مستخدم:Adam nohe/تجارب1

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الباب السادس التحفة[عدل]

في بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة[عدل]

العقيدة الأولى : مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه بعث العباد بحيث يكون تركه قبيحاً عقلياً ، نعم ولكن البعث والحشر والنشر متحتم الوقوع البتة لوعده تعالى بذلك حتى لا يلزم خلف الوعد ، وقالت الإمامية : بوجوب البعث عليه تعالى وجوباً عقلياً ، والآيات التي هي دالة على أن البعث والمعاد متعلقان بوعده تعالى ، وما وقع في آخر الآيات من نحو قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [1] مكذِّبة تكذيباً صريحاً لعقيدتهم هذه ، وقد سبق أن الوجوب على الله تعالى لا معنى له أصلاً .

العقيدة الثانية : مذهب أهل السنة أن الأموات لا رجعة لهم في الدنيا قبل يوم القيامة ، وقالت الإمامية قاطبة ، وبعض الفرق الأخرى من الروافض أيضاً برجعة بعض الأموات [2] ، فإنهم بزعمهم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والوصي والسبطين وأعداءهم – يعني الخلفاء الثلاثة ومعاوية ويزيد ومروان وابن زياد وأمثالهم – وكذا الأئمة الآخرون وقاتليهم يحيون بعد ظهور المهدي ، ويعذَّب قبل حادثة الدجال كل من ظلم الأئمة ويقتص منهم ، ثم يموتون ، ثم يحيون يوم القيامة .

وهذه العقيدة مخالفة صريحاً للكتاب ، فإن الرجعة قد أبطلت في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ _ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [3] ولا يخفى أن مناط التمسك ومحطه إنما هو قوله : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [4] فلا يمكن للشيعة أن يقولوا إن الرجعة تستحيل للعمل الصالح لا للقصاص وإقامة الحد والتعزير لما وقع المنع من الرجعة آخر الآية مطلقاً .

وقال الشريف المرتضى في ( المسائل الناصرية ) [5] : « إن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي ، قيل : إن تلك الشجرة تكون رطبة قبل الصلب فتصير يابسة بعده ، فهذا الأمر سيضل به جمع ، وهم يقولون : إن هذين البريئين قد ظُلما ، ولذا صارت الشجرة خضراء يابسة ، وقيل تكون تلك الشجرة يابسة ثم تصير رطبة خضراء بعد الصلب ، وبهذا السبب يهتدي خلق كثير » [6] .

والعجب أن هؤلاء الكذابين مختلفون بينهم في هذا الكذب أيضاً ، فقال جابر الجعفي [7] الذي هو من قدماء هذه الفرقة : إن أمير المؤمنين يرجع إلى الدنيا ودابة الأرض المذكورة في القرآن عبارة عنه [8] ، معاذ الله من سوء الأدب ، والزيدية كافة منكرون للرجعة إنكاراً شديداً ، وقد ذكر في كتبهم رد هذه العقيدة بروايات الأئمة ، وكفى الله المؤمنين القتال .

وقد قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } أي أنشأكم من العدم الفطري : { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [9] أي يوم القيامة للجزاء [10] ، وقال : { وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } في الدنيا : { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بعد انقراض آجالكم : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [11] [12] .

والدليل العقلي الموافق لأصول الإمامية على بطلان هذه العقيدة ، أنهم لو عذبوا بسوء أعمالهم بعد ما رجعوا في الحياة الدنيا ، ثم يعاد عليهم العذاب في الآخرة لزم الظلم الصريح ، فلا بد أن لا يكونوا في الآخرة من المعذبين ، فحصل لهم تخفيف عظيم عن العذاب المستمر الدائم وراحة أبدية ، وذلك مناف لغلظ الجناية وعظم الجرم ، قال تعالى : { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى } [13] .

