مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/جمال باشا في سوريا

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
جمال باشا في سوريا
المؤلف: أحمد قدري


[39]

جمال باشا في سورية

ومنذ اليوم الذي غادر فيه جمال باشا الأستانة إلى دمشق طفق يشير بخطبه وشتى تصريحاته، إلى ضرورة تعزيز الصالات بين العرب والترك، والى حسن نوايا الحكومة العثمانية تلقاء البلدان العربية، وقد وقعت هذه التصريحات وتلك الخطب موقعها الطيب في نفوس العرب. ولذا ما كاد جمال باشا يصل إلى دمشق حتى استقبلناه بقلوب ملؤها الحماس، مأخوذين بمظاهره الودية حيال قضيتنا من ناحية ومخافتنا على بلادنا من ناحية أخرى أن تذهب فريسة الاستعمار الغربي فيما اذا كتب النصر الحلفاء.

وقد جاء في أول خطاب ألقاه في العاصمة الأموية ما جعلنا نركن الى حسن نواياه اذ قال : « أؤكد لكم أن الأماني التركية والاماني العربية لا تتعارضان مطلقا، فالترك والعرب ليسوا سوى اخوان في غايتهم الوطنية، وان هذين الشعبين مقضي عليهما بالفناء في اللحظة التي تخاذلان فيها». ولما انتهى من خطابه أنشد الشباب العربي بعض الاناشيد الوطنية الحماسية كنشيد «نحن جند الله شبان البلاد » فاستاء جمال باشا من هذه المطاهر العربية وتناسي ما كان قاله في خطابه ؛ ورغم اضطراره إلى السفر مع حملة قنال السويس وتوجيه معظم جهوده الانجاح هذه الحملة، فقد أصدر أمره بحل كتيبة تدريب الضباط العرب، أي كتيبة ضباط الاحتياط في دمشق.

ولما أن باءت الحملة بالفشل، ونزل بها ما نزل، وأصبح مقر قيادة الجيش الرابع في القدس، حل محله في دمشق فخري باشا قائد الفيلق (۱۳) « الموصل»، باسم وكيل قيادة الجيش الرابع. وكان رئيس أركان [40]حربه ياسين باشا الهاشمي وهو من خيرة الضباط العرب النابهين، فقررت الجمعية الاتصال به ودرس اتجاهاته توطئة لادخاله في عداد أعضائها وكلفت بذلك السيد عبد الغني العريسي. وقد تمكن السيد العريسي من الاتصال بضابط من ضباط أركان حربه، وهو مجيد بك وعقد معه أواصر الصداقة فكان هذا الضابط واسطة الاتصال ياسين باشا.

وعلى الاثر قررت الجمعية قبوله عضوا فيها وقد حلفتُه اليمبن مع عبد الغني العريسي وجعلناه همزة الوصل بين جمعية الفتاة وجمعية العهد التي كان ينتسب اليها معظم ضباط العرب القوميين، وعقب ذلك انضم رضا باشا الركابي للجمعية فتوسعت بذلك أعمالها ممتدة، حتى لقد دخل في عداد أعضائها نسیب بك الأطرش ونواف الشعلان نظرا لسمعتهما الوطنية الطيبة والاستعانة بقوى البر عند الاقتضاء، وقد أبلغت الجمعية الركابي والأمير طاهر الجزائري أن يتقدما إلى فائز الغصين بالسفر لمضارب الشعلان والعودة بالأمير نواف لدمشق. فلي فائز الغصين الطلب وسافر الى مارب الشعلان قرب تدمر وقوبل مقابلة حسنة، وعلى اثر دلك وشى الواشون بسفره الى تدمر، فما كان السلطات التركية إلا أن أعتقلته بعد عودته في ۲۳ تموز سنة ١٩١٥ وسيق الى عاليه ومنها نفي الى ديار بكر. ولقد قدمت له الجمعية مبلغا من المال ليستعين به بواسطة أحد أعضائها القدامى السيد رشيد الحسامي، وذلك عند مقابلتهما في القطار أثناء السفر من بعلبك إلى حلب. إلا انه تمكن من النجاة بنفسه من ديار بكر فقصد إلى البصرة سيرا على الاقدام و منها سافر إلى الحجاز حيث عين سكرتيرًا خاصًا لسمو الأمير فيصل، وقد اجتمعت الهيئة الادارية للفتاة عقب توقیف فائز الغصين ورأت أن الخطر اصبح يهدد [41]الأمير عارف التهاني وعبد الغني المريسي، كما أن صدور الأمر بإرسال توفيق البساط وابراهيم هاشم من ضباط الاحتياط مع زملائهم العرب إلى جهة الدردنيل يعني خسارتها لنشاطهم، فقر القرار على تكليفهم بأن يتواروا عن الابصار ثم يواصلوا سفره إلى الحجاز، وقد اتصلت لهذه الغاية بواسطة سلم بن يوسف عبيد من قرية جرمانا وهو احد أقارب الدكتور عبد العزيز كنفاني والمعروف جيدا من قبل نسیب بك البكري بالمغوش شیخ خلخلة، واتفقنا على أن يؤاويهم بالقرية المذكورة بادىء بدء، وكأن أخي ذكي اذ ذاك قائمقام السويداء ، الأمر الذي سهل مهمتي هذه ، فغادروا دمشق إلى خلخلة في ۱۹۱٥/۷/۲۳ وكنت على اتصال دائم بهم أكفل لهم جميع حاجاتهم، وكان ختمي عند عبد الغني العريسي يوقع به بعض أوراق الجمعية عوضا عن ختم الجمعية بصفته سكرتير هيئة الادارة، وذلك زيادة في الاحتياط، فيها عن اعادته إلي قبل سفره حيث تركه في بذلته عند تغيير ملابسه بالملابس البدوية، فوقع بيد الشرطة وأرسل لديوان حرب عاليه مع ماوجد من المستندات عند عبد الغني المريسي، فكان علي أن أسافر لتدارك الأمر. ولما كنت طبيبًا للدرك برتبة رئيس لم يصعب علي ذلك، وقد تمكنت بواسطة أحد أصدقائي الضباط من استرداده و بذلك أمنت شر هذا الخطر الذي كان يترصدني.

