مجلة المقتبس/العدد 64/رسائل الانتقاد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 64/رسائل الانتقاد

مجلة المقتبس - العدد 64
رسائل الانتقاد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 6 - 1911


كلمة للناشر

بينا كنت خلال العام الفارط أرسل رائد الطرف في بعض المخطوطات العربية القديمة عثرت على كتاب صغير الحجم جميل الخط عتيقه فتأملته فوجدته لمؤلف تونسي معدود من البلغاء. وإذا كان لي ولوع شديد بالاطلاع على مآثر الأدباء من بني وطني تعلقت رغبتي بتعريف هذا التصنيف. بيد اني لما أخذت أتلو رشيق معانيه وأحلل دقائق مبانيه وجدت نقصاً فادحاً بين أوراقه أفسد عقد جمله فحل بي من ذلك قلق عظيم. ثم بعد مدة وقعت في فهرست القسم العربي من مكتبة الاسكوريال بجزيرة الأندلس على اسم مقامة تحت عدد 536 منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن شرف القيرواني فانجلى خاطري وبادرت في الحال لطلب نسخة منها من بعض زملائي المستشرقين. فلما وافتني صورتها وطابقتها بما لدي عاودني سروري الأول وقوي عزمي إذ كانت القطعة الأندلسية مطابقة للقسم الأول من النسخة التونسية بزيادة ما نقص. فأسرعت حينئذٍ إلى النسخ وأتممت هاته بتلك حتى كمل والحمد لله ما كنا نرغبه وهو ما نقدمه اليوم للقراء الكرام.

ومن المناسب أن نذكر شيئاً عن الأصلين اللذين أخذنا عنهما. فالأول وهي النسخة التونسية تشتمل على ستين صفحة شرقية يلوح منش كل خطها أنها من القرن السابع لكنها صعبة القراءة لانطماس الأحرف ودثور كتابتها دع عنك ما لحق الورق من العث الذي أهلك جانباً وافراً منها.

أما القطعة الأندلسية التي أكملنا بها ما ضاع من التأليف فهي تحتوي على ثماني عشرة صفحة صغيرة الحجم أندلسية الخط قديمة النسخ كما يتبين ذلك من التاريخ الذي وضعه بعض المطالعين في الصفحة الآخرة حيث قال: طالعته في موفي سنة خمس وخمسمائة وبهذا يستدل على أن هاته القطعة كتبت زمن المؤلف مدة إقامته بالأندلس (حوالي سنة 455) أو قريباً من عهده. ومهما كان الحال فهي أقدم من أختها التونسية إلا أنها أخصر ولا تشمل إلا على المقامة الأولى.

ويلوح لي أن مؤلفنا قصد بتدوين هذه الرسائل معارضة كتاب العمدة الذي وضع زميله ومعاصروه الحسن بن رشيق القيرواني كما سنبينه في ترجمته. إلا أن الرسائل المعارض بها كانت أطول وأكثر مما وجدناه وأوردناه هنا. يؤيد ذلك ما جاء في سياق كلام ابن شرف في مقدمته للمجلس الأول حيث قال: فأقمت من هذا النحو عشرين حديثاً فالمظنون أنه يقصد بالحديث مجالسه مع الأستاذ الموهوم الذي سماه أبا الريان كما اختلق الحريري في مقاماته شخص الحارث بن همام واخترع الهمذاني عيسى بن هشام. فعسى أن يساعدني الحظ بالعثور على بقية هذا التأليف النفيس إن كان في عالم الموجودات.

وقد احترمت في الاستنساخ الطريقة التي أتى عليها الأصل في الرسم وضبطه إلا ما نبهت عليه أسفل المتن مع التعاليق.

ولما كان الاعتراف بالمعروف فريضة وجب عليّ أن أرفع شكري الخالص للكاتب البليغ والباحث المدقق أخينا في الله محمد بدر الدين أفندي النعساني الذي أعانني بعلومه النيرة لإزالة بعض مشكلات النسخة التونسية كما أقدم عبارات ودادي إلى العالم المستعرب المتمكن صديقي الأستاذ كارلو نالينو الذي أسعفني بالحصول على صور القطعة الأندلسية وهو لا يزال يفيدني بإشاراته العلمية وفكره الصائب فجزيا عني خير جزاء والله ولي التوفيق به أهتدي وإليه أنيب.

تونس // حسن حسني عبد الوهاب

ترجمة المؤلف

نبغ أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني نحو سنة 390 من إحدى البيوتات الشريفة القادمة مع الجيش العربي الفاتح والقيروان إذ ذاك زاهية زاهرة بالعلوم رافلة بالمعارف والفنون فروى المعقول والمنقول عن أفاضل ذلك العصر كأبي الحسن القابسي وأخذ الفنون الأدبية من أساتيذتها كأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني ومحمد بن جعفر القزاز وغيرهما حتى برع فيها وأجاد فألحقه حينئذٍ المعز بن باديس الصهناجي أمير أفريقية بديوان حاشيته لما رأى فيه من الذكاء والنجابة. وهناك التقى ابن شرف بجماعة من الكتاب البلغاء والشعراء الظرفاء الذين كان يجمعهم املك مثل علي بن أبي الرحال الكاتب رئيس قلم التحرير والمراسلات وأبي علي الحسن بن رشيق صاحب العمدة ومحمد بن حبيب القلانسي وغيرهم. وطبيعي أن وجود ابن شرف في مثل هذا الوسط دعاء إلى تتبع الوجهة التي شب عليها وقوي نشاطه إذ كان أولئك الأدباء الأجلاء يتسابقون في التقرب بنظمهم ونثرهم إلى الأمير رغبة في العطايا الهائلة والهبات الطائلة. وحصل على هذا التنافس والتزاحم حركة فكرية أدبية لم تر أفريقية مثلها في عصر من عصور السلطنة الإسلامية وصارت القيروان كعبة العلم التي يحج إليها العلماء من جميع أصقاع المغرب حتى من الأندلس. وقد خصص العز لصحبته من بين هؤلاء الزعماء المتقدمين ابن شرف هذا وابن رشيق فكان يلتفت تارة إلى الأول وأخرى إلى الثاني وجرى بسبب ذلك بين هذين الأديبين مناقضات ومهاجمات رسمها كل منهما في رسائل مستقلة ومقامات متنوعة لم يصل إلينا منها شيء فيما نعلم.

