا تريد أكثر؟» وقلت للفلاح: «تصيح وكأن دابتك نفقت. خذها وامض بها إلى بيتك واحمد ربك ‏على السلامة.» أما تاجر الخيل فهاجمته بمرارة من سُلِب منه حلاله بالنصب والاحتيال قائلاً: «أيحق لك أن ‏تشكو من الغش وأنت لم تدفع لي سوى نصف ثمن الحصان وحاولت أن تغشني بحمار هزيل؟»‏

عرضت عليه أن أعيد له نقوده، ولكنه رفض وطالب أن أدفع له فوق ذلك تكاليف إطعام الحصان، ما أثار ‏جدالاً جديداً بألوان من الحجج التي لم يقتنع بها أي طرف من الأطراف، ومن ثم توجهنا إلى «الداروغا»، أي ‏مفتش الشرطة، وقد اتفقنا أن نلجأ إلى حكمه في قضيتنا.‏

وجدنا المفتش في مقره عند تقاطع شارعين من شوارع السوق محاطاً بعناصره يحملون عصىً طويلة ‏وهم بكامل الاستعداد ليذيقوا أي مُخالفٍ طعم الفلقة. بدأتُ برواية القضية فوصفت كل ملابساتها، ولا سيما ‏النية الواضحة لتاجر الخيل بالاحتيال علي. وأجاب تاجر الخيل بأن الحصان لم يكن ملكاً له بل كان مسروقاً، ‏ولذا لا يجب عليه أن يتكلف بنفقات إطعامه.‏

تركت هذه القضية المعقدة المفتش حائراً في أمره حتى أنه تحفظ في الحكم وهمّ بإحالتنا إلى القاضي، حين ‏قال له رجل عجوز كان واقفاً بين المارة: «وما الداعي إلى تعقيد مسألة واضحة؟ متى يدفع تاجر الخيل باقي ‏الثمن إلى حاجي، يسدد الحاجي له نفقة إطعام الدابة طوال الوقت الذي كانت خلاله في عهدة التاجر.»‏

فصاح الجميع: «بارك الله! بارك الله!»، وبدا أن الحشد صعقتهم العدالة الظاهرة لهذا الحكم. فصرفنا ‏المفتش وأمرنا أن نغرب عن وجهه بسلام.‏

وفي نفس اللحظة دفعت إلى تاجر الخيل ما قبضته منه وأخذت من يده إشعاراً بذلك. وبعد أن فرغ مني ‏بدأ يفكر لماذا لا يحق له تعويض إطعام الدابة إلا بعد أن يدفع كامل ثمنها، وبدأ يدرك الخدعة التي وقع ‏ضحيتها؛ ولحسن حظي، تحول استياؤه عني إلى المفتش فنعته بأنه أكثر حماقة من الحمار وأنه أقل جدارةً بأن ‏يسمى رجل قانون من أن يسمى هو، أي تاجر الخيل، رجل صدق وأمانة.‏



الفصل السابع عشر. حاجي بابا يرتدي ثياباً جديدة ويذهب إلى الحمام ‏ويظهر بصورة جديدة[عدل]

‏وبعد أن نجوت من هذه القضية المزعجة وأدركت أنها كانت برمّتها غلطتي أنا، هنأت نفسي ‏أن خلاصي منها كان بهذه الكلفة الزهيدة. فتوجهت من جديد إلى سوق الأقمشة والملابس، وفي ‏المحل الأول الواقع عند باب السوق سألت عن ثمن قطعة قماش أحمر وددتُ أن أجعلها رداءً؛ فقد ‏اعتقدتُ أن ذلك سيضفي علي الاحترام الذي كنت أشعر به دائماً تجاه من يرتدي مثل هذا الرداء. ‏وقال صاحب المتجر بعد أن نظر إلي من رأسي إلى قدمي: «إنه رداء عظيم حقاً! ولمن تريد ‏شراءه، ومن سيدفع ثمنه؟»‏

‏فأجبته: «أريده لي بالتأكيد.»‏

‏فقال: «ولم يطلب رجل فقير مثلك رداءً كهذا؟ هذا القماش جدير بميرزا أو خان، ولا يبدو ‏عليك أنك واحد منهم.»‏