والدليل الآخر على بطلانها أن الخلفاء الثلاثة لم يرتكبوا ما يوجب تعذيبهم إلا غصب الخلافة ، وبعض حقوق أهل البيت على زعم الشيعة ، وذلك الغصب بعد تسليمه غايته أن يكون فسقاً ، كما عليه متأخروهم أو كفراً كما زعم متقدموهم ، ولا شيء من الكفر والفسق يوجب الرجعة في الدنيا بعد الموت قبل البعث ، وإلا يلزمهم أن يعتقدوا رجعة الكفرة والفسقة من أهل الأديان كلهم أجمعين ، ولا اختصاص لهذا الكفر والفسق بالرجعة ، وإلا يلزمهم أن يقولوا بكونهما أكبر من الشرك بالله تعالى والكفر به – نعوذ بالله من ذلك – ومن تكذيب الأنبياء وقتلهم بغير حق وإيذائهم ونحوها ، معاذ الله من كلها .

وهذه اللوازم باطلة محضاً عندهم ، فقد تبين للعارف المنصف أن هذه العقيدة الخبيثة باطلة على أصولهم أيضاً والقول بها ضلالة ، وأيضاً لو كان المقصود من تعذيبهم في الدنيا إيلامهم وإيذاءهم يكون ذلك حاصلاً لهم في عالم القبر أيضاً ، فالإحياء عبث ، والبعث قبيح ، يجب تنـزيه الله تعالى عنه .

وإن كان المقصود إظهار جنايتهم عند الناس ، فقد كان الأولى بذلك الإظهار لمن كانوا معتقدين بحقية خلافتهم وناصرين لهم في زمنهم ، فكان لا بد حينئذ أن يؤتى الأمير والسبطان القدرة على الانتقام منهم حتى لا تضل بقية الأمة ويتبرؤن من أفعالهم ، وهذا القدر في تأخير الانتقام بعد ما يمضي أكثر الأمة ويأتي آخرون لم يطلعوا على فساد أعمالهم وبطلان أحوالهم أصلاً خلاف الحكمة والصلاح فقد لزم ترك الأصلح .

وليت هذه الأمور تقع في اليوم الآخر حتى يطلع كل من الأولين والآخرين على هذا الجزاء والقصاص فيكون لها وجه في الجملة ، بخلاف وقوعها قبله إذا مضى أكثر عمر الأمة وبقيت الدنيا قليلاً ، فإن بعض الناس الذين يحضرون ذلك الوقت إن اطلعوا على جنايتهم وذنوبهم فلا فائدة فيه ؛ لأنه لم يكن في ذلك القوت من يعرف أبا بكر وعمر ومعاوية فيميز أحدهم عن الآخر ، بل ينشأ الاحتمال عند كلهم أن عدة ناس سموهم بأساميهم كيزيد وشمر [14] المجعولين في الأيام العشرة من المحرم للقتل توطئة لتشفية قلوبهم .

ولو كان يكفي قول المهدي والأئمة الآخرين إن فلاناً أبو بكر وفلاناً عمر ، فلماذا لا يقبل قولهم في بطلان أمر خلافتهم وغصبهم وظلمهم وتعذيبهم في البرزخ – معاذ الله – حتى يحتاج إلى إحيائهم ؟ وأيضاً يلزم على هذا التقدير أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والوصي والأئمة لا بد لهم أن يذوقوا موتاً آخراً زائداً على سائر الناس للزوم تعاقبه للحياة الدنيا ، وظاهر أن الموت أشد آلام الدنيا فلِمَ يجوّز الله سبحانه إيلام أحبائه عبثاً ؟ وأيضاً إذا أحيى هؤلاء الظلمة سيعلمون بالقرائن أنهم أحيوا للتعذيب والقصاص ، وأنهم كانوا على الباطل والأئمة على الحق فيتوبون بالضرورة توبة نصوحاً ، إذ التوبة مقبولة في الدنيا ولو بعد الرجعة ، فكيف يمكن حينئذ تعذيبهم ؟.

وأيضاً يلزم على هذا التقدير إهانة الأمير والسبطين ، فإنهم كانوا عند الله أذل من كل ذليل حتى إن الله تعالى لم ينتقم من أعدائهم ، ولم يجعلهم قادرين عليهم ، إلا بعد مضي ألف وعدة مئات من السنين ، إذ يظهر المهدي لإغاثتهم بواسطته وينتقم من أعدائهم ويجعلهم قادرين عليهم ! ، وبالجملة فإن مفاسد هذه العقيدة أزيد من أن تحيط بها الكتابة والعبارة .