حكى ابن شرب المترجم له في كتابه أبكار الأفكار قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه فقال: أحب أن تضعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين. فضمنا حالاً من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر فكان الذي صنعته:

يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ

قد لأن حتى لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ

سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ

والذي صنعه ابن رشيق:

موز سريعٌ أكله ... من قبل مضغ الماضغ

فمأكل لآكل ... ومشرب لسائغ

فالفم من لين به=ملآن مثل فارغ

يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ

فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل فكان ما عملته:

هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا

فيه شراب وغذا ... يربك كالماء القذى

لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا

وما عمله ابن رشيق: لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ

فواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ

ترى القذى العين فيه ... كما يزيها النبيذ

قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً. ولقد قال من حضر ذلك اليوم ما ندري مم نعجب أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية أم من حسن الاتفاق.

وحكى المؤلف المترجم له أيضاً في كتابه المذكور قال: استخلانا المعز يوماً وقال أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء فإني أستحسنه وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به وكلهن قارئات كاتبات فأحب أن أريهن هذا وأدعي أنه قديم لاحتج به على من عابه وآسي به من عيب عليه. فانفرد كل منا وصنع في الوقت فكان الذي قلت:

وبلقيسية زينت بشعر ... يسير بها ما يهب الشحيح

رقيق في خدلجة رداح ... خفيف مثل جسم فيه روح

حكى زغب الخدود وكل خد ... به زغب فمعشوق مليح

فإن يك صرح بلقيس زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح

وكان الذي قال ابن رشيق:

يعيبون بلقيسية أن رأوا لها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا

وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا

فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون وقال: أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه فانظر ما ألطف هذه المناضلات وما أحلى هذه الحكايات ولولا خوف الإطالة لزدنا من هذه طرفاً تروق الخاطر.

واستمر ابن شرف على خدمة المعز إلى أن زحف عرب الصعيد من هلاليين ورياح وغيرهم واستولوا على غالب القطر التونسي بعدما خربوه ودمروه واضطر الأمير المعز إلى ترك القيروان أمام تلك القبائل المتوحشة (سنة 49 هـ -) وفر إلى المهدية واتخذها دار ملكه وقد تبعه إليها شعراؤه وحاشيته. وفي خلاء القيروان يقول ابن شرف من قصيدة رنانة:

بعد خطوب خطبت مهجتي ... وكان وشك البين أمهارها

ذا كبد أفلاذها حولها ... وقسمت الغربة أعشارها

أطفالها ما سمعت بالفلا ... قط فعادت الفلا دارها

ولا رأت أبصارها شاطئاً ... ثم جلت باللج أبصارها

وكانت الأستار آفاقها ... فعادت الآفاق أستارها

ولم تكن تعلو سريراً علا ... إلا إذا وافق مقدارها

ثم علت فوق عشور الخطا ... ترمي به في الأرض أحجارها

ولم تكن تلحظها مقلة ... لو كحلت بالشمس أشفارها

فأصبحت لا تتقي لحظة ... إلا بأن تجمع أطمارها

وأقام ابن شرف مدة بالمهدية مع زمرة شعراء الملك يخدم الأمير المعز وابنه تميماً إلى رحل عنها قاصداً جزيرة صقلية لما سمع عن كرم أميرها وإليها لحقه رصيفة ابن رشيق وقد قدمنا أنه كان وقع بينهما بالقيروان ما وقع بين جرير والفرزدق أو بين الخوارزمي وبديع الزمان. فلما اجتمعا بصقلية تسامحا وأقاما بها زمناً ثم استنهض يوماً ابن شرف رفيقه على جواز الأندلس فأنشد حينئذٍ ابن رشيق البيتين المشهورين بين الخاص والعام:

مما يزهدني في أرض أندلس ... سماع مقتدرٍ فيها ومعتضد

ألقاب سلطنة في غير مملكة ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

فأجابه ابن شرف بديهة:

ان ترمك الغربة في معشر ... قد جبل الطبع على بغضهم

فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم

واجتاز ابن شرف وحده الأندلس وسكن المرية وغيرها وتردد على ملوك طوائفها كآل عباد بميلية وغيرهم وبهذه المدينة الأخيرة كانت وفاته سنة 460 هـ (1067 مسيحي) وخلف ابناً يدعى أبا الفضل جعفراً كان أديباً مجيداً أيضاً أورد له العماد في خريدته وانفتح في قلائده قصائد وفصولاً تشهد له بطول الباع.

