مجلة المقتبس/العدد 95/بين الشام والعراق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 95/بين الشام والعراق

مجلة المقتبس - العدد 95
بين الشام والعراق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 12 - 1914


الثروة الطبيعية

الشام قطر واسع هو باب الشرق إلى البحر الأبيض مؤلف من ثلاث ولايات هي بيروت ودمشق وحلب ولوائين هما جبل لبنان والقدس الذي يشمل البقاع الفلسطينية مهبط الوحي والنبوات ومشرق شمس الحكمة والديانات أما العراق العربي فمؤلف من ثلاث ولايات أيضاً هي بغداد عاصمة الخلفاء العباسيين والموصل رافعة لواء التمدين في العصور الوسطى ومدينة البصرة مجتمع العلماء ودار الباحثين من أقطاب الحضارة الإسلامية ويضيفون إلى العراق لواء نجد أو الإحساء الممتد على ساحل الخليج الفارسي وكان قبل أعوام قليلة تابعاً لولاية البصرة تدير شؤونه رأساً مع أن التقسيم الإداري في سورية أوسع منه في العراق فلا يزال ما بين النهرين أكثر مساحة وأجسم وضعاً.

وإذا كان في الشام أنهار جميلة كالليطاني وبردى والعاصي والأردن والساجور التي تروي بلاد الشام ففي العراق نهران عظيمان هما دجلة والفرات يؤلفان شبكة من المياهفي هاتيك الجزيرة الزاهرة التي كان يقطنها نحو عشرين مليوناً من أعقل العناصر البشرية فطوراً ترى نهراً مصدره الفرات ومصبه دجلة وآونة تشاهد جدولاً يستقي مياهه من دجلة فيدفعها إلى الفرات وهكذا يرى السائح في هاتيك الربوع أنهراً متقاطعة هي منبع حياة الزرع والضرع في بلاد قليلة الأمطار وإذا تبخل السماء بمدرارها لم تبخل الأرض بأنهارها ويظل الرافدان سائرين من أعالي الأناضول حتى يلتقيا عند القرنسة فيؤلفان شط العرب الكبير الذي يروي أراضي البصرة والمحمرة وجزءاً كبيراً من بلاد إيران ويدفع هذا النهر ماءه في قلب خليج فارس عند مضيق الفاو على شواطئه فيكون طوله نحو 145 كيلو متراً وعرضه لا يقل أمام البصرة عن 540 متراً وعمقه يختلف بين عشرة أمتار وخمسة أمتار وفيه تسير البواخر القادمة من أصقاع شاسعة كالهند وثغور فارس وبلاد الصين واليابان وأوروبا وأميركا ومصر ومنه تتفرع أنهر صغيرة كأبي الخصيب وهو معروف في كتب تخطيط البلدان العربية ونهر العشار وغيرهما فتفيض أوديتها ماءً نميراً بسبب وقوع المد والجزر مرتين كل يوم فتسيل على البساتين والحقول والمزارع وتسقي رياضاً وغياضاً في الإحصاءات المتقننة أنها لا تقل عن اثني عشر مليون نحلة أغلبها الموسرة في البصرة بقي منها فلامير الكويت ولحاكم المحمرة.

وفي العراق غير هذه من الأنهار وأن وهو الذي حفه الإسكندر المكدوني على ما قيل وديالي المشهور في كتب العرب بشهر تامراً ويسقي مقاطعة خراسان العراق وهي أخصب بقعة فيه ونهر الغراف الذي يتفرع من جانب دجلة الأيمن أمام الكوت التي انتصر فيها حق العثمانيين على باطل الإنكليز وهو يمر بمدن وقرى كثيرة من ديار المتفق لاسيما مدينة الحي ويقال أنها مدينة واسط التي شيدها الحجاج أمير العراق على عهد الأمويين وهذا النهر يصب في ضفة الفرات اليسرى على مقربة من الناصرية التي بناها الأمير ناصر باشا السعدون أحد أقطاب الأسرة السعدونية صاحبة القول المطلق حينئذ على جميع قبائل العراق تقريباً ومن أحل الاطلاع على أخبارها فليراجع كتاب مطالع السعود في أخبار الوالي داود لعثمان بن سند البصري مخؤبق كتاب تاريخ نجد المطبوع في بغداد حديثاً وبقيت هنالك أنهار أخرى كالمجر الصغير والمجر الكبير والكحلة وهي تطفئ فلة ديار بعيدة الأكتاف مترامية الأطراف في لواء العمارة ومصدرها دجلة وتصب في المستنقعات الصالحة لزراعة الأرز وهناك قبائل وأفخاذ وبطون تتخذ ومنه خبزاً نقياً وفلما تأكل القمح غلا نادراً وطعامهم مقصور على السن والأرز والتمر وهم أقوياء الأبدان سمر للسحنات يستترون بمآزر فقط وصدورهم وأكتافهم معرضة لحرارة الحر وبرودة القمر.

