مدارج السالكين/الجزء الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

ص -356- الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها ولقد هتك الله أستارهم وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر وبينها لهم فقال 47 :9 {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. هذا شأن من ثقلت عليه النصوص فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص فباعها بمحصل من الكلام الباطل واستبدل منها بالفصوص فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم 47 :26، 28 {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد كيف والناقد البصير قد كشفها لكم 47 :29، 30 {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}. فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون 68 :43 {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}. (9/255) ________________________________________ ص -357- أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام وهو دحض مزلة مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطيء الأقدام فقسمت بين الناس الأنوار وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان 57 13 {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} لنتمكن في هذا المضيق من العبور فقد طفئت أنوارنا ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} حيث قسمت الأنوار فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} نصوم كما تصومون ونصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرؤون ونتصدق كما تصدقون ونحج كما تحجون فما الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور {قَالُوا بَلَى} ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور 57 :14، 15 {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ (9/256) ________________________________________ الْمَصِيرُ}. (9/257) ________________________________________ ص -358- لا تستطل أوصاف القوم فالمتروك والله أكثر من المذكور كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين فقال: "يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك". تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله ﷺ منهم قال لا ولا أزكي بعدك أحدا" وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل" ذكره البخاري وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن" ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه "اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع". تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل. زرع النفاق ينبت على ساقيتين ساقية الكذب وساقية الرياء ومخرجهما من عينين عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر وكشف المستور وبعثر (9/258) ________________________________________ ص -359- ما في القبور وحصل ما في الصدور تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب 24 :39 {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. قلوبهم عن الخيرات لاهية وأجسادهم إليها ساعية والفاحشة في فجاجهم فاشية وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية. فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل قيل أن تنزل بك القاضية إذا عاهدوا لم يفوا وإن وعدوا أخلفوا وإن قالوا لم ينصفوا وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها كاذبون وهم لما سواها مخالفون 9 :75، 77 {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ}. فصل وأما الفسوق: فهو في كتاب الله نوعان مفرد مطلق ومقرون بالعصيان. والمفرد نوعان أيضا: فسوق كفر يخرج عن الإسلام وفسوق لا يخرج عن الإسلام فالمقرون كقوله تعالى 49 :7 {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}. والمفرد الذي هو فسوق كفر كقوله تعالى 2 :26، 27 {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ (9/259) ________________________________________ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} الآية وقوله عز وجل 2 :99 {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ (9/260) ________________________________________ ص -360- الْفَاسِقُونَ} وقوله 32 :20 {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} الآية فهذا كله فسوق كفر. وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى 2 :82 {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} الآية وقوله 49 6 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} الآية فإن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع القوم بمقدمه تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى فغضب رسول الله ﷺ وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله ﷺ وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال له انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فرجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر فنزل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية. و(النبأ) هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن و(التبين) طلب بيان حقيقة والإحاطة بها علما. وههنا فائدة لطيفة وهي أنه سبحانه لم يأمر (9/261) ________________________________________ برد خبر الفاسق وتكذيبه (9/262) ________________________________________ ص -361- ورد شهادته جملة وإنما أمر بالتبين فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق ولو أخبر به من أخبر فهكذا ينبغي الإعتماد في رواية الفاسق وشهادته وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري وفسقه من جهات أخر فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ولا سيما من فسقه من جهة الإعتقاد والرأي وهو متحر للصدق فهذا لا يرد خبره ولا شهادته. وأما من فسقه من جهة الكذب فإن كثر منه وتكرر بحيث يغلب كذبه على صدقه فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته وإن ندر منه مرة ومرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله. والمقصود: ذكر الفسوق الذي لا يخرج إلى الكفر. والفسوق الذي تجب التوبة منه أعم من الفسوق الذي ترد به الرواية والشهادة. وكلامنا الآن فيما تجب التوبة منه وهو قسمان فسق من جهة العمل وفسق من جهة الإعتقاد. ففسق العمل نوعان: مقرون بالعصيان ومفرد. فالمقرون بالعصيان: هو ارتكاب ما نهى الله عنه والعصيان: هو عصيان أمره كما قال الله تعالى 66 :6 {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} وقال موسى لأخيه هارون عليهما السلام 20 :92، 93 {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وقال الشاعر: أمرتك أمرا جازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فالفسق أخص بارتكاب النهى ولهذا يطلق عليه كثيرا كقوله تعالى 2 :282 {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} والمعصية أخص بمخالفة الأمر كما تقدم ويطلق كل منهما على صاحبه كقوله تعالى 18 :50 {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ (9/263) ________________________________________ ص -362- فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } فسمى مخالفته للأمر فسقا وقال 20 :121 {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} فسمى ارتكابه للنهي معصية فهذا عند الإفراد فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر والآخر لمخالفة النهي. و(التقوى) اتقاء مجموع الأمرين وبتحقيقها تصح التوبة من الفسوق والعصيان بأن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. وفسق الإعتقاد: كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك. وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم. وأما غالية الجهمية: فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب. (9/264) ________________________________________ ص -363- ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا هم مباينون للملة. وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء وإنما المقصود: تحقيق (التوبة) من هذه الأجناس العشرة. فالتوبة من هذا الفسوق: بإثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله من غير تشبيه ولا تمثيل وتنزيهه عما نزه نفسه عنه ونزهه عنه رسوله من غير تحريف ولا تعطيل وتلقى النفي والإثبات من مشكاة الواحي لا من آراء الرجال ونتائج أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضلالة. فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الإعتقادات الفاسدة: بمحض اتباع السنة ولا يكتفى منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان لأن ذنبهم لما كان بالكتمان كانت توبتهم منه بالبيان قال الله تعالى 2 :159، 190 {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم لأن ذاك كتم الحق وهذا كتمه ودعا إلى خلافه فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس. وشرط في توبة المنافق: الإخلاص لأن ذنبه بالرياء فقال تعالى 4 :45، 46 {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار} ثم قال {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} ولذلك كان الصحيح من القولين: أن توبة القاذف: إكذابه نفسه لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عريض المسلم المحصن (9/265) ________________________________________ ص -364- فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف وهو مقصود التوبة. وأما من قال: إن توبته أن يقول (أستغفر الله) من القذف ويعترف بتحريمه فقول ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف ولا يحصل له به براءة عرضه مما قذفه به فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب فإن فيه حقين حقا لله وهو تحريم القذف فتوبته منه: باستغفاره واعترافه بتحريم القذف وندمه عليه وعزمه على أن لا يعود وحقا للعبد وهو إلحاق العار به فتوبته منه: بتكذيبه نفسه فالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين. فإن قيل: إذا كان صادقا قد عاين الزنا فأخبره به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب ويكون ذلك من تمام توبته؟. قيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال إن توبته الإعتراف بتحريم القذف والإستغفار منه وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده ولو كان خبره مطابقا للواقع فنقول: الكذب يراد به أمران أحدهما: الخبر غير المطابق لمخبره وهو نوعان: كذب عمد وكذب خطأ فكذب العمد معروف وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها "أنها لا تحل حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا" فقال النبي ﷺ "كذب أبو السنابل" ومنه قوله ﷺ "كذب من قالها" لمن قال "حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ" ومنه قول عبادة بن الصامت: "كذب أبو محمد" حيث قال: "الوتر واجب" فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه "أخطأ" قائل ذلك. والثاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به وإن كان (9/266) ________________________________________ ص -365- خبره مطابقا لمخبره كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا والإخبار به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقا لمخبره ولهذا قال تعالى 24 :13 {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} فحكم الله في مثل هذا أن يعاقب عقوبة المفترى الكاذب وإن كان خبره مطابقا وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى به عنه فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبا فأي توبة له وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه. فصل واختلف في توبة السارق إذا قطعت يده هل من شرطها: ضمان العين المسروقة لربها؟. وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته: أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها وإنما اختلفوا إذا كانت تالفة فقال الشافعي وأحمد من تمام توبته ضمانها لمالكها ويلزمه ذلك موسرا كان أو معسرا وقال أبو حنيفة إذا قطعت يده وقد استهلكت العين لم يلزمه ضمانها ولا تتوقف صحة توبته على الضمان لأن قطع اليد هو مجموع الجزاء والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع. قال: وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة فإن صاحبها قد وجد عين ماله فلم يكن أخذها عقوبة ثانية بخلاف التضمين فإنه غرامة وقد قطع طرفه فلا نجمع عليه غرامة الطرف وغرامة المال. قالوا: ولهذا لم يذكر الله في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبا لذكره مع الحد ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة (إنما) التي هي عندكم للحصر فقال: 5 :33 {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} الآية ومدلول هذا الكلام عند من يجعل أداة (إنما) للحصر أنه لا جزاء لهم غير ذلك. (9/267) ________________________________________ ص -366- قالوا: وقد روى النسائي في سننه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد: أنه لا غرم عليه". قالوا: وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم: أنهم يقعطون السراق ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن. قالوا: ولأنها لو ثبتت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها إذ لا يجتمع لربها البدل والمبدل وثبوت بدلها في ذمته يستلزم تقدير ملكها وهو شبهة في إسقاط القطع. وأصحاب القول الأول يقولون: هذه العين تعلق بها حقان حق لله وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معا لأن القطع حق لله والضمان حق للمالك ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام ولو أسقط الضمان سقط. وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله والمهر لحق السيد وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضا بل لو زنا بأمة ثم قتلها لزمه حد الزنا وقيمتها لمالكها وهو نظير ما إذا سرقها ثم قتلها قطعت يده لسرقتها وضمنها لمالكها. قالوا: وكذلك إذا قتل في الإحرام صيدا مملوكا لمالكه فعليه الجزاء لحق الله وقيمة الصيد لمالكه وكذلك إذا غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقا لله ولزمه عندكم ضمانها للذمي ولم يلزمه ضمان عند الجمهور لأنها ليست بمال فلا تضمن بالإتلاف كالميتة. قالوا: وأما قولكم: إن قطع اليد مجموع الجزاء إن أردتم: أنه مجموع العقوبة فصحيح فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة ولهذا يجب في حق غير الجاني كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراها (9/268) ________________________________________ ص -367- أو في حال نومه أو أتلفه إتلافا مأذونا له فيه كالمضطر إلى أكله أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة ونحو ذلك فليس الضمان من العقوبة في شيء. وأما قولكم: "إن الله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب" فهو لم ينفه أيضا وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله 2 :194 {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى عليه بالتضمين ولهذا أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة ولم يذكر في القرآن وليس هذا من باب الزيادة على النص بل من باب إعمال النصوص كلها لا يعطل بعضها ويعمل ببعضها وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي عقوبتهم. قالوا: وأما حديث عبد الرحمن بن عوف: فمنقطع لا يثبت يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال: سعد بن إبراهيم مجهول وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي. وأما استقرار ذلك في فطر الناس: فمن قال: إنه مستقر في فطرهم: أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير محتاج أو يتيم وأتلفه وقطعت يده أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم مع تمكنه من الضمان وقدرته عليه وضرورة صاحبه وضعفه؟ وهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا؟. وأما قولكم: "لو ثبت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها" فضعيف جدا لأنها بالإتلاف قد استقرت في ذمته ولهذا له المطالبة ببذلها اتفاقا وهذا الإستقرار في ذمته لا يمنع القطع فإنه يقطع بعد إتلافها واستقرارها في ذمته فكيف يزيل القطع ما ثبت في ذمته ويكون مبرئا له منه؟. وتوسط فقهاء المدينة مالك وغيره بين القولين فقالوا: إن كان له مال ضمنها بعد القطع وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه. (9/269) ________________________________________ ص -368- وهذا استحسان حسن جدا وما أقر به من محاسن الشرع وأولاه بالقبول والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل وأما (الإثم والعدوان) فهما قرينان قال الله تعالى 5 :2 {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر فكل إثم عدوان إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به فهو عدوان على أمره ونهيه وكل عدوان إثم فإنه يأثم به صاحبه ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما. ف(الإثم) ما كان محرم الجنس كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك و(العدوان) ما كان محرم القدر والزيادة. فالعدوان: تعدى ما أبيح منه إلى القدر المحرم والزيادة كالإعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها فهذا كله عدوان وتعد للعدل. وهذا العدوان نوعان: عدوان في حق الله وعدوان في حق العبد وعدوان في حق العبد فالعدوان في حق الله كما إذا تعدى ما أباح الله له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حرم عليه من سواهما كما قال تعالى 23 :5، 7 {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} وكذلك تعدى ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حرم عليه منها كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في غير موضع الحرث أو في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب ونحو ذلك. وكذلك كل من أبيح له منه قدر معين فتعداه إلى أكثر منه فهو من العدوان كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر فتناول الكأس كلها (9/270) ________________________________________ ص -369- أو أبيح له نظرة الخطبة والسوم والشهادة والمعاملة والمداواة فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور فتعدى المباح إلى القدر المحظور وحام حول الحمى المحوط المحجور فصار ذا بصر حائر وقلب عن مكانه طائر أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه وأقام في تلك الخيام فبعث القلب في آثاره فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك الخيام فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحط بينهن قتيلا وما برحت تنوشه سيوف تلك الجفون حتى جندلته تجديلا هذا خطر العدوان وما أمامه أعظم وأخطر وهذا فوت الحرمان وما حرمه من فوات ثواب من غض طرفه لله عز وجل أجل وأكبر سافر الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه فلم يربح إلا أذى السفر وغرر بنفسه في ركوب تلك البيداء وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر يا لها من سفرة لم يبلغ المسافر منها ما نواه ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه حتى قطع عليه فيها الطريق وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب ولا له سبيل إلى المرور والذهاب يرى هجير الهاجرة من بعيد فيظنه برد الشراب 24 :39 {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب تالله ما استوت هذه الذلة وتلك اللذة في القيمة فيشتريها بها العارف الخبير ولا تقاربا في المنفعة فيتحير بينهما البصير ولكن على العيون غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور والقلوب تحت أغطية الغفلات راقدة فوق فرش الغرور 22 :46 {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. ومن أمثلة العدوان: تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها إما بأن يشبع وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة. (9/271) ________________________________________ ص -370- وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج إليه فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله وبخلا عن شراء المذكى ونحوه كان تناولها عدوانا قال تعالى 2 :173 {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال قتادة والحسن: "لا يأكلها من غير اضطرار ولا يعدو شبعه" وقيل: {غَيْرَ بَاغٍ} غير طالبها وهو يجد غيرها {وَلا عَاد} أي لا يتعدى ما حد له منها فيأكل حتى يشبع ولكن سد الرمق وقال مقاتل: "غير مستحل لها ولا متزود منها". وقيل: لا يبغى بتجاوز الحد الذي حد له منها ولا يتعدى بتقصيره عن تناوله حتى يهلك فيكون قد تعدى حد الله بمجاوزته أو التقصير عنه فهذا آثم وهذا آثم وقال مسروق من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار وهذا أصح القولين في الآية وقال ابن عباس وأصحابه والشافعي: "{غَيْرَ بَاغٍ} على السلطان {وَلا عَاد} في سفره فلا يكون سفر معصية وبنوا على ذلك أن العاصي بسفره لا يترخص. والقول الأول: أصلح لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها إذ الآية لا تعرض فيها للسفر بنفي ولا إثبات ولا للخروج على الإمام ولا هي مختصة بذلك ولا سيقت له وهي عامة في حق المقيم والمسافر والبغي والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بالنهي لا إلى أمر خارج عنه لا تعلق له بالأكل ولأن نظير هذا قوله تعالى في الآية الأخرى 5 :2 {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} فهذا هو الباغي العادي والمتجانف للإثم المائل إلى القدر الحرام من أكلها وهذا هو الشرط الذي لا يباح له بدونه ولأنها إنما أبيحت للضرورة فتقدرت الإباحة بقدرها وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم فلا تكون الإباحة للضرورة سببا لحله والله أعلم. و(الإثم) و(العدوان) هما الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف (7 :33) مع أن (البغي) غالب استعماله في حقوق العباد والإستطالة (9/272) ________________________________________ عليهم. (9/273) ________________________________________ ص -371- وعلى هذا فإذا قرن البغي بالعدوان كان (البغي) ظلمهم بمحرم الجنس كالسرقة والكذب والبهت والإبتداء بالأذى و(العدوان) تعدى الحق في استيفائه إلى أكبر منه فيكون البغي والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حدود الله. فههنا أربعة أمور: حق لله وله حد وحق لعباده وله حد فالبغي والعدوان والظلم تجاوز الحدين إلى ما رواءهما أو التقصير عنهما فلا يصل إليهما. فصل وأما (الفحشاء والمنكر) فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد الصفة وهي الفعلة الفحشاء والخصلة الفحشاء وهي ما ظهر قبحها لكل أحد واستفحشه كل ذي عقل سليم ولهذا فسرت بالزنا واللواط وسماها الله (فاحشة) لتناهي قبحهما وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا وهو ما ظهر قبحه جدا من السب القبيح والقذف ونحوه. وأما (المنكر) فصفة لموصوف محذوف أيضا أي الفعل المنكر وهو الذي تستنكره العقول والفطر ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم والمنظر القبيح إلى العين والطعم المستكره إلى الذوق والصوت المستنكر إلى الأذن فما اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحشة كما فحش إنكار الحواس له من هذه المدركات. فالمنكر لها: ما لم تعرفه ولم تألفه والقبيح المستكره لها: الذي تشتد نفرتها عنه هو الفاحشة ولذلك قال ابن عباس: "الفاحشة الزنا والمنكر ما لم يعرف في شريعة ولا سنة". فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف وبين ما استقر قبحه في الفطر والعقول. (9/274) ________________________________________ ص -372- فصل وأما (القول على الله بلا علم) فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان ولا تباح بحال بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال. فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت قال الله تعالى في المحرم لذاته 7 :33 {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ} ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} فقال ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به وتغيير دينه وتبديله ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله. فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثما وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله فقال 16 :116 {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} الآية. (9/275) ________________________________________ ص -373- فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه؟ أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه؟. قال بعض السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم الله كذا فيقول الله: كذبت لم أحل هذا ولم أحرم هذا. يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد بلا برهان من الله ورسوله. وأصل الشرك والكفر: هو القول على الله بلا علم فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبودا من دون الله يقر به إلى الله ويشفع له عنده ويقضى حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والإبتداع في دين الله فهو أعم من الشرك والشرك فرد من أفراده. ولهذا كان الكذب على رسول الله ﷺ موجبا لدخول النار (9/276) ________________________________________ ص -374- واتخاذ منزلة منها مبوءا وهو المنزل اللازم لا يفارقه صاحبه لأنه متضمن للقول على الله بلا علم كصريح الكذب عليه لأن ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى المرسل والقول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}. فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع. وأتى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا. فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالإستعانة والإخلاص وصدق اللجإ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان. فصل: ومن أحكام التوبة. أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه ولم يمكنه تداركه ثم تاب فكيف حكم توبته وهذا يتصور في حق الله سبحانه وحقوق عباده. (9/277) ________________________________________ ص -375- فأما في حق الله: فكمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم فاختلف السلف في هذه المسألة. فقالت طائفة: توبته بالندم والإشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم. وقالت طائفة: توبته باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تدارك ما مضى بالقضاء ولا يقبل منه فلا يجب عليه وهذا قول أهل الظاهر وهو مروى عن جماعة من السلف. وحجة الموجبين للقضاء قول النبي ﷺ "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما فوجوبه على العامد والمفرط أولى. قالوا: ولأنه كان يجب عليه أمران الصلاة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحد الأمرين بقي الآخر. قالوا: ولأن القضاء إن قلنا يجب عليه بالأمر الأول فظاهر وإن قلنا يجب عليه بأمر جديد فأمر النائم والناسي به تنبيه على العامد كما تقدم. قالوا: ولأن مصلحة الفعل إن لم يمكن العبد تداركها تدارك منها ما أمكن وقد فاتت مصلحة الفعل في الوقت فيتدارك ما أمكن منها وهو الفعل في خارج الوقت. قالوا: وقد قال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" وهذا قد استطاع الإتيان بالمأمور خارج الوقت وقد تعذر عليه الإتيان به في وقته فيجب عليه الإتيان بالمستطاع. (9/278) ________________________________________ ص -376- قالوا: وكيف يظن بالشرع أنه يخفف عن هذا المتعمد المفرط العاصي لله ورسوله بترك الوجوب ويوجبه على المعذور بالنوم أو النسيان؟. قالوا: ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت والعبادة إذا كان لها بدل وتعذر المبدل: انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء وصلاة القاعد عند تعذر القيام والمضطجع عند تعذر القعود وإطعام العاجز عن الصيام لكبر أو مرض غير مرجو البرء عن كل يوم مسكينا ونظائر ذلك كثيرة في الشرع. قالوا: ولأن الصلاة حق مؤقت فتأخيره عن وقته لا يسقط إلا بمبادرته خارج الوقت كديون الآدميين المؤجلة. قالوا: ولأن غايته: أنه أثم بالتأخير وهذا لا يسقط القضاء كمن أخر الزكاة عن وقت وجوبها تأخيرا أثم به أو أخر الحج تأخيرا ثم به. قالوا: ولو ترك الجمعة حتى صلاها الإمام عمدا عصى بتأخيرها ولزمه أن يصلى الظهر ونسبة الظهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصبح بعد طلوع الشمس إلى صلاتها قبل الطلوع. قالوا: وقد أخر النبي ﷺ صلاة العصر يوم الأحزاب إلى أن صلاها بعد غروب الشمس فدل على أن فعلها ممكن خارج الوقت في العمد سواء كان معذورا به كهذا التأخير وكتأخير من أخرها من الصحابة يوم بنى قريظة إلى بعد غروب الشمس أو لم يكن معذورا به كتأخير المفرط فتأخيرهما إنما تختلف في الإثم وعدمه لا في وجوب التدارك بعد الترك. قالوا: ولو كانت الصلاة خارج الوقت لا تصح ولا تجب لما أمر النبي ﷺ الصحابة يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلوها فيهم فأخرها بعضهم حتى صلاها فيهم بالليل فلم يعنفهم ولم يعنف من صلاها في الطريق لاجتهاد الفريقين. (9/279) ________________________________________ ص -377- قالوا: ولأن كل تائب له طريق إلى التوبة فكيف تسد عن هذا طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه؟ فهذا لا يليق بقواعد الشرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد. فهذا أقصى ما يحتج به لهذه المقالة. قال أصحاب القول الآخر: العبادة إذا أمر بها على صفة معينة أو في وقت بعينه لم يكن المأمور ممتثلا للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به: من وصفها ووقتها وشرطها فلا يتناولها الأمر بدونه. قالوا: وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلا وكالسجود على الخد بدل الجبهة والبروك على الركبة بدل الركوع ونحوه. قالوا: والعبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه كالعبادات التي جعل لها ظرف من المكان فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها: لم تصح إلا في أمكنتها ولا يقوم مكان مقام مكان آخر كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجمار والسعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت فنقل العبادة إلى أزمنة غير أزمنتها التي جعلت أوقاتا لها شرعا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جعلت لها شرعا إلى غيرها لا فرق بينهما في الإعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما في الإثم. قالوا: فنقل الصلاة المحدودة الوقت أولا وآخرا عن زمنها إلى زمن آخر كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى مزدلفة ونقل أشهر الحج عن زمنها إلى زمن آخر. قالوا: فأي فرق بين من نقل صوم رمضان إلى شوال أو صلى العصر نصف الليل وبين من حج في المحرم ووقف فيه فكيف تصح صلاة هذا وصيامه دون حج هذا وكلاهما مخالف لأمر الله تعالى عاص آثم؟. قالوا: فحقوق الله المؤقتة لا يقبلها الله في غير أوقاتها فكما لا تقبل قبل (9/280) ________________________________________ ص -378- دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها فلو قال: أنا أصوم شوال عن رمضان كان كما لو قال: أنا أصوم شعبان الذي قبله عنه. قالوا: فإن الحق الليلي لا يقبل بالنهار والنهاري لا يقبل بالليل ولهذا جاء في وصية الصديق لعمر رضي الله عنهما التي تلقاها بالقبول هو وسائر الصحابة "واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل". قالوا: ولأنها إذا فات وقتها المحدود لها شرعا لم تبق تلك العبادة بعينها ولكن شيء آخر غيرها فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصرا فإن العصر صلاة هذا الوقت المحدود وهذه ليست عصرا فلم يفعل مصليها العصر ألبتة وإنما أتى بأربع ركعات صورتها صورة صلاة العصر لا أنها هي. قالوا: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" وفي لفظ "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" فلو كان له سبيل إلى التدارك وفعلها صحيحة: لم يحبط عمله ولم يوتر أهله وماله مع صحتها منه وقبولها لأن معصية التأخير عندكم لا تحقق الترك والفوات لاستدراكه بالفعل في الوقت الثاني. قالوا: وهذه الصلاة مردودة بنص الشارع فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحتها مع تصريحه بردها وإلغائها كما ثبت في الصحيح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي لفظ "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا عمل على خلاف أمره فيكون ردا و(الرد) بمعنى المردود كالخلق بمعنى المخلوق والضرب بمعنى المضروب. وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة فليست بصحيحة ولا مقبولة. قالوا: ولأن الوقت شرط في سقوط الإثم وامتثال الأمر فكان شرطا في براءة (9/281) ________________________________________ ص -379- الذمة والصحة كسائر شروطها من الطهارة والإستقبال وستر العورة فالأمر تناول الشروط تناولا واحدا فكيف ساغ التفريق بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشرطية؟. قالوا: وليس مع المصححين لها بعد الوقت لا نص ولا إجماع ولا قياس صحيح وسنبطل جميع أقيستهم التي قاسوا عليها ونبين فسادها. قالوا: وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "من أفطر يوما من رمضان لغير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر" فكيف يقال: يقضيه عنه يوم مثله؟. قالوا:ولأن صحة العبادة:إن فسرت بموافقة الأمر فلا ريب أن هذه العبادة غير موافقة له فلا تكون صحيحة وإن فسرت بسقوط القضاء فإنما يسقط القضاء ما وقع على الوجه المأمور به وهذا لم يقع كذلك ولا سبيل إلى وقوعه على الوجه المأمور به فلا سبيل إلى صحته وإن فسرت بما أبرأ الذمة فهذه لم تبريء الذمة من الإثم قطعا ولم يثبت بدليل يجب المصير إليه إبراؤها للذمة من توجه المطالبة بالمأمور. قالوا:ولأن الصحيح من العبادات:ما اعتبره الشارع ورضيه وقبله وهذا لا يعلم إلا بإخباره عن صحتها أو بموافقتها أمره وكلاهما منتف عن هذه العبادة فكيف يحكم لها بالصحة؟. قالوا:فالصحة والفساد حكمان شرعيان مرجعهما إلى الشارع فالصحيح ما شهد له بالصحة أو علم أنه وافق أمره أو كان مماثلا لما شهد له بالصحة فيكون حكم المثل مثله وهذه العبادة قد انتفى عنها كل واحد من هذه الأمور. ومن أفسد الإعتبار:اعتبارها بالتأخير المعذور به أو المأذون فيه وهو اعتبار (9/282) ________________________________________ ص -380- الشيء بضده وقياسه على مخالفه في الحقيقة والشرع وهو من أفسد القياس كما سيأتي. قالوا:وأما استدلالكم بقول النبي ﷺ:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأوجب القضاء على المعذور فالمفرط أولى فهذه الحجة إلى أن تكون عليكم أقرب منها أن تكون لكم فإن صاحب الشرع شرط في فعلها بعد الوقت: أن يكون الترك عن نوم أو نسيان والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه فلم يبق معكم إلا مجرد قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة على عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية كما ثبت عنه في الصحيح "ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة: أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي بعدها" وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل؟. قالوا: وأيضا فهذا لم يؤخر الصلاة عن وقتها بل وقتها المأمور به لمثله حين استيقظ وذكر كما قال النبي ﷺ "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فإن الله يقول 20 :14 {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} وهذه اللام عند كثير من النحاة اللام الوقتية أي عند ذكري أو في وقت ذكري. قالوا: والنبي ﷺ ما صلى الصبح يوم الوادي بعد طلوع الشمس إلا في وقتها حقيقة. قالوا: والأوقات ثلاثة أنواع: وقت للقادر المستيقظ الذاكر غير المعذور فهي خمسة ووقت للذاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثة فإن في حقه وقت الظهر والعصر واحد ووقت المغرب والعشاء واحد ووقت الفجر واحد فالأوقات في حق هذا ثلاثة وإذا أخر الظهر إلى أن فعلها فين وقت العصر فإنما صلاها في وقتها. (9/283) ________________________________________ ص -381- ووقت في حق غير المكلف بنوم أو نسيان فهو غير محدود ألبتة بل الوقت في حقه عند يقظته وذكره لا وقت له إلا ذلك. هذا الذي دلت عليه نصوص الشرع وقواعده وهذا المفرط المضيع خارج عن هذه الأقسام وهو قسم رابع فبأيها تلحقونه؟. قالوا: وقد شرع الله سبحانه قضاء رمضان لمن أفطره لعذر من حيض أو سفر أو مرض ولم يشرعه قط لمن أفطره متعمدا من غير عذر لا بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ولا تقتضيه قواعده وإنما غاية ما معكم قياسه على المعذور مع إطراد قواعد الشرع على التفريق بينهما بل قد أخبر الشارع: أن صيام الدهر لا يقضيه عن يوم يفطره بلا عذر فضلا عن يوم مثله. قالوا: وأما قولكم "إنه كان يجب عليه أمران: العبادة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحدهما بقي عليه الآخر" فهذا إنما ينفع فيما إذا لم يكن أحد الأمرين مرتبطا بالآخر ارتباط الشرطية كمن أمر بالحج والزكاة فترك أحدهما: لم يسقط عنه الآخر أما إذا كان أحدهما شرطا في الآخر وقد تعذر الإتيان بالشرط الذي لم يؤمر بالمشروط إلا به فكيف يقال: إنه يؤمر بالآخر بدونه ويصح منه بدون وصفه وشرطه؟ فأين أمره الله بذلك؟ وهل الكلام إلا فيه؟. قالوا: وإن قلنا: إنما يجب القضاء بأمر جديد فلا أمر معكم بالقضاء في محل النزاع وقياسه على مواقع الإجماع: ممتنع كما بيناه وإن قلنا يجب بالأمر الأول فهذا فيما إذا كان القضاء نافعا ومصلحته كمصلحة الأداء كقضاء المريض والمسافر والحائض للصوم وقضاء المغمى عليه والنائم والناسي أما إذا كان القضاء غير مبريء للذمة ولا هو معذور بتأخير الواجب عن وقته فهذا لم يتناوله الأمر الأول ولا أمر ثان وإنما هو القياس الذي علم افتراق الأصل والفرع فيه في وصف ظاهر التأثير مانع للإلحاق. قالوا: وأما قولكم "إنه إذا لم يمكن تدارك مصلحة الفعل تدارك منها (9/284) ________________________________________ ص -382- ما أمكن" فهذا إنما يفيد إذا لم يمكن حصول المصلحة على شرط تزول المصلحة بزواله والتدارك بعد فوات شرطه وخروجه عن الوجه المأمور به ممتنع إلا بأمر آخر: من التوبة وتكثير النوافل والحسنات وأما تدارك غير هذا الفعل فكلا ولما. قالوا: وأما قوله ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" فقد أبعد النجعة من احتج به فإن هذا إنما يدل على أن المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به أتى بما يقدر عليه منه كمن عجز عن القيام في الصلاة أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء أو عن إكمال الفاتحة أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك أتى بما يقدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه أما من ترك المأمور به حتى خرج وقته عمدا وتفريطا بلا عذر فلا يتناوله الحديث ولو كان الحديث متناولا له لما توعده بإحباط عمله وتشبيهه بمن سلب أهله وماله وبقى بلا أهل ولا مال. قالوا: وأما قولكم "إنه لا يظن بالشرع تخفيفه عن هذا العامد المفرط بعدم إيجاب القضاء عليه وتكليف المعذور به" فكلام بعيد عن التحقيق بين البطلان فإن هذا المعذور: إنما فعل ما أمر به في وقته كما تقدم فهو في فعل ما أمر به كغير المعذور الذي صلى في وقته ونحن لم نسقط القضاء عن العامد المفرط تخفيفا عنه بل لأنه غير نافع له ولا مقبول منه ولا مأمور به فلا سبيل له إلى تحصيل مصلحة ما تركه فأين التخفيف عنه؟. قالوا: وأما قولكم "إن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت وإذا تعذر المبدل انتقل إلى بدله" فهل هذا إلا مجرد دعوى؟ وهل وقع النزاع (9/285) ________________________________________ ص -383- إلا في هذا؟ فما الدليل على أن صلاة هذا المفرط العامد بدل؟ ونحن نطالبكم بالأمر بها أولا وبكونها مقبولة نافعة ثانيا وبكونها بدلا ثالثا ولا سبيل لكم إلى إثبات شيء من ذلك ألبتة. وإنما يعلم كون الشيء بدلا بجعل الشارع له كذلك كشرعه التيمم عند العجز عن استعمال الماء والإطعام عند العجز عن الصيام وبالعكس كما في كفارة اليمين فأين جعل الشرع قضاء هذا المفرط المضيع بدلا عن فعله العبادة في الوقت وهذ ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده؟. قالوا: وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد وقتها فمن هذا النمط لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا بل هو على الفور كالزكاة والحج عند من يراه على الفور فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله. نعم أولى الأوقات به: الوقت الأول على الفور وتأخيره عنه لا يوجب كونه قضاء. فإن قيل: فما تصنعون بقضاء رمضان فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين رمضانين ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر؟ ومع هذا لو أخره لزمه فعله وإطعام كل يوم مسكينا كما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وهذا دليل على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا؟. قيل: قد فرق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء فجعل أيام رمضان محدودة الطرفين لا يجوز تقدمها ولا تأخرها وأطلق أيام قضائه فقال سبحانه 2 :183، 184 {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فأطلق العدة ولم يوقتها وهذا يدل على أنها تجزيء في أي أيام كانت ولم يجيء نص عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها. (9/286) ________________________________________ ص -384- وليس في الباب إلا حديث عائشة رضي الله عنها "كان يكون على الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان من الشغل برسول الله ﷺ" ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين الرمضانين كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع وجمع بين ما فرق الله بينهما فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ولا تتأخر وأطلق أيام القضاء وأكد إطلاقها بقوله (أخر) وأفتى من أفتى من الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر جبرا لزيادة التأخير عن المدة التي بين الرمضانين ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء بل هي قضاء وإن فعلت بعد رمضان آخر فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد بخلاف أيام رمضان. يوضح هذا: انه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم مقامه يوما آخر مثله ألبتة ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي بعد مقامه. وسر الفرق: أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء بل هو مخير فيها وأي يوم صامه قام مقام الآخر وأما غير المعذور فأيام الوجوب متعينة في حقه لا يقوم غيرها مقامها. قالوا: وأما من ترك الجمعة عمدا: فإنما أوجبنا عليه الظهر لأن الواجب في هذا الوقت أحد الصلاتين ولا بد إما الجمعة وإما الظهر فإذا ترك الجمعة فوقت الظهر قائم وهو مخاطب بوظيفة الوقت. (9/287) ________________________________________ ص -385- قالوا: ولا سيما عند من يجعل الجمعة بدلا من الظهر فإنه إذا فاته البدل رجع إلى الأصل وهذا إن كان القضاء ثابتا بالإجماع أو بالنص وإن كان فيه خلاف أجبنا بالجواب المركب. فنقول: إن كان ترك الجمعة مساويا لترك الصلاة حتى يخرج وقتها فالحكم في الصورتين واحد ولا فرق حينئذ عملا بما ذكرنا من الدليل وإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلحاق فامتنع القياس فعلى التقديرين بطل القياس. قالوا: وأما تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس فللناس في هذا التأخير هل هو منسوخ أم لا؟ قولان. فقال الجمهور كأحمد والشافعي ومالك: "هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ بصلاة الخوف وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين فلا يجوز اعتبار الترك المحرم به ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم والناسي وتأخير المفرط بل أولى فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به فهو كتأخير المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة". القول الثاني: أنه ليس بمنسوخ بل هو باق وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال واشتغاله بالحرب والمسايفة وفعلها عند تمكنه منها وهذا قول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد. وعلى التقديرين: فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به وكذلك تأخير الصحابة العصر يوم بني قريظة فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل العلم كأهل الظاله أو تأخيرا سائغا للتأويل عند بعضهم ولهذا لم يعنف النبي ﷺ من صلاها في الطريق في وقتها ولا من أخرها إلى الليل حتى صلاها في بني قريظة لأن هؤلاء تمسكوا بظاهر الأمر وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم وهو سرعة السير. واختلف علماء الإسلام في تصويب أي الطائفتين. (9/288) ________________________________________ ص -386- فقالت طائفة: لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدول ولم يفتهم مشهدهم إذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لما اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة. قالوا: فهؤلاء أفقه الطائفتين جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة إلى الجهاد مع فقه النفس. وقالت طائفة: لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة فهم الذين أصابوا حكم الله قطعا وكان هذا التأخير واجبا لأمر رسول الله ﷺ به فهو الطاعة لله ذلك اليوم خاصة والله يأمر بما يشاء فأمره بالتأخير في وجوب الطاعة: كأمره بالتقديم فهؤلاء كانوا أسعد بالنص وهم الذين فازا بالأجرين وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل والاجتهاد فإنهم إنما قصدوا طاعة الله ورسوله وهم أهل الأجر الواحد وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطىء الحق. والمقصود: أن إلحاق المفرط العاصي بالتأخير بهؤلاء في غاية الفساد. قالوا: وأما قولكم "هذا تائب نادم فكيف تسد عليه طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه؟" فمعاذ الله أن نسد عليه بابا فتحه الله لعباده المذنبين كلهم ولم يغله عن أحد إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشمس من مغربها وإنما الشأن في طريق توبته وتحقيقها هل يتعين لها القضاء أم يستأنف العمل ويصير ما مضى لا له ولا عليه ويكون حكمه حكم الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقوبل التوبة فإن ترك فريضة من فراض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة لا يشترط في صحتها إعادة ما فاته في حال إسلامه أصليا كان أو مرتدا كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء فقبول توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى والله أعلم. (9/289) ________________________________________ ص -387- فصل وأما في حقوق العباد: فيتصور في مسائل. إحداها: من غصب أموالا ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم أو لغير ذلك فاختلف في توبة مثل هذا. فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا. قالوا: فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر. قالوا: وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها ومن أنفع ما له الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه فلا يستوفى حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفى أيضا ماله وقد يتساويان وقد يزيد أحدهما عن الآخر. ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال. فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة. وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنه وكل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة. وقالت طائفة أخرى: بل بال التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه ولا عن مذنب وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان هلم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة (9/290) ________________________________________ ص -388- له إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته بقدرها. وهذا مذهب جماعة من الصحابة كما هو مروى عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر فقد روى أن ابن مسعود: "اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عن رب الجارية فإن رضي فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره" و"غل رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمي الجيش فأبى أن يقبله منه وقال كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال لأن أكون أفيتتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي". قالوا: وكذلك اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنه فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان. قالوا: وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم فإذا جهل الملك صار بمنزلة المعدوم وهذا مال لم يعلم له مالك معين ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده أما المالك: فلعدم وصول نفعه إليه وكذلك الفقراء وأما من هو في يده فلعدم تمكنه من الخلاص من إثمه فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن أن تأمر به وتوجبه فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقيلها وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن الانتفاع به مفسدة محضة لا مصلحة فيها فلا يصار إليه. قالوا: وقداستقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي فمن رأى (9/291) ________________________________________ ص -389- رأى بمال غيره موتا وهو مما يمكن استدراكه بذبحه فذبحه إحسانا إلى مالكه ونصحا له فهو مأذون له فيه عرفا وإن كان المالك سفيها فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمنه لأنه محسن و 9 :91 {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} وكذلك إذا غصبه ظالم أو خاف عليه منه فصالحه عليه ببعضه ليس الباقي لمالكه وهو غائب عنه أو رآه آيلا إلى تلف محض فباعه وحفظ ثمنه له ونحو ذلك فإن هذا كله مأذون فيه عرفا من المالك وقد باع عروة بن الجعد البارقي وكيل النبي ملك النبي بغير إذنه لفظا واشترى له ببعض ثمنه مثل ما وكله في شرائه بذلك الثمن كله ثم جاءه بالثمن وبالمشترى فقبله النبي ﷺ ودعا له. وأشكل هذا على بعض الفقهاء وبناه على تصرف الفضولي فأورد عليه أن الفضولي لا يقبض ولا يقبض وهذا قبض وأقبض. وبناه آخرون على أنه كان وكيلا مطلقا في كل شيء وهذا أفسد من الأول فإنه لا يعرف عن رسول الله ﷺ أنه وكل أحدا وكالة مطلقة ألبتة ولا نقل ذلك عنه مسلم. والصواب: أنه مبني على هذه القاعدة أن "الإذن العرفي كالإذن اللفظي" ومن رضي بالمشتري وخرج ثمنه عن مكله فهو بأن يرضى به ويحصل له الثمن أشد رضى. ونظير هذا: مريض عجز أصحابه في السفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيء من ماله في علاجه وخيف عليه فإنهم يخرجون من ماله ما هو مضطر إليه بدون استئذانه بناء على العرف في ذلك ونظائر ذلك مما مصلحته وحسنه مستقر في فطر الخلق ولا تأتي شريعة بتحريمه كثير. وإذا ثبت ذلك فمن المعلوم: أن صاحب هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشد شيء رضى بوصول نفعه الآخروي إليه وهو أكره شيء لتعطيله أو إبقائه (9/292) ________________________________________ ص -390- مقطوعا عن الانتفاع به دنيا وأخرى وإذا وصل إليه ثواب ماله سره ذلك أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا فكيف يقال: مصلحة تعطيل هذا المال عن انتفاع الميت والمساكين به ومن هو بيده أرجح من مصلحة إنفاقه شرعا؟ بل أي مصلحة دينية أو دنيوية في هذا التعطيل وهل هو إلا محض المفسدة؟. ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه سأله شيخ فقال هربت من أستاذي وأنا صغير إلى الآن لم أطلع له على خبر وأنا مملوك وقد خفت من الله عز وجل وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي وقد سألت جماعة من المفتين فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع فضحك شيخنا وقال تصدق بقيمتك أعلى ما كانت عن سيدك ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة وإضرارا بك وتعطيلا عن مصالحك ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك ولا للمسلمين أو نحو هذا من الكلام والله أعلم. فصل المسألة الثانية: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده. فقالت طائفة: يرده إلى مالكه إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح. وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين فإن قابضه إنما قبضه ببذل مالكه له ورضاه ببذله وقد استوفى عوضه المحرم فكيف يجمع له بين العوض والمعوض؟ وكيف يرد عليه مالا قد استعان به على معاصي الله ورضى (9/293) ________________________________________ ص -391- بإخارجه فيما يستعين به عليها ثانيا وثالثا؟ وهل هذا إلا محض إعانته على الإثم والعدوان؟ وهل يناسب هذا محاسن الشرع: أن يقضى للزاني بكل ما دفعه إلى من زنى بها ويؤخذ منها ذلك طوعا أو كرها فيعطاه وقد نال عوضه؟. وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه وقد سلم له ما في قبالته من النفع فكيف يقال: ملكه باق عليه ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك وصاحبه قد رضى بإخراجه عن ملكه بذلك وأن لا يعود إليه فكان أحق الوجوه به: صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له بين الأمرين. وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم. فصل إذا غصب مالا ومات ربه وتعذر رده عليه تعين عليه رده إلى وارثه فإن مات الوارث رده إلى وارثه وهلم جرا فإن لم يرده إلى ربه ولا إلى أحد ورثته فهل تكون المطالبة به في الآخرة للموروث إذ هو ربه الأصلي وقد غصبه عليه أو للوارث الأخير إذ الحق فد انتقل إليه؟. فيه قولان للفقهاء وهم وجهان في مذهب الشافعي. ويحتمل أن يقال: المطالبة للموروث ولكل واحدة من الورثة إذ كل منهم قد كان يستحقه ويجب عليه الدفع إليه فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعه إليه فيتوجه عليه المطالبة في الآخرة له. فإن قيل: فكيف يتخلص بالتوبة من حقوق هؤلاء. قيل: طريق التوبة: أن يتصدق عنهم بمال تجري منافع ثوابه عليهم بقدر (9/294) ________________________________________ ص -392- ما فات كل واحد منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه متحريا للممكن من ذلك وهكذا لو تطاولت على المال سنون وقد كان يمكن ربه أن ينميه بالربح فتوبته بأن يخرج المال ومقدار ما فوته من ربح ماله. فإن كان قد ربح فيه بنفسه فقيل: الربح كله للمالك وهو قول الشافعي وظاهر مذهب أحمد رحمهما الله. وقيل: كله للغاصب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله. وكذلك لو أودعه مالا فاتجر به وربح فربحه له دون مالكه عندهما وضمانه عليه. وفيها قول ثالث: أنهما شريكان في الربح وهو رواية عن أحمد رحمه الله واختيار شيخنا رحمه الله وهو أصح الأقوال فتضم حصة المالك من الربح إلى أصل المال ويتصدق بذلك. وهكذا لو غصب ناقة أو شاة فنتجت أولادا فقيل أولاده كلها للمالك فإن ماتت أو شيء من النتاج رد أولادها وقيمة الأم وما مات من النتاج هذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عند أصحابه. وقال مالك: إذا ماتت فربها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وترك نتاجها للغاصب وبين أخذ نتاجها وترك قيمتها وعلى القول الثالث الراجح: يكون عليه قيمتها وله نصف النتاج والله أعلم. فصل اختلف الناس: هل من الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟. فقال الجمهور: التوبة تأتي على كل ذنب فكل ذنب يمكن التوبة منه وتقبل. وقالت طائفة: لا توبة للقاتل وهذا مذهب ابن عباس المعروف عنه (9/295) ________________________________________ ص -393- وإحدى الروايتين عن أحمد وقد ناظر ابن عباس في ذلك أصحابه فقالوا: "أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان 25 :68، 70 {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} إلى أن قال {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل 25 :68 {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} الآية فهذه في أولئك وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى 4 :93 {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم" وقال زيد بن ثابت: "لما نزلت التي في الفرقان {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة" وأراد بالغليظة: هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة: آية الفرقان قال ابن عباس: "آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء". قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل المؤمن عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إلى جسده إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه؟. ولا يرد عليهم هذا في المال إذا مات ربه ولم يوفه إياه لأنه يتمكن من إيصال نظيره إليه بالصدقة. قالوا: ولا يرد علينا أن الشرك أعظم من القتل وتصح التوبة منه فإن ذلك محض حق الله فالتوبة منه ممكنة وأما حق الآدمي: (9/296) ________________________________________ فالتوبة موقوفة على أدائه إليه واستحلاله وقد تعذر. (9/297) ________________________________________ ص -394- واحتج الجمهور بقوله تعالى 39 :53 {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فهذه في حق التائب وبقوله 4 :48 {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} فهذه في حق غير التائب لأنه فرق بين الشرك وما دونه وعلق المغفرة بالمشيئة فخصص وعلق وفي التي قبلها عمم وأطلق. واحتجوا بقوله تعالى 20 :82 {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحا فإن الله عز وجل غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ حديث الذي قتل المائة ثم تاب فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج إليها وصح عنه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: وحوله عصابة من أصحابه "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك". قالوا: وقد قال ﷺ فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى "ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة" وقال ﷺ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وقال: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" وفي حديث الشفاعة "أخرجوا من النار من في قلبه مثال حبة من خردل من إيمان" وفيه يقول الله تعالى: "وعزتي وجلالي (9/298) ________________________________________ لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله" وأضعاف هذه النصوص كثير تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. (9/299) ________________________________________ ص -395- قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى 4 :14 {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} وقوله {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} وقوله 4 :10 {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} وقوله ﷺ: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأبها خالدا مخلدا في نار جهنم" ونظائره كثيرة. وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق. أحدها: القول بظاهرها وتخلد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج والمعتزلة ثم اختلفوا. فقالت الخوارج: هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا كافر وقالت المعتزلة: ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: بل هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها معتقدا تحريمها: فلا يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول. وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال: "لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي ﷺ إنما قال من فعل كذا وكذا". وقالت فرقة ثالثة: الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة ومن ههنا أنكر العموم من أنكره وقصدهم تعطيل هذه الأدلة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة بل تعطيل عامة الأخبار فهؤلاء ردوا باطلا بأبطل منه وبدعة بأقبح منها وكانوا كمن رام أن يبني قصرا فهدم مصرا. وقالت فرقة رابعة: في الكلام إضمار. قالوا: والإضمار في كلامهم كثير معروف. (9/300) ________________________________________ ص -396- ثم اختلفوا في هذا المضمر فقالت طائفة بإضمار الشرط والتقدير فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء. وقالت فرقة خامسة: بإضمار الاستثناء والتقدير فجزاؤه كذا إلا أن يعفو وهذه دعوى لا دليل في الكلام عليها ألبتة ولكن إثباتها بأمر خارج عن اللفظ. وقالت فرقة سادسة: هذا وعيد وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد والفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد حق عليه أوجبه على نفسه والله لا يخلف الميعاد. قالوا: ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول الله حيث يقول: نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد فقال عمرو بن عبيد يا أبا عمرو لا يخلف الله وعده وقد قال: 4 :93 {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} الآية فقال له أبو عمرو: "ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذما بل جودا وكرما أما سمعت قول الشاعر: ولا يهب ابن العم ما عشت صولتي ولا يخشى من سطوة المتهدد وإني إن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقالت فرقة سابعة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضى للعقوبة ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه وغاية هذه النصوص: الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع وبعضها بالنص فالتوبة مانع بالإجماع والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة والمصائب الكبار المكفرة مانعة وإقامة الحدود في (9/301) ________________________________________ ص -397- الدنيا مانع بالنص ولا سبيل إلى تعطي لهذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن ههنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارا بمقتضى العقاب ومانعه وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه ويكون الحكم للأغلب منهما فالقوة مقتضية للصحة والعافية وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة والحكم للغالب منهما وكذلك قوى الأدوية والأمراض والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطي وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له. ومن ههنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه ومن يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه. ومن له بصيرة نورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله حتى كأنه يشاهده رأى عين ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك ونسبة خلاف ذلك إليه نسبة مالا يليق به إليه فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره وهذا يقين الإيمان وهو الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب. وصاحب هذا المقام من الإيمان: يستحيل إصراره على السيئات وإن وقعت (9/302) ________________________________________ ص -398- منه وكثرت فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله بعدد أنفاسه وهذا من أحب الخلق إلى الله. فهذه مجامع طرق الناس في نصوص الوعيد. فصل واختلفوا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه يوم القيامة للمقتول حق؟. فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها وقد استوفى ورثة المتقول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. يوضح هذا: أنه أحد الجنايتين فإذا استوفيت منه لم يبق عليه شيء كما لو جنى على طرفه فاستقاد منه فإنه لا يبقى له عليه شيء. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت عليه نفسه ولم يستدرك ظلامته والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفاء غيظه وأي منفعة حصلت للمقتول بذلك؟ رأى ظلامة استوفاها من القاتل؟. قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله وحق للمقتول وحق للوارث فحق الله: لا يزول إلا بالتوبة وحق الوارث: قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين القصاص والعفو مجانا أو إلى مال فلو أحله أو أخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا اقتص منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين؟. قالوا: ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه أكان يسقط حقه ولم يسقطه؟ فإن قلتم: يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه وإن قلتم: لا يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه؟. (9/303) ________________________________________ ص -399- وهذه حجج كما ترى في القوة لا تندفع إلا بأقوى منها أو بأمثالها. فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل من حق الله وسلم نفسه طوعا إلى الوارث ليستوفى منه حق موروثه: سقط عنه الحقان وبقي حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل: تعويض المقتول لأن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة النصوح تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب لله ولرسوله إذا قتل مسلما في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله سبحانه يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله. وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد فعفا عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فالله تعالى يقبل توبته ويعوض المقتول. فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله 27 :78 {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}. فصل: في مشاهد الخلق في المعصية. وهي ثلاثة عشر مشهدا. مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة ومشهد الجبر ومشهد القدر ومشهد الحكمة ومشهد التوفيق والخذلان ومشهد التوحيد ومشهد الأسماء والصفات ومشهد الإيمان وتعدد شواهده ومشهد الرحمة ومشهد العجز والضعف ومشهد الذل والافتقار ومشهد المحبة والعبودية. فالأربعة الأول للمنحرفين والثمانية البواقي لأهل الاستقامة وأعلاها: المشهد العاشر. (9/304) ________________________________________ ص -400- وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى "سفر الهجرتين في طريق السعادتين". فصل فأما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة: فمشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية فضلا عن درجة الملائكة فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفلوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها. فمنهم: من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى خبيث أو طيب ولا يستحى من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك. ومنهم: من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكدر والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضوع ذكرها. (9/305) ________________________________________ ص -401- ومنهم: من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه. ومنهم: من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاروه تسبيحه بلسان الحال سبحان من خلقه للفساد. ومنهم: من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر والعين وحدها لم تفعل شيئا وإنما النفس الخبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ولهذا لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها: أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات النبوية التي في القرآن والتي في السنة. وإذا عرف الرجل بالأذى بالعين: ساغ بل وجب حبسه وإفراده عن الناس ويطعم ويسقي حتى يموت ذكر ذلك غير واحد من الفقهاء ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف لأن هذا من نصيحة المسلمين ودفع الأذى عنهم ولو قيل فيه غير ذلك لم يكن بعيدا من أصول الشرع. (9/306) ________________________________________ ص -402- فإن قيل فهل تقيدون منه فإذا قتل بعينه؟. قيل: إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية وإن تعمد وقدر على رده وعلم أنه يقتل به: ساغ للولي أن يقتله بمثل ما قتل به فيعينه إن شاء كما عان هو المقتول وأما قتله بالسيف قصاصا: فلا لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل لجنايته. وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؟. فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به. فإن قيل: فما الفرق بين القتل بهذا وبين القتل بالسحر حيث توجبون القصاص به بالسيف؟. قلنا: الفرق من وجهين. أحدهما: أن السحر الذي يقتل به: هو السحر الذي يقتل مثله غالبا ولا ريب أن هذا كثير في السحر وفيه مقالات وأبواب معروفة للقتل عند أربابه. الثاني: أنه لا يمكن أن يقتص منه بمثل ما فعل لكونه محرما لحق الله فهو كما لو قتله باللواط وتجريع الخمر فإنه يقتص منه بالسيف. وليس هذا موضع ذكر هذه المسائل وإنما ذكرت لما ذكرنا أن من النفوس البشرية ما هي على نفوس الحيوانات العادية وغيرها وهذا هو تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى 6 :38 {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. وعلى هذا الشبه اعتماد أهل التعير للرؤيا في رؤية هذه الحيوانات في المنام عند الإناسن وفي داره أو أنها تحاريه وهو كما اعتمدوه وقد وقع لنا ولغيرنا من ذلك في المنام وقائع كثيرة فكان تأويلها مطابقا لأقوام على طباع تلك (9/307) ________________________________________ ص -403- الحيوانات وقد رأى النبي ﷺ في قصة أحد "بقرا تنحر" فكان من أصيب من المؤمنين بنحر الكفار فإن البقر أنفع الحيوانات للأرض وبها صلاحها وفلاحها مع ما فيها من السكينة والمنافع والذل بكسر الذال فإنها ذلول مذللة منقادة غير أبية والجواميس كبارهم ورؤساؤهم ورأى عمر بن الخطاب كأن ديكا نقره ثلاث نقرات فكان طعن أبي لؤلؤة له والديك رجل أعجمي شرير. ومن الناس: من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله. ومنهم: من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء. ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا. ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد. وأحمد طبائع الحيوانات: طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا وكذلك الغنم وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم. والمقصود: أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم لا يعرفون ما وراء ذلك ألبتة. (9/308) ________________________________________ ص -404- فصل: المشهد الثاني مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطباء الذين يشهدون أن ذلك من لوازم الخلقة الإنسانية وأن تركيب الإنسان من الطبائع الأربع وامتزاجها واختلاطها كما يقتضى بغي بعضها على بعض وخروجه عن الاعتدال بحسب اختلاف هذه الاخلاط فكذلك تركيبه من البدن والنفس والطبيعة والأخلاط الحيوانية تتقاضاه آثار هذه الخلقة ورسوم تلك الطبيعة ولا تنقهر إلا بقاهر إما من نفسه وإما من خارج عنه وأكثر النوع الإنساني ليس له قاهر من نفسه فاحتياجه إلى قاهر فوقه يدخله تحت سياسة وإيالة ينتظم بها أمره ضرورة كحاجته إلى مصاحله من الطعام والشراب واللباس. وعند هؤلاء: أن العاقل متى كان له وازع من نفسه قاهر لم يحتج إلى أمر غيره ونهيه وضبطه. فمشهد هؤلاء: من حركات النفس الاختيارية الموجبة للجنايات كمشهدهم من حركات الطبيعة الاضطرارية الموجبة للتغيرات وليس لهم مشهد وراء ذلك. فصل المشهد الثالث مشهد أصحاب الجبر وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم وأنها واقعة بغير قدرتهم بل لا يشهدون أنها أفعالهم ألبتة. يقولون: إن أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر وأن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه وأنه آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار. وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه. (9/309) ________________________________________ ص -405- وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالهم كلها طعات خيرها وشرها لموافقتها للمشيئة والقدر. ويقولون: كما أن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانهم: أنهم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلا على أمره بها ورضاه وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد منهم عداوة لله ومناقضة لكتبه ورسله ودينه حتى إن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ويتوجع له ويقيم عذره بجهده وينسب ربه تعالى إلى ظلمه بلسان الحال والمقال ويقول ما ذنبه وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه؟ وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه ثم كيف يمكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه؟ وهل كان في ترك السجود لغير الله إلا محسنا؟ ولكن إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب وهؤلاء أعداء الله حقا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه وإذا ناح منهم نائح على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرا عجبا ورأيت من ظلمهم الأقدار واتهامهم الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم من التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: ويدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طرا فرقة القدرية فصل: المشهد الرابع مشهد القدرية النفاة يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم يكتبه ولا شاء ولا خلق أفعالهم وأنه لا يقدر أن يهدي أحدا (9/310) ________________________________________ ص -406- ولا يضله إلا بمجرد البيان لا أنه يلهمه الهدى والضلال والفجور والتقوى فيجعل ذلك في قلبه. ويشهدون أنه يكون في ملك الله مالا يشاؤه وأنه يشاء مالا يكون وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله. فالمعاصي والذنوب خلقهم وموجب مشيئتهم لا أنها خلق الله ولا تتعلق بمشيئته وهم لذلك مبخوسو الحظ جدا من الاستعانة بالله والتوكل عليه والاعتصام به وسؤاله أن يهديهم وأن يثبت قلوبهم وأن لا يزيغها وأن يوفقهم لمرضاته ويجنبهم معصيته إذ هذا كله واقع بهم وعين أفعالهم لا يدخل تحت مشيئة الرب شيء منها. والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر فلا يؤزهم إلى المعاصي ذلك الأز ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج وله في ذلك غرضان مهمان. أحدهما: أن يقر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة وأنكم تاركون الذنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السنة فدل على أن الأمر مفوض إليكم واقع بكم وأنكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية. الغرض الثاني: أنه يصطاد على أيديهم الجهال فإذا رأوهم أهل عبادة وزهادة وتورع عن المعاصي وتعظيم لها قالوا: هؤلاء أهل الحق والبدعة آثر عنده وأحب إليه من المعصية فإذا ظفر بها منهم واصطاد الجهال على أيديهم كيف يأمرهم بالمعصية؟ بل ينهاهم عنها ويقبحها في أعينهم وقلوبهم ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر. فصل: المشهد الخامس وهو أحد مشاهد أهل الإستقامة: مشهد (الحكمة) وهو مشهد حكمة الله في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ويلوم ويعاقب عليه وأنه (9/311) ________________________________________ ص -407- لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه وأنه سبحانه لا يعصى قسرا وأنه لا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته 7 :57 {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}. وهؤلاء يشهدون أن الله سبحانه لم يخلق شيئا عبثا ولا سدى وأن له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر وطاعة ومعصية وحكمة باهرة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها وتكل الألسن عن التعبير عنها. فمصدر قضائه وقدره لما يبغضه ويسخطه اسمه (الحكيم) الذي بهرت حمته الألباب وقد قال تعالى لملائكته لما قالوا 2 :30 {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فأجابهم سبحانه بقوله {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} فلله سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب آثارها من الآيات والحكم وأنواع التعرفات إلى خلقه وتنويع آياته ودلائل ربوبيته ووحدانيته وإلهيته وحكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه ما يشهده أولو البصائر عيانا ببصائر قلوبهم فيقولون 3 :191 {مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} إن هي إلا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة. ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فكم من آية في الأرض بينة دالة على الله وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق كان سببها معاصي بني آدم وذنوبهم كآيته في إغراق قوم نوح وعلو الماء على رءوس الجبال حتى أغرق جميع أهل الأرض ونجى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده فكم في ذلك من آية وعبرة ودلالة باقية على ممر الدهور وكذلك إهلاك قوم عاد وثمود. وكم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى عليه السلام إليهم بل قبل مبعثه إلى حين إغراقهم لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات (9/312) ________________________________________ ص -408- والعجائب وفي التوراة أن الله تعالى قال لموسى اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه وأمنعه عن الإيمان لأظهر آياتي وعجائبي بمصر وكذلك فعل سبحانه فأظهر من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر. وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم بسبب ذنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم له في النار حتى صارت تلك الآية حتى نال إبراهيم بها ما نال من كمال الخلة. وكذلك ما حصل للرسل من الكرامة والمنزلة والزلفى عند الله والوجاهة عنده بسبب صبرهم على أذى قومهم وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم. وكذلك اتخاذ الله تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم بسبب صبرهم على أذى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ومجاهدتهم في الله وتحملهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات. إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه وكان ذلك محض الحكمة لما يترتب عليه مما هو أحب إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية. فحصول هذا المحبوب العظيم: أحب إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط فإن فواته وعدمه وإن كان محبوبا له لكن حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون وجود ذلك المبغوض أحب إليه وفوات هذا المحبوب: أكره إليه من فوات ذلك المكروه المسخوط وكمال حكمته تقتضي حصول أحب الأمرين إليه بفوات أدنى المحبوبين وأن لا يعطل هذا الأحب بتعطيل ذلك المكروه وفرض الذهن وجود هذا بدون هذا: كفرضه وجود المسببات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها مما تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيته. ويكفي من هذا مثال واحد وهو أنه لولا المعصية من أبي البشر بأكله من الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى (9/313) ________________________________________ ص -409- من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله وإنزال كتبه وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها وإكرام أوليائه وإهانة أعدائه وظهور عدله وفضله وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته وصفحه وحلمه وظهور من يعبده ويحبه ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان. فلو قدر أن آدم لم يأكل من الشجرة ولم يخرج من الجنة هو وأولاده: لم يكن شيء من تلك ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنا في قلب إبليس يعلمه الله ولا تعلمه الملائكة ولم يتميز خبيث الخلق من طيبهم ولم تتم المملكة حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة ودار سعادة وفضل ودار شقاوة وعدل. وكم في تسليط أوليائه على أعدائه وتسليط أعدائه على أوليائه والجمع بينهما في دار واحدة وابتلاء بعضهم ببعض من حكمة بالغة ونعمة سابغة؟. وكم فيها من حصول محبوب للرب وحمد له من أهل سمواته وأرضه وخضوع له وتذلل وتبعد وخشية وافتقار إليه وانكسار بين يديه: أن لا يجعلهم من أعدائه إذ هم يشاهدونهم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضه عنهم ومقته لهم وما أعد لهم من العذاب وكل ذلك بمشيئته وإرادته وتصرفه في مملكته فأولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون على أشد وجل وأعظم مخافة وأنم انكسار. فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له وهارون ومارون: وضعت رؤوسها بين يدي الرب خضوعا لعظمته واستكانه لعزته وخشية من إبعاده وطرده وتذللا لهيبته وافتقارا إلى عصمته ورحمته وعلمت بذلك منته عليهم وإحسانه إليهم وتخصيصه لهم بفضله وكرامته. وكذلك أولياؤه المتقون إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم وغضبه عليهم وخذلانه لهم ازدادوا خضوعا وذلا وافتقارا وانكسارا وبه استعانة (9/314) ________________________________________ ص -410- وإليه إنابة وعليه توكلا وفيه رغبة ومنه رهبة وعلموا أنهم لا ملجأ لهم منه إلا إليه وأنهم لا يعيذهم من بأسه إلا هو ولا ينجيهم من سخطهم إلا مرضاته فالفضل بيده أولا وآخرا. وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة بخلقه والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه فيطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها العبارة ولا تنالها الصفة. وأما حظ العبد في نفسه وما يخصه من شهود هذه الحكمة فبحسب استعداده وقوة بصيرته وكمال علمه ومعرفته بالله وأسمائه وصفاته ومعرفته بحقوق العبودية والربوبية وكل مؤمن له من ذلك شرب معلوم ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه والله الموفق والمعين. فصل: المشهد السادس: مشهد التوحيد وهو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه وأن الخلق مقهورون تحت قبضته وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه فالقلوب بيده وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها وهو الذي هداها وزكاها وألهم نفوس الفجار فجورها وأشقاها "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي" له يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته هذا فضله وعطاؤه وما فضل الكريم بممنون وهذا عدله وقضاؤه 21 :23 {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده". (9/315) ________________________________________ ص -411- وفي هذا المشهد: يتحقق للعبد مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} علما وحالا فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة والشقاء: كل ذلك بيد الله لا بيد غيره وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها وأرقها وأصفاها وأشدها وألينها: من اتخذه وحده إلها ومعبودا فكان أحب إليه من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه وأرجى له من كل ما سواه فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب فتنساق المحاب تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء فينساق كل رجاء تبعا لرجائه. فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية أي باب توحيد الإلهية: هو توحيد الربوبية. فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر ويحتج عليهم به ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية. وفي هذا المشهد يتحقق له مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} قال الله تعالى 44 :87 {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه وكذلك قوله تعالى 23 :84، 89 {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره (9/316) ________________________________________ فهكذا لا إله لهم سواه {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ (9/317) ________________________________________ ص -412- الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ }الآيات وهكذا قوله في سورة النمل 27 :59، 65 {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} إلى آخر الآيات. يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها آخر. ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية "أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ فعل هذا؟" حتى يتم الدليل فلا بد من الجواب بلا فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه؟ فعلم أن إلهية ما سواه باطلة كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتكم. ومن قال: المعنى "هل مع الله إله آخر؟" من غير ان يكون المعنى "فعل هذا" فقوله ضعيف لوجهين. أحدهما: أنهم كانوا يقولون: مع الله آهلة أخرى ولا ينكرون ذلك. الثاني: أنه لا يتم الدليل ولا يحصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير أي فإذا كنتم تقولون: إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله فكيف تجعلون معه إلها آخر لا يخلق شيئا وهو عاجز وهذا كقوله 13 :16 {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} وقوله 31 :11 {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه} وقوله 16 :17 {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} وقوله 16 :20 {وَالَّذِينَ (9/318) ________________________________________ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وقوله 25 :3 {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً (9/319) ________________________________________ ص -413- لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وهو كثير في القرآن وبه تتم الحجة كما تبين. والمقصود: أن العبد يحصل له هذا في المشهد من مطالعة الجنايات والذنوب وجريانها عليه وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم وأنه لا عاصم من غضبه وأسباب سخطه إلا هو ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه فموارد الأمور كلها منه ومصادرها إليه وأزمة التوفيق جميعها بيديه فلا مستعان للعباد إلا به ولا متكل إلا عليه كما قال شعيب خطيب الأنبياء: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. فصل: المشهد السابع: مشهد التوفيق والخذلان. وهو من تمام هذا المشهد وفروعه ولكن أفرد بالذكر لحاجة العبد إلى شهوده وانتفاعه به وقد أجمع العارفون بالله: أن (التوفيق) هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن (الخذلان) هو أن يخلى بينك وبين نفسك فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له فهو دائر بين توفيقه وخذلانه فإن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا له أتم حمد وأكمله ولم يمنع العبد شيئا هو له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله؟. فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم شدة ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كل نفس وكل لحفظ وطرفة عين وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى لو تخلى عنه طرفة عين لثل عرش تويحده ولخرت سماء إيمانه على الأرض وأن الممسك له هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فهجيرى قلبه ودأب (9/320) ________________________________________ ص -414- لسانه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك" ودعواه "يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك". ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه فيسأله توفيقه مسألة المضطر ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف ويلقي نفسه بين يديه طريحا ببابه مستسلما له ناكس الرأس بين يديه خاضعا ذليلا مستكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ونشورا. و(التوفيق) إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه إليه وهذا مجرد فعله والعبد محل له قال تعالى 49 :7، 8 {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ، فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصح له حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله لا يمنعه أهله ولا يضعه عند غير أهله وذكر هذا عقيب قوله 49 :7 {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} ثم جاء به بحرف الاستدراك فقال {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ}. يقول سبحانه: لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له وتزيينه في قلوبكم: منكم ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك فآثرتموه ورضيتموه فلذلك فلذلك لا تقدموا بين يدي رسولي ولا تقولوا حتى يقو لولا تفعلوا حتى يأمر فالذي حبب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم وأنت مفلولا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق (9/321) ________________________________________ أنفسكم ولا تقدمتم به إليها فنفوسكم تصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه فلو أطاعكم رسولي في كثير مما (9/322) ________________________________________ ص -415- تريدون: لشق عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون ولا تظنوا أن نفوسكم تريد لكم الرشد والصلاح كما أردتم الإيمان فلولا أني حببته إليكم وزينته في قلوبكم وكرهت إليكم ضده لما وقع منكم ولا سمحت به أنفسكم. وقد ضرب للتوفيق والخذلان مثل: ملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولا وكتب معه إليهمن كتابا يعلمهم أن العدو مصبحهم عن قريب ومجتاحهم ومخرب البلد ومهلك من فيها وأرسل إليهم أموالا ومراكب وزادا وعدة وأدلة وقال: ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه ثم قال لجماعة من مماليكه: اذهبوا إلى فلان فخذوا بيده واحملوه ولا تذروه يعقد واذهبوا إلى فلان كذلك وإلى فلان وذروا من عداهم فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم فلم يتركوهم يقرون بل حملوهم حملا وساقوهم سوقا إلى الملك فاجتاح العدو من بقي في المدينة وقتلهم وأسر من أسر. فهل يعد الملك ظالما لهؤلاء أم عادلا فيهم نعم خص أولئك بإحسانه وعنايته وحمرها من عداهم إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه بل ذلك فضلة يؤتيه من يشاء. وقد فسرت القدرية الجبرية (التوفيق) بأنه خلق الطاعة و(الخذلان) بأنه خلق المعصية. ولكن بنو ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم وردوا الأمر إلى محض المشيئة من غير سبب ولا حكمة. وقابلهم القدرية النفاة ففسروا (التوفيق) بالبيان العام والهدى العام (9/323) ________________________________________ ص -416- والتمكن من الطاعة والإقبال عليها وتهيئة أسبابها هذا حاصل لكل كافر ومشرك بلغته الحجة وتمكن من الإيمان. فالتوفيق عندهم: أمر مشترك بين الكفار والمؤمنين إذ الإقدار والتمكين والدلالة والبيان قد عم به الفريقين ولم يفرد المؤمنين عندهم بتوفيق وقع به الإيمان منهم والكفار بخذلان امتنع به الإيمان منهم ولو فعل ذلك لكان عندهم محاباة وظلما. والتزموا لهذا الأصل لوازم قامت بها عليهم سوق الشناعة بين العقلاء ولم يجدوا بدا من التزامها فظهر فساد مذهبهم وتناقض قولهم لمن أحاط به علما وتصوره حق تصوره وعلم أنه من أبطل مذهب في العالم وأردأه. وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صارط مستقيم فلم يرضوا بطريق هؤلاء ولا بطريق هؤلاء وشهدوا انحراف الطريقين عن الصراط المستقيم فأثبتوا القضاء والقدر وعموم مشيئة الله للكائنات وأثبتوا الأسباب والحكم والغايات والمصالح ونزهوا الله عز وجل أن يكون في ملكه ما لا يشاء أو أن يقدر خلقه على ما لا يدخل تحت قدرته ولا مشيئته أو أن يكون شيء من أفعالهم واقعا بغير اختياره وبدون مشيئته ومن قال ذلك فلم يعرف ربه ولم يثبت له كمال الربوبية. ونزهوه مع ذلك عن العبث وفعل القبيح وأن يخلق شيئا سدى وأن تخلوا أفعاله عن حكم بالغة لأجلها أو جدها وأسباب بها سببها وغايات جعلت طرقا ووسائل إليها وأن له في كل ما خلقه وقضاه حكمة بالغة وتلك الحكمة صفة له قائمة به ليست مخلوقة كما تقول القدرية النفاة للقدر والحكمة في الحقيقة. فأهل الصراط المستقيم: بريئون من الطائفتين إلا من حق تتضمنه مقالاتهم فإنهم يوافقونهم عليه ويجمعون حق كل منهما إلى حق الأخرى ولا يبطلون (9/324) ________________________________________ ص -417- ما معهم من الحق لما قالوه من الباطل فهم شهداء الله على الطوائف وأمناؤه عليهم حكام بينهم حاكمون عليهم ولا يحكم عليهم أحد منهم يكشفون أحوال الطوائف ولا يكشفهم إلا من كشف له عن معرفة ما جاء به الرسول وعرف الفرق بينه وبين غيره ولم يلتبس عليه وهؤلاء أفراد العالم ونخبته وخلاصته ليسوا من الذين فرقوا دنيهم وكانوا شيعا ولا من الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا بل ممن هم على بينة من ربه وبصيرة في إيمانه ومعرفة بما عند الناس والله الموفق. فصل: المشهد الثامن: مشهد الأسماء والصفات. وهو من أجل المشاهد وهو أعلى مما قبله وأوسع. والمطلع على هذا المشهد: معرفة تعلق الوجود خلقا وأمرا بالأسماء الحسنى والصفات العلى وارتباطه بها وإن كان العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها. وهذا من أجل المعارف وأشرفها وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال وكل صفة لها مقتض وفعل: إما لازم وإما متعد ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال وتعطيل الأفعال عن المفعولات كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته وصفاته عن أسمائه وتعيطل أسمائه وأوصافه عن ذاته. وإذا كانت أوصافه صفات كمال وأفعاله حكما ومصالح وأسماؤه حسنى: ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه ولها ينكر سبحانه على من عطله (9/325) ________________________________________ ص -418- عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم سيىء ممن حكم به عليه وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره ولا عظمه حق تعظيمه كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب 6 :91 {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب 39 :67 {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه} وقال في حق من جوز عليه التسوية بين المختلفين كالأبرار والفجار والمؤمنين والكفار 45 :21 {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فأخبر أن هذا حكم سيء لا يليق به تأباه أسماؤه وصفته وقال سبحانه 23 :115 { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} عن هذا الظن والحسبان الذين تأباه أسماؤه وصفاته. ونظائر هذا في القرآن كثيرة ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها. فاسمه (الحميد المجيد) يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك وكذلك اسمه (الملك) واسمه (الحي) يمنع أن يكون معطلا من الفعل بل حقيقة (الحياة) الفعل فكل حي فعال وكونه سبحانه (خالقا قيوما) من موجبات حياته ومقتضياتها واسمه (السميع البصير) يوجب مسموعا ومرئيا واسمه (الخالق) يقتضي مخلوقا وكذلك (الرزاق) واسمه (الملك) يقتضي مملكة وتصرفا وتدبيرا وإعطاء ومنعا (9/326) ________________________________________ وإحسانا وعدلا وثوابا وعقابا واسم (البر المحسن المعطي المنان) ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها. (9/327) ________________________________________ ص -419- إذا عرف هذا فمن أسمائه سبحانه (الغفار التواب العفوّ) فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات ولا بد من جناية تغفر وتوبة تقبل وجرائم يعفى عنها ولا بد لاسمه (الحكيم) من متعلق يظهر فيه حكمه إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم (الخالق الرزاق المعطي المانع) للمخلوق والمرزوق والمعطي والممنوع وهذه الأسماء كلها حسنى. والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه فهو عفو يحب العفو ويحب المغفرة ويحب التوبة ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال. وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه: من موجب أسمائه وصفاته وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سمواته وأهل أرضه ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده. وهو سبحانه الحميد المجيد وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما: مغفرة الزلات وإقالة العثرات والعفو عن السيئات والمسامحة على الجنايات مع كمال اقدرة على استيفاء الحق والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها فحلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته ومغفرته عن كمال عزته وحكمته كما قال المسيح ﷺ 5 :118 {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك لست كمن يغفر عجزا ويسامح جهلا بقدر الحق بل أنت عليم بحقك قادر على استيفائه حكيم في الأخذ به. فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها أيضا: مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته. فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته واستدعاء محبتهم له وذكرهم له وشكرهم له وتعبدهم له (9/328) ________________________________________ ص -420- بأسمائه الحسنى إذ كل اسم فله تعبد مختص به علما ومعرفة وحالا وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه الحليم الرحيم أو يحجبه عبودية اسمه (المعطي) عن عبودية اسمه المانع أو عبودية اسمه (الرحيم والعفوّ والغفور) عن اسمه (المنتقم) أو التعبد بأسماء (التودد والبر واللطف والإحسان) عن أسماء (العدل والجبروت والعظمة والكبرياء) ونحو ذلك. وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال الله تعالى: 7 :180 {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويأخذوا بحظهم من عبوديتها. وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته. فهو (عليم) يحب كل عليم (جواد) يحب كل جواد (وتر) يحب الوتر (جميل) يحب الجمال (عفو) يحب العفو وأهله (حيي) يحب الحياء وأهله (برّ) يحب الأبرار (شكور) يحب الشاكرين (صبور) يحب الصابرين (حليم) يحب أهل الحلم فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة والعفو والصفح: خلق من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له ليترتب عليه المحبوب له المرضي له فتوسطه كتوسط الأسباب المكروهة المفضية إلى المحبوب. فربما كان مكروه العباد إلى محبوبها سبب ما مثله سبب والأسباب مع مسبباتها أربعة أنواع: محبوب يفضي إلى محبوب ومكروه يفضي إلى محبوب وهذان النوعان عليهما مدار أقضيته وقداره سبحانه بالنسبة إلى ما يحبه وما يكرهه. (9/329) ________________________________________ ص -421- والثالث: مكروه يفضي إلى مكروه والرابع: محبوب يفضي إلى مكروه وهذان النوعان ممتنعان في حقه سبحانه إذ الغايات المطلوبة من قضائه وقدره الذي ما خلق ما خلق ولا قضى ما قضى إلا لأجل حصولها لا تكون إلا محبوبة للرب مرضية له والأسباب الموصلة إليها منقسمة إلى محبوب له ومكروه له. فالطاعات والتوحيد: أسباب محبوبة له موصلة إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضا والشرك والمعاصي: أسباب مسخوطة له موصلة إلى العدل المحبوب له وإن كان الفضل أحب إليه من العدل فاجتماع العدل والفضل أحب إليه من انفراد أحدهما عن الآخر لما فيهما من كمال الملك والحمد وتنوع الثناء وكمال القدرة. فإن قيل: كان يمكن حصول هذا المحبوب من غير توسط المكروه. قيل: هذا سؤال باطل لأن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والذي يقدر في الذهن وجوده شيء آخر سوى غير هذا المطلوب المحبوب للرب وحكم الذهن عليه بأنه محبوب للرب حكم بلا علم بل قد يكون مبغوضا للرب تعالى لمنافاته حكمته فإذا حكم الذهن عليه بأنه محبوب له كان نسبة له إلى ما لا يليق به ويتعالى عنه. فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام ولو أمسك عن الكلام من لا يعلم لقل الخلاف. وهذا المشهد أجل من أن يحيط به كتاب أو يستوعبه خطاب وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تطلع على ما وراءها والله الموفق والمعين. فصل: المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان وتعدد شواهده. وهو من ألطف المشاهد وأخصها بأهل المعرفة ولعل سامعه يبادر إلى إنكاره ويقول: كيف يشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي؟ ولا سيما من ذنوب العبد ومعاصيه وهل ذلك إلا منقص للإيمان فإنه بإجماع السلف: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. (9/330) ________________________________________ ص -422- فاعلم أن هذا حاصل من التفات العارف إلى الذنوب والمعاصي منه ومن غيره وإلى ترتب آثارها عليها وترتب هذه الآثار عليها علم من أعلام النبوة وبرهان من براهين صدق الرسل وصحة ما جاءوا به فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أمروا العباد بما فيه صلاح ظواهرهم وبواطنهم في معاشهم ومعادهم ونهوهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم في المعاش والمعاد وأخبروهم عن الله عز وجل: أنه يحب كذا وكذا ويثيب عليه بكذا وكذا وأنه يبغض كيت وكيت ويعاقب عليه بكيت وكيت وأنه إذا أطيع بما أمر به: شكر عليه بالإمداد والزيادة والنعم في القلوب والأبدان والأموال ووجد العبد زيادته وقوته في حاله كلها وأنه إذا خولف أمره ونهيه ترتب عليه من النقص والفساد والضعف والذل والمهانة والحقارة وضيق العيش وتنكد الحياة ما ترتب كما قال تعالى: 16 :97 {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال تعالى: 39 :10 قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} وقال تعالى: 11 :3 {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} وقال تعالى: 20 :124، 125 {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} وفسرت المعيشة الضنك: بعذاب القبر والصحيح: أنها في الدنيا وفي البرزخ فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش وكثرة (9/331) ________________________________________ ص -423- الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر فهو لا يصحو ساعة إلا أحس وشعر بهذا الألم فبادر إلى إزالته بسكر ثان فهو هكذا مدة حياته وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب شعور؟. فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر 82 :13، 14 {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} هذا في دورهم الثلاث ليس مختصا بالدار الآخرة وإن كان تمامه وكماله وظهوره: إنما هو في الدار الآخرة وفي البرزخ دون ذلك كما قال تعالى: 52 :47 {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} وقال تعالى: 27 :71، 72 {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ}. وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ولكن يمنع من الإحساس به: الاستغراق في سكرة الشهوات وطرح ذلك عن القلب وعدم التفكر فيه. والعبد قد يصيبه ألم حسي فيطرحه عن قلبه ويقطع التفاته عنه ويجعل إقباله على غيره لئلا يشعر به جملة فلو زال عنه ذلك الالتفات لصاح من شدة الألم فما الظن بعذاب القلوب وآلامها؟!. وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثارا محبوبة لذيذة طيبة لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها وجعل للسيئات والمعاصي آلاما وآثارا مكروهة وحزازات تربي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة قال (9/332) ________________________________________ ص -424- ابن عباس: "إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق" وهذا يعرفه صاحب البصيرة ويشهده من نفسه ومن غيره. فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال تعالى: 42 :30 {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه: 3 :165 {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} وقال: 4 :79 {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}. والمراد بالحسنة والسيئة هنا: النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله ولهذا قال: {مَا أَصَابَكَ} ولم يقل: ما أصبت. فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها. وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال: أمر مشهود في العالم لا ينكره ذو عقل سليم بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر. وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته: مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة كما قال بعض الناس: إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ولم أتداركه بالتوبة: انتظرت أثره السيء فإذا أصابني أو فوقه أو دونه كما حسبت يكون هجيراى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويكون ذلك من شواهد الإيمان (9/333) ________________________________________ ص -425- وأدلته فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا وكذا ترتب عليه من المكروه كذا وكذا فجعلت كلما فعلت شيئا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه لم تزدد إلا علما بصدقه وبصيرة فيه وليس هذا لكل أحد بل أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه فلا يشهد شيئا من ذلك ولا يشعر به ألبتة. وإنما يكون هذا لقلب فيه نور الإيمان وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه فهو يشاهد هذا وهذا ويرى حال مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح فيرى نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح وتقلب السفينة وتكفئها ولا سيما إذا انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذنوب إذا أريد به الخير وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر. ومتى انفتح هذا الباب للعبد: انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم وماجريات الخلق بل انتفع بماجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس وفهم حينئذ معنى قوله تعالى: 13 :33 {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} وقوله: 3 :18 {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة وجدب ونقص في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب تعالى بالقسط وهو عدل الله وقسطه وإن أجراه على يد ظالم فالمسلط له أعدل العادلين كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض: 17 :5 {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ} الآية. فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات فإن تداركها من سقي بالأدوية المقاومة لها وإلا قهرت القوة الإيمانية وكان الهلاك كما قال بعض السلف: "المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت". فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتغير القلوب عليه وجفولها منه (9/334) ________________________________________ ص -426- وانسداد الأبواب في وجهه وتوعر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتى ووقوعه على السبب الموجب لذلك: مما يقوي إيمانه فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه ازداد إيمانا مع إيمانه فتقوى شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته فهذا من الذين قال الله فيهم 39 :35 {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وصاحب هذا المشهد متى تبصر فيه وأعطاه حقه: صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها فنفعه الله في نفسه ونفع به من شاء من خلقه والله أعلم. فصل: المشهد العاشر: مشهد الرحمة. فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة والكيفية الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ذنب حتى لو قدر عليه لأهله وربما دعا الله عليه أن يهلكه ويأخذه غضبا منه لله وحرصا على أن لا يعصى فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم والعيب لهم والذم فإذا جرت عليه المقادير وخلي ونفسه استغاث الله والتجأ إليه وتململ بين يديه تململ السليم ودعاه دعاء المضطر فتبدلت تلك الغلظة على المذنبين رقة وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله وتبدل دعاؤه عليهم دعاء لهم وجعل لهم وظيفة من عمره يسأل الله أن يغفر لهم. فما أنفعه له من مشهد ! وما أعظم جدواه عليه والله أعلم. (9/335) ________________________________________ ص -427- فصل: فيورثه ذلك: المشهد الحادي عشر. وهو مشهد العجز والضعف وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه وأضعفه وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يمينا وشمالا ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى تجري عليه أحكام القدر وهو كالآلة طريحا بين يدي وليه ملقى ببابه واضعا خده على ثرى أعتابه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعي فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاءا. وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن فإن حماه منهم وكفهم عنه لم يجدوا إليه سبيلا وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم بل هو نصيب من ظفر به منهم. وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ويعرف ربه وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور: "من عرف نفسه عرف ربه" وليس هذا حديثا عن رسول الله ﷺ إنما هو أثر إسرائيلي بغير هذا اللفظ أيضا "يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك" وفيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة ومن عرفها بالذل عرف ربه بالعز ومن عرفها بالجهل عرف ربه بالعلم فإن الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق والحمد والثناء والمجد والغنى والعبد فقير ناقص محتاج وكلما ازدادت معرفة العبد بنقصه وعيبه وفقره وذله وضعفه: ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله. (9/336) ________________________________________ ص -428- التأويل الثاني: أن من نظر إلى نفسه وما فيها من الصفات الممدوحة من القوة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة عرف أن من أعطاه ذلك وخلقه فيه أولى به فمعطي الكمال أحق بالكمال فكيف يكون العبد حيا متكلما سميعا بصيرا مريدا عالما يفعل باختياره ومن خلقه وأوجده لا يكون أولى بذلك منه فهذا من أعظم المحال بل من جعل العبد متكلما أولى أن يكون هو متكلما ومن جعله حيا عليما سميعا بصيرا فاعلا قادرا أولى أن يكون كذلك. فالتأويل الأول من باب الضد وهذا من باب الأولوية. والتأويل الثالث: أن هذا من باب النفي أي كما أنك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء إليك فلا تعرف حقيقتها ولا ماهيتها ولا كيفيتها فكيف تعرف ربك وكيفية صفاته؟. والمقصود: أن هذا المشهد يعرف العبد أنه عاجز ضعيف فتزول عنه رعونات الدعاوى والإضافات إلى نفسه ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء إن هو إلا محض القهر والعجز والضعف. فصل: فحينئذ يطلع منه على: المشهد الثاني عشر. وهو مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة: ضرورة تامة وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها وإنما تدرك بالحصول فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة ولا يرغب في مثله وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه فحينئد يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا فأي خير ناله من (9/337) ________________________________________ ص -429- الله استكثره على نفسه وعلم أن قدره دونه وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به وسياقته إليه واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه واستكثر قليل معاصيه وذنوبه فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله. فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه ! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه ! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذلة فهو ناكس الرأس بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله. قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء فهذا سجود القلب. فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه إذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها وذل العبد وخضع واستكان ووضع خده على عتبة العبودية ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم فلا يرى إلا متملقا لربه خاضعا له ذليلا مستعطفا له يسأله عطفه ورحمته فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه فليس له هم غير استرضائه واستعطافه لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له يقول: كيف أغضب من حياتى في رضاه وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره؟. وصاحب هذا المشهد: يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس ويربيه أحسن التربية ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية وهو القيم بمصالحه كلها فبعثه أبوه في حاجة له فخرج عليه في طريقه (9/338) ________________________________________ ص -430- عدو فأسره وكتفه وشده وثاقا ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه فرأى أباه منه قريبا فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه ! انظر إلى ولدك وما هو فيه ودموعه تستبق على خديه قد اعتنقه والتزمه وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به فهل تقول: إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها؟ إذا فر عبد إليه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحا ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكيا بين يديه يقول: يا رب يا رب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مؤوي له سواك ولا مغيث له سواك مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك لا ملجأ له ولا منجا له منك إلا إليك أنت معاذه وبك ملاذه. يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره فصل فإذا استبصر في هذا المشهد تمكن من قلبه وباشره وذاق طعمه وحلاوته ترقى منه إلى: المشهد الثالث عشر وهو الغاية التي شمر إليها السالكون وأمها القاصدون ولحظ إليها العاملون. وهو مشهد العبودية والمحبة والشوق إلى لقائه والابتهاج به والفرح والسرور به فتقر به عينه ويسكن إليه قلبه وتطمئن إليه جوارحه ويستولى (9/339) ________________________________________ ص -431- ذكره على لسان محبه وقلبه فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته مكان إرادة معاصيه ومساخطه وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان حركاتها بالمعاصي قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في المحبة لا يعبر عنه. ويحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية. وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية ولا حجاب أغلظ من الدعوى ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد ولا يضر مع الذل والافتقار بطالة يعني بعد فعل الفرائض. والقصد: أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابا من المحبة لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيتها بعين الضعف والعجز (9/340) ________________________________________ ص -432- والعيب والنقص والذم بحيث يشاهدها ضيعة وعجزا وتفريطا وذنبا وخطيئة: نوع آخر وفتح آخر والسالك بهذه الطريق غريب في الناس هم في واد وهو في واد وهي تسمى طريق الطير يسبق النائم فيها على فراشه السعاة فيصبح وقد قطع الطريق وسبق الركب بينا هو يحدثك وإذا به قد سبق الطرف و فات السعاة والله المستعان خير الغافرين. وهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله. فكلما طالع العبد منن ربه سبحانه عليه قبل الذنب وفي حال مواقعته وبعده وبره به وحلمه عنه وإحسانه إليه: هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق إلى لقائه فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وأي إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمده بنعمه ويعامله بألطافه ويسبل عليه ستره ويحفظه من خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ينالون منه بها بغيتهم ويردهم عنه ويحول بينهم وبينه؟ وهو في ذلك كله بعينه يراه ويطلع عليه فالسماء تستأذن ربها أن تحصبه والأرض تستأذنه أن تخسف به والبحر يستأذنه أن يغرقه كما في مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ "ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه: أن يغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه: أن تعاجله وتهلكه والرب تعالى يقول: دعوا عبدي فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض إن كان عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإلي عبدى وعزتي وجلالي إن أتاني ليلا قبلته وإن أتاني نهارا قبلته وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا وإن مشى إلي هرولت إليه وإن استغفرني غفرت له وإن استقالني أقلته وإن تاب إلي تبت عليه من أعظم مني جودا وكرما وأنا الجواد الكريم عبيدي يبيتون يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم من (9/341) ________________________________________ ص -433- أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ومن أراد مرادي أردت ما يريد أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب". ولنقتصر على هذا القدر من ذكر (التوبة) وأحكامها وثمراتها فإنه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها والله الموفق لمراعاة ذلك والقيام به عملا وحالا كما وفق له علما ومعرفة فما خاب من توكل عليه ولاذ به ولجأ إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله. فصل قد علمت أن من نزل في منزل (التوبة) وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام فإن التوبة الكاملة متضمنة لها وهي مندرجة فيها ولكن لابد من إفرادها بالذكر والتفصيل تبيينا لحقائقها وخواصها وشروطها. فإذا استقرت قدمه في منزل (التوبة) نزل بعده منزل (الإنابة) وقد أمر الله تعالى بها في كتابه وأثنى على خليله بها فقال: 39 :54 {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} وقال: 11 :75 {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} وأخبر أن آياته إنما يتبصر بها ويتذكر أهل الإنابة فقال 50 :6، 8 {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} إلى أن قال {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} وقال تعالى 40 :13 {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ} وقال تعالى 30 :31 {مُنِيبِينَ إليه وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} الآية. (فمنيبين) منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} لأن هذا الخطاب له ولأمته أي أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه نظيره قوله 65 :1 {يَا أَيُّهَا (9/342) ________________________________________ النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} ويجوز أن يكون حالا من المفعول في (9/343) ________________________________________ ص -434- قوله {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي فطرهم منيبين إليه فلو خلو وفطرهم لما عدلت عن الإنابة إليه ولكنها تحول وتتغير عما فطرت عليه كما قال ﷺ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وفي رواية: "على الملة حتى يعرب عنه لسانه" وقال عن نبيه داود 38 :24 {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} وأخبر أن ثوابه وجنته لأهل الخشية والإنابة فقال: 50 :31، 34 {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} وأخبر سبحانه أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة فقال: 39 :17 {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى}. و(الإنابة) إنابتان: إنابة لربوبيته وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر قال الله تعالى: 30 :33 {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إليه} فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع وهذه (الإنابة) لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء 30 :33، 34 {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} فهذا حالهم بعد إنابتهم. و(الإنابة الثانية) إنابة أوليائه وهي إنابة لإلهيته إنابة عبودية ومحبة. وهي تتضمن أربعة أمور: محبته والخضوع له والإقبال عليه والإعراض عما سواه فلا يستحق اسم (المنيب) إلا من اجتمعت فيه هذه الأربعة وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك. وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم و (المنيب) إلى الله: المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه. قال صاحب المنازل: "الإنابة في اللغة: (9/344) ________________________________________ الرجوع وهي ههنا الرجوع إلى الحق. (9/345) ________________________________________ ص -435- وهى ثلاثة أشياء: الرجوع إلى الحق إصلاحا كما رجع إليه اعتذارا والرجوع إليه وفاء كما رجع إليه عهدا والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة". لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته كان من تتمة ذلك: رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته كما قال: 25 :70 {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} وقال: 2 :160 {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} فلا تنفع توبة وبطالة فلا بد من توبة وعمل صالح: ترك لما يكره وفعل لما يحب تخل عن معصيته وتحل بطاعته. وكذلك الرجوع إليه بالوفاء بعهده كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك فرجعت إليه بالدخول تحت عهده أولا فعليك بالرجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيا والدين كله: عهد ووفاء فإن الله أخذ عهده على جميع المكلفين بطاعته فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته أو منه إلى الرسول بلا واسطة كما كلم موسى وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرسل وأخذ عهده على الجهال بواسطة العلماء فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم وعلى هؤلاء بالتعلم ومدح الموفين بعهده وأخبرهم بما لهم عنده من الأجر فقال: 48 :10 {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وقال: 17 :34 {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} وقال: 16 :91 {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} وقال: 2 :177 {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}. وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق. وأخبر النبي ﷺ: أن من علامات النفاق (الغدر بعد العهد). فما أناب إلى الله عز وجل من خان عهده وغدر به كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به. وقوله: "والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة". (9/346) ________________________________________ ص -436- أي هو سبحانه قد دعاك فأجبته بلبيك وسعديك قولا فلا بد من الإجابة حالا تصدق به المقال فإن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها وكل قول فلصدقه وكذبه شاهد من حال قائله فكما رجعت إلى الله إجابة بالمقال فارجع إليه إجابة بالحال قال الحسن رحمه الله: "ابن آدم لك قول وعمل وعملك أولى بك من قولك ولك سريرة وعلانية وسريرتك أملك بك من علانيتك". فصل قال: "وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحا بثلاثة أشياء: بالخروج من التبعات والتوجع للعثرات واستدراك الفائتات". والخروج من التبعات: هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله وأداء الحقوق التي عليه للخلق والتوجع للعثرات يحتمل شيئين. أحدهما: أن يتوجع لعثرته إذا عثر فيتوجع قلبه وينصدع وهذا دليل على إنابته إلى الله بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته فإنه دليل على فساد قلبه وموته. الثاني: أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به فهو دليل على رقة قلبه وإنابته. واستدراك الفائتات: هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها أو خير منها ولا سيما في بقية عمره عند قرب رحيله إلى الله فبقية عمر المؤمن لا قيمة لها يستدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات. فصل قال: "وإنما يستقيم الرجوع إليه عهدا: بثلاثة أشياء بالخلاص من لذة الذنب وبترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفا عليهم مع الرجاء لنفسك وبالاستقصاء في رؤية علة الخدمة". (9/347) ________________________________________ ص -437- إذا صفت له الإنابة إلى ربه تخلص من الفكرة في لذة الذنب وعاد مكانها ألما وتوجعا لذكره والفكرة فيه فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فإنابته غير صافية. فإن قيل: أي الحالين أعلى؟ حال من يجد لذة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبته وإجلاله أو حال من ماتت لذة الذنب في قلبه وصار مكانها ألما وتوجعا وطمأنينة إلى ربه وسكونا إليه والتذاذا بحبه وتنعما بذكره؟. قيل: حال هذا أكمل وأرفع وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتى يصل إلى مقام هذا ومنزلته ولكنه يتلوه في المنزلة والقرب ومنوط به. فإن قيل: فأين أجر مجاهدة صاحب اللذة وتركه محابه لله وإيثاره رضى الله على هواه؟ وبهذا كان النوع الإنساني أفضل من النوع الملكي عند أهل السنة وكانوا خير البرية والمطمئن قد استراح من ألم هذه المجاهدة وعوفي منها فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعافى والمبتلى. قيل: النفس لها ثلاثة أحوال: الأمر بالذنب ثم اللوم عليه والندم منه ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعها وهي التي يشمر إليها المجاهد وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى الله فهو بمنزلة راكب القفار والمهامه والأهوال ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما وراكعا وساجدا ليس له التفات إلى غيره فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة وكل له أجر ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بون. وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله وإن كان أكثر عملا فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا وذلك فضل الله يؤتيه من (9/348) ________________________________________ ص -438- يشاء فما سبق الصديق الصحابة بكثرة عمل وقد كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه ولكن بأمر آخر قام بقلبه حتى إن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامه. ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة فأفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد أشق منه وهو تاليه في الدرجة ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر الشهداء فقال: "إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته". فصل ومن علامات الإنابة: ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم مع فتحك باب الرجاء لنفسك فترجو لنفسك الرحمة وتخشى على أهل الغفلة النقمة ولكن ارج لهم الرحمة واخش على نفسك النقمة فإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه فكن لنفسك أشد مقتا منك لهم وكن لهم أرجى لهم لرحمة الله منك لنفسك. قال بعض السلف: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا. وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لحق الله وإقبالهم على غيره وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بدا من مقتهم ولا يمكنه غير ذلك ألبتة ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك: كان لنفسه أشد مقتا واستهانة فهذا هو الفقيه. (9/349) ________________________________________ ص -439- وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة: فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظا لنفسك وأنت لا تشعر. فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال: أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه ! وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر ألبتة وهو غير خالص لله ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا وهو خالص لوجه الله ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها. فبين العمل وبين القلب مسافة وفى تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال. ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى: سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة ولهذا لما ظهرت (رعاية) أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا. فصل قال: "وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء: بالإياس من عملك وبمعاينة اضطرارك وشيم برق لطفه بك". (9/350) ________________________________________ ص -440- فصل منزلة التذكر ثم ينزل القلب منزل (التذكر) وهو قرين الإنابة قال الله تعالى 40 :13 {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ} وقال: 50 :8 {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ

الإياس من العمل يفسر بشيئين. أحدهما: أنه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحق والمحرك الأول وأنه لولا مشيئته لما كان منك فعل فمشيئته أوجبت فعلك لا مشيئتك: بقي بلا فعل فههنا تنفع مشاهدة القدر والفناء عن رؤية الأعمال. والثاني: أن تيأس من النجاة بعملك وترى النجاة إنما هي برحمته تعالى وعفوه وفضله كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" فالمعنى الأول يتعلق ببداية الفعل والثاني بغايته ومآله. وأما معاينة الاضطرار: فإنه إذا أيس من عمله بداية وأيس من النجاة به نهاية شهد به شهد في كل ذرة منه ضرورة تامة إليه وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها بل من جميع الجهات وجهات ضرورته لا تنحصر بعدد ولا لها سبب بل هو مضطر إليه بالذات كما أن الله عز وجل غني بالذات فإن الغنى وصف ذاتي للرب والفقر والحاجة والضرورة وصف ذاتي للعبد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: والفقر لي وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وأما شيم برق لطفه بك: فإنه إذا تحقق له قوة ضرورية وأيس من عمله والنجاة به نظر إلى ألطاف الله وشام برقها وعلم أن كل ما هو فيه وما يرجوه وما تقدم له: لطف من الله به ومنة من بها عليه وصدقة تصدق بها عليه بلا سبب منه إذ هو المحسن بالسبب والمسبب والأمر له من قبل ومن بعد وهو الأول والآخر لا اله غيره ولا رب سواه. (9/351) ________________________________________ ص -441- مُنِيبٍ} وهو من خواص أولي الألباب كما قال تعالى: 13 :21 {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} وقال تعالى: 2 :269 {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ}. و(التذكر) و(التفكر) منزلان يثمران أنواع المعارف وحقائق الإيمان والإحسان والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم قال الحسن البصري: "ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت". قال صاحب المنازل "التذكر فوق التفكر لأن التفكر طلب والتذكر وجود". يريد أن التفكر التماس الغايات من مباديها كما قال: "التفكر تلمس البصيرة واستدراك البغية". وأما قوله: "التذكر وجود" فلأنه يكون فيما قد حصل بالتفكر ثم غاب عنه بالنسيان فإذا تذكره وجده فظفر به. و(التذكر) تفعل من الذكر وهو ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب واختير له بناء التفعل لحصوله بعد مهلة وتدرج كالتبصر والتفهم والتعلم. فمنزلة (التذكر) من (التفكر) منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهودة ذكرى كما قال في المتلوة 40 :54 {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ، هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ} وقال عن القرآن: 69 :48 {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} وقال في آياته المشهودة: 50 :5، 8 {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، (9/352) ________________________________________ ص -442- وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}. ف(التبصر) آلة البصر و(التذكرة) آلة الذكر وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له فزال عنه الإعراض بالإنابة والعمى بالتبصرة والغفلة بالتذكرة لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها فترتب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره. وقال تعالى في آياته المشهودة: 50 :36، 37 {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. والناس ثلاثة: رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه. الثاني: رجل له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة: إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ليس حاضرا فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه. والثالث: رجل حي القلب مستعد تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه فهو شاهد القلب ملق السمع فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة. فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر. والثاني: بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يراه. (9/353) ________________________________________ ص -443- والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله على توسط من البعد والقرب فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور. فإن قيل: فما موقع (أو) من هذا النظم على ما قررت؟. قيل: فيها سر لطيف ولسنا نقول: إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة. فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيمانا وبصيرة حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه حتى قيل: إن مثل حال الصديق مع النبي ﷺ كمثل رجلين دخلا دارا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته والآخر: وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته لكن علم أن فيها أمورا عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها ثم خرجا فسأله عما رأى في الدار فجعل كلما أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهده وهذه أعلى درجات الصديقية ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان. فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة: ازداد بها نورا إلى نوره فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا 2 :265 {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ} والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجا قال الله تعالى 34 :6 {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ (9/354) ________________________________________ ص -444- الْحَمِيدِ} فكل مؤمن يرى هذا ولكن رؤية أهل العلم له لون ورؤية غيرهم له لون آخر. قال صاحب المنازل: "أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة والاستبصار بالعبرة والظفر بثمرة الفكرة". الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء فيتحرك للعمل طلبا للخلاص من الخوف ورغبة في حصول المرجوّ. و(العظة) هي الأمر والنهي المعروف بالترغيب والترهيب. و(العظة) نوعان: عظة بالمسموع وعظة بالمشهود فالعظة بالسموع: الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد والنصائح التي جاءت على يد الرسل وما أوحى إليهم وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا. و(العظة) بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العبر وأحكام القدر ومجاريه وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله. وأما استبصار العبرة: فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر فهو يظفر بها بالتفكر وتنصقل له وتنجلي بالتذكر فيقوي العزم على السير بحسب قوة الاستبصار لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه والتذكر له. وأما الظفر بثمرة الفكرة: فهذا موضع لطيف. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تماما بحسب الإمكان والعمل بموجبه رعاية لحقه فإن العقل حال التفكر كان قد كل بأعماله في تحصيل المطلوب (9/355) ________________________________________ ص -445- فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب واستراح العقل: عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه فابتهج به وفرح به وصحح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر الذي هو أعلى منه فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه فإن العمل الصالح: هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر. وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي: فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره وصحح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب فإذا صح له وبردت غنيمته له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه والله أعلم. فصل قال: "وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد". إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره وإلا فمتى قويت إنابته وتذكره: لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر النهي. و(العظة) يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة ونفس الرغبة والرهبة فالمنيب المتذكر: شديد الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب والمعارض المتكبر: شديد الحاجة إلى المجادلة. فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله: 16 :125 {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة ووصف الحسن لها ذاتي. وأما (الموعظة) فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل موعظة حسنة. (9/356) ________________________________________ ص -446- وكذلك (الجدال) قد يكون بالتي هي أحسن وقد يكون بغير ذلك وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن. ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود وأوصله إلى المطلوب والتحقيق: أن الآية تتناول النوعين. وأما ما ذكره بعض المتأخرين: أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات ف {الْحِكْمَةِ} هي طريقة البرهان و {الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة} هي طريقة الخطابة و (المجادلة بالتي هي أحسن) طريقة الجدل فالأول: بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواص الناس والثاني: بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور والثالث: بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها وإنما ذكر هذا استطرادا لذكر العظة وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه فينتفع بالتذكر. وأما العمى عن عيب الواعظ: فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه بل الطبيب المذكور عندهم: أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به لأنه قد يقوم عنده دواء آخر عنده مقام هذا الدواء وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك بخلاف هذا الواعظ فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها ولا بد منها ولأجل هذه النفرة قال (9/357) ________________________________________ ص -447- شعيب عليه السلام لقومه: 11 :88 {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي: فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له المؤتمرين به وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه وقد قيل: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنى ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت ذميم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم فالعمى عن عيب الواعظ: من شروط تمام الانتفاع بموعظته. وأما تذكر الوعد والوعيد: فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه قال الله تعالى 11 :103 {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ} وقال: 87 :10 {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} وقال: 79 :45 {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وأصرح من ذلك قوله تعالى 50 :45 {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} بالوعد والوعيد وذكره: شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه. قال: "وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل ومعرفة الأيام والسلامة من الأغراض". إنما تتميز (العبرة) وترى وتتحقق بحياة العقل و (العبرة) هي الاعتبار وحقيقتها: العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه. وحياة العقل: هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق الانتفاع (9/358) ________________________________________ ص -448- بالشيء والتضرر به وهو نور يخص الله به من يشاء من خلقه وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ووجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين. ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن "يا حي ياقيوم لا إله إلا أنت" أورثه ذلك حياة القلب والعقل. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جدا وقال لي يوما: "لهذين الاسمين وهما {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} تأثير عظيم في حياة القلب" وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وسمعته يقول: "من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر" ياحي ياقيوم لاإله إلا أنت برحمتك أستغيث" حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه". ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحققه فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك. وأما معرفة الأيام: فيحتمل أن يريد به أيامه التي تخصه وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان ويعلم قصرها وأنها أنفاس معدودة منصرمة كل نفس منها يقابله آلاف آلاف من السنين في دار البقاء فليس لهذه الأيام الخالية قط نسبة إلى أيام البقاء والعبد منساق زمنه وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم وهي كمدة المنام لمن له عقل حي وقلب واع فما أولاه أن لايصرف منها نفسا إلا في أحب الأمور إلى الله فلو صرفه فيما يحبه وترك الأحب لكان مفرعطا فكيف إذا صرفه فيمالا ينفعه فكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه فالله المستعان ولا قوة إلا به. ويحتمل أن يريد بالأيام: أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم بها كما قال تعالى 14 :5 {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى (9/359) ________________________________________ ص -449- النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} وقد فسرت {أَيَّامِ اللَّهِ} بنعمه وفسرت بنقمة من أهل الكفر والمعاصي فالأول تفسير ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والثاني: تفسير مقاتل. والصواب: أن أيامه تعم النوعين وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه وسميت هذه النعم والنقم الكبار المتحدث بها (أياما) لأنها ظرف لها تقول العرب فلان عالم بأيام العرب وأيام الناس أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد استبصار العبر وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته قال الله تعالى 12 :111 {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ}. ولا يتم ذلك إلا بالسلامة من الأغراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبتة والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو بالعظة؟. فصل قال: "وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام". يعنى: أن في منزل (التذكر) تجتني ثمرة (الفكرة) لأنه أعلى منها وكل مقام تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه ولا سيما على ما قرره في خطبة كتابه "أن كل مقام يصحح ما قبله". ثم ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء أحدها: قصر الأمل والثاني: تدبر القرآن والثالث: تجنب مفسدات القلب الخمسة. (9/360) ________________________________________ ص -450- فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة وقد جاء أشراطها وعلاماتها وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعا. ويكفى في قصر الأمل قوله تعالى: 26 :205، 207 {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} وقوله تعالى 10 :45 {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} وقوله تعالى: 79 :46 {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} وقوله تعالى 23 :113، 114 {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ، قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقوله تعالى 46 :35 {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} وقوله تعالى 20 :103، 104 {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ (9/361) ________________________________________ إِلاَّ يَوْماً} وخطب النبي ﷺ أصحابه يوما والشمس على رءوس الجبال فقال: "إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" ومر رسول الله ﷺ ببعض أصحابه وهم يعالجون خصا لهم قد وهى وهم يصلحونه فقال: "ما هذا؟ قالوا: خص لنا قد وهى فنحن نعالجه فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا". (9/362) ________________________________________ ص -451- وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار. فصل وأما التأمل في القرآن: فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر قال الله تعالى: 38 :29 {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} وقال تعالى 47 :24 {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} وقال تعالى 23 :69 {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل} وقال تعالى 43 :3 {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقال الحسن: "نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملا". فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته: من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع منه الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه. (9/363) ________________________________________ ص -452- وبالجملة: تعرفه الرب المدعو إليه وطريق الوصول إليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستة أمور ضرورية للعبد معرفتها ومشاهدتها ومطالعتها فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم فتريه الحق حقا والباطل باطلا وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا فيصير في شأن والناس في شأن آخر. فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه والعلم بالله وماله من أوصاف الكمال وما ينزه عنه من سمات النقص وعلى الإيمان بالرسل وذكر براهين صدقهم وأدلة صحة نبوتهم والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم وعلى الإيمان بملائكته وهم رسله في خلقه وأمره وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي وما يختص بالنوع الإنساني منهم من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر والحلال والحرام والمواعظ والعبر والقصص والأمثال والأسباب والحكم والمبادىء والغايات في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل (9/364) ________________________________________ ص -453- وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل وتناديه كلما فترت عزماته وونى في سيره: تقدم الركب وفاتك الدليل فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر ! فاعتصم بالله واستعن به وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه: أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد. وبالجملة: فهو أعظم الكنوز طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه. نزه فؤادك عن سوى روضاته فرياضه حل لكل منزه والفهم طلسم لكنز علومه فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه لا تخش من بدع لهم وحوادث ما دمت في كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه لم يخش من طعن العدو ووخزه لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ما قابلتك بنصره وبعزه والله ما هاب امرؤ شبهاتهم إلا لضعف القلب منه وعجزه يا ويح تيس ظالع يبغي مسا بقة الهزبر بعدوه وبجمزه ودخان زبل يرتقى للشمس يس تر عينها لما سرى في أزه وجبان قلب أعزل قد رام يأس ر فارسا شاكى السلاح بهزه فصل وأما مفسدات القلب الخمسة: فهي التي أشار إليها: من كثرة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب. فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها. (9/365) ________________________________________ ص -454- اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبه الشواغل والقوطع عنه وهذه الخمسة تطفىء نوره وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى وراءه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه. فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنه الآجلة فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". وقال بعض العارفين: "إنه ليمر بالقلب أوقات" أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: "مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه" أو نحو هذا من الكلام. وكل من له قلب حى يشهد هذا ويعرفه ذوقا. وهذه الأشياء الخمسة: قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها. فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى (9/366) ________________________________________ ص -456- يسود ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصاحله والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟. هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة وأنزلت من منحة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد. وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى: 25 :27، 29 {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} وقال تعالى: 43 :67 { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} وقال خليله إبراهيم لقومه 29 :25 {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه: لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة. والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد (9/367) ________________________________________ والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر (9/368) ________________________________________ ص -457- وخيالات المحال والبهتان فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل أعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله: من متمن للقدرة والسلطان وللضرب في الأرض والتطراف في البلدان أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها مبيننا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك خدع وغرور. وقد مدح النبي ﷺ متمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويخرج منه حقه وقال: "هما في الأجر سواء" وتمنى ﷺ في حجة الوداع: أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين. فصل: المفسد الثالث من مفسدات القلب. التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق. فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال الله تعالى:19 :81، 82 (9/369) ________________________________________ ص -458- {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً، كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} وقال تعالى: 36 :75 {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}. فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال والفوات ومثل المتعلق بغير الله: كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت. وبالجملة: فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها: التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى: 17 :22 {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً} مذموما لا حامد لك مخذولا لا ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور. فصل: المفسد الرابع من مفسدات القلب: الطعام. والمفسد له من ذلك نوعان: أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان: محرمات لحق الله كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضى صاحبه إما قهرا وإما حياء وتذمما. والثاني: ما يفسده بقدره: وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها والشبع يطرقها (9/370) ________________________________________ ص -459- ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي الحديث المشهور: "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى: "هل نلت مني شيئا قط؟ قال: لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى: الله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال إبليس: وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا". فصل: المفسد الخامس كثرة النوم. فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن وأنفع النوم: ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران. ومن المكروه عندهم: النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر. وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه: نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه. (9/371) ________________________________________ ص -460- ومن النوم الذي لا ينفع أيضا: النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول الله ﷺ يكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا. وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان. (9/372) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الاعتصام فصل منزل الاعتصام. ثم ينزل القلب منزل الاعتصام. وهو نوعان: اعتصام بالله واعتصام بحبل الله قال الله تعالى: 3 :103 {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وقال: 22 :78 {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. و(الاعتصام) افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف فالعصمة: الحمية والاعتصام: الاحتماء ومنه سميت القلاع: العواصم لمنعها وحمايتها. ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين. فأما الاعتصام بحبله: فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به: يعصم من الهلكة فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها. (10/1) ________________________________________ ص -461- فالاعتصام بحبل الله: يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها في طريقه ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى. فقال ابن عباس: "تمسكوا بدين الله". وقال ابن مسعود: "هو الجماعة" وقال: "عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة". وقال مجاهد وعطاء: "بعهد الله" وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير: "هو القرآن". قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه" وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه عن النبي ﷺ في القرآن: "هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء". وقال مقاتل: "بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى". وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" رواه مسلم في الصحيح. قال صاحب المنازل: "الاعتصام بحبل الله: هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره". (10/2) ________________________________________ ص -462- ويريد بمراقبة الأمر: القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى: "هي العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله". وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبي ﷺ كقوله من صام رمضان إيمانا واحتسابا ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له فالصيام والقيام: هو الطاعة و (الإيمان) مراقبة الأمر وإخلاص الباعث: هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه و الاحتساب رجاء ثواب الله. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل والله أعلم. فصل وأما الاعتصام به: فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به: هو الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه. فصل وأما صاحب المنازل فقال: "الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم". (الموهوم) عنده ما سوى الله تعالى و (الترقي عنه) الصعود من شهود (10/3) ________________________________________ ص -463- نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء ومراده: الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله والكمال في ذلك: الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته. والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده بحيث لا يرى لغيره وجودا ألبتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده. قال: "وهو على ثلاث درجات: اعتصام العامة بالخبر استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس المعاملة على اليقين والانصاف". يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا توصله إلى المأمن. وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه: فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه. فأما الإنصاف في معاملة الله: فأن يعطى العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له: من العظمة والكبرياء والجبروت. ومن إنصافه لربه: أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها (10/4) ________________________________________ ص -464- على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه كما في الأثر الإلهي "إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي" وفي أثر آخر: "ابن آدم: ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح" وفي أثر آخر: "يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف". وأما الإنصاف في حق العبيد: فأن يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به. ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة: هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه. فصل قال: "واعتصام الخاصة: بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال الخلق عن الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى". يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له: ما تريد فقال: أريد أن لا أريد. الثاني: إسبال الخلق على الخلق بسطا وهذا حقيقة التصوف فإنه كما (10/5) ________________________________________ ص -465- قال أبو بكر الكتانى: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف. فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق: يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته وفي هذا الوصف: يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ويمشى ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها. وأما رفض العلائق عزما: فهو العزم التام على رفض العلائق وتركها في ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء. قيل للإمام أحمد: الرجل زاهدا ومعه ألف دينار؟ قال: "نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال". (10/6) ________________________________________ ص -466- وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدا قال: "نعم إن كان إذا زيد في ماله شكر وإن نقص شكر وصبر". وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة والكمال من ذلك: قطع العلائق التي تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها. فصل قال: "واعتصام خاصة الخاصة: بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا". لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال: كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول. ويعني بشهود الحق تفريدا: أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم: على الكشف. وقد تقدم أن هذا ليس بكمال وأن الكمال: أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه: فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم. وأما قوله: "بعد الاستحذاء له تعظيما" فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة (10/7) ________________________________________ ص -467- منه ولا ريب أن العبد يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد: فكقوله تعالى: 96 :19 {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وقوله في الأثر الإلهي: "من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا" وكقوله: "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" وفي الحديث الصحيح: "أقرب ما يكون الرب من عبده: في جوف الليل الأخير" وفي الحديث أيضا: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبي ﷺ في السفر فقال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". فعبر الشيخ رحمه الله عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به: بالاستحذاء وحقيقته: موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره ومال بشقه. عنه وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه وأحسن ما يعبر عنه: بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم: أنه التقريب برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال: "الاستحذاء له تعظيما". ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى (الباطن) وفهم (10/8) ________________________________________ ص -468- اسمه (القريب) مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمرا إليه عاملا عليه. فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق في قلبه شهود لغيره ألبتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وفى هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء. وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى: لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة. فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواجدين. وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم. وفي هذا المقام: يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب. وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله والله المستعان. (10/9) ________________________________________ ص -469- وأما قوله: "والاشتغال به قربا" أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان جدا المقبل عليه المكلم له: لا يشتغل بشيء سواه ألبتة؟ فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم. (10/10) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الفرار فصل "منزلة الفرار". ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} "منزلة الفرار". قال الله تعالى: 51 :50 {فَفِرُّوا إِلَى اللَّه} وحقيقة الفرار: الهرب من شيء إلى شيء وهو نوعان: فرار السعداء وفرار الأشقياء. ففرار السعداء: الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه. وأما الفرار منه إليه: ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبد الله: "فروا مما سوى الله إلى الله" وقال آخرون: "اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة". وقال صاحب المنازل: "هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل وهو على ثلاث درجات: فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء". يريد بما لم يكن (الخلق) وبما لم يزل (الحق). وقوله: "فرار العامة: من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا". (الجهل) نوعان: عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى: 2 :67 {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} لما قال له قومه: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} أى من المستهزئين وقال يوسف الصديق: 12 :33 {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى: 4 :17 {إِنَّمَا التَّوْبَةُ (11/1) ________________________________________ ص -470- عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} قال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أن كل ما عصى الله به فهو جهالة" وقال غيره: "أجمع الصحابة رضي الله عنه أن كل من عصى الله فهو جاهل" وقال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمى عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله. فالفرار المذكور: هو الفرار من الجهلين: من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا وسعيا. قوله: "ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما"ز أي: يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد. و(الجد) ههنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهى أضر شيء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات. والفرق بين الجد والعزم: أن (العزم) صدق الإرادة واستجماعها و (الجد) صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال: 2 :63 {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} وقال: 7 :145 {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} وقال: 19 :12 {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور. وقوله: "ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء". يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من (11/2) ________________________________________ ص -471- ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم: لا هم مع الله قال الله تعالى: 65 :2، 3 {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب} قال الربيع بن خثيم: "يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس" وقال أبو العالية: "مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجا" وقال الحسن: "مخرجا مما نهاه عنه" 65 :3 {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي كافي من يثق به في نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه و(الحسب) الكافي 9 :59 {حَسْبُنَا اللَّهُ} كافينا الله. وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه: فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به. فصل قال: "وفرار الخاصة من الخبر: إلى الشهود ومن الرسوم: إلى الأصول ومن الحظوظ: إلى التجريد". يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقى من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه إذ قال: 2 :260 {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي ﷺ بالشك في قوله "نحن أحق بالشك من إبراهيم" حيث قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} وهو صلى الله (11/3) ________________________________________ عليه وسلم لم يشك (11/4) ________________________________________ ص -472- ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة. هذا أحد الأقوال في الحديث. وفيه قول ثان: أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة. فالمراتب ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى: 102 :6، 7 {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه. وأما قوله: "ومن الرسوم إلى الأصول". فإنه يريد بالرسوم: ظواهر العلم والعمل وبالأصول: حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر. والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر: حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه: حظ التالي له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه ألبتة. (11/5) ________________________________________ ص -473- وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم. فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها قالوا: نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل. وجملة الأمر: أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوراح وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته: فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان. فصل قوله "ومن الحظوظ إلى التجريد". يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف مراتبها فإنه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقه على عبده ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما (11/6) ________________________________________ ص -474- ورب مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها يرونها حائلة بينهم وبين مطلوبهم. وبالجملة فالحظ: ما سوى مراد الله الدينى منك كائنا ما كان وهو ما يبرح حظ محرم إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب غيره أحب إلى الله منه ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم بالله وأمره وبالنفس وصفاتها وأحوالها. فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق ويفر من الحظ إلى التجريد وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه وأما تجريد عبادته على مراده من عبده: فتلك منزلة لم يعطها أحد سوى نبي وصديق من البشر والزهد زهدك فيها ليس زهدك في ما قد أبيح لنا في محكم السور والصدق صدقك في تجريدها وكذا الإخلاص تخليصها إن كنت ذا بصر كذا توكل أرباب البصائر في تجريد أعمالهم من ذلك الكدر كذاك توبتهم منها فهم أبدا في توبة أو يصيروا داخل الحفر وبالجملة فصاحب هذا التجريد: لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله ولا يفرح بما حصل له دون الله ولا يأسى على ما فاته سوى الله ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت عنده أو عند الناس فلا يستغني إلا بالله ولا يفتقر إلا إلى الله ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله ولا يحزن إلا على ما فاته من الله ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه فكله بالله وكله لله وكله مع الله وسيره دائما إلى الله قد رفع له علمه فشمر إليه وتجرد له مطلوبه فعمل عليه تناديه الحظوظ: إلي وهو يقول: إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء وإذا فاتني فاتني كل شيء فهو مع الله مجرد عن خلقه ومع خلقه مجرد عن نفسه ومع الأمر مجرد عن حظه أعني الحظ المزاحم للأمر وأما الحظ المعين على الأمر: فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه (11/7) ________________________________________ ص -475- وهذا أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ فظنوا أن إرادة الحظ نقص في الإرادة. والتحقيق فيه: أن الحظ نوعان حظ يزاحم الأمر وحظ يؤازر الأمر فينفذه فالأول هو المذموم والثاني ممدوح وتناوله من تمام العبودية فهذا لون وهذا لون. فصل قال: "وفرار خاصة الخاصة: مما دون الحق إلى الحق ثم من شهود الفرار إلى الحق ثم الفرار من شهود الفرار". هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشهود غاية السالكين فيفر أولا من الخلق إلى الحق ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فر إليه لكن بقيت عليه بقية وهي شهود فراره فيعدله إحساسا بالخلق فيفر ثانيا من شهود فراره فتنقطع النسب كلها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني فلا يبقى فيه بقية إلا ملاحظة فراره من شهود فراره فيفر من شهود الفرار فتنقطع حينئذ النسب كلها. وقد تقدم الكلام على هذا وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ولا هو غاية الكمال وأن فوقه ما هو أعلى منه مقاما وأشرف منزلا وهو أن يشهد فراره وأنه بالله من الله إلى الله فيشهد أنه فر به منه إليه ويعطي كل مشهد حقه من العبودية وهذا حال الكمل والله المستعان. (11/8) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الرياضة فصل "منزلة الرياضة". ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: "منزلة الرياضة". هي تمرين النفس على الصدق والإخلاص. قال صاحب المنازل: "هي تمرين النفس على قبول الصدق". وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له. (12/1) ________________________________________ ص -476- والثاني: قبول الحق ممن عرضه عليه قال الله تعالى: 39 :33 {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} فلا يكفي صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين فكثير من الناس يصدق ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك. قال: "وهي على ثلاث درجات: رياضة العامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم وتصفية الأعمال بالإخلاص وتوفير الحقوق في المعاملة". أما تهذيب الأخلاق بالعلم: فالمراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب العلم فلا يتحرك بحركة ظاهرة أو باطنة إلا بمقتضى العلم فتكون حركات ظاهرة وباطنة موزونة بميزان الشرع. وأما تصفية الأعمال بالإخلاص: فهو تجريدها عن أن يشوبها باعث لغير الله وهي عبارة عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه. وأما توفير الحقوق في المعاملة: فهو أن تعطي ما أمرت به من حق الله وحقوق العباد كاملا موفرا قد نصحت فيه صاحب الحق غاية النصح وأرضيته كل الرضى ففزت بحمده لك وشكره. ولما كانت هذه الثلاثة شاقة على النفس جدا: كان تكلفها رياضة فإذا اعتادها صارت خلقا. قال: "ورياضة الخاصة: حسم التفرق وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه وإبقاء العلم يجري مجراه". يريد بحسم التفرق: قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمعية عليه والإقبال بكليتك إليه حاضرا معه بقلبك كله لا تلتفت إلى غيره. وأما قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه: فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذته واستحسانه بل يلهى عنه معرضا مقبلا على الله طالبا للزيادة خائفا أن يكون ذلك المقام له حجابا يقف عنده عن السير فهمته حفظه ليس له (12/2) ________________________________________ ص -477- قوة ولا همة أن ينهض إلى ما فوقه ومن لم تكن همته التقدم فهو في تأخر ولا يشعر فإنه لا وقوف في الطبيعة ولا في السير بل إما إلى قدام وإما إلى وراء فالسالك الصادق لا ينظر إلى ورائه ولا يسمع النداء إلا من أمامه لا من ورائه. وأما إبقاء العلم يجرى مجراه: فالذهاب مع داعي العلم أين ذهب به والجري معه في تياره أين جرى. وحقيقة ذلك: الاستسلام للعلم وأن لا تعارضه بجمعية ولا ذوق ولا حال بل امض معه حيث ذهب فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارض به. وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم فلذلك كان من أنواع الرياضة. ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا وكثير من السالكين إذا لاحت له بارقة أو غلبه حال أو ذوق: خلى العلم وراء ظهره ونبذه وراءه ظهريا وحكم عليه الحال هذا حال أكثر السالكين وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ بالعلم والتمسك به. فصل قال: "ورياضة خاصة الخاصة: تجريد الشهود والصعود إلى الجمع ورفض لمعارضات وقطع المعاوضات". أما تجريد الشهود فنوعان أحدهما: تجريده عن الالتفات إلى غيره والثاني: تجريده عن رؤيته وشهوده. وأما الصعود إلى الجمع: فيعني به الصعود عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي وهذا يحتمل أمرين. (12/3) ________________________________________ ص -478- أحدهما: أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها. والثاني: أن يصعد عن علائق الأسماء والصفات إلى الذات فإن شهود الذات بدون علائق الأسماء والصفات عندهم هو حضرة الجمع وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام لا بد من تحقيقه فنقول: التفرقة تفرقتان: تفرقة في المفعولات وتفرقة في معاني الأسماء والصفات والجمع جمعان: جمع في الحكم الكوني وجمع ذاتي. فالجمع في الحكم الكوني: اجتماع المفعولات كلها في القضاء والقدر والحكم والجمع الذاتي: اجتماع الأسماء والصفات في الذات. فالذات واحدة جامعة للأسماء والصفات. والقدر: جامع لجميع المقضيات والمقدروات والشهود مترتب على هذا وهذا. فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقا فهو لا يعطى إيمانا فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان والفناء في هذا الشهود: غايته فناء في توحيد الربوبية الذي لا ينفع وحده ولا بد منه. وشهود اجتماع الأسماء والصفات في وحدة الذات: شهود صحيح وهو شهود مطابق للحق في نفسه. وأما الصعود عن شهود تفرقة الأسماء والصفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجردة: فغايته أن يكون صاحبه معذورا لضيق قلبه وأما أن يكون محمودا في شهوده ذاتا مجردة عن كل اسم وصفة وعن علائقها فكلا ولما. وأي إيمان يعطي ذلك؟ وأي معرفة؟ وإنما هو سلب ونفي في الشهود كالسلب والنفي في العلم والاعتقاد فنسبته إلى الشهود كنسبة نفي الجهمية وسلبهم (12/4) ________________________________________ ص -479- إلى الأخبار لكن الفرق بينهما: أن ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالف للحق الثابت في نفس الأمر وكذب على الله ونفي لما يستحقه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني أسمائه الحسنى. وأما هذا السلب: ففي الشعور به للصعود منه إلى الجمع الذاتي مع الإيمان به والاعتراف بثبوته فهذا لون وذاك لون. والكمال شهود الأمر على ما هو عليه ويشهد الذات موصوفة بصفات الجلال منعوتة بنعوت الكمال وكلما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصفات كان أكمل. نعم قد يعذر في الفناء في الذات المجردة لقوة الوارد وضعف المحل عن شهود معاني الأسماء والصفات. فتأمل هذا الموضوع وأعطه حقه ولا يصدنك عن تحقيق ذلك ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق فإنا لا ننكره بل نقر به ولكن الشأن في مرتبته وبالله التوفيق. وأما رفض المعارضات: فيحتمل أمرين. أحدهما: ما يعارض شهوده الجمعي من التفرقات وهو مراده. والثانى: ما يعارض إرادته من الإرادات وما يعارض مراد الله من المرادات وهذا أكمل من الأول وأعلى منه. وأما قطع المعاوضات: فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة بل يجردها لذاته وأنه أهل أن يعبد ولو لم يحصل لعابده عوض منه فإنه يستحق أن يعبد لذاته لا لعلة ولا لعوض ولا لمطلوب وهذا أيضا موضع لابد من تجريده. (12/5) ________________________________________ ص -480- فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها فالمحب الصادق الذي قد تجرد عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض وشمر إليها وهي قربه من الله ووصوله إليه واشتغاله به عما سواه والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه فهذه أعواض لا بد للخاصة منها وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبودياتهم بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض. نعم طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرياسة والملك أو طلب الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها الخاصة معلولة وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها. أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي: هو قربه والوصول إليه والتنعم بحبه والشوق إلى لقائه وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل: فلا علة في هذه العبودية بوجه ما ولا نقص وقد قال النبي ﷺ: "حولها ندندن" يعنى الجنة وقال: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة". ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة وسادات العارفين فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم ولا قدحا فيها. (12/6) ________________________________________ ص -481- وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في (كتاب سفر الهجرتين) عند الكلام على علل المقامات. ويحتمل أن يريد الشيخ بقطع المعاوضات: أن تشهد أن الله ما أعطاك شيئا معاوضة بل إنما أعطاكتفضلا وإحسانا لا لعوض يرجوه منك كما يكون عطاء العبد للعبد وإنما نتكلم فيما من العبد مما يؤمر بالتجرد عنه كتجرده عن التفرقة والمعاوضةفهذا أليق المعنيين بكلامه والله أعلم. (12/7) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة السماع فصل منزلة (السماع). ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (السماع). وهو اسم مصدر كالنبات وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله وأخبر أن البشرى لهم فقال تعالى 5 :108 {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} وقال 64 :16 {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} وقال 4 :46 {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ} وقال 39 :17، 18 {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ} وقال: 7 :204 {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وقال: 5 :83 {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ}. وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلا على علم الخير فيهم وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم فقال: 8 :23 {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}. وأخبر عن أعدائه: أنهم هجروا السماع ونهوا عنه فقال: 41 :22 {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}. فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه وكم في القرآن من قوله: {أَفَلا يَسْمَعُونَ} وقال: 22 :46 {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} الآية. (13/1) ________________________________________ ص -482- فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي انبنى عليه وهو رائده وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع وفيه وقع خبط الناس واختلافهم وغلط منهم من غلط. وحقيقة (السماع) تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه عنها: طلبا وهربا وحبا وبغضا فهو حاد يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه. وأصحاب السماع منهم: من يسمع بطبعه ونفسه وهواه فهذا حظه من مسموعه: ما وافق طبعه. ومنهم: من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته. ومنهم: من يسمع بالله لا يسمع بغيره كما في الحديث الإلهي الصحيح: "فبي يسمع وبي يبصر" وهذا أعلى سماعا وأصح من كل أحد. والكلام في (السماع) مدحا وذما يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته وسببه والباعث عليه وثمرته وغايته فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر (السماع) ويتميز النافع منه والضار والحق والباطل والممدوح والمذموم. فأما (المسموع) فعلى ثلاثة أضرب. أحدها: مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به عباده وأثنى على أهله ورضي عنهم به. الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه ومدح المعرضين عنه. الثالث: مسموع مباح مأذون فيه لا يحبه ولا يبغضه ولا مدح صاحبه ولا ذمه فحكمه حكم سائر المباحات: من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات المباحة فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم وحرم ما أحل الله ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله وشرع دينا لم يأذن به الله وضاهأ بذلك المشركين. (13/2) ________________________________________ ص -483- فصل فأما النوع الأول: فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه وأمر به وأثنى على أصحابه وذم المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا وهم القائلون في النار: 67 :10 {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله فهذا السماع أساس الإيمان الذي يقوم عليه بناؤه وهو على ثلاثة أنواع سماع إدراك: بحاسة الأذن وسماع فهم وعقل وسماع منهم إجابة وقبول والثلاثة في القرآن. فأما سماع الإدراك: ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم: 72 :1 {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه} وقولهم: 46 :30 {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الآية فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة وأما سماع الفهم: فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى: 30 :52 {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} وقوله: 35 :22 {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}. فالتخصيص ههنا لإسماع الفهم والعقل وإلا فالسمع العام الذي قامت به الحجة: لا تخصيص فيه ومنه قوله تعالى: 8 :23 {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} أى لو علم الله في هؤلاء الكفار قبولا وانقيادا (13/3) ________________________________________ ص -484- لأفهمهم وإلا فهم قد سمعوا سمع الإدراك {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموا لأن في قلبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه. وأما سماع القبول والإجابة: ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين: أنهم قالوا: 24 :51 {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} فإن هذا سماع قبول وإجابة مثمر للطاعة. والتحقيق: أنه متضمن للأنواع الثلاثة وأنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسوع وفهموه واستجابوا له. ومن سمع القبول: 9 :47 {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أى قابلون منهم مستجيبون لهم هذا أصح القولين في الآية. وأما قول من قال: عيون لهم وجواسيس فضعيف فإنه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج: بأن خروجهم يوجب الخبال والفساد والسعي بين العسكر بالفتنة وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم فكان في إقعادهم عنهم لطفا بهم ورحمة حتى لا يقعوا في عنت القبول منهم. أما اشتمال العسكر على جواسيس وعيون لهم: فلا تعلق له بحكمة التثبيط والإقعاد ومعلوم أن جواسيسهم وعيونهم منهم وهو سبحانه قد أخبر أنه أقعدهم لئلا يسعوا بالفساد في العسكر ولئلا يبغوهم الفتنة وهذه الفتنة إنما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم وعيونهم. وأيضا فإن الجواسيس إنما تسمى (عيونا) هذا المعروف في الاستعمال لا تسمى سماعين. وأيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود: 5 :42 {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي قابلون له. والمقصود: أن سماع خاصة الخاصة المقربين: هو سماع القرآن بالاعتبارات (13/4) ________________________________________ ص -485- الثلاثة: إدراكا وفهما وتدبرا وإجابة وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم وأمر به أولياءه: فهو هذا السماع. وهو سماع الآيات لا سماع الأبيات وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع قصائد الشعراء وسماع المراشد لا سماع القصائد وسماع الأنبياء والمرسلين لا سماع المغنين والمطربين. فهذا السماع حاد يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات ومناد ينادي للإيمان ودليل يسير بالركب في طريق الجنان وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح "حي على الفلاح حي على الفلاح". فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادا لحجة وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة وفكرة في آية ودلالة على رشد وردا على ضلالة وإرشادا من غي وبصيرة من عمى وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة وهداية إلى نور وإخراجا من ظلمة وزجرا عن هوى وحثا على تقى وجلاء لبصيرة وحياة لقلب وغذاء ودواء وشفاء وعصمة ونجاة وكشف شبهة وإيضاح برهان وتحقيق حق وإبطال باطل. ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد ونناشدهم بالذي أنزل القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة: هل وجدوا ذلك أو شيئا منه في الدف والمزمار ونغمة الشادن ومطربات الألحان والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب العلم والعرفان ومحب الأموال والأثمان ومحب النسوان والمردان ومحب الصلبان فهو يثير من قلب كل مشتاق ومحب لشيء ساكنه ويزعج قاطنه فيثور وجده ويبدو شوقه فيتحرك على حسب ما في قلبه من الحب والشوق (13/5) ________________________________________ ص -486- والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا في السماع وحالا ووجدا وبكاء. ويالله العجب! أي إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات لعل أكثرها قيلت فيما هو محرم من يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه: من غزل وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى فإن غالب التغزل والتشبيب: إنما هو في الصور المحرمة ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه في امرأته وأمته وأم ولده مع أن هذا واقع لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فكيف يقع لمن له أدنى بصيرة وحياة قلب: أن يتقرب إلى الله ويزداد إيمانا وقربا منه وكرامة عليه بالتذاذه بما هو بغيض إليه مقيت عنده يمقت قائله والراضي به وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع وسنة نبيه ﷺ؟!. يالله ! إن هذا القلب مخسوف به ممكور به منكوس لم يصلح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره فبلاه بقرآن الشيطان كما في معجم الطبراني وغيره مرفوعا وموقوفا: "إن الشيطان قال: يارب اجعل لي قرآنا قال: قرآنك الشعر قال: اجعل لي كتابا قال: كتابك الوشم قال: اجعل لي مؤذنا قال: مؤذنك المزمار قال: اجعل لى بيتا قال: بيتك الحمام قال: اجعل لي مصائد قال: مصائدك النساء قال: اجعل لي طعاما قال: طعامك ما لم يذكر عليه اسمي" والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل: القسم الثاني من السماع. ما يبغضه الله ويكرهه ويمدح المعرض عنه وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه كسماع الباطل كله إلا إذا تضمن رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده فإن الضد يظهر حسنه الضد كما قيل: (13/6) ________________________________________ ص -487- وإذا سمعت إلى حديثك زادني حبا له: سمعي حديث سواكا وكسماع اللغو الذي مدح التاركين لسماعه والمعرضين عنه بقوله: 28 :55 {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} وقوله: 25 :72 {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قال محمد بن الحنفية: "هو الغناء وقال الحسن أو غيره: أكرموا نفوسهم عن سماعه". قال ابن مسعود: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" وهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه وتبرمهم به وصياحهم بالقارىء إذا طول عليهم وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأه فلا تتحرك ولا تطرب ولا تهيج منها بواعث الطلب فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله كيف تخشع منهم الأصوات وتهدأ الحركات وتسكن القلوب وتطمئن ويقع البكاء والوجد والحركة الظاهرة والباطنة والسماحة بالأثمان والثياب وطيب السهر وتمني طول الليل فإن لم يكن هذا نفاقا فهو آخية النفاق وأساسه. تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا والله ما رقصوا من أجل الله دف ومزمار ونغمة شاهد فمتى شهدت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي وعليهم خف الغنا لما رأوا إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقة ما ضر دين محمد وجنى عليه ومله إلا هي سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه (13/7) ________________________________________ ص -488- أين المساعد للهوى من قاطع أسبابه عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النشوان عند تلاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي فاحكم بأي الخمرتين أحق بال تحريم والتأثيم عند الله وكيف يكون السماع الذي يسمعه العبد بطبعه وهواه أنفع له من الذي يسمعه بالله ولله وعن الله فإن زعموا أنهم يسمعون هذا السماع الغنائي الشعري كذلك فهذا غاية اللبس على القوم فإنه إنما يسمع بالله ولله وعن الله ما يحبه الله ويرضاه ولهذا قلنا: إنه لا يتحرر الكلام في هذه المسألة إلا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته فقد جعل الله لكل شيء قدرا ولن يجعل الله من شربه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البينات كمن نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات. ومن أعجب العجائب: استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق لقوم وأنه مباح: بكونه مستلذا طبعا تلذه النفوس وتستروح إليه وأن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء وبأن الصوت الطيب نعمة من الله على صاحبه وزيادة في خلقه وبأن الله ذم الصوت الفظيع فقال: 31 :19 {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} وبأن الله وصف نعيم أهل الجنة فقال فيه: 30 :15 {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} وأن ذلك هو السماع الطيب فكيف يكون حراما وهو في الجنة وبأن الله تعالى ما أذن لشيء كأذنه أي كاستماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن وبأن أبا موسى الأشعري استمع النبي ﷺ إلى صوته وأثنى عليه بحسن الصوت وقال: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود" فقال له أبو موسى: "لو علمت أنك استمعت لحبرته لك تحبيرا" أي زينته لك وحسنته وبقوله ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" (13/8) ________________________________________ ص -489- وبقوله ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" والصحيح: أنه من التغني بمعنى تحسين الصوت وبذلك فسره الإمام أحمد رحمه الله فقال: "يحسنه بصوته ما استطاع". وبأن النبي ﷺ أقر عائشة على غناء القينتين يوم العيد وقال لأبي بكر: "دعهما فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الإسلام". وبأنه ﷺ أذن في العرس في الغناء وسماه لهوا وقد سمع رسول الله ﷺ الحداء وأذن فيه وكان يسمع أنسا والصحابة وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ودخل مكة والمرتجز يرتجز بين يديه بشعر عبد الله بن رواحة وحدا به الحادي في منصرفه من خيبر فجعل يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن إن صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ونحن عن فضلك ما استغنينا... ... ... فدعا لقائله. وسمع قصيدة كعب بن زهير وأجازه ببردة. واستنشد الأسود بن سريع قصائد حمد بها ربه. واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية. وأنشده الأعشى شيئا من شعره فسمعه. وصدق لبيدا في قوله "ألا كل شيءما خلا الله باطل". ودعا لحسان "أن يؤيده الله بروح القدس مادام ينافح عنه" وكان يعجبه شعره وقال له: "اهجهم وروح القدس معك". (13/9) ________________________________________ ص -490- وأنشدته عائشة قول أبي كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل وقالت: "أنت أحق بهذا البيت" فسر بقولها. وبأن ابن عمر رضي الله عنهما رخص فيه وعبد الله بن جعفر وأهل المدينة وبأن كذا وكذا وليا لله حضروه وسمعوه فمن حرمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام. وبأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة الشجية فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالإباحة أو مساوية. وبأن السماع يحدو روح السامع وقلبه إلى نحو محبوبه فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا له على الحرام وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا وإن كانت محبته رحمانية كان السماع في حقه قربة وطاعة لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها. وبأن التذاذ الأذن بالصوت الطيب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن والشم بالروائح الطيبة والفم بالطعوم الطيبة فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات والإدراكات محرمة. فالجواب: أن هذه حيدة عن المقصود وروغان عن محل النزاع وتعلق بما (13/10) ________________________________________ ص -491- لا متعلق به فإن جهة كون الشىء مستلذا للحاسة ملائما لها لا يدل على إباحته ولا تحريمه ولا كراهته ولا استحبابه فإن هذه اللذة تكون فيما فيه الأحكام الخمسة: تكون في الحرام والواجب والمكروه والمستحب والمباح فكيف يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال؟. وهل هذا إلا بمنزلة من استدل على إباحة الزنا بما يجده فاعله من اللذة وأن لذته لا ينكرها من له طبع سليم: وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل اللذيذ الملائم أحد؟ وهل خلت غالب المحرمات من اللذات؟ وهل أصوات المعازف التي صح عن النبي ﷺ تحريمها وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها وقال جمهورهم: بتحريم جملتها إلا لذيذة تلذ السمع؟ وهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه: من إباحة أو تحريم؟. وأعجب من هذا: الاستدلال على الإباحة بأن الله خلق الصوت الطيب وهو زيادة نعمة منه لصاحبه. فيقال: والصورة الحسنة الجميلة أليست زيادة في النعمة والله خالقها ومعطي حسنها أفيدل ذلك على إباحة التمتع بها والالتذاذ على الإطلاق بها؟. وهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة؟ وهل في ذم الله لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات الموزونات والألحان اللذيذات من الصور المستحسنات بأنواع القصائد المنغمات بالدفوف والشبابات؟!. وأعجب من هذا: الاستدلال بسماع أهل الجنة وما أجدر صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا و على حل لباس الحرير بأن لباس أهلها حرير وعلى حل أواني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال: بكون ذلك ثابتا وجود النعيم به في الجنة. (13/11) ________________________________________ ص -492- فإن قال: قد قام الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع. قيل: هذا استدلال آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنة فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به محصل. وأما قولكم "لم يقم دليل على تحريم السماع". فيقال لك: أي السماعات تعني؟ وأي المسموعات تريد؟ فالسماعات والمسموعات: منها المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب فعين نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا. فإن قلت: سماع القصائد قيل لك: أي القصائد تعني؟ ما مدح به الله ورسوله ودينه وكتابه وهجي به أعداؤه؟. فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها وهي التي سمعها رسول الله ﷺ وأصحابه وأثاب عليها وحرض حسانا عليها وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا: تلك قصائد وسماعنا قصائد فنعم إذن والسنة كلام والبدعة كلام والتسبيح كلام والغيبة كلام والدعاء كلام والقذف كلام ولكن هل سمع رسول الله وأصحابه سماعكم هذا الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها؟. ونظير هذا: ما غرهم من استحسانه الصوت الحسن بالقرآن وأذنه له وإذنه فيه ومحبة الله له. فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد وذكر القد والنهد والخصر ووصف العيون وفعلها والشعر الأسود ومحاسن الشباب وتوريد الخدود وذكر الوصل والصد والتجني (13/12) ________________________________________ ص -493- والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتياق والقلق والفراق وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر بما لا نسبة بينهما وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لايستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين سليبا حريبا وأسيرا قتيلا؟. وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا لمفسدة فيه معلومة ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب حاشا أحكم الحاكمين. فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح: خرجوا عن الذوق والحس وظهرت مكابرة القوم فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته ويبيح له مافيه أعظم السقم والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع وكلامنا مع واجد لا فاقد فهو المقصود بالخطاب. وأعجب من هذا: استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنيتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم فأين هذا من هذا؟. والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك: مزمورا من مزامير الشيطان وأقره رسول الله على هذه التسمية ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولا إستماعهما أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟ فيا سبحان الله ! كيف ضلت العقول والأفهام؟. وأعجب من هذا كله: الاستدلال على إباحته بما سمعه رسول الله صلى الله (13/13) ________________________________________ ص -494- عليه وسلم من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد ! وهل حرم أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت؟. وأعجب من هذا: الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة وهل هذا إلا من جنس قياس الذين قالوا: 2 :275 {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان والأوتار والعيدان وأصوات أشباه النساء من المردان والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمرى والبلبل والهزار ونحوها؟. بل نقول: لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف والأذواق والمواجيد وتحرك به الأحوال بمنزلة التقرب إلى الله بأصوات الطيور ومعاذ الله أن يكونا سواء. والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة: ثلاث قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف هار. القاعدة الأولى: أن الذوق والحال والوجد: هل هو حاكم أو محكوم عليه فيحكم عليه بحاكم آخر أو ويتحاكم إليه؟. فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع وفيما هو صحيح وفاسد وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص وحكموا فيها الأذواق (13/14) ________________________________________ ص -495- والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم. ومن العجب: أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها وكان حالهم شهوات نفوسهم في الشهوات التي انتقلوا عنها أكمل وحال أربابها خير من حال هؤلاء لأنهم لم يعارضوا بها العلم ولا قدموها على النصوص ولا جعلوها دينا وقربة ولا ازدروا من أجلها العلم وأهله والشهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلى ما يشمرون إليها فهي قبلة قلوبهم فهم حولها عاكفون واقفون مع حظوظهم من الله فانون بها عن مراد الله منهم الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم عائبون على أهل الحظوظ والشهوات ومزدرون لهم وهم أعظم الناس حظوظا وإنما زهدوا في حظ إلى حظ أعلى منه وإنما تركوا شهوة لشهوة أحط. فليتدبر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره فكل ما خالف مراد الله الديني من العبد فهو حظه وشهوته مالا كان أو رياسة أو صورة أو حالا أو ذوقا أو وجدا. ثم من قدمه على مراد الله فهو أسوأ حالا ممن عرف أنه نقص ومحنة وأن مراد الله أولى بالتقديم منه فهو يتوب منه كل وقت إلى الله. ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله فإن الأذواق مختلفة في أنفسها كثيرة الألوان متباينة أعظم التباين فكل طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد بحسب معتقداتهم وسلوكهم. فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم وكل من اعتقد شيئا أو سلك (13/15) ________________________________________ ص -496- سلوكا حقا كان أو باطلا فإنه إذا ارتاض وتجرد: لزمه وتمكن من قلبه وبقي له فيه حال وذوق ووجد فنذوق من توزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل. وهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأمة المحدث المكاشف عمر رضى الله عنه لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيء من أمور الدين حتى ينشد عنه الرجال والنساء والأعراب فإذا أخبروه عن رسول الله بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه بل يقول: لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره ويقول: أيها الناس رجل أخطأ وامرأة أصابت فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي الله عنه ليس كفعل من غش نفسه والدين والأمة. القاعدة الثانية: أنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال أو حال من الأحوال أو ذوق من الأذواق هل هو صحيح أو فاسد؟ وحق أو باطل؟ وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه وتعرض عليه وتوزن به فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول وما أبطله ورده فهو الباطل المردود ومن لم يبن على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله: فليس على شيء من الدين وإن وإن وإنما معه خدع وغرور24 :39 {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء: هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي (13/16) ________________________________________ ص -497- ولا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يغضب الله ورسوله موصلا إليه عن قرب وهو رقية له ورائد وبريد فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقا للنفوس إلى الحرام بكثير؟ فإن الغناء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه هو: (رقية الزنا) وقد شاهد الناس: أنه ما عاناه صبي إلا وفسد ولا امرأة إلا وبغت ولا شاب إلا وإلا ولا شيخ إلا وإلا والعيان من ذلك يغني عن البرهان ولا سيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان وآلات المعازف: من اليراع والدف والأوتار والعيدان وكان القوال شادنا شجي الصوت لطيف الشمائل من المردان أو النسوان وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران. ودارت كؤوس الهوى بينهم فلست ترى فيهم صاحيا فكل على قدر مشروبه وكل أجاب الهوى الداعيا فمالوا سكارى ولا سكر من تناول أم الهوى خاليا وجار على القوم ساقيهم ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزق منهم قلوبا غدت لباسا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى إليهم منادي اللقا داعيا أجيبوا فكل امرىء منكم على حاله ربه لاقيا هنالك تعلم من حمأة شربت مع القوم أم صافيا وبالله لا بد قبل اللقا سنعلم ذا إن تك واعيا لا بد تصحو فإما هنا وإما هناك فكن راضيا (13/17) ________________________________________ ص -498- فصل وإذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت غير هذه الأذواق التي ذكرناها. فالقلب يعرض له حالتان: حالة حزن وأسف على مفقود وحالة فرح ورضى بموجود وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان. وله بمقتضى الحالة الأولى: عبودية الرضاء وهي للسابقين والصبر وهي لأصحاب اليمين. وله بمقتضى الحالة الثانية: عبودية الشكر والشاكرون فيها أيضا نوعان: سابقون وأصحاب يمين فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين بصوتين أحمقين فاجرين هما للشيطان لا للرحمن: صوت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي الله عنه: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عند نعمة". ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي وقل مشربه من العين المحمدية وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم وكثافة حجبهم وغلظة طباعهم وثقل أرواحهم وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم وانقيادا للواعج الحب وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى ومعاهدها التي سبيت منها والنفوس (13/18) ________________________________________ ص -499- الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها وحاد يحدوها وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع. فتركب من هذه الأمور: إيثار منهم للسماع ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم. فدواء صاحب مثل هذا الحال: أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع الإمعان في تفهم معانيه وتدبر خطابه قليلا قليلا إلى أن فيخلع قلبه محبة سماع الأبيات ويلبس محبة سماع الآيات ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه فحينئذ يعلم هو من نفسه: أنه لم يكن على شيء ويتمثل حينئذ بقول القائل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر: أمر معلوم بالضرورة من الدين لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم والإيمان فإن الشكر إنما هو الاشتغال بطاعة الله (13/19) ________________________________________ ص -500- لا بالصوت الأحمق الفاجر الذي هو للشيطان وكذلك النوح ضد الصبر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النائحة وقد ضربها حتى بدا شعرها وقال: "لا حرمة لها إنها تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها". ومعلوم عند الخاصة والعامة: أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب: أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر والله المستعان. ولا تستطل كلامنا في هذه المنزلة فإن لها عند القوم شأنا عظيما. وأما قولهم: "من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا وكذا ولي لله" فحجة عامية نعم إذا أنكر أولياء الله على أولياء الله كان ماذا فقد أنكر عليهم من أولياء الله من هو أكثر منهم عددا وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرا وأقرب بالقرون المفضلة عهدا وليس من شرط ولي الله العصمة وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال: سار أهل الجنة إلى أهل الجنة وكون ولي الله يرتكب المحظور والمكروه متأولا أو عاصيا (13/20) ________________________________________ ص -501- لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ولا يخرجه عن أصل ولاية الله وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظم من فتنة المشروب وحاشا أولياء الله من ذلك وإنما السماع الذي اختلف فيه مشايخ القوم: اجتماعهم في مكان خال من الاغيار يذكرون الله ويتلون شيئا من القرآن ثم يقوم بينهم قوال ينشدهم شيئا من الأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في لقاء الله ومحبته وخوفه ورجائه والدار الآخرة وينبههم على بعض أحوالهم من يقظة أو غفلة أو بعد أو انقطاع أو تأسف على فائت أو تدارك لفارط أو وفاء بعهد أو تصديق بوعد أو ذكر قلق وشوق أو خوف فرقة أو صد وما جرى هذا المجرى. فهذا السماع الذي اختلف فيه القوم لا سماع المكاء والتصدية والمعازف والخمريات وعشق الصور من المردان والنسوان وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه وعلم أن الشرع لا يأتي بإباحته وأنه ليس على الناس أضر منه ولا أفسد لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه والله أعلم. فصل قال صاحب المنازل: "السماع على ثلاث درجات: سماع العامة وهو ثلاثة أشياء: إجابة زجر الوعيد رغبة وإجابة دعوة الوعد جهدا وبلوغ مشاهدة المنة استبصارا". (13/21) ________________________________________ ص -502- الوعيد: يكون على ترك المأمور وفعل المحظور وإجابة داعيه: هو العمل بالطاعة. وقوله: (رغبة) يعني امتثالا لكون الله تعالى أمر ونهى وأوعد. وحقيقة الرجاء: الخوف والرجاء فيفعل ما أمر به على نور الإيمان راجيا للثواب ويترك ما نهى عنه على نور الإيمان خائفا من العقاب. وفي الرغبة فائدة أخرى وهي أن فعله يكون فعل راغب مختار لا فعل كاره كأنما يساق إلى الموت وهو ينظر. وأما إجابة الوعد جهدا: فهو امتثال الأمر طلبا للوصول إلى الموعود به باذلا جهده في ذلك مستفرغا فيه قواه. وأما بلوغ مشاهدة المنة استبصارا: فهو تنبه السامع في سماعه إلى أن جميع ما وصله من خير فمن منة الله عليه وبفضله عليه من غير استحقاق منه ولا بذل عوض استوجب به ذلك كما قال تعالى: 49 :17 {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. وكذلك يشهد أن ما زوي عنه من الدنيا أو ما لحقه منها من ضرر وأذى فهو منة أيضا من الله عليه من وجوه كثيرة ويستخرجها الفكر الصحيح كما قال بعض السلف: "يا ابن آدم لا تدري أي النعمتين عليك أفضل: نعمته فيما أعطاك أو نعمته فيما زوى عنك؟" وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه "لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت إن كان الغنى إن فيه للشكر وإن كان الفقر إن فيه للصبر" وقال بعض السلف: "نعمته فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها إني رأيته أعطاها قوما فاغتروا". إذا عم بالسراء أعقب شكرها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر وما منهما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبر والبحر فإن قلت: فهل يشهد منته فيما لحقه من المعصية والذنب؟. (13/22) ________________________________________ ص -503- قلت: نعم إذا اقترن بها التوبة النصوح والحسنات الماحية كانت من أعظم المنن عليه كما تقدم تقريره. فصل قال: "وسماع الخاصة: ثلاثة أشياء شهود المقصود في كل رمز والوقوف على الغاية في كل حين والخلاص من التلذذ بالتفرق". والمقصود في كل رمز: هو فإن المسموع كله يعرف به وبصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ووعده ووعيده وأمره ونهيه وعدله وفضله وهذا الشهود ينال بالسماع بالله ولله وفي الله ومن الله. أما السماع به: فأن لا يسمع وفيه بقية من نفسه فإن كانت فيه بقية قطعها كمال تعلقه بالمسموع فيكون سماعه بقيوميته مجردا من التفاته إلى نفسه. وأما السماع له: فأن يجرد النفس في السماع من كل إرادة تزاحم مراد الله منه وتجمع قوى سمعه على تحصيل مراد الله من المسموع. وأما السماع فيه: فشأن آخر وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحق من وصف أو سمة أو نعت أو فعل مما هو لائق بكماله فيثبت له ما يليق بكماله من المسموع وينزهه عما لا يليق به. وهذا الموضع لم يتخلص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله وأضل الله عنه أهل التحريف والتعطيل والتشبيه والتمثيل 2 :213 {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وأما السماع منه: فإنما يتصور بواسطة فهو سماع مقيد وأما المطلق: فلا مطمع فيه في عالم الفناء إلا لمن اختصه الله برسالاته وبكلامه ولكن السماع لكلامه كالسماع منه فإنه كلامه الذي تكلم به حقا فمن سمعه فليقدر نفسه كأنه يسمعه من الله. هذا هو السماع من الله لا سماع أرباب الخيال ودعوى المحال القائل (13/23) ________________________________________ ص -504- أحدهم: ناداني في سري وخاطبني وقال لي يا ليت شعري من المنادي لك ومن المخاطب يا مخدوع يا مغرور؟ فما يدريك: أنداء شيطاني أم رحماني؟ وما البرهان على أن المخاطب لك هو الرحمن؟. نعم نحن لا ننكر النداء والخطاب والحديث وإنما الشأن في المنادي المخاطب المحدث فههنا تسكب العبرات. وبالجملة فمن قرىء عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه ازدحمت معانى المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيهما يبدأ فما شئت من علم وحكم وتعرف وبصيرة وهداية وغيرة. وأما الوقوف على الغاية في كل حين: فهو التطلب والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع الذي جعل وسيلة إليها وهو الحق سبحانه فإنه غاية كل طلب 53 :42 {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} وليس وراء الله مرمى ولا دونه مستقر ولا تقر العين بغيره ألبتة وكل مطلوب سواه فظل زائل وخيال مفارق مائل وإن تمتع به صاحبه فمتاع الغرور. وأما الخلاص من التلذذ بالتفرق: فالتفرق في معاني المسموع وتنقل القلب في منازلها يوجب له لذة كما هو المألوف في الانتقال فليتخلص من لذة تفرقه التي هي حظه إلى الجمعية على المسموع به وله ومنه. ولم يقل الشيخ (من التفرق) فإن المسموع إنما يدرك معناه ويفهم بالتفرق لتنوعه ولكن ليتخلص من لذته لا منه لئلا يكون مع حظه وهذا من لطف أحوال السامعين المخلصين. فصل قال: "وسماع خاصة الخاصة: سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد إلى الأزل ويرد النهايات إلى الأول". (13/24) ________________________________________ ص -505- فالكشف: هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع وعلله أمران. أحدهما: الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين. والثاني: نفي الوسائط بين السامع والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ومنه الابتداء وإليه الانتهاء. وأما وصله الأبد إلى الأزل: فهذا إن أخذ على ظاهره: فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال وإنما مراده: أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار الأزلي أبديا كما كان الأبدى أزليا في العلم والحكم. وإيضاح ذلك: أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم. (13/25) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الحزن فصل منزلة (الحزن). ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الحزن). وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. فالمنهي عنه: كقوله تعالى: 3 :139 {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا} وقوله: 16 :127 {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في غير موضع وقوله: 9 :40 {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} والمنفي كقوله: 2 :38 {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. (14/1) ________________________________________ ص -506- وسر ذلك: أن (الحزن) موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى: 58 :10 {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ونهى النبي ﷺ الثلاثة "أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه". فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي ﷺ فقال "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" فهو قرين الهم والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما يستقبل: أورثه الهم وإن كان لما مضى: أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم. ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: 35 :34 {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. وأما قوله تعالى: 9 :92 {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به. وأما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه" فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه. وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي ﷺ: "إنه كان (14/2) ________________________________________ ص -507- متواصل الأحزان" فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف. وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فمن أين يأتيه الحزن؟. بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته: "الضحوك القتال" صلوات الله وسلامه عليه. وأما الخبر المروي: "إن الله يحب كل قلب حزين" فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته. وعلى تقدير صحته: فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه. وأما الأثر الآخر "إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا" فأثر إسرائيلي قيل: إنه في التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح. وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل: 12 :84 {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه. وأجمع أرباب السلوك: على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال: لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا. فيقال: لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق: فلا والله سبحانه أعلم. (14/3) ________________________________________ ص -508- فصل قال صاحب المنازل: "الحزن: توجع لفائت وتأسف على ممتنع". يريد: أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه. قال: "وله ثلاث درجات الأولى: حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام". التفريط في الخدمة عندهم: فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى: أن يحزن لتضييع العمل. وأما التورط في الجفاء: فهو أيضا أخصى من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات. وأما تضييع الأيام: فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه. فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص. قال: "الدرجة الثانية: حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن". تعلق القلب بالتفرقة: هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات. (14/4) ________________________________________ ص -509- وأما اشتغال النفس عن الشهود: فهو نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره. والثاني: اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه. وأما التسلي عن الحزن: فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن. قال: صاحب المنازل: "وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان". وهذا إن أراد به: أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن: فصحيح وإن أراد به: لا يعرض لهم حزن: فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام. قال: "الدرجة الثالثة من الحزن: التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام". هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة. الأول: حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة. (14/5) ________________________________________ ص -510- وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال: "دون الخواطر" فإن معارضات الخواطر غير هذا. وعند القوم: هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي. وأما معارضات القصود: فهى أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم: من يحكم العلم بجهده استدلالا فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلى باطنه من المقاصد جملة. ومنهم: من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ. ومنهم: من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر. وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة. ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها. فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها. فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل. (14/6) ________________________________________ ص -511- فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين. ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول: 29 :69 {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. وأما اعتراضات الأحكام: فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم. وإن كان المراد به: الأحكام الدينية: فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته: حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم. (14/7) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الخوف فصل منزلة (الخوف). ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الخوف). وهى من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد. قال الله تعالى 3 :175 {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقال تعالى 2 :40 {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} وقال 5 :44 {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن} ومدح (15/1) ________________________________________ ص -512- أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال 23 :57، 61 {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى ـ قوله ـ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت "يا رسول الله قول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة} أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" قال الحسن: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا". و(الوجل) و(الخوف) و(الخشية) و(الرهبة) ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد: "الخوف توقع العقوبة على مجارى الانفاس". وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. و(الخشية) أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى: 35 :28 {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي ﷺ: "إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية". فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك: له حالتان. إحداهما: حركة للهرب منه وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه: انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض. وأما (الرهبة) فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. (15/2) ________________________________________ ص -513- وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع. وأما (الوجل) فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته. وأما (الهيبة): فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال: تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي ﷺ: "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" وفى رواية (خوفا) وقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى". فصاحب الخوف: يلتجىء إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية: يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء. قال أبو حفص: "الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه". فالخائف هارب من ربه إلى ربه. قال أبو سليمان: "ما فارق الخوف قلبا إلا خرب" وقال إبراهيم بن سفيان: "إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها" وقال ذو النون: "الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق" وقال حاتم الأصم: "لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من (15/3) ________________________________________ ص -514- الجنة ولقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون". والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه". والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان: "صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا". وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله". وقال صاحب المنازل: "الخوف: هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر". يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد. قال: "وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة وهو (15/4) ________________________________________ ص -515- الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة". الخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به. وله متعلقان أحدهما: نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني: السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف: يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه. فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا: لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره: لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه: حصل له الخوف. هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة. وفي مراقبة العاقبة: زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم. فصل قال: "الدرجة الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة". يريد: أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها: استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه الكسوف فدخل (15/5) ________________________________________ ص -516- في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال: "الدرجة الثالثة [درجة الخاصة] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف". يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة. قال: "وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة". يعنى أن أكثر ما تكون (الهيبة) أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة. وهذه المناجاة: توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها. (15/6) ________________________________________ ص -517- وأما صون المسامر أحيان المسامرة: فالمسامرة عندهم: أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية. وأما فصمها المعاين بصدمة العزة: فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء والله أعلم. فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره. قال: ينبغي للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه. (15/7) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الإشفاق فصل منزلة (الإشفاق). ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الإشفاق). قال الله تعالى: 21 :49 {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} (16/1) ________________________________________ ص -518- وقال تعالى: 52 :25، 27 {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}. (الإشفاق) رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل: "الإشفاق: دوام الحزن مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد". أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية. "وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع". أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها: 25 :23 {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} وهي الأعمال التي كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله ﷺ ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل إما بتركه وإما بمعاصى تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى عن أصحابها 2 :265 {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة رضي الله عنهم: "فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس لعمل قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله". قال: "وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها". هذا قد يوهم نوع تناقض فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر؟ وليس بمتناقض. (16/2) ________________________________________ ص -519- فإن الإشفاق كما تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم. قال "الدرجة الثانية: إشفاق على الوقت: أن يشوبه تفرق". أى يحذر على وقته: أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله عز وجل. قال: "وعلى القلب: أن يزاحمه عارض". والعارض المزاحم: إما فترة وإما شبهة وإما شهوة كل سبب يعوق السالك. قال "وعلى اليقين: أن يداخله سبب". هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به واطمأن إليه: قدح ذلك في يقينه وليس المراد: قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر منه: إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها. والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب: يرجع إلى هذين الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف. (16/3) ________________________________________ ص -520- ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض قال: "الدرجة الثالثة: إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجدِّ". الأول: يتعلق بالعمل والثاني: بالخلق والثالث: بالإرادة وكل منها له ما يفسده. فالعجب: يفسد العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والمخاصمة للخلق: مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والإرادة: يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما يفسدها. فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته: استقام سلوكه وقلبه وحاله والله المستعان. (16/4) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

منزلة الخشوع فصل منزلة (الخشوع). ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الخشوع). قال الله تعالى: 57 :16 {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين" وقال ابن عباس: "إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن" وقال تعالى: 23 :1، 2 {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. و(الخشوع) في أصل اللغة: الانخفاض والذل والسكون قال تعالى: 20 :108 {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى: 41 :39 {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}. (17/1) ________________________________________ ص -521- و(الخشوع) قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه. وقيل (الخشوع) الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع. فمن علاماته: أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد. وقيل (الخشوع) خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب. وقال الجنيد "الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب". وأجمع العارفون على أن (الخشوع) محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره و"رأى النبي ﷺ رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هدا لخشعت جوارحه" وقال النبي ﷺ "التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات" وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار إلى منكبيه. وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول: "إياكم وخشوع النفاق فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع" ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: "يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب" ورأت عائشة رضى الله عنها "شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: نساك فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال: أسمع وإذا ضرب: أوجع وإذا أطعم: أشبع وكان هو الناسك حقا" وقال الفضيل بن عياض: "كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه" وقال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك (17/2) ________________________________________ ص -522- أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا" وقال سهل: "من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان". فصل قال صاحب المنازل: "الخشوع: خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو مفزع". يعنى: انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب. والحق: أن (الخشوع) معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال: "وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: التذلل للأمر: والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق".التذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق". التذلل للأمر: تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل. وأما الاستسلام للحكم: فيجوز أن يريد به: الحكم الديني الشرعي فيكون معناه: عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به: الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض. والحق: أن (الخشوع) هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه. وأما الاتضاع لنظر الحق: فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: 55 :46 {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وقوله: 79 :40 {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية. (17/3) ________________________________________ ص -523- فخوفه من هذا المقام: يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه. والتأويل الثاني: أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه. فعلى الأول: يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل. وعلى الثاني: وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم. فصل قال: "الدرجة الثانية: ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء". يريد: انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال. وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك: فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب". وأما تنسم نسيم الفناء: فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم (17/4) ________________________________________ ص -524- لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله. فصل قال "الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل". أما حفظ الحرمة عند المكاشفة: فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة. وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق: فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك. وإنما المراد: أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا. وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه: (17/5) ________________________________________ ص -525- أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتى أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده يأتى لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا في بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات والفقر لى وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى أما تجريد رؤية الفضل: فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه. والتجريد: هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم. فصل فإن قيل: مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته: هل يعتد بها أم لا؟. قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه. قال ابن عباس رضى الله عنهما: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها". (17/6) ________________________________________ ص -526- وفى المسند مرفوعا: "إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها". وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين. وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء: فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها. وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه و بسيطه. واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائى. قالوا: ولأن الخشوع والعقل: روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها؟. قالوا: ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت. وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله (17/7) ________________________________________ ص -527- طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب: صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه. قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل؟. قالوا: والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون؟. قالوا: وفي الترمذى وغيره مرفوعا إلى النبي ﷺ: "إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل" وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل. قالوا: ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له. قالوا: وقد قال الله تعالى: 17 :4، 5 {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن الحضور والخشوع والصواب: أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء. (17/8) ________________________________________ ص -528- قالوا: ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه. أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له. الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره. فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة: أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحه أو قول: "سمع الله لمن حمده" أو قول: "ربنا ولك الحمد" أو ذكر رسول الله ﷺ بالصلاة عليه ثم يصححها مع فوات بها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها. فهذا ما احتجت به هذه الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا. قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه قال: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس". قالوا: فأمره النبي ﷺ في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان (17/9) ________________________________________ ص -529- فيها حتى لم يدركم صلى: بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها. قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي ﷺ المرغمتين وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب وقال: "لكل سهو سجدتان" ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب. قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان الباطنة: فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم في الأخرة على الظواهر والبواطن ولهذا كان النبي ﷺ يقبل علانية المنافقين ويكل أسرارهم إلى الله تعالى فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة. قالوا: فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائى مع أنه لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة. نعم: لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل. وكذلك ما يحصل هذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين (17/10) ________________________________________ ص -530- كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله فإن أردتم وجوب الإعادة: لتحصل هذه الثمرات والفوائد: فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا. وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم. (17/11) ________________________________________ مدارج السالكين – الجزء الأول

أول منازل العبودية اليقظة، العزم، الفكرة فصل في منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله. وقد أكثر الناس في صفة المنازل وعددها من جعلها ألفا ومنهم من جعلها مائة ومنهم من زاد ونقص فكل وصفها بحسب سيره وسلوكه. وسأذكر فيها أمرا مختصرا جامعا نافعا إن شاء الله تعالى. (18/1) ________________________________________ ص -123- فأول منازل العبودية (اليقظة) وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغافلين ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبى منها. فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم فأخذ في أهبة السفر فانتقل إلى منزلة (العزم) وهو العقد الجازم على المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه وبحسب قوة عزمه يكون استعداده. فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة (الفكرة) وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه. فإذا صحت فكرته أوجبت له (البصيرة) فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين. فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها. (18/2) ________________________________________ ص -124- ف(البصيرة) نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم وهذا معنى قول بعض العارفين: "البصيرة تحقق الإنتفاع بالشيء والتضرر به" وقال بعضهم: "البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان". و(البصيرة) على ثلاث درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرة في الأسماء والصفات وبصيرة في الأمر والنهي وبصيرة في الوعد والوعيد. فالبصيرة في الأسماء والصفات: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر. وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله الملك والحمد وله الثناء والمجد أول v (18/3) ________________________________________ ص -125- ليس قبله شيء وآخر ليس بعده شيء ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد ولذلك كانت حسنى وصفاته كلها صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل كل شيء من مخلوقاته دال عليه ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ولا ترك الإنسان سدى عاطلا بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته وأسبغ عليهم نعمه يتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات وصرف لهم الآيات ونوع لهم الدلالات ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب فأتم عليهم نعمه السابغة وأقام عليهم حجته البالغة أفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته تغلب غضبه. وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف لجهلهم بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم وأقوى إيمانا وأعظم تسليما للوحي وانقيادا للحق. فصل: المرتبة الثانية من البصيرة. البصيرة في الأمر والنهي وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص. (18/4) ________________________________________ ص -126- وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيرهم. فصل: المرتبةالثالثة: البصيرة في الوعد والوعيد. وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا في دار العمل ودار الجزاء وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملا وتركها سدى تعالى الله عن هذا الحسبان علوا كبيرا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية ولهذا كان الصحيح: أن المعاد معلوم بالعقل وإنما اهتدى إلى تفاصيله بالوحي ولهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفرا به سبحانه لأنه إنكار لقدرته ولإلهيته وكلاهما مستلزم للكفر به قال تعالى 13:5 {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وفي الآية قولان: أحدهما: إن تعجب من قولهم: "أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد" فعجب قولهم! كيف ينكرون هذا وقد خلقوا من تراب ولم يكونوا شيئا. والثاني: إن تعجب من شركهم مع الله غيره وعدم انقيادهم لتوحيده وعبادته وحده لا شريك له فإنكارهم للبعث وقولهم: "أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد" أعجب. وعلى التقديرين: فإنكار المعاد عجب من الإنسان وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه. (18/5) ________________________________________ ص -127- ولصاحب المنازل في (البصيرة) طريقة أخرى قال: "البصيرة ما يخلصك من الحيرة وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها فترى من حقه أن تؤديه يقينا وتغضب له غيرة". ومعنى كلامه: أن ما أخبر به الرسول صادر عن حقيقة صادقة لا يخاف متبعها فيما بعد مكروها بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها إذ هي حق ومتبع الحق لا خوف عليه ومن حق ذلك الخبر عليك أن تؤدي ما أمرت به منه من غير شك ولا شكوى والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناول الأمر بإمتثال صادر عن تصديق محقق لا يصحبه شك وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه ويهمل جانبه. وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام (البصيرة) لأنه على قدر المعرفةبالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله: تكون الغيرة عليه أن يضيع والغضب على من أضاعه فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه وذلك عين البصيرة فكما أن الشك القادح في كمال الإمتثال معم لعين البصيرة فكذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق الله إذا ضيعت ومحارمه إذا انتهكت معم لعين البصيرة. قال: "الدرجة الثانية: أن تشهد في هداية الحق وإضلاله إصابة العدل وفي تلوين أقسامه: رعاية البر وتعاين في جذبه حبل الوصل". يريد رحمه الله بشهود العدل في هدايته من هداه وفي إضلاله من أضله: أمرين. أحدهما: تفرده بالخلق والهدى والضلال. والثاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل لا بالإتفاق ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها بل بحكمة اقتضت (18/6) ________________________________________ ص -128- هدى من علم أنه يزكو على الهدى ويقبله ويشكره عليه ويثمر عنده فالله أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا قال تعالى 6:53 {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى ويشكرونه عليها ويحبونه ويحمدونه على أن جعلهم من أهله فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل ولم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه. ولا يبقى إلا أن يقال: فلم خلق من هو بهذه المثابة؟. فهذا سؤال جاهل ظالم ضال مفرط في الجهل والظلم والضلال لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال الربوبية كالليل والنهار والحر والبرد واللذة والألم والخير والشر والنعيم والجحيم. قوله: "وفي تلوين أقسامه رعاية البر". يريد بتلوين الأقسام: اختلافها في الجنس والقدر والصفة من أقسام الأموال والقوى والعلوم والأعمال والصنائع وغيرها قسمها على وجه البر والمصلحة فأعطى كلا منهم ما يصلحه وما هو ألأنفع له برا وإحسانا. وقوله: "وتعاين في جذبه حبل الوصال". يريد تعاين في توفيقه لك للطاعة وجذبه إياك من نفسك: أنه يريد تقريبك منه فاستعار للتوفيق الخاص الجذب وللتقريب الوصال وأراد بالحبل السبب الموصل لك إليه. فأشار بهذا إلى أنك تستدل بتوفيقه لك وجذبك نفسك وجعلك متمسكا بحبله الذي هو عهده ووصيته إلى عباده على تقريبه لك تشاهد ذلك ليكون (18/7) ________________________________________ ص -129- أقوى في المحبة والشكر وبذل النصيحة في العبودية وهذا كله من تمام البصيرة فمن لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا. قال: "الدرجة الثالثة بصيرة تفجر المعرفة وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة". يريد بالبصيرة في الكشف والعيان: أن تتفجر بها ينابيع المعارف من القلب ولم يقل: "تفجِّر العلم" لأن المعرفة أخص من العلم عند القوم ونسبتها إلى العلم نسبة الروح إلى الجسد فهي روح العلم ولبّه. وصدق رحمه الله فإن بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التي لا تنال بكسب ولا دراسة إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه. وقوله: "وتثبت الإشارة". يريد بالإشارة: ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات والأذواق التي ينكرها الأجنبي من السلوك ويثبتها أهل البصائر وكثير من هذه الأمور ترد على السالك فإن كان له بصيرة ثبتت بصيرته ذلك له وحققته عنده وعرفته تفاصيله وإن لم يكن له بصيرة بل كان جاهلا لم يعرف تفصيل ما يرد عليه ولم يهتد لتثبيته. قوله: "وتنبت الفراسة". يعني أن البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة وهي نور يقذفه الله في القلب يفرق به بين الحق والباطل والصادق والكاذب قال الله تعالى 15:75 {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} قال مجاهد: "للمتفرسين" وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل" ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. (18/8) ________________________________________ ص -130- و(التوسُّم) تفعل من السيما وهي العلامة فسمى المتفرس متوسما لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب فيستدل بالعيان على الإيمان ولهذا خص الله تعالى بالآيات والإنتفاع بها هؤلاء لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب وقد ألهم الله ذلك لآدم وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء وبنوه هم نسخته وخلفاؤه فكل قلب فهو قابل لذلك وهو فيه بالقوة وبه تقوم الحجة وتحصل العبرة وتصح الدلالة وبعث الله رسله مذكرين ومنبهين ومكملين لهذا الإستعداد بنور الوحي والإيمان فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والإستعداد فيصير نورا على نور فتقوى البصيرة ويعظم النور ويدوم بزيادة مادته ودوامها ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في الغلاف والأكنة فأظلم وعمى عن البصيرة فحجبت عنه حقائق الإيمان فيرى الحق باطلا والباطل حقا والرشد غيا والغي رشدا قال تعالى 83:14 {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} و(الرين) و(الران) هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والإنقياد له. وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة وهي نوعان: فراسة علوية شريفة مختصة بأهل الإيمان وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة وتجريد البواطن من أنواع الشواغل فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كما لا للنفس ولا زكاة ولا (18/9) ________________________________________ ص -131- إيمانا ولا معرفة وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات لأنهم محجوبون عن الحق تعالى فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه وطريق هؤلاء وهؤلاء. وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره فإن همتهم لما تعلقت بمحبة الله ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة كانت فراستهم متصلة بالله متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال وميزت بين الخبيث والطيب والمحق والمبطل والصادق والكاذب وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله فحملت كل إنسان على قدر استعداده علما وإرادة وعملا. ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طرق الرسول وتعرفها وتخليصها من بين سائر الطرق وبين كشف عيوب النفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريق المرسلين فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده. فصل فإذا انتبه وأبصر أخذ في (القصد) :وصدق الإرادة وأجمع القصد والنية على سفر الهجرة إلى الله وعلم وتيقن أنه لابد له منه فأخذ في أهبة السفر وتعبئة الزاد ليوم المعاد والتجرد عن عوائق السفر وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج. وقد قسم صاحب المنازل (القصد) إلى ثلاثة درجات فقال: "الدرجة الأولى: قصد يبعث على الإرتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأغراض". فذكر له ثلاث فوائد: أنه يبعث على السلوك بلا توقف ولا تردد ولا علة غير العبودية من رياء أو سمعة أو طلب محمدة أو جاه ومنزلة عند الخلق (18/10) ________________________________________ ص -132- قال: "الدرجة الثانية: قصد لا يلقى سببا إلا قطعه ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله". يعني أنه لا يلق سببا يعوق عن المقصود إلا قطعه ولا حائلا دونه إلا منعه ولا صعوبة إلا سهلها. قال: "الدرجة الثالثة: قصد الإستسلام لتهذيب العلم وقصد إجابة داعي الحكم وقصد اقتحام بحر الفناء". يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح ويقصد إجابة داعي الحكم الديني الأمري كلما دعاه فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي للإيمان بها علما وعملا فيقصد إجابة داعيها ولكن مراده بداعي الحكم: الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم فإجابتها قدر زائد على مجرد الإمتثال فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال والمعرفة والحمد فالأمر يدعو إلى الإمتثال وما تضمنه من الحكم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة. وقوله: "وقصد اقتحام بحر الفناء". هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم وهو عند بعضهم لازم من لوازم الطريق وليس بغاية وعند آخرين عارض من عوارض الطريق وليس بغاية ولا هو لازم لكل سالك وأهل القوة والعزم لا يعرض لهم وحال البقاء أكمل منه ولهذا كان البقاء حال نبينا ليلة الإسراء وقد رأى ما رأى وحال موسى الفناء ولهذا خر صعقا عند تجلي الله للجبل وامرأة العزيز كانت أكمل حبا ليوسف من النسوة ولم يعرض لها ما عرض لهن عند رؤية يوسف لفنائهن وبقائها وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام فيه. فصل فإذا استحكم قصده صار (عزما) جازما مستلزما للشروع في السفر مقرونا بالتوكل على الله قال تعالى 3:159 {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}. (18/11) ________________________________________ ص -133- و(العزم) هو القصد الجازم المتصل بالفعل ولذلك قيل: "إنه أول الشروع في الحركة لطلب المقصود" وأن التحقيق: أن الشروع في الحركة ناشىء عن العزم لا أنه هو نفسه ولكن لما اتصل به من غير فصل ظن أنه هو. وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل. و(العزم) نوعان أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات والثاني: عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا وهو من المقامات وسنذكره في موضعه إن شاء الله. وفي هذه المنزلة يحتاج السالك إلى تمييز ما له مما عليه ليستصحب ما له ويؤدى ما عليه وهو (المحاسبة) وهي قبل (التوبة) في المرتبة فإنه إذا عرف ما له وما عليه أخذ في أداء ما عليه والخروج منه وهو (التوبة). وصاحب المنازل قدم التوبة على المحاسبة ووجه هذا: أنه رأى (التوبة) أول منازل السائر بعد يقظته ولا تتم التوبة إلا بالمحاسبة فالمحاسبة تكميل مقام التوبة فالمراد بالمحاسبة الإستمرار على حفظ التوبة حتى لا يخرج عنها وكأنه وفاء بعقد التوبة. واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي هذا محال ألا ترى أن (اليقظة) معه في كل مقام لا تفارقه وكذلك (البصيرة) و(الإرادة) و(العزم) وكذلك (التوبة) فإنها كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضا بل هي في كل مقام مستصحبة ولهذا جعلها الله تعالى آخر مقامات خاصته فقال تعالى في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات 9:117 {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ (18/12) ________________________________________ ص -134- رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} فجعل التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة أجل رسول الله ﷺ التي هي آخر سورة أنزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن" فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى 33:72، 73 {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة. وكذلك (الصبر) فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات. وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له. ومثال ذلك: أن (الرضا) مترتب على (الصبر) لتوقف الرضا عليه.