أما تآليف محمد بن شرف فكثيرة على ما نقله إلينا المؤرخون فمنها كتاب أبكار الأفكار جمع فيه ما اختاره ونثره وهو أنفس مصنفاته (مفقود وقد يوجد منه شيء في بعض كتب الأدب). ومنها كتاب أعلام الكلام به نخب وملح (مفقود أيضاً). ثم رسائل الانتقاد والمظنون أنه ألفها بعد هجرته القطر التونسي كما يستفاد من سياق كلامه في مقدمتها. وغيرها من هذه المصنفات الأدبية النفيسة.

وها نحن نأتي على منتحبات نثر وشعر من كلام محمد بن شرف ليرى القارئ براعة هذا المؤلف الجليل ومكانته من الأدب.

فمن نظمه في الشوق إلى بلاده القيروان مدة إقامته بالأندلس:

يا قيروان وددت أني طائر ... فأراك رؤية باحث متأمل

يا لو شهدتك إذ رأيتك في الكرى ... كيف ارتجاع صباي بعد تكهل

وإذا تجدد لي أخ ومنادم ... جددت ذكر أخ خليل أول

لا كثرة الإحسان تنسي حسرتي ... هيهات تذهب علتي بتعلل

لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

وله في شكوى الزمان:

إني وإن عزني نيل المني لأرى ... حرص الفتى خلت زيدت على العدم

تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم

وأنشد في المعنى:

عتاباً عسى أن الزمان له عتبى ... وشكوى فكم شكوى ألانت له القلبا

إذا لم يكن إلا إلى الدمع راحة ... فلا زال دمع العين منهملاً سكبا

وقال أيضاً:

وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب

وقد تخالف مكتوب القضاء به ... فكيف لي بقضاء غير مكتوب

ومن شعره في الحكم قوله:

احذر محاسن أوجه فقدت محا ... سن أنفس ولو أنها أقمار

سرج تلوح إذا نظرت فإنها ... نور يضيء وإن مسست فنار

وقوله: لا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا

ولا تعاتب على نقص الطباع أخاً ... فإن بدر السما لم يعط تكميلا

لا يؤيسينك من أمر تصعبه ... فالله قد يعقب التصعيب تسهيلا

بع من جفاك ولا تبخل بسلعته ... واطلب به بدلاً إن رام تبديلا

وصير الأرض داراً والورى رجلاً ... حتى ترى مقبلاً في الناس مقبولا

وله:

إذا صحب الفتى سعد وجد ... تحامته المكاره والخطوب

ووافاه الحبيب بغير وعد ... طفيلياً وناد له الرقيب

وله أيضاً:

يا ثاوياً في معشر ... قد اصطلى بنارهم

إن تبك من شرارهم ... على يدي شرارهم

أو ترم من أحجارهم ... وأنت في أحجارهم

فما بقيت جارهم ... ففي هواهم جارهم

وأرضهم في أرضهم=ودارهم في دارهم

ومن كلامه في التغزل قوله في ليلة أنس:

ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب

جمع العشائين المصلي وانزوى ... فيها الرقيب كأنه مرقوب

والكاس كاسية القميص كأنها ... لوناً وقدراً معصم مخضوب

هي وردة في خده وبكأسها ... تحت القناني عسجد مصبوب

مني إليه ومن يديه إلى يدي ... فالشمس تطلع بيننا وتغيب

وقوله أيضاً:

قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر

تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الوردي بالعفر

تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نور الروضة العطر

ما لذ للعين نوم بعدما ذكرت ... ليلاً سمرناه بين الضال والسمر تساقط الطل من فوق النحور به ... تساقط الدر في اللبات والثغر

وله من خمرية سمية:

خليل النفس لا تخلي الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا

وجاهر في المدامة من يرائي ... فما فوق البسيطة من يداجى

أمط عنك الكرى والليل ساج ... ودعنا نلبس الظلماء ساجا

وهات على اهتمام الروح راحاً ... يعيد هموم النفس لها اقتراجا

إذا مريخها اتقد احمراراً ... صببنا المشتري فيها مزاجا

وله:

بكيت دماً والقاصرات سوافر ... فلاحت خدود كلهن مورّد

وقد وقف الواشون في كل وجنة ... على محضر فيه المدامع تشهد

وله:

يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان

ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن

وقال:

قل للعذول لو اطلعت على الذي ... عانيته أعناك ما يعنيني

أتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني

دعني فلست معاقباً بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني

وقال فيمن اسمه عمر:

يا أعدل الناس اسماً كم تجور على ... فؤاد مضناك بالهجران والبين

أظنهم سرقوك القاف من قمر ... فأبدلوها بعين حيفة العين

وله أيضاً:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأني سبابة المتندم

وقال يمدح أستاذه الكاتب أبا الحسن علي بن أبي الرجال:

جاور علياً ولا تحفل بحادثة ... إذ ادرعت فلا تسأل عن الأسل

اسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العليين من قول ومن عمل فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل

زان العلا وسواه شانها وكذا ... تميز الشمس في الميزان والحمل

وربما عابه ما يفخرون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل

سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل

ومن نظمه في أنواع شتى: قال في العود

سقى الله أرضاً أنبت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس

تغني عليها الطير والعود أخضر ... وغنت عليه الغيد والعود يابس

وقال في الدرهم والدينار:

ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجر وإنذار

فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم وآخر ذا نار

وقال من قصيدة في وصف سيف:

إن قلت ناراً أتندي النار ملهبة ... أو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر

وله من أخرى:

وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى ... فيان لأطراف الأسنة شائبا

ومن نثرة ما كتبه مستعطفاً محبوس في دين:

قد حكمت بسجن الأشباح. وهي سجون الأرواح. فامنن علي ماشئت منهما بالسراح. فالحبس نزاع الأرواح. والعقلة أخت القتلة. وكلاهما فقد. ومهر للخطوب وفقد. وإنما بينهما نفس متصاعد. وأجل متباعد. فالحق بهما ما أجلت بما عجلت. وقد أخرنا الدين. إلى يوم الدين.