كل هذه الأنهار في العراق صالحة لسير السفائن البخارية والشراعية ففي دجلة تسير بواخر الشركة العثمانية التي أسسها أبو الأحرار مدحت باشا والشركة الإكليزية التي نالتامتيازها ايام السلطان عبد المجيد فأساءت الصنيع مما حمل العثمانيين على فسخه وفي الفرات والغراف وشط العرب تسير بواخر كثيرة للبريد ولتأمين الراحة وتوطيد الأمن وكما أن السكك الحديدية في سورية أحكمت عرى الروابط الاقتصادية بين حواضرها كذلك الطرق البحرية أو النهرية ربطت بلاد العراق بعضها ببعض وليس في العراق أنهار غير صالحة للسير إلا النهر وأن الخالص ودلي عباس فالأول مندرس ولم تبق منه إلا أطلال طامسة وأنقاض دراسة وكان مصدره من دجلة ما فوق سامراء بثلاث ساعات ويصب على مقربة من المدائن عاصمة دولة الساسانيين ويقول بعضهم باقياً إلى اليوم تعلوه بعض الركام من الرمال وعليه آثار القناطر والجسور ويقال أن صدره مشيد بحجارة من الرخام أفرغ عليه ذائب الرصاص ولذلك يطلقون عليه في سامراء اسم نهر الرصاصي وقد صرح كبار المهندسين في تقارير مطولة عليه في وزارة النافعة أن أحياء هذا النهر يتوقف على إنفاق ربع مليون جنيه ولكنه يسقي أصقاعاً بقعاً جرداء هي الآن لا تقل مساحتها عن ثلثمائة ألف فدان ومن ضفاف دجلة تتشعب أنهار أكثرها مندرسة كنهر القاطول وهو الذي يخترق قصور الخلفاء في سامراء ونهر الذهب فوق قرية الدور وهذه الأنهار كانت في عهد العباسيين تدر لبناً وعسلاً ولم يبقَ منها اليوم إلا أطلالها وآثارها.

ومن الفرات تتفرع أنهار كثيرة في طليعتها نهر الحلة الذي أنفقت الدولة العلية على إحيائه نحو تسعمائة ألف ليرة فشيدت له القناطر والجسور والخزانات للمياه قرب الهندية إحدى ثغور الفرات وهو الآن يروي مقاطعة الحلة ومزروعاته لا تقل عن مائة ألف فدان فعادت النضارة والنضارة تجددت الحياة في هاتيك الأصقاع التي كانت مواطن للبابليين أرباب التمدن الزاهر، وهذا المشروع من أعظم وأفخم المشاريع التي قامت في العراق بل في البلاد العثمانية بأسرها.

التجارة

إن امتدت مساحة كبيرة من سورية على ساحل البحر الأبيض قد جعلها في مقام رفيع يحسدها عليه العراق كما تحسده هي على أنهاره فسورية تفوقه بسواحلها وثغورها والعراق يفوقها بمياهه النميرة وقد استفادت سورية بأن كانت أسبق بلاد العرب إلى الاغتراف من بحار التمدين والاقتباس من أنوار الحضارة العصرية فأصبحت كعبة القصاد غليها تشد الرحال من ديار قاصية وبلاد نائية طلباً للعلم وانتجاعاً للأدب في معاهدها وكلياتها على أنها مع امتيازها البحري لا تزال دون العراق في التجارة والمكاسب لأن الزراعة في مابين النهرين جعلت صادرة من الحبوب والتمور والأصواف والجلود والأسمان ومواد الأصباغ أكثر من وارداته من ديار الفرنجة وهي لا تتجاوز عشرة ملايين ليرة سنوياً ولذلك بقيت الثروة الوطنية في مواطنها فلم تتسرب إلى يد الأجنبي كما هو الشائع في سورية.

ومن امتيازات العراق على سورية وغيرها أن فيه كنوزاً طبيعية وفيرة قلما توجد في البلدان الأخرى التابع البترول كثيرة في تخوم فارس قرب خانقين ومتدلي ومناجم الفحم الحجري قريبة من الصلاحية والإسفلت والملح والبورت تكثر قرب مدينة هيت القديمة فهذه الثروة الطبيعية أغنت العراق عن مد يد العوز والفقر إلى الأجنبي فقد مضت ثلاث سنوات على الحرب فلم يشك قلة البترول وهذه البواخر تسير في دجلة ووقودها الفحم الحجري العراقي وقس على ذلك أشياء كثيرة تظهر غنى العراق كالرخاء السائد في أقطاره في حين تشتد الضيق وتعسر المعيشة في الأقطار الأخرى ومن أدلة فقر القطر السوري بالنسبة إلى العراق مدينة حلب فأنهارها لا تكفي لإرواء بقاعها الواسعة ولولا مياه الأمطار التي يخزنها الحلبيون في الصهاريج على طراز فني أو غيره لماتوا عطشاً وظمأً وهكذا أقل عن القدس وهي تعد من أمهات مدن الشام وحينما كنا نقرأ في كتب تخطيط البلدان العربية كمعجم ياقوت وابن حوقل والبلاذري وابن خردانة والمسعودي ما خطته أنامل الكتبة القدماء ورددته السن الشعراء عن نهر قويق الذي يمر بجلب من الإطراء والمديح حتى قالوا أنه أعذب من النيل وأصفى من الفرات، كنا نحسب إخواننا الحلبيين يشربون نميراً ورحيقاً ولكن حينما كتب لنا الحظ بالسياحة إلى سورية وأطلعنا على هذا النهر الصغير الذي لا يصلح ماؤه للشرب ولا للطبخ المآكل عرفنا حينئذٍ أن الشعراء مبالغون على الأكثر وأن استخراج الحقائق من بين ثنايا أقوال الشعراء أمر محال.