وجاءني بعد حين عمر حمد أحد اخواننا في الجمعية من بيروت ينوي الهرب تخلصًا من ملاحقة السلطات له بسبب انتسابه الجمعية اللامركزية. فسهلت له سبيل الوصول إلى اخواننا في خلخلة . وبعد أن مكث الجميع فيها مدة دبروا أمر سفرهم للحجاز للعمل مع الحسين بن علي. ولما [42]كان ابراهيم هاشم مصابًا بالملاريا لم يتمكن من مرافقهم بل قصد متنكرًا بلدته نابلس وبقي مختفيا فيها الى انتهاء الحرب.

أما الباقون فسلكوا طريق الصحراء إلى أن وصلوا الى تبوك فزين لهم شيح عرب الفقير سلوك طريق السكة الحديدية فأخذوا برأيه وركبوا القطار الا أنهم بدلا من يتواروا عن الأنظار جلسوا أمام نوافذ القطار، وحدث أن ضحك الأمير عارف الشهابي فرآه طبيب في المحطة كان يعرف الأمير عارف، لكنه اشتبه بسن الأمير الذهبية، وهي من غير المتعارف به في تلك الجهات، فسعى إلى أن تعرف عليه، ثم اخبر السلطات الحكومية، فألقوا القبض عليهم وساقوم إلى ديوان حرب عاليه العرفي.

وحمل إلي هذا الخبر خفية نسيب البكري في احدى الليالي وعندي نخبة من ضباط أركان حرب جمال باشا يسهرون ويسمرون، وأصانعهم بغية الجسر عن نوايا جمال باشا وجططه نحو العرب، فكان لهذا الخبر أثره العظيم في نفسي.

ولم يلبث موقف جمال باشا من العرب أن تبدى واضحًا جليًا إذ كشف النقاب عن حقيقة نواياه نحوهم، رغم اعترافه الصريح في مذكراته بأنهم أظهروا عظيم التضحية والاخلاص خلال الهجوم على قنال السويس، ولكن هذه التضحية وهذا الاخلاص لم يجديا شفيعا لديه، بل راح یکید کیده للايقاع بالعرب من غير هوادة أو رحمة.

وكان أول ما فعل أنه أمر باعتقال عبد الكريم الخليل وذلك في أواخر حزيران ۱۹۱٥ بعد أن استدعاه من الاستانة ليساعده على تعزيز الروابط بين العرب والترك. وقد تم هذا الاعتقال بحجة أنه تآمر [43]مع رضا الصلح على نفخ نار الثورة في جبل عامل، وكان ذلك اثر وشاية لا تستند إلى حقيقة ؛ ثم أمر باعتقال رضا الصلح وصالح حیدر ومسلم عابدين ونايف تلاو و محمد المحمصاني ومحمود المحمصاني و عبد القادر الخرسا ومحمود العجم وسليم الاحمد عبد الهادي ونور الدين القاضي وعلي الأرمنازي،فأحيلوا جميعا الى ديوان حرب عاليه العرفي. وفي ۲۱ آب ۱۹۱٥ سيقوا إلى المشانق ما عدا الصلح ( وسليم العبد الهادي المتواري ) فكانوا أول قافلة من قوافل الشهداء، بأمر من جمال باشا ودون مصادقة الارادة السلطانية الواجبة في مثل هذه الأمور، ولم يكن من ذنب لجميع الذين شنقوا الا أنهم ينتمون إلى حزب اللامركزية، هذا مع العلم بأنه لم يكن في برنامج الحزب المذكور ما يوجب تعريص المنتسب اليه المسؤولية ؛ واذا اعتبرنا أن سبب شنقه هو انتسابهم للجمعية اللامركزية بمصر –وقد أيد جمال باشا حجته بنشر المنشورات التي كانت تصدر عن حقي العظم―فان حزب اللامركزية بمصر كان حزبا معترفا به من الدولة، وهذه المنشورات كانت تصدر عن حقي العظم نفسه الجمعية اللامركزية، فعلى م يتحمل اذن اعضاؤها تبعات ما لم يقوموا به ؟