ومن منثور كلامه في أبكار الأفكار:

لما فني عمر الأمس. وطفئ سراج الشمس. لاحت بروق الثغور اللوامع. وجلجلت رعود الأوتار في المسامع. وبعث محارق وابن جامع. فلم يزل ذلك دأبنا. ما أقلع سحابنا. حتى مسأنا هجعة. وكنا نقول بالرجعة.

وله في القرابة: الوجيه بين أقاربه. كالوادي بين مذانبه. تجذبن ماءه وتطلبن ظماءه.

وفي العداوة: كم قاطعك من راضعك. وقابحك من مالحك. ونافقك من وافقك. وناصبك من صاحبك. وحادك من وادك.

في أنواع شتى: الجود أنصر من الجنود - من بخل بماله. سمح بعرض آله - الباذل كثير العاذل - الكريم كثير الغريم - احذر الكريم إذا افتقر. واللئيم إذا اقتدر - احذر التقي إذا أنكر. والذكي إذا فكر - المطل أحد المنعين. واليأس أحد الصنعين - العشق أحد الرقين. والسلو أحد العتقين - رفث الكلام أحد السفاحين. وموالاة القبل أحد النكاحين - جميل الرد أحد الجودين. وبقاء الذكر أحد الخلودين - طول الجمود أحد القبرين. وبقاء الثناء أحد العمرين - بئس النصير التقصير - المتحاسر خاسر - من كثر فجره. وجب هجره - من كرمت خصاله. وجب وصاله - سحابة صيف. وزيادة طيف - الوسيلة جناح النجاح - رب عين إذا رأت زنت - لأكرم بمن حرم - المستلم أحزم من المتسلم.

هذا ما قصدنا إيراده هنا على أن ما جمعناه من كلام هذا الأديب البارع هو أطول من ذلك وقد لاقينا صعوبات جمة في نظم ما تشتت إذ لا يوجد تأليف يحوي تراجم فضلاء القطر التونسي والله المسؤول الإعانة.

ح. ح. ع

بسم الله الرحمن الرحيم

رب أعن برحمتك

قال أبو عبد الله شرف القيرواني هذه أحاديث صنعتها مختلفة الأنواع. مؤتلفة في الأسماع. عربيات المواشم. غربيات التراجم. واختلقت فيها أخباراً فصيحات الكلام. بديعات النظام. لها مقاصد ظراف. وأسانيد طراف. يروق الصغير معناها. والكبير مغزاها. وعزوتها إلى أبي الريان الصلت بن السكن من سلامان. وكان شيخاً هماً في اللسان. وبدراً تماً في البيان. قد بقي أحقاباً. ولقي أعقاباً. ثم ألقته إلينا من باديته الأزمات. وأوردته علينا العزمات. فامتحنا من علمه بحراً جارياً. وقدحنا من فهمه زنداً وارباً. وأدرنا من بره طرفاً. واجتنينا من ثمره طرفاً. ونحن إذ ذاك والشباب مقتبل. وغفلة الزمان تهتبل. واحتذبت فيما ذهبت إليه. ووقع تعريضي عليه. من بث هذه الأحاديث ما رأيت الأوائل قد وضعته في كتاب كليلة ودمنة فأضافوا حكمه إلى الطير الحوائم. ونطقوا به على ألسنة الوحش والبهائم. لتتعلق به شهوات الأحداث. وتستعذب بسمره ألفاظ الحداث. وقد نجا بذا النحو سهل بن هرون الكاتب في تأليفه كتاب النمر والثعلب وهو مشهور الحكايات. بديع المراسلات. مليح الكاتبات. وزور أيضاً بديع الزمان الحافظ الهمذاني وهو الأستاذ أبو الفضل أحمد ابن الحسين مقامات كان ينشئها بديهاً في أواخر مجالسه وينسبها إلى راوية رواها له يسميه عيسى بن هشام وزعم أنه حدثه بها عن بليغ يسميه الاسكندري وعددها فيما يزعم رواتها عشرون مقامة إلا أنها لم تصل هذه العدة إلينا وهي متضمنة معاني مختلفة. ومبنية على معاني شتى غير مؤتلفة. لينتفع بها من الكتاب والمحاضرين من صرفها من هزل إلى جد. ومن ند إلى ضد. فأقمت من هذا النحو عشرين حديثاً أرجو أن يتبين فصلها. ولا تقصر عما قبلها. ولعمري ما أشكر من نفسي. ولا أثني على شيء من حسي. إلا ظفري بالأقل مما حاولته على ما أضرمته نيران الغربة من قلبي. وثلمته صعقات الفتنة من لبي. وقطعت أهوال البر والبحر من خواطري. وأضعفت الوحشة والوحدة من غرائزي وبصائري. لكن نية القاصد وسعة المقصود. أعانا ذا الود على أتحاف المودود. والله أسأل توفيقاً. ينهج لنا إلى الرشد طريقاً.