قلنا ان العراق أوسع تجارة من سورية وربما يلاقي بعض الناقدين هذا القول بالحيرة والاستغراب أو يحمولنه على محمل المبالغة والغلو بدليل أن سورية أقرب من العراق إلى القارة الأوروبية وأن أعلها ورثوا علم الاقتصاد والتجارة منذ أزمنة قديمة عن أجدادهم الفينيقيين فهي سياج الجزيرة العربية ومنفذها الوحيد إلى أوروبا والاستانة ومصر والحجاز واليمن كما أنها ملتقى الطرق البحرية فلا يعقل بعد كل هذه المميزات أن يسبقها العراق إلى تجارة هي أعرق منه وأعرف بها وبطرقها فنجيبه حينئذٍ إذا كان السوريون أبناء الفينيقيين فالعراقيون أحفاد البابليين وإذا صح أن دولة حمورابي هي أول دولة متمدنة في العالم اشتغلت بالتجارة والعلوم كما نطقت به الآثار والأسانيد التاريخية نفير غريب وليس بعيداً أن يسبق العراقيون غيرهم في معترك الحياة الاقتصادية.

ومما يزيد تجارة العراق نمواً واتساعاً هو كون مدينة الزوراء فرضة تجارية لأكثر بلاد فارس وديار الكرد وهذا هو سر التزاحم الأوروبي على نيل امتياز خط حديدي يمتد من طهران إلى خانقين الواقعة على تخوم العراق وبينها وبين الوزراء نحو مائة وخمسين كيلو متراً كما أن الألمان عزموا - على ما قيل - على نيل امتياز خط من خانقين إلى بغداد أموال تجارية من أوروبا تذهب إلى فارس وهي لا تقل عن ثمانية ملايين ليرة وتربح منها الدولة وتجار العراق أرباحاً جزيلة وسبب ذهاب البضائع من أوروبا والهند إلى فارس بطريق بغداد هو أن ثغور فارس على الخليج في ثورات وحروب وفتن يتطاير شررها كل حين إلى ما يجاورها من البلدان والمدن بحيث تعطلت أسباب النقل ولنقطعت سبل المواصلات بينهما وبين العالم المتمدن ولذلك يفضلون طريق العراق التي تحميها الدول العثمانية ببأسها وهيبتها.

لما فشلت إنكلترا في مزاحمة الألمان على نيل امتياز خطو بغداد الكبير حاولت أن لا يتناول الامتياز الألماني جنوبي العراق فيمتد خط من بغداد إلى البصرة فسواحل الخليج مخافة منها على القطر الهندي من أن تلعب فيه الأصابع الأجنبية ولكنها عجزت أيضاً عن تحقيق أمانيها وآمالها فحاولت بعد هذا الفشل والإخفاق أن تمد خطاً حديدياً يبتدئ من مدينة عهبادان التي اغتصبتها من سادتها الحقيقيين وأقامت فيها الأبنية الضخمة وسمتها لندن الشرق وينتهي إلى قصر شيرين محاذياً للتخوم العثمانية تجاه خانقين وماراً بمنابع البترول وكانت تضمر نيات سيئة وتبني العلالي والقصور من المكر فهي ترؤيد بهذا العمل أن تقتنص في شباك غدرها أربع فوائد الأولى: أنها تطرق العراق من جنوبه إلى شماله بنفوذها فتبذر فيه بذور الشقاق. الثانية: أنها تضرب تجارة بغداد ضربة قاهرة فينتقل طريق تجارة فارس منها إلى عبادان وهي فرضة إنكليزية وأقرب الثغور إلى أوروبا والهند وذلك لكيلا يستفيد الألمان من الخط الكبير فائدة عظيمة. والثالثة: أنها تعتمد إلى استثمار البترول الذي تمتد ينابيعه على تخوم العراق وفارس. والرابعة: أنها تعمد إلى كسر شوكة النفوذ العثماني على عشائر فارس وتريد أن تحدث شغباً وقلاقل على الحدود وتثير نار عصبية بين العرب والفرس.

غير أن إنكلترا لم تنجح بمسعاها لأن الأمر ليس من الهنات الهيئات فهو متوقف على إرضاء العثمانية وفارس والاعتماد على صداقة القبائل وهذا شيء عسير دونه خرط القناد.