العقيدة الثالثة : إن أهل السنة أن الله يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء من العصاة ، ويعتقد الإمامية أن أحداً منهم لا يعذَّب بأي ذنب من صغيرة أو كبيرة لا يوم القيامة ولا في القبر [15] .

وهذه العقيدة إجماعية لهم ومسلّمة الثبوت عندهم ويستدلون عليها أن حب علي كافٍ للخلاص والنجاة كما تقدم في المقدمة [16] ، ولا يفقهون أن حبَّ الله تعالى وحب رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما لم يكن كافياً في النجاة والخلاص من العذاب – بلا إيمان وعمل صالح – كيف يكون حب علي كافياً !؟ .

إن هذه العقيدة خلاف أصولهم ورواياتهم أيضاً ، ولكن لما كان غرضهم الإباحة والعذر لترك الطاعة وإسقاط التكاليف تلقوها بالقبول ، وغلبت أنفسهم الأمّارة بالسوء على العلم والعقل وقهرتهما ، أما المخالفة للأصول فلأنه إذا ارتكب إمامي الكبائر ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله ؛ لأن عقاب العصاة واجب على الله عندهم ، وأما المخالفة للروايات فلأن الأمير والسجاد والأئمة الآخرين قد روي عنهم في أدعيتهم الصحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب الله تعالى [17] ، وإذا كان مثل هؤلاء الكرام خاشعين هائبين ، فكيف يصح لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكئ عليها في ترك العمل ؟! .

وفي الأصــل هذه العقيدة مأخوذة من اليهــود ، حيـث : { قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ _ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [18] وعمدة ما يتمسكون به في هذا الباب روايات وضعها رؤساؤهم الضالون المضلون [19] .

منها ما روى ابن بابويه القمي عن المفضل بن عمر [20] قال : « قلت لأبي عبد الله : لِمَ صار علي قسيم الجنة والنار ؟ قال : لأن حبه إيمان وبغضه كفر ، وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان والنار لأهل الكفر فهو قسيم الجنة والنار ، لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا يدخل النار إلا مبغضوه » [21] ، والدليل على كذب هذه الرواية أن الأئمة ما كانوا ليقولوا بما يخالف القرآن والشريعة أصلاً ، وإلا فقد كذَّبوا أنفسهم وآباءهم .

وفي هذه الرواية مخالفة للقواعد المقررة في الشريعة بعدة وجوه :

الأول : أن حب شخص بعينه أو بغضه لو كان إيماناً أو كفراً لا يلزم أن يكون ذلك الشخص قسيماً للجنة والنار ؛ لأن سائر الأنبياء والمرسلين والأئمة والسبطين لهم هذه الرتبة وليس أحد منهم قسيماً لهما .

الثاني : أن حب الأمير ليس كل الإيمان ، وإلا يبطل التوحيد والنبوة والإيمان بالمعاد والعقائد الضرورية الأخر للشيعة كلها ، ولا تمام المشترك بينهما ؛ لأن التوحيد والنبوة أصل أقوى وأهم ، وعليه مناط تحصيل الإيمان ، وأيضاً يلزم على ذلك التقدير أن يجوّز سبّ الأئمة الآخرين وإيذاؤهم ، معاذ الله من ذلك ، فلما لم يكن كل الإيمان ولا تمام المشترك بينهما ، بل ثبت أنه من أجزاء الإيمان لم يكن ليكفي وحده في دخول الجنة ، وهذا هو الأظهر .

الثالث : أن قولهم : « لا يدخل النار إلا مبغضوه » ، يدل صراحة على أنه لا يدخل النار أحد من الكافرين الذين لم يبغضوه كفرعون وهامان [22] وشداد [23] ونمرود [24] وعاد وثمود وأضرابهم ، لوجود الحصر في العبارة ؛ لأن أولئك المذكورين لم يبغضوا علياً بل لم يعرفوه ، وهو باطل بالإجماع .