فمنها:

قال محمد وجاريت أبا الريان في الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم واستكشفته عن مذهبه فيهم ومذاهب طبقته في قديمهم وحديثهم فقال الشعراء أكثر من الإحصاء وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. فقلت لا أعتبك بأكثر من المنهورين. ولا أذاكر راك إلا في المذكورين مثل الضليل والقتيل. ولبيد وعبيد. والنوابغ والعشو. والأسود بن يعفر. وصخر الغي وابن الصمة دريد. والراعي عبيد. وزيد الخيل. وعامر بن الطفيل. والفرزدق وجرير. وجميل بن معمر وكثير. وابن جندل. وابن مقبل. وجرول. والأخطل. وحسان في هجائه ومدحه. وغيلان في ميته وصيدحه. والهذلي أبي ذؤيب وسحيم نصيب. وابن حلزة الوائلي. وابن الرقاع العاملي. وعنترة العبسي. وزهير المري. وشعراء فزارة. ومفلقي بني زرارة. وشعراء تغلب ويثرب. وأمثال هذا النمط الأوسط كالرماح. والطرماح. والطثري والدميني. والكميت الأسدي. وحميد الهلالي. وبشار العقيلي. وابن أبي حفصة الأموي. ووالبة الأسدي. وابن جبلة الحلمي. وأبي نواس الحكمي. وصريع الأنصاري. ودعبل الخزاعي. وابن الجهم القرشي. وحبيب الطائي والوليد البحتري. وابن المعتز العباسي. وعلي بن العباس الرومي. وابن رغبان الحمصي. ومن الطبقة المتأخرة في الزمان. المتقدمة في الإحسان. كأبي فراس بن حمدان. والمتنبي بن عبدان. وابن جدار المصري. وابن الأحنف الجنفي. وكشاجم الفارسي. والصنوبري الحلي. والنصر الخبزدزي. وابن عبد ربه القرطبي. وابن هاني الأندلسي. وعلي بن العباس الأيادي التونسي. والقسلطي قال أبو الريان لقد سميت مشاهير. وأبقيت الكثير. قلت بلى: ولكن ما عندك فيمن ذكرت. قال: أما الضليل مؤسس الأساس. وبنيانه عليه الناس. كانوا يقولون أسيلة الخد حتى قال أسيلة مجرى الدمع. وكانوا يقولون تامة القامة وطويلة القامة وجيداء وتامة العنق وأشباه هذا حتى قال بعيدة مهوى القرط وكانوا يقولون في الفرس السابق يلحق بالغزال والظليم وشبهه حتى قال قيد الأوابد ومثل هذا له كثير. ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج. فبقيت هذه جدداً وتلك نواهج. وكل شعر بعد ما خلاها فغير رائق النسج. وإن كان النهج وأما طرفه فلو طال عمره. لطال شعره. وعلا ذكره. ولقد خص بأوفر نصيب من الشر. على أيسر نصيب من العمر. فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة. وأوصاف من علو الهمة. والطبع معلم حاذق. وجواد سابق. وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة. عن جنان الأصالة. فلا تسمع له إلا كلاماً فصيحاً. ومعنىً مبيناً صريحاً. وإن كان شيخ الوقار. والشرف والفخار. لبادئات في شعره وهي دلائله. قبل أن يعلم قائله. وأما العبسي فمجيد في أشعاره. ولا كمعلقته فقد انفرد بها انفراد سهيل. وغبر في وجوده الخيل. وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة. ورقة الغزل وغلظة البسالة. وأطال واستطال. وأمن السآمة والكلال. وأما زهير فأي زهير. بين لهوات زهير. حكم فارس. ومقامات الفوارس. ومواعظ الزهاد. ومعتبرات العباد. ومدح يكسب الفخار. ويبقى بقاء الإعصار. ومعاتبات مرة تحسن. ومرة تخشن وتارة تكون هجواً. وطوراً تكاد تعود شكراً. وأما ابن حلزة فسهل الحزون. قام خطيباً بالموزون. والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر. وهذا أسهل السهل بالوعر. وذلك مثل قوله:

أبرموا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

من منادٍ ومن مجيبٍ ومن تص ... هالٍ خليل خلال ذاك رغاء فلو اجتمع كل خطيب ثائر. من أول وآخر. يصفون سفراً نهضوا بالأسحار. وعسكراً تنادي بالنهوض إلى طلب الثار. ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه ولم يقصروا عنه وسائر قصيدته في هذا المسلك شكاية وطلاب نصفة وعتاب في عزة وأنفة وهو من شعراء وائل وأحد أسنة هاتيك القبائل. وأما ابن كلثوم فصاحب واحدة بلا زياة أنطقه بها عز الظفر وهزه فيها جن الأشر فقعقعت رعوده في أرجائها وجعجعت رحاه في أثنائها وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها وملتها التي تعتمد عليها فلم يتركوا إعادتها ولا خلعوا عبادتها إلا بعد قول القائل:

ألهى بن يني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

على أنها من القصائد المحققات وإحدى المعلقات. وأما النابغة فأشعاره الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى نضجها ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسمها لم تهلهلها ميعة الشباب ولا وهاء الأسباب ولا لوم الاكتساب فشعره وسائط سلوك وتيجان ملوك. وأما النابغة الجعدي فنقي الكلام شاعر الجاهلية والإسلام واستحسن شعره أفصح الناطقين ودعا له أصدق الصادقين وكان شاعراً في الافتخار والثناء قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء وكان مغلوباً في الجاهلية وطريد ليلى الأخيلية. وأما العشي بأجمعهم فكلهم شاعر ولا كميمون بن قيس شاعر المدح والهجاء واليأس والرخاء والتصرف في الفنون والسعي في السهول والحزون نفق مدحه بنات المحلق وكان في فقر ابن المذلق وأبكى هجوه علقمة كما تبكي الأمة. وأما الأسود بن يعفر فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت أو بكى حاله حالت أو وصف ربعاً خلا بعد عمران أو داراً درست بعد سكان فإذا سلك هذا السبيل فهو من حشو هذا القبيل كعمرو بن زيد وسعد وسعيد. وأما حسان فقد اجتث بواكر غسان ثم جاء الإسلام وانكشف الإظلام فجاحش عن الدين وناضل عن خاتم النبيين فشعر وزاد وحسن وأجاد إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين وتسديد الروح الأمين. وأما دريد بن الصمة فصمة صمم وشاعر جشم وغزل هرم وأول من تغزل ي رثاء وهزل في حزن وبكاء فقال في معبد أخيه قصيدته المشهورة يرثيه:

إرث جديد الحبل من أم معبد

وهي من شاجيات النوائح وباقيات المدائح. وأما الراعي عبيد فجبل على وصف الإبل فصار بالراعي يعرف زنسي ما له من الشرف. وأما زيد الخيل فخطيب سجاعة وفارس شجاعة مشغول بذلك عما سواه من المسالك. وأما عامر ابن الطفيل فشاعرهم في الفخار وفي حماية الجار وأوصفهم لكريمة وأبعثهم لحميد شيمة. وأما ابن مقبل فقديم شعره وصليب نحره. ومغلى مدحه. ومعلى قدحه. وأما جرول فخبيث هجاؤه شريف ثناؤه صحيح بناؤه رفع شعره من الثرى وحط من الثريا. وأعاد بلطافة فكره ومتانة شعره قبيح الألقاب فخراً يبقى على الأحقاب ويتوارث في الأعقاب. وأما أبو ذؤب فشديد أسر الشعر حكيمه شغله فيه التجريب حديثه وقديمه وله المرثية النقية السبك المتينة الحبك بكى فيها بنيه السبعة ووصف الحمار فطول وهي التي أولها:

أمن المنون وريبه تتوجع

وأما الخطل فسعد من سعود بني مروان. صفت لهم مرآة فكره. وظفروا بالبديع من شعره. وكان باقعة من حاجاه. وصاعقة من هاجاه. وأما الدرامي همام فجوهر كلامه. وأغراض سهامه. وإذا افتخر بملك ابن حنظلة. وبدارم في شرف المنزلة. وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اخيار جرير عليه بقليله على كثيره. وبصغيره على كبيره. فانه يصادمه حينئذٍ ببحرٍ ماد. ويقاومه بسيف حاد. وأما ابن الخطفي فزهد في غزل. وحجر في جدل. يسبح أولاً في ماء عذب. ويطمح آخراً في صخر صلب. كلب منابحته. وكبش مناطحته. لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح. ولا تدمي هامته مداومة النطاح. جارى السوابق بمطية. وفاخر غالب بعطية. وبلغته بلاغته إلى المساواة. وحملته جرأته على المجاراة. والناس فيهما فريقان. وبينهما عند قوم فرقان. وأما القيسان وطبقتهما فطبقة عشقة. توقة. استحوذت الصبابة على أفكارهم واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم فكلهم مشغول بهواه لا يتعداه إلى سواه. وأما كثير فحسن النسيب فصيحة لطيف العتاب مليحة شجي الاعتراب قريحة جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء وجزالة مدح الخلفاء. وأما الكميت والرماح ونصيب الطرماح فشعراء معاصره ومناقضات ومفاخره فنصيب أمدح القوم والطرماح أهجاهم والرماح أنسبهم والكميت أشبههم تشبيباً. وأما بشار بن برد فأول المحدثين وآخر المخضرمين وممن لحق الدولتين عاشق سمع وشاعر جمع شعره ينفق عند ربات الحجال. وعند فحول الرجال فهو يلين حتى يستعطف. ويقوى حتى يستنكف وقد طال عمره وكثر شعره وطما بحره ونقب في البلاد ذكره. وأما ابن أبي حفصة فمن شعراء الدولتين وممن حظي بالنعمتين ووصل إلى الغنى بالصلتين وكان درب المعول ذرب المقول والد شعراء ومنجب فصحاء. وأما أبو نواس فأول الناس في خرم القياس وذلك أنه ترك السيرة الأولى. وانكب على الطريقة المثلى وجعل الجد هزلاً والصعب سهلاً فهلهل المسرد وبلبل المنضد وخلخل المنجد وترك الدعائم وبنى على الطامي والعائم وصادف الأفهام قد نكلت وأسباب العربة قد تخلخلت وانحلت والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت. فمال الناس إلى ما عرفوه وعلقت نفوسهم بما ألفوه فتهادوا شعره وأغلوا سعره. وشغفوا بأسخفه وكلفوا بأضعفه وكان ساعده أقوى وسراجه أضوا لكنه عرض الأنفق وأهدى الأوفق وخالف فشهر وعرف وأغرب فذكر واستظرف والعوام تختار هذه الأعلاق وأسواقهم أوسع الأسواق فشعر أبي نواس نافق عند هذه الأجناس كاسد عند أنقد الناس وقد فطن إلى استضعافه وخاف من استخفافه. فاستدرك بفصيح طرده طرفاً حد اللسان وحدوده وهو محدود في كثرة التظاهر على من غض منه بالحق الظاهر ليس إلا لخفة روح المجون وسهولة الكلام الضعيف الملحون على جمهور العوام لا على خواص الأنام. وأما صريع فكلامه مرصع ونظامه مصنع وجملة شعره صحيحة الأصول مصنعة الفصول قليلة الفضول. وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه وبمعزل عمن سواه دفع نفسه عن المدح والهجاء ووضعها بين يدي هواه من النساء قد رقق الشغف كلامه وثقفت قوة الطبع نظامه فله رقة العشاق وجودة الحذاق. وأما دعبل فمديد مقبل اليوم مدح وغداً قدح يجيد في الطريقتين ويسيء في الخليقتين وله أشعار في العصبية وكان شاعر علماء وعالم شعراء. وأما علي بن الجهم فرشيق الفهم راشق السهم استوصل شعره الشرفاء ونادم الخلفاء وله في الغزل الرصافية وفي العتاب الدالية ولو لم يكن له سواهما لكان أشعر الناس بهما. وأما الطائي حبيب فمتكلف إلا أنه يصيب ومتعب لكن له من الراحة نصيب وشغله المطابقة والتجنيس حبذ ذلك أويس جزل المعاني مرصوص المعاني مدحه ورثاؤه لا غزل له وهجاؤه طرفاً نقيض وخطباً سماء وحضيض وفي شعره علم جم من النسب وجملة وافرة من أيام العرب وطارت له أمثال وحفظت له أقوال وديوانه مقرو وشعره متلو قال ابن بسام أما صفته هذه لأبي تمام فنصفه لم يثن عطفها حمية ولا تعلقت بذيلها عصبية حتى لو سمعها حبيب لتخذها قبلة واعتمدها مله فما لام من أدَّب وإن أوجع ولا سب من صدق وإن أقذع. وأما البحتري فلفظه ماء ثجاج ودرر رجراج ومعناه سراج وهاج على اهداء منهاج يسبقه شعره. إلى ما يجيش به صدره يسر مراد ولين قياد إن شربته أرواك وإن قدحته أوراك طبع لا تكلف يعيبه ولا العناد يثنيه لا يملّ كثيره ولا يتكلف غزيره لم يهف أيام الحلم ولم يصف زمن الهرم. وأما ابن المعتز فملك النظام كما هو ملك الأنام له التشبيهات المثلية والاستعارات الشكلية والإشارات السحرية والعبارات المجرية والتصاريف الصنوفية والطرائق الفنونية والافتخارات الملوكية والهمات العلوية والغزل الرائق والعتاب الشائق ووصف الحسن الفائق.

وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد

وأما ابن الرومي فشجرة الاختراع وثمرة الابتداع وله في الهجاء ما ليس له في الإطراء فتح فيه أبواباً ووصل منه أسباباً وخلع منه أثواباً وطوق فيه رقاباً يبقين أعماراً وأحقاباً يطول عليها حسابه ويمحق بها ثوابه ولقد كان واسع العطن لطيف الفطن إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة. وأما كشاجم فحكيم شاعر وكاتب ماهر له في التشبيهات غرائب وفي التأليفات عجائب يجيد الوصف ويحققه ويسبك المعنى فيرققه ويروقه. وأما الصنوبري ففصيح الكلام غريبه مليح التشبيه عجيبه مستعمل لشواذ القوافي يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي فتجلو وتدق وتعذب وترق وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار وأنواع الأنوار وكان في بعض أشعاره يتخالع وفي بعضها يتشاجع وقد مدح وهجا ونثر وشجا وأعجب شعره وأطرب وشرق وغرب ومدح من أهل أفريقية أمير الزاب جعفر بن علي منفق سوق الآداب فوصله بألف دينار بعثها إليه مع ثقات التجار. وأما الخبزرزي فخليع الشعر ماجنه رائق اللفظ بائنه كثيرة محاسنه صحيحة أصوله ومعادنه رائقة البزة مائلة إلى العزة تسليه عن الحب الخيانة ويروقه الوفاء والصيانة وله على خشونة خلقه وصعوبة خُلقه اختراعات لطيفة وابتداعات ظريفة في ألفاظ كثيفة وفصول قليلة الفضول نظيفة حتى أن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه واهتضم طرفاً من معانيه وهو من معاصريه فقل من فطن لمراميه. وأما أبو فراس بن حمدان ففارس هذا الميدان إن شئت ضرباً وطعناً ولفظاً ومعنى ملك زماناً وملك أواناً وكان أشعر الناس في المملكة وأشهرهم في ذل الملكة وله الفخريات التي لا تعارض والأسريات التي لا تناقض. وأما المتنبي فقد شغلت به الألسن وسبرت في أشعاره العيون الأعين وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره والمفتش في قعره عن جمانة ودره وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف وله شيعة تغلو في مدحه وعليه خوارج تتعايا في جرحه والذي أقول أن له حسنات وسيئات وحسناته أكثر عدداً وأقوى مدداً وغرائبه طائرة وأمثاله ثائرة وعلمه فسيح وميزه صحيح يروم فيقدر ويدري ما يورد ويصدر.