كل هذه الشواهد التاريخية والسياسية نثبت لنا أن بغداد لا تمثل تجارة العراق فقط بل تمثل في الوقت نفسه واردات فارس وبلادة الكرد وصادراتها فكان العراق أوسع تجارة وأعظم أرباحاً من سورية ناهيك أن البصرة وحدها تصدر من التمرإلى أوروبا والهند ما لا يقل ثمنه سنوياً عن خمسة ملايين ليرة، هذا غير صادراتها من الأرز والقمح والشعير والدخن والذرة وغيرها من الحبوب والأثمار، أما الموصل فهي أخصب رقعة في هذا الملك الواسع والذرة وغيرها من الحبوب والأثمار، أما الموصل فهي أخصب رقعة في هذا الملك الواسع ويقول الخبيرون أن مزارعها وفيرة جداً حتى فاقت قونية وأزمير فمساحتها لا تقل عن تسعة ملايين دونم. والشعب هناك شعب تجارة وزراعة وأهل جد وكسب يسابقون الريح إلى الرزق يتجولون ويتنقلون ويطوفون العربية هي مصدر تجارة بلاد الكرد وجنوبي الأناضول وفيها أنواع الخيرات والبركات ولها وأن على دجلة ومن أعمالها مدينة كركوك أو شهرزور المعروفة في كتب العرب ونظنها أحمر لواء أو متصرفية في العراق فلها علائق تجارية مع فارس وكذلك أربل ولها تاريخ مجيد ومجد تليد ومنها يصدر الجبن والعسل والتين والجوز والزبيب والفستق والبندق ولو تيسر لهذه البلاد ما تيسر لسورية من أسباب النقل لكانت الآن زهرة يانعة ودرة ثمينة في تاج الاقتصاد العثماني وقد أحسن الألمان صنيعاً في تمديدهم خط بغداد الكبير ماراً بمدينة الموصل أحياء لتجارتها وزراعتها.

تمتاز تجارة سورية من العراق بكون المسلمين هم أرباب الكلمة فيها والجاه العريض في أسواقها أكثر من مسلمي العراق فبيروت مثلاً تكاد تكون الأعمال فيها مناصفة بين المسلمين - على قلتهم - والمسيحيين وفي الشامة يؤلف أهل الإسلام الأكثرية في عالم التجارة وبضدها حلب فالأغلبية فيها للمسيحيين وهم أقدر من إخوانهم في الوطنية على التفنن بالبيع والشراء ولهم قدم راسخةة في علم الاقتصاد لمعرفتهم اللغات الأجنبية واختلافهم إلى مدن أوروبا وافتقادهم معاملها ومصانعها أما اليهود فلا شأن لهم يذكر في بيروت ودمشق ولكن سطوتهم طاهرة في فلسطين فقد أصبح زمام التجارة في قبضتهم كما هي الحال في بغداد والبصرة فالمسلمون هناك ضعفاء وقليلو الجرأة والخبرة في التجارة وشؤون الاقتصاد ولذلك تمكن الإسرائيليون من ناصية الثروة العراقية فامتلأت صناديقهم باللجين والنضار ولليهود في بغداد شركات كبرى لها معامل كثيرة في أوروبا والهند فالمسلم يكدح يمينه ويعرق جبينه تحت حرارة الشمس وبرودة الهواء والزوابع والأمطار والثلوج واليهودي في حانوته ومخزنه في رفاهه وترفه يبتر منه ثمرة عمله وسعيه ببضائع إفرنجية يبيعه غياها بأضعاف أثمانها وهو يجهل قيمتها الحقيقية وفي استطاعة الموسرين المسلمين في بغداد والبصرة وأن يوقفوا هذا السيل الاقتصادي الإسرائيلي بتأليف شركات تجارية تقاوم شركات الإسرائيليين أو تشاطرهم مكاسبهم على الأقل، ة ولكنهم انغمسوا في الملذات والشهوات بدل أن يفكروا في ما يضمن لهم السيادة في المستقبل. وأعرف كثيراً من المتمولين في البصرة وبغداد لا يقل ريع أحدهم عن عشرين أو ثلاثين ألف ليرة سنوياً ينفقونها عل السفاهات والخلاعات في الهند أو بين جدران قصورهم على موائد الميسر أو في جرعة من الراح وقبلة من خدود الملاحة فيصبح الملاَّك الموسر في البصرة رازحاً تحت أثقال الديون حتى يضطر إلى بيع أملاكه وأطيانه صفقة خاسرة ولو كان لليهود صلة مع العرب والفلاحين أو لو تكن عصبية الشيعة لكانت أكثر أملاك المسلمين تنتقل بطبيعة الحال إلى تصرف اليهود، فهذه العصبية هي التي أقامت لنا هذا الشبح الذي حفظنا به شرفنا الحالي ولو بالاسم فقط.

