مجلة المقتبس/العدد 6/حسنات القرن الماضي وسيئاته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 6/حسنات القرن الماضي وسيئاته

مجلة المقتبس - العدد 6
حسنات القرن الماضي وسيئاته
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 7 - 1906


معربة عن الفرنسية

من المعلوم أن حب البذخ قد وجد في كل عصر من عصور العالم وتواريخ الأمم القديمة طافحة بالأمثلة الكثيرة من ذلك ولكنه كان أبداً سبب الشقاء العام والخاص وتأثيره في هذه القرون الحديثة أدهى وأمر. فقد كان البذخ في القرون السالفة من شأن طبقات الأشراف الكبراء أما في القرن التاسع عشر فأصاب الطبقة الوسطى من الناس تلك الطبقة التي نالت ما نالت بفضل ما خولت من الامتيازات. وهذه الطبقة على كثرة عددها من أشد الطبقات قرباً من الطبقة السافلة وأكثرها بها اختلاطاً ولذلك أصاب هذه أيضاً من ذاك المرض شدة، وبرحت بها تباريح التفخل والتبرج. ومن الأسف أن آفة التظاهر باليسار مازالت يتفاقم شرها ويعظم ضرها من حين إلى آخر وهي من الجراحات الاجتماعية التي هاجمت الطبقات الميسورة والطبقات المعسورة معاً. فقد اعتدنا أن نتخذ من الظل نوراً ومن الظواهر حقائق حتى تضطر الحقيقة أن تكتسي بين أظهرنا في الأحايين رداءاً مموهاً من الكذب للوصول إلى الغاية تنشدها.

وما دام العلم لم يعم سواد الشعوب وطبقة العملة لا تهديها المعارف إلى وجه مصالحها الحقيقية فالميدان رحب لأهل المطامع ممن يستخدمون البذخ آلة لإضلال الرأي العام فيعمدون إلى طرق غريبة في الكسب والانتفاع ومنها أشغال البورصة والمضاربات. وسرها قائم بالتأثير في أفكار الرجال بإيجاد الثقة وعدمها في بعض الأحوال على حسب أغراضهم وهم يسيئون استعمال الثقة العامة بإشاعات كاذبة يلفقونها ليغتنوا فيكونوا عالة على ما اقتصده ألوف من البيوت المسكينة وأنت عارف بنتائج أشغال البورصة في الآداب العامة فإن زيادة المالية على هذا النحو تضعف الإحساس وتصد الذكاء عن سننه وغايته الحقيقية وتقتل النشاط على العمل. ويسود أعظم نجاح باهر في الصناعات العادية في عيون أصحابها في جانب الوعود الخلابة التي يعدهم بها القائمون على هذه التجارة. ثم أن أمثال هذه الثروات السريعة الحصول تنبه طمع من كانوا يقنعون من قبل بثمرات أعمالهم أو أملاكهم فيأخذهم دوار الربح فيتدهورون في هذه المضاربة المخطرة فيؤدي ذلك إلى خراب ثروات عديدة وتجلب المصائب على أسرات كثيرة. وما ننس لا ننس الأز المالية التي وقعت منذ ثلاثين سنة في فينا وبرلين ولندرا وحدث عنها إفلاس عظيم في الطبقات العالية والوسطى مما يثبت نتائج البورصة السيئة وما هي إلا بنت البذخ والزهو الجنوني في عصرنا.

ولقد حدت الحال بالأمم أن ترقي درجة التعليم العام بداعي الجهاد المستمر العظيم في معترك الحياة الحاضرة فأخذوا يملأون رؤوس التلامذة الذين يتأهلون للصناعات العلمية والأدبية بأنواع المعارف فتضيق عن استيعابها ولا تقوى أجسادهم على تحمل ما ينهال عليها ويصرف من دقائقها فيصابون بأمراض طبيعية وعقلية وتضعف تراكيبهم عن تتميم وظائفها وتضطرب تغذيتهم والمساعدات على تراكيبهم النامية.