وعلى أثر هاتيك المأساة الدامية لم يرعني ذات ليلة الا أن بابي بقزع ثم طلب الي مقابلة سيدة محجبة، خرجت اليها فاذا هي سيدة محترمة تجلببت بالسواد، جاءت تخاطبني بصوت راعش حزين قائلة انها شقيقة المرحوم صالح حیدر. و كنا مرتبطين بصلة الحوار حينما كان والدي قائد المنطقة بعلبك في عهد طفولتي، وربط عائلتينا صداقة حميمة فأثر في موقفها أما تأثير ولا سيما حين فاجأتني بأن أخاها قد ذهب [44]ضحية الواجب، وهي تود أن تكون هذه المأساة خاتمة المصائب، ولذلك ترجو أن نعمل على ابادة الأوراق التي من شأنها إدانة أحد من الشباب البلاد،وبالنظر لثقتي بشرفها وشرف عائلتها فقد قابلت طلبها بكل ارتياح ورجوتها أن تقصدإلى بيروت لتتصل بشقيقة المرحومين محمد و محمود المحمصاني كما تأخذا اوراق الجمعية و مستنداتها من المكان المودعة فيه، وهو قبر ولي بالقرب من بيت المحمصاني، ثم احراق هذه الوثائق و إنبائي بنتيجة الأمر، ولم تتأخر عن الشخوص ليلا الى بيروت وانفاذ ما رجوتها به بكل دقة، وقد لمست من شقيقة المرحومين محمد و محمود الحمصاني كل مساعدة وعطف. ولو وقع أي تقصير في هذه المهمة، لكان الشنق بلا ریب نصيب معظم الاعضاء العاملين في الحقل الوطني إلا أن شجاعة هاتين السيدتين المثكولتين وحسن نيتهما كان من أشرف الاعمال الوطنية وآية رائعة من الإخلاص والقيام بالواجب.

وقد كان لهذه المآسي القاسية والسياسة الطاغية التي لجأ إليها جمال باشا دوي وأي دوي في العالم العربي،اذ ثارت الخواطر واضطربت الأفكار وأدرك العرب أنهم تلقاء سياسة جائرة ترمي إلى القضاء على أمانيهم والتعسف بهم لاخفات صوتهم.

ولما كان القضاء إعداما على أمثال هؤلاء الشهداء الذين يمثلون صفوة شباب العرب ونخبهم، ومنهم من ينتمي إلى جمعيتنا أمثال محمد المحمصاني ومحمود المحمصاني وصالح حیدر، ولما كان هذا الحكم قد أظهر النيات التركية نحو العرب فقد قررت الجمعية القيام بدعاية واسعة النطاق لاطلاع العالم العربي على حقيقة نوايا الاتحاديين، فسعينا جهدنا و بكل ما أوتينا من حول وقوة لتحقيق هذه الغاية. ولقد انتهت تفاصيل هذه [45]الفجائع إلى مسامع شريف مكة الحسين بن علي، فوقعت من نفسه موقعا أليما وحزن لها حزنا عظيما، وكان ابنه علي قد عثر على وثائق كان يحملها وهيب باشا قائد الجيش العثماني في الحجاز وهو يرافقه مع متطوعة الحجاز في طريقهما إلى القنال للاشتراك في الحملة ،فوقف الامير من محتوياتها على ما ينبئ بالقضاء على امتیازات والده تدريجيا ثم الغاء الامارة ؛ فاعتذر إذ ذاك عن مرافقة وهيب باشا في الحملة قبل اعداد عدته، عائدًا أدراجه إلى مكة حيث أطلع والده على كنه الأمور، فأيقن شريف مكة أن الخطر محدق بامارته وباالعرب جميعًا. وكانت قد اتصلت بمسامعه دعايتنا فصادفت أرضا خصبة من لدنه و تألف من هذه الأسباب مجتمعة ما ألف في ضميره خطوط السياسة الجديدة التي ينبغي أن يسير عليها.

ولما كانت البلدان الحجازية تعتمد في معاشها على طريق البحر الأحمر وطريق الخط الحجازي، وكانت الحرب قد أفضت إلى أن يفرض الانكليز الحصار البحري على بلاد الدولة العثمانية. ولما كانت سورية لم يعد في مقدورها امداد الحجاز بالمؤن لان الحكومة العثمانية وضعت يدها على كافة المنتجات الزراعية لاعاشة الجيش، كما أن الحج قد توقف وهو مورد هام للحجاز. من أجل هذا كله، أصبحت حالة الحجاز مهددة بخطر المجاعة ؛ فراح شريف مكة يجهد الفكر في استنباط مخرج من هذا المأزق الحرج. وقد وجد في مراجعة الانكليز إياه بدعوته للانضمام إلى صفوف الحلفاء منفذا لمجانية الخطر الداهم، ثم الوسيلة الوحيدة للخروج ببلاده من الموقف الدقيق الذي آلت اليه، فرضي، على كره، مفاوضة الانكليز في شهر يوليو ۱۹۱٥؛ الا ان ابنه الامير فيصل كان على جانب عظيم من الحذر والتيقظ، لا يطمئن إلى نوايا الحلفاء، ولذا [46]التمس من والده السماح له بالسفر إلى الأستانة عله يجد من رجال الدولة العثمانية ما يضمن الحفاظ على حقوق العرب وكيان الحجاز المهدد.

توجه الأمير الى دمشق فوصلها في ايلول ۱۹۱٥. وكنا، أعضاء الفتاة، نبذل قصارى الجهد لمجابهة الخطر الداهم، فأجمعنا الرأي على الإفادة من الفرصة السانحة لنا بوجود الأمير فيصل بين ظهرانينا. ولما كان قد حل ضيفا على عطا باشا البكري، وكان ابنه نسيب من اخواننا، اتصلتا به بسهولة، ودرسنا فكرة ادخاله في عداد أعضاء الجمعية، فوجدنا فيه تربة خصبة، وهو ما كنا نتمناه، فسلكناه في عقد أعضاء الجمعية ورجونا منه التوسط لدى السلطات العليا للافراج عن المعتقلين الوطنيين العرب في عاليه.