إن ضعف اليهود الاقتصادي في دمشق وبيروت هو كضعفهم في الموصل وكركوك وهذا ما يدل على أن المسلمين في هذه الحواضر شعروا بضرورة الاعتماد على النفس ونبذ المعيشة الاتكالية وقد رأيت شبهاً عظيماً بين الدمشقي والموصلي في الطباع والأخلاق والعادات والمعايش فهما لا يميلان إلى البهرجة والفخفخة ونفقاتهم غالباً أقل من مكاسبهم فكأن الشبه بين سهول البلادين وجبالهما وبساتينهما وأمطارهما وبردهما وثلوجهما هو الذي أولد هذه المضارعة المحكمة بين الأمزجة والطباع. ولذلك فاليهودي في دمشق لا يستطيع مزاحمة هذه المجموعة العاملة فيقتحم صفوفها ويده أقصر من أن تمتد إلى المصارعة والمكافحة فهو كأخيه في الموصل لا صوت ولا شأن له يذكر في عالم التجارة والاقتصاد.

للشام طرق واسعة للمكاسب كالاصطياف في لبنان حيث يرحل إليه عشرات الألوف من مصر وما يجاورها لقضاء فصل الصيف في جباله الشاهقة والتمتع بمشاهد الطبيعة وجمال الكون على البر والبحر وبين الأشجار وعلى ضفاف الأنهار، وتحت سماء صافية كصفاء دموع العاشقين ويقال أن ما يربحه الجبل لا يقل عن مائتي ألف ليرة في كل عام هذا مع توفر أسباب الراحة وفي سورية مكاسب وفيرة غير ما تقدم وهي ما تنفقه زوار المسيحيين في فلسطين وحجاج المسلمين في طريقهم إلى الحرمين الشريفين وطرق الموصلة ففيه مشاهد أئمة البيت كقبر الإمام على في النجف ومراقد الشهداء في كربلاء التي دفن فيها الإمام أبو عبد الله الحسين وأخوه الإمام العباس وأبناؤهما وأنصارهما في وقعة العطف وفي الكاظمية مدفن الأمامين محمد الجواد وموسى الكاظم وفي سامراء قبر الإمام حسن العسكري والمسجد المشهور بأن فيه السرداب الذي غاب فيه الإمام المهدي الذي ينتظر الشيعة بفارغ الصبر خروجه منه فيملأ الأرض عدلاً كما ملثت جوراً وحينئذٍ تدين الشعوب كلها بدين الإسلام.

فهذه المساجد الضخمة أنفق الشيعة على تزيينها وتوزيعها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فالمآذن والقناب والأبواب والأروقة كلها مغشاة بالذهب والإبريز والأأبنية الداخليةة مرصوفة بقطع من المرائي والفسيفساء على طراز بديع ويقال أن مجموع ما أنفقه سلاطين العجم وملوك الهند من الشيعة على هذه المساجد يناهز عشرة ملايين ليرة والشيعة تقصد زيارة المراقد الطاهرة من ديار قاصية فيأتي إلى العراق كل عام نحو مائتي ألف شيعي من الهند وثغور فارس وسواحل الخليج وبخارى وخيوه والصين لزيارتها وتقديم الطاعة الدينية لها فإذا أن متوسطة ما ينفقه كل زائر خمسة جنيهات كان نصيب العراق سنوياً لا يقل عن مليون ليرة فهناك القومة والحجاب والمرشدون إلى آداب الزيارة والعلماء المجتهدون يعيشون من هذه الزيارات وعددهم يقدر بالألوف ومنهم من لا يقل ريع أحدهم سنوياً عن بضعة آلاف من الليرات وقد كان في النجف قبل حوادث فارس الأخيرة والحرب العامة نحو ثمانية آلاف طالب علم يقتاتون طوال السنةة بما يربحونه في بضعة أيام من الزائرين ولو كان في البلاد خطوط حديدية لكثر عدد السياح والزائرين واستفاد العراق أضعاف ما يستفيده اليوم وفي استطاعة أهل الحل والعقد أن يمدوا خطاً حديدياً من خانقين إلى النجف ماراً بكربلاء فإن خزائن الأئمة المملوءة بالمجوهرات والعقود الثمينة تكفي للقيامة بأعظم من هذا الخطة وحينئذٍ يرتبط العراق بفارس ربطاً محكماً ويتدفق سيل الثروة على الأمة العراقية من كثرة ورود المتدينين إلى زيارة العتبات.