‏هممت بالرد عليه وقد بدأ الغيظ يخنقني حين تقدم مني «دلّال»، أي بائع متجول، يحمل ‏على ظهره كل ألوان الأزياء المستعملة ليبيعها فالتفتُّ إليه وأدرت ظهري إلى صاحب المتجر ‏الذي بقي يناديني وقد ندم إذ نفّر زبوناً بطول لسانه. توجهنا إلى قرنة عند مسجد قريب، حيث ‏أنزل الدلال حمله عن ظهره ونشر بضائعه أمام عيني. أعجبتني سترة فخمة من الحرير مطرزة ‏بخيوط ذهبية من الأمام وأزرارها بلون الذهب فسألته عن سعرها. فشرع الدلال يمدح في جمال ‏السترة ورفعة ذوقي وحلف أنها كانت لجارية جورجية في بيت حريم الشاه ولم تلبسها إلا مرتين ‏فقط، وأجبرني على قياسها وشرع يمشي حولي وهو يصيح: «ما شاء الله! ما شاء الله!»، وسرّني ‏هذا فأردت أن أختار شالاً أتمنطق به يناسب السترة، فأخرج شال كشمير بالياً كله ثقوب ورتوق ‏وأكد لي أنه كان ملكاً لإحدى حريم الشاه، وأضاف أنه سيعطيه لي مقابل ثمن معقول. ودفعني ‏غروري إلى تفضيل هذا الشال على شال كرماني جديد لا يختلف ثمنه عن ثمن الشال الكشميري ‏البالي. تمنطقت بالشال وضبطته لإخفاء عيوبه ولم يبق إلا أن أضع خنجراً تحت النطاق ليكتمل ‏ثوبي، وهذا أيضاً كان موجوداً عند الدلال. وبعد أن ارتديت هذا كله أعجبني منظري فشكرت ‏الدلال الذي لم يتوان عن أن يؤكد لي أن طهران كلها لن تجد فيها رجلاً أنيقاً ووسيماً مثلي.‏

‏وعند المحاسبة بدأ الجد. استهل الدلال كلامه بالتأكيد على أنه ليس كسائر الدلالين الذين ‏يطلبون مئةً ثم يبيعون بخمسين، وأنه إذا قال كلمة يمكنني أن أثق بصحتها. ثم طلب مني خمس ‏تومانات مقابل السترة وخمسة عشر مقابل الشال وأربعة مقابل الخنجر، والمجموع أربعة ‏وعشرون توماناً.‏

‏عندما سمعت هذا زالت فرحتي إذ لم يكن في جيبي أكثر من عشرين توماناً فبدأت أخلع هذا ‏الزي الفاخر لأعود إلى ملابسي البالية، إلا أن الدلال أوقفني وقال: «قد تعتقد أن هذا السعر ‏باهظ، ولكن برأسي وروحك، لقد اشتريتها بهذا السعر ولا أربح منها شيئاً، فقل لي، كم تعطيني ‏مقابلها؟» فأجبته أن لا مجال لمساومته بهذه الشروط، ولكن إن باعني هذه الأغراض بخمسة ‏تومانات فسأشتريها. فرفض ذلك بازدراء، فخلعت الملابس وأعدتها إليه. وبعد أن وضبها كلها ‏وبدا أن التعامل بيننا قد انتهى تماماً، قال: «أشعر بمودّة نحوك، ولذا سأفعل من أجلك ما لا أفعله ‏من أجل أخي: سأعطيك إياها مقابل عشرة تومانات.» فرفضت مرة أخرى، فبقينا نتساوم حتى ‏اتفقنا على أن أدفع له ستة، فسددتها فوراً فاستلمها وهو يقسم أنه خسر مثلها، وأعطاني أغراضي ‏ثم انصرف.‏

‏أما أنا فقد جمعت ملابسي وقررت الذهاب إلى الحمام لتجهيز نفسي. وفي طريقي اشتريت ‏حذاء أخضر ذا كعب عالٍ وقميصاً أزرق من حرير وسروالاً قرمزياً حريرياً، ثم ربطت كل هذا ‏في صرة وتوجهت إلى الحمام.‏