قال أبو الريان هذا ما عندي في شعراء المشرق وقد سميت لي من متأخري شعراء المغرب من لعمري لا يبعد عن معاصرهم ولا يقصر عن سابقهم. فأما ابن عبد ربه القرطبي وإن بعدت عنك دياره فقد صاقبتنا أشعاره ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة وتكفيرات توبته الصدوقة ومدائحة المروانية ومطاعنه في العباسية وهو في كل ذلك فارس ممارس وطاعن مداعس وأطلعنا في شعر على علم واسع ومادة فهمٍ مضيءٍ ناصع من تلك الجواهر نظم عقده وتركه لمن يتجمل به بعده. وأما ابن هاني محمد الأندلسي ولادة القيرواني وفادة وإفادة فرعدي الكلام سردي النظام متين المباني غير مكين المعاني يجفو بعطنها عن الأوهام حتى تكون كنقطة النظام إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق وله غزل قفري لا عذري لا يقنع فيه بالطيف ولا يشفع فيه بغير السيف وقد نوه به ملك الزاب وعظم شأنه بأجزل الثواب وكان سيف دولته في إعلاء منزلته من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه لردادة عقله ورقة دينه وضعف يقينه ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر. وأما القسطلي فشاعرهم ماهر بما يقول تشهد له العقول بأنه المؤخر بالعصر المقدم في الشعر حاذق بوضع الكلام في مواضع لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد الزمان وأقربه. وأما علي التونسي فشعره المورد العذب ولفظه اللؤلؤ الرطب وهو بحتري الغرب يصف الحمام فيروق الأنام ويشبب فيعشقق ويجب ويمدح فيمنح أكثر ما يمنح.

هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين على احتقار المعاصر واستصغار المجاور فحاش لله من الأوصاف بقلة الإنصاف للبعيد والقريب والعدو والحبيب.

قلت: يا أبا الريان أكثر الله مثلك في الإخوان ووقاك محذور الزمان ومرور الحدثان فلقد سبكت فهماً وحشيت علماً.

قال محمد قلت لأبي الريان في مجلس عقيب هذا المجلس يا أبا الريان لقد رأيت لك نقداً مصيباً ومرمى عجيباً ولقد أرغب في أن أنال منه نصيباً قال النقد هبة الموالد. زفيه زيادة طارف إلى تالد ولقد رأيت علماء بالشعر ورواةً له ليس لهم نفادٌ في نقده ولا جودة فهم في رديئه وجيده وكثير ممن لا علم له يفطن إلى غوامضه وإلى مستقيمه ومتناقضه. قلت أنا شديد الرغبة إلى فضلك في أن تسهمني من ميزك وعقلك ما أستهدي بسراجه على مستقيم منهاجه فأقف من سرائره على بعض ما وقفت وأعرف من متأخره ومعانيه جزءاً مما عرفت. قال نعم أول ما عليه تعتمد وإياه تعتقد أن لا تستعجل باستحسان ولا باستقباح ولا باستبراد ولا باستملاح حتى تنعم النظر وتستخدم الفكر واعلم أن العجلة في كل شيء مودئٌ زلوق ومركب زهوق فإن من الشعر ما يملأ لفظه المسامع ويرد على السامع منه قعاقع فلا يرعك شماخة مبناه وانظر إلى ما فيّ سكناه من معناه فإن كان في البيت ساكن فتلك المحاسن وإن كان خالياً فاعدده جسماً بالياً وكذلك إذا سمعت ألفاظاً مستعملة وكلمات مستذلة فلا تعجل باستضعافها حتى ترى ما في أضعافها فكم من معنى عجيب في لفظ غير غريب والمعاني هي الأرواح والألفاظ هي الأشباح فإن حسنا فذلك الحظ الممدوح وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح. قال: وتحفظ عن شيئين أحدهما أن يحملك إجلال القديم المذكور على العجلة باستحسان ما تستمع له والثاني أن يحملك أصغارك المعاصرة المشهود على التهاون بما أنشدت له. فإن ذلك جورٌ في الأحكام وظلم من الحكام حتى تمحص قولهما فحينئذٍ تحكم لهما أو عليهما وهذا باب في اغتلاقه استصعاب وفي صرف العامة وبعض الخاصة عنه أتعاب وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبثت القلوب بسيرة القديم ونفارها من المحدث الجديد فقال حاكياً لقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وقال لن نعبد إلا ما وجدنا عليه آباءنا وقد قلت أنت:

أغري الناس بامتداح القديم ... وبذم الجديد غير ذميم

ليس إلا لأنهم جسدوا الح ... ي ورقوا على العظام الرميم

وقلت في هذا المعنى: قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ... ويرى للأوائل التقديما

إن ذاك القديم كان جديداً ... وسيغدو هذا الجديد قديما

فلا يرعك أن تجري على منهاج الحق في جميع الخلق فيه قامت السموات والأرض وبه أحكم الإبرام والنقض وسأمثل لك في ذلك مثالاً وأملأ أسماعك مقالاً وفهمك عدلاً واعتدالاً.

يتبع