الصناعة الوطنية

الصناعة في سورية أرقى منها في العراق ففيها معامل كثيرة لنسج الحرير والقطن والملابس العربية ومصانع كبيرة المصابون فإن دمشق وحمص وحماة ترسل كل سنة إلى العراق مقداراً جسيماً من المنسوجات البديعة على اختلاف أنواعها وكانت تباع في بغداد والبصرة والموصل بأثمان غالية هي مصدر حياة السوري زمناً غير قصير بيد أن تجارة المنسوجات السورية اعتورها بعض الوقوف ففقدت مكانتها القديمة لأنها لم تتجدد مع الزمان ولم يدخل الإصلاح إلى أنوالها ولأن منسوجات الهند والصين شرعت تنافسها وتقاوصها وكان ما يرد من الهند أرخص بكثير مما يره من سورية أما المتانة وحسن النسج فالناس لا ينظرون إليها بعين الاعتبار، ما دامت غالية الثمن وأعرف مخازن واسعة أصيبت بالإفلاس من أجل هذه المنافسة على أن جمهوراً كبيراً من العراقيين شرع بترك الملابس القديمة والإقبال على الملابس الإفرنجية فكانت الألبسة الصوفية والحريرية والقطنية القادمة من أوروبا وأميركا تزداد انتشاراً من حين إلى آخر كانت الصناعة الوطنية في تقهقهر دائم وفشل ما وراءه فسل لأن الصانع الوطني ضعيف المادة قليل العلم عديم الثبات أيضاً ولم تكن له من القرانين التي تحميه كما هي اليوم تجاه سيل الأجانب الاقتصادي وهكذا أبيدت وماتت صناعة الوطنيين في سورية والعراق وحلت مكانها الصنائع الأجنبية.

في العراق كما في سوريةة بقايا من الصنائع التي عكف عليها أربابها غير مبالين بما يحيط بهم من الفقر والبؤس ففيه اليوم أنوال كثيرة لصناعة اتلألبسةة الحريرية وقد اختصت بها طائفة في بغداد لا يقل عمالها عن خمسمائة عامل وكذلك العباءة فلا تزال على اتقانها القديم وفي النجف وبغداد وكربلاء والقرنة والعمارة والحي عدد كبير من الصناع يزاولون منها شيء كثير إلى ديار الكرد وسورية والجزيرة وكذلك في العراق مصانع صغيرة للنسج الأرز والمناديل والكفافي والمناشف وهذه كلها على جانب عظيم من التجويد والاتقان. وفي هذه الحرب تجلى الذكاء العراقي بأحسن مظاهره وأبهى مناظره فإن العمال الوطنيين أصلحوا عدداً كبيراً من المدافع الإنكليزية التي اغتنمناها في ساحة الحرب وصارت صالحة لاستعمال قنابلنا وفي بغداد معمل حربي كبير وهو الذي أنشأه المرحوم مدحت باشا أصبح اليوم بفضل النابغين العاملين منبع حياة الجيش فهو الآن يصنع الألبسة والأقمشة والأجواخ ويصلح القنابل وألغام الديناميت والقذائف اليدوية وقد أصلح تلامذة مدرسة الصنائع الطيارات التي ربحناها من الإنكليز وفي الموصل مدرسة واسعة نظيرها قائمة على رابية شاهقة غربي المدينة توفرت فيها أسباب الارتقاء والتقدم وعلى الإجمال أن الصناعة الوطنية منحطة في القطرين الشقيقين ولكنها في سورية أرقى منها في العراق.

التربية والتعليم

يختلف التعليم في العراق عن التعليم في سورية أن الأول وطني محض والثاني مزيج بالأفكار الأجنبية التي أضرت القطر السوري وعطلت قراه الوطنية ففي سورية كليات ومعاهد راقية لا نظير لها في العراق ولكنها كانت مباءة للنفوذ الأجنبي وللمبادئ المضرة فمدارس المرسلين من الفرنسيس والإنكليز والروس والطليان والأميركان ليست الغاية منها خدمةة التمدين والإنسانية كما يتصور الجاهلون ولكن المقصد الوحيد منها هو بث الروح الأجنبية وإفساد العقائد وأضلال معقول وأغواء الشعب على احتقار العادات الشرقية أو الحضارة الإسلامية والتناغي بحب المدنيات التي تنتسب إليها هاتيك المعاهد فالمدارس والمستشفيات والملاجئ التي شيدها الفرنجة في الشرق هي مقدمة حملة عنيفة لإبادة الشعور الشرقي واستنزاف الثروة الوطنية قال أستاذنا الكبير سليمان نظيف بك في بحث له عن دار المجانين في الاستانة الذي كان قبل الحرب فرنسوياً فانقلب بعدها عثمانياً صرفاً ما يلي: في أثناء حرب القرين أو عقيبها بقليل أنشأ الفرنسيس في أحد أحياء الاستانة ستشفى كبيراً فظن الجاهلون أن الدافه لهم خدمة الإنسانية وأحكام روابط الألفة وأنا من جملةة أولئك المعتقدين بأن المفاسد والرذائل التي تتنخر عظام هيكل المدنية الشرقية لا تأتينا إلا من طريق المعاهد الأجنبية سواء قام بتأسيسها الأصدقاء أو الأعداء فأقل مقاصد الأجانب منها وأخفها ضرراً هو إحراز ثروة طائلة برأس مال صغير وخدمة تافهة وكيف تجد آلامنا وأوجاعنا صدى رحمة وشفقة في قلوب الروس ولكن كان لهم أمام مدرستنا الحربية دار للشفاء. . والعاقل المفكر متى وجد مدرسة أو معبداً أو مستشفى أو ملجأ خيرياً ترفرف فوقه الأعلام الأجنبية يعتقد لأول وهلة بأن ثروة الأوطان وسلامة استقلالها وحضارتها وأخلاقها ومعتقداتها أصبحت مخفوقة بالمخاطر والمهالكة ومهما كان العثماني سليم النية نقي الطوية فهو لا يرى فضلاً وخدمة لأولئك الاجانب المندفعين بسائق الغيرة المدنية ظاهراً إلى تسكين آلامنا وأوجاعنا فقد ثبت أن هذه الأمم الغربية تحمل الكتاب بشمالها والسيف بيمينها ثم قال عن فوائد هذه الحرب أنها علمت العثمانيين حياة الاستقلال وأطلعتهم على خفايا السياسة وكوامنها ومن أمثلة ذلك أن راية الهلال خفقت تعلى السارية التي كانت تخفق فوقه راية الألوان الثلاثة في دار المجانين فانقلب هذا المشروع الذي كان ملوثاً بأدران المفاسد السافلة والغاغيات الرذيلة إلى عمل شريف يخدم الإنسانية والبشرية.