والأمم التي تزعم أنها في مقدمة الحضارة والقيمة على أسبابها هي التي تجتهد كل الجهاد في هذا المعنى فتنفق النفقات الطائلة لتزيد في ترقية الشبان وإنارة عقولهم وزيادة عدد المدارس وتحسين مواد التعليم العالي والوسط والابتدائي. ولا يفوتنا النظر زيادة على ما ذكر من القوانين الفيسيولوجية (المختصة بوظائف الأعضاء) أن نفوذ القوى العقلية متوقف على كمية الأكسجين التي يحملها الدم إلى الدماغ وعلى الهواء الصافي الذي توفرت فيه مادة الأكسجين يشاركهما على تحسين مجرى الرئة وهو السبب الضروري لسلامة الوظائف العقلية. فإذا بطل هذا الشرط وأضيف إليه تهييج القوى العصبية الناتج من شغل عقلي طويل وخصوصاً في بعض التراكيب والأعمار يضعف مجرى الدم ويؤدي بالتدريج إلى الفقر الدموي الدماغي وإلى إنهاك القوة الفكرية ويبدأ ذلك بضعف الذاكرة وعدم الإمكان في تحديق النظر في الموضوعات المهمة والشبان الذين يتعاطون العلم يصابون غالباً بسوس الأسنان وقد ثبت لأحد أطباء برلين من إحصاء خمس سنين أن ثمانين في المائة ممن تقدموا ليكونوا متطوعين في الجيش مدة سنة لم يكونوا صالحين للخدمة.

والفتيات اللاتي ينصرفن إلى الأشغال العقلية يصبن أيضاً بما يصاب به الفتيان من ضعف الدم والأمراض العصبية المختلفة وخصوصاً في سن البلوغ لان حالة المجتمع الحديث أصبحت تقضي على الفتيات أن ينصرفن جملة إلى الكد وإنهاك القوى للتغلب على رنق الحياة ومنهن من لا يجتهدن على هذا النحو إلا مجاراة لرغائب والداتهن أو عملاً بما يقتضيه التقليد. وإذا كان معظمهن عائشات غالباً في المحال المزدحمة ولا تسمح لهن أحوالهن المالية بالعيش أبداً في أحياء معرضة للهواء وبيوت توفرت فيها شرط الصحة على بابها فقد أسفر ذلك عن انقطاع الحواس التنفسية عن بلوغ حدها الأعلى من الانبعاث لقلة التمرين الوظائفي مما يؤدي إلى بشاعة كثيرة ويفسد الأوضاع الجسدية ويفضي إلى الحسر (ضعف البصر) وانحراف العمود الفقري الشائعين بين الفتيان والفتيات في خلا سن البلوغ.

وقصارى القول فقد أحدث القرن التاسع عشر تأثيراً في إصلاح الخيرات المادية والأدبية والعقلية في جميع طبقات المجتمع عامة وفي طبقات العملة خاصة فقلت قيمة ما أحدث وكلفت فوائده أهل الأجيال الحاضرة والمستقبلة كثيراً إذ لم يترك في الوجود غير كثير من المسائل الاجتماعية دون أن يحلها. وسيبقى الجهاد أبداً قائماً على ساق وقدم بين نصراء الطريقة القديمة والمجاهدين لتحقيق نياتهم في الارتقاء الحديث. بين رأس المال والعلم. بين حقوق المجموع وحقوق الأفراد.