واستحالة ثبوته بدونه فإذا قيل: إن مقام (الرضا) أو حاله علىالخلاف بينهم: هل هو مقام أو حال؟ بعد مقام (الصبر) لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية. وإذا كان كذلك علمت أن (القصد) و(العزم) متقدم على سائر المنازل فلا وجه لتأخيره وعلمت بذلك أن (المحاسبة) متقدمة على (التوبة) بالرتبة أيضا فإنه إذا حاسب العبد نفسه خرج مما عليه وهي (18/13) ________________________________________ حقيقة التوبة وأن منزلة (التوكل) قبل منزلة (الإنابة) لأنه يتوكل في حصولها فالتوكل وسيلة والإنابة غاية وأن مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به كما أنه أول دعوة (18/14) ________________________________________ ص -135- الرسل كلهم قال النبي ﷺ: لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" وفي رواية "إلى أن يعرفوا الله" ولأنه لا يصح مقام من المقامات ولا حال من الأحوال إلا به فلا وجه لجعله آخر المقامات وهو مفتاح دعوة الرسل وأول فرض فرضه الله على العباد وما عدا هذا من الأقوال فخطأ كقول من يقول: "أول الفروض النظر أو القصد إلى النظر أو المعرفة أو الشك الذي يوجب النظر". وكل هذه الأقوال خطأ بل أول الواجبات: مفتاح دعوة المرسلين كلهم.وهو أول ما دعا إليه فاتحهم نوح فقال: 7:59 {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وهو أول ما دعا إليه خاتمهم محمد ﷺ. ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها كل يصف منازل سيره وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أن المقامات كسبية والأحوال وهيبة ومنهم من يقول الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائح الأعمال فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما وكل من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا. فمما اختلفوا فيه (الرضا) هل هو حال أو مقام؟ فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين. وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال: إن حصل بكسب فهو مقام وإلا فهو حال. والصحيح في هذا: أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها كما يلمع البارق ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها ومقامات في (18/15) ________________________________________ ص -136- نهاياتها فالذي كان بارقا هو بعينه الحال والذي كان حالا هو بعينه المقام وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه. وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب وينزل إلى ما دونه ثم قد يعود إليه وقد لا يعود. ومن المقامات: ما يكون جامعا لمقامين. ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك. ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه. فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما. و(التوكل) جامع لمقام التفويض والإستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها. و(الرجاء) جامع لمقام الخوف والإرادة. و(الخوف) جامع لمقام الرجاء والإرادة. و(الإنابة) جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما. و(الإخبات) له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا. و(الزهد) جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ويرهب مما يخاف ضرره. ومقام (المحبة) جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها. ومقام (الخشية) جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف الله وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى 35:28 {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ (18/16) ________________________________________ ص -137- عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال النبي ﷺ: "أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية". ومقام (الهيبة) جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم. ومقام (الشكر) جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق (الرضا) وهو يتضمن (الصبر) من غير عكس ويتضمن (التوكل) و(الإنابة) و(الحب) و(الإخبات) و(الخشوع) و(الرجاء) فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى: 34:13 {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. ومقام (الحياء) جامع لمقام المعرفة والمراقبة. ومقام (الأنس) جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبة لم يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع القرب منه. ومقام (الصدق) جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق. ومقام (المراقبة) جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة. ومقام (الطمأنينة) جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص من الطمأنينة. وكذلك (الرغبة) و(الرهبة) كل منهما ملتئم من (الرجاء) و(الخوف) والرجاء على الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب. وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان: أبرار (18/17) ________________________________________ ص -138- ومقربون فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه وهكذا مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصى تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا الله. وتقسيمهم ثلاثة أقسام عام وخاص وخاص خاص إنما نشأ من جعل الفناء غاية الطريق وعلم القوم الذي شمروا إليه وسنذكر ما في ذلك وأقسام الفناء محموده ومذمومه فاضله ومفضوله فإن إشارة القوم إليه إن شاء الله ومدارهم عليه. على أن الترتيب الذي يشير إليه كل مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكم ودعوى من غير مطابقة فإن العبد إذا التزم عقد الإسلام ودخل فيه كله فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة ومقاماته وأحواله وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات لايكون موفيا لذلك العقد والواجب إلا بها وكلما وفى واجبا أشرف على واجب آخر بعده وكلما قطع منزلة استقبل أخرى. وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة والتوبة والمحاسبة أعظم من حاجة صاحب البداية إليها فليس في ذلك ترتيب كلى لازم للسلوك. وقد ذكرنا أن التوبة التي جعلوها من أول المقامات هي غاية العارفين ونهاية أولياء الله المقربين ولا ريب أن حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوق حاجتهم إليها في بدايتهم. فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريقة المتقدمين من أئمة القوم كلاما مطلقا في كل مقام مقام ببيان حقيقته وموجبه وآفته المانعة من حصوله والقاطع عنه وذكر عامه وخاصه. فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله كسهل بن عبدالله التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري (18/18) ________________________________________ ص -139- ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون ابن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا كلامهم قليل فيه البركة وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة. ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ولعدوه سلوكا عاميا وللخاصة سلوك آخر كما يقال ضلال المتكلمين وجهلتهم "إن القوم كانوا أسلم وإن طريقنا أعلم" كما يقول من لم يقدر قدرهم من المنتسبين إلى الفقه "إنهم لم يتفرغوا لإستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه". فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعن عمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والإشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن و {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. (18/19) ________________________________________ ص -140- فالأولى بنا أن نذكر منازل (العبودية) الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال تعالى: 9:97 {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} فبمعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية: يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. ونذكر لها ترتيبا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السيرالحسي ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته أكمل وضبطه أسهل. فهذه فائدة ضرب الأمثال وهي خاصة العقل ولبه ولهذا أكثر الله تعالى منها في القرآن ونفى عقلها عن غير العلماء فقال تعالى: 39:43 {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ}. فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقظان فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح وأذن به مؤذن الرحمن: حيّ على الفلاح. فأول مراتب هذا النائم: اليقظة والإنتباه من النوم وقد ذكرنا: أنها إنزعاج القلب لروعة الإنتباه. وصاحب المنازل يقول: "هي القومة لله المذكورة في قوله 34:46 {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى}". (18/20) ________________________________________ ص -141- قال: "القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه وهي على ثلاثة أشياء: لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة المنة بها والعلم بالتقصير في حقها". وهذا الذي ذكره: هو موجب اليقطة وأثرها فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لإستنارة قلبه برؤية نور التنبيه أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها والوقوف على حدها وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها بثمن فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها وهو القيام بشكرها. فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية: محبة المنعم واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له وإزراءه على نفسه حيث عجز عن شكر نعمه فصار متحققا ب"أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" وعلم حينئذ أن هذا الإستغفار حقيق بأن يكون سيد الإستغفار وعلم حينئذ أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير. قال: "الثاني مطالعة الجناية والوقوف على الخطر فيها والتشمير لتداركها والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها". فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ويعلم أنه على خطر عظيم فيها وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه فقال: 18:57 {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} فإذا طالع جنايته شمر لإستدراك الفارط بالعلم والعمل وتخلص من رق الجناية بالإستغفار والندم وطلب التمحيص وهو (18/21) ________________________________________ ص -142- تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة وهو تخليصهما من خبثهما ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا تقول لهم الملائكة 39:73 {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} وقال تعالى 16:32 {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} فليس في الجنة ذرة خبث. وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء: بالتوبة والإستغفار وعمل الحسنات الماحية والمصائب المكفرة فإن محصته هذه الأربعة وخلصته: كان من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يبشرونهم بالجنة وكان من الذين 41:30، 32 {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ} عند الموت {أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}. وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه فلم تكن التوبة نصوحا وهي العامة الشاملة الصادقة ولم يكن الإستغفار كاملا تاما وهو المصحوب بمفارقة الذنب والندم عليه وهذا هو الإستغفار النافع لا استغفار من في يده قدح السكر وهو يقول أستغفر الله ثم يرفعه إلى فيه ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها وافية بالتكفير ولا المصائب وهذا إما لعظم الجناية وإما لضعف الممحص وإما لهما محص في البرزخ بثلاثة أشياء. أحدها: صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه. الثاني: تمحيصه بفتنة القبر وروعة الفتان والعصرة والإنتهار وتوابع ذلك. الثالث: ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه والحج والصيام عنه وقراءة القرآن عنه والصلاة وجعل ثواب ذلك له (18/22) ________________________________________ ص -143- وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء قال الإمام أحمد: "لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه إختلاف والأكثرون يقولون بوصول الحج" وأبو حنيفة يقول: "إنما يصل إليه ثواب الإنفاق" وأحمد ومن وافقه: مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب بدنيها وماليها والجامع للأمرين واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لمن سأله: "يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد مماتهما؟ قال: نعم فذكر الحديث" وقد قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". فإن لم تف هذه بالتمحيص محص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء: أهوال القيامة وشدة الموقف وشفاعة الشفعاء وعفو الله عز وجل. فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير رحمة في حقه ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته وشدته وضعفه وتراكمه فإذا خرج خبثه وصفى ذهبه وصار خالصا طيبا أخرج من النار وأدخل الجنة. قال (الثالث) يعني من مراتب اليقظة (الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام والتنصل من تضييعها والنظر إلى الظن بها لتدارك فائتها وتعمير باقيها". (18/23) ________________________________________ ص -144- يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان فيتدارك ما فاته في بقية عمره التي لا ثمن لها ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقر به إلى الله فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس مع تفاوتهم في قدره قلة وكثرة فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده ووقفة له في طريق سيره أو نكسه إن استمر أو حجاب إن انقطع به. قال "فأما معرفة النعمة: فإنها تصفو بثلاثة أشياء: بنور العقل وشيم بروق المنة والإعتبار بأهل البلاء". يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة: يصفو بهذه الثلاثة فهي النور الذي أوجب اليقظة فاستنار القلب به لرؤية التنبه وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة النعمة فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور ألبتة فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته: هو أعظم النعم وهذا إنما يدرك بنور العقل وهداية التوفيق. وكذلك شيمه بروق منن الله عليه وهو النظر إليها ومطالعتها من خلال سحب الطبع وظلمات النفس والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله والإبتداع في دين الله فهذان الصنفان هم أهل البلاء حقا فإذا رآهم وعلم ما هم عليه عظمت نعمة الله عليه في قلبه وصفت له وعرف قدرها. فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة: رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب. قال: "وأما مطالعة الجناية: فإنها تصح بثلاثة أشياء: بتعظيم الحق ومعرفة النفس وتصديق الوعيد". يعني أن من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة من هو دونه ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها وفقرها (18/24) ________________________________________ ص -145- الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونفس وشدة حاجتها إليه عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونفس. وأيضا فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه عظمت الجناية عنده فشمر في التخلص منها وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي تلحق به. ومدار السعادة وقطب رحاها: على التصديق بالوعيد فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خرابا لا يرجى معه فلاح ألبتة والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى: 11:103 {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ} وقال 47:45 {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وقال 50:45 {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى 13:14 {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. قال: "وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام: فإنها تستقيم بثلاثة أشياء: سماع العلم وإجابة داعي الحرمة وصحبة الصالحين وملاك ذلك كله خلع العادات". يعني أن السالك: على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه وكذلك تفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله من قلبه هل هو سريع الإجابة لها أم هو بطىء عنها فبحسب إجابة الداعي سرعة وإبطاء تكون زيادته ونقصانه. وكذلك صحبة أرباب العزائم المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى يعرف به ما معه من الزيادة والنقصان. (18/25) ________________________________________ ص -146- والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات وتوطين النفس على مفارقتها والغربة بين أهل الغفلة والإعراض وما على العبد أضر من ملك العادات له وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج عنها والإستعداد للمطلوب منه فهو مقطوع وعن فلاحه وفوزه ممنوع 9:46 {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}. فصل فإذا استحكمت يقظته أوجبت له الفكرة وهي كما تقدم تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له. وصاحب المنازل جعلها بعد (البصيرة) وقال في حدها (هي تلمس البصيرة لإستدراك البغية) أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه. قال: "وهي ثلاثة أنواع: فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصنعة وفكرة في معاني الأعمال والأحوال". قلت: الفكرة فكرتان: فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة. فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة: فكرة التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي والتي تتعلق بالطلب والإرادة هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار. ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها والطريق إلى ما يضر فيتركها. فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء. فالفكرة في التوحيد: استحضار أدلته وشواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين والتوكل على اثنين بل لا تصح العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو الله الواحد القهار. (18/26) ________________________________________ ص -147- وقد خبط صاحب المنازل في هذا الموضع وجاء بما يرغب عنه الكمل من سادات السالكين والواصلين إلى الله. فقال الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود وهذا بناء على أصله الذي أصله وانتهى إليه كتابه في أمر الفناء فإنه لما رأى أن الفكرة في عين التوحيد تبعد العبد من التوحيد الصحيح عنده: لأن التوحيد الصحيح عنده لا يكون إلا بعد فناء الفكرة والتفكر والفكرة تدل على بقاء رسم لاستلزامها مفكرا وفعلا قائما به والتوحيد التام: عنده لا يكون مع بقاء رسم أصلا كانت الفكرة عنده علامة الجحود واقتحاما لبحره وقد صرح بهذا في أبياته في آخر الكتاب: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لأحد ومعنى أبياته: ما وحد الله عز وجل أحد حق توحيده الخاص الذي تفنى فيه الرسوم ويضمحل فيه كل حادث ويتلاشى فيه كل مكون فإنه لا يتصور منه التوحيد إلا ببقاء الرسم وهو الموحد وتوحيده القائم به فإذا وحده شهد فعله الحادث ورسمه الحادث وذلك جحود لحقيقة التوحيد الذي تفنى فيه الرسوم وتتلاشى فيه الأكوان فلذلك قال: "إذ كل من وحده جاحد" هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وقد فسره أهل الوحدة بصريح كلامهم في مذهبهم. قالوا: معنى "كل من وحده جاحد" أي كل من وحده فقد وصف الموحد بصفة تتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات. وقوله: "توحيد من ينطق عن نعته" أي توحيد المحدث له الناطق عن نعته عارية مستردة فإنه الموحد قبل توحيد هذا الناطق وبعد فنائه فتوحيده له عارية أبطلها الواحد الحق بإفنائه كل ما سواه. (18/27) ________________________________________ ص -148- والإتحادي يقول: معناه أن الموحد واحد من جميع الوجوه فأبطل ببساطة ذاته تركيب نطق واصفه وأبطل بإطلاقه تقييد نعت موحده. وقوله: "توحيده إياه توحيده" يعني أن توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه حيث لا هناك رسم ولا مكون فما وحد الله حقيقة إلا الله. والإتحادي يقول: ما ثم غير يوحده بل هو الموحد لنفسه بنفسه إذ ليس ثم سوى في الحقيقة. قوله: "ونعت من ينعته لأحد" أي نعت الناعت له ميل وخروج عن التوحيد الحقيقي والإلحاد أصله الميل لأنه بنعته له قائم بالرسوم وبقاء الرسوم ينافي توحيده الحقيقي. والإتحادي يقول: نعت الناعت له شرك لأنه أسند إلى المطلق ما لا يليق به إسناده من التقييد وذلك شرك وإلحاد. فرحمة الله على أبي إسماعيل فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنه لمنهم وما هو منهم وغره سراب الفناء فظن أنه لجة بحر المعرفة وغاية العارفين وبالغ في تحقيقه وإثباته فقاده قسرا إلى ما ترى. و(الفناء) الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه أن تذهب المحدثات في شهود العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى كما لم يزل ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا فلا يبقى له صورة ولا رسم ثم يغيب شهوده أيضا فلا يبقى له شهود ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. قال صاحب المنازل: "هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا وهو على ثلاث درجات". (18/28) ________________________________________ ص -149- الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا. الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه. الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء". فنذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل ثم نتبعه ذكر أقسام الفناء والفرق بين الفناء المحمود الذي هو فناء خاصة أولياء الله المقربين والفناء المذموم الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وفناء المتوسطين الناقصين عن درجة الكمال بعون الله وحوله وتأييده. فقوله: "الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا" لا يريد به أنه يعدم من الوجود بالكلية وإنما يريد اضمحلاله في العلم فيعلم أن ما دونه باطل وأن وجوده بين عدمين وأنه ليس له من ذاته إلا العدم فعدمه بالذات ووجوده بإيجاد الحق له فيفنى في علمه كما كان فانيا في حال عدمه فإذا فنى في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك وهي جحد السوى وإنكاره وهذه أبلغ من الأولى لأنها غيبته عن السوى فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له وهذه الثانية جحده وإنكاره. ومن هاهنا دخل الإتحادي وقال: المراد جحد السوى بالكلية وأنه ما ثم غير بوجه ما. وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الإتحاد وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة ذلك وإنما أراد بالجحد: في الشهود لا في الوجود أي يجحده أن يكون مشهودا فيجحد وجوده الشهودي العلمي لا وجوده العيني الخارجي فهو أولا يغيب عن وجوده الشهودي العلمي ثم ينكر ثانيا وجوده في علمه وهو اضمحلاله جحدا ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها وهي (18/29) ________________________________________ ص -150- اضمحلاله في الحقيقة وأنه لا وجود له ألبته وإنما وجوده قائم بوجود الحق فلولا وجود الحق لم يكن هو موجودا ففي الحقيقة: الموجود إنما هو الحق وحده والكائنات من أثر وجوده هذا معنى قولهم: "إنها لا وجود لها ولا أثر لها وإنها معدومة وفانية ومضمحلة". والإتحادي يقول: "إن السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله" فهذا توحيد العلم ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات والصفات إلى الذات فعاد الأمر كله إلى الذات فيجحد وجود السوي بالكلية فهذا هو الإضمحلال جحدا ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات ولا يبقى إلا أمر مطلق لا يتقيد باسم ولا فعل ولا صفة قد اضمحل فيه كل معنى وقيد وصفة ورسم وهذا عندهم غاية السفر الأول فحينئذ يأخذ في السفر الثاني وهو البقاء. قوله: "الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف". يريد اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه لإستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه لشهود غيره ألبتة لكن هذا لنقصه لا لكماله والكمال وراء ذلك فلا أحد أعظم محبة لله عز وجل من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من هذه الحال وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما (18/30) ________________________________________ ص -151- عن الآخر للناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص حتى إن من العارفين من لا يعتد بهذه العبادة ويرى وجودها عدما هي بمنزلة عبودية النائم وزائل العقل لا يعتد بها ولم يبعد هذا القائل. فالحق تعالى مراده من عبده: استحضار عبوديته لا الغيبة عنها والعامل على الغيبة عنها عامل على مراده من الله وعلى حظه والتنعم بالفناء في شهوده لا على مراد الله منه وبينهما ما بينهما. فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ولا شعور له بعبوديته ألبتة؟ بل حقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} علما ومعرفة وقصدا وإرادة وعملا وهذا مستحيل في وادي الفناء ومن له ذوق يعرف هذا وهذا. قوله: "وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا". لما كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم والمعرفة في المعروف والعيان فوق العلم والمعرفة إذنسبته إلى العلم كنسبة المرئي إليه كان الفناء في هذه المرتبة فناء عيانه في معاينه ومحو أثره واضمحلال رسمه. قوله: "وفناء الطلب في الموجود وهو الفناء حقا". يريد: أنه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلب لأنه قد ظفر بموجوده ومطلوبه وطلب الموجود محال لأنه إنما يطلب المفقود عن العيان لا الموجود فإذا استقرت في عيانه وشهوده فنى الطلب حقا. قوله: "الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه". يريد أن الطلب يسقط فيشهد العبد عدمه فهاهنا أمور ثلاثة مترتبة أحدها فناء الطلب وسقوطه ثم شهود سقوطه ثم سقوط شهوده. فهذا هو فناء شهود الطلب لإسقاطه. (18/31) ________________________________________ ص -152- وأما فناء شهود المعرفة لإسقاطها فيريد به: أن المعرفة تسقطه في شهود العيان إذ هو فوقها وهي تفنى فيه فيشهد سقوطها في العيان ثم يسقط شهود سقوطها. وصاحب المنازل يرى أن المعرفة قد يصحبها شيء من حجاب العلم ولا يرتفع ذلك الحجاب إلا بالعيان فحينئذ تفنى في حقه المعارف فيشهد فناءها وسقوطها ولكن عليه بعد بقية لا تزول عنه حتى يسقط شهود فنائها وسقوطها منه فالعارف يخالطه بقية من العلم لا تزول إلا بالمعاينة والمعاين قد يخالطه بقية من المعرفة لا تزول إلا بشهود سقوطها ثم سقوط شهود هذا السقوط. وأما "فناء شهود العيان لإسقاطه" فيعني أن العيان أيضا يسقط فيشهد العبد ساقطا فلا يبقى إلا المعاين وحده. قال الإتحادي: "هذا دليل على أن الشيخ يرى مذهب أهل الوحدة لأن العيان إنما يسقط في مبادى حضرة الجمع لأنه يقتضي ثلاثة أمور: معاين ومعاين ومعاينة وحضرة الجمع تنفى التعداد". وهذا كذب على شيخ الإسلام وإنما مراده: فناء شهود العيان فيفنى عن مشاهدة المعاينة ويغيب بمعاينه عن معاينته لأن مراده: انتفاء التعدد والتغاير بين المعاين والمعاين وإنما مراده انتفاء الحاجب عن درجة الشهود لا عن حقيقة الوجود ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة منه يدخلون. وفرق بين إسقاطه الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني فشيخ الإسلام بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم. وأما أهل الوحدة فمرادهم: أن حضرة الجمع والوحدة تنفى التعدد والتقييد في الشهود والوجود بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة لا بل ذلك هو نفس العين الواحدة وإنما العلم والعقل والمعرفة حجب بعضها أغلظ من (18/32) ________________________________________ ص -153- بعض ولا يصير السالك عندهم محققا حتى يخرق حجاب العلم والمعرفة والعقل فحينئذ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيد بقيد ولا تختص بوصف. قوله: "الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء:. أي يشهد فناء كل ما سوى الحق تعالى في وجود الحق ثم يشهد الفناء قد فنى أيضا ثم يفنى عن شهود الفناء فذلك هو الفناء حقا. وقوله: "شائما برق العين". يعني ناظرا إلى عين الجمع فإذا شام برقه من بعد انتقل من ذلك إلى ركوب لجة بحر الجمع وركوبه إياها هو فناؤه في جمعه. ويعني بالجمع: الحقيقة الكونية القدرية التي يجتمع فيها جميع المتفرقات وتشمير القوم إلى شهودها والإستغراق والفناء فيها هو غاية السلوك والمعرفة عندهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى أن العبد لا يدخل بهذا الفناء والشهود في الإسلام فضلا أن يكون به من المؤمنين فضلا أن يكون به من خاصة أولياء الله المقربين فإن هذا شهود مشترك لأمر أقر به عباد الأصنام وسائر أهل الملل: أنه لا خالق إلا الله قال الله تعالى 39:38 {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 43:87 {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فالإستغراق والفناء في شهود هذا القدر غاية التحقيق لتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب وتميز به أولياء الله من أعدائه وهو أن لا يعبد إلا الله ولا يحب سواه ولا يتوكل على غيره. والفناء في هذا التوحيد: هو فناء خاصة المقربين كما سيأتي إن شاء الله. فصل إذا عرفت مراد القوم بالفناء فنذكر أقسامه ومراتبه وممدوحه ومذمومه ومتوسطه. (18/33) ________________________________________ ص -154- فاعلم أن (الفناء) مصدر فَنِيَ فَنَاءً إِذَا اضْمَحَلَّ وتَلاَشَى وعُدِم وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كا قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ فان وقال تعالى 55:26 {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} أي هالك ذاهب ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات. وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معان الفناء عن وجود السوى والفناء عن شهود السوى والفناء عن إرادة السوى. فأما الفناء عن وجود السوى: فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ماثم غير وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفى التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار فلا يشهد غيرا أصلا بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد. وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد وهو الواجب بنفسه ماثم وجودان ممكن وواجب ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده وليس عندهم فرقان بين (العالمين) و(رب العالمين) ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم والأمر والنهي تلبيس عندهم والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاص ما دام في مقام الفرق فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية بل ارتفعت الطاعات والمعاصي لأنها تستلزم اثنينية وتعددا وتستلزم مطيعا ومطاعا وعاصيا ومعصيا وهذا عندهم محض الشرك والتوحيد المحض يأباه فهذا فناء هذه الطائفة. وأما الفناء عن شهود السوى: فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية (18/34) ________________________________________ ص -155- المتأخرين ويعدونه غاية وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه: وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه. وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه وبمشهوده عن شهوده. وقد يسمى حال مثل هذا سكرا واصطلاحا ومحوا وجمعا وقد يفرقون بين معاني هذا الأسماء وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به فيظن أنه اتحد به وامتزح بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه نفسه في الماء فألقى المحب نفسه وراءه فقال له مال الذي أوقعك في الماء؟ فقال: "غبت بك عني فظننت أنك أني". وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ذاتها فالرب رب والعبد عبد والخالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولكن في حال السكر والمحو والإصطلام والفناء: قد يغيب عن هذا التمييز وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: "سبحاني" أو "ما في الجبة إلا الله" ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة. وهذا الفناء يحمد منه شيء ويذم منه شيء ويعفى منه عن شيء. فيحمد منه: فناؤه عن حب ما سوى الله وعن خوفه ورجائه والتوكل (18/35) ________________________________________ ص -157- صاحب الفناء الثالث أكمل منهما فزوال العقل والتمييز والغيبة عن شهود نفسه وأفعالها لا يحمد فضلا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال بل يذم إذا تسبب إليه وباشر أسبابه وأعرض عن الأسباب التي توجب له التمييز والعقل ويعذر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاء بأن كان مغلوبا عليه كما يعذر النائم والمغمى عليه والمجنون والسكران الذي لا يذم على سكره كالموجر والجاهل بكون الشراب مسكرا ونحوهما. وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين بل هي عارضة لبعضهم منهم من يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى فإن الصحابة رضي الله عنهم وهم سادات العارفين وأئمة الواصلين المقربين وقدوة السالكين لم يكن منهم من ابتلى بذلك مع قوة إرادتهم وكثرة منازلاتهم ومعاينة مالم يعاينه غيرهم ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم. ولا كان هذا أيضا لنبينا ﷺ ولا حالا من أحواله ﷺ ولهذا في ليلة المعراج لما أسرى به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال بل كان كما وصفه الله عز وجل بقوله 53:17، 18 {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} وقال {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} وقال ابن عباس: (18/36) ________________________________________ ص -158- "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به" ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله ولم يعرض له صعق ولا غشى يخبرهم عن تفصيل ما رأى غير فان عن نفسه ولا عن شهوده ولهذا كانت حاله أكمل من حال موسى ابن عمران لما خر صعقا حين تجلى ربه للجبل وجعله دكا. فصل وهذا الفناء له سببان. أحدهما: قوة الوارد وضعف المورود وهذا لا يذم صاحبه الثاني: نقصان العلم والتمييز وهذا يذم صاحبه لاسيما إذا أعرض عن العلم الذي يحول بينه وبين هذا الفناء وذمه وذم أهله ورأى ذلك عائقا من عوائق الطريق فهذا هو المذموم المخوف عليه. ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم وحذروا من السلوك بلا علم وأمروا بهجر من هجر العلم وأعرض عنه وعدم القبول منه لمعرفتهم بمآل أمره وسوء عاقبته في سيره وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم وسيره على جادة الذوق والوجد ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذا فتنته والفتنة به شديدة وبالله التوفيق. فصل وأصل هذا الفناء: الإستغراق في توحيد الربوبية وهو رؤية تفرد الله بخلق الأشياء وملكها واختراعها وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه وكونه فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها ومشيئته لها وقدرته عليها وشمول قيوميته وربوبيته لها ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله لهذا وبغضه لهذا وأمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين. (18/37) ________________________________________ ص -159- فلا يشهد التفرقة في الجمع وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية تفرقة موجب الإلهية في جمع الربوبية تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة الكونية تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه ولا يشهد الكثرة في الوجود وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذات الموصوفة بها. فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته. فهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وكل اسم له صفة وللصفة حكم فهو سبحانه واحد الذات كثير الأسماء والصفات فهذه كثرة في وحدة. والفرق بين مأموره ومنهيه ومحبوبه ومبغوضه ووليه وعدوه: تفرقة في جمع فمن لم يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء الله العارفين بل إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص وإن جحدها أو شيئا منها فكفر صريح أو بتأويل مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي أو جمع القضاء والقدر أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات. فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر وليعرف قدره فإنه مجامع طرق العالمين وأصل تفرقتهم قد ضبطت لك معاقده وأحكمت لك قواعده وبالله التوفيق. وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار واقتحم البحار وعرض له ما يعرض لسالك القفر وراكب البحر ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه فهو بمعزل عن هذا فإن عرف قدره وكفى الناس شره فهذا يرجى له السلامة وإن عدا طوره وأنكر ما لم يعرفه وكذب بما لم يحط به علما ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ويرضى بما رضى هو به لنفسه فذلك الظالم الجاهل الذي ما ضر إلا نفسه ولا أضاع إلا حظه. (18/38) ________________________________________ ص -160- فصل ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب ومهالك لا ينجيه منها إلا بصيرة العلم التي إن صحبته في سيره وإلا فبسبيل من هلك. منها: أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر والنهي لتشويشه على الفناء ونقضه له والفناء عنده غاية العارفين ونهاية التوحيد فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله من أمر ونهي أو غيرهما ويصرح بعضهم بأنه إنما يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة وأما من لم يشهدها فالأمر والنهي لازمان له ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه الفناء في توحيد أهل الشرك الذي أقروا به ولم يكونوا به مسلمين ألبتة كما قال تعالى 39:38 {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقال: 23:83، 89 {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} وقال تعالى 12:106 {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قال ابن عباس: "تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره". ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده: انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه إذ لم يتميز عنده ما أمر الله به مما نهى عنه ولم يفرق بين أولياء الله وأعدائه ولا بين محبوبه ومبغوضه ولا بين المعروف والمنكر وسوى بين المتقين والفجار والطاعة والمعصية بل ليس عنده في الحقيقة إلا طاعة لإستواء الكل في الحقيقة التي هي المشيئة العامة الشاملة. ثم صاحب هذا المقام: يظن أنه صاحب الجمع والتوحيد وأنه وصل إلى عين الحقيقة وإنما وصل (18/39) ________________________________________ المسكين إلى الحقيقة الشاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده (18/40) ________________________________________ ص -161- أجمعون وكل كافر ومشرك وفاجر فإن هؤلاء كلهم تحت الحقيقة الكونية القدرية فغاية صاحب هذا المشهد وصوله إلى أن يشهد استواء هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياء الله وخاصة عباده في هذه الحقيقة ومع هذا فلا بد له من الفرق والموالاة والمعاداة ضرورة فينسلخ عن الفرق الشرعي ويعود إلى الفرق الطبعي النفسي بهواه وطبعه إذ لا بد أن يفرق بين ما ينفعه فيميل إليه وما يضره فيهرب منه فبينا هو منكر على أهل الفرق الشرعي ناكبا عن طريقتهم إلى عين الجمع إذ انتكس وارتكس وعاد إلى الفرق الطبعي النفسي فيوالي ويعادي ويحب ويبغض بحسب هواه وإرادته. فإن الفرق أمر ضروري للإنسان فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا فلا بد له من قانون يفرق به إما سياسة سائس فوقه أو ذوق منه أو من غيره أو رأى منه أو من غيره أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به فلا بد من التفريق بأحد هذه الوجوه. فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق وليزن به إيمانه قبل أن يوزن وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب وليستبدل الذهب بالخزف والدر بالبعر والماء الزلال بالسراب الذي 24:39 {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} قبل أن يسأل الرجعة إلى دار الصرف فيقال هيهات! اليوم يوم الوفاء وما مضى فقد فات أحصي المستخرج والمصروف وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف. وأصحاب هذه الحقيقة: أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى الله إضافة المحبة والرضى وجعلوها عين المشيئة والخلق ضاهؤا الذين قال الله تعالى فيهم 16:35 {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ (18/41) ________________________________________ مِنْ شَيْءٍ} وقولهم عن آلهتهم 43.:20 (18/42) ________________________________________ ص -162- {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} وقوله {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فاحتجوا بإقرار الله لهم قدرا وكونا على رضاه ومحبته وأمره وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم وبينه ولما أقرهم عليه فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه وورثهم من سوى بين المخلوقات ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني. وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه وما بعث به رسله بقضائه وقدره فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي وكلا الطائفتين أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره. وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات وأن المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان بل أعظم أصوله فردت قضاء الله وقدره الشامل العام بأمره ونهيه. فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما وخبرا وسلوكا وحقيقة وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام تنكشف لك أسرار العالمين وتعلم أين أنت وأين مقامك وتعرف ما جنى هذا الجمع وهذا الفناء على الإيمان وما خرب من القواعد والأركان وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في القرآن فرق في جمع وكثرة في وحدة كما تقدم بيانه وأن أولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه أصحاب الفرق في الجمع فيقومون بالفرق بين ما يحبه الله ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ويواليه ويعاديه علما وشهودا وإرادة وعملا مع شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره ومشيئته الشاملة العامة فيؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة. فحظ الحقيقة الدينية: القيام بأمره ونهيه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه وموالاة من والاه ومعادات من عاداه وأصل ذلك الحب فيه والبغض فيه. وحظ الحقيقة الكونية: إفراده بالإفتقار إليه والإستعانة (18/43) ________________________________________ به والتوكل عليه (18/44) ________________________________________ ص -163- والإلتجاء إليه وإفراده بالسؤال والطلب والتذلل والخضوع والتحقق بأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يملك أحد سواه لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مقلب القلوب فقلوبهم ونواصيهم بيده وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه. فلهذه الحقيقة عبودية ولهذه الحقيقة عبودية ولا تبطل إحداهما الأخرى بل لا تتم إلا بها ولا تتم العبودية إلا بمجموعها وهذا حقيقة قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بخلاف من أبطل حقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بحقيقة {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وقال: "إنها جمع و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فرق وقد يغلو في هذا المشهد فلا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة ويصرح بذلك ويقول العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة لإستبصاره بسر القدر. ومنهم من يقول: حقيقة هذا المشهد: أن يشهد الوجود كله حسنا لا قبيح فيه وأفعالهم كلها طاعات لا معصية فيها لأنهم وإن عصوا الأمر فهم مطيعون المشيئة ويقولون: أصبحت منفعلا لما تختاره منى ففعلى كله طاعات ويقول قائلهم: "من شهد الحقيقة سقط عنه الأمر" ويحتجون بقوله تعالى 15:99 {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ويفسرون اليقين بشهود الحكم الكوني وهي الحقيقة عندهم. (18/45) ________________________________________ ص -164- ولا ريب أن العامة خير من هؤلاء وأصح إيمانا فإن هذا زندقة ونفاق وكذب منهم على أنفسهم ونبيهم وإلههم. أما كذبهم على أنفسهم: فإنهم لا بد أن يفرقوا قطعا فرغبوا عن الفرق النبوي والقرآني ووقعوا في الفرق النفسي الطبعي مثل حال إبليس تكبر عن السجود لآدم ورضى لنفسه بالقيادة لفساق ذريته ومثل المشركين تكبروا عن عبادة الله الحي القيوم ورضوا لأنفسهم بعبادة الأحجار والأشجار والموتى والأوثان ومثل أهل البدع تكبروا عن تقليد النصوص وتلقى الهدى من مشكاتها ورضوا لأنفسهم بتقليد أقوال مخالفة للفطرة والعقل والشرع وظنوها قواطع عقليه وقدموها على نصوص الأنبياء وهي في الحقيقة شبهات مخالفة للسمع والعقل. ومثل الجهمية نزهوا الرب عن عرشه وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمامات وقالوا هو في كل مكان بذاته ونزهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله حذرا بزعمهم من التشبيه فشبهوه بالجامدات الناقصة الخسيسة التي لا تتكلم ولا سمع لها ولا بصر ولا علم ولا حياة بل شبهوه بالمعدومات الممتنع وجودها. ومثل المعطلة الذين قالوا: "ما فوق العرش إلا العدم وليس فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا ترتفع الأيدي إليه ولا رفع المسيح إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا أسرى برسول الله ﷺ إليه ولا دنى منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يراه أهل الجنة من فوقهم يوم القيامة واستواؤه على (18/46) ________________________________________ ص -165- عرشه لا حقيقة له بل على المجاز الذي يصح نفيه وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف لا بالذات وكذلك فوقيته فوقية قهر لا فوقية ذات" فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته ووصفوه بما ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل فقالوا: "لا هو داخل العلم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين له ولا هو فينا ولا خارج عنا. ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم: "صف لنا العدم لوصفه بهذا بعينه". وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه على رب العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو بائن من خلقه مستو على عرشه عال على كل شيء وفوق كل شيء. والقصد: أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد حتى في الأعمال من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده فابتلى بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم. وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمه الخلق ولا بد. وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار. فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في نفسه وفي غيره. ولا ريب أن العامة مع غفلتهم وشهواتهم أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا الأمر والنهي فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة خير من شهود وجمعية يصحبها فساد الإيمان والإنسلاخ منه. وأما كذبهم على نبيهم: فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات (18/47) ________________________________________ ص -166- لأجل التشريع لا لأنها فرض عليه إذ قد سقط ذلك عنه بشهود الحقيقة وكمال اليقين فإن الله عز وجل أمره وأمر سائر رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم فقال 15:99 {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وهو الموت بالإجماع كما قال في الآية الأخرى عن الكفار 74:46، 47 {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} وقال ﷺ: "أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه" قاله لما مات عثمان وقال المسيح 19:39، 31 {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} فهذه وصية الله للمسيح وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم قال الحسن: "لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت". وإذا جمع هؤلاء التجهم في الأسماء والصفات إلى شهود الحقيقة والوقوف عندهم فأعاذك الله من تعطيل الرب وشرعه بالكلية فلا رب يعبد ولا شرع يتبع بالكلية. ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسير طرفه بين تلك المعالم وليقف على تلك المعاهد وليسأل الأحوال والرسوم والشواهد فإن لم تجبه حوارا أجابته حالا واعتبارا وإنما يصدق بهذا من رافق السالكين وفارق القاعدين وتبوأ الإيمان وفارق عوائد أهل الزمان ولم يرض بقول القائل: دع المعالي لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فصل الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوي شائما (18/48) ________________________________________ ص -167- برق الفناء عن إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه على مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتحد مراده بمراد محبوبه أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحدا. وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والإتحاد في العلم والخبر فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين فغاية المحبة: اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب. فهذا الإتحاد والفناء: هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه. ومن تحقيق هذا الفناء: أن لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له ولا يرجو إلا إياه ولا يستعين إلا به فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل: يعادي الذي عادى الناس كلهم جميعا ولو كان الحبيب المصافيا وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضى ربه وحقوقه. والجامع لهذا كله: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا. وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة: هو الفناء والبقاء فيفنى عن تأليه ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ويبقى بتألهيه وحده. (18/49) ________________________________________ ص -168- فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحد الذي عليه المرسلون وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقام عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر. وحقيقته أيضا: البراء والولاء البراء من عبادة غير الله والولاء لله كما قال تعالى 60:4 {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقال 43:26، 27 {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} وقال أيضا 6:78، 79 {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقال الله تعالى لرسوله ﷺ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخرها وهذه براءة منهم ومن معبودهم وسماها براءة من الشرك. وهي حقيقة المحو والإثبات فيمحو محبة ما سوى الله عز وجل من قلبه علما وقصدا وعبادة كما هي ممحوة من الوجود ويثبت فيه إلهيته سبحانه وحده. وهي حقيقة الجمع والفرق فيفرق بين الإله الحق وبين من ادعيت له الإلهية بالباطل ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إلهه الحق الذي لا إله سواه. وهي حقيقة التجريد والتفريد فيتجرد عن عبادة ما سواه ويفرده وحده بالعبادة فالتجريد نفي والتفريد إثبات ومجموعهما هو التوحيد. فهذا الفناء والبقاء والولاء والبراء والمحو والإثبات والجمع والتجريد (18/50) ________________________________________ ص -169- والتفريد المتعلق بتوحيد الإلهية: هو النافع المثمر المنجى الذي به تنال السعادة والفلاح. وأما تعلقه بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون عباد الأصنام فغايته فناء في تحقيق توحيد مشترك بين المؤمنين والكفار وأولياء الله وأعدائه لا يصير به وحده الرجل مسلما فضلا عن كونه عارفا محققا. وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أكابر الشيوخ وأصحاب الإرادة ممن غلظ حجابه والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة. فصل فلنرجع إلى ذكر منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} التي لا يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها. فذكرنا منها (اليقظة) و(البصيرة) و(الفكرة) و(العزم). وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان وعليها مدار منازل السفر إلى الله ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها ألبتة وهي على ترتيب السير الحسي فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر ثم يتبصر في أمر سفره وخطره وما فيه من المنفعة له والمصلحة ثم يفكر في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته ثم يعزم عليه فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة وهي التمييز بين ماله وعليه فيستصحب ماله ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود. ومن منزلة (المحاسبة) يصح له نزول منزلة (التوبة) لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه وهي حقيقة التوبة فكان تقديم (المحاسبة) عليها لذلك أولى. ولتأخيرها عنها وجه أيضا وهو أن (المحاسبة) لا تكون إلا بعد تصحيح التوبة. (18/51) ________________________________________ ص -170- والتحقيق: أن التوبة بين محاسبتين محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها فالتوبة محفوفة بمحاسبتين وقد دل على المحاسبة قوله تعالى 59:18 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد} فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟. والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه من كمال الإستعداد ليوم المعاد وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيض وجهه عند الله وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} أو قال: "على من لا تخفى عليه أعمالكم". قال صاحب المنازل "المحاسبة لها ثلاثة أركان: أحدها: أن تقايس بين نعمته وجنايتك". يعني تقايس بين ما من الله وما منك فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك وبربوبية فاطرها وخالقها فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها الجاهلة الظالمة وأنه لولا فضل الله ورحمته لتزكيته لها ما زكت أبدا ولولا هداه ما اهتدت ولولا إرشاده وتوقفه لما كان لها وصول إلى خير ألبتة وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده فكما أنها ليس لها (18/52) ________________________________________ ص -171- من ذاتها كمال الوجود فليس لها من ذاتها إلا العدم عدم الذات وعدم الكمال فهناك تقول حقا "أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي". ثم تقايس بين الحسنات والسيئات فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة. وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة. قال: "وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء نور الحكمة وسوء الظن بالنفس وتمييز النعمة من الفتنة". يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة وهو النور الذي نور الله به قلوب أتباع الرسل وهو نور الحكمة فبقدره ترى التفاوت وتتمكن من المحاسبة. ونور الحكمة ههنا: هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل والهدى والضلال والضار والنافع والكامل والناقص والخير والشر ويبصر به مراتب الأعمال راجحها ومرجوحها ومقبولها ومردودها وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم. وأما سوء الظن بالنفس: فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه فيرى المساوىء محاسن والعيوب كمالا فإن المحب يرى مساوىء محبوبه وعيوبه كذلك. فعين الرضى عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه. وأما تمييز النعمة من الفتنة فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية وبين النعمة التي يرى بها الإستدراج فكم (18/53) ________________________________________ ص -172- من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر مفتون بثناء الجهال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح ذلك مبلغهم من العلم. فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة والمحنة في صورة المنحة فليحذر فإنما هو مستدرج ويميز بذلك أيضا بين المنة والحجة فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى‍!. فإن العبد بين منة من الله عليه وحجة منه عليه ولا ينفك عنهما فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته قال الله تعالى 3:164 {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وقال 49:17 {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} وقال 6:149 {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}. والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا بإتصال الحكم الديني به فهو منة عليه وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه. وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني فتوفيقه للقيام به منة منه عليه وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه فالمنة: باقتران أحد الحكمين بصاحبه والحجة في تجرد أحدهما عن الآخر فكل علم صحبه عمل يرضى الله سبحانه فهو منة وإلا فهو حجة. وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة وإلا فهي حجة. وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منة منه وإلا فهو حجة. وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو منة من الله عليه وإلا فهو حجة. (18/54) ________________________________________ ص -173- وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه وإلا فهو حجة. وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منة وإلا فهو حجة. وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد اتصل به عبرة ومزيد في العقل ومعرفة في الإيمان فهي منة وإلا فهي حجة. وكل حال مع الله تعالى أو مقام اتصل به السير إلى الله وإيثار مراده على مراد العبد فهو منة من الله وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به وإيثار مقتضاه من لذة النفس به وطمأنيتها إليه وركونها إليه فهو حجة من الله عليه. فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ويميز بين مواقع المنن والمحن والحجج والنعم فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك 2:213 {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فصل الركن الثاني من أركان المحاسبة. وهي أن تميز ما للحق عليك من وجوب العبودية والتزام الطاعة واجتناب المعصية وبين ما لك وما عليك فالذي لك: هو المباح الشرعي فعليك حق ولك حق فأد ما عليك يؤتك ما لك. ولا بد من التمييز بين ما لك وما عليك وإعطاء كل ذي حق حقه. وكثير من الناس يجعله كثيرا مما عليه من الحق من قسم ماله فيتحير بين فعله وتركه وإن فعله رأى أنه فضل قام به لاحق أداه. وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرا مما له فعله وتركه من قسم ما عليه فعله أو تركه (18/55) ________________________________________ ص -174- فيتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك حقا عليه أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقا عليه. مثال الأول: من يتعبد بترك النكاح أو ترك أكل اللحم أو الفاكهة مثلا أو الطيبات من المطاعم والملابس ويرى لجهله أن ذلك مما عليه فيوجب على نفسه تركه أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي ﷺ على من زعم ذلك ففي الصحيح "أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا عن عبادته في السر؟ فكأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا أنام على فراش فبلغ النبي ﷺ مقالتهم فخطب وقال: ما بال أقوام يقول أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم ويقول الآخر أما أنا فلا أتزوج ويقول الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش؟ لكني أتزوج النساء وآكل اللحم وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني" فتبرأ ممن رغب عن سنته وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقادا أن الرغبة عنه وهجره عبادة فهذا لم يميز بين ما عليه وما له. ومثال الثاني: من يتعبد بالعبادات البدعية التي يظنها جالبة للحال والكشف والتصرف ولهذه الأمور لوازم لا تحصل بدونها ألبتة فيتعبد بإلتزام تلك اللوازم فعلا وتركا ويراها حقا عليه وهي حق له وله تركها كفعل الرياضات والأوضاع التي رسمها كثير من السالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحاتهم من غير تمييز بين ما فيها من حظ العبد والحق الذي عليه فهذا لون وهذا لون. (18/56) ________________________________________ ص -175- ومن أركان المحاسبة: ما ذكره صاحب المنازل فقال: "الثالث أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك". رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به. وحاصل ذلك: أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ذلك: من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها. فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها. وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده. وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال 2:198، 199 {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال تعالى 3:17 {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} قال الحسن: "مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل" وفي الصحيح "أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" وأمره الله تعالى بالإستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها وقضاء فرض الحج واقتراب أجله فقال في آخر سورة أنزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ (18/57) ________________________________________ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. (18/58) ________________________________________ ص -176- ومن ههنا فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن هذا أجل رسول الله ﷺ أعلمه به فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ولم يبق عليك شيء فاجعل خاتمته الإستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل وخاتمة الوضوء أيضا أن يقول بعد فراغه "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم. وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله نفسه وعمله؟. ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول: "من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الإفتراء وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولاو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله". فصل وقوله: "وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك". يحتمل أن يريد.به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي ﷺ "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله" قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: "من ذنب قد تاب منه". (18/59) ________________________________________ ص -177- وأيضا: ففي التعيير ضرب خفى من الشماتة بالمعير وفي الترمذي أيضا مرفوعا "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك". ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها والإعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله وما أقرب هذا المدل من مقت الله فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا فإن المعجب لا يصعد له عمل وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر. فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطلع عليه الكرام الكاتبون وقد قال النبي ﷺ: "إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يُثَّرِبْ" أي لا يعير من قول يوسف عليه السلام لإخوته 12:92 {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} فإن الميزان بيد الله والحكم لله فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة 12:33 {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} وقال يوسف الصديق: 12:33 {وَإِلاَّ تَصْرِفْ (18/60) ________________________________________ ص -178- عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} وكانت عامة يمين رسول الله ﷺ "لا وَمُقَلِّبِ القُلُوب" وقال: "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه" ثم قال: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك". فصل مقام (التوبة) فإذا صح هذا المقام ونزل العبد في هذه المنزلة أشرف منها على (مقام التوبة) لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ماله مما عليه فليجمع همته وعزمه على النزول فيه والتشمير إليه إلى الممات. ومنزل (التوبة) أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى 24:31 {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه وأتى بأداة (لعلّ) المشعرة بالترجي إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم. قال تعالى 49:11 {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قسم العباد إلى تائب وظالم وما ثم قسم ثالث ألبتة وأوقع اسم (الظالم) على من لم يتب ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم "رب (18/61) ________________________________________ ص -179- اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة" وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلى آخرها إلا قال فيها: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" وصح عنه ﷺ أنه قال: "لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقه جلاله من العبودية وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها. فصل ولما كانت (التوبة) هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام وتضمنتها أبلغ تضمن فمن أعطى الفاتحة حقها علما وشهودا وحالا معرفة علم أنه لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والإعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا. قال في المنازل: "وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء: إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه وفرحك عند الظفر به وقعودك على الإصرار عن تداركه مع تيقنك نظر الحق إليك". يحتمل أن يريد بالإنخلاع عن العصمة: انخلاعه عن اعتصامه بالله فإنه لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة قال الله تعالى 3:101 {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدا قال الله تعالى (18/62) ________________________________________ ص -180- 22:78 {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} أي متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج فالنصر على هذا العدو أهم والعبد إليه أحوج وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الإعتصام بالله. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى بعد هذا في حقيقة الإعتصام وأن الإيمان لا يقوم إلا به. ويحتمل أن يريد الإنخلاع من عصمة الله له وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد إنخلاعك من توبة عصمته لك فمتى عرف هذا الإنخلاع وعظم خطره عنده واشتدت عليه مفارقته وعلم أن الهلك كل الهلك بعده وهو حقيقة الخذلان فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا. فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلى بينك وبينها والتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك وله سبحانه في هذه التخلية بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته حكم وأسرار سنذكر بعضها. وعلى الإحتمالين فترجع (التوبة) إلى اعتصامك به وعصمته لك. قوله: "وفرحك عند الظفر به". الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ففرحه بها غطى عليه ذلك كله وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ولا يكمل بها فرحه بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ومتى خلي قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ولا يحس القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام. (18/63) ________________________________________ ص -181- وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها وهي موضع مخوف جدا مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء خوف من الموافاة عليه قبل التوبة وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره وتشمير للجد في استدراكه. قوله: "وقعودك على الإصرار عن تداركه". الإصرار: هو الإستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير وهذا من عقوبة الذنب: أنه يوجب ذنبا أكبر منه ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى والقعود عن تدراك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك وأشد من هذا كله: المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية فهو دائر بين الأمرين: بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه وبين الكفر والإنسلاخ من الدين فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن الله كان ناظرا ولا يزال إليه مطلعا عليه يراه جهرة عند مواقعة الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من سلم إلا أن يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الرب جل جلاله. (18/64) ________________________________________ ص -182- قال: "وشرائط التوبة ثلاثة: الندم والإقلاع والإعتذار". فحقيقة التوبة: هي الندم على ما سلف منه في الماضي والإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل. والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة فإنه في ذلك الوقت يندم ويقلع ويعزم. فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة. ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له. فأما الندم: فإنه لا تتحقق التوبة إلا به إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وفي المسند: "الندم توبة". وأما الإقلاع: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وأما الإعتذار: ففيه إشكال فإن من الناس من يقول من تمام التوبة ترك الإعتذار فإن الإعتذار محاجة عن الجناية وترك الإعتذار اعتراف بها ولا تصح التوبة إلا بعد الإعتراف وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه وقد عتب عليه في شيء: وما قابلت عتبك بإعتذار ولكني أقول كما تقول وأطرق باب عفوك بإنكسار ويحكم بيننا الخلق الجميل فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره وأزال عتبه عيه فتمام الإعتراف ترك الإعتذار بأن يكون في قلبه ولسانه اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر ولا قوة لي فأنتصر ولكني مذنب مستغفر اللهم لاعذر لي وإنما هو محض حقك ومحض جنايتي فإن عفوت وإلا فالحق لك. والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل: أنه أراد بالإعتذار إظهار الضعف والمسكنة وغلبة العدو وقوة سلطان النفس وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ولا جهلا به ولا إنكارا لإطلاعك ولا استهانة بوعيدك وإنما كان (18/65) ________________________________________ ص -183- من غلبة الهوى وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك وحسن ظن بك ورجاء لكرمك وطمعا في سعة حلمك ورحمتك وغرني بك الغرور والنفس الأمارة بالسوء وسترك المرخي علي وأعانني جهلي ولا سبيل إلى الإعتصام لي إلا بك ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ونحو هذا من الكلام المتضمن للإستعطاف والتذلل والإفتقار والإعتراف بالعجز والإقرار بالعبودية. فهذا من تمام التوبة وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عز وجل والله يحب من عبده أن يتملق له. وفي الحديث: "تملقوا لله" وفي الصحيح: "لا أحد أحب إليه العذر من الله" وإن كان معنى ذلك الإعذار كما قال في آخر الحديث: "من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" وقال تعالى 77:5، 6 {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً} فإنه من تمام عدله وإحسانه أن أعذر إلى عباده وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الأعذار وإقامة الحجة عليه فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه ويتنصل إليه من ذنبه وفي الحديث: "من اعتذر إلى الله قبل الله عذره" فهذا هو الإعتذار المحمود النافع. وأما الإعتذار بالقدر: فهو مخاصمة لله واحتجاج من العبد على الرب وحمل لذنبه على الأقدار وهذا فعل خصماء الله كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى 3:14 {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} قال أتدرون ما المراد بهذه الآية؟ قالوا: ما المراد بها؟ قال: إقامة أعذار الخليفة. وكذب هذا الجاهل بالله وكلامه وإنما المراد بها التزهيد في هذا الفاني الذاهب والترغيب في الباقي الدائم والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به فيهش إليه ويتحرك له مع أنه لم يذكر فاعل (18/66) ________________________________________ ص -184- التزيين فلم يقل (زينا للناس) والله تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين كما قال تعالى 6:43 {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} وفي الحديث: "بعثت هاديا وداعيا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مغويا ومزينا وليس إليه من الضلالة شيء" ولا يناقض هذا قوله تعالى 6:108 {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا وإلى الشيطان تسببا مع أن تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زينه الشيطان لهم فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة: الحسنة بعدها. والمقصود: أن الإحتجاج بالقدر مناف للتوبة وليس هو من الإعتذار في شيء وفي بعض الآثار: "إن العبد إذا أذنب فقال: يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرت عليّ وأنت حكمت عليّ وأنت كتبت عليّ يقول الله عز وجل وأنت عملت وأنت كسبت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه وإذا قال: يا رب أنا ظلمت وأنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله عز وجل وأنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال: يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعمت يقول الله عز وجل وأنا اعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني ووفقتني وأنت مننت علي يقول الله وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها". فالإعتذار اعتذاران: اعتذار ينافي الإعتراف فذلك مناف للتوبة واعتذار يقرر الإعتراف فذلك من تمام التوبة. قال صاحب المنازل: "وحقائق التوبة ثلاثة أشياء: تعظيم الجناية واتهام التوبة وطلب أعذار الخليقة". يريد بالحقائق: ما يتحقق به الشيء وتتبين به صحته وثبوته كما قال النبي ﷺ لحارثة "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟". (18/67) ________________________________________ ص -185- فأما تعظيم الجناية: فإنه إذا استهان بها لم يندم عليها وعلى قدر تعظيمها يكون ندمه على ارتكابها فإن من استهان فإضاعة فلس مثلا لم يندم على إضاعته فإذا علم أنه دينار اشتد ندمه وعظمت إضاعته عنده. وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء: تعظيم الآمر وتعظيم الأعمر والتصديق بالجزاء. وأما اتهام التوبة: فلأنها حق عليه لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤديه عليه فيخاف أنه ما وفاها حقها وأنها لم تقبل منه وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة وهو لا يشعر بها كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس أو أنه تاب محافظة على حاله فتاب للحال لا خوفا من ذي الجلال أو أنه تاب طلبا للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه أو لضعف داعي المعصية في قلبه وخمود نار شهوته أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من الله وتعظيما له ولحرماته وإجلالا له وخشية من سقوط المنزلة عنده وعن البعد والطرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة فهذه التوبة لون وتوبة أصحاب العلل لون. ومن اتهام التوبة أيضا: ضعف العزيمة والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة وتذكر حلاوة مواقعته فربما تنفس وربما هاج هائجه. ومن اتهام التوبة: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه قد أعطي منشورا بالأمان فهذا من علامات التهمة. ومن علاماتها: جمود العين واستمرار الغفلة وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة. فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات. (18/68) ________________________________________ ص -186- منها: أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبلها. ومنها: أنه لايزال الخوف مصاحبا له لا يأمن مكر الله طرفة عين فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه 41:30 {أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فهناك يزول الخوف. ومنها: انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى 9:110 {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُم} قال: "تقطعها بالتوبة" ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفا من سوء عاقبته فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفا تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد وإنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا كحال عبد جان آبق من سيده فأخذ فأحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء ولا منه مهربا وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه وما أعظم جبره بها وما أقر به بها من سيده فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين (18/69) ________________________________________ ص -187- يديه والإستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: "أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه". يامن ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوى وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذروات: في الكبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ويعرفه قدره ويذله بها ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم وإلا فكلاهما على خطر. (18/70) ________________________________________ ص -188- فصل وأما طلب أعذار الخليقة فهذا له وجهان وجه محمود ووجه مذموم حرام فالمذموم أن تطلب أعذارهم نظرا إلى الحكم القدري وجريانه عليهم شاءوا أم أبوا فتعذرهم بالقدر. وهذا القدر ينتهي إليه كثير من السالكين الناظرين إلى القدر الفانين في شهوده وهو كما تقدم درب خطر جدا قليل المنفعة لا ينجي وحده. وأظن هذا مراد صاحب المنازل لأنه قال بعد ذلك: "مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم". وهذا الشهود شهود ناقص مذموم إن طرده صاحبه فعذر أعداء الله وأهل مخالفته ومخالفة رسله وطلب أعذارهم كان مضادا لله في أمره عاذرا من لم يعذره الله طالبا عذر من لامه الله وأمر بلومه وليست هذه موافقة لله بل موافقته لوم هذا واعتقاد أنه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر فالله عز وجل قد أعذر إليه وأزال عذره بالكلية ولو كان معذورا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه ألبتة فإن الله عز وجل أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب غدر فلا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب إزالة لأعذار خلقه لئلا يكون لهم عليه حجة. ومعلوم أن طالب عذرهم ومصححه مقيم لحجة قد أبطلها الله من جميع الوجوه فلله الحجة البالغة ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز والمعتوه ومن لم تبلغه الدعوة والأصم الأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع فإن الله لا يعذب هؤلاء بلا ذنب ألبتة وله فيهم حكم آخر في المعاد يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم فمن أطاع الرسول منهم أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في مقالاته وفيه عدة أحاديث (18/71) ________________________________________ ص -189- بعضها في مسند أحمد كحديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة. ومن طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لادار تكليف: فهذه الأحاديث مخالفة للعقل فهو جاهل فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار الجنة أو النار وإلا فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات ولهذا يدعوهم إلى السجود له في الموقف فيسجد المؤمنون له طوعا واختيارا ويحال بين الكفار والمنافقين وبين السجود. والمقصود: أنه لا عذر لأحد ألبتة في معصية الله ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من الفعل والترك ولو كان له عذرا لما استحق العقوبة واللوم لا في الدينا ولا في العقبى. فإن قيل: هذا كلام بلسان الحال بالشرع ولو نطقت بلسان الحقيقة لعذرت الخليقة إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضاه وقدره عليهم ولا بد فهم مجار لأقداره وسهامها نافذة فيهم وهم أغراض لسهام الأقدار لا تخطئهم ألبتة ولكن من غلب عليه مشاهدة الحكم الشرعي لم يمكنه طلب العذر لهم ومن غلب عليه مشاهدة الحكم الكوني عذرهم فأنت معذور في الإنكار علينا بحقيقة الشرع ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم وكلانا مصيب. فالجواب من وجوه. أحدها: أن يقال: العذر إن لم يكن مقبولا لم يكن نافعا والإعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر أحد به ولو اعتذر فهو كلام باطل لا يفيد شيئا ألبتة بل يزيد في ذنب الجاني ويغضب الرب عليه وما هذا شأنه لا يشتغل به عاقل. الثاني: أن الإعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته وهو الظالم الجاهل والجهل على القدر نسبة الذنب إليه وتظليمه بلسان الحال (18/72) ________________________________________ ص -190- والقال بتحسين العبارة وتلطيفها وربما غلبه الحال فصرح بالوجد كما قال بعض خصماء الله. ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وقال خصم آخر وضعوا اللحم للبزا ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة أن خلعوا عنهم الرسن لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن وقال خصم آخر. أصبحت منفعلا لما تختاره منى ففعلي كله طاعات وقال خصم آخر شاكيا متظلما إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس لما عصى من كان إبليسه؟. ولخصماء الله ههنا تظلمات وشكايات ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا عاتبا يقول لا أقدر أن أقول شيئا وإني مظلوم في صورة ظالم ويقول بحرقة ويتنفس الصعداء مسكين ابن آدم لا قادر ولا معذور. وقال الآخر: ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضر بها واحد ويردها الآخر وهل تستطيع الكرة الإنتصاف من الصولجان؟. ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر: بأبي أنت وإن أس رفت في هجري وظلمي فجعله هاجرا بلا ذنب ظالما بل مسرفا قد تجاوز الحد في ظلمه ويقول آخر: (18/73) ________________________________________ ص -191- أظلت علينا منك يوما سحابة أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلو فييئس طالب ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها ويقول آخر: يدنو إليك ونقص الحظ يبعده ويستقيم وداعي البين يلويه ويقول خصم آخر: واقف في الماء ظمآ ن ولكن ليس يسقى ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب ويكاد أحدهم يقول يا ظالمي لولا ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها وهذا مالا غاية بعده من الجهل والظلم والإنسان كما قال الله تعالى 33:72 {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} 35:15 {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها وأنها أولى بكل ذم وظلم وأنها مأوى كل سوء و 100:6 {إِنَّ الأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "كفور جحود لنعم الله" وقال الحسن: "هو الذي يعد المصائب وينسى النعم" وقال أبو عبيدة: "هو قليل الخير" والأرض "الكنود" التي لا نبت بها وقيل: التي لا تنبت شيئا من المنافع وقال الفضل ابن عباس: "الكنود: الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان". ولو علم هذا الظالم الجاهل: أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه فهو الحجر في طريق الماء الذي به حياته وهو السكر الذي قد سد مجرى الماء إلى بستان قلبه ويستغيث مع ذلك العطش العطش وقد وقف في طريق الماء ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه عن سر غيبه وهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب فما عليه أضر منه ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه. (18/74) ________________________________________ ص -192- ما تبلغ الأعداء من جاهلما يبلغ الجاهل من نفسه فتبا له ظالما في صورة مظلوم وشاكيا والجناية منه قد جد في الإعراض وهو ينادي طردوني وأبعدوني ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول: دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قصتي يأخذ الشفيق بحجزته عن النار وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها ويستغيث ما حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها والله كم صاح به الناصح الحذر الحذر إياك إياك وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الإقتحام: وكم سقت في آثارها من نصيحة وقد يستفيد الظنة المتنصح يا ويله ظهيرا للشيطان على ربه خصما لله مع نفسه جبري المعاصي قدري الطاعات عاجز الرأي مضياع لفرصته قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون في بعض أمره فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال: "القدر ساقني إلى ذلك" لما قبل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته. فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لا شتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ربك به وتراه عذرا لنفسك فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟. هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس: أزاح عللك ومكنك من التزود إلى جنته وبعث إليك الدليل وأعطاك مؤنة السفر وما تتزود به وما تحارب به قطاع الطريق عليك فأعطاك السمع والبصر والفؤاد وعرفك الخير (18/75) ________________________________________ ص -193- والشر والنافع والضار وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه ويسره للذكر والفهم والعمل وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ويطردونه عنك ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه وهم يكفونك مؤنته وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك قال الله تعالى 18:50 {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} طرد إبليس عن سمائه وأخرجه من جنته وأبعده من قربه إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك عليه فعاداه وأبعده ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد وتقول: عودوني الوصال والوصل عذب ورموني بالصد والصد صعب نعم وكيف لا يطرد من هذه معاملته؟ وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه؟ وكيف يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا؟ قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره. أمره الله بشكره لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله فجعل كفر نعمه والإستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه. وأمره بذكره ليذكره بإحسانه فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له 59:19 {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم} 9:67 {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} أمره بسؤاله ليعطيه فلم يسأله بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه ويتظلم ممن لا يظلمه ويدع من يعاديه ويظلمه إن أنعم عليه بالصحة (18/76) ________________________________________ ص -194- والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه وإن سلبه ذلك ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء العافية تلقيه إلى مساخطه والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه. دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول وقال: لا أبيع ناجزا بغائب ونقدا بنسيئة ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ويقول: خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل فإن وافق حظه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه لا لرضى مرسله لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه. ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال: "متى جئتني قبلتك إن أتيتني ليلا قبلتك وإن أتيتني نهارا قبلتك وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا وإن مشيت إلى هرولت إليك ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ومن أعظم مني جودا وكرما". عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ. من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد. أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل (18/77) ________________________________________ ص -195- كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب. ومن آثرني على سواي آثرته على سواه الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له. أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها "لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت فاستيقظ فإذا هي على رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته". وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها وكذلك موالاته لعبده إحسانا إليه ومحبة له وبرا به لا يتكثر به من قلة ولا يتعزز به من ذلة ولا ينتصر به من غلبة ولا يعده لنائبة ولا يستعين به في أمر 17:111 {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} فنفى أن يكون له ولي من الذل والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه. فهذا شأن الرب وشأن العبد وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على أقداره. استأثر الله بالمحامد والمجد وولي الملامة الرجلا وما أحسن قول القائل: تطوي المراحل عن حبيبك دائبا وتظل تبكيه بدمع ساجم كذبتك نفسك لست من أحبابه تشكو البعاد وأنت عين الظالم (18/78) ________________________________________ ص -196- فصل فهذا أحد المعنيين في قوله: "إن من حقائق التوبة: طلب أعذار الخليقة" وقد ظهر لك بهذا: أن طلب أعذارهم في الجناية عائد على التوبة بالنقض والإبطال. المعنى الثاني: أن يكون مراده إقامة أعذارهم في إساءتهم إليك وجنايتهم عليك والنظر في ذلك إلى الأقدار وأن أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار فتعذرهم بالقدر في حقك لا في حق ربك فهذا حق وهو من شأن سادات العارفين وخواص أولياء الله الكمل لفني أحدهم عن حقه ويستوفي حق ربه ينظر في التفريط في حقه وفي الجناية عليه إلى القدر وينظر في حق الله إلى الأمر فيطلب لهم العذر في حقه ويمحو عنهم العدر ويطلبه في حق الله. وهذه كانت حال نبينا كما قالت عائشة رضي الله عنها: "ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله". وقالت عائشة رضي الله عنها أيضا: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله". وقال أنس رضي الله عنه: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي شيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنعه؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان". فانظر إلى نظره إلى القدر عند حقه وقيامه بالأمر وقطع يد المرأة عند حق الله ولم يقل هناك: القدر حكم عليها. وكذلك عزمه على تحريق المتخلفين عن الصلاة معه في الجماعة ولم يقل: لو قضى لهم الصلاة لكانت. (18/79) ________________________________________ ص -197- وكذلك جمة المرأة والرجل لما زنيا ولم يحتج في ذلك لهما بالقدر. وكذلك فعله في العرنيين الذين قتلوا راعيه واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ولم يقل قدر عليهم بل أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمرت أعينهم وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشا إلى غير ذلك مما يطول بسطه. وكان رسول الله ﷺ أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره ويقبل الإحتجاج به من أحد ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه وقال: "لو قضى شيء لكان" فصلوات الله وسلامه عليه. فهذا المعنى الثاني وإن كان حقا لكن ليس هو من شرائط التوبة ولا من أركانها ولا له تعلق بها فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ذلك شيئا من توبته فما أراد إلا المعنى الأول وقد عرفت ما فيه. ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ويقيم عليهم حكم الأمر فينظر بعين القدر ويعذرهم بها وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ولا ملاحظة القدر عن الأمر. فهذا وإن كان حقا لا بد منه فلا وجه لعذرهم وليس عذرهم من التوبة في شيء ألبتة ولو كان صحيحا فضلا عن كونه باطلا فلا هم معذورون ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة بل التحقيق: أن الغيرة لله والغضب له من حقائق التوبة فتعطيل عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي وشدة الغضب: هو من علامات تعظيم الحرمة وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي. ولا سيما أنه يدخل في هذا: عذر عباد الأصنام والأوثان وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليس وجنوده (18/80) ________________________________________ ص -198- وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟. فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية وجعله الغاية التي يشمر إليها السالكون. ثم أي موافقة للمحبوب في عذر من لا يعذره هو؟ بل قد اشتد غضبه عليه وأبعده عن قربه وطرده عن بابه ومقته أشد المقت؟ فإذا عذرته فهل يكون عذره إلا تعرضا لسخط المحبوب وسقوطا من عينه؟. ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه والكامل من عد خطؤه ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكات. وكيف لا؟ وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال وتحيرت فيه عقول ألباء الرجال ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه. فمنهم: من وقف مطرقا دهشا لا يستطيع أن يملأ منه عينه ولا ينقل عن موقفه قدمه قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه فقال: "الوقوف على الساحل أسلم وليس بلبيب من خاطر بنفسه". ومنهم: من رجع على عقبيه لما سمع هديره وصوت أمواجه ولم يطق نظرا إليه. ومنهم: من رمى بنفسه في لججه تخفضه موجة وترفعه أخرى. فهؤلاء الثلاثة على خطر إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء (18/81) ________________________________________ ص -199- تحت قدميه والهارب ولو جد في الهرب فماله مصير إلا إليه والمخاطر ناظر إلى الغرق كل ساعة بعينيه وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر فلما قربت منهم ناداهم الربان 11:41 {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} فهي سفينة نوح حقا وسفينة من بعده من الرسل من ركبها نجا ومن تخلف عنها الغرقى فركبوا سفينة الأمر بالقدر تجري بهم في تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار فلم يك إلا غفوة حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على وجودي دار القرار. والمتخلفون عن السفينة كقوم نوح أغرقوا ثم أحرقوا ونودي عليهم على رؤوس العالمين 11:44 {وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 11:102 {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} ثم نودي بلسان الشرع والقدر تحقيقا لتوحيده وإثباتا لحجته وهو أعدل العادلين 6:149 {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. فصل وراكب هذا البحر في سفينة الأمر وظيفته مصادمة أمواج القدر ومعارضتها بعضها ببعض وإلا هلك فيرد القدر بالقدر وهذا سير أرباب العزائم من العارفين وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني: "الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا إلاأنا فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون مستسلما مع القدر" ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم؟. والله تعالى أمر أن تدفع السيئة وهي من قدره بالحسنة وهي من قدره وكذلك الجوع من قدره وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره ولو اسئ (18/82) ________________________________________ ص -200- العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات مات عاصيا وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره وأمر بدفعها بأقدار تضادها والدافع والمدفوع والدفع من قدره. وقد أفصح النبي ﷺ عن هذا المعنى كل الإفصاح إذ قالوا: "يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقى بها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله". وفي الحديث الآخر: "إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض". وإذا طرق العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله أفيحل للمسلمين الإستسلام للقدر وترك دفعه بقدر مثله وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره. وكذلك المعصية إذا قدرت عليك وفعلتها بالقدر فادفع موجبها بالتوبة النصوح وهي من القدر. فصل ودفع القدر بالقدر نوعان: أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ولما يقع بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله ودفع الحر والبرد ونحوه. الثاني: دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله كذفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان. فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار لا الإستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم يبق له مجال فهنالك الإستسلام للقدر والأنطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهنا ينفع الفناء في القدر علما وحالا وشهودا وأما في حال (18/83) ________________________________________ ص -201- القدرة وحصول الأسباب فالفناء النافع أن يفنى عن الخلق بحكم الله وعن هواه بأمر الله وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته فهذا الذي قام بحقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} علما وحالا وبالله المستعان. فصل قال صاحب المنازل: "وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء: تمييز التقية من العزة ونسيان الجناية والتوبة من التوبة لأن التائب داخل في (الجميع) من قوله تعالى 24:31 {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فأمر التائب بالتوبة". تمييز التقية من العزة: أن يكون المقصود من التوبة تقوي الله وهو خوفه وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه فيعمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله لا يريد بذلك عز الطاعة فإن للطاعة وللتوبة عزا وظاهرا وباطنا فلا يكون مقصوده العزة وإن علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة فمن تاب لأجل العزة فتوبته مدخولة وفي بعض الآثار "أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العزة ولكن ما عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب وما لك علي بعد هذا؟ قال: هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا؟". يعني أن الراحة والعز حظك وقد نلتهما بالزهد والعبادة ولكن أين القيام بحقي وهو الموالاة في والمعاداة فيّ؟. فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا. وكثير من الصادقين قد يلتبس عليهم حال نفوسهم في ذلك ولا يميزه إلا أولو البصائر منهم وهم في الصادقين كالصادقين في الناس. (18/84) ________________________________________ ص -202- وأما نسيان الجناية: فهذا موضع تفصيل فقد اختلف فيه أرباب الطريق. فمنهم: من رأى الإشتغال عن ذكر الذنب والإعراض عنه صفحا فصفاء الوقت مع الله تعالى أولى بالتائب وأنفع له ولهذا قيل: ذكر الجفا في وقت الصفا جفا. ومنهم: من رأى أن الأولى أن لا ينسى ذنبه بل لا يزال جاعلا له نصب عينيه يلاحظه كل وقت فيحدث له ذلك انكسارا وذلا وخضوعا أنفع له من جمعيته وصفاء وقته. قالوا: ولهذا نقش داود الخطيئة في كفه وكان ينظر إليها ويبكي. قالوا: ومتى تهت عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق. ومعنى ذلك: أنك إذا رجعت إلى ذنبك انكسرت وذللت وأطرقت بين يدي الله عز وجل خاشعا ذليلا خائفا وهذه طريق العبودية. والصواب: التفصيل في هذه المسألة وهو أن يقال: إذا أحس العبد من نفسه حال الصفاء غيما من الدعوى ورقيقة من العجب ونسيان المنةوخطفته نفسه عن حقيقة فقره ونقصه فذكر الذنب أنفع له وإن كان في حال مشاهدته منة الله عليه وكمال افتقاره إليه وفنائه به وعدم استغنائه عنه في ذرة من ذراته وقد خالط قلبه حال المحبة والفرح بالله والأنس به والشوق إلى لقائه وشهود سعة رحمته وحلمه وعفوه وقد أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات فنسيان الجناية والإعراض عن الذنب: أولى به وأنفع فإنه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك ونزل من علو إلى أسفل ومن حال إلى حال بينهما من التفاوت أبعد مما بين السماء والأرض وهذا من حسد الشيطان له أراد أن يحطه عن مقامه وسير قلبه في ميادين المعرفة والمحبة والشوق إلى وحشة الإساءة وحصر الجناية. والأول يكون شهوده لجنايته منة من الله من بها عليه ليؤمنه بها من مقت (18/85) ________________________________________ ص -203- الدعوى وحجاب الكبر الخفي الذي لا يشعر به فهذا لون وهذا لون. وهذا المحل فيه أمر وراء العبارة وبالله التوفيق وهو المستعان. فصل وأما التوبة من التوبة: فهي من المجملات التي يراد بها حق وباطل ويكون مراد المتكلم بها حقا فيطلقه من غير تمييز. فإن التوبة من أعظم الحسنات والتوبة من الحسنات من أعظم السيئات وأقبح الجنايات بل هي كفر إن أخذت على ظاهرها ولا فرق بين التوبة من التوبة والتوبة من الإسلام والإيمان فهل يسوغ أن يقال بالتوبة من الإيمان؟. ولكن مرادهم: أن يتوب من رؤية التوبة فإنها إنما حصلت له بمنة الله ومشيئته ولو خلي ونفسه لم تسمح بها ألبتة فإذا رآها وشهد صدورها منه ووقوعها به وغفل عن منه الله عليه تاب من هذه الرؤية والغفلة ولكن هذه الرؤية والغفلة ليست هي التوبة ولا جزءا منها ولا شرطا لها بل هي جناية أخرى عرضت له بعد التوبة فيتوب من هذه الجناية كما تاب من الجناية الأولى فما تاب إلا من ذنب أولا وأخرا فكيف يقال: يتوب من التوبة؟. هذا كلام غير معقول ولا هو توبة صحيح في نفسه بل قد يكون في التوبة علة ونقص وآفة تمنع كما لها وقد يشعر صاحبها بذلك وقد لا يشعر به فيتوب من نقصان التوبة وعدم توفيتها حقها. وهذا أيضا ليس من التوبة وإنما هو من عدم التوبة فإن القدر الموجود منها طاعة لا يتاب منها والقدر المفقود هو الذي يحتاج أن يتوب منه (18/86) ________________________________________ ص -204- فالتوبة من التوبة إنما تعقل على أحد هذين الوجهين. نعم ههنا وجه ثالث لطيف جدا وهو أن من حصل له مقام أنس بالله وصفا وقته مع الله بحيث يكون إقباله على الله واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفع شيء له حتى نزل عن هذه الحالة واشتغل بالتوبة من جناية سالفة قد تاب منها وطالع الجنابة واشتغل بها عن الله فهذا نقص ينبغي له أن يتوب إلى الله منه وهو توبة من هذه التوبة لأنه نزول من الصفاء إلى الجفاء والله أعلم. فصل قال صاحب المنازل: "ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء أولها: أن ينظر الجناية والقضية فيعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين. أحدهما: أن يعرف عزته في قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته". اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور. أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه فيحدث له ذلك الإعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب. الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها وتقديرها عليه وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث له ذلك أنواعا من المعروفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وعفوه وحلمه وكرمه وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها ألبتة ويعلم ارتباط الخلق (18/87) ________________________________________ ص -205- والأمر والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه. وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. فمن بعضها: ما ذكره الشيخ: "أن يعرف العبد عزته في قضائه" وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بماء يشاء وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بأن قلب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه وجعله مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم وهذا من كمال العزة إذ لا يقدر على ذلك إلا الله وغاية المخلوق: أن يتصرف في بدنك وظاهرك وأما جعلك مريدا شائبا لما يشاؤه منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة. فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكن شهوده منه كان الإشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له لأنه يصير مع الله لا مع نفسه. ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير في قبضة عزيز حميد. ومن شهود عزته أيضا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام والعزة كلها لله وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله وكماله وحمده وغناه وكذلك بالعكس فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة. ومنها: أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية فإذا شهد جريان الحكم وجعله فاعلا لما هو غير مختار له مريد بإرادته ومشيئته واختياره فكأنه مختار غير مختار مريد غير مريد شاءغير شاء فهذا يشهد عزة الله وعظمته وكمال قدرته. (18/88) ________________________________________ ص -206- ومنها: أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه وهذا من كمال بره ومن أسمائه (البر) وهذا البر من سيده كان عن به كمال غناه عنه وكمال فقر العبد إليه فيشتغل بمطالعة هذه المنة ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع الله سبحانه وذلك أنفع له من الإشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته فإن الإشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى. ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا بل في هذه الحال فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام عبودية تليق به. ومنها: شهود حلم الله سبحانه وتعالى في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة ولكنه الحليم الذي لا يعجل فيحدث له ذلك معرفة ربه سبحانه باسمه (الحليم) ومشاهدة صفة (الحلم) والتعبد بهذا الاسم والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله وأصلح للعبد وأنفع من فوتها ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الإعتذار لا بالقدر فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم فيقبل عذره بكرمه وجوده فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها: أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده والواقع شاهد بذلك فعبودية التوبة بعد الذنب لون وهذا لون آخر. ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلا محمودا وإنما عفوه بفضله لا بإستحقاقك فيوجب لك ذلك أيضا شكرا له ومحبة وإنابه إليه وفرحا وابتهاجا به ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة وتعبدا بمقتضاها وذلك أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة. (18/89) ________________________________________ ص -207- ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والإنكسار بين يديه والإفتقار إليه فإن النفس فيها مضاهات للربوبية ولو قدرت لقالت كقول فرعون ولكنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية وهو أربع مراتب. المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله فأهل السماوات والأرض جميعا محتاجون إليه فقراء إليه وهو وحده الغني عنهم وكل أهل السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية وهو ذل الإختيار وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية. المرتبة الثالثة: ذل المحبة فإن المحب ذليل بالذات وعلى قدر محبته له يكون ذله فالمحبة أسست على الذلة للمحبوب كما قيل: حكم الهوى أنف يشال ويعقد اخضع وذل لمن تحب فليس في وقال آخر: مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية. فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم إذ يذل له خوفا وخشية ومحبة وإنابة وطاعة وفقرا وفاقة. وحقيقة ذلك: هو الفقر الذي يشير إليه القوم وهذا المعنى أجل من أن يسمى بالفقر بل هو لب العبودية وسرها وحصوله أنفع شيء للعبد وأحب شيء إلى الله. (18/90) ________________________________________ ص -208- فلا بد من تقدير لوازمه: من أسباب الضعف والحاجة وأسباب العبودية والطاعة وأسباب المحبة والإنابة وأسباب المعصية والمخالفة إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وجوده والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين بإحتمال أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب فإن كنت من أهل المعرفة فادخل وإلا فرد الباب وارجع بسلام. ومنها: أن أسماءه الحسنى تقتصي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها فاسم (السميع البصير) يقتضي مسموعا ومبصرا واسم (الرزاق) يقتضي مرزوقا واسم (الرحيم) يقتضي مرحوما وكذلك أسماء الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة وإحسان وجود فلا بد من ظهور آثارها في العالم وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم". وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدوما فمن يرزق الرزاق سبحانه؟ وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم فلمن يغفر؟ وعمن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟ وإذا فرضت الفاقات كلها قد سدت والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع والإبتهال؟ والإجابة وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإنعام والإكرام؟. فسبحان من تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات ودلهم عليه بأنواع الدلالات وفتح لهم إليه جميع الطرقات ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرفهم (18/91) ________________________________________ ص -209- به ودلهم عليه 8:42 {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}. فصل ومنها: السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رءوس الأشهاد بل شهدته قلوب خواص العباد فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة به وشوقا إليه ولهجا بذكره وشهودا لبره ولطفه وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافا على حقيقة الإلهية وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" هذا لفظ مسلم. وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافرا بقوله "أنت عبدي وأنا ربك". ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام ولا يقع طلاقه بذلك ولا ردته وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله ﷺ: "لا طلاق في إغلاق" بأنه الغضب وفسره به غير واحد من الأئمة وفسروه بالإكراه والجنون. قال شيخنا: وهو يعم هذا كله وهو من الغلق لإنغلاق قصد المتلكم عليه فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله. (18/92) ________________________________________ ص -210- والقصد: أن هذا الفرح له شأن ينبغي للعبد أهماله والإعراض عنه ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله. وقد كان الأولى بنا طي الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله. غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه وخلقه لنفسه وخلق كل شيء له وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل إليه وخاطبه وكلمه منه إليه واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه وخلق لهم الجنة والنار فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود بالأمر والنهي وعليه الثواب والعقاب. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات وقد خلق أباه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين واتخذه عدوا له. فالمؤمن من نوع الإنسان: خير البرية على الإطلاق وخيرة الله من العالمين فإنه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله ولم يشعر به ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة (18/93) ________________________________________ ص -211- والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه فاتخذه محبوبا له وأعد له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه وعهد إليه عهدا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه وما يبعده منه ويسخطه عليه ويسقطه من عينه. وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه قد جاهره بالعداوة وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق واستقطع عباده واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم وكانوا أعداء له مع هذا العدو يدعون إلى سخطه ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدولة لهم ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومالهم وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم. وأخبره في عهده: أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وأنه سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته وأنه قد أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر وأن الفضل كله بيده والخير كله منه والجود كله له وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلا ويغمرهم إحسانا وجودا ويتم عليهم نعمته ويضاعف لديهم منته ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه. فهو الجواد لذاته وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدا: أقل من ذرة بالقياس إلى جوده فليس الجواد على الإطلاق إلا هو وجود كل جواد فمن جوده ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال: فوق ما يخطر (18/94) ________________________________________ ص -212- ببال الخلق أو يدور في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرا فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى إذ هذا شأن الجواد من الخلق فإنه يحصل له من الفرح والسرور والإبتهاج واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم وثوقه بإستخلاف مثله وخوف الحاجة إليه عند ذهابه والتعرض لذل الإستعانة بنظيره ومن هو دونه ونفسه قد طبعت على الحرص والشح. فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة. وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته السميع البصير لذاته فجوده العالي من لوازم ذاته والعفو أحب إليه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والفضل أحب إليه من العدل والعطاء أحب إليه من المنع. فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه ووالى عدوه وظاهره عليه وتحيز إليه وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه وفتح طريق العقوبة والغضب والإنتقام: فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه فاستدعى بمعصيته من أفعاله (18/95) ________________________________________ ص -213- ما سواه أحب إليه منه وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذا انقلب آبقا شاردا رادا لكرامته مائلا عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين. فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيا لسيده منهمكا في موافقة عدوه قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله إذ عرضت له فكرة فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه وعلم أنه لا بد له من وأن مصيره إليه وعرضه عليه وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال ففر إلى سيده من بلد عدوه وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللا متضرعا خاشعا باكيا آسفا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قياده وألقى إليه زمامه فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه ومكان الشدة عليه رحمة به وأبدله بالعقوبة عفوا وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلما فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا فكيف يكون فرح سيده به وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعا واختيارا وراجع ما يحبه سيده منه برضاه وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟. وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين: "أنه حصل له شرود وإباق من سيده فرأى في بعض السكك بابا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكرا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يؤيه غير والدته فرجع مكسور القلب حزينا فوجد الباب مرتجا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال (18/96) ________________________________________ ص -214- لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟ ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت". فتأمل قول الأم "لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة". وتأمل قوله ﷺ: "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها" وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟. فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان. وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل فإن كلا منهما منزل ذميم ومرتع على علاته وخيم ولا يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد لحاسة الذوق فلا يذوق طعم الإيمان ولا يجد ريحه والمحروم كل المحروم من عرض عليه الغني والخير فلم يقبله فلا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع والفضل بيد الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فصل هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود والبر. وأما إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودا فذاك مشهد أجل من هذا وأعظم منه وإنما يشهده خواص المحبين. (18/97) ________________________________________ ص -215- فإن الله سبحانه إنما خلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا هو الحق الذي خلقت به السماوات والأرض وهو غاية الخلق والأمر ونفيه كما يقول أعداؤه هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه وهو السدى الذي نزه نفسه عنه: أن يترك الإنسان عليه وهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع ولا يعبأ بخلقه شيئا لولا محبتهم له وطاعتهم له ودعاؤهم له. وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين والإله الحق فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية فقد خرج عن أحب الأشياء إليه وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكا ودغلا فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة الرب له فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي ﷺ لذكره ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده وهذا كشدة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده فلا فرحة أعظم من فرحته به. فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا أسره عدوك وحال بينك وبينه وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفجأك إلا وهو على بابك يتملقك ويترضاك ويستعينك ويمرغ خديه على (18/98) ________________________________________ ص -216- فإن الله سبحانه إنما خلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا هو الحق الذي خلقت به السماوات والأرض وهو غاية الخلق والأمر ونفيه كما يقول أعداؤه هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه وهو السدى الذي نزه نفسه عنه: أن يترك الإنسان عليه وهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع ولا يعبأ بخلقه شيئا لولا محبتهم له وطاعتهم له ودعاؤهم له. وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين والإله الحق فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية فقد خرج عن أحب الأشياء إليه وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكا ودغلا فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة الرب له فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي ﷺ لذكره ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده وهذا كشدة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده فلا فرحة أعظم من فرحته به. فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا أسره عدوك وحال بينك وبينه وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفجأك إلا وهو على بابك يتملقك ويترضاك ويستعينك ويمرغ خديه على (18/99) ________________________________________ ص -217- وليس ما يلزم به المعطل المثبت إلا ظلم محض وتناقض وتلاعب فإن هذا لو كان لازما للزم رحمته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره وعلمه وسائر صفاته فكيف جاء هذا اللزوم لهذه الصفة دون الأخرى وهل يجد ذو عقل إلى الفرق سبيلا فما ثم إلا التعطيل المحض المطلق أو الإثبات المطلق لكل ما ورد به النص والتناقض لا يرضاه المحصلون. فصل قوله الثاني: "أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته". اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان أطاع أم عصى فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أو جهل فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه قال الله تعالى 17:15 {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وقال 67:8، 9 {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} وقال 11:117 {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. وفي الآية قولان أحدهما: ما كان ليهلكها بظلم منهم الثاني: ما كان ليهلكها بظلم منه. والمعنى على القول الأول: ما كان ليهلكها بظلمهم المتقدم وهم مصلحون الآن أي إنهم بعد أن أصلحوا وتابوا لم يكن ليهلكهم بما سلف منهم من الظلم. وعلى القول الثاني: إنه لم يكن ظالما لهم في إهلاكهم فإنه لم يهلكهم وهم مصلحون وإنما أهلكهم وهم ظالمون فهم الظالمون لمخالفتهم وهو العادل (18/100) ________________________________________ ص -218- في إهلاكهم والقولان في آية الأنعام أيضا 6:131 {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}. قيل: لم يكن مهلكهم يظلمهم وشركهم وهم غافلون لم ينذروا ولم يأتهم رسول. وقيل: لم يهلكهم قبل التذكير بإرسال الرسول فيكون قد ظلمهم فإنه سبحانه لا يأخذ أحدا ولا يعاقبه إلا بذنبه وإنما يكون مذنبا إذا خالف أمره ونهيه وذلك إنما يعلم بالرسل. فإذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب علم أن الله سبحانه قدره سببا متقضيا لأثره من العقوبة كما قدر الطاعة سببا مقتضيا للثواب وكذلك تقدير سائر أسباب الخير والشر كجعل السم سببا للموت والنار سببا للإحراق والماء سببا للإغراق. فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك وقد عرف أنه سبب الهلاك فهلك فالحجة مركبة عليه والمؤاخذة لازمة له كالحريق مثلا والذنب كالنار وإتيانه له كتقديمه نفسه للنار وملاحظة لحكم فيما لا يجدي عليه شيئا فإنما الذي يشهده عند قيام الحجة عليه: ملاحظة الأمر لا ملاحظة القدر. فجعل صاحب المنازل هذه اللطيفة من ملاحظة الجناية والقضية ليس بالبين بل هو من ملاحظة الجناية والأمر لكن مراده: أن سر التقدير: أنه قد علم أن هذا العبد لا يصلح إلا للوقود كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار والشجرة تشتمل على الثمر والشوك فاقتضى عدله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما لا يصلح إلا له وأن يقيم عليه حجة عدله فإن قدر عليه الذنب فواقعه فاستحق ما خلق له قال الله تعالى 36:169، 170 {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}. فأخبر سبحانه أن الناس قسمان حي قابل للإنتفاع يقبل الإنذار (18/101) ________________________________________ ص -219- وينتفع به وميت لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة لخير ألبتة فيحق عليه القول بالعذاب وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان بل لأنه غير قابل ولا فاعل وإنما يتبين كونه غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالرسول إذ لو عذبه بكونه غير قابل لقال لو جاءني رسول منك لامتثلت أمرك فأرسل إليه رسوله فامره ونهاه فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى فعوقب بكونه غير فاعل فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول كما قال تعالى 10:33 {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} وحق عليه العذاب كقوله تعالى 40:6 {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}. فالكلمة التي حقت كلمتان: كلمة الإضلال وكلمة العذاب كما قال تعالى 39:71 {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} وكلمته سبحانه إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم فحقت عليه كلمة حجته وكلمة عدله بعقوبته. وحاصل هذا كله: أن الله سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم لا مع مراد أنفسهم فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم فاستحقوا كرامته وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده وعلم سبحانه منهم أنه لا يؤثرون مراده ألبتة وإنما يؤثرون أهوائهم ومرادهم فأمرهم ونهاهم فظهر بأمره ونهيه من القدرالذي قدر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم. فصل قد ذكرنا أن العبد في الذنب له نظر إلى أربعة أمور: نظر إلى الأمر والنهي. ونظر إلى الحكم والقضاء وذكرنا ما يتعلق بهذين النظرين. النظر الثالث: النظر إلى محل الجناية ومصدرها وهو النفس الأمارة بالسوء ويفيده نظره إليها أمورا. (18/102) ________________________________________ ص -220- منها: أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول عمل قبيح ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله ألبتة فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها. فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيها شرها وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها فإنه ربها ومولاها وأن لا يكله إليها طرفة عين فإنه إن وكله إليها هلك فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه وقال النبي ﷺ لحصين بن المنذر: "قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" وفي خطبة الحاجة "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" وقد قال تعالى 64:17 {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقال 12:53 {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}. فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه: علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء وأن كل خير فيها ففضل من الله من به عليها لم يكن منها كما قال تعالى 24:21 {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً} وقال تعالى 49:8 {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها ولكن هو الله الذي من بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين {فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (عليم) بمن يصلح لهذا الفضل ويزكوا عليه وبه ويثمر عنده (حكيم) فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه. ومنها: ما ذكره صاحب المنازل فقال: (18/103) ________________________________________ ص -221- "اللطيفة الثانية: أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئته لم يبق له حسنة بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل". يريد: أن من له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له نظره في سيئاته حسنة ألبتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تشتري بها النجاة من عذاب الله فضلا عن الفوز بعظيم ثواب الله فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفا له معه وقت شاهد منة الله عليه به ومجرد فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك فهو دائما مشاهد لمنة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها. وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد ولذلك كان سيد الإستغفار "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". فتضمن هذا الإستغفار: الإعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والإعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصير فيه والإعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ولا ولي له سواه ثم التزام الدخول تحت عهده وهو أمره ونهيه الذي عهده إليه على لسان رسوله وأن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور للبشر وإنما هو جهد المقل وقدر الطاقة ومع ذلك فأنا مصدق بوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب ولأهل معصيتك بالعقاب فأنا مقيم على عهدك مصدق بوعدك ثم أفزع إلى الإستعاذة والإعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر لك وألتزم بنعمتك علي (18/104) ________________________________________ ص -222- وأقر وألتزم وأبخع بذنبي فمنك النعمة والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فلهذا كان هذا الدعاء سيد الإستغفار وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه. فصل النظر الرابع: نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها الحاض له عليها وهو شيطانه الموكل به. فيفيده النظر إليه وملاحظته: اتخاذه عدوا وكمال الإحتراز منه والتحفظ واليقظة والإنتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها. العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على: العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة إما بإعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله: من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئا والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى كما قال بعضهم تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال فاشتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى. (18/105) ________________________________________ ص -223- وقال شيخنا: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة. فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب فإن سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل وبغوه الغوائل وقالوا مبتدع محدث. فإذا وفقه الله لقطع هذه العقبة طلبه على: العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق وهي قوله: "لا يضر مع التوحيد ذنب كما لا ينفع مع الشرك حسنة" والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله وصاحبها لا يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ولتضمنها القول على الله بلا علم ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها والإجتهاد على إطفاء نور السنة وتولية من عزله الله ورسوله وعزل من ولاه الله ورسوله واعتبار مارده الله ورسوله ورد ما اعتبره وموالاة من عاداه ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم وفتح باب تبديل الدين جملة. (18/106) ________________________________________ ص -224- فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر والعميان ضالون في ظلمة العمى 24:40 {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على: العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقفزان وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائرر وبالحسنات ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه فالإصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقد قال ﷺ "إياكم ومحقرات الذنوب ثم ضرب لذلك مثلا بقوم نزلوا بفلاة من الأرض فأعوزهم الحطب فجعل هذا يجيء بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطبا كثيرا فأوقدوا نارا وأنضجوا خبزتهم فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه". فإن نجا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والإستغفار وأتبع السيئة الحسنة طلبه على: العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها فشغله بها عن الإستكثار من الطاعات وعن الإجتهاد في التزود لمعاده ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات وأقل ما ينال منه: تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية ولو عرف السعر لما فوت على نفسه شيئا من القربات ولكنه جاهل بالسعر. (18/107) ________________________________________ ص -225- فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ومعرفة بقدر الطاعات والإستكثار منها وقلة المقام على الميناء وخطر التجارة وكرم المشتري وقدر ما يعوض به التجار فبخل بأوقاته وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح طلبه العدو على: العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول. فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل ومعرفة مقاديرها والتمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ومرؤسها وسيدها ومسودها فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا ورئيسا ومرؤسا وذروة وما دونها كما في الحديث الصحيح "سيد الإستغفار: أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت الحديث" وفي الحديث الآخر "الجهاد ذروة سنام الأمر" وفي الأثر الآخر إن الأعمال تفاخرت فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن" ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولى العلم السائرين على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه. فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها. ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه وهي عقبة (18/108) ________________________________________ ص -226- تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها فإنه كلما جد في الإستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جد العدو في إغراء السفهاء به فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب وأخذ في محاربة العدو لله وبالله فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه. أحدها: قوله 4:100 {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما يراغم به عدو الله وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى 9:120 {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وقال تعالى في مثل رسول الله ﷺ وأتباعه 48:29 {وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له فموافقته فيها من كمال العبودية وشرع النبي ﷺ للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال: "إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان" وفي رواية "ترغيما للشيطان" وسماها "المرغمتين". فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة (18/109) ________________________________________ العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر (18/110) ________________________________________ ص -227- حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول. وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة النصوح فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى. فهذه نبذة من بعض لطائف أسرار التوبة لا تستهزىء بها فلعلك لا تظفر بها في مصنف آخر البتة ولله الحمد والمنة وبه التوفيق. فصل قال صاحب المنازل "اللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم". هذا الكلام إن أخذ على ظاهره فهو من أبطل الباطل الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين لنسب إلى لازم هذا الكلام ولكن من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ومن ذا الذي لم تزل به القدم ولم يكب به الجواد؟. ومعنى هذا: أن العبد ما دام في مقام التفرقة فإنه يستحسن بعض الأفعال ويستقبح بعضها نظرا إلى ذواتها وما افترقت فيه فإذا تجاوزها نظر إلى مصدرها الأول وصدورها عن عين الحكم واجتماعها كلها في تلك العين وانسحاب ذيل المشيئة عليها ووحدة المصدر وهو المشيئة الشاملة العامة الموجبة فهي بالنسبة إلى مصدر الحكم وعين المشيئة لا توصف بحسن ولا قبح إذ الحسن والقبح إنما عرضا لها عند قيامها بالكون وجريانها عليه فهي بمنزلة نور الشمس واحد في نفسه غير متلون ولا يوصف بحمرة ولا صفرة ولا خضرة فإذا اتصل (18/111) ________________________________________ ص -228- بالمحال المتلونة وصف حينئذ بحسب تلك المحال لإضافته إليها واتصاله بها فيرى أحمر وأصفر وأخضر وهو بريء من ذلك كله إذا صعد من تلك المحال إلى مصدره الأول المجرد عن القوابل فهذا أحسن ما يحمل عليه كلامه. وعلى أن له محملا آخر مبنيا على أصول فاسدة وهي أن إرادة الرب تعالى هي عين محبته ورضاه فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وكل ما لم يشأه فهو مسخوط له مبغوض فالمبغوض المسخوط هو ما لم يشأه والمحبوب المرضي هو ما شاءه. هذا أصل عقيدة القدرية الجبرية المنكرين للحكم والتعليل والأسباب وتحسين العقل وتقبيحه وأن الأفعال كلها سواء لا يختص بعضها بما صار حسنا لأجله وبعضها بما صار قبيحا لأجله ويجوز في العقل أن يأمر بما نهى عنه وينهى عما أمر به ولا يكون ذلك مناقضا للحكمة. إذ الحكمة ترجع عندهم إلى مطابقة العلم الأزلي لمعلومه والإرادة الأزلية لمرادها والقدرة لمقدورها فإذا الأفعال بالنسبة إلى المشيئة والإرادة مستوية لا توصف بحسن ولا قبح فإذا تعلق بها الأمر والنهي صارت حينئذ حسنة وقبيحة وليس حسنها وقبحها أمرا زائدا على كونها مأمورا بها ومنهيا عنها فعلى هذا إذا صعد العبد من تفرقة الأمر والنهي إلى جمع المشيئة والحكم لم يستحسن حسنة ولم يستقبح قبيحة فإذا نزل فرق الأمر صح له الإستحسان والإستقباح. فهذا محمل ثان لكلامه. وله محمل ثالث هو أبعد الناس منه ولكن قد حمل عليه وهو أن السالك ما دام محجوبا عن شهود الحقيقة بشهود الطاعة والمعصية رأى الأفعال بعين الحسن والقبح فرأى منها الطاعة والمعصية فإذا ترقى إلى شهود الحقيقة الأولى وهي الحقيقة الكونية ورأى شمول الحكم الكوني للكائنات وإحاطته بها وعدم خروج ذرة منها عنه زال عنه استقباح شيء من الأفعال وشهدها (18/112) ________________________________________ ص -229- كلها طاعات للأقدار والمشيئة وفي مثل هذا الحال يقول: إن كنت عصيت الأمر فقد أطعت الإرادة ويقول: أصبحت منفعلا لما تختاره مني ففعلي كله طاعات فإذا ترقى مرتبة أخرى وزال عنه الفرق بين الرب والعبد كما زال عنه في المرتبة الثانية الفرق بين المحبوب والمسخوط والمأمور والمحظور قال ما ثم طاعة ولا معصية إذ الطاعة والمعصية إنما يكونان بين اثنين ضرورة والمطيع عين المطاع فما ههنا غير فالوحدة المطلقة تنفي الطاعة والمعصية فالصعود من وحدة الفعل إلى وحدة الوجود يزيل عنه بزعمه توهم الإنقسام إلى طاعة ومعصية كما كان الصعود من تفرقة الأمر إلى وحدة الحكم يزيل عنه ثبوت المعصية. وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفها إلا لخواصهم وأهل الوصول منهم. ولكن صاحب المنازل بريء من هؤلاء وطريقتهم وهو مكفر لهم بل مخرج لهم من جملة الأديان ولكن ذكرنا ذلك لأنهم يحملون كلامه عليه ويظنونه منهم. (18/113) ________________________________________ ص -230- فاعلم أن هذا مقام عظيم زلت فيه أقدام طائفتين من الناس طائفة من أهل الكلام والنظر وطائفة من أهل السلوك والإرادة. فنفى لأجله كثير من النظار التحسين والتقبيح العقليين وجعلوا الأفعال كلها سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح ولا يميز القبيح بصفة اقتضت قبحه بحيث يكون منشأ القبح وكذلك الحسن فليس للفعل عندهم منشأ حسن ولا قبح ولا مصلحة ولا مفسدة ولا فرق بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر ولا بين الصدق والكذب ولا بين السفاح والنكاح إلا أن الشارع حرم هذا وأوجب هذا فمعنى حسنه كونه مأمورا به لا أنه منشأ مصلحة ومعنى قبحه كونه منهيا عنه لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت قبحه ومعنى حسنه: أن الشارع أمر به لا أنه منشأ مصلحة ولا فيه صفة اقتضت حسنه. وقد بينا بطلان هذا المذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى "تحفة النازلين بجوار رب العالمين" وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك وذكرنا جميع ما احتج به أرباب هذا المذهب وبينا بطلانه. فإن هذا المذهب بعد تصوره وتصور لوازمه يجزم العقل ببطلانه وقد دل القرآن على فساده في غير موضع والفطرة أيضا وصريح العقل. فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة النعم بالشكر وفطرهم على استقباح أضدادها ونسبة هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره. وقد زعم بعض نفاة التحسين والتقبيح أن هذا متفق عليه وهو راجع إلى (18/114) ________________________________________ ص -231- الملائمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيء وانتفاعها به ونفرتها من ضده. قالوا: وهذا ليس الكلام فيه وإنما الكلام في كون الفعل متعلقا للذم والمدح عاجلا والثواب والعقاب آجلا فهذا الذي نفيناه وقلنا إنه لا يعلم إلا بالشرع وقال خصومنا: إنه معلوم بالعقل والعقل متقض له. فيقال: هذا فرار من الزحف إذ ههنا أمران متغيران لا تلازم بينهما. أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا؟. والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل والعقاب المرتب على قبحه ثابت بل واقع بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع؟. ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه وهم غلطوا في تلازم الأصلين وأنتم غلطتم في نفي الأصلين. والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل: أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضاره والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع. فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع والمعتزلة تقول قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل. (18/115) ________________________________________ ص -232- وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل والعقاب متوقف على ورود الشرع وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل. وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ونحن نبين دلالته على الأمرين. أما الأول: ففي قوله تعالى 17:15 {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وفي قوله 4:165 {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وفي قوله 67:8، 9 {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار وقال تعالى 6:130 {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} وفي الزمر 39:71 {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} ثم قال في الأنعام بعدها {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} وعلى أحد القولين وهو أن يكون المعنى: لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص (18/116) ________________________________________ 38:47 {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا قبحه لم يكن سببا لكن امتنع إصابة المصيبة لإنتفاء شرطها وهو عدم مجيء الرسول إليهم فمذ جاء الرسول (18/117) ________________________________________ ص -233- انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر. فصل وأما الأصل الثاني وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح فكثير جدا كقوله تعالى 7:28، 29 {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمر بإجتنابه بأخذ الزينة و(الفاحشة) ههنا هي طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء غير قريش ثم قال تعالى (18/118) ________________________________________ ص -234- {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر ولو كان إنما علم وإنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به لصار معنى الكلام: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم وأي فائدة في قوله: "إن الله لا يأمر بما ينهى عنه"؟ فإنه ليس لمعنى كونه (فاحشة) عندهم إلا أنه منهي عنه لا أن العقول تستفحشه. ثم قال تعالى {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} والقسط عندهم: هو المأمور به لا أنه قسط في نفسه فحقيقة الكلام: قل أمر ربي بما أمر به. ثم قال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق} دل على أنه طيب قبل التحريم وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة. ثم قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك لكان حاصل الكلام قل إنما حرم ربي ما حرم وكذلك تحريم الإثم والبغي فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا بمنزلة كون الشرك شركا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده. فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركا بعد النهي وليس شركا قبل ذلك. ومعلوم أن هذا وهذا مكابره صريحة للعقل والفطرة فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده والفاحشة كذلك وكذلك الشرك لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك. (18/119) ________________________________________ ص -235- نعم الشارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها فكان قبحها من ذاتها وازدادت قبحا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها كما أن العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بمحبته ذلك ومحبة فاعله. بل من أعلام نبوة محمد ﷺ: أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به لكأن بمنزلة أن يقال يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم وأي فائدة في هذا وأي علم يبقى فيه لنبوته؟ وكلام الله يصان عن ذلك وأن يظن به ذلك وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته: أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه وكونه معروفا وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكرا وما يحله تشهد كونه طيبا وما يحرمه تشهد كونه خبيثا وهذه دعوة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم. ولهذا قيل لبعض الأعراب وقد أسلم لما عرف دعوته ﷺ عن أي شيء وما رأيت منه مما دلك على أنه رسول الله؟ قال: "ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به ولا أحل شيئا فقال العقل: ليته حرمه ولا حرم شيئا فقال العقل: ليته أباحه" فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل وكذلك مطابقة تحليلة وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة (18/120) ________________________________________ ص -236- والتحريم به: لم يحسن منه هذا الجواب ولكان بمنزلة أن يقول وجدته يأمر وينهى ويبيح ويحرم وأي دليل في هذا؟. كذلك قوله تعالى 16:90 {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي}. وهؤلاء يزعمون: أن الظلم في حق عباده هو المحرم والمنهي عنه لا أن هناك في نفس الأمر ظلما نهى عنه وكذلك الظلم الذي نزه نفسه عنه هو الممتنع المستحيل لا أن هناك أمرا ممكنا مقدورا لو فعله لكان ظلما فليس في نفس الأمر عندهم ظلم منهي عنه ولا منزه عنه إنما هو المحرم في حقه والمستحيل في حقه فالظلم المنزه عنه عندهم هو الجمع بين النقيضين وجعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد ونحو ذلك. والقرآن صريح في إبطال هذا المذهب أيضا قال الله تعالى 50:27، 29 {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ، قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} أي لا أؤاخذ عبدا بغير ذنب ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالح ولهذا قال قبله {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} المتضمن لإقامة الحجة وبلوغ الأمر والنهي وإذا آخذتكم بعد التقدم فلست بظالم بخلاف من يؤاخذ العبد قبل التقدم إليه بأمره ونهيه فذلك الظلم الذي تنزه الله سبحانه وتعالى عنه. وقال تعالى 20:112 {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} يعني لا يحمل عليه من سيئات ما لم يعمله ولا ينقص من حسنات ما عمل ولو كان الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده لم يكن لعدم الخوف منه معنى ولا للأمن من وقوعه فائدة. وقال تعالى 41:46 {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} أي (18/121) ________________________________________ لا يحمل المسيء عقاب ما لم يعمله ولا يمنع المحسن من ثواب عمله (18/122) ________________________________________ ص -237- وقال تعالى 11:167 {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} فدل على أنه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظالما وعندهم يجوز ذلك وليس بظلم لو فعل ويؤولون الآية على أنه سبحانه أخبر أنه لا يهلكهم مع إصلاحهم وعلم أنه لا يفعل ذلك وخلاف خبره ومعلومه مستحيل وذلك حقيقة الظلم ومعلوم أن الآية لم يقصد بها هذا قطعا ولا أريد بها ولا تحتمله بوجه إذ يؤول معناها إلى أنه ما كان ليهلك القرى بظلم بسبب اجتماع لنقيضين وهم مصلحون وكلامه تعالى يتنزه عن هذا ويتعالى عنه. وكذلك عند هؤلاء أيضا: العبث والسدى والباطل كلها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور والله سبحانه قد نزه نفسه عنها إذ نسبه إليها أعداؤه المكذبون بوعده ووعيده المنكرون لأمره ونهيه فأخبر أن ذلك يستلزم كون الخلق عبثا وباطلا وحكمته وعزته تأبى ذلك قال تعالى 23:115 {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} أي لغير شيء لا تؤمرون ولا تنهون ولا تثابون ولا تعاقبون والعبث قبيح فدل على أن قبح هذا مستقر في الفطر والعقول ولذلك أنكره عليهم إنكار منبه لهم على الرجوع إلى عقولهم وفطرهم وأنهم لو فكروا وأبصروا لعلموا أنه لا يليق به ولا يحسن منه أن يخلق خلقه عبثا لا لأمر ولا لنهي ولا لثواب ولا لعقاب وهذا يدل على أن حسن الأمر والنهي والجزاء مستقر في العقول والفطر وأن من جوز على الله الإخلال به فقد نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما تأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا. وكذلك قوله تعالى 75:36 {أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} قال الشافعي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب وهما متلازمان فأنكر على من يحسب ذلك فدل على أنه قبيح تأباه حكمته وعزته وأنه لا يليق به ولهذا استدل على أنه لا يترك سدى لقوله 75:37، 38 {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ (18/123) ________________________________________ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} إلى آخر السورة ولو كان قبحه (18/124) ________________________________________ ص -238- إنما علم بالسمع لكان يستدل عليه بأنه خلاف السمع وخلاف ما أعلمناه وأخبرنا به ولم يكن إنكاره لكونه قبيحا في نفسه بل لكونه خلاف ما أخبر به ومعلوم أن هذا ليس وجه الكلام. وكذلك قوله 38:27 {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} والباطل الذي ظنوه ليس هو الجمع بين النقيضين بل الذي ظنوه أنه لا شرع ولا جزاء ولا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب فأخبر أن خلقها لغير ذلك هو الباطل الذي تنزه عنه وذلك هو الحق الذي خلقت به وهو التوحيد وحقه وجزاؤه وجزاء من جحده وأشرك بربه. وقال تعالى 45:21 {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فأنكر سبحانه هذا الحسبان إنكار منبه للعقل على قبحه وأنه حكم سيء والحاكم به مسيء ظالم ولو كان قبحه لكونه خلاف ما أخبر به لم يكن الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللازم من التسوية بين المحسن والمسيء المستقر قبحه في فطر العالمين كلهم ولا كان هنا حكم سيء في نفسه ينكر على من حكم به. وكذلك قوله 38:28 {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} وهذا استفهام إنكار فدل على أن هذا قبيح في نفسه منكر تنكره العقول والفطر أفتظنون أن ذلك يليق بنا أو يحسن منا فعله فأنكر سبحانه إنكار منبه للعقل والفطرة على قبحه وأنه لا يليق بالله نسبته إليه. وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره معه بما ضر به لهم من الأمثال وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى. (18/125) ________________________________________ ص -239- وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة غيره وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه!. فياعجبا! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقول والفطر وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة بل نفى عنهم السمع والبصر والمراد سمع القلب وبصره فأخبر أنهم صم بكم عميوذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل ولذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم. قال الله تعالى حاكيا عنهم 67:110 {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وكم يقول لهم في كتابه {أَفَلا تَعْقِلُونَ} {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح ويحتج عليهم بها ويخبر (18/126) ________________________________________ ص -240- أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل. وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال وتبيين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل. والقرآن مملوء لهذا لمن تدبره كقوله تعالى 30:28 {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يحتج سبحانه عليهم لما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك. وكذلك قوله تعالى 39:29 {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئو الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له فهل يصح في العقول استواء حال العبدين؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق؟ لا يستويان. وكذلك قوله تعالى 2:264 ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل والمن والأذى المبطل للصدقات ب(صفوان) وهو الحجر الأملس (عليه تراب) غبار قد لصق به (فأصابه مطر) شديد فأزال ما عليه من التراب (فتركه صلدا) أملس لا شيء عليه وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه ف(الصفوان) وهو الحجر كقلب (18/127) ________________________________________ ص -241- المرائي والمان والمؤذي و(التراب) الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته و(الوابل) المطر الذي به حياة الأرض فإذا صادفها لينة قابلة: نبت فيها الكلأ وإذا صادف الصخور والحجارة الصم لم ينبت فيها شيئا فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي على الحجر فصادفه رقيقا فأزاله فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات. وهذا يدل على أن قبح "المن والأذى والرياء" مستقر في العقول فلذلك نبهها على شبهه ومثاله. وعكس ذلك قوله تعالى 2:265 {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فإن كانت هذه الجنة التي بموضع عال حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح وقد أصابها مطر شديد فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يخرج غيرها إن كانت مستحسنة في العقل والحس فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه الله لا لجزاء من الخلق ولا لشكور بل بثبات من نفسه وقوة على الإنفاق لا يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ويداه ترتعشان ويضعف قلبه ويخور عند الإنفاق بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة. ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين: كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والقوة والتثبيت كمثل الوابل ومثل نفقة الآخر كمثل الطل وهو المطر الضعيف فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه أفلا تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من استحسان هذا واستقباح فعل الأول؟. وكذلك قوله 2:266 {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ (18/128) ________________________________________ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (18/129) ________________________________________ ص -242- فنبه سبحانه العقول على ما فيها من قبح الأعمال السيئة التي تحبط ثواب الحسنات وشبهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى نفسه وله بستان هو مادة عيشه وعيش ذريته فيه النخيل والأعناب ومن كل الثمرات فأرجى وأفقر ما هو له وأسر ما كان به إذ أصابه نار شديدة فأحرقته فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تغرق الطاعات كقبح هذه الحال وبهذا فسرها عمر وابن عباس رضي الله عنهم: "لرجل غني عمل بطاعة الله زمانا فبعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله" ذكره البخاري في صحيحه. أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة وضرب لقبحها هذا المثل؟ ونقاة التعليل والأسباب والحكم وحسن الأفعال وقبحها يقولون: ما ثم إلا محض المشيئة لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح لعينه حتى يشبه بقبيح آخر وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها ولا لها علل غائية هي مفضية إليها وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط. والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة ألبتة فكلهم مجمعون إذا تكلموا بلسان الفقه على بطلانها إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحكم ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما ويدفعون أقوى المفسدتين بإحتمال أدناهما ولا يتم لهم ذلك إلا بإستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة ربها. وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأمزجة والأغذية وطبائعها ونسبة بعضها إلى بعض ومقدار تأثير بعضها في بعض وانفعال بعضها عن بعض والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض وقوة المريض ودفع الضد بضده وحفظ ما يريدون حفظه بمثله ومناسبه فصناعة الطب (18/130) ________________________________________ ص -243- وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطبائع والخواص فلو نفوا ذلك وأبطلوه وأحالوا على محض المشيئة وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الغذاء ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز بها عن الآخر لفسد علم الطب ولبطلت حكمة الله فيه بل العالم مربوط بالأسباب والقوى والعلل الفاعلية والغائية. وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم والكل مربوط بقضائه وقدره ومشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاء سلب قوة الجسم الفاعل منه ومنع تأثيرها وإذا شاء جعل في الجسم المنفعل قوة تدفعها وتمنع موجبها مع بقائها وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته. والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام: منهم: من بالغ في نفيها وإنكارها فأضحك العقلاء على عقله وزعم أنه بذلك ينصر الشرع فجنى على العقل والشرع وسلط خصمه عليه. ومنهم: من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ومدبر لها يصرفها كيف أراد فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ويتصرف فيها كما يشاء ويختار. وهذان طرفان جائران عن الصواب. ومنهم: من أثبتها خلقا وأمرا قدرا وشرعا وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به من كونها تحت تدبيره ومشيئته وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمها عليها فيقوي سبحانه بعضها ببعض ويبطل إن شاء بعضها ببعض ويسلب بعضها قوته وسببيته ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ليعلم خلقه أنه الفعال لما يريد وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببا. وهذا باب عظيم نافع في التوحيد وإثبات الحكم يوجب للعبد إذا (18/131) ________________________________________ ص -244- تبصر فيه الصعود من الأسباب إلى مسببها والتعلق به دونها وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارا وضارها نافعا ودواءها داء وداءها دواء فالإلتفات إليها بالكلية شرك مناف للتوحيد وإنكار أن تكون أسبابا بالكلية قدح في الشرع والحكمة والإعراض عنها مع العلم بكونها أسبابا نقصان في العقل وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض وشهود الجمع في تفرقها والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة والله أعلم. فصل وأما غلط من غلط من أرباب السلوك والإرادة في هذا الباب: فحيث ظنوا أن شهود الحقيقة الكونية والفناء في توحيد الربوبية من مقامات العارفين بل أجل مقاماتهم فساروا شائمين لبرق هذا الشهود سالكين لأودية الفناء فيه وحثهم على هذا السير ورغبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفرق الطبعي فأنفوا من صحبتهم في الطريق ورأوا مفارقتهم فرض عين لا بد منه فلما عرض لهم الفرق الشرعي في طريقهم ورد عليهم منه أعظم وارد فرق جمعيتهم وقسم وحدة عزيمتهم وحال بينهم وبين عين الجمع الذي هو نهاية منازل سيرهم فافترقت طرقهم في هذا الوارد العظيم. فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه وقال: الإشتغال بالأوراد عن عين المورود انقطاع عن الغاية والقصد من الأوراد الجمعية على الآمر فما الإشتغال عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه والرجوع من حضرته إلى منازل السفر إليه وربما أنشد بعضهم: يطالب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلبو كل أوقاته رد فإذا اضطر أحدهم إلى التفرقة بوارد الأمر قال: ينبغي أن يكون الفرق على اللسان موجودا والجمع في القلب مشهودا. (18/132) ________________________________________ ص -245- ثم من هؤلاء: من يسقط الأوامر والنواهي جملة ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ومصلحة العموم ومبادىء السير فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير فإذا جد في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها. ومنهم: من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ووصل إلى مقام الفناء فيها فمن كان هذا مشهده سقط عنه الأمر والنهي عندهم. وقد يقولون: شهود إلإرادة يسقط الأمر وفي هذا المشهد يقولون: العارف لايستقبح قبيحة ولا يستحسن حسنة. ويقول قائلهم: العارف لا ينكر منكرا لإستبصاره بسر الله في القدر. ويقولون: القيام بالعبادة مقام التلبيس ويحتجون بقوله تعالى 6:9 {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}. وهذا من أقبح الجهل فإن هذا داخل في جواب (لو) التي ينتفي بها الملزوم وهو المقدم لإنتفاء اللازم وهو الجواب وهو التالي فانتفاء جعل الرسول ملكا كما اقترحوه لإنتفاء التلبيس من الله عليهم والكفار كانوا قد قالوا 6:8 {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك} أن أي نعاينه ونراه وإلا فالملك لم يزل يأتيه من عند الله بأمره ونهيه فهم اقترحوا نزول ملك يعاينونه فأخبرسبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسوله إليهم من الملائكة ولا أنزل ملكا يرونه فقال 6:8 {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ} أي لوجب العذاب وفرغ من الأمر ثم لا يمهلون إن أقاموا علىالتكذيب. وهذا نظير قوله في سورة الحجر 15:6، 8 {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} قال الله عز وجل {مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} والحق ههنا العذاب ثم قال 6:9 {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} أي لو أنزلنا عليهم (18/133) ________________________________________ ص -246- ملكا لجعلناه في صورة آدمي إذ لا يستطيعون التلقي عن الملك في صورته التي هو عليها وحيئنذ فيقع اللبس منا عليهم لأنهم لا يدرون: أرجل هو أم ملك؟ ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم وشبهنا عليهم الذي طلبوه بغيره. وقوله: "ما يلبسون" فيه قولان. أحدهما: أنه جزاء لهم على لبسهم على ضعفائهم والمعنى: أنهم شبهوا على ضعفائهم ولبسوا عليهم الحق بالباطل فشبه عليهم وتلبس عليهم الملك بالرجل. والثاني: أنا نلبس عليهم ما لبسوا على أنفسهم وأنهم خلطوا على أنفسهم ولم يؤمنوا بالرسول منهم بعد معرفتهم صدقه وطلبوا رسولا ملكيا يعاينونه وهذا تلبيس منهم على أنفسهم فلو أجبناهم إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده وللبسنا عليهم لبسهم على أنفسهم. وأي تعلق لهذا بالتلبيس الذي ذكرته هذه الطائفة من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب وتعليق المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام والعلل والإنتقام بالجنايات والمثوبات بالطاعات مما هو محض الحكمة وموجبها. وأثر اسمه (الحكيم) في الخلق والأمر: إنما قام بالأسباب وكذلك الدنيا والآخرة وكذلك الثواب والعقاب فجعل الأسباب منصوبة للتلبيس من أعظم الباطل شرعا وقدرا. وإن الذي أوقع هؤلاء في هذا الغلو: هو نفرتهم من أرباب الفرق الأول ومشاهدتهم قبح ما هم عليه. وهم لعمر الله خير منهم مع ما هم عليه فإنهم مقرون بالجمع والفرق وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه فرق بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه وإن كانوا كثيرا ما يفرقون بأهوائهم ونفوسهم فهم في فرقهم النفسي خير من أهل هذا الجمع إذ هم (18/134) ________________________________________ ص -247- مقرون أن الله يأمر بالحسنات ويحبها وينهى عن السيئات ويبغضها وإذا فرقوا بحسب أهوائهم وفرقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرق دينا يسقط عنهم أمر الله ونهيه بل يعترفون أنه ذنب قبيح وأنهم مقصرون بل مفرطون في الفرق الشرعي ونهاية ما معهم: صحة إيمان مع غفلة وفرق نفساني وأولئك معهم جمع وشهود يصحبه فساد إيمان وخروج عن الدين. ومن العجب: أنهم فروا من فرق أولئك النفسي إلى جمع أسقط التفرقة الشرعية ثم آل أمرهم إلى أن صار فرقهم كله نفسيا فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ولا بد فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ولا بد فمن لم يفرق بالشرع فرق بالنفس والهوى فهم أعظم الناس اتباعا لأهوائهم يميلون مع الهوى حيث مال بهم ويزعمون أنه الحقيقة. وبالجملة: فلهذا السلوك لوازم عظيمة البطلان منافية للإيمان جالبة للخسران 50:60 {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. وآخر أمر صاحبه: الفناء في شهود الحقيقة العامة المشتركة بين الأبرار والفجار وبين الملائكة والشياطين وبين الرسل وأعدائهم وهي الحقيقة الكونية القدرية ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثاني وهو الحقيقة الدينية النبوية فهو زنديق كافر. فصل ومنهم: من لم ير إسقاط الفرق الثاني جملة بل إنما يسقطه عن الواصل إلى عين الجمع الشاهد للحقيقة وما دام سالكا أو محجوبا عن شهود الحقيقة: فالفرق لازم له. وهؤلاء أيضا من جنس الفريق الأول بل هم خواصهم فإذا وصل واصلهم إلى شهود حقيقة الجمع: لم يجب عليه القيام بتفرقة الأوامر وإن قام بها فلحفظ (18/135) ________________________________________ ص -248- المرتبة وضبط الناموس وحفظ السالكين عن الذهاب مع الفرق الطبيعي قبل شهودهم الحقيقة ويسمون هذه الحال (تلبيسا) وقد تقدم ذكره. وسيأتي إن شاء الله تعالى كشف هذا (التلبيس) الذي يشيرون إليه كشفا بينا وقد تقدم أنهم يحتجون على سقوط الفرق عمن شهد الحقيقة بقوله تعالى 15:99 {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. ويقولون: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان في هذا المقام وإنما كان في قيامه بالأعمال تشريعا وقد ذكرنا أن (اليقين) الموت وأنه من المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام: أن الأوامر والنواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التكليف إلا إذا زال عقله وصار مجنونا. فصل ومنهم: من يرى القيام بالأوامر والنواهي واجبا إذا لم تفرق جمعيته فإذا فرقت جمعيته رأى الجمعية أوجب منها فيزعم أنه يترك واجبا لما هو أوجب منه وهذا أيضا جهل وضلال. فإن رأى أن الأمر لم يتوجه إليه من حال الجمعية فهو كافر وإن علم توجهه إليه وأقدم على تركه فله حكم أمثاله من العصاة والفساق. فصل ومنهم: من يرى الأمر لا يسقط عنه ولكن إذا ورد عليه وارد الفناء والجمع غيب عقله واصطلمه فلم يشعر بوقت الواجب ولا حضوره حتى يفوته فيقضيه فهذا متى استدعى ذلك الفناء وطلبه فليس بمعذور في اصطلامه بل هو عاص لله في استدعائه ما يعرضه لإضاعة حقه وهو مفرط أمره إلى الله ومتى هجم عليه بغير استدعاء وغلب عليه مع مدافعته له خشية إضاعة الحق فهذا معذور وليس بكامل في حاله بل الكمال وراء ذلك وهو الإنتقال عن وادي الجمع (18/136) ________________________________________ ص -249- والفناء والخروج عنه إلى أودية الفرق الثاني والبقاء فالشأن كل الشأن فيه وهو الذي كان ينادي عليه شيخ الطائفة على الإطلاق الجنيد بن محمد رحمه الله ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله فهجرهم وحذر منهم وقال عليكم بالفرق الثاني فإن الفرق فرقان الفرق الأول: وهو النفسي الطبيعي المذموم وليس الشأن في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الربوبية والحقيقة الكونية بل الشأن في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثاني وهو الحقيقة الدينية ومن لم يتسع قلبه لذلك فليترك جمعه وفناءه تحت قدمه ولينبذه وراء ظهره مشتغلا بالفرق الثاني والكمال أيضا وراء ذلك وهو شهود الجمع في الفرق والكثرة في الوحدة وتحكيم الحقيقة الدينية على الحقيقة الكونية فهذا حال العارفين الكمل: يسقى ويشرب لا تلهيه سكرته عن النديم ولا يلهو عن الكاس "إني لاسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأتجوز فيها كراهة أن أشق على أمه" وكان ﷺ في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه يشعر بعائشة إذا استفتحت الباب فيمشي خطوات يفتح لها ثم يرجع إلى مصلاه و"ذكر في صلاته تبرا كان عنده فصلى ثم قام مسرعا فقسمه وعاد إلى مجلسه" فلم تشغله جمعيته العظمى التي لا يدرك لها من بعده رائحة عن هذه الجزيئات صلوات الله وسلامه عليه. فصل ومنهم: من يتمكن الإيمان والعلم من قلبه فإذا جاء الأمر قام إليه وبادر بجمعيته فإن صحبته وإلا طرحها وبادر إلى الأمر وعلم أنه لا يسعه غير ذلك وأن الجمعية فضل والأمر فرض ومن ضيع الفروض للفضول حيل بينه وبين الوصول لكن إذا جاءت المندوبات التي هي محل الأرباح والمكاسب (18/137) ________________________________________ ص -250- العظيمة والمصالح الراجحة من عيادة المريض واتباع الجنازة والجهاد المستحب وطلب العلم النافع والخلطة التي ينتفع بها وينفع غيره ولم يؤثرها على جمعيته إذا رأى جمعيته خيرا له وأنفع منها فهذا غير آثم ولا مفرط إلا إذا تركها رغبة عنها بالكلية واستبدالا بالجمعية فهذا ناقص. أما إذا قام بها أحيانا وتركها أحيانا لإشتغاله بجمعيته فهذا غير مذموم بل هذا حقيقة الإعتكاف المشروع وهو جمعية العبد على ربه وخلوته به وكان النبي ﷺ "يحتجر بحصير في المسجد في اعتكافه يخلو به مع ربه عز وجل" ولم يكن يشتغل بتعليم الصحابة وتذكيرهم في تلك الحال ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره: أنه لا يستحب للمعتكف إقراء القرآن والعلم وخلوته للذكر والعبادة أفضل له واحتجوا بفعل النبي ﷺ. فصل وأكمل من هؤلاء: من إذا جاءه تفرقة الأمر ورآها أرجح من مصلحة الجمعية ولم يمكنه الجمع في التفرقة: اشترى الفاضل بالمفضول والراجح بالمرجوح فإذا كان المندوب مفضولا مرجوحا والجمع خيرا منه: اشتغل بالجمع عنه فهذا أعلى الأقسام والرجل كل الرجل من يرد من تفرقته على جمعه ومن جمعه على تفرقته فيقوي كل واحد منهما بالآخر ولا يلغى الحرب بينهما فإذا جاءت تفرقة الأمر جد فيها وقام بها لجمعيته مقويا لها بالأمر فإذا جاءت حالة الجمعية تقوى بها على تفرقة الأمر والبقاء به فيرد من هذا على هذا ومن هذا على هذا فإذا جاءت تفرقة الأمر قال: "أتفرق لله ليجمعني عليه" وإذا جاءت الجمعية قال: "أجتمع لأتقوى على أمر الله ورضاه لا لمجرد حظي ولذتي من هذه الجمعية" فما أكثر من يغيب بحظه منها ولذتها ونعيمها وطيبها عن مراد الله منه. فتدبر هذا الفصل وأحط به علما فإنه من قواعد السلوك والمعرفة وكم قد (18/138) ________________________________________ ص -251- زلت فيه من أقدام وضلت فيه من أفهام ومن عرف ما عند الناس ونهض من مدينة طبعه إلى السير إلى الله عرف مقداره فمن عرفه عرف مجامع الطرق ومفترق الطرق التي تفرقت بالسالكين وأهل العلم والنظر والله سبحانه الموفق للصواب. فصل أصل ذلك كله: هو الفرق بين محبة الله ورضاه ومشيئته وإرادته الكونية ومنشأ الضلال في هذا الباب: من التسوية بينهما أو اعتقاد تلازمهما فسوى بينهما الجبرية والقدرية وقالوا: المشيئة والمحبة سواء أو متلازمان. ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله قضاؤه وقدره طاعته ومعاصيه خيره وشره فهو محبو به. ثم من تعبد منهم وسلك على هذا الإعتقاد: رأى أن الأفعال جميعها محبوبة للرب إذ هي صادرة عن مشيئته وهي عين محبته ورضاه وفنى في هذا الشهود الذي كان اعتقادا ثم صار مشهدا فلزم من ذلك ما تقدم من أنه لا يستقبح سيئة ولا يستنكر منكرا وتلك اللوازم الباطلة المنافية للشرائع جملة. ولما ورد على هؤلاء قوله تعالى 2:205 {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} 39:7 {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} وقوله 17:38 {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} واعتاص عليهم كيف يكون مكروها له وقد أراد كونه وكيف لا يحبه وقد أراد وجوده أولوا هذه الآيات ونحوها بأنه لا يحبها دينا ولا يرضاه شرعا ويكرهها كذلك بمعنى أنه لا يشرعها مع كونه يحب وجودها ويريده. فشهدوا في مقام الفناء كونها محبوبة الوجود ورأوا أن المحبة تقتضي موافقةالمحبوب المحبوب فيما يحبه والكون كله محبوبه فأحبوا بزعمهم جميع ما في الكون وكذبوا وتناقضوا فإنما أحبوا ما تهواه نفوسهم وإرادتهم فإذا كان في الكون (18/139) ________________________________________ ص -252- مالا يلائم أحدهم ويكرهه طبعه أبغضه ونفر منه وكرهه مع كونه مرادا للمحبوب فأين الموافقة وإنما وافقوا أهواءهم وإراداتهم. ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء وهذه قضاء من قضائه فنحن نرضى بها فمالنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء فتركب من اعتقادهم كونها محبوبة للرب وكونهم مأمورين بالرضا بها والتسوية بين الأفعال وعدم استقباح شيء منها أو إنكاره. وانضاف إلى ذلك اعتقادهم جبر العبد عليها وأنها ليست فعله. فلزم من ذلك: رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والإستسلام للقدر والذهاب معه حيث كان وصارت لهم هذه العقائد مشاهد وكل أحد إذا ارتاض وصفا باطنه: تجلى له فيه صورة معتقدة فهو يشاهدها بقلبه فيظنها حقا فهذا حال هذه الطائفة. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة له ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. قالوا: "ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها فليست إذا بقضاء الله إذ الرضا والقضاء متلازمان كما أن محبته ومشيئته متلازمان أو متحدان". وهؤلاء لا يجيء من سالكيهم وعبادهم ما جاء من سالكي الجبرية وعبادهم ألبتة لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم بل غايتهم التعبد والورع وهم في تعظيم الذنوب والمعاصي خير من أولئك وأولئك قد يكونون أقوى حالا وتأثيرا منهم. فمنشأ الغلط: التسوية بين المشيئة والمحبة واعتقادهم وجوب الرضا بالقضاء ونحن نبين ما في الفصلين إن شاء الله تعالى فإن القوة لله جميعا. (18/140) ________________________________________ ص -253- فصل فأما المشيئة والمحبة: فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة والعقل والفطرة وإجماع المسلمين. قال الله تعالى 4:107 {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} فقد أخبر أنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المتضمن البهت ورمى البريء وشهادة الزور وبراءة الجاني فإن الآية نزلت في قصة هذا شأنها مع أن ذلك كله بمشيئته إذ أجمع المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ يكن ولم يخالف في ذلك إلا القدرية المجوسية الذين يقولون يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء. وتأويل من تأول الآية على أنه لا يرضاه دينا مع محبته لوقوعه: مما ينبغي أن يصان كلام الله عنه إذ المعنى عندهم أنه محبوب له ولكن لا يثاب فاعله عليه فهو محبوب بالمشيئة غير مثاب عليه شرعا. ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أنه مسخوط للرب مكروه له قدرا وشرعا مع أنه وجد بمشيئته وقضائه فإنه يخلق ما يحب وما يكره وهذا كما أن الأعيان كلها خلقه وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده وسائر الأعيان الخبيثة وفيها ما يحبه ويرضاه كأنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وهكذا الأفعال كلها خلقه ومنها ما هو محبوب له وما هو مكروه له خلقه لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان وقال تعالى 2:207 {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره وقال تعالى 39:7 {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} فالكفر والشكر واقعان بمشيئة وقدره وأحدهما محبوب له مرضي والآخر مبغوض له مسخوط. وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر (18/141) ________________________________________ ص -254- 17:38 {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} فهو مكروه له مع وقوعه بمشئته وقضائه وقدره. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" فهذه كراهة لموجود تعلقت به المشيئة. وفي المسند: "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" فهذه محبة وكراهة لأمرين موجودين اجتمعا في المشيئة وافترقا في المحبة والكراهة وهذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر جميعه. وقد فطر الله عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه الله وهذا يكرهه الله ويبغضه وفلان يفعل مالا يحبه الله والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به ويترتب عليها العذاب واللعنة لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى 4:92 {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته وجعل كل واحد غير الآخر. وكان من دعاء النبي ﷺ "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك". فتأمل ذكر استعاذته ﷺ بصفة (الرضا) من صفة (السخط) وبفعل (المعافاة) من فعل (العقوبة) فالأول: للصفة والثاني: لأثرها المترتب عليها ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فما أعوذ منه: واقع بمشيئتك وإرادتك وما أعوذ به: من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه فإعادتي مما أكره وأحذر ومنعه أن يحل بي: هو بمشيئتك أيضا فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك فعياذي بك منك: عياذي بحولك وقوتك (18/142) ________________________________________ ص -255- وقدرتك ورحمتك وإحسانك مما يكون بحولك وقوتك وقدرتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر عن مشيئتك وخلقك بل هو منك ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك فأعوذ بك منك. ولا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته. وأشرنا إلى شيء يسير من معناها ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم ولكن قد فتح لك الباب فإن دخلت رأيت عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والمقصود: أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضى له ومسخوط مبغوض له مكروه له: أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة من العقل والنقل والفطرة والإعتبار فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها عباده وخالف المعقول والمنقول وخرج عما جاءت به الرسل. ولأي شيء نوع الله سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة وأشهد عباده منها ما أشهدهم؟ لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته وبغضه له فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه: وقوع أنواع المكاره بهم كما أن محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه: أوجبت وقوع أنواع المحاب لمن فعلها وشهود ما في العالم من إكرام أوليائه وإتمام نعمه عليهم ونصرهم وإعزازهم وإهانة أعدائه وعقوبتهم وإيقاع المكاره بهم: من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته بل نفس موالاته لمن والاه ومعاداته لمن عاداه: هي عين محبته وبغضه فإن الموالاة أصلها الحب والمعاداة أصلها البغض فإنكار صفة (المحبة والكراهة) إنكار لحقيقة (الموالاة والمعاداة). وبالجملة: فشهود القلوب لمحبته وكراهته كشهود العيان لكرامته وإهانته. (18/143) ________________________________________ ص -256- فصل وأما حديث الرضا بالقضاء فيقال: أولا: بأي كتاب أم بأي سنة أم بأي معقول: علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره؟ بل بجواز ذلك فضلا عن وجوبه؟ هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك ولا إباحته. بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخطه ويمقته فلا نرضى بكل قضاء كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخطه كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت عليه ويلعن ويذم. ويقال ثانيا ها هنا أمران (قضاء) وهو فعل قائم بذات الرب تعالى و(مقضيّ) وهو المفعول المنفصل عنه فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله والمقضي قسمان منه ما يرضى به ومنه مالا يرضى به. وهذا جواب من يقول: الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضى. وأما من يقول: إن الفعل هو عين المفعول والقضاء هو عين المقضي فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب. ويقال ثالثا: القضاء له وجهان. أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه فمن هذا الوجه يرضى به كله. الوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى مالا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس مثلا له اعتباران فمن حيث إنه قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به ومن حيث إنه صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه بإختياره وعصى الله بفعله: يسخطه ولا يرضى به. فهذه نهاية أقدام العالم المقرين بالنبوات في هذه المسألة ومفترق طرقهم. (18/144) ________________________________________ ص -257- قد حصرت لك أقوالهم ومآخذهم وأصول تلك الأقوال بحيث لا يشذ منها شيء وبالله التوفيق. ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع فإنه مزلة أقدام الخلق وما نجا من معاطبه إلا أهل البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره وشرائعه. فصل ثم قال صاحب المنازل: "فتوبة العامة: الاستكثار من الطاعة وهو يدعو إلى جحود نعمة الستر والإمهال ورؤية الحق على الله والإستغناء الذي هو عين الجبروت والتوثب على الله". (العامة) عندهم: من عدا باب الجمع والفناء وإن كانوا أهل سلوك وإرادة وعلم هذا مرادهم بالعامة ويسمونهم أهل الفرق ويسميهم غلاتهم (المحجوبين). ومراده: أن توبتهم مدخولة عند الخواص منقوصة فإن توبتهم من استكثارهم لما يأتون به من الحسنات والطاعات أي رؤيتهم كثرتها وذلك يتضمن ثلاث مفاسد عند الخاصة. إحداها: أن حسناتهم التي يأتون بها: سيئات بالنسبة إلى مقام الخاصة فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم محتاجون إلى التوبة من هذه الحسنات فلغفلتهم بإستكثارها عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمة الله في سترها عليهم وإمهالهم كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهالهم كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهاله لكن أهل الذنوب مقرون بستره وإمهاله وهؤلاء جاحدون لذلك لأنهم قد توفرت هممهم على استكثارهم من الحسنات دون مطالعة عيب النفس والعمل والتفتيش على دسائسهما وأن الحامل لهم على استكثارها رؤيتها والإعجاب بها ولو تفرغوا لتفتيشها ومحاسبة النفس عليها والتمييز بين ما فيها من الحظ والحق لشغلهم ذلك على استكثارها ولأجل هذا كان من عدم الحضور والمراقبة والجمعية (18/145) ________________________________________ ص -258- في العمل خف عليه واستكثر منه فكثر في عينه وصار بمنزلة العادة فإذا أخذ نفسه بتخليصها من الشوائب وتنقيتها من الكدر وما في ذلك من شوك الرياء وشبرق الإعجاب وجمعية القلب والهم على الله بكليته وجد له ثقلا كالجبال وقل في عينه ولكن إذا وجد حلاوته سهل عليه حمل أثقاله والقيام بأعبائه والتلذذ والتنعم به مع ثقله. وإذا أردت منهم هذا القدر كما ينبغي فانظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعقلها وفهم ما أريد بكل آية وحظك من الخطاب بها وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها كيف تدرك الختمة أو أكثرها أو ما قرأت منها بسهولة وخفة مستكثرا من القراءة فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به وتنزيل دوائه على أدواء قلبك والإستشفاء به لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها وكذلك إذا جمعت قلبك كله على ركعتين أعطيتهما ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة لم تكد أن تصلي غيرهما إلا بجهد فإذا خلا القلب من ذلك عددت الركعات بلا حساب فالإستكثار من الطاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوب منها هي توبة العامة. المفسدة الثانية: رؤية فاعلها أن له حقا على الله في مجازاته على تلك الحسنات بالجنات والنعيم والرضوان ولهذا كثرت في عينه مع غفلته عن أعماله ولو كانت أعمال الثقلين لا تستقل بدخول الجنة ولا بالنجاة من النار وأنه لن ينجو أحد ألبتة من النار بعمله إلا بعفو الله ورحمته. الثالثة: استشعارهم الإستغناء عن مغفرة الله وعفوه بما يشهدون من استحقاق المغفرة والثواب بحسناتهم وطاعاتهم فإن ظنهم أن حصول النجاة والثواب بطاعاتهم واستكثارهم منها لذلك وكثرتها في عيونهم إظهار للإستغناء عن مغفرة الله وعفوه وذلك عين الجبروت والتوثب على الله. (18/146) ________________________________________ ص -259- ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة ولا إقبال على الله قد يتضمن تلك المفاسد الثلاث وغيرها مع أنه قليل المنفعة دينا وأخرى كثير المؤنة فهو كالعمل على غير متابعة الأمر والإخلاص للمعبود فإنه وإن كثر متعب غير مفيد فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة الكثيرة المنظر القليلة الفائدة فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها. وهكذا ينبغي أن يكون سائر الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع كالطواف وأعمال المناسك ونحوها. فإن انضاف إلى ذلك إحسان ظنه بها واستكثارها وعدم التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتوبة إلى الله واستغفاره منها: جاءت تلك المفاسد التي ذكرها وما هو أكثر منها. وقد ظن بعض الشارحين لكلامه: أن مراده: الإزراء بالاستكثار من الطاعات وأن مجرد الفناء والشهود والاستغراق في حضرة المراقبة خير منها وأنفع وهذا باطل وكذب عليه وعلى الطريقة والحقيقة. ولا ريب أن هذه طريقة المنحرفين من السالكين وهو تعبد بمراد العبد وحظه من الله وتقديم له على مراد الله ومحابه من العبد. فإن للعبد حظا وعليه حقا فحق الله عليه: تنفيذ أوامره والقيام بها والاستكثار من طاعاته بحسب الإمكان والاشتغال بمحاربة أعدائه ومجادلتهم ولو فرق ذلك جمعيته وشتت حضوره فهذا هو العبودية التي هي مراد الله. (18/147) ________________________________________ ص -260- وأما الجمعية والمراقبة والاستغراق في الفناء وتعطيل الحواس والجوارح عن إرسالها في الطاعات والاستكثار منها: فهذا مجرد حظ العبد ومراده وهو بلا شك أنعم وألذ وأطيب من تفرقة الاستكثار من الطاعات لا سيما إذا شهدوا تفرقة المستكثرين منها وقلة نصيبهم من الجمعية فإنهم تشتد نفرتهم منهم ويعيبون عليهم ويزرون بهم وقد يسمون من رأوه كثير الصلاة (ثقاقيل الحصر) ومن رأوه كثير الطواف (حمر المدار) ونحو ذلك. وقد أخبرنى من رأى ابن سبعين قاعدا في طرف المسجد الحرام وهو يسخر من الطائفين ويذمهم ويقول: كأنهم الحمر حول المدار ونحو هذا وكان يقول: إقبالهم على الجمعية أفضل لهم. ولا ريب أن هؤلاء مؤثرون لحظوظهم على حقوق ربهم واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم فانين بها عن حق الله ومراده. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكي عن بعض العارفين أنه قال: "العامة تعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم". وصدق رحمه الله فإن هؤلاء المستكثرين من الطاعات الذائقين لروح العبادة الراجين ثوابها قد رفع لهم علم الثواب وأنه مسبب عن الأعمال فشمروا إليه راجين أن تقبل منهم أعمالهم على عيبها ونقصها بفضل الله خائفين أن ترد عليهم إذ لا تصلح لله ولا تليق به فيردها بعدله وحقه فهم مستكثرون بجهدهم (18/148) ________________________________________ ص -261- من طاعاته بين خوفه ورجائه والإزراء على أنفسهم والحرص على استعمال جوارحهم في كل وجه من وجوه الطاعات رجاء مغفرته ورحمته وطمعا في النجاة فهم يقاتلون بكل سلاح لعلهم ينجون. قالوا: وأما ما أنتم فيه من الفناء ومشاهدة الحقيقة والقيومية والاستغراق في ذلك: فنحن في شغل عنه بتنفيذ أوامر صاحب الحقيقة والقيومية والاستكثار من طاعاته وتصريف الجوارح في مرضاته كما أنكم بفنائكم واستغراقكم في شهود الحقيقة وحضرة الربوبية في شغل عما نحن فيه فكيف كنتم أولى بالله منا ونحن في حقوقه ومراده منا وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه؟. قالوا: وقد ضرب لنا ولكم مثل مطابق لمن تأمله: بملك ادعى محبته مملوكان من مماليكه فاستحضرهما وسألهما عن ذلك؟ فقالا: أنت أحب شيء إلينا ولا نؤثر عليك غيرك فقال: إن كنتما صادقين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرفاهم بحقوقي عليهم وأخبراهم بما يرضيني عنهم ويسخطني عليهم وابذلا قواكما في تخليصهم من مساخطي ونفذا فيهم أوامرى واصبرا على أذاهم وعودا مريضهم وشيعا ميتهم وأعينا ضعيفهم بقوا كما وأموالكما وجاهكما ثم اذهبا إلى بلاد أعدائي بهذه الملطفات وخالطوهم وادعوهم إلى موالاتى واشتغلا بهم ولا تخافوهم فعندي من جندي وأوليائي من يكفيكما شرهم. فأما أحد المملوكين: فقام مبادرا إلى امتثال أمره وبعد عن حضرته في طلب مرضاته. وأما الآخر فقال له: لقد غلب على قلبي من محبتك والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك: ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك. فقال له: إن رضائي في أن تذهب مع صاحبك فتفعل كما فعل وإن بعدت عن مشاهدتي. فقال: لا أوثر على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئا. (18/149) ________________________________________ ص -262- فأيّ المملوكين أحب إلى هذا الملك وأحظى عنده وأخص به وأقرب إليه؟ أهذا الذي آثر حظه ومراده وما فيه لذته على مراد الملك وأمره ورضاه؟ أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره وفرغ لها قواه وجوارحه وتفرق فيها في كل وجه فما أولاه أن يجمعه أستاذه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها ويجعله من خاصته وأهل قربه ! وما أولى صاحبه بأن يبعده عن قربه ويحجبه عن مشاهدته ويفرقه عن جمعيته عليه ويبدله بالتفرقة التي هرب منها في تفرقة أمره تفرقة في هواه ومراده بطبعه وبنفسه. فليتأمل اللبيب هذا حق التأمل وليفتح عين بصيرته ويسير بقلبه فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم ومن هو أولى بالعبودية ومن هو البعيد منها. ولا ريب أن من أظهر الاستغناء عن الله وطاعاته وتوثب عليه وأورثته الطاعات جبروتا وحجبا عن رؤيته عيوب نفسه وعمله وكثرت حسناته في عينه فهو أبغض الخلق إلى الله تعالى وأبعدهم عن العبودية وأقربهم إلى الهلاك لا من استكثر من الباقيات الصالحات ومن مثل ما وصى به النبي ﷺ من سأله مرافقته في الجنة فقال: "أعنّى على نفسك بكثرة السجود" ومن قوله تعالى: 51 :17، 18 {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال الحسن: "مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون" وقال النبي ﷺ: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد" وقال لمن سأله أن يوصيه بشيء يتشبث به: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله". والدين كله استكثار من الطاعات وأحب خلق الله إليه: أعظمهم استكثارا منها. وفي الحديث الصحيح الإلهي: "ما تقرب إلي عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه (18/150) ________________________________________ ص -263- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه". فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الربوبية. وقال ﷺ لآخر: "عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" فصل وهذه الطريقة في الإرادة والطلب: نظير طريقة التجهم في العلم والمعرفة تلك تعطيل للصفات والتوحيد وهذه تعطيل للأمر والعبودية وانظر إلى هذا النسب والإخاء الذى بينهما كيف شرك بينهما نفي اللفظ كما شرك بينها في المعنى فتلك طريقة النفي وهذه طريقة الفناء تلك نفى لصفات المعبود وهذه فناء عن عبوديته. وأما نفي خواص العبيد وفناؤهم: فأمر وراء نفي أولئك وفنائهم لأن نفيهم لصفات النقائص وما يضاد أوصاف الكمال وفناءهم عن إرادة غيره ومحبته وخوفه ورجائه ففناؤهم عن كل ما يخالف أمره ومحابه ونفيهم لكل ما يضاد كماله وجلاله ومن له فرقان فهو يعرف هذا وهذا وغيره لا اعتبار به. وصاحب المنازل رحمه الله كان شديد الإثبات للأسماء والصفات مضادا للجهمية من كل وجه وله كتاب (الفاروق) استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها ولم يسبق إلى مثله وكتاب (ذم الكلام وأهله) طريقته فيه أحسن طريقة وكتاب لطيف في أصول الدين يسلك فيه طريقة أهل (18/151) ________________________________________ ص -264- الإثبات ويقررها وله مع الجهمية المقامات المشهودة وسعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة والله يعصمه منهم ورموه بالتشبيه والتجسيم على عادة بهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة. ولكنه رحمه الله كانت طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات فإنه لا يقدم على الفناء شيئا ويراه الغاية التي يشمر إليها السالكون والعلم الذي يؤمه السائرون واستولى عليه ذوق الفناء وشهود الجمع وعظم موقعه عنده واتسعت إشاراته إليه وتنوعت به الطرق الموصلة إليه علما وحالا وذوقا فتضمن ذلك تعطيلامن العبودية باديا على صفحات كلامه وزان تعطيل الجهمية لما اقتضته أصولهم من نفي الصفات. ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له من السالكين تولد منهما القول بوحدة الوجود المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته وعصم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات فأشرف من عقبة الفناء على وادى الاتحاد بأرض الحلول فلم يسلك فيها ولوقوفه على عقبته وإشرافه على تلك الربوع الخراب ودعوة الخلق أقسمت إلى الوقوف على تلك العقبة الاتحادية بالله جهد أيمانهم: إنه لمعهم ومنهم وحاشاه. وتولى شرح كتابه أشدهم في الاتحاد طريقة وأعظمهم فيه مبالغة وعنادا لأهل الفرق: العفيف التلمساني ونزل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل (18/152) ________________________________________ ص -265- على جمع الوجود وهو لم يرد به حيث ذكره إلا جمع الشهود ولكن الألفاظ مجملة وصادفت قلبا مشحونا بالاتحاد ولسانا فصيحا متمكنا من التعبير عن المراد {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} فصل قال: "وتوبة الأوساط: من استقلال العبد المعصية وهو عين الجرأة والمبارزة ومحض التزين بالحمية والاسترسال للقطيعة". يريد: أن استقلال المعصية ذنب كما أن استكثار الطاعة ذنب والعارف من صغرت حسناته في عينه وعظمت ذنوبه عنده وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله وسيئاتك بالعكس ومن عرف الله وحقه وما ينبغى لعظمته من العبودية: تلاشت حسناته عنده وصغرت جدا في عينه وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية: أمر آخر وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها لأنه كلما استكثر منها فتحت له أبواب المعرفة بالله والقرب منه فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر معه جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين وإذا كثرت في عينه وعظمت دل على أنه محجوب عن الله تعالى غير عارف به وبما ينبغي له وبحسب هذه المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه وتعظم في عينه لمشاهدته الحق ومستحقه وتقصيره في القيام به وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل وجه. إذا عرف هذا فاستقلال العبد المعصيته عين الجرأة على الله وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها وخفت على قلبه وذلك نوع مبارزة. وأما قوله: "ومحض التزين بالحمية" أي بالمحاماة عن النفس وإظهار براءة ساحتها لا سيما إن انضاف إلى ذلك مشاهدة الحقيقة والاحتجاج بالقدر وقوله: (18/153) ________________________________________ ص -266- وأي ذنب لي والمحرك لي غيري والفاعل في سواي وإنما أنا كالميت بين يدي الغاسل وما حيلة من ليس له حيلة وما قدرة من ليس له قدرة ونحو هذا مما يتضمن الجرأة على الله ومبارزته والمحاماة عن النفس واستصغار ذنوبه ومعاصيه إذا أضافها إلى الحكم فيسترسل إذا للقطيعة وهي المقاطعة لربه والانقطاع عنه فيصير خصما لله مع نفسه وشيطانه وهذا حال المحتجين بالقدر على الذنوب فإنهم خصماء الله عز وجل وهم مع الشياطين والنفوس على الله وهذا غاية البعد والطرد والانقطاع عن الله؟. فإن قلت: فكيف كانت توبة العامة من استكثار الطاعات؟ وتوبة من هم أخص منهم وأعلى درجة من استقلال المعصية وهلا كان الأمر بالضد؟. قلت: الاوساط لما كانوا أشد طلبا لعيوب النفس والعمل وأكثر تفتيشا عليها: انكشف لهم من ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامة إذ حرص العامة على الاستكثار من الطاعات ولذلك كثرت في أعينهم وحرص هؤلاء على تنقية أنفسهم من الآفات والتفتيش على عيوب الأعمال فاستقلال السيئات آفة هؤلاء وقاطع طريقهم واستكثار الحسنات وعظمها في قلوب أولئك آفتهم وقاطع طريقهم فذكر ما هو الأخص الأغلب على كل واحدة من الطائفتين. فصل قال: "وتوبة الخواص: من تضييع الوقت فإنه يفضي إلى درك النقيصة ويطفىء نور المراقبة ويكدر عين الصحبة". ليس مراده بتضييع الوقت: إضاعته في الاشتغال بمعصية أو لغو أو الإعراض عن واجبه وفرضه فإنهم لو أضاعوه بهذا المعنى لم يكونوا من الخواص بل هذه توبة العامة بعينها و (الوقت) عند القوم: أخص منه في لغة العرب حتى إن منهم من يقول: "الوقت: هو الحق" ومنهم من يقول: "استغراق رسم العبد في وجود الحق" يشيرون إلى الفناء في حضرة الجمع والغالب على اصطلاحهم: أنه (18/154) ________________________________________ ص -267- من الإقبال على الله بالمراقبة والحضور والفناء في الوحدانية ويقولون: هو صاحب وقت مع الله فخصوا (الوقت) بهذا الاسم تخصيصا للفظ العام ببعض أفراده وإلا فكل من هو مشغول بأمر يعنى به فان في شهوده وطلبه: فله وقت معه بل أوقاته مستغرقة فيه. فتوبة هؤلاء من إضاعة هذا الوقت الخاص الذي هو وقت وجد صادق وحال صحيحة مع الله تعالى لا يكدرها الأغيار. وربما يمر بك إشباع القول في (الوقت) والفرق بين الصحيح منه والفاسد فيما بعد إن شاء الله. والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد فالعبد سائر لا واقف فإما إلى فوق وإما إلى أسفل إما إلى أمام وإما إلى وراء وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار فمسرع ومبطىء ومتقدم ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف ألبتة وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء 74 :35، 37 {إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ، نَذِيراً لِلْبَشَرِ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة فمن لم يتقدم إلى هذه الآعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة. فإن قلت: كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه. قلت: لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه ويعدها للسير فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة فإن "لكل عمل شرة ولكل شرة فترة". (18/155) ________________________________________ ص -268- وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه فإن أجابه أخره ولا بد فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره: نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيا ليلحق الركب وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب. وبالجملة: فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقيبه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله. وقوله: "ويطفىء نور المراقبة". يعني أن المراقبة تعطي نورا كاشفا لحقائق المعرفة والعبودية وإضاعة الوقت تغطي ذلك النور وتكدر الصحبة مع الله فإن صاحب الوقت مع صحبة الله وله مع الله معية خاصة بحسب حفظه وقته مع الله فإن كان مع الله كان الله معه فإذا أضاع وقته كدر عين هذه المعية الخاصة وتعرض لقطع هذه الصحبة فلا شيء أضر على العارف بالله من إضاعة وقته مع الله ويخشى عليه إن لم يتداركه بالرجوع: أن تستمر الإضاعة إلى يوم القيامة فتكون حسرته وندامته أعظم من حسرة غيره وندامته وحجابه عن الله أشد من حجاب من سواه ويكون حاله شبيها بحال قوم يؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها صرفت وجوههم عنها إلى النار فإذن توبة الخواص تكون من تضييع أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه الأمور. فصل وفوق هذا مقام آخر من التوبة أرفع منه وأخص لا يعرفه إلا الخواص المحبون الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم فلا (18/156) ________________________________________ ص -269- يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها ويرون شأن محبوبهم أعظم وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم له فهم أشد شيء احتقارا لها وإزراء بها وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم ولم يوفوه حقه: تابوا إليه من ذلك توبة أرباب الكبائر منها فالتوبة لا تفارقهم أبدا وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون 12 :76 {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} وكلما ازدادوا حبا له ازدادوا معرفة بحقه وشهودا لتقصيرهم فعظمت لذلك توبتهم ولذلك كان خوفهم أشد وإزراؤهم على أنفسهم أعظم وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم. وبالجملة: فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه: هي التوبة وسواهم محجوب عنها وفوق هذه توبة أخرى الأولى بنا الإضراب عنها صفحا. فصل قال صاحب المنازل: "ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق ثم رؤية علة التوبة ثم التوبة من رؤية تلك العلة". التوبة مما دون الله: أن يخرج العبد بقلبه عن إرادة ما سوى الله تعالى فيعبده وحده لا شريك له بأمره وباستعانته فيكون كله له وبه. وهذا أمر لا يصح إلا لمن استولى عليه سلطان المحبة فامتلأ قلبه من الله محبة له وإجلالا وتعظيما وذلا وخضوعا وانكسارا بين يديه وافتقارا إليه. فإذا صح له ذلك بقيت عليه عندهم بقية أخرى هي علة في توبته وهي شعوره بها ورؤيته لها وعدم فنائه عنها وذلك بالنسبة إلى مقامه وحاله ذنب فيتوب من هذه الرؤية. فههنا ثلاثة أمور: توبته مما سوى الله ورؤيته هذه التوبة وهي علتها وتوبته من رؤية تلك الرؤية وهذا عند القوم الغاية التي لا شيء بعدها والنهاية (18/157) ________________________________________ ص -270- التي لا تكون إلا لخاصة الخاصة ولعمر الله إن رؤية العبد فعله واحتجابه به عن ربه ومشاهدته له: علة في طريقه موجبة للتوبة. وأما رؤيته له واقعا بمنة الله وفضله وحوله وقوته وإعانته: فهذا أكمل من غيبته عنه: وهو أكمل من المقام الذي يشيرون إليه وأتم عبودية وأدعى للمحبة وشهود المنة إذ يستحيل شهود المنة على شيء لا شعور للشاهد به ألبتة. والذي ساقهم إلى ذلك: سلوك وادي الفناء في الشهود فلا يشهد مع الحق سببا ولا وسيلة ولا رسما ألبتة. ونحن لا ننكر ذوق هذا المقام وأن السالك ينتهي إليه ويجد له حلاوة ووجدا ولذة لا يجدها لغيره ألبتة وإنما يطالب أربابه والمشمرون إليه بأمر وراءه وهو أن هذا هو الكمال وهو أكمل من حال من شهد أفعاله ورآها ورأى تفاصيلها مشاهدا لها صادرة عنه بمشيئة الله وإرادته ومعونته فشهد عبوديته مع شهود معبوده ولم يغب في شهود العبودية عن المعبود ولا بشهود المعبود عن العبودية فكلاهما نقص والكمال: أن تشهد العبودية حاصلة بمنة المعبود وفضله ومشيئته فيجتمع لك الشهودان فإن غبت بأحدهما عن الآخر فالمقام مقام توبة وهل في الغيبة عن العبودية إلا هضم لها؟. والواجب: أن يقع التحاكم في ذلك إلى الله ورسوله وإلى حقائق الإيمان دون الذوق فإننا لا ننكر ذوق هذه الحال وإنما ننكر كونها أكمل من غيرها فأين الإشارة في القرآن أو في السنة أو في كلام سادات العارفين من الصحابة ومن تبعهم إلى هذا الفناء وأنه هو الكمال وأن رؤية العبد لفعله بالله وحوله وفضله وشهوده له كذلك: علة تجب التوبة منها؟. وهذا القدر مما يصعب إنكاره على القوم جدا ويرمون منكره بأنه محجوب من أهل الفرق وأنه لم يصل إلى هذا المقام ولو وصل إليه لما أنكره وليس في (18/158) ________________________________________ ص -271- شيء من ذلك حجة لتصحيح قولهم ولا جواب المطالبة فقد سألك هذا المحجوب عن مسألة شرعية وما ذكرتموه ليس بجواب لها. ولعمر الله إنه يراكم محجوبين عن حال أعظم من هذه الحال ومقام أرفع منه وليس في مجرد الفناء والاستغراق في شهود القيومية وإسقاط الأسباب والعلل والحكم والوسائط كثير علم ولا معرفة ولا عبودية وهل المعرفة كل المعرفة والعبودية: إلا شهود الأشياء على ما هي عليه والقرآن كله مملوء من دعاء العباد إلى التفكر في الآيات والنظر في أحوال المخلوقات ونظر الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله وأخص من ذلك: نظره فيما قدم لغده ومطالعته لنعم الله عليه بالإيمان والتوفيق والهداية وتذكر ذلك والتفكر فيه وحمد الله وشكره عليه وهذا لا يحصل مع الفناء حتى عن رؤية الرؤية وشهود الشهود. ثم إن هذا غير ممكن ألبتة فإنكم إذا جعلتم رؤيته لتوبته علة يتوب منها فإن رؤيته لتلك الرؤية أيضا علة توجب عليه توبة وهلم جرا فلا ينتهي الأمر إلا بسقوط التمييز جملة والسكر والطمس المنافي للعبودية فضلا عن أن يكون غاية للعبودية. فتأمل الآن تفاصيل عبودية الصلاة كيف لا تتم إلا بشهود فعلك الذى متى غبت عنه كان ذلك نقصا في العبودية. فإذا قال المصلي: "وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفا" فعبودية هذا القول: أن يشهد وجهه وهو قصده وإرادته وأن يشهد حقيقته وهي إقباله على الله. ثم إذا قال: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" فعبودية هذا القول: أن يشهد الصلاة والنسك المضافين ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى الله بلسانه ما هو غائب عن استحضاره بقلبه فكيف يكون هذا أكمل وأعلى من حال من استحضر فعله وعبوديته وأضافهما إلى الله وشهد مع (18/159) ________________________________________ ص -272- ذلك كونهما به؟ فأين هذا من حال المستغرق الفاني المصطلم الذي قد غاب بمعبوده عن حقه وقد أخذ منه وغيب عنه. نعم غاية هذا: أن يكون معذورا أما أن يكون مقامه أعلى مقام وأجله: فكلا. وكذلك إذا قال في قراءته {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فعبودية هذا القول: فهم معنى العبادة والاستعانة واستحضارهما وتخصيصهما بالله ونفيهما عن غيره فهذا أكمل من قول ذلك بمجرد اللسان. وكذلك إذا قال في ركوعه: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وما استقلت به قدمي" فكيف يؤدي عبودية هذه الكلمات غائب عن فعله مستغرق في فنائه وهل يبقى غير أصوات جارية على لسانه ولولا العذر لم تكن هذه عبودية. نعم رؤية هذه الأفعال والوقوف عندها والاحتجاب بها عن المنعم بها الموفق لها المان بها: من أعظم العلل والقواطع قال تعالى 49 :17 {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فالعارف غائب بمنة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها والجاهل غائب بها عن رؤية منة الله والفاني غائب باستغراقه في الفناء وشهود القيومية عن شهودها وهو ناقص وقد جعل الله لك شيء قدرا. فصل ونذكر نبذا تتعلق بأحكام التوبة تشتد الحاجة إليها ولا يليق بالعبد جهلها. منها: أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها فمتى أخرها عصى بالتأخير فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى وهي توبته من تأخير التوبة وقل أن تخطر هذه ببال التائب بل عنده: أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة (18/160) ________________________________________ ص -273- ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم فإنه عاص بترك العلم والعمل فالمعصية في حقه أشد وفي صحيح ابن حبان: أن النبي ﷺ قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم". فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب ولا يعلمه العبد. وفي الصحيح عنه ﷺ: "أنه كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت". وفي الحديث الآخر: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله خطأه وعمده سره وعلانيته أوله وآخره". فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه. فصل وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟. فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره. والمسألة مشكلة ولها غور ويحتاج الجزم بأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح الإسلام وهو توبة من الكفر (18/161) ________________________________________ ص -274- مع البقاء على معصية لم يتب منها فهكذا تصح التوبة من ذنب مع بقائه على آخر. وأجاب الآخرون عن هذا بأن الإسلام له شأن ليس لغيره لقوته ونفاذه وحصوله تبعا بإسلام الأبوين أو أحدهما للطفل وكذلك بانقطاع نسب الطفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد القولين وكذلك يكون بكون سابيه ومالكه مسلما في أحد القولين أيضا وذلك لقوته وتشوف الشرع إليه حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية. واحتج الآخرون بأن التوبة: هى الرجوع إلى الله من مخالفته إلى طاعته وأي رجوع لمن تاب من ذنب واحد وأصر على ألف ذنب؟. قالوا: والله سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب لأنه قد رجع إلى طاعته وعبوديته وتاب توبة نصوحا والمصر على مثل ما تاب منه أو أعظم لم يراجع الطاعة ولم يتب توبة نصوحا. قالوا: ولأن التائب إذا تاب إلى الله فقد زال عنه اسم (العاصي) كالكافر إذا أسلم زال عنه اسم (الكافر) فأما إذا أصر على غير الذنب الذي تاب منه فاسم (المعصية) لا يفارقه فلا تصح توبته. وسر المسألة أن التوبة: هل تتبعض كالمعصية فيكون تائبا من وجه دون وجه كالإيمان والإسلام؟. والراجح: تبعضها فإنها كما تتفاضل في كيفيتها كذلك تتفاضل في كميتها ولو أتى العبد بفرض وترك فرضا آخر لاستحق العقوبة على ما تركه دون ما فعله فهكذا إذا تاب من ذنب وأصر على آخر لأن التوبة فرض من الذنبين فقد (18/162) ________________________________________ ص -275- أدى أحد الفرضين وترك الآخر فلا يكون ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة. والآخرون يجيبون عن هذا بأن التوبة فعل واحد معناه الإقلاع عما يكرهه الله والندم عليه والرجوع إلى طاعته فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة إذ هي عبادة واحدة فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك بعضها فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات المتنوعات بعضها ببعض. وأصحاب القول الآخر يقولون: كل ذنب له توبة تخصه وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر. والذي عندي في هذه المسألة: أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه: فتصح كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس: فهذا لا تصح توبته وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس إما لأن وزرها أخف وإما لغلبة دواعي الطبع إليها وقهر سلطان شهوتها له وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة لا يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه فلا يدعونه يتوب منها وله بينهم حظوة بها و جاه فلا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة كما قال أبو نواس لأبي العتاهية وقد لامه على تهتكه في المعاصي: (18/163) ________________________________________ ص -276- أتراني يا عتاهي تاركا تلك الملاهي أتراني مفسدا بالنسك عند القوم جاهي فمثل هذا إذا تاب من قتل النفس وسرقة أموال المعصومين وأكل أموال اليتامى ولم يتب من شرب الخمر والفاحشة: صحت توبته مما تاب منه ولم يؤاخذ به وبقي مؤاخذا بما هو مصر عليه والله أعلم. فصل ومن أحكام (التوبة) أنه: هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط؟. فشرط بعض الناس: عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تبينا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة. والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته. فإن كانت في حق آدمي: فهل يشترط تحلله فيه تفصيل سنذكره إن شاء الله فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة. والمسألة مبنية على أصل وهو: أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر إن مات مصرا أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إليه إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير؟. وفي هذا الأصل قولان. فقالت طائفة: يعود إليه إثم الذنب الأول لفساد التوبة وبطلانها بالمعاودة. قالوا: لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإسلام من الكفر والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه فإن ارتد عاد إليه الإثم الأول مع (18/164) ________________________________________ ص -277- إثم الردة كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" فهذا حال من أسلم وأساء في إسلامه ومعلوم أن الردة من أعظم الإساءة في الإسلام فإذا أخذ بعدها بما كان منه في حال كفره ولم يسقطه الإسلام المتخلل بينهما فهكذا التوبة المتخللة بين الذنبين لا تسقط الإثم السابق كما لا تمنع الإثم اللاحق. قالوا: واولأن صحة التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها والمعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط كما أن صحة الإسلام مشروطة باستمراره والموافاة عليه. قالوا: والتوبة واجبة وجوبا مصينقا مدى العمر فوقتها مدة العمر إذ يجب عليه استصحاب حكمها في مدة عمره فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطرات في صوم اليوم فإذا أمسك معظم النهار ثم نقض إمساكه بالمفطرات: بطل ما تقدم من صيامه ولم يعتد به وكان بمنزلة من لم يمسك شيئا من يومه. قالوا: ويدل على هذا: الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" وهذا أعم من أن يكون هذا العمل الثاني كفرا موجبا للخلود أو معصية موجبة للدخول فإنه لم يقل: "فيرتد فيفارق الإسلام" وإنما أخبر: أنه يعمل بعمل يوجب له النار وفي بعض السنن: "إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في وصيته فدخل النار" فالخاتمة السيئة أعم من أن تكون خاتمة بكفر أو بمعصية والأعمال بالخواتيم. فإن قيل: فهذا يلزم منه إحباط الحسنات بالسيئات وهذا قول المعتزلة والقرآن والسنة قد دلا على أن الحسنات هي التي تحبط السيئات لا العكس كما قال 11 :114 {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وقال النبي ﷺ (18/165) ________________________________________ ص -278- لمعاذ: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". قيل: والقرآن والسنة قد دلا على الموازنة وإحباط الحسنات بالسيئات فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه فعل أهل الهوى والتعصب بل نقبل الحق ممن قاله ويرد الباطل على من قاله. فأما الموازنة: فمذكورة في سورة الأعراف (7 :8، 9) والأنبياء (21 :47 ) والمؤمنين (23 :101، 111) والقارعة والحاقة (69 :19، 37). وأما الإحباط: فقد قال الله تعالى: 47 :33 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وتفسير الإبطال ها هنا بالردة لأنها أعظم المبطلات لا لأن المبطل ينحصر فيها وقال تعالى: 2 :264 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها شبه سبحانه بطلانها بالمن والأذى بحال المتصدق رياء في بطلان صدقة كل واحد منهما وقال تعالى: 49 :2 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" وقالت عائشة رضى الله عنها لأم ولد زيد بن أرقم وقد باع بيع العينة: "أخبري زيدا: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب" وقد نص أحمد على هذا في رواية فقال: "ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه فيستدين ويتزوج لا يقع في محظور فيحبط عمله". فإذا استقرت قاعدة الشريعة أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع ومنها ما يحبطها بالنص جاز ان المعاوده حسنة التوبة فتصير التوبة كأنها لم تكن فيلتقي العملان ولا حاجز بينهما فيكون التأثير لهما (18/166) ________________________________________ جميعا. قالوا: وقد دل القرآن والسنة وإجماع السلف على الموازنة وفائدتها: (18/167) ________________________________________ ص -279- اعتبار الراجح فيكون التأثير والعمل له دون المرجوح قال ابن مسعود: "يحاسب يوم القيامة فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ثم قرأ: 7 :8، 9 {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ثم قال: "إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح" قال: "ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف". وعلى هذا: فهل يحبط الراجح المرجوح حتى يجعله كأن لم يكن أو يحبط ما قابله بالموازنة ويبقى التأثير للقدر الزائد فيه قولان للقائلين بالموازنة. ينبني عليهما: أنه إذا كانت الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلا فهل يدفع الراجح المرجوح جملة فيثاب على الحسنات كلها أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات فلا يثاب عليه ولا يعاقب على تلك السيئات فيبقى القدر الزائد لا مقابل له فيثاب عليه وحده؟. وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة. وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة هل يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل أو بكل السيئات التي رجحت على القولين هذا كله على أصل أصحاب التعليل والحكم. (18/168) ________________________________________ ص -280- وأما على أصول الجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب: فالأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة من غير اعتبار شيء من ذلك ولا يدرى عندهم ما يفعل الله بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة ويثيب صاحب السيئات الراجحة وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل وأحدهما في الدرك تحت الآخر ويغفر لزيد ويعاقب عمرا مع استوائهما من جميع الوجوه وينعم من لم يطعه قط ويعذب من لم يعصه قط فليس عندهم سبب ولا حكمة ولا علة ولا موازنة ولا إحباط ولا تدافع بين الحسنات والسيئات والخوف على المحسن والمسيء واحد إذ من الجائز تعذيبهما وكل مقدور له فجائز عليه لا يعلم امتناعه إلا بإخبار الرسول: أنه لا يكون فيمتنع وقوعه لمطابقة خبره لعلمه الله عز وجل بعد وقوعه. فصل واحتج الفريق الآخر وهم القائلون بأنه لا يعود إليه إثم الذنب الذي تاب منه بنقض التوبة بأن ذلك الإثم قد ارتفع بالتوبة وصار بمنزلة ما لم يعمله وكأنه لم يكن فلا يعود إليه بعد ذلك وإنما العائد إثم المستأنف لا الماضي. قالوا: ولا يشترط في صحة التوبة العصمة إلى الممات بل إذا ندم وأقلع وعزم على الترك: محي عنه إثم الذنب بمجرد ذلك فإذا استأنفه استأنف إثمه. قالوا: فليس هذا كالكفر الذي يحبط الأعمال فإن الكفر له شأن آخر ولهذا يحبط جميع الحسنات ومعاودة الذنب لا تحبط ما تقدمه من الحسنات. قالوا: والتوبة من أكبر الحسنات فلو أبطلتها معاودة الذنب: لأبطلت غيرها من الحسنات وهذا باطل قطعا وهو يشبه مذهب الخوارج المكفعرين بالذنب والمعتزلة المخلدين في النار بالكبيرة التى تقدمها الألوف من الحسنات فإن الفريقين متفقان على خلود أرباب الكبائر في النار ولكن الخوارج كفروهم والمعتزلة فسقوهم وكلا المذهبين باطل في دين الإسلام مخالف للمنقول (18/169) ________________________________________ ص -281- والمعقول وموجب العدل: 4 :40 {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}. قالوا: وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده مرفوعا إلى النبي ﷺ: "إن الله يحب العبد المفتن التواب". قلت: وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته. قالوا: وقد علق الله سبحانه قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة فقال تعالى: 3 :135 {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} والإصرار: عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته. قالوا: وأما استمرار التوبة: فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها وليس كذلك العبادات كصيام اليوم وعدد ركعات الصلاة فإن تلك عبادة واحدة لا تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها وأما التوبة: فهي عبادات متعددة بتعدد الذنوب فكل ذنب له توبة تخصه فإذا أتى بعبادة وترك أخرى لم يكن ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كما تقدم تقريره. بل نظير هذا: أن يصوم من رمضان ويفطر منه بلا عذر فهل يكون ما أفطره منه مبطلا لأجر ما صامه منه؟. بل نظير من صلى ولم يصم أو زكى ولم يحج. ونكتة المسألة: أن التوبة المتقدمة حسنة ومعاودة الذنب سيئة فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات. قالوا: وهذا على أصول السنة أظهر فإنهم متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين ويكون محبوبا لله مبغوضا (18/170) ________________________________________ ص -282- له من وجهين أيضا بل يكون فيه إيمان ونفاق وإيمان وكفر ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر فيكون من أهله كما قال تعالى 3 :167 {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَان} وقال: 12 :106 {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله وإن كان معه تصديق لرسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر. وشركهم قسمان: شرك خفي وشرك جلي فالخفي قد يغفر وأما الجلي فلا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة لما قام بهم من السببين. فإذا ثبت هذا فمعاود الذنب: مبغوض لله من جهة معاودة الذنب محبوب له من جهة توبته وحسناته السابقة فيرتب الله سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل والحكمة ولا يظلم مثقال ذرة 41 :46 {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}. فصل وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها ثم تاب منها توبة نصوحا خالصة: عادت إليه حسناته ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها بل يقال له: تبت على ما أسلفت من خير فان الحسنات التى فعلها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاقة وصدقة وصلة وقد قال حكيم بن حزام: "يا رسول الله أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهلية وصدقة تصدقت بها وصلة وصلت بها رحمي فهل لي فيها من أجر؟ فقال: أسلمت على ما أسلفت من خير" وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة وصارت كأنها لم تكن فتلاقت الطاعتان واجتمعتا والله أعلم. (18/171) ________________________________________ ص -283- فصل ومن أحكامها: أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية وعجز عنها بحيث يتعذر وقوعها منه هل تصح توبته وهذا كالكاذب والقاذف وشاهد الزور إذا قطع لسانه والزاني إذا جب والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة والمزور إذا قطعت يده ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها. ففي هذا قولان للناس. فقالت طائفة: لا تصح توبته لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك فالتوبة من الممكن لا من المستحيل ولهذا لا تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها وتنشيف البحار والطيران إلى السماء ونحوه. قالوا: ولأن التوبة مخالفة داعي النفس وإجابة داعي الحق ولا داعي للنفس هنا إذ يعلم استحالة الفعل منها. قالوا: ولأن هذا كالمكره على الترك المحمول عليه قهرا ومثل هذا لا تصح توبته. قالوا: ومن المستقر في فطر الناس وعقولهم: أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح: توبة غير معتبرة ولا يحمدون عليها وبل يسمونها توبة إفلاس وتوبة جائحة قال الشاعر: ورحت عن توبة سائلا وجدتها توبة إفلاس قالوا: ويدل على هذا أيضا: أن النصوص المتضافرة المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند المعاينة لا تنفع لأنها توبة ضرورة لا اختيار قال تعالى: 4 :17، 18 {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ (18/172) ________________________________________ ص -284- أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} و (الجهالة) ههنا: جهالة العمل وإن كان عالما بالتحريم قال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل". وأما التوبة من قريب: فجمهور المفسرين: على أنها التوبة قبل المعاينة قال عكرمة: قبل الموت وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت وقال السدى والكلبى: أن يتوب في صحته قبل مرض موته وفي المسند وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وفى نسخة دراج أبى الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني". (18/173) ________________________________________ ص -285- فهذا شأن التائب من قريب وأما إذا وقع في السياق فقال: إني تبت الآن لم تقبل توبته وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله. قالوا: ولأن حقيقة التوبة: هي كف النفس عن الفعل الذى هو متعلق النهي والكف إنما يكون عن أمر مقدور وأما المحال: فلا يعقل كف النفس عنه ولأن التوبة هى الإقلاع عن الذنب وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع. قالوا: ولأن الذنب عزم جازم على فعل المحرم يقترن به فعله المقدور والتوبة منه: عزم جازم على ترك المقدور يقترن به الترك والعزم على غير المقدور محال والترك في حق هذا ضروري لا عزم غير مقدور بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء وتقل الجبال وغير ذلك. والقول الثاني وهو الصواب أن توبته صحيحة ممكنة بل واقعة فإن أركان التوبة مجتمعة فيه والمقدور له منها الندم وفي المسند مرفوعا: "الندم توبة" فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه فهذه توبة وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم ونيته أنه لو كان صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله. وإذا كان الشارع قد نزل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله في الحديث الصحيح: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما" وفي الصحيح أيضا عنه: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهرا مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك المختار أولى. (18/174) ________________________________________ ص -286- يوضحه: أن مفسدة الذنب التى يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلا وعزما والعقوبة تابعة للمفسدة. وأيضا فإن هذا تعذر منه الفعل ما تتعذر منه التمني والوداد فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب ومن نيته: أنه لو كان سليما لباشره فتوبته: بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن على فوته فإن الإصرار متصور في حقه قطعا فيتصور في حقه ضده وهو التوبة بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار وهذا واضح. والفرق بين هذا وبين المعاين ومن ورد القيامة: أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة والتوبة إنما تكون في زمن التكليف وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف فالأوامر والنواهي لازمة له والكف متصور منه عن التمني والوداد والأسف على فوته وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أن من توغل في ذنب وعزم على التوبة منه ولا يمكنه التوبة منه إلا بارتكاب بعضه كمن أولج في فرج حرام ثم عزم على التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء وكمن توسط أرضا مغصوبة ثم عزم على التوبة ولا يمكنه إلا بالخروج الذى هو مشى فيها وتصرف فكيف يتوب من الحرام بحرام مثله؟ وهل تعقل التوبة من الحرام بحرام؟. فهذا مما أشكل على بعض الناس حتى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلص به من الحرام. قال: لأنه لا يمكن أن يكون مأمورا به وهو حرام وقد تعين في حقه طريقا للخلاص من الحرام لا يمكنه التخلص بدونه فلا حكم في هذا الفعل ألبتة وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التكليف. (18/175) ________________________________________ ص -287- وقالت طائفة: بل هو حرام واجب فهو ذو وجهين مأمور به من أحدهما منهي عنه من الآخر فيؤمر به من حيث تعينه طريقا للخلاص من الحرام وهو من هذا الوجه واجب وينهى عنه من جهة كونه مباشرة للحرام وهو من هذا الوجه محرم فيستحق عليه الثواب والعقاب. قالوا: ولا يمتنع كون الفعل في الشرع ذا وجهين مختلفين كالاشتغال عن الحرام بمباح فإن المباح إذا نظرنا إلى ذاته مع قطع النظر عن ترك الحرام قضينا بإباحته وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركا للحرام كان واجبا. نعم غايته: أنه لا يتعين مباح دون مباح فيكون واجبا مخيرا. قالوا: وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة هي حرام وهي واجبة وستر العورة بثوب الحرير كذلك: حرام واجب من وجهين مختلفين. والصواب: أن هذا النزع والخروج من الأرض: توبة ليس بحرام إذ هو مأمور به ومحال أن يؤمر بالحرام وإنما كان النزع الذي هو جزء الوطء حراما بقصد التلذذ به وتكميل الوطء وأما النزع الذي يقصد به مفارقة الحرام وقطع لذة المعصية فلا دليل على تحريمه لا من نص ولا إجماع ولا قياس صحيح يستوي فيه الأصل والفرع في علة الحكم. ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم الله فيها وحكمه فيها: الأمر بالنزع قطعا وإلا كانت الاستدامة مباحة وذلك عين المحال وكذلك الخروج من الأرض المغصوبة: مأمور به وإنما تكون الحركة والتصرف في ملك الغير حراما إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمن لإضرار مالكها أما إذا كان القصد ترك الانتفاع وإزالة الضرر عن المالك فلم يحرم الله ولا رسوله ذلك ولا دل على تحريمه نظر صحيح ولا قياس صحيح. وقياسه على مشي مستديم الغصب وقياس نزع التائب على نزع المستديم: من أفسد القياس وأبينه بطلانا ونحن لا ننكر كون الفعل الواحد يكون له (18/176) ________________________________________ ص -288- وجهان ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به: أمكن اعتبار وجهيه فإن الشارع أمر بستر العورة ونهى عن لبس الحرير فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين فصار فعله ذا وجهين. وأما محل النزاع: فلم يتحقق فيه النهي عن النزع والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع ألبتة لا بقوله ولا بمعقول قوله إلا باعتبار هذا الفرد بفرد آخر بينهما أشد تباين وأعظم فرق في الحس والعقل والفطرة والشرع. وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو: فإن أريد به أنه: معفو له عن المؤاخذة به فصحيح وإن أريد أنه لا حكم لله فيه بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنائم والناسي والمجنون: فباطل إذ هؤلاء غير مخاطبين وهذا مخاطب بالنزع والخروج فظهر الفرق والله الموفق للصواب. فإن قيل: هذا يتأتى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزع أو خروج مفسدة فما تصنعون فيما إذا تضمن مفسدة؟ مثل مفسدة الإقامة كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم فطرح نفسه على واحد إن أقام عليه قتله بثقله وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله بثقله وقد عزم على التوبة فكيف تكون توبته؟. قيل: توبة مثل هذا: بالتزام أخف المفسدتين من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه فإن تساوت مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه فهذا يؤمر من التوبة بالمقدور له منها وهو الندم والعزم الجازم على ترك المعاودة وأما الإقلاع: فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته. فقيل: إنه لا حكم لله في هذه الحادثة لاستحالة ثبوت شىء من الأحكام الخمسة فيها إذ إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله فلا يؤمر بها ولا هو مأذون له فيها وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر فلا يؤمر بالانتقال ولا يؤذن له فيه فيتعذر الحكم في هذه الحادثة وعلى هذا فتتعذر التوبة منها. (18/177) ________________________________________ ص -289- والصواب: أن التوبة غير متعذرة فإن إلا حكم فإنه لا واقعة إلا ولله فيها حكم علمه من علمه وجهله من جهله. فيقال: حكم الله في هذه الواقعة: كحكمه في الملجأ فإنه قد ألجىء قدرا إلى إتلاف أحد النفسين ولا بد والملجأ ليس له فعل يضاف إليه بل هو آلة فإذا صار هذا كالملجأ فحكمه: أن لا يكون منه حركة ولا فعل ولا اختيار فلا يعدل من واحد إلى واحد بل يتخلى عن الحركة والاختيار ويستسلم استسلام من هو عليه من الجرحى إذ لا قدرة له على حركة مأذون له فيها ألبتة فحكمه الفناء عن الحركة والاختيار وشهود نفسه كالحجر الملقى على هذا الجريح ولا سيما إن كان قد ألقى عليه بغير اختياره فليس له أن يلقي نفسه على جاره لينجيه بقتله والقدر ألقاه على الأول فهو معذور به فإذا انتقل إلى الثاني انتقل بالاختيار والإرادة فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثم تاب وندم لا نأمره بإلقاء نفسه على جاره ليتخلص من الذنب بذنب مثله سواء. وتوبة مثل هذا إنما تتصور بالندم والعزم فقط لا بالإقلاع والإقلاع في حقه مستحيل فهو كمن أولج في فرج حرام ثم شد وربط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النزع ألبته فتوبته بالندم والعزم والتجافي بقلبه عن السكون إلى الاستدامة وكذلك توبة الأول بذلك وبالتجافي عن الإرادة والاختيار والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أنها إذا كانت متضمنة لحق آدمي: أن يخرج التائب إليه منه إما بأدائه وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به وإن كان حقا ماليا أو جناية على بدنه أو بدن موروثه كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان لاخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات". (18/178) ________________________________________ ص -290- وإن كانت المظلمة بقدم فيه بغيبة أو قدف: فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه؟ أو إعلامه قد نال من عرضه ولا يشترط تعيينه أو لا يشترط لا هذا ولا هذا بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام من قذفه واعتابه؟. على ثلاثة أقوال وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف هل يشترط في توبة القاذف: إعلام المقذوف والتحلل منه أم لا ويخرج عليهما توبة المغتاب والشاتم. والمعروف في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك اشتراط الإعلام والتحلل هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم. والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي: فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه. ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه بعينه لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره فلا بد من إعلام مستحقه به لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره. واحتجوا بالحديث المذكور وهو قوله ﷺ: "من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم". قالوا: ولأن في هذه الجناية حقين: حقا لله وحقا للآدمي فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه. قالوا: ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه إن شاء اقتص وإن شاء عفا وكذلك توبة قاطع الطريق. والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه (18/179) ________________________________________ ص -291- بضد ما ذكره به من الغيبة فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وقذفه بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما اغتابه. وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه. واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقا وغما وقد كان مستريحا قبل سماعه فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله وأورثته ضررا في نفسه أو بدنه كما قال الشاعر: فإن الذي يؤذيك منه سماعه وإن الذي قالوا وراءك لم يقل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربما كان إعلامه به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل فلا يصفو له أبدا ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب. قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين. أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه فلا يجوز إخفاؤها عنه فإنه محض حقه فيجب عليه أداؤه إليه بخلاف الغيبة والقذف فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة بل ربما سره ذلك وفرح به بخلاف إعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أن العبد إذا تاب من الذنب: فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التى حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟ اختلف في ذلك. (18/180) ________________________________________ ص -292- فقالت طائفة: يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن والمقتضي لدرجته: ما معه من الإيمان والعمل الصالح فعاد إليها بالتوبة. قالوا: لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنته بالتوبة رقته إليها وهذا كمن سقط في بئر وله صاحب شفيق أدلى إليه حبلا تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه فهكذا التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق. وقالت طائفة: لا يعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن في وقوف وإنما كان في وصعود فبالذنب صار في نزول وهبوط فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي. قالوا: ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر فإذا استقال هذا رجوعه ووقفته وسار بإثر صاحبه: لم يلحقه أبدا لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى. قالوا: والأول يسيره بقوة أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحكي هذا الخلاف ثم قال: "والصحيح: أن من التائبين من لا يعود إلى درجته ومنهم من يعود إليها ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرا مما كان قبل الدنب وكان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة". قال: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب عاد خيرا مما كان وأعلى درجة وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله وإن كان دونه لم يعد إلى درجته وكان منحطا عنها وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه المسألة. (18/181) ________________________________________ ص -293- ويتبين هذا بمثلين مضروبين. أحدهما: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ويستريح تارة وينام أخرى فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة مزهرة فدعته نفسه إلى النزول على تلك الاماكن فنزل عليها فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به وأنه رزق الوحوش والسباع وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه فبينا هو على ذلك تتقاذفه الظنون إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد واعلم أنك ما دمت حاذرا منه متيقظا له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثب عليك وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر. فإن كان هذا السائر تيسأ فطنا لبيبا حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيرا منه ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد عاد كما كان وهو معرض لما عرض له أولا. وإن أورثه ذلك توانيا في سيره وفتورا وتذكرا لطيب مقيله وحسن ذلك الروض وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله وسكونا بقلبه إليه: لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان. المثل الثاني: عبد في صحة وعافية جسم عرض له مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله كما قيل: لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل (18/182) ________________________________________ ص -294- وإن أوجب له ذلك المرض ضعفا في القوة وتداركه بمثل ما نقص من قوته عاد إلى مثل ما كان. وإن تداركه بدون ما نقص من قوته عاد إلى دون ما كان عليه من القوة وفي هذين المثلين كفاية لمن تدبرهما. وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة في الصف الأول لا يلوي على شيء في طريقه فعرض له رجل من خلفه جبذ ثوبه وأوقفه قليلا يريد تعويقه عن الصلاة فله معه حالان. أحدهما: أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة فهذه حال غير التائب. الثاني: أن يجاذبه على نفسه ويتفلت منه لئلا تفوته الصلاة. ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال. أحدها: أن يكون سيره جمزا أو وثوبا ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة فربما استدركه وزاد عليه. الثاني: أن يعود إلى مثل سيره. الثالث: أن تورثه تلك الوقفة فتورا وتهاونا فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة الجماعة وأول الوقت فهكذا حال التائبين السائرين سواء. فصل ويتبين هذا بمسألة شريفة وهي أنه: هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحا أو هذا التائب أفضل منه؟. اختلف في ذلك. فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا واحتجوا بوجوه أحدها: أن أكمل الخلق وأفضلهم: أطوعهم لله وهذا الذي لم يعص أطوع فيكون أفضل. الثاني: أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيع عدة مراحل إلى (18/183) ________________________________________ ص -295- فوق فتكون درجته أعلى من درجته وغايته: أنه إذا تاب استقبل سيره ليلحقه وذاك في سير آخر فأنى له بلحاقه؟ فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب كلما كسب أحدهما شيئا كسب الآخر مثله فعمد أحدهما إلى كسبه فأضاعه وأمسك عن الكسب المستأنف والآخر مجد في الكسب فإذا أدركته حمية المنافسة وعاد إلى الكسب: وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئا كثيرا فلا يكسب شيئا إلا كسب صاحبه نظيره فأنى له بمساواته؟. الثالث: أن غاية التوبة: أن تمحو عن هذا سيئاته ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح؟. الرابع: أن الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره ففي مدة اشتغال هذا بالذنوب: كان حظه المقت وحظ المطيع الرضا فالله لم يزل عنه راضيا ولا ريب أن هذا خير ممن كان الله راضيا عنه ثم مقته ثم رضى عنه فإن الرضى المستمر خير من الذى تخلله المقت. الخامس: أن الذنب بمنزلة شرب السم والتوبة ترياقه ودواؤه والطاعة هي الصحة والعافية وصحة وعافية مستمرة: خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه وربما أديا به إلى التلف أو المرض أبدا. السادس: أن العاصي على خطر شديد فإنه دائر بين ثلاثة أشياء أحدها: العطب والهلاك بشرب السم الثاني: النقصان من القوة وضعفها إن سلم من الهلاك والثالث: عود قوته إليه كما كانت أو خيرا منها بعيد. والأكثر إنما هو القسمان الأولان ولعل الثالث نادر جدا فهو على يقين من ضرر السم وعلى رجاء من من حصول العافية بخلاف من لم يتناول ذلك. السابع: أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا لا يجد الأعداء إليه سبيلا فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا والعاصي (18/184) ________________________________________ ص -296- قد فتح فيه ثغرا وثلم فيه ثلمة ومكن منه السراق والأعداء فدخلوا فعاثوا فيه يمينا وشمالا: أفسدوا أغصانه وخربوا حيطانه وقطعوا ثمراته وأحرقوا في نواحيه وقطعوا ماءه ونقصوا سقيه فمتى يرجع هذا إلى حاله الأول فإذا تداركه قيمه ولم شعثه وأصلح ما فسد منه وفتح طرق مائه وعمر ما خرب منه فإنه إما أن يعود كما كان أو أنقص أو خيرا ولكن لا يلحق بستان صاحبه الذى لم يزل على نضارته وحسنه بل في زيادة ونمو وتضاعف ثمرة وكثرة غرس. والثامن: أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف عزيمته ولذلك يسمى جاهلا قال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة وكذلك قال الله تعالى في حق آدم: 20 :115 {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} وقال في حق غيره: 46 :35 {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وأما من قويت عزيمته وكمل علمه وقوى إيمانه: لم يطمع فيه عدوه وكان أفضل. التاسع: أن المعصية لا بد أن تؤثر أثرا سيئا ولا بد: إما هلاكا كليا وإما خسرانا وعقابا يعقبه: إما عفو ودخول الجنة وإما نقص درجة وإما خمود مصباح الإيمان وعمل التائب في رفع هذه الآثار والتكفير وعمل المطيع في الزيادة ورفع الدرجات. ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي ﷺ خاصة فإنه يعمل في زيادة الدرجات وغيره يعمل في تكفير السيئات وأين هذا من هذا؟. العاشر: أن المقبل على الله المطيع له يسير بجمله أعماله وكلما زادت طاعاته وأعماله ازداد كسبه بها وعظم وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله فسافر ثانيا برأس ماله الأول وكسبه فكسب عشرة أضعافه أيضا فسافر ثالثا أيضا بهذا المال كله وكان ربحه كذلك وهلم جرا فإذا فتر عن السفر في آخر أمره مرة واحدة فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه وهذا معنى (18/185) ________________________________________ ص -297- قول الجنيد رحمه الله: "لو أقبل صادق على الله ألف عام ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله" وهو صحيح بهذا المعنى فإنه قد فاته في مدة الإعراض ربح تلك الأعمال كلها وهو أزيد من الربح المتقدم فإذا كان هذا حال من أعرض فكيف من عصى وأذنب وفي هذا الوجه كفاية. فصل وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه واحتجت بوجوه. أحدها: أن عبودية التوبه من احب العبوديات إلى الله وأكرمها عليه فإنه سبحانه يحب التوابين ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده فإن للتائبين عنده محبة خاصة يوضح ذلك: الوجه الثاني: أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدر كما مثله النبي ﷺ بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة بعد ما فقدها وأيس من أسباب الحياة ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرا عظيما في حال التائب وقلبه ومزيده لا يعبر عنه وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية فيصير حبيبا لله فإن الله يحب التوابين ويحب العبد المفتن التواب ويوضحه: الوجه الثالث: أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع والتملق لله والتذلل له ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة وإن (18/186) ________________________________________ ص -298- زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة فإن الذل والانكسار روح العبودية ومخها ولبها يوضحه: الوجه الرابع: أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية والله سبحانه أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله وانكسار قلبه كما في الأثر الإسرائيلي: "يا رب أين أجدك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" ولأجل هذا كان "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه. وتأمل قول النبي ﷺ فيما يروى عن ربه عز وجل "أنه يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده فقال في عيادة المريض: "لوجدتني عنده" وقال في الإطعام والإسقاء: "لوجدت ذلك عندي" ففرق بينهما فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده. وهذا والله أعلم هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم والمسافر والصائم للكسرة التي في قلب كل واحد منهم فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه وكذلك الصوم فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها. (18/187) ________________________________________ ص -299- والقصد: أن شمعة الخبر والفضل والعطايا إنما تنزل في شمعدان الانكسار وللعاصى التائب من ذلك نصيب اوفر نصيب يوضحه. الوجه الخامس: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات وهذا معنى قول بعض السلف: "قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى: ذكر بنه فيحدث له إنكساراتوبة واستغفارا وندما فيكون ذلك سبب نجاته ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين الاحتقار ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المان بها وبحاله على الله عز وجل وعباده وإن قال بلسانه خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه ويكاد يعادى الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له حقه متطلبا لعيبه في قالب حمية لله وغضب له وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه وقال: باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه. فإذا أراد الله بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره ويكفي (18/188) ________________________________________ ص -300- به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه: يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به وألبست بها حلة العبودية لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل يا آدم إنما ابتليتك بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم". يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك. يا آدم إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود بحلمى؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم؟. يا آدم لا تجزع من قولي لك: (اخرج منها) فلك خلقتها ولكن اهبط إلى دار المجاهدة وابذر بذر التقوى وأمطر عليه سحائب الجفون فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه فتعال فاحصده. يا آدم ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود وما أخرجتك منها نفيا لك عنها ما أخرجتك فيها إلا لتعود. إن جرى بيننا وبينك عتب وتناءت منا ومنك الديار فالوداد الذي عهدت مقيم والعثار الذى أصبت جيار يا آدم ذنب تذل به لدينا أحب إلينا من طاعة تدل بها علينا. يا آدم أنين المذنبين: أحب إلينا من تسبيح المدلّين. (18/189) ________________________________________ ص -301- "يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك يا ابن آدم لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بى شيئا أتيتك بقرابها مغفرة". ويذكر عن بعض العباد: أنه كان يسأل ربه في الطواف طاوفه بالبيت أن يعصمه ثم غلبته عيناه فنام فسمع قائلا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل وأجود بمغفرتي وعفوي؟ وعلى من أتوب؟ وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي؟ ونحو هذا من الكلام. يا ابن آدم إذا آمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة عرشي ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك وفي الحديث العظيم الإلهى حديث أبى ذر: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فمن علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي" 39 :53 {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. "يا عبدي! لا تعجز فمنك الدعاء وعلي الإجابة ومنك الاستغفار وعلي المغفرة ومنك التوبة وعلي تبديل سيئاتك حسنات" يوضحه: الوجه السادس: وهو قوله تعالى: 25 :70 {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح وهو حقيقة التوبة قال ابن عباس رضى الله عنهما: "ما رأيت النبي ﷺ فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت وفرحه بنزول 48 :1 {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. واختلفوا في صفة هذا التبديل وهل هو في الدنيا أو في الآخرة على (18/190) ________________________________________ قولين. (18/191) ________________________________________ ص -302- فقال ابن عباس وأصحابه: "هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها فبدلهم بالشرك إيمانا وبالزنا عفة وإحصانا وبالكذب صدقا وبالخيانة أمانة". فعلى هذا معنى الآية: أن صفاتهم القبيحة وأعمالهم السيئة عوضها صفات جميلة وأعمالا صالحة كما يبدل المريض بالمرض صحة والمبتلى ببلائه عافية. وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين: "هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة". واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذى في جامعه: حدثنا الحسين بن حريث قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله: "إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها ههنا قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه". فهذا حديث صحيح ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول نظر فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار ثم بعد ذلك أخرج منها وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات إذ ولو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت حسناته فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟. والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدة إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته وهي أن الذنب لا بد له من أثر وأثره يرتفع بالتوبة تارة وبالحسنات (18/192)