من مضار المدارس الأجنبية في سورية أنها حببت المهاجرة إلى الشبيبة حتى أن الوطن السوري لم ينتفع النفع المقصود من جمهور كبير من المتعلمين الذين برعوا في فنون كثيرة كالطب والهندسة والآداب والفلسفة والحقوق والعلوم الاجتماعية وفي كل سنة تهاجر إلى أميركا ومصؤر والسودان طبقات من الشبان المستنيرين بنور العلم والعرقان ولو كان التعليم في سورية وفي مدارسها الأجنبية على المناحي الوطنية الممزوجةة بروح العصر لكانت الحركة العلمية القائمة في هذا القطر منذ نصف قرن تقريباً قد رفعته إلى سماء المعالي والمفاخر وإلى مصاف البلاد الناهضة لأن خريجي المدارس يزدادون كل سنة زيادة محسوسة بيد أن العبرة في الأسلوب العلمي لا في كثرة المتعلمين والناشئين

لكانت الأمة اليوم على أسلوبة واحد في عاداتها وأخلاقها ومبادئها وغاياتها على اختلاف المذاهب والأجناس وكلما اشتدت وطأة التعليم الأجنبي تصاغرت أمامها الوطنية وضعفت لعة البلاد واللغة الرسمية الواجب انتشارها لإيجاد صلة التعارف والتفاهم بين الحاكم والمحكوم وبين الرعية والرعاة ففي بيروت تسود اللغة الفرنسوية سيادة مطلقة وبها تجري المخاطبات والمكاتيات ودخلت أكواخ اتلفقراء كما شاعت في قصور الأغنياء وتنتشر اللغة الإنكليزية في لبنان وتضارع لغة البلاد كما تنتشر الألمانية في فلسطين فأصبحت اللغة العربية لا شأن لها في صميم بلادها بقطع النظر عن بعض بيوتات اشتغلت بآدابها وفلسفتها واختصت بنشر النافع من أسفارها وتكاد تكون اللغة الرسمية في حكم العدم تجاه الألسنة الأجنبية وهذا ما عاد على الأمة والوطن بالضرر الجسيم فقد صار المتعلم يعرف من تاريخ الفرنسيس والطليان والإنكليزة والألمان ما لا يعرف بعضه عن بلاده اليت أقلته أرضها وأظلته سماؤها أما في دمشق وحلب وبعض مدن الداخل فالحالة فيها على عكس مدن السواحل التي انبثت فيها مدارس المرسلين فاللغة العربية في قلب البلاد السورية أقوى بكثير منها في سواحلها - ماعدا بيروت - وكذلك يقال عن اللغة الرسمية التي وجدت أفذاذاً انكبوا على اتقانة آدابها ونشرها بين الشعب وقد رأيت كثيراً من الخاصة والعامة لاسيما في حلب وأعمالها يتكلمون بها هي والعربية على حد سواء. .