وقد رغب الأمير فيصل معرفة مدى قوة الحركة العربية في سورية، فاجتمع أولا بالشيخ بدر الدين، ثم بياسين باشا الهاشمي رئيس أركان حرب وكالة قيادة الجيش الرابع، ورضا باشا الركابي، وسأل عن المساعدة التي تحتاجها سورية لتشترك بالحركة التحريرية العربية عند الاقتضاء، فما كان من ياسين باشا الهاشمي إلا أن أجابه بأن سورية لا تحتاج إلا إلى عزم الحسين على ترؤس الحركة التحريرية العربية ؛ فكان لهذا الموقف الحازم، موقف الهاشمي، أثر عميق في نفس فيصل، لأنه موقف شخص يملك صفة التكلم باسم قوى الجيش المرابط في سورية وهو الذي يتألف بأكثريته من العرب.

وقد سلمته الجمعية المصوَّر الذي يعين حدود البلاد العربية الجغرافية في آسيا وهي التي يجب أن يدور السعي على أساسها لنيل الاستقلال، وسرعان ما أرسل بجميع ما وقف عليه الى والده الحسين، ثم توسط [47]لدى جمال باشا كي يعدل عن سياسة البطش برجالات العرب على غير جدوى.

وتابع السير الى الاستانة حيث اجتمع بالصدر الأعظم وأنور وطلعت وكشف لهم عن الوثائق التي عثر عليها مع وهيب باشا، وأضاف فأبان لهم بصراحة مضار سياسة الضغط التي بنحوها جمال باشا تلقاء العرب، فكان لمحادثته صداها وأثرها، وقد وعدوه خيرا، و بعثوا للحال الى جمال باشا يوصونه بفيصل، كما انهم حولوا وهيب باشا عن الحجاز بعد أن بعثوا مكانه غالب باشا. على أن هذا كله لم يفد في تغيير الخطة التي كان يتبعها جمال باشا في سورية. واذا كان قد جامل الأمير فيصل لدن عودته إلى دمشق فا ذاك إلا أملا" بأن رافقه على رأس فرقة حجازية في حملته الثانية على القنال.

وفي هذه الأثناء كان في عاليه فريق جديد من المعتقلين العرب وهم : شفيق المؤيد والأمير عمر ورفيق رزق سلوم وعمر حمد وعبد الغني العريسي وعارف الشهابي وتوفيق البساط وسيف الدين الخطيب والشيخ احمد طبارة وسليم الجزائري و جلال البخاري وأمين لطفي و سليم الاحمد عبد الهادي وفايز الخوري ورضا الصلح ورياض الصلح، وقد سعی الأمير ما استطاع الافراج عنهم باذلًا كل ما لديه من الوسائل الفعالة سواء في الاستانة أو في دمشق، ولكنه خاب سعيا وذهبت مجهوداته أدراج الرياح، فاضطر لمراجعة والده، فأبرق الحسين إلى أنور باشا ينذره بأن الحرب الحاضرة تستلزم مساهمة العرب فيها بكل قواهم لأن بلاده من أهم ميادين القتال، وان ارضاء الشعب العربي يستلزم منح سورية النظام اللامركزي الذي ننشده، واعلان العفو العام عن المتهمين السياسيين [48]الموقوفين في عاليه، وابقاء امارة مكة كما هي، اذ أن الوثائق التي عثر عليها مع وهيب باشا تجعل مستقبلها في خطر، فاذا اتبعت الحكومة العلية هذه الخطة الرشيدة، فجميع العرب بدو وحضرة لا يتأخرون عن حشد قوام للدفاع عن الوطن. وقد تعهد الحسين في هذه البرقية بأن يكون أولاده قادة للقوى العربية في ميادين العراق وفلسين، الا أن أنور باشا لم يوافق على هذه المطالب، وأسرع فأبلغ الشريف بأن لا بد أن ينال الموقوفون في عاليه عقابهم.

وعلى الاثر غادر فيصل دمشق إلى الحجاز في كانون الأول ۱۹۱٥ ليرفع إلى والده نتائج مساعيه في الاستانة وما وقف عليه في دمشق، وفي كانون الثاني ١٩١٦عاد إلى دمشق على رأس كوكبة يبلغ عددها الخمسين من المتطوعين حلوا بالقابون في دار عطا باشا البكري، وهذه الكوكبة مقدمة أفرقة متطوعي الحجاز إلى حملة القنال.

وفي شباط ۱۹۱۲ رافق فيصل جمال باشا وأنور باشا إلى المدينة المنورة لتفتيش قوى الجيش المرابطة فيها وقوى المتطوعين، ثم عاد معهما الى دمشق. وقد كلفه بعض الاشراف القبض على أنور وجمال وهما في معسكر المتطوعين الا أن فيصل أبى ذلك وقال انهما في ضيافتنا، وعاد معهما إلى دمشق. و بعد برهة قصيرة طلب منه جمال باشا أن يكتب لأخيه كي يضع حدا لاعتداءاته على سلطة محافظ المدينة المنورة و ليدعوه للقدوم إلى دمشق للسفر على رأس حملة متطوعي الحجاز الى القنال، و بذلك يكون الأخان رهينتين في يد جمال باشا.