ومن الأسف أنا لا نزال في دور التجارب وإنا لنتطال إلى بلوغ عقل الإنسان مرتبة الكمال وهذا لا يتأتى إلا بالإنفاق من سائر التركيب النامي الذي يضعف فيعمل على الدماغ فتختلف الاضطرابات باختلاف القوى العصبية والأشغال العقلية والجنس والسن. وإفراط الشبان في الأشغال العقلية مضافاً إلى الاستكثار من ضروب الشهوات في سن الرجولية هو الداعي عند بعضهم إلى استنزاف مادة القوى ونفوذها العقلي ويؤثر في بعضهم من الجهاد في الحياة ومن مختلف ضروب الأطماع في نيل المراتب والمناصب الاجتماعية ويكون سببها عند بعضهم بذل قوى الأفراد الطبيعية والأدبية بأضعاف التركيب النامي بالاضطرابات والهيجان من كل ضرب.

والحق يقال أن الإنسان قد تعلم بفضل ارتقاء الحضارة الحديثة طرق الوقاية من كثير من الأمراض بالعمل بالقوانين الفيسيولوجية أي بواسطة الأسباب الصحية في أعمال الحياة الخاصة والعامة. ولا يفوتنا أن تلك القواعد كانت في الأزمان الغابرة مجهولة فكان الضعفاء عرضة للهلاك بداعي قلة أسباب مدافعة العناصر العادية التي تتربص بهم الدوائر على حين فاز الأقوياء بما أرادوا من المنعة والوقاية وحيوا حياة طيبة عمروا فيها إلى أن تمتعوا بأولاد وبنين. هذا وقد توفرت اليوم دور الصحة للفقراء ومستشفيات السل والمصاح والملاجئ والبيمارستانات لليتامى والعميان والصم البكم والمعتوهين والبله. وبالجملة فإن المجتمع يؤوي في حجره الفقراء والمرضى والبله والضعفاء وكل من أعوزتهم القوة وخانتهم أسباب الجهاد. وقد صار من لم يعيشوا من قبل إلا أياماً في حالة حسنة يعيشون معها ويكبرون ويتبسطون في هذه البيئة الصناعية كالنبات يعيش في بيت من الزجاج بمأمن من الأحداث الجوية وربما ولدوا أولاداً ضعافاً مثلهم وإن كانوا على جانب من الذكاء ولكنهم حرموا من الحدة الطبيعية واحتاجوا للوسائط الصناعية لينجحوا وقد ورثوا الأجيال اللاحقة تلك المفسدات العضوية التي لا تؤهلهم لبلوغ الأجل الأوسط من الحياة البشرية أو تعدهم للأمراض المهلكة التي تشتد وطأتها على الجنس الإنساني وخصوصاً في مراكز السكان الكبرى.

وغير خاف أن نماء التجارة والصناعة في النصف الأخير من هذا القرن لم ينشأ عنه فساد هواء المدن بازدحام الناس في أنحائها وبما ينبعث من قاذوراتهم وعفنهم بل قد نتج منه شقاء الطبقة النازلة وانتشار الفجور والفساد والجرائم. وما من أحد يجهل أن السوقه في المدن الكبرى يحتالون أبداً للانتفاع من المفاسد البشرية وأماكن اللهو مثل محال القهوة والمجتمعات ودور اللعب والحانات والمواخير حيث ينفق بعضهم في اللعب ما اقتصده وآخرون ينفقونه في معاقرة المشروبات الروحية وفريق منهم يأتون في ناديهم المنكر وهم لا يتناهون. وأنت ترى بهذا أن حياة العيال المحبوبة آخذة بالضعف من حين إلى آخر كما أن التعلق بالبؤرة (المسكن) الأهلية آخذ بالفتور والانحلال. ولم تحدث محال القهوة والمجتمعات العامة إلا لضرورة اجتماعية ولتكون معهداً يختلف إليه التاجر والأديب في الأحايين وينتابه العامل في آونة عطلته. وقد استعيض عن الأخلاق والصلات البسيطة التي عهدت في الأزمان السالفة بغيرها من الأخلاق والعادات ولكنها نكدة مخالفة للطبيعة وأجدر بها أن تكون مكسوة بالطلاء اللامع من الظواهر من أن تكون لها حقيقة لا شائبة فيها.