الرابع : لو أنا سلمنا ذلك كله ، فليس لتلك العبارة مساس بمدّعاهم ؛ لأن حاصلها أنه لا يدخل الجنة من لا يحب علياً ، لا أن كل من يحبه يدخلها ، والفرق بينهما واضح ؛ لأن الأول يكون دخول الجنة فيه مقصوراً على المحبين بخلاف الثاني ، فإن فيه كون المحب مقصوراً على الدخول فلا يوجد بما سواه ومدعاهم هذا دون الأول .

الخامس : لو تجاوزنا عن هذه كلها يلزم أن يكون جميع فرق الروافض ناجين ، وهو خلاف مذهب الإمامية .

ولما لم تنطبق هذه الرواية على غرضهم ، روى ابن بابويه رواية أخرى عن ابن عباس لأنه قال : « قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : جاءني جبريل وهو مستبشر فقال : يا محمد إن الله الأعلى يقرئك السلام ، وقال : محمد نبيي ورحمتي ، وعلي حجتي ، لا أعذب من والاه وإن عصاني ، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني » [25] ، والدليل على كذب هذه الرواية أن معنى النبوة ههنا قد ثبت في الحقيقة لعلي ؛ لأن حبوط الطاعات إنما هو في حق منكر الأنبياء خاصة ، ولزم تفضيل علي على النبي لأنه لم تثبت له رتبة الحجية ، إذ منكره يكون من جملة العصاة ، والمقر به من جملة المطيعين ، ومع هذا لا خوف على العاصي لو كان منكراً للرسول إذا كان محباً لعلي ، ولا منفعة للمطيع ولو كان مؤمناً بالنبي إذا كان يبغض علياً .

ولا يخفى أن ذلك مخالف لقوله تعالى : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [26] ، وقوله : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا } [27] ، وقوله : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا } [28] وكل رواية تخالف قواطع النصوص فهي موضوعة جزماً ، كما تقرر عند أصحاب الحديث .

وأيضاً لزم منها نسخ الصلاة والصوم والطاعة والعبادة وحرمة المعاصي ، ولم يبق غير حبّ علي وبغضه مدار الجزاء ، ولزم أن نـزول القرآن يكون لضلالة الخلق لا لهدايتهم ، إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه أنه لابد منه ، ولو كان مذكوراً يكون بنوع لا يفهمه كل أحد من المكلفين البتة ، وتكليف فهم اللغز لا يحتمله كل أحد فالقرآن كله يدعو إلى أمر لا يحتاج إليه في الآخرة أصلاً ، وما ينفع في الآخرة لا أثر له فيه ، معاذ الله من ذلك .

هذا وقد رويت روايات أخر في كتبهم المعتبرة مناقضة لهذه الروايات ، منها ما روى سيدهم وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال : « نظر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب فقال : هذا خير الأولين وخير الآخرين من أهل السماوات وأهل الأرض هذا سيد الصديقين ، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، إذا كان يوم القيامة كان على ناقة من نوق الجنة أضاءت عرصة القيامة من ضوئها ، على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت ، فتقول الملائكة : هذا ملك مقرب ، ويقول النبيون : هذا نبي مرسل ، فينادي المنادي من تحت بطنان العرش : هذا الصديق الأكبر ، هذا وصي حبيب الله علي بن أبي طالب ، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحبه ويدخل فيها من يبغضه ، ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب » [29] .

ولا يخفى أن هذه الرواية ناصة صريحاً على أن العصاة ممن يحب الأمير يدخلون النار ، ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة بعد ما يعذبون بقدر أعمالهم ، وبينها وبين الرواية الأولى تناقض صريح .

ومنها ما روى ابن بابويه القمي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال : « قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن عبداً مكث في النار سبعين خريفاً ، كل خريف سبعون سنة ، ثم إنه سأل الله تعالى بحق محمد وآله أن يرحمه فأخرجه من النار وغفر له » [30] ، فإن كان هذا الرجل محباً للأمير فلم عذب في النار هذه المدة المديدة ؟ وإن كان مبغضاً له فلِمَ يدخل الجنة مغفوراً له ؟ والأظهر أن محبة الأمير لن تفيد أبداً من خالف عقيدته وترك طريقته .

