معلمة الإنسان ما ليس يعلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معلمة الإنسان ما ليس يعلم
المؤلف: عباس العقاد



معلمة الإنسان ما ليس يعلم
 
وقائلةً ما لا يبوح به الفم
وكامنة بين النفوس بداهة
 
وما علمت في مهدها ما التكلم
ومخرجةَ الأوهام من ظلماتها
 
على أنها من سطوة النور تحجم
ومسمعة الإنسان أشجان نفسه
 
فيطربه ترجيعها وهي تؤلم
أعيدي عليّ القول أنصتْ وأستمعْ
 
حديثاً له في نوطة القلب ميسم
حديثاً يناغيني وأذكر أنني
 
تسمعته والقلب وَسْنانُ يحلم
حديثك من كل اللغات منظَّمٌ
 
ومعناك في كل النفوس مقسَّم
فللوحش فيه والأناسي عولة
 
وللنار والإعصار فيه تهزّم
جؤار كأن الطود منه محرك
 
وخفق كأن النجم منه مهوّم
وهمس كهمس الجن في خلواتها
 
له رعدة في الجلد ينكرها الدم
وبَثٌّ يسيل الدمع من قنواته
 
وحَثٌّ يهيج النفس فهي تضرّم
تظل بقيد اللحن في ثورانها
 
إلى الغمر تهوي أو إلى النجم تقحم
ولا مهجة إلا لصوتك مسرب
 
إليها وسلطان عليها محكَّم
توختك أسراب النفوس كأنما
 
على كل لحن ماردٌ لك يخدم
فمن لم ترضه الريح راض جماحَه
 
نسيمٌ كنفث الروض أو هو أرخم
يحلل من أضغانه فكأنه
 
أبٌ يتلقاه ابنُه المتبسم
تهزين أعطاف البخيل فيكرمُ
 
ويصغي إليك المشمخر فيرحم
ويسمعك الواهي الجبان فينثني
 
إلى الحرب شيطاناً على الموت يهجم
ويمنحك الشيخ الجليل وقاره
 
وقارا شراه بالصبا وهو قيّم
وتسلمك الأبدان عفْوَ حراكهِا
 
كما انقادت الأغصان والريح تنسم
ويسعد منك الوالهون ببلسم
 
ألا رب جرح لا يداويه بلسم
ويا رُبَّ مجهودٍ تخللتِ جسمَه
 
بعزمٍ كرجع الروح والموت مُبرَم
فجددتِه لما وهى نسجُ نفسه
 
بنسجٍ من الألحان يُضفَى ويُحْكَم
فيا ربة الألحان لو تسمعينني
 
أمنك السجايا الغر أم هن منهم
ويا ربة الألحان هذي قلوبنا
 
فأنت بها منا أبر وأعلم
أفيضي على قلبي السكينة واسكبي
 
عليه رضىً إني على العيش أنقم
هل العيش إلا نغمة قد تعارضت
 
مذاهبُها فهو الشتيت المنظم
جمال وقبح في الحياة ورفعة
 
وخفض وعرفان وجهل مخيم
بذا فرَّق الدنيا فألَّف بينها
 
إلهٌ على أفعاله ليس يندم
وأحسب لو أنا حللنا بجنة
 
خلوداً لشاقتنا هناك جهنم
وأوغل بالذكرى فأزعم أنه
 
قديمٌ كعهد القلب أو هو أقدم
ويا ليتني أدرى أنفس سحيقة
 
تنادين منها أم فؤادي المكلّم
كأن لنا نفسين نفس قريبة
 
وأخرى على بعد المزار تسلّم
أعيدي على الصوت أنظرْ لعلني
 
أرى في ثنايا اللحن ما يُتوسّم
ويا رُبَّ وجهٍ يطرق السمعَ حسنُه
 
إذا غنت الأوتار أو يُتَنسّم
وواد كوادي السحر فجّرتُ ماءه
 
ونفّرتُ من أطياره ما يحوّم
ورادته أشكال الجمال كأنها
 
خيالات أحلام دعاهنّ نوّم
يهب علينا عَرْفُه ونسيمُه
 
وتسترسل الأحداق فيه وتنعم
يمهده اللحن الشجي وينطوي
 
عليه حجاب الصمت من حيث ينجم
أملهمة الإنسان مالا يزيده
 
فصيح ولا يرزي بمعناه أبكم
إليك تناهي كل قول ومنطق
 
فسيان منطيق لديك وأعجم
إذا ما أبان القول مبلغ علمه
 
فقولك عما ليس يدري مترجم
ويكذب إلا أنه حين ينتهي
 
إلى الشدو لا يهفو ولا يتكتم
وما المطرب الشادي بمبدع لحنه
 
ولكنه شبابة تترنم
ألا حدثينا عن إله نحبه
 
ونعبده حباً ولا نتأثم
وما كان للوحي الإلهيِّ مسلك
 
إلى القلب أشجى من صداك وأكرم
تهون الرزايا إذ تطول عهودها
 
وكل نعيم طال يجفىَ ويُسأَم
كذلك موسيقى الحياة وإنها
 
لصوتٌ على أسماعنا متقدم