ولما لم يعد في الامكان القيام بثورة منتجة في دمشق بعد أن شتت جمال القوى العسكرية العربية التي كانت معسكرة فيها، فقد أصبح هم [49]فيصل أن نجو بنفسه إلى الحجاز، وعندما طلب منه جمال باشا استقدام أخيه، اتخذ من ذلك ذريعة فطلب من جمال باشا أن يسمح له بالسفر المدينة ليعود مع أخيه والمتطوعة إلى دمشق ومنها إلى جهة القنال، وقد تألف وفد القيام بهذه المهمة وهي استقبال المتطوعين الحجازبين، برئاسة فيصل وعضوية كاظم بك مفتش منزل الجيش الرابع و آسف بك المستشار العدلي والشيخ عبد القادر الخطيب والسيد نسيب البكري، وقصد الجميع المدينة المنورة بالسكة الحديدية في منتصف شهر مایس و استقبلوا بكل حفاوة وانضم فيصل إلى أخيه واعتذر إلى أعضاء الوفد عن تعذر عودته معهم لأنه لم يعط قرار بعد بسفر المتطوعين عن طريق السكة الحديدية إلى دمشق او عن طريق الصحراء الى القنال. و بذلات نجا بنفسه.

وفي تلك الأثناء وصل فخري باشا وکیل قائد الجيش الرابع إلى المدينة للاشراف على الحالة وقيادة القوى الموجودة فيها وهي من خيرة القوى التركية وقد عززت بقوى أخرى بحجة ارسالها إلى اليمن. وخشي الشريف حسين توالي وصول النجدات الى المدينة ثم احتلال الحجاز عسكريا وسلبه امتیازاته، فأنهى محادثاته مع انكلترا بسرعة وأعلن الثورة العربية بتاريخ ٢ حزيران ۱۹۱٦

وقد أعقب توقيف عبد الخليل اعتقال أمين لطفي قائد الحامية في الاسكندرون، وهو من المتصلين بعبد الكريم إذ اشيع أنه اتفق معه على قطع الاتصال بين الأناضول وسورية اذا ما قامت حركة تحريرية فيها. وقد اتخذ جمال باشا هذه الحوادث ذريعة لاتباع سياسة البطش القاسية، فراح يبعد المثقفين والضباط والقطعات العربية في [50]الجيش العثماني إلى جهات أخرى. فأرسل جميع ضباط الخدمة المقصورة من خريجي المدارس العالية إلى جهة جناق قلعة، و فيلق الموصل الى القفقاس، وياسين باشا الهاشمي الى جهة الكاربات، فلم يعد بإمكاننا القيام بأي عمل يذكر بعد تشتيت قوانا بسبب ما عثر عليه من المنشورات الصادرة عن حقي العظم باسم الجمعية الثورية العربية، وعدم احتیاط عبد الكريم الخليل.

ولما كان اسمي قد تردد كثيرا على ألسنة بعض الموقوفين في عاليه من غير أن يذكر أحد حقيقة أعمال جمعيتنا، فقد قرر استدعاني رئيس الهيئة التحقيقية بديوان حرب عاليه، فاوقفت يوم الاثنين في ۳ كانون الثاني ۱۹۱٦ وكان ذلك من قبل قائد درك المرکز طاهر افندي واودعت غرفة ضابط الدرك في سراي دمشق يومين كاملين. ولما جاء والدي يزورني عامله القائد المذكور معاملة فظة، قاسية. فأثر ذلك فيه كثير، وكان من أمراء الجيش القدماء، فوقع عن سلم السراي، وكان هذا الحادث سببا في مرضه ثم انتقاله لدار البقاء بتاريخ ١٥شباط سنة ۱۹۱٦ وانا في سجن عاليه. وقد أبلغت وفاته بعد حين بواسطة جميل الألثي رفيقي في السجن.

ولما كنت رتبة يوزباشي في الجيش فقد نقلت الى عاليه بعد يومين مصون الكرامة. وأودعت الغرفة المجاورة لغرفتي شفيق باك المؤيد وسليم بك الجزائري، و كان الأول قد أرسل لحيته ووقف أوقاته على تلاوة القرآن وحفظه، والثاني وهو النحيف جسما لا يفتأ يوقد الفحم في مدفأة من طين اتقاء للبرد القارس. وقد أبلغت لدن وصولي إلى [51]السجن أن من المحظور على السجين أن يتحدث مع غيره من السجناء، وكل من تسول له نفسه خرق هذا الحظر تعرض للرمي بالرصاص. فلما ولجت غرفتي كان همي الوحيد الاتصال باخواني الموقوفين وخاصة من كان منهم ينتمي الى جمعيتنا علَّنا نتمكن من ايجاد مخرج من الموقف الذي انتهينا اليه، ولئلا تكون افاداتنا متضاربة.

وحدث إذ ذاك أن أصيب شقيق جمال باشا مرض ضمن اختصاصي وكان الأطباء الاختصاصيون نادرين إن لم يكن في حكم المفقودين، فدعيت لحسن الحظ إلى معالجته والطب لمرضته، فكان لا بد من تحويلي من غرفتي الى مكان آخر، فنقلت إلى مقر قيادة سرية المحافظة على المسجونين، وقواد هذه السرية وجندها من خيرة الرجال الذين يعتمد عليهم جمال باشا، لأنهم من متطوعي اتراك بلغاريا، وكان القائد علمهم نوري بك مناط ثقة جمال باشا، وهو في الوقت نفسه من أغنياء ديوان الحرب العربي، ومساعده حسني بك من الروملي الشرقية. وهكذا مهدت لي الظروف سبيل الاجتماع برئيس الهيئة الاتهامية شكري بك إن شاء أيضا أن أعالجه بعد النتيجة الحسنة التي انتهت إليها معالجتي الشقيق جمال باشا. وقد خصص في سرير في غرفة منام نظيف بك مترجم ديوان الحرب العرفي، وهو شاب أديب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، تخرج من المدرسة السلطانية في استانبول، إلا أنه مولع أما ولع باللهو شأن أمثاله في سنه الشباب الطائش. ولا أكتم أني جاريته في مجرى هواه على ما اقتضاني ذلك من نفقات كنت أديمها راضيًا اتقاء للمغبة السيئة التي تترصدني واخواني المتهمين. وكانت [52]جلساتنا الطويلة المستمرة تدور في الأغلب حول أعماله وما يتصل بشؤون المسجونين مما يهمني الوقوف عليه.