وقد يورد على ذلك أن من كان منكراً لولاية السبطين والبتول والأئمة الآخرين ومحباً للأمير أن يكون من أهل الجنة أصلاً ولا يمسه عذاب النار أصلاً ، مع أن ابن المعلم الملقب عندهم بالمفيد روى في كتاب ( المعراج ) له أن الله تعالى قال : « يا محمد لو أن عبداً عبدني حتى يصير كالشـن البالـي ثم [31] أتاني جاحداً لولاية محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما أسكنته جنتي » [32] .

فالكيسانية مع جحودهم بولاية السبطين ، والغلاة مع مخالفتهم عقيدة الأمير ، لا بد أن يكونوا ناجين من أهل الجنة على ما رواه ابن بابويه ، فإن قالت الإمامية : إن هذه الرواية ذكر فيها الجحود بولاية كل واحد من الخمسة فولاية الأمير من جملتها ، فلعل رد عبادات ذلك الرجل لكونه جحد ولاية الأمير بناء على كون النجاة منوطة بالولاية المطلقة ، فجحود إحدى الولايات منافٍ لها ، قلنا فعلى هذا جحود ولاية محمد صلى الله تعالى عليه وسلم المستلزم للكفر يكون كافياً بالإجماع في حبوط الأعمال من غير أن يكون لجحود ولاية علي دخل فيه ، فعلم أن المقصود ههنا جحود ولاية كل واحد منهم منفردة وبه يثبت المدعى .

ولما انجرَّ الكلام لزم أن نبين أن الاثني عشرية يعتقدون أن جميع فرق الشيعة – سوى فرقتهم – مخلون في النار وهم ناجون [33] ، قال ابن المطهر الحلي في ( شرحه للتجريد ) : « إن علماءنا لهم اختلاف في حق هؤلاء الفرق ، قال بعضهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة ، وقال بعضهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ، وقال ابن نوبخت [34] والعلماء الآخرون يخرجون من النار لعدم الكفر ، ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان الصحيح الذي يوجب استحقاق ثواب الجنة ، بل يمكثون في الأعراف خلوداً » [35] .

وقال صاحب ( التقويم ) [36] الذي هو من أجلّ علماء الإمامية : إن الشيعة المحضة قد تفرقت على اثنين وسبعين فرقة والناجية منهم الاثنا عشرية ، والباقون يعذبون في النار مدة ثم يدخلون الجنة ، فهم يثبتون جزماً في حق من يحب الأمير إما تعذيباً دائماً أو منقطعاً .

وأيضاً قال صاحب ( التقويم ) : وأما سائر الفرق الإسلامية فكلهم مخلون في النار . فمن ههنا علم أن أهل السنة أيضاً مخلون في النار عندهم ، مع أنهم يحبون الأمير ويعتقدون أن حبه جزء من الإيمان ، فانتقضت قاعدة محبة الأمير طرداً وعكساً .

ويخالف ذلك ما رواه ابن بابويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنـه قـال : « والذي بعثني لا يعذب بالنار موحد أبداً » [37] .

وروى الطبرسي [38] في ( الاحتجاج ) عن الحسن بن علي أنه قال : « من أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد ، علم ما اختلـف فيه إلى الله سلم ونجا من النار ودخـل الجنة » [39] .

وروى الكليني بإسناد صحيح عن زرارة قال : « قلت لأبي عبد الله : أصلحك الله أرأيت من صام وصلى وحج واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب ؟ قال : إن الله يدخله الجنة برحمته » [40] .

فهذه الأخبار الثلاثة دالة بالصراحة على نجاة أهل السنة ، وكذلك على إبطال قول الجمهور من الروافض وقول صاحب ( التقويم ) ، وكلام ابن نوبخت المنجم الذي كان في الأصل مجوسياً ولم يطلع على قواعد الإسلام بعد أيضاً باطل لا أصل له ؛ لأن الأعراف ليس دار الخلد بل أهله يمكثون فيه مدة قليلة ثم يدخلون الجنة كما هو الأصح عند المسلمين .