اللغة والأدب

اللغة في العراق راقية أكثر من رقيها في سورية كما يشهد المنصفون الذين عرفوا القطرين وامتزجوا بالشعبين فالنابغون في الآداب العربية كالشعر واللغة هم في العراق أكثر منهم في سورية فعلى وفرة المدارس واقتراب بلاد الشام من العالم المتمدن لم ينبغ فيها شعراء وفصحاء كالرصافي والزهاوي والشبيبي وشقيقه والكاظمي والحلي والهنداوي والعبيدي فهم أمثولة الشعر العربي اليوم وزبدة ما وصل إليه عقول العرب من الارتقاء في الآداب وأمثالهم في القطر المصري قلائل جداً يعدون على الأصابع ولا نظن حافظ ابراهيم وشوقي محرم يفوقون هؤلاء المشاهير العراقيين في شيء من قوة التصور ورقة الخيال ودقة المعاني وعذوبة الألفاظ على إننا لا نحرم سوريا من العدل والإنصاف فنعترف أن الإنشاء في سورية يفوق الإنشاء في العراق والفرق بين الفريقين بعيد وكبير فإن سورية قطعت مراحل واسعة في هذا الميدان وأحسنت في تقليد الإفرنج بأسلوبهم وتعبيرهم ولكي ينشأ في العراق كتاب مجيدون على الطرز الحديث كالريحاني وجبران خليل جبران والغريب في الأسلوب الإفرنجي وإضراب محمد كرد علي والمغربي وشكيب ارسلان في الأسلوب العلمي والاجتماعي ويجب أن تجتهد الأمة العراقية وتسعى أكثر مما سعت في إتقان هذه الأعمال الصحافية. فالعراق من هذه الوجهة لا يزال في دور الطفولية وعهده بالصحافة قريب.

قلنا أن لغة العراق راقية وفضلناها على لغة السوريين لأن الأولى خالية من الألفاظ الأجنبية والتعابير الإفرنجية والثانية مشحونة بها وبكل ما هو دخيل في العربية وهذا ناشئ عن احتكاك السوريين بالأوربيين واقتباسهم نع أوربا العلوم والعرفان وعن بعد العراق عن بلاد الغرب وقلة احتكاكه بالأجانب ولما كان العرب حملة العلم ودعاة التمدين كانت ألفاظ اللغة العربية منتشرة في تعابير الفرنسيس والأسبان والطليان ولا سيما ما يخص المصطلحات الفنية ولكن لما تقهقر العرب في ميدان الحضارة وشرعوا اليوم بالأخذ عن مدنية أوربا دخلت إلى لغتهم بعض التعابير.

والألفاظ الاصطلاحات كما هو المعروف في سورية وكلما كان القطر بعيداً عن الامتزاج بالأجانب كانت اللغة أقرب إلى الفصاحة والبلاغة وعلامة التعبير فلغة نجد واليمن وحضرموت والحجاز أفصح من لغة العراق لأن النجديين واليمانيين والحجازيين لم يمتزجوا ولم يختلطوا بالأعاجم حتى تفسد لغتهم ويتسرب الدخيل إلى ألفاظهم كما أن لغة العراقيين أقرب إلى الفصاحة من السوريين لأنهم أقل اختلاطاً بغيرهم وهذا القياس مقصور على اللغات الشائعة بين العامة لا على لغات الخاصة فإنها واحدة في جميع الأقطار وارتقاؤها متوقف على نسبة ارتقاء العلم وانتشار المدارس.

في العراق كثير من أثمة اللغة والأدب والبديع والبيان والتاريخ والفلسفة القديمة ولكنهم لم يظهروا كما ظهر العلماء السوريين لأن المطابع والصحف في سورية ساعدت فضلاءها وأدباءها على نيل الشهرة والصيت بعكس العراق فهو حديث العهد بالمطابع وبالصحافة وتاريخها يرتقي إلى ما قبل الدستور بزمن يسير واعرف كثيراً من كبار العلماء والمجتهدين وأرباب العقول والمفكرين في العراق يترفعون عن الكتابة في الجرائد والمجلات ويعتقدون أنها من خصائص صغار التلامذة ولولا هذا الاعتقاد لعرف العالم العربي جمهوراً كبيراً من فطاحل العلماء وأرباب البحث والنقد وهم الآن منزوون بين جدران المعابد والمساجد. وكما نشأت في الشام بيوتات شريفة اشتغلت في العلم والأدب كأسرة البستاني واليازجي والشرتوني والأسير وأرسلان كذلك في العراق اشتهرت بنشر العلم والآداب بيوتات رفيعة العهد كعائلة الألوسي والسويدي والشبيبي والحلي والقزويني والشاوي والفاروقي فإن جميع هذه الأسر الكريمة مما توارثت العلم كابراً عن كابر منذ مئات من السنين. والنهضة العلمية في العراق أقدم عهداً من النهضة في سورية إلا أن الأولى اعتورتها الحادثات والكارثات والثانية جدت في طريقها فساعدها الزمان على النشوء والارتقاء ففي اليوم الذي أولدت بغداد شاعراً مفلقاً كالأزري الذي لا يزال شعره من أبلغ ما قالته العرب المتأخرون وعالماً كالشهاب الألوسي ولغوياً كالحلي لم يكن في سورية يومئذ - قبل مصر تقريباً - من احتذى حذوهم وسار على منوالهم وجاراهم في أسلوبهم وأعمالهم. وفي قطر العرق اليوم كلية علمية أو معهد أدبي يقطنه بضعة آلاف من التلامذة الذين يشتغلون في العلوم العربية وفي الاجتماع والفلسفة والأخلاق - ذلك المعهد هو مدينة النجف الأشرف فهي دار علمية أكثر منها مدينة. وعليها وحدها المعول في إحياء اللغة والأدب.

نزيل دمشق

ابراهيم حلمي العمر