وكان من هذه المناسبات أن هيأت لي سبل اكتناه نوايا جمال باشا نحو المعتقلين، كما افدت الاطلاع على التهم الموجهة اليهم، وعلى الافادات التي كانوا يتقدمون بها. فتوفيق البساط لم ينبس ببنت شفة برغم تعذيبه وضربه. ومثله عرف الشهابي لم يستطيعوا أن يعرفوا منه شيئا. أما عبد الغني العريسي فقد كتب صفحات مستفيضة، فوجب علي الاتصال به تحذيراً وتنبيهاً. ولكن كيف السبيل للوصول اليه ودون ذلك موانع كثيرة ؟. لقد اصطنعت الحيلة، فذهبت الى البناء الذي يحتويه، متذرعا بحجة وجود حمام جيد هناك، و بعد رشوة الخفير قابلته وأطلعته على ما انتهى إلي عنه فكان جوابه بانه لم يكتب شيئا له صلة بأعمال جمعيتنا، وكل ما كتبه وقف على مؤتمر باريس والجمعية الاصلاحية في بيروت، مما هو مدون و منشور في الصحف. وانه لم يعمد الى ذلك إلا بغية تضليل المحققين واستمناح شفقتهم لاسيما وانهم استشاطوا غضباً أمام تكتم توفيق البساط. وقابلت على الاثر توفيق رزق سلوم وسيف الدين الخطيب وها قد ذكرا اسم جمعيتنا مؤولاً، وعلى هامش افاداتهما. ولكن المحقق - ولله الحمد - لم يعر هذا الذكر اية اهمية بعد أن استروح من كلامهما أن الجمعية إن هي إلا جمعية الطلاب في باريس ليس لها اثر سياسي في الأعمال التي تحققون عنها. ولا شك في أن افادة العريسي قد كان لها أثرها القوي في ابعاد الظنون عن جمعيتنا. إلا أن المحققين استغلوا اقوال و حكموا عليه بالاعدام، نظرا لجهلهم ما كان منشوراً منها في بطون الصحف. ولما كان توفيق الناطور قد أصيب بقذيفة نارية [53]اثر محاولته التحدث إلى أحد المعتقلين، فقد خشيت أن يؤثر هذا الحادث على أعصابه فيبوح بما يعلمه عن جمعيتنا، ولذا عزمت على الاتصال به رغم العقبات التي تعترض سبيلي في هذا الاتصال. وكانت حيلتي أني اتصلت بنقیب الخبراء مظهر الشوق إلى مشاهدة المستشفى العسكري. وسرعان ما قبل طلي ملبياً وبخاصة بعد أن شاهد بين يديه بعض القطع الذهبية التي رضخت بها اليه. وهكذا توجهت برفقته الى المستشفى في الصباح الباکر لنكون في منجاة من رقابة الضباط. ولما دخلت الى غرفة توفيق الناطور أمسكت بصحيفة معالجته متظاهرة بأني أدقق فيها، موهما بذلك من حولي، وقلت له : أن عقبى من يبوح بأسرار الاعمال الوطنية هو الشنق لا محالة، ولن ينجيه البوح من الموت، فحذار حذار من الضعف. ثم خرجت من غير أن يعلق بي أثر من الريبة.

واتصل بي ايضا من خلال محادثاتي مع من كنت بينهم من أعضاء ديوان الحرب – أن الأمير عادل أرسلان، وكان في ذلك الحين قائمقام عاليه، عرضة لخطر الانتقام من الترك، لاتصاله السابق برجالات العرب العاملين لقضيتنا. ولكن تأخير اعتقاله كان بسبب وجود شقيقه بالقرب من جمال باشا، فأسرعت اليه متخذا نفس الطريقة التي اتخذتها لدن زيارتي التوفيق الناطور – الصباح الباكر والرشوة – ووقفته على الحقيقة، كما رجوت منه اتخاذ الحيطة والحذر، وتبلیغ ذلك إلى أخيه. وفي هذه الأثناء – أي في شباط ۱۹۱٦ – وصل أنور باشا إلى دمشق كما يعد العدة لحملة تمد منها القوى العثمانية التي تقاتل الانكليز في العراق، ولتفتيش القطعات الجارية في سورية والحجاز. ولما كان أخي تحسين ملحقاً بأركان حرب فخري باشا وکیل قائد الجيش الرابع [54]فقد مر بعاليه مع هيئة أركان الحرب، وزارني خلسة، وهذه الزيارة الوحيدة من نوعها إذ لم يسأل عني أحد منذ اعتقلت، لأن أخي زكي الذي كان قائمقاماً في السويداء قد اقصي الى الاناضول مع جميع العائلة، ولان والدي انتقل الى دار البقاء. ولقد علمت من أخي تحسين أن «شوبان أو غلو زكي، أحد الضباط المتنفذين في هيئة أركان حرب جمال باشا، ومن الذين كانوا يترددون علي فيما مضى بصورة مستمرة سيوصي بي خير أعضاء دیوان حرب عاليه. وهكذا تمت جميع اجراءات ديوان الحرب من غير أن أدعى للتحقيق. وحدث انني اجتمعت بكمال بك مستنطق ديوان الحرب، وذلك قبل يومين من الافراج عني، فكان ما قال لي :