هامش

  1. [ آل عمران : 9 ]
  2. [عقيدة ( الرجعة ) عند الإمامية هي عودة إمامهم الغائب المزعوم الذي يسمونه بأسماء شتى منها القائم ، وصاحب الزمان ، والحجة وغيرها ، فيبعث الله تعالى كبار الصحابة – وفق عقيدتهم وزعمهم - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فينكل بهم ويصلبهم ، ولا يستطيع القائم أن يقوم بهذه المهمة بنفسه على حد اعتقاد الإمامية ، قال ابن بابويه : « إن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية ، اَنّ الله تعالي يعيد عند ظهور لمهدي قوماً ممن كان تقدم موته من شيعته و قوماً من أعدائه » . وقال المفيد : « اتفقت الامامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة » . نجم الدين الطبسي ، الرجعة : ص 4 ]
  3. [ المؤمنون : 99 - 100 ]
  4. [ينظر ما قاله القرطبي في تفسير هذه الآية . الجامع لأحكام القرآن : 12/149 .]
  5. [سماها صاحب الذريعة بـ ( المسائل الناصريات ) ، صنفها علي بن الحسين بن موسى الموسوي ( ت 436هـ ) ، وهي عبارة عن سبع ومائتي مسألة منتزعة من ( الفقه الناصرية ) تصنيف الناصر الكبير جد المرتضى . الذريعة : 20/370 ]
  6. [ونقله الآلوسي بالمعنى ، وهو حديث طويل أورده ابن رستم الطبري ناسباً الكلام إلى المهدي المنتظر حيث يقـول : « وأجيء إلى يثرب فأهدم الحجرة يعني التي دفن فيها النبي ﷺ وصاحبيه وأخرج من بها وهما طريان يعني الصديق والفاروق رضي الله عنهما فأمر بهما تجاه البقيع ، وآمر بخشبتين يصلبان عليها ، فتورقـان من تحتهما فيفتتن الناس بهما أشد من الأولى ... » . الطبري ، دلائل الإمامة : 297 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 53/104]
  7. [هو جابر بن يزيد بن الحرث الجعفي الكوفي ، أختلف علماء الحديث من أهل السنة فيه ، فذهب البعض إلى توثيقه ، وذهب معظمهم إلى تضعيفه وتركه ، فقد تركه النسائي ، وقال يحيى : « لا يكتب حديثه ولا كرامة » ، ونقل عباس الدوري عن زائدة قوله عن الجعفي : « بأنه كان كذاباً » ، مات سنة 128هـ . ميزان الاعتدال : 2/103 . أما الإمامية فقد عدوه من خيرة رواتهم عن الباقر والصادق حتى قيل عنه إنه روى عنهما سبعين ألف حديث ، قال المامقاني : « إن الرجل في غاية الجلالة ونهاية النبالة ، وله المنـزلة العظيمة عليهما السلام بل ، من أهل أسرارهما وبطانتهما ومورد ألطافهما الخاصة وعنايتهما المخصوصة وأمينهما على ما لا يؤتمن عليه إلا أوحدي العدول من الأسرار ومناقب أهل البيت عليهم السلام » . تنقيح المقال : 1/203 ؛ رجال النجاشي : 1/313 . ولذلك توقف المحققون من أهل السنة عن الأخذ عن هذا الرجل ، وهم محقون في ذلك ]
  8. [وهذه الرواية ثابتة في كتبهم فقد أخرج القمي عن أبي عبد الله قال : « انتهى رسول الله ﷺ إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه وهو نائم في المسجد ، قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه ، فحركه برجله ثم قال : قم يا دابة الله ، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله : أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الاسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ، وهو دابة الأرض الذي ذكر الله تعالى في كتابه : ( وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الأرض ... ) فذكر الآية » . تفسير القمي : 2/130 ؛ وأخرج هذه الرواية أيضاً الصافي في تفسيره : 4/74 ؛ والمجلسي في بحار الأنوار : 39/59 ]