‏لم ينتبه إلي أحد وأنا أدخل إلى الحمام، فمنظري الوضيع لم يكن يلفت الأنظار، وخطر على ‏بالي أن الأمور ستتغير حالما أرتدي أزيائي الجديدة. وضعت صرتي في زاوية وخلعت ملابسي ‏هناك لم لففت شرشفاً حول جسمي وتوجهت إلى غرفة الاستحمام.‏

‏وهنا كان جميع الناس يظهرون بالهيئة نفسها، وربما أتميز عنهم بقوة جسمي وعرض كتفي ‏وخصري الرفيع. ناديت أحد الدلاكين ليطبق علي جميع العمليات من الفرك باليد ثم التدليك بالليفة ‏كما طلبت منه أن يحلق رأسي ويحضر ما يلزم لصباغة لحيتي وشاربيّ وخصل شعري فضلاً ‏عن راحة اليد وأخمص القدم، وأن يجهز أيضاً لنتف الشعر، أي أنني أعلنت نيتي بأن أرتب ‏جسمي ترتيباً كاملاً.‏

‏وحالما بدأ الدلاك بتدليكي مدح بعرض صدري، وتصرفت كمن اعتاد على مثل هذا المديح ‏ومثل هذه المعاملة، وأنا أفكر بالانطباع الذي تتركه الملابس الجديدة على الناظرين. وقال الدلاك ‏أنني أتيت في ساعة سعد لأنه خدم قبلي مباشرةً خاناً أكرمه الشاه بثوب بمناسبة إحضاره باكورة ‏محصول البطيخ من إصفهان، فنصحه المنجمون بالذهاب إلى الحمام في هذا الوقت تحديداً لأن ‏الساعة ملائمة لارتداء ملابس جديدة.‏

‏وبعد الانتهاء من كل هذا، أحضر الدلاك بعض الشراشف الناشفة وأخذني إلى حيث تركت ‏ملابسي. كم استمتعت بفتح الصرة وفحص لباسي الفاخر! وشعرت أنني أتجدد كلما ارتديت قطعة ‏منها. لم ألبس الحرير سابقاً. ربطت سروالي بالطريقة العصرية، وعندما سمعت حفيف سترتي ‏تلفتُّ حولي لأرى إن كان أحدٌ ينظر إلي. وتمنطقت بالشال على الطراز العصري، ينخفض من ‏الأمام وينفرد من الوراء، وعندما لمع الخنجر في نطاقي شعرت ألا شيء يفوق هندامي أناقةً ‏ورونقاً. حززت أعلى قبعتي على الطريقة القاجارية أي الملكية ووضعتها على رأسي مائلة إلى ‏الجنب. وعندما أحضر الدلاك لي المرآة في إشارة أن علي أن أحاسبه درت أمامها وقتاً ليس ‏بقصير لأفحص نفسي وألوي شعري وراء أذني وأفتل شاربي نحو عيني. ثم حاسبته بسخاء ‏وتركت ملابسي القديمة له وخرجت بمشية متبخترة.‏

هوامش[عدل]

  1. مصدر الترجمة: «گلستان روضة الورد»، تأليف سعدي الشيرازي، ترجمة محمد الفراتي. منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2012. (ملاحظة المترجم)
  2. السباقات عند التركمان والفرس تختبر قدرة الخيل على التحمل لا سرعتها الفعلية.
  3. الخبز المذكور هنا يُخبَز على صفائح معدنية محدبة، وهو بثخن رقعة ورق بني.
  4. رستم هو بطل أسطوري من تاريخ الفرس، وهو من أبطال الشاه نامه كمثال على القوة والشجاعة. ومعركته مع اسفنديار التي استمرت يومين كاملين موضوع القصائد الفارسية.
  5. الفرسخ يعادل ثلاثة أميال ونصف.
  6. قاطر (فارسية): بغل. (ملاحظة المترجم)
  7. بيدين (فارسية): بلا دين، كافر. (ملاحظة المترجم)
  8. إشاق: حمار. (ملاحظة المترجم)
  9. مصدر الترجمة: «گلستان روضة الورد»، تأليف سعدي الشيرازي، ترجمة محمد الفراتي. منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2012. (ملاحظة المترجم)