« إننا نحكم بالشنق على كل من يؤتي به إلى هنا كي لا يبقى في بلاد العرب من يفكر بالانتقاض على الدولة العثمانية. أما أنت فقد غدوت صديقنا، وأعتقد أنك من الذين سيفرج عنهم إذ لا خطر منك، فاذا ما دعيت للسؤال، فعليك أن تتظاهر بالبساطة واستنكار كل ما يعزی اليك ». وعلى هذا الأساس جرى استنطاقي صورياً بتاریخ ۱۹۱٦/۳/١٤ و بعد يومين لا أكثر بلغت قرار منع المحاكمة فغادرت عاليه إلى دمشق عقب الإفراج عمن لم يحكموا بالاعدام، ورحت أسعى جهدي لإنقاذ من أستطيع من سيحكم عليهم بالاعدام. وأول من قصدت كان واصل المؤيد حيث طلبت اليه العمل على انقاذ شقيق المؤيد الذي أبعدت أسرته الى الاناضول كما أبعد من سورية عدد كبير من الأسر النافذة الكلمة لاضعاف في الحركة الوطنية.

وعلى أثر الإفراج عني حضر شكري بك رئيس ديوان حرب عاليه [55]إلى دمشق، فلم أجد بداً من دعوته إلى حفلة ساهرة. وقد استثمرت عواطفه رحمة وعطفاً لإنقاذ اخواني، ولكنه أجابني، والدمع يترقرق في عينيه، بأن ليس في وسعه تلبية طلبي لأن جمال باشا مصر كل الإسرار على أكبر عدد ممكن من المعتقلين، وبخاصة أولئك الذين يخشى أن يقوموا بحركة من الحركات في سبيل قضية بلادهم، وانه لم يتمكن من حمله على العدول عن رأيه رغم المحاولات الكثيرة في هذا السبل.

وهكذا قضي على هاتيك النفوس البريئة أن تمضي إلى بارئها ضحية طغيان جمال باشا. فلم تشرق شمس ٦ مايو سنة ۱۹۱٦ حتى كان حكم الاعدام قد نفذ بالقافلة الثانية ؛ فسيق من كتب عليهم أن يعدموا في بیروت من عاليه تواً إلى دائرة شرطة المدينة المذكورة وكانوا ينشدون الاناشيد الوطنية، وأول من حملته أعواد المشنقة كان سعید عقل و بترو باولي وجرجي حداد. ثم أعقبهم من اخواننا الأكرمين عارف الشهابي وعبد الغني العريسي وعمر حمد، وكانوا يرددون أنشودة :

نحن أبناءالألى شادوا مجداً و عُلی
نسل قحطان الأبي جد كل العرب

وعندما صعد عمر حمد منصة المشنقة صاح في وجه السلطة الحكومية ان هذا الذي ترتكبه الحكومة الآن سيقوض أسس الدولة ويكون سبباً في خرابها. ثم خاطب الحاضرين قائلا : أني أموت فداء الأمة العربية غير خائف ولا وجل، فليسقط الخونة و ليحيا العرب. وصاح عبد الغني العريسي والحبل يوضع في عنقه قائلاً: أن الدول تبني على [56]الجماجم، وان جماجمنا هي أساس استقلال بلادنا. ثم أعدم الشيخ أحمد طبارة ومحمد الشنقيطي. وعندما جاء دور توفيق البساط التفت نحو المشنوقين وكان عددهم أحد عشر شابا، ثم صاح بصوت جهوري، وعلى محياه ابتسامة مرة : ألا مرحبا بارجوحة الابطال، مرحبا بارجوحة الشرف، مرحبا بالأعمدة التي يستند اليها استقلال الأمم، مرحبا بالموت في سبيل الوطن، ثم رفس كرسي المشنقة برجله وفاضت روحه الطاهرة إلى باريها. و كانت خاتمة المأساة شنق سليم الجزائري وأمين لطفي.

أما الذين سيقوا من عاليه إلى دمشق فهم شفيق المؤيد وعبد الوهاب الانكليزي وشكري العسلي و عبد الحميد الزهراوي والأمير عمر الجزائري ورفيق رزق سلوم. وقد أعدموا جميعاً في ساحة الشهداء صباح ٦ مایو أي في اليوم الذي اعدم فيه اخوانهم في بيروت.