  9. [ الحج : 66 ]
  10. [ابن كثير ، التفسير : 3/234 ]
  11. [ البقرة : 28 ]
  12. [ينظر للتفاصيل تفسير الآلوسي الجد : روح المعاني : 1/214 ]
  13. [ طـه : 127 ]
  14. [هو شمر بن ذي الجوشن ( شراحبيل ) بن قرط الضبابي الكلابي ، أبو السابغة ، كان ممن شارك في قتل الحسين t يوم الطف ، وكان قبل ذلك من ذوي الرئاسة في هوزان ، وشهد صفين مع علي t ، وبعد استشهاد الحسين t قام بالكوفة ، وعند خروج المختار هرب إلى خوزستنان فتتبعه أعوان المختار وقتلوه هناك سنة 66هـ . الكامل في التاريخ : 4/92 ؛ ميزان الاعتدال : 1/449 ]
  15. [وينسبون روايات كثير في كتبهم إلى الأئمة وإلى النبي ﷺ في هذا المعنى ، منها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي : « إنك قسيم الجنة والنار » . عيون أخبار الرضا : 2/27 ؛ العمدة : ص 265]
  16. [ص 9 من هذا الكتاب]
  17. [من ذلك ما ورد من دعاء السجاد قوله : « وإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عني حين أستحق عفوك فإن ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل له باستجاب ، إذ كان جزائي منك ما عصيتك النار ، فإن تعذبني فأنت غير ظالم لي » . الصحيفة السجادية : ص 84 . وروى الكليني عن سليمان بن خالد قـال : « حضرت عشاء أبي عبد الله رضي الله عنه في الصيف فأتي بخوان عليه خبز وأتي بقصعة ثريد ولحم فقال هلم إلي هذا الطعام فدنوت فوضع يده فيه ورفعها وهو يقول : أستجير بالله من النار أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار هذا ما لا نصبر عليه فكيف النار ؟ هذا ما لا نقوى عليه فكيف النار ؟ هذا ما لا نطيقه فكيف النار ؟ قال : وكان رضي الله عنه يكرر ذلك حتى أمكن الطعام فأكل وأكلنا معه » . الكافي : 6/322]
  18. [ آل عمران : 24 – 25 ]
  19. [ينظر ابن كثير ، التفسير : 1/356]
  20. [في الأصل ( عمرو ) والتصحيح من كتب الإمامية . هو المفضل بن عمر بن محمد الجعفي ، أبو عبد الله روايته عند الإمامية عن الصادق ، جرحه علمائهم باستثناء المفيد ، واتفقوا علة أنه كان خطابياً ، ورغم ذلك فقد قال المامقاني : « إن الرجل صحيح الاعتقاد ثقة جليل لتوثيق المفد إياه ... » . رجال النجاشي : 2/259 ؛ تنقيح المقال : 3/238]
  21. [علل الشرائع : 1/161 ؛ معاني الأخبار : ص 206]
  22. [هو وزير فرعون الذي كان يشجعه على الكفر والطغيان . ينظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 13/288]
  23. [هو شداد بن عاد عوص بن سام بن نوح ، ذكره عدد من المفسرين بأنه الباني لأرم ذات العماد التي ذكرها الله تعالى في سورة الفجر ، وكان الله تعالى قد أرسل إليهم هوداً رضي الله عنه فكذبوه وعصوه ، ويضرب المثل في عمارة ( أرم ) وأتساعها وقد بالغ الأخباريون في ذكرها ، قال تعالى : ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد . أرم ذات العماد . التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ الآيات . ابن كثير ، قصص الأنبياء : ص 101 وما بعدها]