وأبت علي السلطة العسكرية إطالة الاقامة في دمشق، فأمرتني بالسفر الى بئر السبع لأكون بعيداً عن سوريا، وبعد أن لبثت في بئر السبع مدة قصيرة قابلت الرئيس في فوج سكة حديد الحجاز السيد مغربية، فكلفني بأن أنتقل الى طبابة الفوج المذكور على أن يكفل لي جميع أسباب الراحة. وسرعان ما قبلت. ولما كان رئيس الأطباء في بئر السبع ألمانياً ولا علم له بخطط جمال باشا فقد وافق على نقلي، وهكذا أصبح مركزي في وادي الصرار إذ كان العمل قائما لتمديد السكة الحديدية حتى القنال تحت رئاسة المهندس الألماني الكبير مایسن باشا. وقد كان بين المهندسين الذين يعملون هناك المهندس المصري أحمد عبود، فتوثقت ما بيننا عرى الصداقة، وفي خلال وجودي [57]في هذه المنطقة، وكانت الحرارة فها شديدة تكاد لا تطاق، هاجمتنا الطائرات البريطانية ملقية علينا حمم قنابلها. ولما لم تجد أدنى مقاومة فقد تنهابطت إلى مسافة قريبة من الأرض ثم أصلتنا من رشاشاتها نيراناً حامية، وقد أصابتني شظية في ذراعي الأمن، فنقلت على الاثر بصالون رئيس المهندسين الخاص إلى المستشفي بدمشق. وبعد أن تماثلت للشفاء واستوفيت بعض الراحة علمت بأن السيد شكري القوتلي قد أوقف في خان الباشا، فكان هذا النبأ مثل وقع الصاعقة عليه، إذ كنت أعلم بأن شكري باشا الأيوبي بطل قضية الخان المذكور، الذي اوقف في يونيو ۱۹۱۹، كان غاية في السذاجة، ولذلك لم تقبل جمعية الفتاة ادخاله بين أعضائها رغم الحاح السيد نسيب البكري، كما كنت أعلم بأن السيد نسيب البكري رضي العمل معه وأوصاه بالالتجاء إلى السيد شكري القوتلي اذا ما اضطرته الحال إلى الفرار من دمشق، ومن أجل هذا قوي لدي الاعتقاد بأن سبب توقیف شكري القوتلي انما هو اعترافات الايوبي بعد تعذيبه تعذيبا لا يطاق.

ثم عدت وفي نفسي من الأسي لا يعلمه إلا الله، الى قطعتي، وكانت تعسکر يومئذ في ( بير بيرين ) بعد ( عوجة الحفير ) باتجاه القنال مواصلة العمل لايصال سكة الحديد الى القنال.

وفي أثناء ذلك زار جمال باشا وأركان حربه تلك المنطقة، فاجتمعت بأحد ضباطه المقربين ويدعى جوبان اوغلو زكي. وكان في جملة ما أخبرني أنهم عثروا بين أوراق عبد الحميد الزهراوي، بعد أن أخلي سبيلي من عالیه، برقية بتوقيعي نيابة عن شباب دمشق المثقف راجياً تمسكه مقررات مؤتمر باريس مع التهنئة بعضويته في مجلس الاعيان وهي العضوية التي [58]ستكون ولا شك مقدمة لنا على تحقيق مطالبنا الوطنية. وقد عزموا على استئناف توقيف، لولا أنه قال للقائمين على شؤون ديوان الحرب : «اذا كنتم تجدون ما يدعو لاعدامه فأوقفوه ؛ أما أن تأتوا به هم تخلون سبيله فليس هذا بالرأي المصيب». ولذا عدلوا عن استعادتي إلى عاليه.

وعلمت كذلك وأنا في بيربيرين أن عزة دروزة وفوزي القاوقجي، وكان من ضباط الجيش، موجودان في عوجة الحفير وكانت هيئة ادارة جمعية الفتاة قررت قبولها عضوين فهما، فقصدت الحفير وحلفتهما المين المعتادة. وبالنظر لمكي من الحصول على كمية كبيرة من الديناميت إذ كان لدي قطعتنا الشيء الكثير منها فقد رأيت أن أسلمها لفوزي القاوقجي علنا نحتاج اليها في يوم من الايام. وفي تلك الآونة كان الوقود الذي تحتاجه قاطرات السكك الحديدية مفقودة فاضطرت السلطات الاستعاضة بحلط الأحراش، وجاءنا الأمر بالانتقال إلى ( الشوبك ) على مقربة من «وادي موسى» لتمد فرعا للسكة الحد بابية من أحواش الشوبك الى معان. ولم يمض إلا القليل على وصولنا إلى مقر عملنا الجديد حتى أرسل في طلبي قائد فوجنا ثم أسرّ إلي بأنه تلقي الأمر بالقاء القبض علي ومصادرة جميع أوراقي، فما علي إلا أن أحتاط الأمر قبل التحقيق. ولما لم يكن لدي شيء مما ذكر فقد أجبته باني أشكره على لطفه ولكنني بريء، ولست بحاجة الى ابادة شيء من أوراقي. وهنا أمر بتوقيفي، فأوقفت في ۱۹۱٦/۱۰/٩ ثم نقلت محروسًا بشدة إلى معان، ومنها إلى دمشق حيث وصلتها في ۱۹۱٦/۱۰/١٤؛ و بينا أنا في طريقي مع الضابط المكلف بحراستي، رأيت في السنجقدار في مدخل الفندق المسمی و فندق دار الفرح إذ ذاك، صديقي وأحد [59]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/65 [60]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/66 [61]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/67 [62]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/68 [63]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/69 [64]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/70 [65]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/71 [66]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/72 [67]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/73 [68]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/74 [69]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/75 [70]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/76 [71]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/77 [72]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/78 [73]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/79 [74]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/80 [75]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/81 [76]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/82 [77]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/83 [78]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/84 [79]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/85 [80]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/86 [81]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/87 [82]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/88 [83]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/89 [84]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/90 [85]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/91 [86]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/92 [87]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/93 [88]صفحة:مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى.pdf/94