  24. [هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، هو الذي حاج إبراهيم رضي الله عنه في ربه ، قال تعالى : ﴿ أم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي الموتى ، قال أنا أحي وأميت ﴾ الآية . ينظر : تفسير ابن كثير : 1/314]
  25. [الأمالي : ص 658 ؛ الطوسي ، الأمالي : 118 ؛ المفيد ، الأمالي : ص 76]
  26. [ الأحزاب : 71 ]
  27. [ الأحزاب : 36 ]
  28. [ الجن : 23 ]
  29. [ابن شاذان ، مائة منقبة : ص 89 ؛ الأربلي ، كشف الغمة : 1/345]
  30. [الأمالي : ص 672 ؛ المفيد ، الأمالي : ص 218 ؛ الشعيري ، جامع الأخبار : ص 143]
  31. [غير موجودة في الأصل وضعناها من كتب الإمامية لإتمام المعنى]
  32. [تفسير فرات : ص 73 ؛ ابن بابويه ، عيون أخبار الرضا : 1/58 ؛ ابن طاوس ، اليقين : ص 149]
  33. [وقد وضع الإمامية روايات في ذلك ونسبوها إلى الأئمة ، من ذلك ما رووه عن حمران أنه : « سأل عن المخالفين لعقيدة الإمامية هل هم ممن يخرجون من النار ؟ فقال أبو عبد الله : أما يقرؤون قول الله تبارك ( ومن دونهما جنتان ) إنها جنة دون جنة ونار دون نار ، انهم لا يساكنون أولياء الله ، وقال : بينهما والله منـزلة ، ولكن لا أستطيع أن أتكلم ، إن أمرهم لأضيق من الحلقة ، إن القائم لو قام لبدأ بهم » . بحار الأنوار : 8/359 . ويبين المجلسي لأصحابه ما خفي عليهـم من كلام الإمـام فيقـول : « قوله عليه السلام : إن أمرهم : أي المخالفين ، لاضيق من الحلقة : أي الأمر في الآخرة مضيق عليهم لا يعفى عنهم كما يعفى عن مذنبي الشيعة ، ولو قام القائم بدأ بقتل هؤلاء الكفار ، فقولـه ( لا أستطيع التكلم ) : أي في تكفيرهم تقية » !! . ويعني بالمخالفين كل من خالف مذهب الإمامية سواء كان من أهل السنة أو فرق المسلمين الأخرى ، فهؤلاء كلهم كفار عند الإمامية خالدون في النار كما قرر المجلسي ذلك عندما قال : « والحاصل إن المخالفين ليسوا من أهل الجنان ولا من أهل المنـزلة بين الجنة والنار ، وهي الأعراف ، بل هم مخلدون في النار ... » . بحار الأنوار : 8/360 – 361]
  34. [كذا ذكره ، والمقصود به الحسن بن موسى ، أبو محمد النوبختي ، قال عنه الذهبي : « العلامة ذو الفنون الشيعي المتفلسف » ، وقال عنه النجاشي : « شيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه » ، قال كحالة : كانت المعتزلة تدعيه والشيعة تدعيه ، ولكنه إلى حيز الشيعة أقرب » تصانيفه كثيرة . وقد ذكر له النجاشي مؤلفات كثيرة ، مات بعد سنة 300هـ . رجال النجاشي : 1/179 ؛ سير أعلام النبلاء : 15/327 ؛ لسان الميزان : 2/258 ؛ معجم المؤلفين : 3/298]
  35. [شرح تجريد الاعتقاد : ص 423 – 424]
  36. [هو لمحمد باقر بن محمد الحسيني الأسترآبادي الأصفهاني المعروف عند الشيعة بالمحقق الداماد ( ت 1040هـ ) ، وسماه ( تقويم الإيمان ) . الذريعة : 4/396]
  37. [الأمالي : ص 295 ؛ التوحيد : ص 29 ؛ الفتال ، روضة الواعظين : 1/42 ]
  38. [هو أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي ، أبو منصور ، من مشاهير العلماء عند الإمامية قال عنه الحر العاملي : « عالم فقيه محدث ثقة » ، وله غير هذا الكتاب التفسير الذي اشتهر عنه ، يرجح أن وفاته كانت بحدود سنة 622هـ . معالم العلماء : ص 25 ؛ أعيان الشيعة : 9/100]
  39. [الاحتجاج : ص 287]
  40. [الكافي : 2/20]